← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 9591–9630 · переход к 9596.

стр. 9591

فرجعت إلى أيوب فأخبرته (١) بما قال لها وما (٢) أراها، قال (٣): لقد (٤) أتاك عدو الله ليفتنك عن دينك، ثم أقسم إن الله عافاه (٥) ليضربنها مائة جلدة، وقال: عند ذلك مسني الضر من طمع إبليس (٦) في سجود حرمتي له ودعائه إياها وإياي إلى الكفر (٧). قالوا: إن الله تعالى (٨) رحم رحمة امرأة أيوب (٩) بصبرها معه على البلاء وخفف عنها (١٠) وأراد أن يبر بيمين أيوب فأمره (١١) أن يأخذ جماعة من الشجر فيضربها بها ضربة واحدة كما قال الله : ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ (١٢) (١٣). وقال وهب وغيره: كانت امرأة أيوب تكسب له (١٤) وتعمل

стр. 9592

للناس (١) بالأجرة (٢) وتجيئه بقوته، فلما طال عليهما (٣) البلاء وسئمها الناس فلم يستعملها أحد (٤) التمست له يومًا من الأيام ما تطعمه فما وجدت (٥) شيئًا (٦) فجزت قرنًا (٧) من رأسها فباعته برغيف، فأتته به، فقال لها: أين (٨) قرنك؟ فأخبرته بذلك، فحينئذ (٩) قال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ (١٠). وقال قوم: إنما قال ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ حين قصدت الدود (١١) إلى قلبه ولسانه فخشي أن يفتر (١٢) عن الذكر والفكر (١٣). وقال عبد الله بن عبيد بن عمير (١٤): كان لأيوب أخوان فأتياه فقاما

стр. 9593

من بعيد لا يقدران أن يدنوا منه (١) من ريحه، فقال أحدهما لصاحبه: لو كان الله علم في أيوب خيرا ما ابتلاه بما ترى. قال: فلم يسمع أيوب شيئًا كان عليه أشد (٢) من هذِه الكلمة، وما جزع من شيء أصابه جزعه (٣) من تلك الكلمة، فعند ذلك قال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ ثم قال: اللهم إن كنت تعلم أني لم أبت ليلة شبعان قط وأنا أعلم مكان (٤) جائع فصدقني فصدق، وهما يسمعان (ثم قال: اللهم إن كنت تعلم أني لم أتخذ قميصين قط، وأنا أعلم مكان عار فصدقني فصدق، وهما يسمعان) (٥) فخر ساجدًّا (٦). وقيل معناه: مسني الضر من (٧) شماتة الأعداء، يدل عليه ما روي أنَّه قيل له بعد ما عوفي: ما كان أشد عليك في بلائك قال: شماتة الأعداء (٨).

стр. 9594

وقيل: إنما قال ذلك حين وقعت دودة في فخذه فرفعها وردها إلى موضعها وقال: كُلي قد جعلني الله طعامك، فعضته عضة زاد ألمها على جميع ما قاسى من عض الديدان (١). [١٨٧١] وسمعت أبا عبد الله بن محمد بن (٢) جعفر الأسودي (٣) يقول: سمعت أبا عبد الله محمد بن عادن (٤) البغدادي يقول: سئل أبو القاسم جنيد (٥) عن هذِه الآية، فقال: عرّفه فاقة السؤال ليمن عليه بكرم النوال (٦). [١٨٧٢] وسمعت أستاذنا (٧) أبا القاسم ابن حبيب (٨) ﵀ يقول: حضرت مجلسًا غاصًا بالفقهاء والأدباء في دار سلطان فسئلت عن هذِه الآية بعد إجماعهم على أن قول أيوب: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ شكاية، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ (٩) فقلت: ليس

