← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 8856–8895 · переход к 8861.

стр. 8856

حزنًا وخوفًا على أنفسهم. فطعموا منه وذلك مع غروب الشمس ثم جلسوا يتحدثون ويتدارسون ويذكر بعضهم بعضًا، فبينا هم على ذلك إذ ضرب الله تعالى على آذانهم في الكهف، وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد (١) بباب الكهف فأصابه ما أصابهم وهم مؤمنون موقنون ونفقتهم عند رؤوسهم، فلما كان من الغد تفقدهم دقيانوس فالتمسهم فلم يجدهم فقال لبعضهم: لقد ساءني هؤلاء الفتية الذين ذهبوا، لقد كانوا ظنوا بي غضبًا عليهم لجهلهم ما جهلوا من أمري، ما كنت لأحمل عليهم في نفسهم (٢) ولا لواحد منهم إن تابوا وعبدوا إلهي. فقال له عظماء المدينة: ما أنت بحقيق أن ترحم قومًا فجرة مردة عصاة مقيمين على ظلمهم ومعصيتهم. قد كنت أجلتهم (٣) أجلًا ولو شاؤوا لرجعوا في ذلك الأجل ولكنهم لم يتوبوا. فلما قالوا له ذلك غضب غضبًا شديدًا، ثم أرسل إلى آبائهم فسألهم عنهم ثم قالوا (٤): أخبروني عن أبنائكم المردة الذين عصوني؟ فقالوا له: أما نحن فلم نعصك، فلم تقتلنا بقوم مردة قد ذهبوا بأموالنا وأهلكوها في أسواق المدينة، ثم انطلقوا فارتقوا إلى جبل (يقال له) (٥) "بنجلوس" فلما قالوا له ذلك خلى سبيلهم وجعل ما يدري ما يصنع بالفتية.

стр. 8857

فألقى الله في نفسه أن يأمر بالكهف فيسد عليهم، فأراد الله تعالى أن يكرمهم ويجعلهم آية لأمة تستخلف من بعدهم وأن يبين لهم أن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور، فأمر دقيانوس بالكهف أن يسد عليهم وَيَدَعُوهم (١) كما هم في الكهف يموتوا عطشًا وجوعًا وليكن كهفهم الَّذي اختاروه قبرًا لهم، وهو يظن أنهم أيقاظ يعلمون ما يصنع بهم، وقد توفى الله أرواحهم وفاة النوم وكلبهم باسط ذراعيه بباب الكهف قد غشيه ما غشيهم يُقلَّبُون ذات اليمين وذات الشمال ثم إن رجلين مؤمنين كانا في بيت الملك دقيانوس يكتمان إيمانهما اسم أحدهما "تندروس" والآخر "روباس" ائتمرا أن يكتبا شأن الفتية وأنسابهم وأسماءهم وخبرهم في لوح من رصاص ثم يجعلانه في تابوت من نحاس ثم يجعلان التابوت في البنيان، وقالا: لعل الله تعالى يظهر على هؤلاء الفتية قومًا مؤمنين قبل يوم القيامة فيعلم من يفتح عليهم خبرهم حين يقرأ هذا الكتاب، ففعلا ثم بنيا عليه. فبقي دقيانوس ما بقي ثم مات وقومه وقرون بعده كثيرة (٢) وخلفت الملوك بعد الملوك. وقال عبيد بن عمير: كان أصحاب الكهف فتيانًا مطوقين مسورين

стр. 8858

ذوي ذوائب وكان معهم كلب صيدهم فخرجوا في عيد لهم عظيم في زي وموكب وأخرجوا معهم آلهتهم التي يعبدونها من دون الله سبحانه، وقد قذف الله تعالى في قلوب الفتية الإيمان وكان أحدهم وزير الملك، فآمنوا وأخفى كل واحد منهم إيمانه عن صاحبه، فقالوا في أنفسهم من غير أن يظهر بعضهم لبعض (ثم قال بعضهم لبعض: هلموا بنا) (١) نخرج من بين أظهر هؤلاء القوم لا يصيبنا عقاب بجرمهم، فخرج شاب منهم حتَّى انتهى إلى ظل شجرة، فجلس فيه، ثم خرج آخر فرآه جالسًا وحده فرجا أن يكون على مثل أمره من غير أن يظهر ذلك، فجلس إليه، ثم خرج الآخرون فجاءوا فجلسوا إليهما واجتمعوا، فقال بعضهم لبعض: ما جمعكم؟ وقال آخر: بل ما جمعكم؟ وكل واحد يكتم إيمانه صاحبه مخافة على نفسه، ثم قالوا: ليخرج كل فتيين منكم فيخلوان، ثم يفشي كل واحد منكم إلى صاحبه أمره، فخرج فتيان منهم فتوافقا، ثم تكلما، فذكر كل واحد منهما أمره لصاحبه، فأقبلا مستبشرين إلى أصحابهما، فقالا: قد اتفقنا على أمر واحد، وإذا هم جميعًا على (أمر واحد) (٢) على الإيمان، وإذا كهف في الجبل قريب منهم، فقال بعضهم لبعض: ائووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقًا، فدخلوا الكهف ومعهم كلب صيدهم فناموا ثلاثمائة سنين

