стр. 9066
← Тафсир следующие страницы →
Тафсир · id 18686
تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير
الثعلبي
Полный текст (16 476 стр.). Показаны 9066–9105 · переход к 9071.
стр. 9067
стр. 9068
﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ واسمه كاشح وكان من الأتقياء (١)، ذُكر أنهما حُفظا بصلاح أبيهما، ولم يُذكر منهما صلاح (٢)، وكان بينهما وبين الأب الَّذي حُفظا به سبعة آباء وكان سيَّاحًا (٣).
[١٧٩٢] أخبرنا عبد الله بن حامد (٤)، قال: أخبرنا حامد بن محمد (٥)، قال: أخبرنا بشر بن موسى (٦)، قال: حدثنا الحميدي (٧)، قال: حدثنا سفيان (٨)، قال: حدثنا محمد بن سوقة (٩)، عن محمد بن المنكدر (١٠) قال: إن الله تعالى ليحفظ بالرجل (١١) الصالح ولده وولد ولده ومسربته (١٢) التي هو فيها،
стр. 9069
стр. 9070
[١٧٩٤] وأخبرنا عبد الله بن حامد (١)، قال: أخبرنا الحسين بن محمَّد بن الحسين البلخي (٢)، قال: حدثنا أحمد بن الليث بن الخليل (٣)، قال: حدثنا عمر بن محمَّد (٤)، قال: حدثني محمَّد بن الهيثم بن عبد الله الضبعي (٥)، قال: حدثنا العباس بن محمَّد بن عبد الرحمن (٦)، قال: حدثني أبي (٧)، قال: حدثنا يحيى بن إسماعيل بن سلمة بن كهيل (٨)، قال: كانت لي أخت أسن مني،
стр. 9071
فاختلطت وذهب عقلها وتوحشت، وكانت في غرفة في أقصى سطوحنا فلبثت بذلك بضع عشرة سنة، وكانت مع ذهاب عقلها تحرص على الصلوات والطهور، فبينا (١) أنا نائم ذات ليلة إذ باب بيتي يدق نصف الليل، فقلت: من هذا؟ فقالت: بخة. فقلت: أختي. قالت: أختك. فقلت: لبيك. وقمت ففتحت الباب فدخلت، ولا عهد لها بالبيت منذ أكثر من عشرين سنة (٢)، فقلت لها: يا أختي، خير. قالت: خير، أتيت الليلة في منامي، فقيل لي: السلام عليك يا بخة. فقلت: وعليكم السلام. فقيل لي: إن الله قد حفظ أباك إسماعيل بن سلمة بن كهيل (٣) لسلامة جدك، وحفظك لأبيك إسماعيل، فإن شئت دعوت الله لك فأذهب ما بك، وإن شئت صبرت ولك الجنة، فإن أبا بكر وعمر ﵄، قد تشفعا لك إلى الله تعالى لحب أبيك وجدك إياهما. قلت: إن كان لا بد من اختيار أحدهما فالصبر على ما أنا فيه والجنة. وإن الله تعالى لواسع المغفرة (٤) لخلقه، لا يتعاظمه شيء، إن شاء أن يجمعهما لي فعل. قالت: فقيل لي: قد جمعهما الله لك، ورضي عن أبيك وجدك
стр. 9072
بحبهما أبا بكر وعمر ﵄، قومي فانزلي. فأذهب الله تعالى ما كان بها (١) (٢).
﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾ يا موسى ﴿أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ أي يدركا (٣) شدتهما وقوتهما (٤).
قيل هو ثمانية عشر سنة (٥)، ﴿وَيَسْتَخْرِجَا﴾ ويخرجا حينئذٍ ﴿كَنْزَهُمَا﴾ المكنوز تحت الجدار ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ برأيي ومن تلقاء نفسي، بل فعلته بأمر الله تعالى، ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ واسطاع واستطاع بمعنى واحد (٦).
