← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 8821–8860 · переход к 8826.

стр. 8821

قال: حدثنا أشعث (١) عن ابن سيرين (٢) في قوله تعالى ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ قال: كان أبو بكر ﵁ يخافت بالقراءة في الصلاة ويقول: أناجي ربي، وقد علم حاجتي، وكان عمر ﵁ يجهر بالقراءة في الصلاة ويرفع صوته ويقول: أزجر الشيطان أوقظ الوسنان، فأمر أبو بكر ﵁ حين نزلت هذِه الآية (أن يرفع) (٣) صوته شيئًا، وأمر عمر ﵁ أن يخفض صوته شيئًا (٤). وقالت عائشة (٥) ﵂: نزلت هذِه الآية في التشهد، وكان الأعرابي يجهر فيقول: التحيات لله والصلوات ويرفع بها صوته، فنزلت هذِه الآية. وقال الحسن: (يقول الله) (٦) لا ترائي بصلاتك في العلانية، ولا

стр. 8822

تسئها في السر (١). وروى الوالبي عن ابن عباس ﵄: (لا تصل مراءاة) (٢) الناس ولا تدعها مخافة الناس. وقال ابن زيد: كان أهل الكتاب يخافتون في (٣) الصلاة، ثم يجهر أحدهم (٤) بالحرف فيصيح ويصيح من وراءه، فنهاه أن يصيح كما يصيحون، ويخافت كما يخافتون، والسبيل الَّذي بين ذلك الَّذي بيّن له جبريل من الصلاة. وقال علي ﵁ والنخعي ومكحول: هي في الدعاء، وهي رواية عروة عن عائشة ﵂، وعطية عن ابن عباس ﵄ (٥). وقال عبد الله بن شداد: كان أعراب بني تميم (٦) إذا سلم النبي ﷺ

стр. 8823

قالوا؛ اللهم ارزقنا مالًا وولدًا (١) يجهرون بذلك (٢)، فأنزل الله هذِه الآية. وروى ابن وهب (٣) عن عمرو بن الحارث (٤)، عن دراج أبي (٥) السمح أن شيخًا من أصحاب النبي ﷺ قال في هذِه الآية: إنما نزلت في الدعاء، يقول: لا ترفع صوتك بالدعاء عند استغفارك وذكر ذنوبك فيسمع منك فتعيّر بها (٦).

стр. 8824

والمخافتة: خفض الصوت والسكون، ويقال للميت إذا برد: خَفَت. ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أي: بين الجهر والإخفات ﴿سَبِيلًا﴾. ١١١ - ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ قال الحسين بن الفضل: يعني الَّذي عرّفني أنَّه لم يتخذ ولدا ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ قال مجاهد: لم يذل فيحتاج إلى ولي يتعزز به ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ وعظمه عن (١) أن يكون له شريك أو ولي. قال عمر بن الخطاب: قول العبد: الله أكبر، خير من الدنيا وما فيها (٢). [١٧٦٢] أنبأني عبد الله بن حامد (٣)، أخبرنا أحمد بن عبد الله (٤)، حدثنا محمد بن عبد الله بن سليمان (٥)،

стр. 8825

حدثنا محمد بن العلاء (١)، حدثنا رشدين (٢) بن سعد، عن (زبان بن فائد) (٣)، عن سهل بن معاذ (٤)، عن أبيه (٥) قال: قال ﷺ : "آية العز: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ " الآية (٦). [١٧٦٣] وأخبرني الحسين بن محمد بن الحسين الدينوري (٧)، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن إسحاق السني (٨)، قال: حدثنا أبو محمد بن زيدان البجلي (٩)، حدثنا سفيان بن وكيع (١٠)، حدثنا

стр. 8826

سفيان ابن عيينة (١)، عن عبد الكريم (أبي أمية) (٢)، عن عمرو بن شعيب (٣)، عن أبيه (٤)، عن جده (٥) قال: كان النبي ﷺ إذا أفصح الغلام من بني عبد المطلب علمه هذِه الآية: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ الآية (٦).