стр. 8859

وازدادوا تسعًا، قال: وفقدهم قومهم، فطلبوهم، فعمّى الله عليهم أبصارهم (١) وكهفهم، فلما لم يقدروا (٢) كتبوا أسماءهم وأنسابهم في لوح، فلان بن فلان، وفلان وفلان، أبناء ملوكنا، فقدناهم في شهر كذا، في سنة كذا في مملكة (فلان وفلان) (٣)، ووضعوا اللوح في خزانة الملك، وقالوا: ليكونن لهذا شأن، ومات ذلك الملك وجاء قرن بعد قرن (٤). وقال وهب بن منبه: جاء حواري عيسى ابن مريم ﵉ إلى مدينة أصحاب الكهف فأراد أن يدخلها فقيل له: إن على بابها صنمًا لا يدخلها أحد إلا سجد له. فكره أن يدخلها، فأتى حمامًا قريبًا من تلك المدينة فكان فيه وكان يواجر نفسه من الحمامي ويعمل فيه. ورأى صاحب الحمّام في حمَّامه البركة ودرَّ عليه الرزق فجعل يقوم عليه وعلقه (٥) فتية من أهل المدينة فجعل يخبرهم خبر السماء والأرض وخبر الآخرة، حتَّى آمنوا بالله تعالى

стр. 8860

وصدقوه وكانوا على مثل حاله في حسن الهيئة، وكان يشرط على صاحب الحمام أن الليل لي لا يحول بيني وبينه أحد ولا بيني (١) وبين الصلاة، فكان على ذلك، حتَّى أتى ابن الملك بامرأة فدخل بها الحمام فعيره الحواري وقال: أنت ابن الملك وتدخل معك هذِه! فاستحى فذهب فرجع مرة أخرى، فقال له مثل ذلك، فسبه وانتهره ولم يلتفت حتَّى دخلا معًا، فماتا جميعًا في الحمام، فأتى الملك فقيل له: قتل صاحب الحمام ابنك. فالتُمس، فلم يقدر عليه وهرب، فقال: من كان يصحبه؟ فسموا الفتية. فالتمسوا فخرجوا من المدينة فمروا بصاحب لهم في زرع وهو على مثل إيمانهم فذكروا له أنهم التمسوا فانطلق معهم ومعه كلب (٢) حتَّى آواهم الليل إلى كهف فدخلوه وقالوا: نبيت هاهنا الليلة ثم نصبح -إن شاء الله تعالى- فترون رأيكم، فضرب الله سبحانه على آذانهم فخرج الملك في أصحابه يتبعونهم حتَّى وجدوهم قد دخلوا الكهف، فكلما أراد الرجل منهم أن يدخله أُرعب، فلم يطق أحد أن يدخله، فقال قائل: أليس لو كنت قدرت عليهم قتلتهم؟ قال: بلى. قالوا: فابن عليهم باب الكهف واتركهم فيه يموتون عطشًا وجوعًا. ففعل (٣).

стр. 8861

قال وهب: فغبروا بعد ما سد عليهم باب الكهف زمانًا بعد زمان ثم إن راعيًا أدركه المطر عند الكهف، فقال: لو فتحت هذا الكهف فأدخلت فيه غنمي (من المطر) (١) فلم يزل يعالجه حتَّى فتح، ورد الله تعالى عليهم أرواحهم من الغد حين أصبحوا. قال محمد بن إسحاق: ثم ملك أهلَ تلك البلاد رجلٌ صالح يقال له: "تندوسيس" فلما ملك بقي في ملكه ثمانيًا وثلاثين سنة، فتحزب الناس في ملكه أحزابًا، فمنهم من يؤمن بالله تعالى ويعلم أن الساعة حق، ومنهم من يكذب بها، فكبر ذلك على الملك الصالح وبكى إلى الله تعالى وتضرع إليه وحزن حزنًا شديدًا لما رأى أهل الباطل يزيدون ويظهرون على أهل الحق، ويقولون: لا حياة إلا الحياة الدنيا، وإنما تبعث الأرواح ولا تبعث الأجساد، فأما الجسد فتأكله الأرض. ونسوا ما في الكتاب، فجعل "تندوسيس" يرسل إلى من يظن فيه خيرًا وأنهم أئمة في الحق، فجعلوا يكذبون بالساعة حتَّى كادوا أن يحولوا الناس عن الحق وملة الحواريين، فلما رأى ذلك الملك الصالح "تندوسيس" دخل بيته فأغلقه عليه ولبس مسحًا (٢)، وجعل تحته رمادًا ثم جلس عليه فدأب ليلًا ونهارًا (٣) يتضرع إلى الله سبحانه ويبكي مما يرى فيه الناس.

стр. 8862

ويقول: أي رب قد ترى اختلاف هؤلاء الناس (١) فابعث لهم آية تبين لهم. ثم إن الرحمن الرحيم الَّذي يكره هلكة عباده، أراد أن يظهر على الفتية أصحاب الكهف ويبين للناس شأنهم ويجعلهم آية له (٢) وحجة عليهم؛ ليعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يستجيب لعبده الصالح "تندوسيس" وأن (٣) يتم نعمته عليه ولا ينزع منه ملكه ولا الإيمان الَّذي أعطاه، وأن يعبد الله ولا يشرك به شيئًا، وأن يجمع من كان تبدد من المسلمين (٤)، فألقى الله تعالى في نفس رجل من أهل ذلك البلد الَّذي به الكهف -وكان اسم ذلك الرجل إلياس- أن يهدم ذلك البنيان الَّذي على فم الكهف فيبني به حظيرة لغنمه، فاستأجر رجلين (٥) فجعلا ينزعان تلك الحجارة ويبنيا (٦) بها تلك الحظيرة، حتَّى نزعا ما على فم الكهف وفتحا عليهم باب الكهف، وحجبهم الله تعالى عن الناس بالرعب، فزعموا أن أشجع من يريد أن ينظر إليهم أنَّه (٧) يدخل من باب الكهف ثم يتقدم حتَّى يرى كلبهم دونهم إلى باب الكهف (٨)، فلما نزعا الحجارة ففتحا