стр. 9595

هذا بشكاية، وإنما هو دعاء، بيانه قوله سبحانه: ٨٤ - ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ والإجابة (١) تعتقب الدعاء لا الاشتكاء فاستحسنوه وارتضوه (٢). ﴿فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ وقد (٣) اختلفوا في كيفية ذلك فقال قوم: إنما آتى الله (أيوب في الدنيا) (٤) مثل أهله الذين هلكوا. فأما الذين هلكوا فإنهم (٥) لم يردوا عليه في الدنيا، وإنما وعبد الله سبحانه أيوب أن يؤتيه (٦) إياهم في الآخرة (٧). وروى عبد الله بن إدريس (٨) عن ليث (٩) قال: أرسل مجاهد (١٠) رجلًا يقال له: قاسم إلى عكرمة (١١) يسأله عن هذِه الآية، فقال:

стр. 9596

قيل له: إن أهلك لك (١) في الآخرة، فإن شئت عجلناهم لك في الدنيا، وإن شئت كانوا لك في الآخرة وآتيناك مثلهم في الدنيا، فقال: يكونوا لي في الآخرة، وأوتى مثلهم في الدنيا. قال: فرجع إلى مجاهد فقال: أصاب (٢). ويكون معنى الآية على هذا التأويل: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ﴾ في الآخرة ﴿وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ في الدنيا وأراد بالأهل الأولاد. وقال وهب: كان له سبع بنات وثلاثة بنين (٣). وقال ابن يسار: كان له ستة بنين وسبع بنات (٤). وقال آخرون: بل ردهم (الله تعالى) (٥) إليه بأعيانهم وأعطاه مثلهم معهم وهذا القول قول ابن مسعود وابن عباس وقتادة وكعب قالوا: أحياهم الله وأوتي مثلهم، وهذا القول أشبه بظاهر الآية (٦).

стр. 9597

وقال الحسن: آتاه (١) الله المثل من نسل ماله الَّذي رده عليه وأهله، فأما الأهل والمال فإنه ردهما إليه بأعيانهما (٢). ﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِين﴾ عظة لهم (٣). ٨٥ - ﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾ يعني ابن إبراهيم (٤). ﴿وَإِدْرِيسَ﴾ وهو أخنوخ (٥). ﴿وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ على أمر الله (٦). اختلفوا في ذي الكفل: [١٨٧٣] فأخبرني الشيخ أبو عبد الله الحسين بن محمد بن الحسين

стр. 9598

ابن فنجويه الحافظ ﵀ (١) بقراءتي عليه في داري قال: حدثنا عمر ابن الخطالب (٢) قال: حدثنا (٣) عبد الله بن مفضل بن داخرة (٤) قال: نا أبو هشام الرفاعي (٥) قال: نا ابن (٦) فضيل (٧) قال: نا الأعمش (٨)، عن عبد الله بن عبد الله الرازي (٩)، عن سعد مولى طلحة (١٠)، عن ابن عمر قال: سمعت النبي ﷺ يحدث حديثًا لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين لم

стр. 9599

أحدث به وسمعته (١) منه أكثر من سبع مرات قال: "كان في بني إسرائيل رجل يقال له: ذو الكفل لا ينزع عن ذنب عمله، فاتبع امرأة فأعطاها ستين دينارًا على أن تعطيه نفسها، فلما قعد منها مقعد (الرجل من المرأة) (٢) أرعدت وبكت فقال: ما يبكيك؟ قالت (٣): من هذا العمل، ما عملته قط. قال: أكرهتكِ؟ ، قالت: لا، ولكن حملتني عليه الحاجة. فقال: اذهبي فهو لكِ. ثم قال: والله لا أعصي الله أبدًا. فمات من ليلته، فقيل: مات ذو الكفل. فوجد على باب داره مكتوبًا إن الله قد (٤) غفر لذي الكفل" (٥).

