← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 8926–8965 · переход к 8931.

стр. 8926

يؤيده قول ذي النون المصري (١): من ذكر الله ذكرًا على الحقيقة نسي في جنب ذكره كل شيء، فإذا نسي في جنب ذكره كل شيء حفظ الله له كل شيء، وكان الله (٢) له عوضًا من ذلك (٣). وقيل معناه: واذكر ربك إذا تركت ذكره (٤)، والنسيان هو الترك (٥). ﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ أي: يثبتني على طريق

стр. 8927

هو أقرب إليه وأرشد (١). وقيل معناه: لعل الله أن يهديني فيسددني لأقرب مما وعدتكم وأخبرتكم أنه سيكون إن هو شاء (٢). وقيل: إن الله تعالى أمره أن يذكره إذا نسي شيئًا، وليسأله أن يذكره فيتذكر، أو يهديه لما هو خير له من أن يذكر (٣) ما نسيه (٤). ويقال: هو أن القوم لما سألوه عن قصة أصحاب الكهف على وجه العناد أمره الله أن يخبرهم أن الله تعالى سيؤتيه من الحجج والبيان على صحة نبوته وما دعاهم إليه من الحق وأدل لهم على ما سألوه، ثم إنه تعالى فعل به ذلك حين آتاه من علم غيوب المرسلين وخبرهم ما كان أوضح في الحجة وأقرب إلى الرشد من خبر أصحاب الكهف (٥). وقال بعضهم: هذا شيء أُمر أن يقوله مع قوله: إن شاء الله إذا ذكر

стр. 8928

الاستثناء بعد ما نسيه، فإذا نسي الإنسان إن شاء الله فتوبته من ذلك وكفارته أن يقول: عسى أن يهدني ربي لأقرب من هذا رشدا (١). ٢٥ - قوله : ﴿وَلَبِثُوا﴾ يعني: أصحاب الكهف ﴿فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ قال بعضهم (٢): هذا خبر عن أهل الكتاب أنهم قالوا ذلك، وقالوا: لو كان خبراً من عند الله (٣) عن قدر لبثهم في الكهف لم يكن لقوله: ﴿قُلِ

стр. 8929

اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ وجه مفهوم، وقد أعلم خاصة (١) خلقه لبثهم فيه. وهذا قول قتادة (٢)، يدل عليه قراءة ابن مسعود ﵁ (وقالوا لبثوا في كهفهم) (٣). وقال مطر الوراق في هذِه الآية: هذا شيء قالته اليهود فرد الله تعالى عليهم، وقال: ٢٦ - ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ (٤). وقال آخرون (٥): هذا إخبار من الله عن قدر لبثهم في الكهف، وقالوا: معنى قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ﴾ أن أهل الكتاب قالوا على عهد رسول الله ﷺ : إن الفتية من لدن دخلوا الكهف

стр. 8930

إلى يومنا هذا (١) ثلاثمائة وتسع سنين فرد الله تعالى ذلك (٢) عليهم وقال: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ بعد أن قبض أرواحهم إلى يومنا هذا لا يعلم ذلك أحد غير الله تعالى، وغير من أعلمه الله تعالى ذلك (٣). وقال الكلبي: قالت نصارى أهل نجران: أما الثلاثمائة فقد عرفناها وأما التسع فلا علم لنا بها فنزلت: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ (٤). واختلفوا في قوله: ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ فقرأ أهل الكوفة (إلا عاصمًا) (٥) بغير تنوين (٦) (٧).

стр. 8931

(والباقون بالتنوين) (١)، بمعنى: ولبثوا في كهفهم سنين ثلاثمائة (٢). قال الضحاك ومقاتل: نزلت ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ﴾، فقالوا: أيامًا أو أشهرًا أو سنين؟ فنزلت ﴿سِنِينَ﴾، فلذلك قال: سنين، ولم يقل سنة (٣). قوله : ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ يعني: ما أبصر الله كل موجود وأسمعه لكل مسموع (٤)، ﴿مَا لَهُمْ﴾ أي: لأهل

стр. 8932

السموات والأرض ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ يعني: من دون الله ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ ناصر ﴿وَلَا يُشْرِكُ﴾ (قرأ ابن عامر (ولا تشرك) بالتاء وجزم الكاف) (١) ﴿فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ من الأصنام وغيرها. ٢٧ - قوله : ﴿وَاتْلُ﴾ أي: واقرأ يا محمَّد ﴿مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾ يعني: القرآن واتبع ما فيه (٢). ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ قال الكلبي: لا مغيّر للقرآن (٣).