стр. 8863

باب الكهف أذن الله تعالى ذو القدرة والعظمة والسلطان محيي الموتى للفتية أن يجلسوا بين ظهري الكهف، فجلسوا فرحين مسفرة وجوههم طيبة أنفسهم، فسلم بعضهم على بعض حتَّى كأنما استيقظوا من ساعتهم التي كانوا يستيقظون لها إذا أصبحوا من ليلتهم التي يبيتون فيها، ثم قاموا إلى الصلاة فصلوا كالذي كانوا يفعلون لا يُرى (١) في وجوههم ولا أبشارهم ولا ألوانهم شيء (٢) ينكرونه، إنما هم كهيئتهم حين رقدوا، وهم يرون أن ملكهم دقيانوس الجبار في طلبهم. فلما قضوا صلاتهم قالوا لتمليخا صاحب نفقتهم: أنبئنا يا أخي بالذي قال الناس في شأننا عشية أمس عند هذا الجبار وهم يظنون أنهم قد (٣) رقدوا كبعض ما كانوا يرقدون. وقيل (٤): خيل إليهم أنهم قد ناموا كأطول ما كانوا ينامون في الليلة التي (٥) أصبحوا فيها قالوا: لبثنا يومًا أو بعض يوم، قالوا ربكم أعلم بما لبثتم، وكل ذلك في أنفسهم يسير، فقال لهم تمليخا: افتقدتم والتمستم بالمدينة وهو يريد أن يؤتى بكم اليوم فتذبحون (٦) للطواغيت أو يقتلكم. فما شاء الله تعالى بعد ذلك فعل.

стр. 8864

فقال لهم مكسلمينا: يا إخوتاه، اعلموا أنكم ملاقوا الله فلا تكفروا بعد إيمانكم إذا دعاكم غدًا. ثم قالوا لتمليخا: انطلق إلى المدينة فتسمع ما يقال عنا اليوم بها وما الَّذي نذكر به عند دقيانوس، وتلطف، ولا تشعرن بنا أحدًا، وابتع (١) لنا طعامًا تأتنا به، فإنه قد آن لك (٢)، وزدنا على الطعام الَّذي جئتنا به فإنه كان قليلًا فقد أصبحنا جياعًا. ففعل تمليخا كما كان يصنع، ووضع ثيابه، وأخذ الثياب التي كان يتنكر فيها، وأخذ ورقًا من نفقتهم التي كانت معهم التي ضرب عليها بطابع دقيانوس، وكانت كخفاف (٣) الربع، فانطلق تمليخا خارجًا، فلما مر بباب الكهف رأى الحجارة منزوعة عن باب الكهف فعجب منها، ثم مرّ فلم يبال بها حتَّى أتى باب المدينة مستخفيًا يصد عن الطريق تخوفًا أن يراه أحد من أهلها فيعرفه فيذهب به إلى دقيانوس، ولم يشعر العبد الصالح أن دقيانوس وأهله قد هلكوا قبل ذلك بثلاثمائة سنة، فلما رأى تمليخا باب المدينة رفع بصره فرأى فوق ظهر الباب علامة تكون لأهل الإيمان، فلما رآها عجب وجعل ينظر إليها مستخفيًا فنظر يمينأ وشمالًا (فلم ير أحدًا) (٤) ثم ترك ذلك الباب فتحول إلى باب

стр. 8865

آخر من أبوابها ينظر (١) فرأى مثل ذلك، فجعل يخيل إليه أن المدينة ليست بالتي كان يعرف، ورأى ناسًا كثيرًا محدثين لم يكن رآهم (٢) قبل ذلك فجعل يمشي ويتعجب، ويخيل إليه أنَّه حيران، ثم رجع إلى الباب (الَّذي كان يعرف) (٣) الَّذي أتى منه، فجعل يتعجب بينه وبين نفسه ويقول: يا ليت شعري، أما هذِه عشية أمس فكان المسلمون يخفون هذِه العلامة ويستخفون بها، وأما اليوم فإنها ظاهرة، لعلي حالم ثم (٤) يرى أنَّه ليس بنائم، وأخذ كساءه فجعله على رأسه، ثم دخل المدينة فجعل يمشي بين ظهري سوقها فسمع ناسًا كثيرًا يحلفون باسم عيسى ابن مريم ﵉، فزاد (٥) فرقًا، ورأى أنَّه حيران، فقام مسندًا ظهره إلى جدار من جدر المدينة ويقول في نفسه: والله ما أدري ما هذا ما هذِه (٦) عشية أمس فليس على وجه (٧) الأرض أحد يذكر عيسى ابن مريم ﵉ إلا قتل، وأما الغداة فأسمع كل إنسان يذكر أمر عيسى ﵇ لا يخاف. ثم قال في نفسه: لعل هذِه ليست

