← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 9556–9595 · переход к 9561.

стр. 9556

مع تلك الأرواح (١) فأجرني فيك (٢) وصرت شهيدًا، ولكنه علم منك شرًا فأخرك وخلصت من البلاء كما تخلص الزوان (٣) من القمح الخالص. فرجع إبليس لعنه الله (إلى أصحابه) (٤) خاسئًا ذليلًا، فقال لهم: ماذا عندكم من القوة فإني لم أكلم (٥) قلبه. قال عفريت من عظمائهم: عندي من القوة (ما إذا شئت) (٦) صحت صوتًا لا يسمعه ذو (٧) روح إلا خرجت مهجة نفسه. قال له إبليس: فأت الغنم ورعاتها. فانطلق يؤم الغنم ورعاتها، حتى إذا توسطها صاح صوتًا تجثمت (٨) أمواتًا عن آخرها، ومات رعاتها (٩)، ثم خرج إبليس

стр. 9557

متمثلًا بقهرمان (١) الرعاة حتى إذا جاء أيوب ﵇ وهو قائم (٢) يصلي فقال له مثل (٣) القول الأول، ورد (٤) عليه أيوب (٥) الرد (٦) الأول، ثم إن إبليس رجع إلى أصحابه خائبًا (٧) فقال لهم: ماذا عندكم من القوة فإني لم أكلم (قلب أيوب) (٨). قال له (٩) عفريت من عظمائهم: عندي من القوة ما إذا شئت تحولت ريحًا عاصفًا ينسف (١٠) كل شيء يأتي (١١) عليه حتى لا أبقي شيئًا (١٢). قال له إبليس: فأت الفدادين (١٣) والحرث، فانطلق (١٤)

стр. 9558

يؤمهم وذلك حين قربوا الفدادين وانشأوا (١) في الحرث والأتن وأولادها رتوع (٢) ولم يشعروا (٣) حتى هبت ريح عاصف فنسفت (٤) كل شيء (من ذلك حتى) (٥) كأنه لم يكن، ثم خرج إبليس لعنه الله متمثلًا بقهرمان الحرث (حتى جاء أيوب) (٦) (﵇) وهو قائم يصلي، فقال له مثل قوله الأول، ورد عليه أيوب مثل رده الأول، فجعل إبليس يصيب (٧) ماله مالًا مالًا حتى مر على آخره، كلما انتهى إليه هلاك مال من ماله حمد الله وأحسن الثناء عليه ورضي منه (٨) بالقضاء ووطن نفسه للصبر على البلاء حتى لم يبق له مال. فلما رأى إبليس أنه قد أفنى ماله ولم (٩) ينجح منه بشيء، صعد سريعًا (١٠) حتى وقف الموقف (١١) الذي كان يقفه فقال: إلهي إن

стр. 9559

أيوب يرى أنك (١) ما متعته بنفسه وولده فأنت معطيه المال، فهل أنت مسلطي على ولده، فإنها الفتنة المضلة والمصيبة التي لا تقوم لها قلوب الرجال ولا يقوى عليها صبرهم. قال الله تعالى له: انطلق فقد سلطتك على ولده. فانقض عدو الله حتى جاء بني أيوب (﵇ وهم) (٢) في قصرهم فلم يزل يزلزله بهم حتى تداعى من قواعده، ثم جعل يناطح جدره بعضها (٣) ببعض ويرميهم بالخشب والجندل (٤) حتى إذا مثل بهم كل مثلة (٥) رفع بهم القصر وقلبه فصاروا منكسين، فانطلق إلى أيوب ﵇ متمثلًا بالمعلم الذي يعلمهم الحكمة وهو جريح مشدوخ (٦) الوجه يسيل دمه ودماغه، فأخبره بذلك وقال يا (٧) أيوب: لو رأيت بنيك كيف (٨) عذبوا وكيف قُلّبوا وكانوا منكسين على رؤوسهم تسيل دماؤهم (٩)

стр. 9560

ودماغهم من أنوفهم وأشفاههم (١) وأجوافهم، ولو رأيت كيف شقت بطونهم فتناثرت أمعاؤهم لقطع قلبك. فلم يزل يقول هذا ونحوه ويرققه حتى رقّ أيوب ﵇ فبكى وقبض قبضة من التراب فوضعها (٢) على رأسه، فاغتنم إبليس عليه اللعنة ذلك وصعد سريعًا بالذي كان من جزع أيوب (مسرورًا ثم) (٣) إنه لم يلبث أيوب ﵇ أن فاء وأبصر واستغفر (٤) وصعد قرناؤه من الملائكة بتوبته فبدروا إبليس (٥) إلى الله تعالى وهو أعلم، فوقف إبليس خازيًا ذليلًا. فقال: يا (٦) إلهي إنما هون على أيوب خطر المال والولد، أن يرى أنك (٧) ما متعته بنفسه، فأنت تعيد له المال والولد، فهل (٨) أنت مسلطي على جسده؟ فأنا (٩) لك زعيم لئن (١٠) أبتليته في جسده لينسينك وليكفرن بك