* * *
стр. 9073
٨٣ - قوله- ﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾
يا محمَّد ﴿عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ خبرًا واختلفوا في (١) نبوته.
فقال بعضهم: كان نبيًا (٢). وقال بعضهم: كان ملكًا عادلًا صالحًا (٣).
[١٧٩٥] حدثنا أبو منصور محمَّد بن عبد الله بن حمشاذ (٤)، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمَّد بن يوسف (٥)، قال: حدثنا الحسن بن محمَّد
стр. 9074
ابن جابر (١)، قال: حدثنا عبد الله بن هاشم (٢)، قال: حدثنا وكيع (٣)، عن العلاء بن عبد الكريم (٤) قال: سمعت مجاهدًا (٥) يقول: ملك الأرض أربعة (٦) مؤمنان وكافران، أما المؤمنان: فسليمان بن داود ﵉ وذو القرنين، وأما الكافران: فنمرود وبخت نصر (٧).
واختلفوا في تسميته بذي القرنين.
قال بعضهم: سمي بذلك لأنه ملك الروم وفارس.
وقيل: لأنه كان في رأسه شبه القرنين.
стр. 9075
وقيل: لأنه رأى في المنام كأنه آخذ بقرني الشمس، وكان تأويل رؤياه لأنه (١) طاف المشرق والمغرب.
وقيل: لأنه دعا قومه إلى التوحيد فضربوه على قرنه الأيمن، ثم دعاهم إلى التوحيد فضربوه على قرنه الأيسر.
وقيل: لأنه كان له ذؤابتان حسناوان، وإن الذؤابة تسمى قرنًا.
وقيل: لأنه كريم الطرفين من أهل بيت شرف من قبل أبيه وأمه.
وقيل: لأنه انقرض في وقته قرنان من الناس وهو حي.
وقيل: لأنه كان إذا حارب قاتل بيده وركابه جميعًا.
وقيل: لأنه دخل النور والظلمة (٢).
٨٤ - - قوله : ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ﴾
أوطأنا له ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ فمكناه وهديناه طرقها، ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ يحتاج إليه الخلق.
وقيل: من كل شيء تستعين به الملوك على فتح المدن ومحاربة الأعداء (٣).
стр. 9076
стр. 9077
﴿سَبَبًا﴾ قال ابن عباس ﵄: منزلًا (١).
وقال مجاهد ﵀: طريقًا بين المشرق والمغرب (٢)، نظيره: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ (٣) يعني الطرق.
٨٦ - قوله ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾
قرأ العبادلة: عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر (وعبد الله بن عباس) (٤) وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن الزبير ﵃، والحسن وأبو جعفر وابن عامر وأيوب وأهل الكوفة (سوى حفص) (٥) (٦) (حامية) بالألف أي حارة (٧).
يدل عليه:
стр. 9078
[١٧٩٦] ما أخبرنا عبد الله بن حامد (١)، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله (٢)، قال: حدثنا محمَّد بن عبد الله بن سليمان (٣)، قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة (٤)، قال: حدثنا يزيد بن هارون (٥)، عن سفيان بن الحسين (٦)، عن الحكم بن عتيبة (٧)، عن إبراهيم التيمي (٨)، عن أبيه (٩)، عن أبي ذر (١٠) ﵁ قال: كنت رديف النبي
стр. 9079
- ﷺ ، فقال: "يا أبا ذر أين تغرب هذِه"؟ قلت: الله ورسوله أعلم.
قال: "فإنها تغرب في عين حامئة" (١).
وقال عبد الله بن عمرو (٢) ﵄ نظر رسول الله ﷺ إلى الشمس حين غابت فقال: "في نار الله الحامية في نار الله الحامية (٣)، لولا ما يزعها (٤) من أمر الله لأحرقت ما على الأرض" (٥).
