← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 9171–9210 · переход к 9176.

стр. 9171

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9172

١٤ - قوله ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ﴾ بارا لطيفا بهما لا يعصيهما ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا﴾ قتالا متكبرا (١) قال الكلبي: الجبار الذي يضرب ويقتل على الغضب (٢). ﴿عَصِيًّا﴾ عاصيًا (٣) لربه. ١٥ - ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ﴾ قال الكلبي: سلامة له منا (٤) ﴿يَوْمَ﴾ حين (٥). ﴿وُلِدَ وَيَوْمَ﴾ وحين ﴿يَمُوتُ وَيَوْمَ﴾ وحين ﴿يُبْعَثُ حَيًّا﴾. [١٨١٥] أخبرنا أبو محمَّد الأصفهاني (٦) وأبو صالح

стр. 9173

النَّيْسَابُورِيّ (١)، قالا: أَنْبأنا أبو حاتم التَّمِيمِيّ (٢)، قال: أخبرنا أبو الأَزْهَر السليطي (٣)، قال: حَدَّثَنَا روح (٤)، قال: حَدَّثَنَا سعيد (٥)، عن قتادة (٦)، عن الحسن (٧) ﵀: أن يحيى وعيسى ﵉ التقيا، فقال له عيسى ﵇: استغفر لي أَنْتَ خير مني. وقال يحيى ﵇: استغفر لي أَنْتَ خير مني. فقال عيسى ﵇ له: أَنْتَ خير مني سلمتُ على نفسي وسلم الله تعالى عليك (٨).

стр. 9174

١٦ - قوله : ﴿وَاذْكُرْ﴾ يَا محمَّد ﴿فِي الْكِتَابِ﴾ في القرآن ﴿مَرْيَمَ﴾ وهي بنت عمران بن ماتان (١) ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ﴾. قال قتادة: انفردت (٢). وقال الكلبي: تنحت (٣) ﴿مِنْ أَهْلِهَا﴾ وأصله من النبذة، والنبذة بفتح النُّون وضمها وهي الناحية، يعني: أنها اعتزلت وتنحت وجلست ناحية (٤) ﴿مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ يعني مشرقة وهي مكان في الدار

стр. 9175

مما يلي المشرق جلست فيها لأنه كان في الشتاء (١). وقال الحسن ﵀: اتخذت النصارى المشرق قبلة؛ لأن مريم ﵍ انتبذت مكانًا شرقيًا (٢). ١٧ - ﴿فَاتَّخَذَتْ﴾ فضربت ﴿مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾. قال ابن عباس ﵄ سترًا (٣). وقال مقاتل: جعلت الجبل بينها وبين قومها (٤). قال عكرمة: إن مريم الصديقة كانت تكون في المسجد ما دامت طاهرًا، فإذا حاضت تحولت إلى بيت خالتها، حتَّى إذا طهرت عادت إلى المسجد، فبينا هي تغتسل من الحيض إذ عرض لها جبريل ﵇ في صورة شاب أمرد وضيء الوجه جعد الشعر سوي

стр. 9176

الخلق (١)، فذلك قوله : ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ يعني جبريل ﵇ (٢). وقيل: روح (عيسى ﵇ (٣) أضافه إليه على التخصيص والتفضيل. ﴿فَتَمَثَّلَ﴾ فتصور) (٤) ﴿لَهَا بَشَرًا﴾ آدميًا ﴿سَوِيًّا﴾ لم ينقص منه شيء.