стр. 9561

وليجحدنك (١) نعمتك. فقال الله تعالى: انطلق فقد سلطتك على جسده ولكن ليس لك (٢) سلطان على لسانه ولا على (٣) قلبه، ولا على عقله. وكان الله سبحانه هو أعلم به (٤) لم يسلطه (٥) عليه إلا رحمة له (٦)، ليعظم له الثواب، ويجعله قدوة (٧) للصابرين، وعبرة (٨) وذكرى للعابدين في كل بلاء نزل بهم، ليتأسوا به (ويقتدوا به) (٩) في الصبر، ورجاء الثواب، فانقض عدو الله سريعًا، فوجد أيوب ﵇ ساجدًّا فعجل قبل (١٠) أن يرفع رأسه فأتاه من قبل الأرض في موضع وجهه (من سجوده) (١١) فنفخ في منخريه نفخة اشتعل منها (١٢) جسده، فذهل وخرج به (١٣)

стр. 9562

من قرنه إلى قدميه (١) ثآليل (٢) مثل أليات الغنم ووقعت فيه حكة لا يملكها (٣) فحك بأظفاره حتى سقطت كلها، ثم حكها (٤) بالمسوح (٥) الخشنة حتى قطعها ثم حكها بالفخارة (٦) والحجارة الخشنة فلم يزل يحكها حتى نغل (٧) لحمه وتقطع وتغير وأنتن. فأخرجه أهل القرية فجعلوه على كناسة، وجعلوا له عريشًا ورفضه خلق الله كلهم غير امرأته وهي (٨) رحمة بنت أفرانيم بن يوسف بن يعقوب (٩). وكانت تختلف إليه بما يصلحه وتلزمه، فلما رأى الثلاثة (١٠) من

стр. 9563

أصحابه وهم: إلفيز وبلدد وظافر ما ابتلاه الله به اتهموه ورفضوه من غير أن يتركوا دينه، فلما طال به البلاء انطلقوا إليه وهو في بلائه فبكتوه (١) ولاموه، وقالوا له: تب إلى الله سبحانه من الذنب الَّذي عوقبت به (٢). قال: وحضره معهم فتى حديث السن وكان قد آمن به وصدقه، فقال لهم: إنكم تكلمتم أيها الكهول، وكنتم أحق بالكلام لأسنانكم، ولكن قد تركتم من القول أحسن من الَّذي قلتم، ومن الرأي أصوب من الَّذي رأيتم، ومن الأمر أجمل من الَّذي أتيتم، وقد كان لأيوب عليكم من الحق والذمام (٣) أفضل من الَّذي وصفتم، فهل تدرون (٤) أيها الكهول حق من انتقصتم، وحرمة من انتهكتم، ومن الرجل الَّذي عبتم واتهمتم، ألم تعلموا أن أيوب نبي الله وخيرته وصفوته من أهل الأرض في (٥) يومكم هذا، ثم لم تعلموا ولم يطلعكم الله من أمره) (٦) علي أنَّه سخط شيئًا من أمره منذ آتاه الله (٧) ما آتاه إلى يومكم هذا، ولا علي أنَّه نزع

стр. 9564

شيئًا من الكرامة التي أكرمه بها، ولا أن أيوب غيّر الحق في طول ما صحبتموه إلى يومكم (١) هذا. فإن كان البلاء هو الَّذي أزرى به عندكم، ووضعه في أنفسكم فقد علمتم أن الله يبتلي النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ثم ليس بلاؤه لأوليائه (٢) بدليل على سخطه عليهم ولا لهوانه لهم، ولكنها كرامة وخيرة لهم، ولو (٣) كان أيوب ليس من الله بهذِه المنزلة (٤)، إلا أنَّه أخ أحببتموه (٥) على وجه الصحبة، لكان لا يجمل بالحليم أن يعذل (٦) أخاه عند البلاء، ولا يعيّره بالمصيبة ولا يعيبه بما لا يعلم وهو مكروب حزين، ولكنه يرحمه ويبكي معه ويستغفر له ويحزن لحزنه ويدله على مراشد أمره (٧)، وليس بحكيم (٨) ولا رشيد من جهل (٩) هذا، فالله الله أيها الكهول، وقد كان في عظمة الله وجلاله وذكر الموت ما يقطع ألسنتكم ويكسر قلوبكم، ألم تعلموا أن لله عبادًا أسكتتهم خشيته من غير عيّ ولا بكم، وإنهم لهم

стр. 9565

الفصحاء (١) البُلغاء النُبلاء الألبّاء (٢) العالمون بالله وبآياته (٣) ولكنهم إذا ذكروا عظمة الله انقطعت ألسنتهم، واقشعرت جلودهم، وانكسرت قلوبهم، وطاشت عقولهم إعظامًا لله وإعزازًا وإجلالًا، فإذا استفاقوا (٤) (من ذلك استبقوا) (٥) إلى الله بالأعمال الزاكية. يعدون أنفسهم مع الظالمين والخاطئين، وإنهم لأنزاه بُراء، ومع المقصرين المفرطين وإنهم لأكياس (٦) أقوياء (٧) لا يستكثرون لله الكثير، ولا يرضون (٨) لله بالقليل، ولا يَدلّون (٩) عليه بالأعمال، فهم مروّعون (١٠) مُفْزَعُون (١١) خاشعون مستكينون.