стр. 9600

وروى الأعمش (١) عن المنهال بن عمرو (٢)، عن عبد الله بن الحارث (٣) أن نبيًّا من الأنبياء قال (٤): من يكفل لي أن يصوم النهار ويقوم الليل ولا يغضب. فقام شاب فقال: أنا. فقال: اجلس ثم (٥) عاد، فقام الشاب، فقال: أنا. فقال: تقوم الليل وتصوم النهار ولا تغضب؛ قال: نعم. فمات ذلك النبي، فجلس ذلك الشاب مكانه (٦) يقضي بين الناس، فكان لا يغضب، فجاءه الشيطان في صورة إنسان ليغضبه وهو صامْ يريد أن يقيل فضرب (الباب ضربًا شديدًا وقال: من هذا؟ ، فقال: رجل له حاجة: فأرسل معه رجلًا،

стр. 9601

فرجع فقال: لا أرضى) (١) بهذا الرجل فأرسل معه آخر، فقال: لا أرضى بهذا، فخرج إليه وأخذ بيده فانطلق معه حتَّى إذا كان في السوق خلاه وذهب فسمي ذا الكفل (٢). وقال مجاهد: لما كبر اليسع ﵇ (٣) قال لو أني استخلفت رجلًا على الناس يعمل عليهم في حياتي حتَّى انظر كيف يعمل؛ قال: فجمع الناس، فقال: من يتكفل (٤) لي بثلاث أستخلفه: يصوم النهار (٥)، ويقوم الليل، ولا يغضب. فقام رجل تزدريه العين، فقال: أنا، فردهم (٦) ذلك اليوم، وقال: مثلها اليوم الآخر، فسكت الناس، وقام ذلك الرجل، فقال: أنا. فاستخلفه، قال: فجعل إبليس يقول

стр. 9602

للشياطين: عليكم بفلان. فأعياهم، فقال: دعوني وإياه. فأتاه في صورة شيخ فقير حين (١) أخذ مضجعه للقائلة، وكان لا ينام بالليل والنهار إلا تلك النومة (٢)، فدق الباب، فقال: من هذا؟ فقال: شيخ كبير مظلوم فقام ففتح الباب، فجعل يقص عليه، فقال: إن بيني وبين قومي خصومة، وإنهم ظلموني، وفعلوا وفعلوا، فجعل يطول عليه حتَّى حضر الرواح وذهبت القائلة، فقال: إذا رتحط فأتني آخذ بحقك. فانطلق وراح، فلما (٣) كان في مجلس فجعل ينظر هل يرى الشيخ فلم يره فقام يبتغيه، فلما كان من (٤) الغد جعل يقضي بين الناس وينتظره فلا يراه، فلما رجع إلى القائلة وأخذ مضجعه أتاه فدق الباب، فقال: من هذا؟ قال: الشيخ المظلوم. ففتح له، فقال: ألم أقل لك إذا قعدت فأتني. قال: إنهم أخبث قوم، إذا عرفوا أنك قاعد، قالوا: نحن نعطيك حقك. وإذا قصت جحدوني. قال: فانطلق فإذا رحت فأتني. ففاتته القائلة فراح فجعل (٥) ينظره فلا يراه وشق عليه النعاس فقال: لبعض (٦) أهله: لا تدعن أحدًا (٧) يقرب هذا

стр. 9603

الباب حتَّى أنام، فإني قد شق على النعاس (١). فلما كان تلك الساعة جاء فلم يأذن له الرجل (٢)، فلما أعياه نظر فرأى كوة (٣) في البيت فتسور منها، فإذا هو في البيت، هاذا هو يدق الباب من داخل فاستيقظ الرجل، فقال: يا فلان ألم آمرك (لا تدع أحدًا) (٤). قال: أما من (٥) قبلي فلم تؤت والله، فانظر من أين أتيت. فقام إلى الباب فإذا هو مغلق كما أغلقه، وإذا الرجل معه في البيت، فقال له: أتنام والخصوم ببابك (٦). فعرفه، فقال: عدو الله، أنت (٧). قال: نعم (٨)، أعييتني في كل شيء، ففعلت ما ترى لأغضبك فعصمك الله مني (٩) فسمي ذا الكفل؛ لأنه تكفل بأمر فوفى به (١٠).