стр. 8933

وقال محمَّد بن جرير: يعني: لا مغير لما أوعد بكلماته (١) أهل معصيته المخالفين لكتابه (٢). ﴿وَلَنْ تَجِدَ﴾ أنت ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ إن لم تتبع القرآن وخالفته ﴿مُلْتَحَدًا﴾ قال ابن عباس ﵄: حرزاً (٣). وقال الحسن: مدخلاً (٤). وقيل: معدلا (٥).

стр. 8934

(وقيل: موئلا) (١). وقال مجاهد: ملجأ (٢) وأصله من الميل ومنه لحد القبر (٣).

стр. 8935

٢٨ - قوله : ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ قال المفسرون (١): نزلت في عيينة بن حصن الفزاري وذلك أنه أتى النبي ﷺ قبل أن يسلم وعنده صهيب، وخباب، وعمار، وعامر (٢) بن فهيرة، ومهجع وسلمان الفارسي، وعلى سلمان ﵁ شملة (٣) وقد عرق فيها وبيده خوصة (٤) يشقها ثم ينسجها، فقال عيينة للنبي ﷺ : أما يؤذيك يا محمَّد ريح هؤلاء، فوالله لقد آذانا ريحهم ثم قال نحن سادات مضر (٥) وأشرافها فإن أسلمنا أسلم الناس وإن أبينا أبي

стр. 8936

الناس، وما يمنعنا من اتباعك إلى هؤلاء فتح هؤلاء حتى نتبعك، واجعل (١) لنا مجلسًا ولهم مجلساً (٢) (٣).

стр. 8937

فأنزل الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ يا محمَّد ﴿مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ يعبدون ويذكرون ﴿رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ طرفي النهار ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ يعني: يريدون الله ولا يريدون به عرضًا (١) في الدنيا والمراد منه الخشية وترك الرياء. قال قتادة: يعني صلاة الصبح والعصر (٢). وقال كعب الأحبار: والذي نفسي بيده إنهم لأهل الصلوات المكتوبة (٣).

стр. 8938

قال قتادة: نزلت هذِه الآية في أصحاب الصفة، وكانوا سبعمائة رجل فقراء في مسجد رسول الله ﷺ قد لزموه لا يرجعون إلى تجارة ولا إلى زرع ولا إلى ضرع يصلون صلاة وينتظرون أخرى (١). قال قتادة (٢): فلما نزلت هذِه الآية قال نبي الله ﷺ : "الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر (٣) معهم" (٤).

стр. 8939

﴿وَلَا تَعْدُ﴾ ولا تصرف ولا تتجاوز (١) ﴿عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ إلى غيرهم (٢). ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يعني: مجالسة الأغنياء والرؤساء والأشراف (٣). ومعنى الآية: ولا تعد عيناك عنهم مريدًا (٤) زينة الحياة الدنيا، حال صرف إلى الاستقبال، لا أنه حكم على النبي ﷺ بإرادته زينة الحياة الدنيا (٥). ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ أي: تركنا قلبه وأنسيناه ذكرنا (٦). قال أبو العالية (٧): يعني: أمية بن خلف الجمحي. وقال غيره: يعني عيينة بن حصن (٨).

стр. 8940

﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ قال قتادة والضحاك ومجاهد: ضياعًا (١). وقال داود (٢): ندماً (٣). وقال خباب: هلاكاً (٤). وقال ابن زيد: مخالفًا للحق (٥). وقال مقاتل بن حيان: سرفاً (٦).