стр. 9566

فقال أيوب ﵇: إن الله سبحانه يزرع الحكمة بالرحمة في قلب الصغير والكبير، فمتى نبتت في القلب أظهرها (١) الله على (٢) اللسان، وليست تكون الحكمة (٣) قبل السن والشيبة ولا بطول التجربة، وإذا جعل الله العبد حكيمًا في الصبا، لم تسقط منزلته عند الحكماء، وهم يرون من الله سبحانه عليه (٤) نور الكرامة. ثم أقبل أيوب ﵇ على الثلاثة فقال: أتيتموني غضابًا (٥) رهبتم قبل أن تسترهبوا، وبكيتم قبل أن تضربوا، كيف بي لو قلت لكم: تصدقوا عني بأموالكم، لعل الله أن يخلصني، أو قربوا عني قربانًا؛ لعل الله يتقبله ويرضى عني، وإنكم (٦) قد أعجبتكم أنفسكم وظننتم أنكم عوفيتم حسانكم، فهنالك بغيتم وتعززتم (٧)، ولو نظرتم فيما بينكم وبين ربكم ثم صدقتم لوجدتم لكم (٨) عيوبًا سترها الله بالعافية التي ألبسكم، وقد كنت فيما خلا والرجال يوقرونني وأنا مسموع

стр. 9567

كلامي، معروف حقي، منتصف من خصمي، فأصبحت اليوم وليس لي رأي ولا كلام معكم، فأنتم كنتم أشد عليّ (١) من مصيبتي. ثم أعرض عنهم وأقبل على ربه مستغيثًا (٢) به متضرعًا إليه، فقال: رب، لأي شيء خلقتني، ليتني إذ كرهتني لم تخلقني، يا ليتني كنت حيضة ألقتني أمي، أو يا ليتني عرفت الذنب الَّذي أذنبت، والعمل الَّذي عملت، فصرفت به (٣) وجهك الكريم عني، ولو كنت أمتني وألحقتني بآبائي فالموت كان (٤) أجمل بي، ألم أكن للغريب دارًا، وللمسكين قرارًا (٥) ولليتيم (وليًّا، وللأرملة) (٦) قيّمًا، إلهي أنا عبد (٧) ذليل إن أحسنت فالمنّ لك، وإن أسأت فبيدك عقوبتي،

стр. 9568

جعلتني للبلاء (١) عرضًا وللفتنة نصبًا (٢)، وقد وقع على بلاء لو سلطته على جبل ضعف عن حمله، كيف يحمله ضعفي، إلهي، تقطعت أصابعي، فإني لأرفع الأكلة من الطعام بيدي جميعًا فلا يبلغان (٣) فمّي إلا على الجهد مني، تساقطت لهواتي (٤) ولحم (رأسي فما بين أذني من سداد حتَّى إن إحداهما ترى من الأخرى، وإن دماغي ليسيل من فمي، تساقط) (٥) شعر عيني فكأنما حُرّق بالنار (٦) وجهي، وحدقتاي (٧) هما متدليتان على خدي (٨). ورم لساني حتَّى ملأ فمي فما أُدخل (٩) فيه طعامًا (١٠) إلا (١١) غصني، ورمت (١٢) شفتاي حتَّى غطت العليا أنفي والسفلى ذقني،

стр. 9569

تقطعت أمعائي في بطني، فإني (١) لأدخله الطعام فيخرج كما دخل (ما أحسّه (٢) ولا ينفعني) (٣)، ذهبت قوة رجلي فكأنهما قربتا ماء لا أطيق حملهما، ذهب المال فصرت (٤) أسأل بكفي فيطعمني (٥) من كنت أعوله (اللقمة الواحدة) (٦) فيمنّها (٧) على وُيعيرني، هلك أولادي ولو بقي أحد منهم أعانني على بلائي ونفعني. قد ملّني أهلي وعقّني (٨) أرحامي، وتنكرت معارفي، ورغب عني صديقي، وقطعتني أصحابي، وجحدت حقوقي، ونسيت صنائعي، أصرُخ فلا يُصرخونني، وأعتذر (٩) فلا يعذرونني (١٠)، دعوت غلامي فلم يجبني، وتضرعت لأمتي فلم (١١) ترحمني، وإن قضاءك هو الَّذي أذلني وأهانني (١٢)، وإن سلطانك هو الَّذي أسقمني وأنحل