стр. 8827

[١٧٦٤] وأخبرني الحسين بن محمد (١)، ثنا محمد بن علي بن الحسين بن الفأفأ (٢)، ثنا أبو بكر بن قارن الرازي (٣)، ثنا أبو حاتم (٤)، ثنا سهل بن عثمان (٥)، ثنا موسى بن صالح الهمداني (٦)، عن بكربن حبيش (٧)، عن محمد بن سلمة (٨)، عن عبد الحميدبن واصل (٩)، قال: من قرأ آخر بني إسرائيل كتب الله له من الأجر ملء السماوات والأرض والجبال، وذلك بأن الله تعالى يقول: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا

стр. 8828

لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١)﴾ قال: فيكتب له من الأجر على قدر ذلك (١).

стр. 8829

الكشف والبيان عن تفسير القرآن تأليف أبي إسحاق أحمد بن إبراهيم الثعلبي المتوفى سنة ٤٢٧ هـ أشرف على إخراجه د/ صلاح باعثمان - د/ حسن الغزالي - أ. د/ زيد مهارش - أ. د/ أمين باشه [المجلد السابع عشر] [سورة الكهف * مريم * طه ١ - ٥٩] تحقيق د/ عيد بن مدعج السبيعي د/ صالح بن نمران الحارثي

стр. 8830

السيرة الذاتية للمحقق د/ عِيد بن مدعج السّبيعي حصل على درجة الدكتوراه في تخصص التفسير وعلوم القرآن من جامعة أم القرى. - كلية الدعوة وأصول الدين - قسم الكتاب والسنة، وعنوان رسالة الدكتوراه (منهج الفيض الكاشاني في تفسيره الصافي عرض ونقد). بعض من المناصب الإدارية التي شغلها: يعمل بالرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - الرياض. له مؤلفات منشورة أهمها: ١ - تاريخ البدع. ٢ - أصول التفسير ومصادره. ٣ - مسند تميم بن أوس الداري ﵁ جمع وتحقيق. ٤ - أصول المفردات العامية في لغتنا الفصيحة. ٥ - تراجم علماء الظاهرية. ٦ - وقفات مع سورة الإخلاص. ٧ - زيارة النساء للقبور. ٨ - وقفات مع بعض كتب الأنساب. ٩ - الزيادة على النص. * * * السيرة الذاتية للمحقق د/ صالح بن نمران الحارثي أستاذ مساعد بجامعة نجران - كلية المجتمع والشريعة وأصول الدين حصل على درجة الدكتوراه عام ١٤٢٨ هـ في تخصص الحديث وعلومه من جامعة أم القرى - كلية الدعوة وأصول الدين. بعض من المناصب الإدارية التي شغلها: وكيل عمادة خدمة المجتمع والتعليم المستمر للتطوير والجودة بجامعة نجران. وكيل كلية المجتمع للتطوير والجودة بجامعة نجران. [تمام السيرة في المجلد التالي] * * *

стр. 8831

الْكَشْفُ وَالْبَيَانُ عَن تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ [١٧]

стр. 8832

جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة رَقم الْإِيدَاع بدَارِ الْكتب ١٥١٩٨/ ٢٠١٣ الطَّبعَةُ الأولى ١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م دَار التَّفْسِير جدة - المملكة الْعَرَبيَّة السَعوديَّة شَارِع مَحْمُود نصيف - حَيّ الأندلس ص. ب: ١٢٢٤٩٧ - جدة: ٢١٣٣٢ تلفاكس: ٦٦٨٨٨٢٣ - ٠١٢

стр. 8833

١٨ - سُورَة الكَهْفِ

стр. 8834

سورة الكهف مكية (١)، وهي ستة آلاف وثلاثمائة وستون حرفًا، وألف وخمسمائة وسبع وسبعون كلمة، ومائة وعشر آيات (٢). [١٧٦٥] أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد الطبراني (٣) بها، قال: أخبرني أبو علي الصفار (٤)، قال: حدثنا الحسن بن الفضل (٥)، قال:

стр. 8835

حدثنا غياث بن كلوب (١)، قال: حدثثا مطرف بن سمرة بن جندب (٢)، عن أبيه (٣)، قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ عشر آيات من سورة الكهف حفظًا لم تضره فتنة الدجال، ومن قرأ السورة كلها دخل الجنّة" (٤).