стр. 8866

بالمدينة التي أعرف (١)، أسمع كلام أهلها ولا أعرف أحدًا (٢) منهم، والله ما أعلم (٣) مدينة قرب مدينتنا. فقام كالحيران لا يتوجه وجهًا، ثم لقي فتى من أهل المدينة فقال له: يا فتى ما اسم هذِه المدينة؟ قال: "أفسوس" (٤). فقال في نفسه: لعل بي مسًّا أو أمرًا أذهب عقلي، والله يحق لي أن أسرع الخروج منها قبل أن أخزى فيها (٥)؟ أو يصيبني شر فأهلك. هذا الَّذي يحدث به تمليخا نفسه وأصحابه حتَّى تبين لهم ما بهم (٦) ثم إنه أفاق فقال: والله لو عجلت الخروج من المدينة قبل أن يفطن بي كان (٧) أكيس لي. فدنا من الذين يبيعون الطعام، فأخرج الورق التي كانت معه فأعطاها رجلًا منهم، فقال له: يا عبد الله بعني بهذا الورق طعامًا. فأخذها الرجل فنظر إلى ضرب الورق ونقشها فعجب منها، ثم طرحها إلى رجل من أصحابه فنظر إليها، ثم جعلوا يتطارحونها بينهم من رجل إلى رجل ويتعجبون منها (٨)، ثم جعلوا يتشاورون

стр. 8867

بينهم ويقول بعضهم لبعض: إن هذا الرجل قد أصاب كنزًا خبيئًا في الأرض منذ زمان ودهر طويل، فلما رآهم يتشاورون من أجله فرق فرقًا شديدًا وجعل يرتعد ويظن أنهم قد فطنوا به وعرفوه، وأنهم (١) إنما يريدون أن يذهبوا به إلى ملكهم دقيانوس، وجعل ناس آخرون يأتونه فيتعرفونه، فقال لهم وهو شديد الفرق منهم: أفضلوا عليّ، قد أخذتم ورقي (٢)، فأمسكوا، فأما طعامكم فلا حاجة لي به. فقالوا له: من أنت يا فتى؟ وما شأنك؟ والله لقد وجدت كنزًا من كنوز الأولين، فأنت تريد أن تخفيه منا، انطلق معنا أرنا وشاركنا فيه نخف عنك ما وجدت، فإنك إن لم تفعل نأت بك السلطان فنسلمك إليه فيقتلك. فلما سمع قولهم عجب في نفسه فقال: قد وقعت في كل أمر كنت أحذره. ثم قالوا: يا فتى إنك (٣) والله ما تستطيع أن تكتم ما وجدت ولا تظن في نفسك أنَّه سيخفى عليك. فجعل تمليخا لا يدري ما يقول لهم وما يرجع إليهم، وفرق حتَّى ما يخبر إليهم شيئًا، فلما رأوه لا يتكلم أخذوا كساءه فطوقوه في عنقه، ثم جعلوا يقودونه في سكك المدينة مُلبَّبًا (٤) حتَّى سمع به من فيها، فقيل: أخذ رجل عنده كنز واجتمع عليه أهل المدينة صغيرهم

стр. 8868

وكبيرهم، فجعلوا ينظرون إليه، ويقولون: والله ما هذا الفتى من أهل هذِه المدينة، وما رأيناه فيها قط، وما نعرفه! فجعل تمليخا لا يدري ما يقول لهم مع ما يسمع منهم، فلما اجتمع عليه أهل المدينة فرق فسكت فلم يتكلم، ولو قال إنه من أهل المدينة وكان مستيقنًا أن أباه حي وإخوته بالمدينة، وأن جنسه (١) من أهل المدينة من عظماء أهلها، أنهم سيأتونه إذا سمعوا وقد استيقن أنَّه عشية أمس يعرف كثيرًا من أهلها أحدًا، وأنه لا يعرف اليوم من أهلها فبينا هو قائم كالحيران ينتظر متى يأتيه بعض أهله أبوه أو بعض إخوته فيخلصه من أيديهم إذ اختطفوه، فانطلقوا به إلى رأسي المدينة ومدبريها الذين يدبران أمرها (٢)، وهما رجلان صالحان اسم أحدهما "أريوس" واسم الآخر "أسطيوس" فلما انطلق به إليهما ظن تمليخا أنَّه إنما ينطلق به إلى دقيانوس الجبار ملكهم الَّذي هربوا منه، فجعل يلتفت يمينًا وشمالًا وجعل الناس يسخرون منه كما يسخر (٣) من المجنون والحيران، فجعل تمليخا يبكي، ثم يرفع رأسه إلى السماء وإلى الله تعالى، ثم قال: اللهم إله السماء وإله الأرض، أفرغ اليوم عليّ صبرًا، وأولج منك معي روحًا تؤيدني به عند هذا الجبار، وجعل يبكي ويقول في نفسه: فرق بيني وبين

стр. 8869

إخوتي، يا ليتهم يعلمون ما لقيت، وأين يُذهب بي، ولو أنهم يعلمون فيأتوني فنقوم جميعًا بين يدي هذا الجبار، فإنا كنا تواثقنا لنكونن معًا لا نكفر بالله ولا نشرك به شيئًا ولا نعبد الطواغيت من دون الله، فُرِّقَ بيني وبينهم فلم يروني، ولن أراهم أبدًا، وقد كنا تواثقنا ألا نفترق في حياة ولا موت أبدًا، يا ليت شعري ما هو فاعل بي، أقاتلي أم لا؟ هذا ما حدّث به تمليخا أصحابه عن نفسه حين رجع إليهم، حتَّى انتُهي به إلى الرجلين الصالحين "أريوس" و"أسطيوس" فلما رأى تمليخا أنَّه لم يذهب به إلى دقيانوس أفاق وسكن عنه البكاء، فأخذ أريوس وأسطيوس الورق فنظرا إليها وعجبا منها، ثم قال له أحدهما: أين الكنز الَّذي وجدت يا فتى؟ هذا الورق يشهد عليك أنك قد وجدت كنزًا، فقال لهما تمليخا: ما وجدت كنزًا ولكن هذا الورق ورق آبائي، ونقش هذِه المدينة وضربها، ولكن والله ما أدري ما شأني وما أدري ما أقول لكم. فقال أحدهما: ممن أنت؟ فقال له تمليخا: أما ما أرى فكنت أرى أني من أهل هذِه المدينة (١) قالوا: فمن أبوك؟ ومن يعرفك بها؟ فأنبأهم باسم أبيه فلم يجدوا له أحدًا يعرفه ولا أباه؟ فقال له أحدهما: أنت رجل كذاب ولا تأتينا (٢) بالحق، فلم يدر تمليخا ما يقول غير أنَّه نكس رأسه (٣) إلى الأرض.