стр. 9570

جسمي، ولو أن ربي (١) نزع الهيبة التي في قلبي (٢)، وأطلق لساني حتَّى أتكلم (وأحاج عن نفسي بملء) (٣) فمي ثم كان ينبغي للعبد أن يحاج عن نفسه، لرجوت أن يعافيني عند ذلك (مما بي) (٤) ولكنه ألقاني وتعالى عني، فهو يراني ولا أراه، ويسمعني ولا أسمعه، لا نظر إلى فرحمني ولا دنا (مني ولا أدناني) (٥) (فأدلي بعذري) (٦) فأتكلم ببراءتي وأخاصم عن نفسي. فلما قال ذلك أيوب ﵇ وأصحابه عنده أظله غمام (٧) حتَّى ظن أصحابه أنَّه عذاب، ثم نودي منه: يا أيوب، إن الله تعالى يقول (٨): ها أنا ذا قد دنوت منك ولم أزل منك قريبًا منك (٩)، فقم فأدل بعذرك، وتكلم ببراءتك، وخاصم عن نفسك، واشدد إزارك (١٠)، وقم مقام جبار (إن استطعت) (١١) (فإنه (١٢) لا ينبغي أن يخاصمني

стр. 9571

إلا جبار مثلي) (١) ولا ينبغي أن يخاصمني إلا من يجعل الزّمام (٢) في فم الأسد، والسخال (٣) في فم العنقاء (٤)، واللجام في فم التنين، ويكيل مكيالًا من الثور، ويزن مثقالًا من الريح، ويصر صرة (٥) من الشمس، ويرد أمس. لقد منتك نفسك أمرًا ما يبلغ بمثل قوتك، ولو كنت إذ منتك نفسك (٦) ذلك، ودعتك إليها تذكرت أي مرام رامت أردت (٧) أن تخاصمني بعيبك، أم أردت أن تحاجني بخطابك، أم أردت أن تكابرني بضعفك، أين أنت مني يوم خلقت الأرض (فوضعتها على) (٨) أساسها، هل علمت بأي مقدار قدرتها، أم كنت معي تمد (٩) بأطرافها، أم تعلم (ما بعد زواياها) (١٠)، أم

стр. 9572

على أي شيء وضعت أكنافها (١) أبطاعتك حمل الماء الأرض، أم بحكمتك كانت الأرض للماء غطاء، أين كنت مني يوم رفعت السماء سقفًا في الهواء، لا بعلائق شيلت (٢) ولا يحملها دُعم (٣) من تحتها، هل يبلغ من حكمتك أن تجري نورها، أو تسيّر نجومها، أو يختلف (٤) بأمرك (٥) ليلها ونهارها، أين أنت مني يوم سجرت البحار، وأنبعت الأنهار. أقدرتك حبست أمواج البحار على حدودها، أم قدرتك فتحت الأرحام حين بلغت مدتها، أين أنت مني يوم صببت الماء على التراب، ونصبت شوامخ الجبال (هل تدري على أي شيء أرسيتها؟ أم) (٦) هل لك من ذراع يطيق حملها؟ ، أم (٧) هل تدري كم من مثقال فيها؛ ، أم أين الماء الَّذي أنزلت من السماء، هل تدري (٨) أم تلده أو (٩) أب يولده، أحكمتك أحصت القطر، وقسمت الأرزاق،

стр. 9573

أم قدرتك تثير السحاب وتغشيه (١) الماء، هل تدري ما أصوات (٢) الرعود؟ أم (٣) من أي شيء لهب البرق؟ وهل رأيت عمق البحر؟ أم هل (٤) تدري ما بعد الهواء؟ أم هل خزنت أرواح الأموات؟ ، أم هل تدري أين خزانة الثلج؟ ، وأين خزانة البَرَد (٥)؟ ، (أم أين جبال البرد؟ ) (٦)، أم (٧) هل تدري أين خزانة الليل بالنهار؟ ، وأين خزانة النهار بالليل؟ ، وأين طريق النور؟ ، وبأي لغة تتكلم الأشجار؟ وأين خزانة الريح؟ ، وكيف تحبسه الأغلاق (٨)؟ ، أم من جعل العقول في أجواف الرجال؟ ، ومن شق الأسماع والأبصار؟ ، ومن ذلت الملائكة لملكه؟ ، وقهر الجبارين بجبروته، وقسم (أرزاق الدواب) (٩) بحكمته؟ ، ومن قسم للأسد (١٠) أرزاقها، وعرّف الطير معايشها وعطفها على أفراخها، من أعتق الوحش من الخدمة؟

стр. 9574

وجعل مساكنها البرية لا تستأنس بالأصوات ولا تهاب المسلطين؟ ، أم من حكمتك عطفت أمهاتها (١) عليها (حتَّى أخرجت) (٢) لها الطعام من بطونها؛ ، وآثرتها (٣) بالعيش على نفوسها، أم من حكمتك يبصر العقاب (٤) الصيد (٥) البعيد؟ ، وأصبح في أماكن القتلى، أين أنت مني يوم خلقت يهموت (٦) مكانه في منقطع التراب والوثيان (٧) يحملان الجبال والقرى والعمران؟ ، آذانهما كأنها شجر الصنوبر (٨)