стр. 8836

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8837

[١٧٦٦] وأخبرني محمد بن القاسم (١)، قال: حدثنا عبد الرحمن محمد بن محبوب (٢)، قال: حدثنا جعفر (٣) بن سهل (٤)، قال:

стр. 8838

حدثنا أحمد بن حرب (١)، قال: حدثنا مكي بن إبراهيم (٢)، عن إسماعيل بن رافع (٣)، عن إسحاق (٤) بن عبد الله بن أبي فروة (٥) أن رسول الله ﷺ قال: "ألا أدلكم على سورة شيعها سبعون ألف ملك حين نزلت وملأ عظمها ما بين السماء والأرض لتاليها مثل ذلك" قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "سورة أصحاب الكهف، ومن قرأها يوم الجمعة غفر (٦) له إلى الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام ولياليها وأعطي نورًا يبلغ السماء، ووقي فتنة الدجال" (٧).

стр. 8839

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (١) . ١ - قوله : ٢ - ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾. مجاز الآية: الحمد لله الَّذي أنزل على عبده الكتاب قيما مستقيما. قال ابن عباس ﵄ عدلا (٢). وقال الفراء: قيمًا على الكتب كلها ناسخًا لشرائعها (٣).

стр. 8840

﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾: مختلفًا ملتبسًا. ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾، أي: لينذركم ببأس شديد. ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ (من قِبَله) (١). (قرأ أبو بكر بإسكان الدال وإشمامها شيئًا من الضمة وكسر النون والهاء ووصل الهاء بباء (٢). وقرأ الباقون بضم الدال وإسكان النون وضم الهاء) (٣) . ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ وهو الجنّة. ٣ - ﴿مَاكِثِينَ﴾: أي: مقيمين ﴿فِيهِ أَبَدًا﴾ ٤ - ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾: نصب على التمييز والقطع، تقديره: كبرت الكلمة كلمة، ﴿تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ (٤).

стр. 8841

﴿إِنْ يَقُولُونَ﴾: ما يقولون ﴿إِلَّا كَذِبًا﴾. ٦ - ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ﴾ قاتل ﴿نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ حزنًا وجزعًا وغضبًا (١). ٧ - ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ﴾ من كل شيء. قال الضحاك: يعني للرجال (٢) خاصة (٣). ﴿زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾

стр. 8842

٨ - قوله : ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا﴾ مستويًا. ﴿جُرُزًا﴾ يابسًا أملس لا ينبت شيئًا. ٩ - قوله : ﴿أَمْ حَسِبْتَ﴾ يعني: أظننت يا محمد، ﴿أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾، يعني: ليسوا أعجب آياتنا فإن ما خلقت من السموات والأرضين وما فيهن من العجائب أعجب منهم. والكهف هو الغار في الجبل، واختلفوا في الرقيم، فقال (١) فيما: [١٧٦٧] أخبرنا أبو محمد عبد الله بن حامد ﵀ (٢)، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن الحسن (٣)، قال: حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى (٤)،

стр. 8843

قال: حدثنا (محمد بن) (١) معمر (٢) قال: حدثنا أبو عاصم (٣) ح (٤). [١٧٦٨] قال أبو محمد (٥)، وأخبرنا أحمد (٦)، قال: حدثنا أحمد ابن سلمة (٧) قال: حدثنا إسحاق بن منصور (٨) وأحمد بن سعيد الدارمي (٩) ح.

стр. 8844

[١٧٦٩] قال (١): وأخبرنا أحمد (٢)، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل (٣)، قال: حدثنا محمد بن بشار (٤) وأبو موسى (٥)، قالوا: حدثنا أبو عاصم (٦)، عن ابن جريح (٧) قال: أخبرني موسى بن عقبة (٨)، عن نافع (٩)، عن ابن عمر ﵁، عن رسول الله ﵁. ورواه عبد بن حميد (١٠)، عن إسماعيل بن عبد الكريم (١١) قال: حدثني عبد الصمد بن معقل (١٢) قال: سمعت وهبًا (١٣) يقول: حدثني النعمان بن بشير الأنصاري ﵄ (١٤)، أنه سمع رسول الله ﷺ يذكر الرقيم قال: "إن ثلاثة نفر خرجوا يرتادون لأهليهم فبينا هم