وقرأ الباقون: ﴿حَمِئَةٍ﴾ مهموزة بغير ألف (٦)، يعني ذات حماة، وهي الطينة السوداء (٧)، يدل عليه:
стр. 9080
стр. 9081
стр. 9082
يعقوب (١)، قال: حدثنا الحسن بن علي بن عفان (٢)، قال: حدثنا أبو أسامة (٣)، قال: حدثني عمرو بن ميمون (٤)، قال: سمعت أبا حاضر أو ابن (٥) حاضر (٦) رجل من الأزد، يقول: سمعت ابن عباس ﵄، يقول: إني لجالس عند معاوية ﵁ إذ قرأ هذِه الآية (وجدها تغرب في عين حامية) فقلت: وما (٧) نقرؤها إلا (حمئة).
فقال معاوية لعبد الله بن عمرو: كيف تقرؤها؟ قال: كما قرأتها يا أمير المؤمنين.
قال ابن عباس ﵄: فقلت: في بيتي نزل القرآن. فأرسل معاوية ﵁ إلى كعب ﵀، فجاءه، فقال: أين تجد الشمس تغرب
стр. 9083
في التوراة يا كعب؟ قال: أما العربية فأنتم أعلم بها، وأما الشمس فإني (١) أجدها (في التوراة) (٢) تغرب في ماء وطين. قال:
فقلت لابن عباس ﵄: لو كنت عندكما لأنشدت (٣) كلامًا تزداد به (٤) تبصيرًا (٥) في قولك حمئة.
فقال ابن عباس ﵄: وإذًا ما هو؟ فقلت: قول تُبَّعٍ (٦):
قد كان ذو القرنين قبلي مسلمًا ... ملكًا تدين له الملوك وتسجُد
стр. 9084
стр. 9085
стр. 9086
وقال أبو العالية: بلغني أن الشمس تغرب في عين تقذفها العين إلى المشرق (١).
﴿وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا﴾ يعني: ناسًا (٢).
قوله : ﴿قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ﴾ يعني: إما أن تقتلهم إن لم يدخلوا في الإِسلام، ﴿وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ أي: تعفو وتصفح. (٣) (٤).
وقيل: تأسرهم فتعلمهم الهدى وتبصرهم الرشاد (٥).
стр. 9087
٨٧ - ﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ﴾
أي: كفر ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ نقتله ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ﴾ في الآخرة
﴿فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا﴾ منكرًا.
٨٨ - ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾
قرأ أهل الكوفة (سوى أبي بكر) (١) ﴿جَزَاءً﴾ منونًا نصبًا (٢) على معنى: فله الحسنى جزاءً، نُصب (٣) على المصدر (٤)، وقرأ الباقون بالرفع على الإضافة، ولها وجهان:
أحدهما: أن يكون المراد بالحسنى الأعمال الصالحة.
والوجه الثاني: أن يكون معنى جزاءً الحسنى الجنة (٥) وأضيف الجزاء إليها كما قال: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ (٦) والدار هي الآخرة.
стр. 9088
وقال: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (١) (٢).
﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ أي: نلين له القول ونهون عليه الأمر.
وقال مجاهد: ﴿يُسْرًا﴾ أي: معروفًا (٣).
٨٩ - ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩)﴾
أي: سلك (٤) طرقًا (٥) ومنازل.
٩٠ - ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾
قال قتادة: لم يكن بينهم وبين الشمس ستر؛ وذلك أنهم كانوا في مكان لا يستقر عليه بناء، وأنهم كانوا يكونون في أسراب لهم، حتى إذا زالت الشمس عنهم، خرجوا إلى معايشهم وحروثهم (٦) (٧).
وقال الحسن: كانت أرضهم أرضًا لا تحمل البناء وكانوا إذا طلعت عليهم الشمس تهوروا (٨) في الماء، فإذا ارتفعت عنهم
стр. 9089
خرجوا فتراعوا كما تراعى البهائم (١).