стр. 9604

وقال أبو موسى الأشعري: إن ذا الكفل لم يكن نبيًّا ولكن كان عبدًا صالحًا، تكفل بعمل رجل صالح عند موته، وكان يصلي لله كل يوم مائة صلاة فأحسن الله الثناء عليه (١). وقيل: كان رجلًا عفيفًا، تكفل بشأن رجل وقع في بلاء فأنجاه الله على يديه (٢). وقيل: ذو الكفل إلياس ﵇ (٣). وقيل: هو زكريا (٤) ﵇ والله أعلم (٥).

стр. 9605

٨٦ - ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ في رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦)﴾ ٨٧ - ﴿وَذَا النُّونِ﴾ أي (١) واذكر صاحب الحوت وهو يونس بن متى (٢) ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ اختلفوا في معنى الآية ووجهها فقال الضحاك: ذهب مغاضبًا لقومه (٣). وهو رواية العوفي وغيره عن ابن عباس قال: كان يونس وقومه يسكنون فلسطين، فغزاهم ملك (٤) فسبى منهم تسعة أسباط ونصف سبط وبقي (٥) سبطان ونصف، فأوحى الله إلى (٦) شعيا (٧) النبي ﵇ أن سر إلى حزقيا (٨) الملك، وقل له حتَّى يوجه

стр. 9606

نبيًّا قويًّا أمينًا، فإني ألقي في قلوب أولئك (١) حتَّى يرسلوا معه بني إسرائيل، فقال له (٢) الملك: فمن ترى نبعث؛ (٣) وكان في مملكته خمسة من الأنبياء، فقال: يونس؛ فإنه قوي أمين. فدعى الملك يونس وأمره أن يخرج، فقال يونس: هل أمرك الله (٤) بإخراجي؟ قال: لا. قال: فهل سماني لك؟ قال: لا. قال: فههنا غيري أنبياء (٥) أقوياء أمناء. فألحوا عليه فخرج مغاضبًا للنبي وللملك ولقومه، فأتى بحر الروم (٦) فإذا سفينة مشحونة، فركبها فلما تلجلجت (٧) السفينة تكفأت (٨) حتَّى كادوا أن يغرقوا، فقال الملاحون (٩): هاهنا رجل

стр. 9607

عاص أو عبد آبق (١)، ومن رسمنا (٢) أن نقترع في مثل هذا، فمن وقعت عليه القرعة ألقيناه في البحر، ولأن يغرق واحد خير من أن تغرق السفينة بما فيها، فاقترعوا ثلاث مرات، فوقعت القرعة في (٣) كلها على يونس (فقام يونس) (٤) فقال: أنا الرجل العاصي والعبد الآبق. وألقى نفسه في الماء، فجاء حوت فابتلعه، ثم جاء حوت آخر أكبر منه فابتلع هذا الحوت، وأوحى الله إلى الحوت: لا تؤذ منه شعرة؛ فإني جعلت بطنك سجنه ولم أجعله طعامًا لك (٥). وقال آخرون (٦): بل ذهب عن قومه مغاضبًا لربه (٧) إذ كشف عنهم العذاب بعدما وعدهموه (٨) وذلك أنَّه كره أن يكون بين قوم (٩) قد جربوا عليه الخلف فيما وعدهم فاستحى (١٠) منهم، ولم يعلم السبب الَّذي

стр. 9608

به (١) دفع عنهم العذاب والهلاك، فخرج (٢) مغاضبًا، وقال: والله لا أرجع إليهم كذابًا أبدًا إني (٣) وعدتهم العذاب في يوم فلم يأت (٤). وفي بعض الأخبار أن قومه كان من عادتهم أن يقتلوا من جربوا عليه الكذب، فلما لم يأتهم العذاب (للميعاد الَّذي وعدهم) (٥) خشي أن يقتلوه فغضب، وقال: كيف أرجع إلى قومي وقد (٦) أخلفتهم الوعد. ولم يعلم سبب صرف العذاب عنهم (٧) وكيفية القصة (وذلك أنَّه كان خرج من بين أظهرهم، وقد ذكرت القصة) (٨) بالشرح في سورة يونس. وقال القتيبي: المغاضبة: المفاعلة، وأكثر المفاعلة من اثنين كالمناظرة والمجادلة والمقاتلة، وربما تكون (٩) من واحد