стр. 8845

يمشون إذ أصابتهم السماء فأووا إلى كهف، فانقضت (١) صخرة من الجبل فانطبقت على باب الكهف، فأوصد عليهم، فقال قائل منهم: اذكروا أيكم عمل حسنة لعل الله تعالى برحمته أن يرحمنا. قال رجل منهم: إني قد عملت حسنة مرة، كان لي أُجراء يعملون عملًا لي، استأجرت كل رجل منهم بأجرة معلومة (٢)، فجاءني رجل ذات يوم وسط النهار فاستأجرته بشطر (٣) أصحابه، فعمل بقية نهاره كما عمل رجل منهم نهاره كله، فرأيت عليَّ في الذمام أن لا أنقصه مما استأجرت به أصحابه لما جهد في عمله، فقال رجل منهم: أتعطي هذا مثل ما أعطيتني ولم يعمل إلا نصف النهار؟ قلت: يا عبد الله، لم أبخسك شيئًا من شرطي (٤)، وإنما هو مالي أحكم فيه (٥) بما شئت، قال: فغضب وذهب وترك أجره، فوضعت حقه في جانب من البيت ما شاء الله تعالى، ثم مرت بي بعد ذلك بقر فاشتريت له (٦) فصيلة من البقر، فبلغت ما شاء الله، فمَرَّ بي بعد حين رجل شيخ كبير ضعيف لا أعرفه فقال: إن عليك لي حقًّا.

стр. 8846

فذكره حتَّى عرفته، قلت له: الاك أبغي، وهذا حقك، وأعرضتها (١) عليه جميعًا، قال: يا عبد الله، لا تسخر بي، إن لم تصدّق عليّ فأعطني حقي. قلت: والله لا أسخر بك (٢) إنها لحَقُّك مالي فيه بشيء، فدفعتها إليه جميعًا. اللهم إن كُنْتُ فعلتُ ذلك لوجهك فافرج عنا الحجر (٣). فانصاع الجبل حتَّى رأوا وأبصروا. وقال الآخرُ: قد عملت حسنة مرة، كان فيّ فضل، وأصاب الناسَ شدةٌ، فجاءتني امرأة فطلبت مني معروفا، فقلت: والله ما هو دون نفسك (فأبت على فذهبت، ثم رجعت، فذكرتني بالله، فأبيت عليها، وقلت لها: والله ما هو دون نفسك، فأبت على وذهبت وذكرت لزوجها، فقال لها: أعطيه نفسك وأغيثي عيالك. فرجعت إليّ ونشدتني بالله تعالى فأبيت عليها وقلت لها والله ما هو دون نفسك) (٤)، فلما رأت ذلك أسلمت إليّ نفسها، فلما كشفتها وهممت بها ارتعدت من تحتي، فقلت لها: ما شأنك؟ قالت: أخاف الله رب العالمين. فقلت لها: خفتيه في الشدة ولم أخفه في الرخاء! فتركتها وأعطيتها ما يحق عليّ بكشفها، اللهم إن كنت (٥) فعلت ذلك لوجهك فافرج عنا.

стр. 8847

فانصدع حتَّى عرفوا وتبين لهم. وقال الآخر: قد عملت حسنة مرة، كان لي أبوان شيخان كبيران، وكان لي غنم، فكنتُ أطعم أبويّ وأسقيهما ثم أرجع إلى غنمي، قال: فأصابني يومًا غيث حبسني حتَّى أمسيتَ، فأتيتُ أهلي، فأخذت محلبي، فحلبت غنمي وتركتها قائمة، فمضيت إلى أبويَّ فوجدتهما قد ناما، فشق على أن أوقظهما، وشق على أن أترك غنمي، فما برحت جالسًا ومحلبي على يدي حتَّى أيقظهما الصبح فسقيتهما، اللهم إن كنت فعلتُ ذلك لوجهك فافرج عنا". قال النعمان بن بشير ﵁. لكأني أسمع رسول الله ﷺ قال: "قال الجبل: طاق. ففرج الله عنهم فخرجوا" (١).

стр. 8848

وقال ابن عباس ﵁: الرقيم وادٍ بين غضبان وأيلة دون فلسطين، وهو الوادي الَّذي فيه أصحاب الكهف (١).