стр. 9177

وإنما أرسله في صورة البشر لتثبت مريم ﵍ وتقدر على استماع كلامه، (ولو نزل على صورته التي هو عليها لفزعت ونفرت عنه، ولم تقدر على استماع كلامه) (١). فلما رأته مريم ﵍: ١٨ - ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨)﴾ مؤمنًا مطيعا (٢). وقال علي بن أبي طالب ﵁ (٣): علمت أن التقي ذو نُهية (٤). وقيل: كان تقي رجلًا من أمثل النَّاس في ذلك الزمان، فقالت: إن

стр. 9178

كنت في الصلاح مثل المتقي فإنِّي أعوذ بالرحمن منك، كيف يكون رجل أجنبي وامرأة أجنبية في حجاب واحد (١). ١٩ - قوله ﴿قَالَ﴾ فقال لها جبريل ﵇: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ﴾ أي: ويقول لأهب لك، وقرأ أبو عمرو (ونافع في رواية وكذلك عن قالون) (٢) (ليَهَبَ بالياء) (٣) ﴿غُلَامًا زَكِيًّا﴾ ولدًا صالحًا تقيًا. ٢٠ - ﴿قَالَتْ﴾ مريم ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ ولم يقربني آدمي، يعني: زوجًا (٤) ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ فاجرة، وإنما حذف الهاء لأنه مصروف عن وجهه (٥).

стр. 9179

٢١ - قال جبريل ﵇: ﴿قَالَ كَذَلِكِ﴾ كما قلت يَا مريم ولكن ﴿قَالَ رَبُّكِ﴾ وقيل: هكذا قال ربك (١) ﴿هُوَ﴾ خَلْقُ ولد من غير أب ﴿عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً﴾ علامة وعبرة ﴿لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا﴾ لمن تبعه على دينه ﴿وَكَانَ﴾ ذلك ﴿أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ مقدورًا مسطورًا في اللوح المحفوظ. ٢٢ - قوله ﴿فَحَمَلَتْهُ﴾ وذلك أن جبريل ﵇ رفع درعها فنفخ في جيبها (٢) فحملته (٣) حين لبست (٤)، وقيل: نفخ جبريل ﵇ من بعيد نفخًا فوصلت (٥) الريح إليها فحملت (٦)، فلما حملت (٧) ﴿فَانْتَبَذَتْ﴾ خرجت وانفردت. ﴿بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾ بعيدًا من أهلها من وراء الجبل.

стр. 9180

وقيل (١): أقصى الدار (٢). قال الكلبي: قيل لابن عم لها يقال له يوسف: إن مريم حملت من الزنا، الآن يقتلها الملك. وكانت قد سميت له، فأتاها فاحتملها فهرب بها، فلما كان ببعض الطريق أراد يوسف ابن عمها قتلها، فأتاه جبريل ﵇ فقال: إنه من روح القدس فلا تقتلها. فتركها ولم يقتلها فكان معها (٣). واختلفوا في مدة حملها ووقت وضعها، فقال بعضهم: كان مقدار حملها تسعة أشهر كحمل سائر النساء (٤). ومنهم من قال: ثمانية أشهر، وكان ذلك آية أخرى لأنه لم يعش مولود وضع لثمانية أشهر، غير عيسى ابن مريم ﵉ (٥). وقيل: ستة أشهر (٦).

стр. 9181

وقيل: ثلاث ساعات (١). وقيل: ساعة واحدة. وقال ابن عباس ﵄: ما هو إلَّا أن حملت فوضعت (٢). ولم يكن بين (٣) العمل والانتباذ إلَّا ساعة, لأن الله تعالى لم يذكر بينهما فصلًا. وقال مقاتل بن سليمان: حملته مريم في ساعة، وصور في ساعة، ووضعته في ساعة، حيث زالت الشَّمس من يومها وهي بنت عشر سنين، وقد كانت حاضت حيضتين قبل أن تحمل بعيسى ﵇ (٤). ٢٣ - قوله ﴿فَأَجَاءَهَا﴾ فألجأها، وجاء بها (٥) ﴿الْمَخَاضُ﴾ في قراءة عبد الله ﵁

стр. 9182

(آواها (١) المخاض) (٢) يعني: الحمل (٣). وقيل: المطلق (٤). ﴿إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ وكانت نخلة يابسة، في الصحراء في شدة الشتاء ولم يكن لها سعف (٥). وروى هلال بن خباب (٦) (٧)