وقال ابن جريج: وجاءهم جيش مرة فقال لهم أهلها: لا تطلع الشمس عليكم وأنتم بها. فقالوا: لا نبرح حتى تطلع الشمس. قالوا: ما هذِه العظام؟ قالوا: جيف جيش طلعت الشمس عليهم هاهنا فماتوا. فذهبوا هاربين في الأرض (٢).
وقال قتادة: يقال إنهم الزنج (٣). وقال الكلبي: هم تاريس (٤) وتأويل ومنسك، عراة حفاة عماة عن الحق (٥).
قال: وحدثني عمرو بن مالك بن أمية (٦)، قال: وجدت رجلًا بسمرقند (٧) يحدث الناس وهم مجتمعون حوله، فسألت بعضًا من
стр. 9090
حديثه (١) فأخبرني (٢) أنه حدثهم عن القوم الذين تطلع عليهم الشمس قال: خرجت حتى جاوزت الصين، ثم سألت عنهم، فقيل لي: إن (٣) بينك وبينهم مسيرة (٤) يوم وليلة، فاستأجرت رجلًا، فسرت بقية عشيتي وليلتي حتى صبحتهم، فإذا أحدهم يفرش أذنه ويلبس الأخرى، فكان صاحبي يحسن لسانهم، فسألهم وقال: جئنا ننظر كيف تطلع الشمس. قال: فبينا نحن كذلك إذ سمعنا كهيئة الصلصلة فغشي عليّ فوقعت، فأفقت وهم يمسحونني (٥) بالدهن، فلما طلعت الشمس على الماء إذا هي كهيئة الزيت، وإذا طرف السماء (٦) كهيئة الفسطاط، فلما ارتفعت أدخلوني سربًا لهم أنا وصاحبي، فلما أرتفع النهار خرجوا إلى (٧) البحر، فجعلوا يصطادون السمك فيطرحونه في الشمس فينضج (٨) (٩).
* * *
стр. 9091
٩١ - قوله- : ﴿كَذَلِكَ﴾
اختلفوا فيه، فقال بعضهم: يعني كما بلغ مغرب الشمس فكذلك بلغ مطلعها (١).
وقيل: أتبع سببًا كما أتبع سببًا (٢).
وقيل: كما وجد القبيل (٣) عند مغرب الشمس وحكم فيهم كذلك وجد عند مطلع الشمس (٤)، فحكم فيهم بحكم أولئك (٥).
وقيل: إن الله تعالى لما قص عليه (٦) خبرهم قال: ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كذلك أمرهم والخبر عنهم كما قصصنا عليك (٧).
ثم استأنف وقال: ﴿وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ يعني بما عنده (٨) ومعه من الملك والجيوش والآلات.
стр. 9092
﴿خُبْرًا﴾ علمًا (١).
٩٢ - قوله : ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾
٩٣ - ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾
بالفتح قرأ (٢) ابن كثير وأبو عمرو وعاصم (في رواية حفص) (٣)، وقرأ الباقون بالضم (٤).
قال الكسائي: هما لغتان (٥)، وهما جبلان سد ذو القرنين ما بينهما حاجزًا بين يأجوج ومأجوج ومَنْ وراءهم (٦).
وقال عكرمة: ما كان من صنعة بني آدم فهو السد بفتح السين، وما كان من صنع الله تعالى فهو السُّد بالضم (٧) (٨).
стр. 9093
وقال ابن عباس ﵄: السدان (١) أرمينية وأذربيجان (٢).
﴿وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ﴾.
قرأ الأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي: (يُفْقِهُوْن) بضم الياء وكسر القاف، على معنى يُفْهمون (٣) غيرهم.
وقرأ الباقون: ﴿يَفْقَهُونَ﴾ بفتح الياء والقاف، أي: يعلمون ويفهمون (٤) (٥) ﴿قَوْلًا﴾.
стр. 9094
٩٤ - قوله- : ﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ﴾
فإن قيل: كيف أخبر عنهم أنهم لا يفقهون قولًا، ثم قال تعالى: ﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ﴾؟ قيل: كَلَّمه عنهم قوم آخرون ترجمة، وبيان ذلك في قراءة ابن مسعود ﵁: (ولا يكادون يفقهون قولًا قال الذين من دونهم يا ذا القرنين) (١).