стр. 8849

وقال كعب (١): هي قريتهم (٢). وهو على هذا التأويل من رقمة الوادي وهي موضع المياه منه، تقول العرب: عليك بالرقمة وح الضفة والضفتان جانبا الوادي (٣). وقال سعيد بن جبير: الرقيم لوح من حجارة، وقيل من رصاص كتبوا فيه أسماء أصحاب الكهف (٤). وهو على هذا التأويل بمعنى المرقوم أي: المكتوب. والرقم الخط والعلامة، والرقم الكتابة (٥). ثم ذكر صفتهم وقصتهم فقال:

стр. 8850

١٠ - ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ أي: رجعوا وصاروا. واختلفوا في سبب مصيرهم إلى الكهف. فقال محمد بن إسحاق بن يسار: مرج (١) أهل الإنجيل، وعظمت فيهم الخطايا، وطغت فيهم الملوك، حتَّى عبدوا الأصنام وذبحوا للطواغيت، وفيهم بقايا على دين المسيح ابن مريم ﵉، متمسكين بعبادة الله وتوحيده، فكان ممن فعل ذلك من ملوكهم ملك من الروم يقال له: دقيانوس، كان قد عبد الأصنام، وذبح للطواغيت، وقتل من خالفه في ذلك ممن أقام على دين المسيح ﵇، وكان ينزل قرى الروم، فكان لا ينزل في قرية فيها أحد مؤمن إلا فتنه حتَّى يعبد الأصنام ويذبح للطواغيت، حتَّى نزل مدينة أصحاب الكهف وهي أفسوس (٢)، فلما نزلها كَبُر ذلك

стр. 8851

على أهل الإيمان، فاستخفوا منه، وهربوا في كل وجه، وكان دقيانوس قد أمر حين قدمها أن يتّبع أهل الإيمان فيجمعوا له، واتخذ شرطًا من الكفار من أهلها، فجعلوا يبتغون أهل الإيمان في أماكنهم فيخرجونهم إلى دقيانوس، فيقدمهم إلى الجامع الَّذي يذبح فيه للطواغيت، فيخيرهم بين القتل وبين عبادة الأصنام (١) والذبح للطواغيت، فمنهم من يرغب في الحياة، ومنهم من يأبى أن يعبد غير الله تعالى فيقتل، فلما رأى أهل ذلك البلد الشدة في الإيمان بالله تعالى جعلوا يسلمون أنفسهم للعذاب والقتل فيقتلون ويقطعون، ثم يربط ما قطع من أجسادهم على سور المدينة من نواحيها كلها وعلى باب من أبوابها، حتَّى عظمت الفتنة على أهل الإيمان، منهم من أقر فتُرك، ومنهم من صُلب على دينه فقتل، فلما رأى ذلك الفتية حزنوا حزنًا شديدا فقاموا وصاموا (٢) واشتغلوا بالتسبيح والدعاء لله ، وكانوا من أشراف الروم، وكانوا ثمانية نفر، فبكوا وتضرعوا وجعلوا يقولون: ربنا رب السموات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا، ربنا (٣) اكشف عن عبادك المؤمنين هذِه الفتنة، وارفع عنهم البلاء، وأنعم على عبادك الذين آمنوا بك حتَّى يعلنوا عبادتهم إياك. فبينا هم على ذلك أدركهم

стр. 8852

الشرطاء (١)، وكانوا قد دخلوا في مصلى لهم فوجدوهم وهم سجود على وجوههم يبكون ويتضرعون إلى الله تعالى ويسألونه أن ينجيهم من دقيانوس وفتنته، فلما رآهم أولئك الكفرة قالوا لهم: ما خلفكم عن أمر الملك؟ انطلقوا إليه. ثم خرجوا من عندهم، فرفعوا أمرهم إلى دقيانوس، فقالوا: تجمع الجميع وهؤلاء الفتية من أهل بيتك يسخرون منك ويعصون أمرك! فلما سمع ذلك أتى بهم تفيض أعينهم من الدمع معفرة وجوههم في التراب. فقال لهم: ما منعكم أن تشهدوا الذبح للآلهة التي تعبد في الأرض وأن تجعلوا أنفسكم كغيركم؛ اختاروا إما أن تذبحوا لآلهتنا كما ذبح الناس وإما أن أقتلكم. فقال مكسلمينا -وكان (٢) أكبرهم-: إن لنا إلهًا ملأ السموات والأرض عظمته لن ندعو من دونه إلهًا أبدًا لقد قلنا إذًا شططًا. ولن نقر بهذا الَّذي تدعونا إليه أبدًا ولكنّا نعبد الله ربنا وله الحمد والتكبير والتسبيح من أنفسنا خالصًا أبدًا، إياه نعبد وإياه