стр. 9183

عن أبي (عبيد الله) (١) قال: كان جذعًا يابسًا قد جيء ليبنى به بيت يقال له: بيت لحم (٢). ﴿قَالَتْ﴾ فقالت ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ قرأ يحيى ابن وثاب، والأعمش (٣)، وحمزة، وحفص ﴿نسيًّا﴾ بفتح النُّون، والباقون بالكسر (٤)، وهما لغتان، مثل: الوَتر والوِتر، والحَج والحِج (٥)، والجَسر الجِسر، وهو الشيء المنسي. قال ابن عباس ﵄: شيئًا متروكًا (٦). وقال قتادة: شيئًا (٧) لا يعرف ولا يذكر (٨).

стр. 9184

وقال عكرمة، والضَّحَاك (١): حيضة ملقاة (٢). وقال الرَّبيع: هو السقط (٣). وقال مقاتل: يعني كالشيء الهالك (٤). وقال عطاء بن أبي مسلم: يعني: لم أخلق (٥). قال الفراء: هو ما تلقيه المرأة من خرق اعتلالها (٦). وقال أبو عبيدة: هو ما نسي وأُغفل من شيءٍ حقير (٧). قال الكُميَتُ: أتجعلُنا قسرًا لكلبِ قُضاعةٍ ... ولستُ بنسيٍ في مَعَدٍّ ولا دَخْلِ (٨)

стр. 9185

[١٨١٦] أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان (١) قال: أخبرنا حاجب ابن أَحْمد (٢) قال: حَدَّثَنَا محمَّد بن حماد (٣) قال: حَدَّثَنَا أبو معاوية (٤)، عن هشام بن عروة (٥)، عن أَبيه (٦) عن عائشة ﵂ قالت: لوددت أني إذا مِتُّ كنت نسيًا منسيًا (٧). ٢٤ - قوله : ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾

стр. 9186

قرأ الحسن (١)، وأبو جعفر وحفص (٢) وشيبة، ونافع، وابن وثاب، والأعمش، وحمزة والكسائي: ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ بكسر الميم، وهو جبريل ﵇، ناداها من سفح الجبل (٣). وقرأ الباقون: (مَنْ تحتها) بفتح الميم، وهو عيسى ﵇ لما خرج من بطنها (٤) ناداها (٥). ﴿أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قال الحسن: يعني عيسى، كان والله عبدًا سريًا أي: رفيعًا (٦).

стр. 9187

وقال سائر المفسرين: هو النهر الصغير (١). وقيل: معنى قوله: (تحتك): أن الله جعل النهر تحت أمرها، إن أمرته يجري جرى، وإن أمرته بالإمساك أمسك، كقوله تعالى فيما أخبر عن فرعون: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ (٢) أي: من تحت أمري. قال ابن عباس ﵄: فضرب جبريل ﵇ وقيل عيسى ﵇ برجله الأرض فظهرت عين ماء عذب، وجرى فحييت النخلة بعد يبسها فأورقت وأثمرت وأرطبت (٣).

стр. 9188

٢٥ - قوله : ﴿وَهُزِّي﴾ قيل لمريم ﵍: هزي، أي: حركي ﴿إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ تقول العرب: هزّه وهزّ به، كما تقول خذ الخطام وخذ بالخطام، وتعلّقْ يزيد وتعلقْ زيدًا، وخذ رأسه وخذ برأسه، وامدد الحبل وامدد بالحبل (١) والجذع الغصن، والجذع النخلة نفسها. ﴿تُسَاقِطْ﴾ قرأ البراء بن عازب، ويعقوب، وأبو حاتم وحماد (٢)، ونصير: (يساقط) بالياء (٣). وقرأ حفص: ﴿تُسَاقِطْ﴾ بضم التاء وتخفيف السين، وكسر القاف (٤). وقرأ الأَعمش، وحمزة، وأبو عبيدة (٥): (تَساقَط) بفتح التاء