(وقيل معناه: لا يكادون يفقهون خيرًا من شر، ولا ضلالًا من هدى) (٢).
﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ﴾ قرأهما عاصم والأعرج (٣) مهموزين، والباقون بغير همز (٤)،
стр. 9095
وهما لغتان (١)، قالوا: وأصله من أجيج النار وهو ضوؤها (٢) وشررها.
شُبِّهوا به في كثرتهم وشدتهم (٣).
وقال وهب بن منبه ومقاتل بن سليمان (٤): هم (٥) من ولد يافث (٦) ابن نوح ﵇.
وقال الضحاك: هم جيل من الترك (٧).
وقال كعب: هم نادرة من ولد آدم؛ لأنهم ولد آدم من غير حواء وذلك أن آدم ﵇ كان (٨) ذات يوم فاحتلم، وامتزجت نطفته
стр. 9096
بالتراب، فلما انتبه أسف على ذلك الماء الذي خرج منه، فخلق الله تعالى من ذلك الماء يأجوج ومأجوج، فهم متصلون بنا من جهة الأب دون الأم (١).
وقوله تعالى: ﴿مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾.
قال سعيد بن عبد العزيز: فسادهم في الأرض أنهم كانوا يأكلون الناس (٢).
وقال الكلبي: كانوا يخرجون إلى أرضهم أيام الربيع فلا يدعون فيها شيئًا أخضر إلا أكلوه ولا شيئًا يابسًا إلا احتملوه (٣)، فأدخلوه أرضهم وقد لقوا منهم أذى شديدًا وقتلًا (٤).
стр. 9097
стр. 9098
حذيفة (١) ﵁ قال: سألت النبي ﷺ عن يأجوج ومأجوج، فقال: "يأجوج أمة ومأجوج أمة، كل أمة أربع مائة ألف أمة، لا يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه كلهم قد حمل السلاح"، قيل: يا رسول الله، صفهم لنا؟ قال: "هم ثلاثة أصناف: فصنف منها أمثال الأرز"، قيل: يا رسول الله وما الأرز؟ قال: "شجرة بالشام، طول الشجرة عشرون ومائة ذراع (في السماء، وصنف منهم عرضه وطوله سواء عشرون ومائة ذراع) (٢)، وصنف منهم يفرش أذنه ويلتحف بالأخرى، ولا يقرون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلا أكلوه، ومن مات منهم أكلوه، مقدمتهم بالشام، وساقتهم بخرسان، يشربون أنهار المشرق وبحيرة الطبرية" (٣).
стр. 9099
وقال وهب بن منبه ﵀: كان ذو القرنين رجلًا من الروم ابن عجوز من عجائزهم ليس لها ولد غيره، وكان اسمه الإسكندروس، فلما بلغ وكان عبدًا صالحًا قال الله تعالى: يا ذا القرنين إني باعثك إلى أمم الأرض، وهم أمم مختلفة ألسنتهم وهم جميع أهل الأرض، ومنهم أمتان بينهما (طول الأرض كله (١) ومنهم أمتان بينهما) (٢) عرض الأرض كله، وأمم في وسط الأرض، منهم الجن والإنس ويأجوج ومأجوج، فأما اللتان بينهما طول الأرض فأمة عند مغرب الشمس، ويقال لها: ناسك (٣) وأما الأخرى عند مطلعها يقال لها: منسك، وأما اللتان بينهما عرض الأرض فأمة في قطر (٤) الأرض الأيمن، يقال لها (٥): هاويل، والأخرى في قطر الأرض الأيسر، يقال لها: تأويل. فلما قال الله تعالى له ذلك، قال ذو القرنين: إلهي، إنك قد ندبتني لأمر عظيم لا يقدر قدره إلا أنت، فأخبرني عن هذِه الأمم التي بعثتني إليها بأي قوة أكابرهم (٦)؟ (وبأي جمع أكاثرهم؟ وبأي حيلة أكابدهم؟ ) (٧) وبأي صبر أقاسيهم؟