стр. 8853

نسأل النجاة والخير، وأما الطواغيت وعبادتها فلن نعبدها أبدًا، فاصنع بنا ما بدا لك. ثم قال أصحاب مكسلمينا لدقيانوس مثل ما قال له، فلما قالوا ذلك أمرهم فنزع عنهم لبوس كانت عليهم من لبوس عظمائهم، ثم قال أما إذ فعلتم ما فعلتم فإني سأؤخركم وسأفرغ فأنجز لكم ما وعدتكم من العقوبة، وما يمنعني أن أعجل ذلك لكم إلا أني أراكم شبابًا حديثة أسنانكم، فلا أحب أن أهلككم حتَّى أجعل لكم أجلًا تذكرون فيه وتراجعون عقولكم. ثم أمر بحلية كانت عليهم من ذهب وفضة فنزعت عنهم، ثم أمر بهم فأخرجوا من عنده، وانطلق دقيانوس (١) إلى مدينة سوى (٢) مدينتهم التي هم بها قريبًا منهم لبعض أموره، فلما رأى الفتية أن دقيانوس قد خرج من مدينتهم التي هم بها بادروا قدومه وخافوا إذا قدم مدينتهم أن يذكرهم فأتمروا (٣) أن يأخذ كل رجل منهم نفقة من بيت أبيه فيتصدقوا منها ويتزودوا مما بقي، ثم ينطلقوا إلى كهف قريب من المدينة في جبل يقال له: "بنجلوس" (٤)

стр. 8854

فيمكثون فيه ويعبدون الله حتَّى إذا جاء دقيانوس أتوه فقاموا بين يديه فيصنع بهم ما شاء الله، فلما قال ذلك بعضهم لبعض عمد كل فتى منهم إلى بيت أبيه فأخذ نفقة فتصدقوا منها وانطلقوا بما بقي معهم من نفقتهم واتبعهم كلب كان لهم حتَّى أتوا ذلك الكهف الَّذي في ذلك الجبل فلبثوا فيه (١). وقال كعب الأحبار: مروا بكلب فنبح عليهم فطردوه فعاد ففعلوا ذلك مرارًا، فقال لهم الكلب: ما تريدون مني لا تخشوا جانبي، أنا أحب أحباء الله، فناموا حتَّى أحرسكم. وقال ابن عباس: هربوا ليلًا من دقيانوس بن حلابوس حين (٢) دعاهم إلى عبادة الأوثان (٣) والأصنام وكانوا سبعة فمروا براع معه كلب فتبعهم على دينهم فخرجوا من البلدة وأووا إلى الكهف وهو قريب إلى البلدة (٤).

стр. 8855

فلبثوا (١) فيه ليس لهم عمل إلا الصلاة والصيام والتسبيح والتكبير والتحميد ابتغاء وجه الله تعالى، وجعلوا نفقتهم إلى فتى منهم يقال له "تمليخا" وكان على طعامهم يبتاع لهم أرزاقهم من المدينة سرًّا، وكان من أجملهم وأجلهم، وكان تمليخا يصنع ذلك، فإذا دخل المدينة يضع ثيابًا كانت عليه حسانًا ويأخذ ثيابًا كثياب المساكين الذين يستطعمون فيها، ثم يأخذ ورقة وينطلق إلى المدينة فيشتري طعامًا وشرابًا ويتسمع (٢) ويتجسس لهم الخبر: هل ذكروه وأصحابه بشيء؟ ثم يرجع إلى أصحابه، فلبثوا بذلك ما لبثوا، ثم قدم دقيانوس الجبّار إلى المدينة، فأمر العظماء فذبحوا للطواغيت، ففزع بذلك (٣) أهل الإيمان، وكان تمليخا بالمدينة يشتري لأصحابه طعامهم وشرابهم فرجع إلى أصحابه وهو يبكي ومعه طعام قليل، فأخبرهم أن الجبار دقيانوس قد دخل المدينة وأنهم قد ذكروا والتمسوا مع عظماء المدينة ليذبحوا للطواغيت، فلما أخبرهم فزعوا ووقعوا سجودًا يدعون الله تعالى ويتضرعون إليه ويتعوذون به من الفتنة، ثم إن تمليخا قال لهم: يا إخوتاه ارفعوا رؤوسكم فاطعموا منه، وتوكلوا على الله ربكم. فرفعوا رؤوسهم وأعينهم تفيض من الدمع