стр. 9189

والقاف وتخفيف السين (١). وقرأ الباقون: (تَسّاقَط) بفتح التاء (٢) والقاف وتشديد السين (٣). فمن أنَّثَ ردَّه إلى النخلة، ومن ذكَّر ردَّه إلى الجذع، والتشديد على الإدغام والتخفيف على الحذف (٤). ﴿عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ غضًا رطبًا ساعة جُني (٥). قال الرَّبيع بن خثيم: ما للنفساء عندي خير من الرطب، ولا للمريض خير من العسل (٦). وقال عمرو بن ميمون: ما أدري للمرأة إذا عسر عليها ولدها خيرًا من الرطب، لقول الله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥)﴾ (٧).

стр. 9190

وقالت عائشة ﵄: إن من السنة أن تمضغ التمر وتدلك في فم المولود (١). وكذلك (٢) كان الرسول يمضغ التمر ويحنك به أولاد الصَّحَابَة ﵃ (٣). ٢٦ - قوله : ﴿فَكُلِي﴾ يَا مريم من الرطب ﴿وَاشْرَبِي﴾ من النهر ﴿وَقَرِّي عَيْنًا﴾ وطيبي نفسًا (٤). ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أي: صمتًا (٥)،

стр. 9191

وكذلك كان يقرأ ابن مسعود (١) وأنس ﵄ (٢). والصوم في اللغة هو (٣): الإمساك عن الطعام والكلام (٤)، وفي الآية اختصار، يعني: فإما ترين من البشر أحدًا فسألك عن ولدك أو لامك عليه فقولي: إنِّي نذرت للرحمن صومًا (أي: صمتًا) (٥) يقال: إن الله تعالى أمرها أن تقول هذا إشارة. ويقال: أمرها أن تقوله نطقًا، ثم تمسك عن الكلام بعد هذا (٦). ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ يقال: كانت تكلم الملائكة ولا تكلم الإنس (٧).

стр. 9192

٢٧ - قوله : ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ قال الكلبي: احتمل يوسف النجار مريم وابنها عيسى ﵉ إلى غار فأدخلها فيه أربعين يومًا (حتَّى تعالت من نفاسها ثم جاء بها، فأتت مريم بعيسى تحمله بعد أربعين يومًا) (١) فكلمها عيسى ﵇ في الطريق فقال: يَا أماه، أبشري فإنِّي عبد الله ومسيحه. فلما دخلت على أهلها ومعها الصبي بكوا وحزنوا، وكانوا أهل بيت صالحين (٢) (٣) ﴿قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ فظيعا منكرًا عظيمًا. قال أبو عبيدة: كل فائق من عجيب أو عمل فهو فري (٤). قال النَّبِيّ ﷺ في عمر ﵁: "فلم أرى عبقريا يفري فريه" (٥) أي:

стр. 9193

يعمل عمله. قال الراجز (١): قد أطعمتني دقلًا حوليًا (٢) مسوسًا مدودًا حجريًا قد كنت تفرين به الفريّا (٣) أي: تكثرين فيه القول وتعظمينه.

стр. 9194

٢٨ - ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ قال النَّبِيّ ﷺ : "إنما عنوا هارون النَّبِيّ أخا موسى ﵉؛ لأنها كانت من نسله" (١). وقال قتادة وغيره: كان هارون رجلًا صالحًا من أتقياء بني إسرائيل وليس بهارون أخي موسى، ذكر لنا أنَّه تبع جنازته، يوم مات أربعون ألفًا كلهم يسمى هارون من بني إسرائيل (٢). وقال المغيرة بن شعبة ﵁: قال لي أهل نجران: قوله (٣) ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ وقد كان بين هارون وعيسى من السنين ما قد كان؟ فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "ألا أخبرتهم أنَّهم كانوا يسمون بالأنبياء والصالحين من قبلهم" (٤).