стр. 9575

الطوال ورؤوسهما كأنها كوم (١) الجبال، وعروق أفخاذهما كأنها عقد النحاس، اأنت ملأت جلودهما لحمًا؛ أم أنت ملأت رؤوسهما دماغًا؛ أم هل لك في خلقهما من (٢) شرك؟ أم هل لك بالقوة التي عملتهما يدان؟ ، أم هل يبلغ من قوتك أن تضع يدك على رؤوسهما، أو تقعد لهما على الطريق (٣) فتحبسهما أو تصدهما عن قوتهما، أين أنت مني (٤) يوم خلقت التنين؟ رزقه في البحر، ومسكنه في السحاب، عيناه توقدان نارًا، ومنخراه يثوران دخانًا، أذناه مثل قوس (٥) السحاب يثور منهما لهب كأنه إعصار العجاج (٦)، جوفه يحترق ونفسه تلتهب، وزبده جمر كأمثال الصخور، وكأن صريف (٧) أسنانه أصوات الصواعق، وكأن نظر عينيه لهب البروق، تمر به الجيوش وهو متكئ لا يفزعه شيء، ليس فيه مفصل، الحديد

стр. 9576

عنده (١) مثل التبن، والنحاس عنده مثل الخيوط، لا يفزع من النشاب (٢) ولا يحسّ وقع الصخور على جسده، ويسير في الهواء كأنه عصفور، ويهلك كل شيء يمر به، هل أنت آخذه بأحبولتك (٣)، أو واضع اللجام (٤) في شدقيه، هل تحصي عمره، ام هل تعرف أجله أو تفوّت رزقه، أم هل تدري ماذا خرّب من الأرض، أم ماذا يخرب فيما بقي من عمره، أتطيق غضبه حين يغضب، أم تأمره فيطيعك الله ﵎. فقال (٥) أيوب ﵇: صغر شأني، وكل لساني وعقلي ورائي، وضعفت قولي و) (٦) قصرت عن هذا الأمر الَّذي تعرض على (٧)، (ليت الأرض) (٨) انشقت لي فذهبت فيها ولم أتكلم بشيء يسخط

стр. 9577

ربي، (اجتمع عليّ البلاء، إلهي، قد (١) جعلتني لك مثل العدو، وقد كنت تكرمني وتعرف نصحي) (٢)، وقد علمت أن كل الَّذي ذكرت صنع يديك وتدبير حكمتك، وأعظم من هذا ما شئت عملت (٣) لا يعجزك شيء، ولا تخفى (٤) عليك خافية (٥)، ولا تغيب عنك غائبة، من هذا الَّذي يظن أن يسر عنك (٦) سرًا (٧)، وأنت تعلم ما يخطر (على القلوب) (٨)، وقد علمت منك في بلائي هذا ما لم أكن أعلم، وخفت حين بلوت أمرك أكثر مما كنت أخاف، إنما كنت أسمع بسطوتك (٩) سمعًا، فأما الآن فهو (١٠) نظر العين، إنما تكلمت (حين تكلمت) (١١) لتعذرني، وسكت حين سكت لترحمني، كلمة زلّت فلن أعود، قد وضعت يدي على فمي، وعضضت على لساني، وألصقت بالتراب خدي، ودسست فيه وجهي لصغاري (١٢)، وسكت

стр. 9578

لما أسكتتني (١) خطيئتي (أعوذ بك اليوم منك، وأستجيرك من جهد البلاء فأجرني، وأستغيث بك من عقابك فأغثني، وأستعين بك فأعني، وأعتصم بك فاعصمني، وأستغفرك) (٢) فاغفر لي ما قلت، فلن أعود يا سيدي (٣) لشيء تكرهه مني. فقال الله : يا أيوب، نفذ فيك علمي، وسبقت رحمتي غضبي، إن أخطأت (٤) فقد غفرت لك، ورددت عليك أهلك ومالك ومثلهم معهم (٥)، لتكون لمن خلفك آية (٦)، وتكون عبرة لأهل البلاء، وعزاءً للصابرين، ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢)﴾ (٧) فيه شفاؤك، وقرّب عن صحابتك قربانًا، واستغفر لهم فإنهم قد (٨) عصوني فيك. فركض برجله فانفجرت له عين فدخل فيها فاغتسل فأذهب الله عنه كل ما كان به من البلاء. ثآخرج فجلس فأقبلت امرأته فقامت تلتمسه في مضجعه فلم تجده

стр. 9579

فقامت كالوالهة (١) متلددة، ثم قالت: يا عبد الله، هل لك من (٢) علم بالرجل المبتلى الَّذي كان هاهنا. فقال لها: وهل تعرفينه إذا رأيتيه؟ فقالت: نعم، ومالي لا أعرفه. فتبسم (٣) فقال: أنا هو (٤) فعرفته بمضحكه فاعتنقته (٥). قال ابن عباس: فوالذي نفس عبد الله بيده ما فارقته من عناقه حتَّى

стр. 9580

مرّ بهما (١) كل مال لهما (٢) وولد، فذلك قوله : ٨٣ - ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرّ﴾ (٣) واختلف العلماء في وقت ندائه والسبب الَّذي قال لأجله: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ وفي مدة بلائه. [١٨٧٠] فحدثنا الإمام (٤) أبو (٥) الحسن محمد بن علي بن سهل الماسرجسي (٦)، إملاءً يوم الجمعة (في شهر ربيع الأول) (٧) سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، قال: نا أبو طالب عمر بن الربيع بن سليمان الخشاب (٨) بمصر (٩)، قال: نا يحيى بن أيوب العلّاف (١٠)