стр. 8856

حزنًا وخوفًا على أنفسهم. فطعموا منه وذلك مع غروب الشمس ثم جلسوا يتحدثون ويتدارسون ويذكر بعضهم بعضًا، فبينا هم على ذلك إذ ضرب الله تعالى على آذانهم في الكهف، وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد (١) بباب الكهف فأصابه ما أصابهم وهم مؤمنون موقنون ونفقتهم عند رؤوسهم، فلما كان من الغد تفقدهم دقيانوس فالتمسهم فلم يجدهم فقال لبعضهم: لقد ساءني هؤلاء الفتية الذين ذهبوا، لقد كانوا ظنوا بي غضبًا عليهم لجهلهم ما جهلوا من أمري، ما كنت لأحمل عليهم في نفسهم (٢) ولا لواحد منهم إن تابوا وعبدوا إلهي. فقال له عظماء المدينة: ما أنت بحقيق أن ترحم قومًا فجرة مردة عصاة مقيمين على ظلمهم ومعصيتهم. قد كنت أجلتهم (٣) أجلًا ولو شاؤوا لرجعوا في ذلك الأجل ولكنهم لم يتوبوا. فلما قالوا له ذلك غضب غضبًا شديدًا، ثم أرسل إلى آبائهم فسألهم عنهم ثم قالوا (٤): أخبروني عن أبنائكم المردة الذين عصوني؟ فقالوا له: أما نحن فلم نعصك، فلم تقتلنا بقوم مردة قد ذهبوا بأموالنا وأهلكوها في أسواق المدينة، ثم انطلقوا فارتقوا إلى جبل (يقال له) (٥) "بنجلوس" فلما قالوا له ذلك خلى سبيلهم وجعل ما يدري ما يصنع بالفتية.

стр. 8857

فألقى الله في نفسه أن يأمر بالكهف فيسد عليهم، فأراد الله تعالى أن يكرمهم ويجعلهم آية لأمة تستخلف من بعدهم وأن يبين لهم أن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور، فأمر دقيانوس بالكهف أن يسد عليهم وَيَدَعُوهم (١) كما هم في الكهف يموتوا عطشًا وجوعًا وليكن كهفهم الَّذي اختاروه قبرًا لهم، وهو يظن أنهم أيقاظ يعلمون ما يصنع بهم، وقد توفى الله أرواحهم وفاة النوم وكلبهم باسط ذراعيه بباب الكهف قد غشيه ما غشيهم يُقلَّبُون ذات اليمين وذات الشمال ثم إن رجلين مؤمنين كانا في بيت الملك دقيانوس يكتمان إيمانهما اسم أحدهما "تندروس" والآخر "روباس" ائتمرا أن يكتبا شأن الفتية وأنسابهم وأسماءهم وخبرهم في لوح من رصاص ثم يجعلانه في تابوت من نحاس ثم يجعلان التابوت في البنيان، وقالا: لعل الله تعالى يظهر على هؤلاء الفتية قومًا مؤمنين قبل يوم القيامة فيعلم من يفتح عليهم خبرهم حين يقرأ هذا الكتاب، ففعلا ثم بنيا عليه. فبقي دقيانوس ما بقي ثم مات وقومه وقرون بعده كثيرة (٢) وخلفت الملوك بعد الملوك. وقال عبيد بن عمير: كان أصحاب الكهف فتيانًا مطوقين مسورين