стр. 9195

وقال الكلبي: كان هارون أخا مريم ﵍ من أبيها, ليس من أمها، فكان أمثل رجل في بني إسرائيل (١). وقيل: إن هارون كان من أفسق بني إسرائيل، وأظهرهم فسادًا فشبهوها به (٢) وعلى هذا القول، الأخت ها هنا بمعنى التشبيه لا بمعنى (٣) النسبة، والعرب تسمي شبه الشيء أخته وأخاه، قال الله تعالى: ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ (٤) أي: شبهها. ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ﴾ عمران ﴿امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ﴾ حنة (٥) ﴿بَغِيًّا﴾ زانية، فمن أين لك هذا الولد؟ ٢٩ - ﴿فَأَشَارَتْ﴾ مريم ﴿إِلَيْهِ﴾ أي: إلى عيسى أن كلموه ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ أي: من هو في المهد وهو حجرها، وقيل: هو

стр. 9196

المهد بعينه (١) وقد تجيء كان حشوًا للكلام ولا معنى له، كقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (٢) أي: أنتم (خير أمة) (٣) وقوله: ﴿هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ (٤) أي: هل أنا؟ وكقول النَّاس إن كنت صديقي فصلني (٥).

стр. 9197

قال زهير: أجزتُ عليه حُلَّةً أرحبيَّةً ... وَقد كانَ لونُ اللَّيلِ مثلَ الأَرَنْدَجِ (١) وقال الفرزدق: فكيفَ إذا رأيتَ ديارَ قومي (٢) ... وجيرانٍ لنا كانوا كرامِ (٣) أي: وجيران لنا كرامٍ. وقال وهب: فأتاها زكريا ﵇ عند مناظرتها اليهود، فقال لعيسئ ﵇: انطق بحجتك إن كنت أُمرت بها، قال: فقال عند ذلك عيسى ﵇ وهو ابن أربعين يومًا (٤)، وقال مقاتل: هو يوم ولد (٥).

стр. 9198

٣٠ - ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ فأقر على نفسه بالعبودية لله سبحانه أول ما تكلم تكذيبًا للنصارى، وإلزامًا للحجة عليهم (١). قال عمرو بن ميمون: إن مريم لما أتت قومها بعيسى ﵇ أخذوا لها الحجارة ليرموها، فلما تكلم (عيسى ﵇ تركوها، قالوا: ثم لم يتكلم) (٢) عيسى ﵇ بعد هذا حتَّى كان بمنزلة غيره من الصبيان (٣). وروي عن النَّبِيّ ﷺ أنَّه قال: "خمسة تكلموا قبل إبَّان (٤) الكلام: شاهد يوسف، وولد ماشطة بنت فرعون، وعيسى، وصاحب جريج، وولد المرأة التي أحرقت في الأخدود" (٥).

стр. 9199

فأما شاهد يوسف ﵇ فقد ذكرناه وأما ولد الماشطة: [١٨١٧] فأخبرنا عبد الله بن حامد (١)، قال: أخبرنا محمَّد بن خالد بن الحسن (٢) قال: حَدَّثَنَا داود بن سليمان (٣) قال: حَدَّثَنَا عبد ابن حميد (٤)، قال: حَدَّثَنَا الحسن بن موسى (٥) قال: حَدَّثَنَا حماد ابن سلمة (٦)، عن عطاء بن السائب (٧)،

стр. 9200

عن سعيد بن جبير (١)، عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ لما أسري به مرت به رائحة طيبة، فقال: "يَا جبريل، ما هذِه الرائحة؟ قال: ماشطة بنت فرعون، كانت تمشطها فوقع المشط من يدها، فقالت: بسم الله. فقالت ابنته: أبي. قالت: لا، بل ربي وربك ورب أبيك. قالت: أخبر بذلك أبي. قالت: نعم. فأخبرته، فدعا بها فقال: من ربك؟ قالت: ربي وربك في السماء. فأمر فرعون بنقرة من نحاس فأحميت فدعا بها وبولدها، فقالت: إن لي إليك حاجة. قال: وما هي؟ قالت: تجمع عظامي وعظام ولدي فتدفننا (٢) جميعًا. فقال: ذلك لك علينا من الحق. فأمر بأولادها فألقى واحدًا واحدًا، حتَّى إذا كان آخر ولدها، وكان صبيًا مرضعًا فقال: اصبري يَا أماه، فإنّا على الحق. قال: فألقيت مع ولدها" (٣).