стр. 8870

فقال له بعض من حوله: هذا رجل مجنون. وقال بعضهم: ليس بمجنون، ولكنه يحمق نفسه عمدًا حتَّى (١) يتفلت منكم. فقال له أحدهما ونظر إليه نظرًا شديدًا: أتظن أنا نرسلك ونصدقك بأن هذا مال أبيك ونقش هذا الورق وضربها أكثر من ثلاثمائة سنة، وإنما أنت غلام شاب! تظن أنك تأفكنا وتسخر بنا، ونحن شمط (٢) كما ترى! وترى حولك سراة أهل المدينة وولاة أمرها وخزائن هذِه البلدة بأيدينا وليس عندنا من هذا الضرب درهم ولا دينار، وإني لأظنني سآمر بك فتعذب عذابًا شديدًا ثم أوثقك حتَّى تعترف بهذا الكنز الَّذي وجدت. فلما قال له ذلك قال تمليخا: أنبئوني عن شيء أسألكم عنه، فإن فعلتم صدقتكم عما عندي. قالوا: سل، لا نكتمك شيئًا. قال: ما فعل الملك دقيانوس؟ قالا له: ليس نعرف اليوم علي وجه الأرض ملك يسمى دقيانوس، ولم يكن إلا ملكا قد هلك منذ زمان ودهر طويل، وقد هلكت بعده قرون كثيرة. فقال له تمليخا: فوالله ما هو بمصدقي أحد من الناس بما أقول، لقد كنا فتية الملك، وإنه (٣) أكرهنا علي عبادة الأوثان والذبح للطواغيت، فهربنا منه عشية أمس، فنمنا، فلما انتبهنا خرجت لأشتري

стр. 8871

لأصحابي طعامًا وأتجسس الأخبار، فإذا أنا كما ترون، فانطلقوا معي إلى الكهف في الجبل -جبل بنجلوس- أريكم أصحابي. فلما سمع أريوس ما يقول تمليخا قال: يا قوم، لعل هذِه آية من آيات الله تعالى، جعلها الله لكم علي يدي هذا الفتى، فانطلقوا بنا معه يرنا أصحابه كما قال. فانطلق معه أريوس وأسطيوس وانطلق معهم (١) أهل المدينة كبيرهم وصغيرهم نحو أصحاب الكهف لينظروا إليهم، فلما رأى الفتية أصحاب الكهف (٢) تمليخا قد احتبس عليهم بطعامهم وشرابهم عن القدر الَّذي كان يأتي به (٣) ظنوا أنَّه قد أخذ فذهب به إلى ملكهم دقيانوس الَّذي هربوا منه، فبينا هم يظنون ذلك ويتخوفونه إذ سمعوا الأصوات وجلبة الخيل مصعدة نحوهم فظنوا أنهم رسل الجبار (٤) دقيانوس بعث إليهم ليؤتى بهم إليه، فقاموا حين سمعوا ذلك إلى الصلاة وسلم بعضهم علي بعض وأوصى بعضهم إلى بعض وقالوا: انطلقوا بنا (إلى أخينا) (٥) تمليخا، فإنه الآن بين يدي الجبار (٦) دقيانوس ينتظر متى نأتيه، فبينا هم يقولون ذلك وهم جلوس بين ظهري الكهف فلم

стр. 8872

يروا إلا أريوس وأصحابه وقوفًا على باب الكهف، وسبقهم تمليخا فدخل عليهم وهو يبكي، فلما رأوه يبكي بكوا معه، ثم سألوه عن شأنه، فأخبرهم بخبره وقص عليهم النبأ كله، فعرفوا عند ذلك أنهم كانوا نيامًا بإذن الله تعالى ذلك الزمان كله، وإنما أوقظوا ليكونوا آية للناس وتصديقًا للبعث، وليعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها، ثم دخل علي أثر تمليخا أريوس فرأى تابوتًا من نحاس مختومًا بخاتم من فضة فقام بباب الكهف ثم دعا رجالًا من عظماء أهل المدينة ففتح التابوت عندهم فوجد فيه لوحين من رصاص مكتوب فيهما أن مكسلمينا ومحلسينا وتمليخا ومرطوس وكشفوطونس وسورس ومكريوس وبطينوس (١) كانوا فتية هربوا من ملكهم دقيانوس الجبار مخافة أن يفتنهم عن دينهم، فدخلوا هذا الكهف، فلما أخبر الملك (٢) بمكانهم بهذا الكهف أمر فَسُدَّ عليهم (٣) بالحجارة وأنا كتبنا شأنهم وخبرهم وشأنه ليعلمه من بعدهم إن عثر عليهم. فلما قرأوه عجبوا (٤) وحمدوا الله على الَّذي أراهم آية للبعث