стр. 9609

كقولك (١): سافرت وعاقبت الرجل وطارقت النعل (٢) وشارفت (٣) الأمر، ونحوها كثير (٤)، وهي هاهنا من هذا الباب، فمعنى قوله (٥): ﴿مُغَاضِبًا﴾ أي: غضبان (٦) أنفا، والعرب تسمي الغضب أنفا، والأَنْف غضبًا لقرب أحدهما من الآخر، وكان يونس ﵇ وعد قومه أن يأتيهم العذاب لأجل (٧) فلما فات الأجل ولم يعذبوا غضب وأنف أن يعود إليهم فيكذبوه فمضى كالناد (٨) الآبق إلى السفينة، وكان من (٩) طول ما عانى وقاسى من بلاء قومه يشتهي أن ينزل الله بهم (١٠) بأسه (١١). وقال الحسن البصري: إنما غاضب ربه من أجل (١٢) أنَّه أمر

стр. 9610

بالمسير إلى قوم (١) لينذرهم بأسه ويدعوهم إليه، فسأل ربه أن ينظره (٢) ليتأهب للشخوص (٣) إليهم. فقيل له: إن (٤) الأمر أسرع من ذلك، ولم ينظر حين (٥) سأل أن ينظر إلى أن (٦) يأخذ نعلًا يلبسها، فقيل له: نحو القول الأول (٧) وكان رجلًا (٨) في خلقه ضيق فقال: أعجلني ربي أن آخذ نعلًا ألبسها (٩) فذهب مغاضبًا (١٠). وقال وهب بن منبه اليماني: إن يونس بن متّى كان عبدًا صالحًا، وكان في خلقه ضيق، فلما حملت عليه أثقال النبوة تفسخ (١١) تحتها تفسخ الرُّبَع (١٢) تحت الحمل الثقيل فقذفها من يده وخرج هاربا منها

стр. 9611

فلذلك أخرجه الله من أولي العزم (١) فقال لنبيه محمد ﷺ ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (٢)، وقال: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ (٣) أي: لا تلق أمري كما ألقاه (٤). ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ (أي: لن نقضي) (٥) عليه بالعقوبة، قاله مجاهد وقتادة والضحاك والكلبي (٦) وهي رواية العوفي عن ابن عباس (٧).

стр. 9612

تقول العرب: قدّر الله الشيء بقدره تقديرًا وقدره ويقدره قدرًا (١) ومنه (٢) قوله : ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾ (٣)، وقوله: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ (٤) في قراءة من خففهما (٥). ودليل هذا التأويل (٦) قراءة عمر بن عبد العزيز والزهري (فظن أن لن نُقدِّر عليه) بضم النون وتشديد الدال من التقدير (٧). وقرأ عبيد بن عمير وقتادة: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ بالتشديد على المجهول (٨). (وقرأ يعقوب: (نُقدر) بالتخفيف على المجهول) (٩).

стр. 9613

وقال الشاعر (١) في القدر بمعنى التقدير: فليست عشيات اللوى برواجع ... لنا أبدًا ما أورق السلم النظر فلا عائد ذاك الزمان الذي مضى ... تبارك ما تقدير يقع ولك الشكر (٢) (أي: ما تقدره) (٣). وقال عطاء وكثير من العلماء معناه: فظن أن لن يضيق عليه الحبس من قوله : ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ (٤) أي: يضيق، قال سبحانه: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ (٥) (٦). قال ابن زيد (٧): هو استفهام معناه: أفظن أن لن نقدر عليه؟ ! (٨). وروى عوف عن الحسن أنه قال معناه: فظن أنه يعجز ربه فلا يقدر