стр. 8941

وقال الأخفش: مجاوزاً للحد (١). وقال الفراء متروكاً (٢). وقيل: باطلًا (٣). قال أبو زيد البلخي: قدماً قدماً في الشر. قال أبو عبيدة: هو من قول العرب: فرس فرط إذا سبقت الخيل، وفرط القول مني أي: سبق (٤). وقيل معناه: ضيع أمره وعطل أيامه (٥). وقيل: إن المؤمن يستعمل (٦) الأوقات، (ولا تستعمله الأوقات) (٧). ٢٩ - قوله : ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الحق رفع على الحكاية وقيل: هو رفع على خبر ابتداء مضمر، ومعناه: قل: هو الحق من ربكم، يعني: ما ذكر من الإيمان والقرآن وشأن (٨) محمَّد ﵇. وقيل: هو رفع على الابتداء وخبره في قوله تعالى: ﴿مِّن

стр. 8942

رَبِّكُمْ﴾ (١). ومعنى الآية: وقيل يا محمَّد لهؤلاء الذين أغفلنا قلوبهم عن ذكرنا: أيها الناس من ربكم الحق، وإليه التوفيق والخذلان، وبيده الهدى والضلال، يهدي من يشاء فيؤمن، ويضل من يشاء فيكفر، ليس إلى من ذلك شيء، ولست بطارد المؤمنين لهواكم، فإن شئتم فآمنوا وإن شئتم فاكفروا، فإنكم إن كفرتم فقد أعد لكم ربكم على كفركم ناراً أحاط بكم سرادقها، وإن آمنتم وأطعتم فإن لكم ما وصف الله تعالى لأهل طاعته (٢). وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ فليس بترخيص ولا تخيير، إنما هو وعيد وتهديد (٣)، كقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ (٤).

стр. 8943

قال ابن عباس ﵄: معناه من شاء الله له الإيمان آمن، ومن شاء له الكفر كفر (١)، وهو قوله : ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ (٢). ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا﴾ أعددنا وهيأنا، من العتاد وهو العدة (٣)، ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ للكافرين (٤) ﴿نَارًا﴾ فيه دليل على أن النار مخلوقة؛ لأنها لو لم تكن موجودة معدة لكان المخبر كذابًا وتعالى الله عن ذلك (٥). قوله : ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ روى أبو سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: "سرادق النار أربعة حيدر كشف

стр. 8944

كل واحدة مسيرة أربعين سنة" (١). وقال ابن عباس ﵁: هو حائط من نار (٢). وقال الكلبي: هو عنق يخرج من النار فيحيط بالكفار كالحظيرة (٣). قال القتيبي: السرادق الحجرة التي تكون حول الفسطاط (٤).

стр. 8945

قال رؤبة: يا حكمَ بنَ المُنذِرِ بنِ الجارودْ ... سُرادِقُ المَجدِ عليكَ مَمدودْ (١). وقال سلامة بن جندل. هو المدخِلُ النعمانَ بيتاً سماؤُه ... صدورُ الفُيُولِ بَعدَ بيتٍ مُسردق (٢). وهو ها هنا دخان يحيط بالكفار يوم القيامة، وهو الذي ذكره الله في سورة المرسلات: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠)﴾ الآية (٣).

стр. 8946

﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا﴾ من شدة العطش (١) ﴿يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾. [١٧٧٦] أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان (٢) قال: أخبرنا محمَّد بن الطيب بن العباس (٣)، قال: حدثنا الحسين بن إدريس (٤) قال: حدثنا سويد بن نصر (٥) قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك (٦)، عن رشدين بن سعد (٧) قال: حدثني عمرو بن الحارث (٨)، عن أبي السمح (٩)، عن

стр. 8947

أبي الهيثم (١)، عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ في قوله بماء كالمهل قال: "كعكر الزيت، فإذا قرب إليه سقطت فروة وجهه فيه" (٢). وقال ابن عباس ﵄: هو ماء غليظ مثل دردي الزيت (٣).