стр. 9581

قال: نا سعيد بن أبي مريم (١) قال: نا نافع بن يزيد (٢) عن عُقيل (٣)، عن ابن شهاب (٤)، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أيوب نبي الله ﵇ لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد، إلا رجلين من إخوانه كانا يغدوان إليه ويروحان (٥) فقال أحدهما لصاحبه ذات يوم: والله، لقد أذنب أيوب ذنبًا ما أذنبه أحد من العالمين، فقال له صاحبه: وما ذاك قال: منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف ما به، فلما راحا إلى أيوب، لم يصبر (٦) الرجل حتَّى ذكر ذلك لأيوب (٧) فقال (٨) أيوب: ما أدري ما تقولان، غير أن الله يعلم أني كنت أمرّ بالرجلين يتنازعان فيذكران الله ، فأرجع إلى بيتي فأُكفّر عنهما كراهية أن يذكر الله في غير حق". قال: "وكان يخرج إلى حاجته فإذا قضى حاجته أمسكت امرأته بيده حتَّى يبلغ، فلما كان ذات يوم (أبطأت عليه) (٩)، وأوحي إلى

стр. 9582

أيوب في مكانه (١): ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢)﴾ (٢) فاستبطأنه فتلقته تنظر (ما شأنه) (٣) وأقبل عليها وقد أذهب الله تعالى ما به من البلاء وهو أحسن ما كان، فلما رأته قالت: (يا عبد الله) (٤) هل رأيت نبي الله هذا المبتلى (فوالله على ذلك ما رأيت رجلًا أشبه به منك إذ كان صحيحًا) (٥) قال: إني أنا هو (٦) وكان له أندران (٧) أندر للقمح، وأندر للشعير، فبعث الله سحابتين فلما (٨) كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتَّى فاض، وأفرغت الأخرى في أندر الشعير الورِق (٩) حتَّى فاض" (١٠).

стр. 9583

وقال الحسن: مكث أيوب ﵇ مطروحًا (١) على كناسة في مزبلة لبني إسرائيل سبع سنين وأشهر تختلف فيه الدواب (٢). وقال وهب: لم يكن بأيوب آكلة إنما كان يخرج منه مثل ثدي النساء ثم يتفقأ (٣). وقال الحسن: ولم يبق له مال، ولا ولد، ولا صديق، ولا أحد يقربه غير رحمة (٤) صبرت معه بصدق، وتأتيه بطعام، وتحمد الله معه (٥) إذا حمد وأيوب مع (٦) ذلك لا يفتر عن ذكر الله ، والثناء عليه، والصبر على ما ابتلاه.

стр. 9584

فصرخ إبليس عدو الله صرخة جمع فيها جنوده من أقطار الأرض جزعًا من صبر أيوب فلما اجتمعوا إليه قالوا: ما أحزبك (١) قال: أعياني هذا العبد الَّذي (٢) سألت ربي أن يسلطني عليه (٣) وعلى ماله وولده، فلم أدع له مالًا ولا ولدًا، فلم يزدد بذلك إلا صبرًا وثناءً على الله ، ثم سلطت على جسده فتركته قرحة ملقاة على كناسة بني إسرائيل لا يقربه إلا امرأته، فقد افتضحت بربي فاستعنت بكم لتعينوني عليه. فقالوا له: أين مكرك؟ أين عملك الَّذي أهلكت به من مضى؟ قال: بطل ذلك كله في أيوب، فأشيروا عليّ. فقالوا: نشير عليك، أرأيت آدم حين أخرجته من الجنّة من أين أتيته؟ قال: من قبل امرأته. قالوا: فشأنك بأيوب من قبل امرأته، (فإنه لا يستطيع أن يعصيها، وليس أحد يقدر به (٤) غيرها. قال: أصبتم. فانطلق حتَّى أتى امرأته) (٥) وهي تَصدَّق (أي تأخذ الصدقات) (٦) فتمثّل لها في صورة رجل، فقال لها (٧): أين بعلك (٨) يا أمة الله؟

стр. 9585

قالت (١): هو ذاك يحك (٢) قروحه (٣) ويتردد الدود (٤) في جسده، فلما سمعها طمع أن تكون كلمة جزع فوسوس إليها فذكرها ما كانت فيه (٥) من النعيم (٦) والمال، وذكرها جمال أيوب وشبابه، وما هو فيه من الضر، وأن ذلك لا ينقطع عنه (٧) أبدا. قال الحسن: فصرخت، فلما صرخت علم أن قد جزعت، فأتاها بسخلة، فقال: ليذبح هذِه إلى أيوب ويبرأ (٨) قال (٩): فجاءت تصرخ: يا أيوب، حتَّى متى يعذبك ربك (١٠)، ألا يرحمك، أين المال، أين الماشية، أين الولد، أين الصديق، أين لونك الحسن قد تغير وصار مثل الرماد، أين جسمك الحسن الَّذي قد بلي وتردد فيه الدود (١١)، اذبح هذِه السخلة واسترح. قال أيوب: أتاك عدو الله فنفخ فيك وأجبتيه، ويلك أرأيت ما