стр. 8858

ذوي ذوائب وكان معهم كلب صيدهم فخرجوا في عيد لهم عظيم في زي وموكب وأخرجوا معهم آلهتهم التي يعبدونها من دون الله سبحانه، وقد قذف الله تعالى في قلوب الفتية الإيمان وكان أحدهم وزير الملك، فآمنوا وأخفى كل واحد منهم إيمانه عن صاحبه، فقالوا في أنفسهم من غير أن يظهر بعضهم لبعض (ثم قال بعضهم لبعض: هلموا بنا) (١) نخرج من بين أظهر هؤلاء القوم لا يصيبنا عقاب بجرمهم، فخرج شاب منهم حتَّى انتهى إلى ظل شجرة، فجلس فيه، ثم خرج آخر فرآه جالسًا وحده فرجا أن يكون على مثل أمره من غير أن يظهر ذلك، فجلس إليه، ثم خرج الآخرون فجاءوا فجلسوا إليهما واجتمعوا، فقال بعضهم لبعض: ما جمعكم؟ وقال آخر: بل ما جمعكم؟ وكل واحد يكتم إيمانه صاحبه مخافة على نفسه، ثم قالوا: ليخرج كل فتيين منكم فيخلوان، ثم يفشي كل واحد منكم إلى صاحبه أمره، فخرج فتيان منهم فتوافقا، ثم تكلما، فذكر كل واحد منهما أمره لصاحبه، فأقبلا مستبشرين إلى أصحابهما، فقالا: قد اتفقنا على أمر واحد، وإذا هم جميعًا على (أمر واحد) (٢) على الإيمان، وإذا كهف في الجبل قريب منهم، فقال بعضهم لبعض: ائووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقًا، فدخلوا الكهف ومعهم كلب صيدهم فناموا ثلاثمائة سنين

стр. 8859

وازدادوا تسعًا، قال: وفقدهم قومهم، فطلبوهم، فعمّى الله عليهم أبصارهم (١) وكهفهم، فلما لم يقدروا (٢) كتبوا أسماءهم وأنسابهم في لوح، فلان بن فلان، وفلان وفلان، أبناء ملوكنا، فقدناهم في شهر كذا، في سنة كذا في مملكة (فلان وفلان) (٣)، ووضعوا اللوح في خزانة الملك، وقالوا: ليكونن لهذا شأن، ومات ذلك الملك وجاء قرن بعد قرن (٤). وقال وهب بن منبه: جاء حواري عيسى ابن مريم ﵉ إلى مدينة أصحاب الكهف فأراد أن يدخلها فقيل له: إن على بابها صنمًا لا يدخلها أحد إلا سجد له. فكره أن يدخلها، فأتى حمامًا قريبًا من تلك المدينة فكان فيه وكان يواجر نفسه من الحمامي ويعمل فيه. ورأى صاحب الحمّام في حمَّامه البركة ودرَّ عليه الرزق فجعل يقوم عليه وعلقه (٥) فتية من أهل المدينة فجعل يخبرهم خبر السماء والأرض وخبر الآخرة، حتَّى آمنوا بالله تعالى

стр. 8860

وصدقوه وكانوا على مثل حاله في حسن الهيئة، وكان يشرط على صاحب الحمام أن الليل لي لا يحول بيني وبينه أحد ولا بيني (١) وبين الصلاة، فكان على ذلك، حتَّى أتى ابن الملك بامرأة فدخل بها الحمام فعيره الحواري وقال: أنت ابن الملك وتدخل معك هذِه! فاستحى فذهب فرجع مرة أخرى، فقال له مثل ذلك، فسبه وانتهره ولم يلتفت حتَّى دخلا معًا، فماتا جميعًا في الحمام، فأتى الملك فقيل له: قتل صاحب الحمام ابنك. فالتُمس، فلم يقدر عليه وهرب، فقال: من كان يصحبه؟ فسموا الفتية. فالتمسوا فخرجوا من المدينة فمروا بصاحب لهم في زرع وهو على مثل إيمانهم فذكروا له أنهم التمسوا فانطلق معهم ومعه كلب (٢) حتَّى آواهم الليل إلى كهف فدخلوه وقالوا: نبيت هاهنا الليلة ثم نصبح -إن شاء الله تعالى- فترون رأيكم، فضرب الله سبحانه على آذانهم فخرج الملك في أصحابه يتبعونهم حتَّى وجدوهم قد دخلوا الكهف، فكلما أراد الرجل منهم أن يدخله أُرعب، فلم يطق أحد أن يدخله، فقال قائل: أليس لو كنت قدرت عليهم قتلتهم؟ قال: بلى. قالوا: فابن عليهم باب الكهف واتركهم فيه يموتون عطشًا وجوعًا. ففعل (٣).
следующие страницы →