стр. 9201

وأما صاحب جريج: [١٨١٨] فأخبرنا عبد الله بن حامد الأصفهاني (١)، قال: أخبرنا محمَّد بن الحسين (٢) الزعفراني (٣)، قال: حَدَّثَنَا أَحْمد بن الخليل (٤)، قال: حَدَّثَنَا يونس بن محمَّد المؤدب (٥)، قال: حَدَّثَنَا الليث بن سعد (٦)، عن جعفر بن (٧) ربيعة (٨)، عن عبد الرَّحْمَن بن هرمز (٩)، عن أبي هريرة، عن النَّبِيّ ﷺ . [١٨١٩] ح وأخبرنا عبد الله بن حامد (١٠)، قال: أخبرنا محمَّد بن خالد بن الحسن (١١)، قال: حَدَّثَنَا داود بن سليمان (١٢)، قال: حَدَّثَنَا عبد بن حميد (١٣)، قال: حَدَّثَنَا هاشم بن القاسم (١٤)، قال: حَدَّثَنَا

стр. 9202

سليمان بن المغيرة (١)، عن حميد بن هلال (٢)، عن أبي رافع (٣)، عن أبي هريرة ﵁، عن النَّبِيّ ﷺ (٤): "إن رجلًا يقال له: جريج كان راهبًا يتعبد في صومعته، فأتته أمه لتسلم عليه، فنادته: يَا جريج، اطلع إلي أنظر إليك. فوافقته يصلي، فقال: أمي وصلاتي لربي، أؤثر صلاتي لربي على أمي. فانصرفت، ثم جاءته الثَّانية فنادته: يَا جريج، كلمني. فوافقته يصلي، فقال: أمي وصلاتي لربي، أؤثر صلاتي لربي على أمي (٥)، فاختار صلاته، ثم جاءته الثالثة، فاختار صلاته، فقالت: إنه أبي أن يكلمني، اللهم لا تمته حتَّى ينظر في وجه زواني المدينة. قال: ولو دعت عليه أن يفتن لفتن، قال: وكان راعي ضأن يأوي إلى ديره، فخرجت امرأة من القرية فوقع عليها فحملت، فولدت غلامًا فقيل لها: ممن هذا؟ قالت: من صاحب الصومعة. فأتوه وهدموها (٦) وانطلقوا به إلى ملكهم، فلما مر على حوانيت الزواني خرجن، فتبسم وعلم أنَّه دعاء أمه، فقالوا: لِمَ تضحك حين مررت (٧) على الزواني.

стр. 9203

فلما أدخل على ملكهم قال جريج (١): أين الصبي الذي ولدت؟ فأتي به، فقال له جريج: من أبوك؟ فقال الغلام: أبي فلان الراعي. فبرأ الله جريجًا ﵀ وأعظمه النَّاس، وقالوا: نبني لك ديرًا بالذَّهب والفضة. قال: لا, لكن أعيدوه كما كان. ففعلوا (٢) ثم علاه" (٣). وأما ولد صاحبة الأخدود، فسنذكره (٤) في موضعه إن شاء الله

стр. 9204

تعالى (١). قوله : ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ يعني: يؤتيني الكتاب، لفظه ماضٍ ومعناه مستقبل. وقيل: إنه أخبر عما كتب له في اللوح المحفوظ (٢). كما سئل النَّبِيّ ﷺ : متى كنت نبيًا؟ قال: " (كنت نبيًا) (٣) وآدم بين الروح والجسد" (٤).