стр. 9586

تبكين عليه (١) مما تذكرين مما كنا فيه من المال والولد والصحة، من أعطانيه؟ قالت (٢): الله قال: فكم متعنا به؟ قالت: ثمانين سنة. قال: فمنذ كم ابتلانا الله (٣) بهذا البلاء قالت: مثذ سبع سنين وأشهر. قال: ويلك والله ما عدلت ولا (٤) أنصفت ربك، ألا صبرت (٥) في هذا (٦) البلاء الَّذي ابتلانا ربنا به ثمانين سنة، كما كنا في الرخاء ثمانين سنة والله لئن شفاني الله (٧) لأجلدنك مائة جلدة، هيه (٨)، أمرتيني أن (٩) أذبح لغير الله طعامك وشرابك الَّذي تأتيني به (١٠)، على حرام (١١) أن أذوق شيئًا مما تأتيني به بعد إذ (١٢) قلت لي هذا (١٣)،

стр. 9587

فاغربي عني فلا أراك، فطردها فذهبت فلما نظر أيوب إلى امرأته قد طردها وليس عنده طعام ولا شراب ولا صديق خر ساجدًا وقال: رب (١) ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ ثم رد ذلك (٢) إلى ربه فقال: ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ فقال الرب الرحيم (٣): له ارفع رأسك (يا أيوب) (٤) قد استجبت لك ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ (٥) (فركض برجله (٦) فنبعت عين ماء (٧) فاغتسل منها فلم يبق عليه (٨) من دائه شيء ظاهر إلا سقط عنه (٩) فأذهب الله كل ألم وكل سقم. وعاد إليه شبابه وجماله أحسن ما كان وأفضل ما كان، ثم ضرب برجله (١٠) فنبعت عين ماء (١١) أخرى فشرب منها فلم يبق في جوفه داء إلا خرج منه (١٢) فقام صحيحًا فكسي حلة (١٣).

стр. 9588

قال: فجعل يلتفت فلا يرى (١) شيئًا مما كان له من أهل ومال إلا وقد أضعفه الله تعالى له (٢) حتَّى والله ذكر لنا (٣) أن الماء الَّذي اغتسل به (٤) تطاير على صدره جرادًا من ذهب، قال: فجعل يضمه بيده فأوحى الله (٥) إليه: يا أيوب، ألم أغنك؟ قال: بلى، ولكنها بركتك، فمن يشبع منها (٦). قال: فخرج حتَّى جلس على مكان مشرف، ثم إن امرأته قالت: أرأيتك إن كان طردني إلى من أكله (٧) أدعه يموت جوعًا ويضيع (٨) فتأكله السباع، لأرجعن إليه. فرجعت (٩) فلا كناسة ترى ولا تلك

стр. 9589

الحال التي كانت، وإذا الأمور قد تغيرت فجعلت تطوف حيث كانت الكناسة وتبكي وذلك بعين أيوب قال: وهابت صاحب الحلة (١) أن تأتيه فتسأل عنه، فأرسل إليها أيوب فدعاها، فقال: ما تريدين (٢) يا أمة الله؟ فبكت وقالت: أردت ذلك المبتلى الَّذي كان منبوذًا على الكناسة (لا أدري أضاع أم ما فعل)؟ (٣)، فقال لها أيوب: وما كان منك؟ فبكت، وقالت: بعلي، فهل رأيته؟ قال: وهل تعرفينه إذا رأيتيه؟ قالت: وهل يخفى على أحد رآه. ثم جعلت تنظر إليه وهي تهابه، ثم قالت: أما إنه ما (٤) كان أشبه خلق الله بك إذ كان (٥) صحيحًا. قال: فإني أنا أيوب الَّذي أمرتيني أن أذبح لإبليس، وإني أطعت الله وعصيت الشيطان، ودعوت الله فرد على ما ترين (٦). وقال كعب: كان أيوب ﵇ في بلائه سبع سنين (٧). وقال وهب: لبث أيوب في ذلك البلاء ثلاث سنين لم يزد (٨) يومًا

стр. 9590

واحدًا، فلما غلب أيوب إبليس ولم يستطع منه شيئًا اعترض امرأته في هيئة ليست كهيئة بني آدم، في العظم والجسم والجمال، على مركب ليس من مراكب الناس، له عظم وبهاء وجمال، فقال لها: أنت صاحبة أيوب هذا الرجل المبتلى؟ قالت: نعم. قال: هل تعرفيني؟ قالت: لا. قال: فأنا إله الأرض، وأنا الَّذي صنعت بصاحبك ما صنعت، وذلك إنه عبد إله السماء وتركني فأغضبني ولو سجد لي سجدة واحدة رددت عليه وعليك كل ما كان (١) لكما من مال وولد فإنه عندي. ثم أراها (٢) إياه فيما يرى (٣) ببطن الوادي الَّذي لقيها فيه. قال وهب: وقد (٤) سمعت إنه إنما (٥) قال: لو أن صاحبك أكل طعامًا ولم يسم عليه لعوفي مما (٦) به من البلاء، والله أعلم، وأراد عدو الله إبليس (أن يأتيه) (٧) من قبلها. ورأيت في بعض الكتب أن إبليس قال لرحمة: إن شئت فاسجدي لي سجدة واحدة حتَّى (٨) أرد عليك المال والولد (٩) وأعافي زوجك.