стр. 9100
وبأي لسان أناطقهم؟ وكيف لي بأن أفقه لغاتهم؟ وبأي سمع أسمع أقوالهم؟ وبأي بصر أنفذهم؟ وبأي حجة أخاصمهم؟ وبأي قلب (١) أعقل عنهم؟ وبأي حكمة (٢) أدبرّ أمرهم؟ وبأي قسط أعدل بينهم؟ وبأي حلم أصابرهم؟ وبأي معرفة أنصف (٣) بينهم؟ وبأي علم أتقن أمورهم؟ (٤) وبأي يد أسطو عليهم؟ وبأي رجل أطؤهم؟ وبأي طاقة أحصيهم؟ وبأي جند أقاتلهم؟ وبأي رفق أتألفهم؟ وليس عندي يا إلهي شيء مما ذكرت يقوم لهم، ولا يَقْوى (٥) عليهم (٦) ولا يطيقهم (٧)، وأنت الرؤوف الرحيم، الذي لا تكلف نفسًا إلا وسعها، ولا تحملها إلا طاقتها, ولا تشقيها بل أنت ترحمها.
قال الله تعالى له: سأطوقك ما حملتك، أشرح لك صدرك فيسمع (٨) كل شيء، وأشرح لك فهمك فتفقه كل شيء، وأبسط لك لسانك (٩) فتنطق بكل شيء، وأفتح لك سمعك فتعي كل شيء،
стр. 9101
وأنفذ لك بصرك فتنفذ كل شيء (١)، وأحصي لك فلا يفوتك شيء، وأشد لك عضدك فلا يهولك شيء، وأشد لك ركنك (٢) فلا يغلبك شيء، وأشد لك قلبك فلا يفزعك شيء، وأحفظ عليك عقلك (٣) فلا يَعْزُب عنك شيء، وأبسط لك من بين يديك فتسطو فوق كل شيء، وأشد لك وطأتك فتهد كل شيء، وألبسك الهيبة فلا يرومك (٤) شيء، وأسخر لك النور والظلمة فأجعلهما جندًا من جندوك، يهديك النور من أمامك، وتحوطك (٥) الظلمة من ورائك. فلما قيل له ذلك انطلق (٦) يؤم الأمة التي عند مغرب الشمس، فلما بلغهم وجد جمعًا (٧) وعددًا لا يحصيهم إلا الله، وقوة وبأسًا لا يطيقه إلا الله، وألسنة مختلفة، وأهواء متشتتة، وقلوبًا متفرقة، فلما رأى ذلك كابَرَهُمْ (٨) بالظلمة فضرب حولهم ثلاثة عساكر منها، فأحاط بهم من كل مكان حتى جَمَعَتْهُمْ في مكان واحد، ثم أخذ عليهم بالنور فدعاهم إلى الله تعالى وعبادته، فمنهم من آمن به،
стр. 9102
ومنهم من صد عنه، فعمد إلى الذين تولوا عنه فأدخل عليهم الظلمة فدخلت في أفواههم وأنوفهم وآذانهم وأجوافهم، ودخلت في دورهم وبيوتهم وغشيتهم من فوقهم ومن تحتهم ومن كل جانب منهم، فماجوا فيها (١) وتحيروا، فلما أشفقوا أن يهلكوا فيها عجّوا إليه بصوت واحد، فكشفها عنهم وأخذهم (٢) عنوة فدخلوا في دعوته، فجنّد من أهل المغرب أممًا عظيمة فجعلهم جندًا واحدًا، ثم انطلق بهم يقودهم، والظلمة تسوقهم من خلفهم وتحرسهم من خلفهم، والنور أمامهم يقوده ويدله (٣) وهو يسير في ناحية الأرض اليمنى، وهو يريد الأمة التي في قطر الأرض الأيمن التي يقال لها: هاويل، وسخر الله تعالى له يده وقلبه ورأيه وعقله ونظره، فلا يخطئ (إذا ائتمروا) (٤) وإذا عمل عملًا أتقنه.