стр. 8948

وقال الأعمش: هو عصارة الزيت (١). وقال مجاهد: هو القيح والدم (٢). وقال الضحاك: المهل: ماء أسود وإن جهنم سوداء وماؤها أسود وشجرها سود (٣) وأهلها سود (٤). وقال أبو عبيدة: هو كل ما أذيب من جواهر الأرض (٥). [١٧٧٧] أخبرنا عبد الله بن حامد الأصفهاني (٦)، وشعيب بن محمَّد البيهقي (٧)، قالا: أخبرنا مكي بن عبدان (٨)، قال: أخبرنا أحمد بن الأزهر (٩) قال: حدثنا روح بن عبادة (١٠)، عن سعيد (١١)

стр. 8949

عن قتادة (١)، قال: ذكر لنا أن ابن مسعود ﵁ أهديت له سقاية من ذهب وفضة، فأمر بأخدود فخدّ في الأرض ثم قذف فيه من جزل الحطب، ثم قذف فيه تلك السقاية حتى (٢) أزبدت وانماعت، قال لغلامه: ادع لنا من بحضرتنا من أهل الكوفة (٣) فدعا رهطاً فلما دخلوا عليه قال: ترون هذا؟ قالوا: نعم قال: ما رأينا في الدنيا شبيهاً بالمهل أدنى من هذا الذهب وهذا (٤) الفضة حين أزبدت (٥) وانماع (٦). وقال سعيد بن جبير: المهل هو الشيء الذي قد انتهى حره (٧).

стр. 8950

وقال أبو عبيدة: سمعت المنتجع بن المنهال (١) (٢) ذكر رجلًا فقال: هو أبغض إليّ من الطلياء والمهل. فقيل له: ما المهل؟ قال: الملة التي تنحدر من جوانب الرغيف من النار، أحمر شديد الحمرة كأنها الرمانة (٣) وهي جمرة (٤). ﴿يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ قال سعيد بن جبير: إذا جاع أهل النار استغاثوا بشجرة الزقوم فيأكلون منها فاختلست جلود وجوههم (٥)، فلو أن مارًّا مر بهم يعرفهم لعرف جلود وجوههم فيها ثم يصب عليهم العطش فيستغيثون فيغاثون بماء كالمهل، وهو الذي قد انتهى حره، فإذا أدنوه من أفواههم اشتوى من حره لحوم وجوههم التي قد سقطت

стр. 8951

عنها الجلود (١). ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ هذا ﴿وَسَاءَتْ﴾ النار ﴿مُرْتَفَقًا﴾ قال ابن عباس ﵄: منزلاً (٢). وقال مجاهد: مجتمعاً (٣). وقال عطاء: مقرًّا (٤). وقيل: مهاداً (٥). وقال القتيبي: مجلساً (٦). وأصل المرتفق: المتكأ (٧) يقال: منه ارتفقت، أو اتكأتُ على

стр. 8952

المرفق (١). قال الشاعر: قالت لهُ وارْتَفَقَت: ألا فَتى ... يسوقُ بالقومِ غَزالاتِ الضُّحى (٢) ويقال: ارتفق الرجل إذا بات على مرفقه لا يأتيه نوم (٣). قال أبو ذؤيب الهذلي (٤): نامَ الخَلي وبِتُّ الليل مرتفقاً ... كأنَّ عينيَّ فيها الصَّابُ مَذبُوحُ (٥)

стр. 8953

ويجوز أن يكون من المرفق (١) والمنفعة (٢). ٣٠ - قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠)﴾ ليس قوله: إنا لا نضيع خبراً؛ لقوله: إنّ الذين آمنوا، بل هو كلام معترض (٣)، وخبر إن، الأولى قوله: أولئك لهم جنات عدن ومثله في الكلام كثير. قال الشاعر: إنَّ الخليفَةَ إنّ الله سَربلَه ... سِربالَ مُلكْ تُرجى الخواتيمُ (٤).