стр. 9591

فرجعت إلى أيوب فأخبرته (١) بما قال لها وما (٢) أراها، قال (٣): لقد (٤) أتاك عدو الله ليفتنك عن دينك، ثم أقسم إن الله عافاه (٥) ليضربنها مائة جلدة، وقال: عند ذلك مسني الضر من طمع إبليس (٦) في سجود حرمتي له ودعائه إياها وإياي إلى الكفر (٧). قالوا: إن الله تعالى (٨) رحم رحمة امرأة أيوب (٩) بصبرها معه على البلاء وخفف عنها (١٠) وأراد أن يبر بيمين أيوب فأمره (١١) أن يأخذ جماعة من الشجر فيضربها بها ضربة واحدة كما قال الله : ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ (١٢) (١٣). وقال وهب وغيره: كانت امرأة أيوب تكسب له (١٤) وتعمل

стр. 9592

للناس (١) بالأجرة (٢) وتجيئه بقوته، فلما طال عليهما (٣) البلاء وسئمها الناس فلم يستعملها أحد (٤) التمست له يومًا من الأيام ما تطعمه فما وجدت (٥) شيئًا (٦) فجزت قرنًا (٧) من رأسها فباعته برغيف، فأتته به، فقال لها: أين (٨) قرنك؟ فأخبرته بذلك، فحينئذ (٩) قال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ (١٠). وقال قوم: إنما قال ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ حين قصدت الدود (١١) إلى قلبه ولسانه فخشي أن يفتر (١٢) عن الذكر والفكر (١٣). وقال عبد الله بن عبيد بن عمير (١٤): كان لأيوب أخوان فأتياه فقاما

стр. 9593

من بعيد لا يقدران أن يدنوا منه (١) من ريحه، فقال أحدهما لصاحبه: لو كان الله علم في أيوب خيرا ما ابتلاه بما ترى. قال: فلم يسمع أيوب شيئًا كان عليه أشد (٢) من هذِه الكلمة، وما جزع من شيء أصابه جزعه (٣) من تلك الكلمة، فعند ذلك قال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ ثم قال: اللهم إن كنت تعلم أني لم أبت ليلة شبعان قط وأنا أعلم مكان (٤) جائع فصدقني فصدق، وهما يسمعان (ثم قال: اللهم إن كنت تعلم أني لم أتخذ قميصين قط، وأنا أعلم مكان عار فصدقني فصدق، وهما يسمعان) (٥) فخر ساجدًّا (٦). وقيل معناه: مسني الضر من (٧) شماتة الأعداء، يدل عليه ما روي أنَّه قيل له بعد ما عوفي: ما كان أشد عليك في بلائك قال: شماتة الأعداء (٨).

стр. 9594

وقيل: إنما قال ذلك حين وقعت دودة في فخذه فرفعها وردها إلى موضعها وقال: كُلي قد جعلني الله طعامك، فعضته عضة زاد ألمها على جميع ما قاسى من عض الديدان (١). [١٨٧١] وسمعت أبا عبد الله بن محمد بن (٢) جعفر الأسودي (٣) يقول: سمعت أبا عبد الله محمد بن عادن (٤) البغدادي يقول: سئل أبو القاسم جنيد (٥) عن هذِه الآية، فقال: عرّفه فاقة السؤال ليمن عليه بكرم النوال (٦). [١٨٧٢] وسمعت أستاذنا (٧) أبا القاسم ابن حبيب (٨) ﵀ يقول: حضرت مجلسًا غاصًا بالفقهاء والأدباء في دار سلطان فسئلت عن هذِه الآية بعد إجماعهم على أن قول أيوب: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ شكاية، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ (٩) فقلت: ليس

стр. 9595

هذا بشكاية، وإنما هو دعاء، بيانه قوله سبحانه: ٨٤ - ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ والإجابة (١) تعتقب الدعاء لا الاشتكاء فاستحسنوه وارتضوه (٢). ﴿فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ وقد (٣) اختلفوا في كيفية ذلك فقال قوم: إنما آتى الله (أيوب في الدنيا) (٤) مثل أهله الذين هلكوا. فأما الذين هلكوا فإنهم (٥) لم يردوا عليه في الدنيا، وإنما وعبد الله سبحانه أيوب أن يؤتيه (٦) إياهم في الآخرة (٧). وروى عبد الله بن إدريس (٨) عن ليث (٩) قال: أرسل مجاهد (١٠) رجلًا يقال له: قاسم إلى عكرمة (١١) يسأله عن هذِه الآية، فقال:
следующие страницы →