стр. 9205

وقيل: معناه: علمني وألهمني التوراة (١) في بطن أمي (٢). ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾. ٣١ - ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا﴾ معلمًا للخير (٣) ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾. وقيل: مباركًا على من تبع ديني (٤) ﴿وَأَوْصَانِي﴾ وأمرني ﴿بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾.

стр. 9206

٣٢ - قوله : ﴿وَبَرًّا﴾ أي: جعلني برًا ﴿بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾. [١٨٢٠] أخبرنا شعيب بن محمَّد البيهقي (١)، وعبد الله بن حامد الوزان (٢)، قالا: أخبرنا مكّيّ بن عبدان (٣)، قال: حَدَّثَنَا أَحْمد بن الأَزْهَر (٤)، قال: حَدَّثَنَا روح بن عبادة (٥) قال: (٦) سعيد (٧)، عن قتادة (٨) قال: ذكر لنا أن امرأة رأت عيسى ابن مريم ﵇ يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص في آيات أذن له فيهن، فقالت: طوبى للبطن الذي حملك، والثدي الذي أرضعت به. فقال ابن مريم ﵇ يجيبها: طوبى لمن تلا كتاب الله واتبع ما فيه ولم يكن جبارًا شقيًا. وكان يقول: سلوني، فإن قلبي لين وإني صغير في نفسي بما أعطاه (٩) الله من التواضع (١٠).

стр. 9207

٣٣ - ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ ٣٤ - قوله : ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ﴾ هو قول الحق. وقيل: رفع على التكرير، يعني ذلك عيسى ابن مريم، (وذلك قول الحق. وقيل: هو نعت لعيسى ﵇، يعني: ذلك عيسى ابن مريم) (١) كلمة الله والحق هو الله تعالى (٢). وقرأ عاصم وابن عامر ويعقوب: ﴿قَوْلُ﴾ بالنصب (٣)، يعني: قال: قول الحق (٤).

стр. 9208

﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ يشكون ويقولون غير الحق، فقالت اليهود: ساحر كذاب. وقالت النصارى: ابن الله، وثالث ثلاثة. ثم كذبهم فقال: ٣٥ - ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ (أي: ما كان من صفته اتخاذ الولد، وقيل: اللام منقولة، يعني: ما كان الله ليتخذ من ولد) (١) ﴿سُبْحَانَهُ﴾ نزه نفسه ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ كان في علمه ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. ٣٦ - ﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾ يعني: وقضى أن الله. وقرأ أهل الكوفة: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾ بالكسر على الاستئناف (٢)، ﴿رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا﴾ الذي ذكرت ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾. ٣٧ - قوله : ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ يعني: النصارى (٣)، إنما سموا أحزابًا لأنهم تحزبوا ثلاث فرق في

стр. 9209

أمر عيسى ﵇: النسطورية، والملكانية والمار يعقوبية (١) ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ يعني: يوم القيامة. ٣٨ - ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ يعني: ما أسمعهم وأبصرهم، على التعجب، وذلك أنَّهم سمعوا وأبصروا يوم القيامة حين لم ينفعهم السمع والبصر. قال الكلبي: لا أحد (٢) يوم القيامة أسمع منهم ولا أبصر حين يقول الله تعالى لعيسى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ الآية (٣) (٤). ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾

стр. 9210

٣٩ - ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أي: فرغ من الحساب، وأدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النَّار النَّار وذبح الموت. ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ في الدنيا، ﴿وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. [١٨٢١] أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان (١)، قال: أخبرنا مكّيّ بن عبدان (٢) قال: أخبرنا عبد الله بن هاشم (٣) قال: حَدَّثَنَا أبو (٤) معاوية (٥)، عن الأَعمش (٦)، عن أبي صالح (٧)، عن أبي سعيد (٨) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يجاء بالموت يوم القيامة في صورة (٩) كبش أملح (١٠) فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يَا أهل
следующие страницы →