فانطلق يقول تلك الأمم وهي تتبعه، فإذا انتهى إلى بحر أو مخاضة (٥) بني سُفنًا من ألواح صغار أمثال النعال، فينظمها (٦) في ساعة، ثم حمل فيها جميع من معه من تلك الأمم وتلك الجنود، فإذا قطع الأنهار والبحار فتقها، ثم دفع إلى كل رجل منهم لوحًا
стр. 9103
فلا يكترثه حمله، فلم يزل ذلك (١) دأبه حتى انتهى إلى هاويل, فعمل فيه كعمله (٢) في ناسك، فلما فرغ منها مضى على وجهه في ناحية الأرض اليمنى حتى انتهى إلى منسك عند مطلع الشمس (٣)، فعمل فيها وجنّد منها جنودًا كفعله في الأمتين اللتين قبلها، ثم كرّ مقبلًا حتى أخذ ناحية الأرض اليسرى وهو يريد تأويل، وهي الأمة التي بحيال هاويل، وهما متقابلتان بينهما عرض الأرض كلها (٤)، فلما بلغها عمل فيها وجند فيها كفعله (٥) في الذي قبلها، فلما فرغ منها عطف على (٦) الأمم التي وسط الأرض من الجن والإنس ويأجوج ومأجوج، فلما كان في بعض الطريق مما يلي منقطع الترك نحو المشرق قالت له أمة صالحة من الإنس: يا ذا القرنين إن بين هذين الجبلين خلقًا من خلق الله تعالى ليس فيهم مشابه الإنس، وهم أشباه البهائم، يأكلون العشب ويفترسون الدواب (٧) كما يفترسها السباع ويأكلون ديدان (٨) الأرض كلها من
стр. 9104
الحيات والعقارب وكل ذي روح مما خلق الله (١) في الأرض، وليس لله تعالى خلق ينمى نماهم في العام الواحد، ولا يزدادون (٢) كزيادتهم، فإن أتت مدة على ما ترى من نمائهم وزيادتهم فلا شك (أنهم سيملؤون) (٣) الأرض ويخلون أهلها منها ويظهرون عليهم (٤) فيفسدون فيها, وليست تمر بنا سنة منذ جاورناهم إلا ونحن نتوقعهم (٥) أن يطلع علينا أولهم من بين هذين الجبلين ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾.
٩٥ - ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (٩٥)﴾
أعدوا لي الصخور (٦) والحديد والنحاس حتى أرتاد بلادهم، وأعلم علمهم، وأقيس ما بين جبليهم (٧).
ثم انطلق يؤمهم حتى دفع إليهم وتوسط بلادهم فوجدهم على مقدار واحد ذكرهم وأنثاهم، يبلغ طول الواحد منهم مثل نصف الرجل المربوع منّا.
وقال علي بن أبي طالب ﵁: منهم من طوله شبر، ومنهم من هو
стр. 9105
مفرط في الطول (١).
لهم مخاليب في (أيديهم في موضع) (٢) الأظفار مثل (٣) أيدينا، وأنياب وأضراس كأضراس السباع وأنيابها، وأحناك كأحناك الإبل يسمع لهم (٤) حركة إذا أكلوا كحركة الجرة (٥) من الإبل، وكقضم (٦) البغل المسن أو الفرس القوي، ولهم هلب (٧) من الشعر في أجسادهم ما يواريهم وما يتقون به من الحر والبرد إذا أصابهم، ولكل واحد منهما (٨) أذنان عظيمتان، إحداهما وبر (٩)، والأخرى زغبة (١٠)، يلتحف إحداهما ويفترش الأخرى، ويصيف في إحداهما