стр. 8873

فيهم، ثم رفعوا أصواتهم بحمد الله وتسبيحه، ثم دخلوا على الفتية الكهف فوجودهم جلوسًا بين ظهريه مشرقةً وجوههم لم تبل ثيابهم، فخر أريوس وأصحابه سجودًا وحمدوا الله الَّذي أراهم آية من آياته، ثم كلم بعضهم بعضًا، وأنبأهم الفتية عن الَّذي لقوا من ملكهم دقيانوس، ثم إن أريوس وأصحابه بعثوا بريدًا إلى ملكهم الصالح تندوسيس (١) أن عجل لعلك تنظر إلى آية من آيات الله ، جعلها الله تعالى آية (٢) علي ملكك وجعلها آية للعالمين لتكون لهم نورًا وضياءً وتصديقًا بالبعث، فاعجل على فتية بعثهم الله سبحانه وقد كان توفاهم منذ ثلاثمائة سنة. فلما أتى الملك الخبر قام من المسندة (٣) التي كان عليها، ورجع إليه عقله، وذهب عنه همه، ورجع إلى الله تعالى فقال: أحمد الله رب السموات والأرض أعبدك وأسبح لك تَطَوَّلْتَ (٤) عليّ ورحمتني برحمتك، فلم تطفئ النور الَّذي كنت جعلته لي ولآبائي وللعبد الصالح قسطنطينوس، فلما نبأ به أهل المدينة ركبوا إليه وساروا معه حتَّى (أتوا إلى الجبل) (٥) وصعدوا نحو الكهف وأتوه، فلما رأى الفتية

стр. 8874

تندوسيس فرحوا به وخروا سجودًا على وجوههم وقام تندوسيس قدامهم ثم أعتنقهم وبكى وهم جلوس بين يديه على الأرض يسبحون الله ويحمدونه، ثم قال الفتية لتندوسيس: نستودعك الله، ونقرأ عليك السلام، حفظك الله وحفظ عليك ملكك، ونعيذك بالله من شر الجن والإنس. فبينا الملك قائم إذ رجعوا إلى مضاجعهم فناموا، وتوفى الله أرواحهم (١)، وقام الملك إليهم فجعل ثيابه عليه، وأمر أن يجعل لهم لكل رجل (٢) منهم تابوت من ذهب، فلما أمسوا وناموا ونام الملك أتوه في المنام فقالوا: إنا لم نخلق من ذهب ولا فضة ولكنا خلقنا من تراب، وإلى التراب نصير، فاتركنا كما كنا في الكهف على التراب حتَّى يبعثنا الله تعالى منه. فأمر الملك حينئذٍ بتابوت من ساج فجعلوا فيه، وحجبهم الله تعالى حين خرجوا من عندهم بالرعب، فلم يقدر أحد علي أن يدخل عليهم، وأمر الملك فجعل علي باب الكهف مسجد يصلى فيه وجعل لهم عيدًا عظيمًا، وأمر أن يؤتى كل سنة. وقيل: إنهم لما أتوا باب الكهف قال تمليخا: دعوني حتَّى أدخل علي أصحابي فأبشرهم فإنهم إن رأوكم معي أرعبتموهم. فدخل فبشرهم وقبض الله أرواحهم وعمّى عليهم فلم يهتدوا

стр. 8875

إليهم، فهذا حديث أصحاب الكهف. ويقال إن نبي الله محمدًا (سأل ربه سبحانه أن يريهم (١) فقال: إنك لن تراهم في دار الدنيا، ولكن ابعث إليهم أربعة من أصحابك ليبلغوهم رسالتك، ويدعوهم إلى الإيمان بك، فقال رسول الله ﷺ لجبريل ﵇: "كيف أبعثهم؟ " قال: ابسط كساءك وأجلس علي طرف من أطرافها أبا بكر، وعلى الثاني عمر بن الخطاب، وعلى الثالث علي بن أبي طالب، وعلى الرابع أبا ذر ﵃، ثم ادع الريح الرخا المسخر (٢) لسليمان بن داود ﵉، فإن الله أمرها أن تطيعك، ففعل النبي ﷺ ما أمر به، فحملتهم الريح حتَّى انطُلق بهم إلى باب الكهف، فلما دنوا من الكهف (٣) قلعوا منها حجرًا، فقام الكلب حين أبصر الضوء ونظر وهر (٤) وحمل عليهم، فلما رآهم حرك رأسه وبصبص (٥) بذنبه وأومأ برأسه أن ادخلوا، فدخلوا الكهف فقالوا: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد الله تعالى عليهم أرواحهم فقاموا بأجمعهم فقالوا: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. فقالوا: إن نبي الله محمدًا ﷺ ابن عبد الله يقرأ عليكم السلام. فقالوا: وعلى محمد رسول الله السلام ما دامت السموات

стр. 8876

والأرض وعليكم بما بلغتم به. ثم جلسوا بأجمعهم يتحدثون، فآمنوا بمحمد ﷺ وقبلوا دينه الإسلام، وقالوا: اقرئوا محمدًا منا السلام، فأخذوا مضاجعهم فصاروا (١) إلى رقدتهم إلى آخر الزمان عند خروج المهدي، ويقال (٢) إن المهدي يسلم عليهم فيحييهم الله ثم يرجعون إلى رقدتهم، فلا يقومون إلى يوم القيامة. ثم جلس كل واحد منهم على مكانه، وحملتهم الريح، وهبط جبريل ﵇ وأخبره (٣) بما كان منهم، فلما أتوا النبي ﷺ قال رسول الله (٤) ﷺ : "كيف وجدتموهم وما الَّذي (٥) أجابوا؟ ". فقالوا: يا رسول الله، دخلنا (٦) فسلمنا عليهم، فقاموا بأجمعهم فردوا السلام، وبلغناهم رسالتك فأجابوا وأنابوا (٧) وشهدوا أنك رسول الله حقًّا، وحمدوا الله تعالى (٨) علي ما أكرمهم بخروجك وتوجيه رسلك (٩) إليهم، وهم يقرئونك السلام. فقال رسول الله ﷺ :