стр. 8954

ومنهم من قال: فيه إضمار، معناه: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات فإنا لا نضيع أجره (١) بل نجازيه. ٣١ - ثم ذكر الجزاء فقال: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ وهو الإقامة (٢). ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ﴾ يلبسون ﴿فِيهَا مِنْ أَسَاوِر﴾ وهي جمع الأسوار (٣). قال سعيد بن جبير: يُحلَّى كل واحد منهم ثلاثة من الأساور واحدًا من فضة وواحداً من ذهب وواحداً لؤلؤ ويواقيت (٤).

стр. 8955

﴿مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ﴾ وهو ما رق من الديباج (١). ﴿وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ وهو ما غلظ منه، وقيل: هو فارسي مُعرَّب (٢). ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا﴾ في الجنات ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ وهي السرر في الحجال واحدتها أريكة (٣).

стр. 8956

﴿نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ﴾ يعني: الجنات ﴿مُرْتَفَقًا﴾. ٣٢ - قوله : ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ﴾ الآية نزلت في أخوين من أهل مكة من بني مخزوم: أحدهما: مؤمن وهو: أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد (١) بن عبد ياليل (٢) وكان زوج أم سلمة ﵂، قبل النبي ﷺ . والآخر: كافر وهو: الأسود بن عبد الأسد (٣) (٤) بن عبد

стр. 8957

ياليل (١). وقيل: نزلت في النبي ﷺ وفي مشركي مكة (٢). وقيل: هو مثل لعيينة بن حصن وأصحابه، وفي سلمان وأصحابه ﵃ شبههما برجلين من بني إسرائيل واسمه يهوذا في قول ابن عباس ﵄ (٣). وقال مقاتل: تمليخا، والآخر كان كافرًا واسمه فطروس (٤). وقال وهب: قطفير (٥) وهما اللذان وصفهما الله تعالى في سورة الصافات، فكانت قصتهما: [١٧٧٨] ما أخبرنا أبو عمرو أحمد بن أُبَيّ الفراتي (٦)، قال: أخبرنا محمَّد بن عمران (٧)، قال: أخبرنا الحسن بن سفيان (٨)، قال: حدثنا حبان بن موسى (٩)، قال: حدثنا عبد الله بن

стр. 8958

المبارك (١)، عن معمر (٢)، عن عطاء الخراساني (٣) قال: كان رجلان شريكان (٤) وكانت لهما ثمانية آلاف دينار، وقيل: إنهما ورثاه من أبيهما وكانا أخوين، فاقتسماها، فعمد أحدهما فاشترى أرضًا بألف دينار، فقال صاحبه: اللهم إن كان فلان قد اشترى أرضًا بألف دينار فإني أشتري منك أرضًا في الجنة بألف دينار. فتصدق بألف دينار، ثم إن صاحبه بني دارًا بألف دينار، فقال هذا: اللهم إن فلانًا بني دارًا بألف دينار وإني أشتري منك دارًا في الجنة بألف دينار. فتصدق بألف دينار، ثم تزوج صاحبه امرأة فأنفق عليها ألف دينار، فقال: اللهم إن فلانًا تزوج امرأة بألف دينار، وإني أخطب إليك من نساء الجنة بألف دينار. فتصدق بألف دينار، ثم اشترى خدمًا ومتاعاً بألف دينار، قال: اللهم إن فلاناً اشترى خدمًا ومتاعاً بألف دينار، فإني أشتري منك خدمًا ومتاعاً من الجنة بألف دينار. ثم تصدق بألف دينار، ثم أصابته حاجة شديدة، فقال: لو أتيت صاحبي هذا لعله ينالني منه معروف، فجلس له على طريقه حتى مره به في حشمه، فقام (٥) إليه الآخر فعرفه فقال: فلان. قال: نعم. قال: ما شأنك؟ قال: أصابتني حاجة بعدك، فأتيتك لتصيبني منك بخير. فقال: فما فعل مالك؟ فقد اقتسمنا مالا واحداً فأخذت شطره

стр. 8959

وأنا شطره، فقص عليه قصته فقال: وإنك لمن المصدقين بهذا! اذهب، فوالله ما أعطيك شيئًا. فطرده فقُضي لهما أنهما (١) توفيا، فنزلت فيهما: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢)﴾ إلى قوله: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥)﴾ (٢) (٣) ونزلت: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ﴾ يعني: بستانين ﴿مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا﴾ أحطناهما ﴿بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾ يعني: جعلنا حول الأعناب النخل ووسط الأعناب الزرع (٤).