стр. 8877

اللهم لا تفرق بيني وبين أصهاري (١) وأحبابي، واغفر لمن أحبني وأحب أهل بيتي وخاصتي وأحب أصحابي (٢). فذلك قوله : ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ أي: صار وانضم (٣) الفتية. [١٧٧٠] أخبرنا ابن فنجويه (٤) قال: حدثنا الفضل (٥) قال: حدثنا زكريا بن يحيى الساجي (٦) قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف الصيرفي (٧) قال: حدثنا أبي (٨)، عن سدير (٩) الصيرفي،

стр. 8878

عن أبي جعفر (١) قال: كان أصحاب الكهف صيارفة (٢). ﴿إِلَى الْكَهْفِ﴾ وهو غار في جبل بنجلوس. وقيل: بباجينوش (٣) واسم الكهف: حيرم (٤). ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ أي: يسر لنا (ما نلتمس) (٥) من رضاك. وقال ابن عباس ﵄: رشدا يعني (٦): مخرجًا من الغار في سلامة (٧).

стр. 8879

وقيل: صوابًا (١). ١١ - قوله : ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ﴾: هذا من فصيحات القرآن التي أقرت العرب بالقصور عن الإتيان بمثله، ومعناه: أنمناهم (٢) وألقينا وسلطنا عليهم النوم، كما يقال: ضرب الله فلانًا بفالج (٣) أي: ابتلاه به، وأرسله عليه (٤). وقيل معناه: حجبناهم عن السمع وسددنا نفوذ الصوت إلى

стр. 8880

مسامعهم، وهذا وصف للأموات والنيام (١). وقال قطرب: وهو كقول العرب: ضرب الأمير على يد الرعية إذا منعهم عن العبث والفساد (٢). وضرب السيد على يدي عبده المأذون له في التجارة إذا منعه عن التصرف (٣) فيها. وقال الأسودُ بن يَعْفُر (٤)، وكان ضريرًا: ومِنَ الحوادِثِ لا أبا لكَ أنَّني ... ضُربتْ عليَّ الأرضُ بالأسْدادِ (٥)

стр. 8881

﴿سِنِينَ عَدَدًا﴾ أي: معدودة، وهو نعت للسنين، فالعد المصدر، والعدد الاسم المعدود (١) كالنَّقْض والنَّقَض القَصّ والقَصَص، والخَيْط والخَيَط (٢). وقال أبو عبيدة: هو نصب على المصدر (٣). ١٢ - قوله : ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ﴾: يعني: من بعد نومهم ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ (٤) وذلك

стр. 8882

حين تنازع المسلمون الأولون أصحاب الملك والمسلمون الآخرون الذين أسلموا حين رأوا أصحاب الكهف في قدر مدة لبثهم في الكهف، فقال المسلمون الأولون: مكثوا في الكهف ثلاثمائة سنة وتسع سنين، وقال المسلمون الآخرون: بل لبثوا كذا وكذا، وقال الأولون (١): ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ مكثوا، فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾ الفريقين ﴿أَحْصَى﴾ أصوب وأحفظ ﴿لِمَا لَبِثُوا﴾: مكثوا في كهفهم نيامًا. ﴿أَمَدًا﴾ (٢): غاية. وقال مجاهد: أمدًا. وفي نصبه وجهان، أحدهما: على التفسير (٣)، والثاني: بوقوع

стр. 8883

لبثوا عليه (١). ١٣ - قوله : ﴿نَحْنُ نَقُصُّ﴾ أي: نقرأ وننزل ﴿عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ﴾ أي: خبر أصحاب الكهف ﴿بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ﴾ شبان وأحداث. ﴿آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ حكم الله تعالى لهم بالفتوة حين آمنوا بلا واسطة، لذلك قال أهل اللسان (٢): رأس الفتوة الإيمان (٣).

стр. 8884

وقال الجنيد: الفتوة بذل الندى وكف الأذى وترك الشكوى (١). وقيل: الفتوة شيئان: اجتناب المحارم، واستعمال المكارم. وقيل: ليس الفتى من تصبَّر على السياط، إنما الفتى من يجوز على الصراط، وليس الفتى من يصبر على السكين إنما الفتى من يطعم المسكين. ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ إيمانًا وبصيرة وإيقانًا. ١٤ - ﴿وَرَبَطْنَا﴾ أي: شددنا. ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ الصبر وألهمناهم ذلك وقويناهم بنور الإيمان حتَّى صبروا على هجران دار قومهم وفراق ما كانوا فيه من خفض العيش وفروا (٢) بدينهم إلى الكهف. ﴿إِذْ قَامُوا﴾ بين يدي دقيانوس ﴿فَقَالُوا﴾ حين عاتبهم على تركهم عبادة الصنم.

стр. 8885

﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ﴾ لن نعبد (١) ﴿مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا﴾ يعني إن دعونا غير الله لقلنا ﴿إِذًا شَطَطًا﴾. قال ابن عباس ﵄ ومقاتل: جورًا (٢). وقال قتادة: كذبًا (٣). وأصل الشطط والإشطاط (٤): مجاوزة القدر والإفراط (٥).