стр. 8960

٣٣ - وقوله : ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ﴾ يعني: أعطت كل واحدة من الجنتين، فلذلك لم يقل: أتتا (١)، ﴿أُكُلَهَا﴾ ثمرها تامًّا (٢). ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ﴾ ولم تنقص (٣) ﴿مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا﴾ يعني: شققنا وأخرجنا وسطهما (٤) ﴿نَهَرًا﴾. ٣٤ - ﴿وَكَانَ لَهُ﴾ يعني: لفطروس ﴿ثَمَرٌ﴾ (قرأ بفتح الثاء والميم عاصم في الموضعين، وقرأ أبو عمرو ثُمْر بضم الثاء وسكون الميم، وقرأ

стр. 8961

الباقون، بضمتين) (١) يعني: الأموال الكثيرة المثمرة من كل صنف ثمر (٢)، جمع ثمار (٣)، ومن قرأ: (ثمَر) فهو جمع ثمرة (٤). قال مجاهد: ذهب وفضة (٥). وقال ابن عباس ﵄: يعني: أنواع المال (٦). وقال قتادة: يعني من كل المال (٧).

стр. 8962

وقال ابن زيد: الثمر الأصل (١). ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ﴾ المؤمن ﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ يجاوبه ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ يعني: عشيرة ورهطًا (٢). قال قتادة: خدمًا وحشمًا (٣). وقال مقاتل: ولدًا (٤)، تصديقه قوله: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾. ٣٥ - قوله : ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ يعني: فطروس آخذا بيد أخيه المسلم يطوف به فيها ويريه إياها ويعجبه منها (٥)، ﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ بكفره (٦)، فلما رأى ما فيها

стр. 8963

من الأنهار والأزهار والأشجار والثمار قال: ﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ﴾ يعني: تهلك (١) ﴿هَذِهِ أَبَدًا﴾ (الدار، يعني: الدنيا) (٢). ٣٦ - ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ﴾ القيامة ﴿قَائِمَةً﴾ آتية كائنة (٣)، ثم تمنى على الله تعالى أمنية أخرى مع شكه وشركه فقال: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ﴾ يعني: صرفت ﴿إِلَى رَبِّي﴾ فرجعت إليه في المعاد ﴿لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا﴾ أي: من الجنة التي دخلها. وقرأ أهل الحجاز والشام: (منهما) على لفظ التثنية يعني: الجنتين، وكذلك هو في مصاحفهم (٤). ﴿مُنْقَلَبًا﴾ أي: منزلًا ومرجعًا (٥)، يقول: لم يعطني هذِه الجنة في

стр. 8964

الدنيا إلا ولي عنده أفضل منها في الآخرة (١). ٣٧ - قوله : ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ﴾ المسلم ﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ﴾ يعني: خلق أباك وأصلك (٢) ﴿مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ﴾ خلقك ﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾ يعني: ماء الرجل والمرأة ﴿ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ أي: عدلك بشرًا سويّا ذكرًا (٣). ٣٨ - ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ يقول: أما أنا فلا أكفر بربي ولكنا هو الله ربي. قال الكسائي (٤): فيه تقديم وتأخير. تقديره (٥): لكن الله هو ربي (٦).

стр. 8965

وقال الآخرون (١): أصله لكن أنا فحذفت الهمزة طلبًا للخفة لكثرة استعماله، وأدغمت إحدى النونين في الأخرى، وحذفت ألف أنا في الوصل، وقرأ ابن عامر ويعقوب (لكنا) بإثبات الألف في الوصل (٢) كقول الشاعر (٣): أنا سيفُ العَشيرةِ فاعْرِفُوني ... حُميدًا قد تَذرَّيتُ السّنامَا (٤)
следующие страницы →