стр. 8886

١٥ - قوله : ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا﴾ (يعني: أهل بلدهم) (١) ﴿اتَّخَذُوا﴾ عبدوا ﴿مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ يعني: من دون الله الأصنام، يعبدونها من دون الله ﴿لَوْلَا﴾ أي: هلّا ﴿يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ﴾ على عبادتهم ﴿بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ بحجة واضحة. ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فزعم أن له شريكًا وولدًا. ١٦ - وقال بعضهم لبعض: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ يعني: قومهم (٢). ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ واعتزلتم أصنامهم التي يعبدونها من دون الله وكذلك هو في مصحف عبد الله (وما يعبدون من دون الله) (٣). ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ أي: صيروا إليه ﴿يَنْشُرْ لَكُمْ﴾ أي: يبسط ويظهر لكم ﴿رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ﴾ وُييَسِّر ﴿لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾ أي: رزقًا رغدًا. والمرفق: ما يرتفق به الإنسان، وفيه لغتان (٤):

стр. 8887

مَرفِق: بفتح الميم وكسر الفاء، وهي قراءة أهل المدينة والشام وعاصم في بعض الروايات (١). ومِرْفَق: بكسر الميم وفتح الفاء وهي قراءة الباقين (٢). ١٧ - قوله : ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ﴾ يا محمد ﴿إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ﴾ أي: تتزاور، ووقرأ أهل الكوفة بالتخفيف على حذف إحدى الزاءين. وقرأ أهل الشام: (تَزورّ) على وزن تَحْمَرّ، كلها بمعنى واحد (٣):

стр. 8888

تميل وتعدل (١).

стр. 8889

﴿عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾ أي: جانب اليمين ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ﴾ قال ابن عباس ﵄: تدعهم (١). وقال مقاتل بن حيان: تجاوزهم. وأصل القرض القطع (٢).

стр. 8890

﴿ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾ أي: متسع من الكهف (١)، وجمعها فجوات وأفجاء (٢)، أخبرنا الله تعالى بحفظه إياهم في مضجعهم (وعرّفنا لطفه بهم في مضجعهم) (٣) واختياره لهم أصلح المواضع للرقاد، فأعلمنا أنَّه بوأهم في مقناة (٤) من الكهف مستقبلًا بنات نعش (٥) تميل عنهم الشمس طالعة وغاربة وجارية لا

стр. 8891

تدخل عليهم فتؤذيهم بحرها وتغير ألوانهم وتبلي ثيابهم، وأنهم في متسع منه ينالهم فيه برد الريح ونسيمها، وينفي عنهم كربة الغار وغمومه (١). ﴿ذَلِكَ﴾ الَّذي ذكرت (من أمر الفتية) (٢) ﴿مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ من عجائب صنع الله ودلالات قدرته وحكمته ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ﴾ أي: يهده الله ﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا﴾ مغيثًا (٣) ﴿مُرْشِدًا﴾ لأن التوفيق والخذلان بيد الله . ١٨ - قوله : ﴿وَتَحْسَبُهُمْ﴾ يا محمد ﴿أَيْقَاظًا﴾ يعني: منتبهين، جمع يقُظ ويَقِظ (٤)، مثل قولك: رجل نَجُد ونَجِد للشجاع، وجمعه أنجاد (٥). ﴿وَهُمْ رُقُودٌ﴾ يعني: نيام جمع راقد مثل قاعد وقُعود (٦).

стр. 8892

﴿وَنُقَلِّبُهُمْ﴾ قرأ الحسن (ونَقْلِبُهُم) بالتخفيف (١). ﴿ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ مرة للجنب الأيمن ومرة للجنب الأيسر. قال ابن عباس ﵄: كانوا يقلّبون في السنة مرة من جانب إلى جانب لئلا تأكل الأرض لحومهم (٢). ويُقال: إن يوم عاشوراء كان يوم تقلبهم (٣). وقال أبو هريرة ﵁: كان لهم في كل (٤) سنة تقليبتان (٥).

стр. 8893

﴿وَكَلْبُهُمْ﴾ قال ابن عباس ﵄: كان أغر (١). وقال مقاتل: كان أصفر. وقال القرظي: من شدة صفرته يضرب إلى الحمرة. وقال الكلبي: لونه كالخلنج (٢). وقيل: لون الحجر. وقيل: لون السماء. وقال علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) (٣): كان اسمه: زبار. وقال ابن عباس ﵄: قطمير. وقال الأوزاعي: تنوه (٤). وقال شعيب الجبائي (٥): حمران (٦).

стр. 8894

[١٧٧١] أخبرني ابن فنجويه (١) قال: حدثنا طلحة (٢) وعبيد الله (٣) قالا: حدثنا ابن مجاهد (٤) قال: حدثني أحمد بن حرب (٥) وأحمد البرتي (٦)، قالا: حدثنا أبو حذيفة (٧)، قال: حدثنا شبل (٨) قال: زعم (٩) عبد الله بن كثير (١٠) أن اسم كلبهم قطمير (١١) (١٢).

стр. 8895

وقال السدي: اسمه تور. وقال عبد الله بن سلام ﵁: بسيط. وقال كعب: صهباء (١) وقال وهب: اسمه تقي (٢). وقيل: قطيفير. [١٧٧٢] أخبرني ابن فنجويه (٣) قال: حدثنا ابن شنبة (٤) قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن علي بن زاد مرد القزويني (٥) قال: حدثني عبيد الله بن يوسف الجبيري (٦) قال: حدثنا زياد بن الربيع اليُحْمِدِي (٧)،
следующие страницы →