стр. 9614

عليه، قال (١): وبلغني أن يونس ﵇ لما أصاب الذنب انطلق مغاضبًا لربه واستزله الشيطان حتى ظن أن لن نقدر عليه (٢). قال: وكان له سلف (٣) وعبادة، فأبى الله أن يدعه للشيطان فقذفه في بطن الحوت (فمكث في بطن الحوت) (٤) أربعين من بين يوم وليلة. وقيل: سبعة أيام. وقيل: ثلاثة أيام (٥) وأمسك الله نفسه فلم يقتله هناك، فتاب إلى ربه في بطن الحوت (٦) وراجع نفسه فقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ فاستخرجه الله من بطن الحوت برحمته. قال عوف: وبلغني أنه قال في دعائه: وبنيت لك (٧) مسجدًا في

стр. 9615

مكان لم يبنه أحد قبلي (١). والتأويلات المتقدمة أولى بالأنبياء وأبعد من الخطأ. ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ أي: ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت (قاله أكثر المفسرين (٢). وقد (٣) قال سالم بن أبي الجعد: ظلمة جوف الحوت) (٤) ثم ظلمة جوف الحوت الآخر الذي ابتلعته (ثم ظلمة البحر) (٥). ﴿أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ قال محمد بن قيس: قال يونس ﵇: إني كنت من الظالمين حين عصيتك وما صنعت من شيء فلم أعبد غيرك (٦). وروى أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "لما أرد الله تعالى حبس يونس في بطن الحوت أوحى الله تعالى إلى الحوت أن خذه ولا تخدش له لحمًا، ولا تكسر له عظمًا، فأخذه ثم هوى به إلى مسكنه في البحر، فلما انتهى به إلى (أسفل البحر) (٧) سمع يونس حسًّا فقال في

стр. 9616

نفسه: ما هذا؟ ! فأوحى الله تعالى إليه وهو في بطن الحوت: إن هذا تسبيح دواب البحر، قال: فسبح وهو في بطن الحوت، فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا: يا ربنا، إنا لنسمع صوتًا ضعيفًا بأرض غريبة، قال: ذاك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت (في البحر) (١)، قالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في (٢) كل يوم وليلة له (٣) عمل صالح، قال: نعم. قال (٤): فشفعوا له عند ذلك، فأمر الحوت فقذفه إلى (٥) الساحل". كما قال الله سبحانه: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ (٦) (٧). وروى أبو هلال محمد بن سليم (٨) عن شهر بن حوشب (٩) عن ابن عباس ﵄ قال: أتى جبريل يونس ﵉ فقال له: انطلق إلى

стр. 9617

أهل نِيْنَوى (١) فأنذرهم أن العذاب قد حضرهم، قال: ألتمس دابة، قال: الأمر أعجل من ذلك، قال: فغضب فانطلق إلى السفينة فركبها فاحتبست السفينة، فساهموا فسهم، فجاء (٢) الحوت يبصبص بذنبه (٣) فنودي الحوت: إنا لم نجعل يونس لك رزقًا إنا جعلناك له (٤) حرزًا (٥) ومسجدًا فالتقمه الحوت فانطلق به من ذلك المكان حتى مر به على الأيلة (٦) ثم مر به على دجلة (٧) ثم انطلق به (٨) حتى ألقاه في نينوى (٩).

стр. 9618

وكان ابن عباس يقول: إنما كانت رسالة يونس بعدما نبذه الحوت، ودليل هذا القول أن الله تعالى ذكر قصة يونس في سورة الصافات (١) ثم عقبها بقوله (٢) ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)﴾ (٣) (٤). وقال الآخرون: بل كانت قصة الحوت بعد دعائه قومه وتبليغهم رسالة ربه كما ذكرناه ذكره (٥). ٨٨ - قوله : ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ من كربهم إذا استغاثوا بنا ودعونا (٦). روى علي بن زيد (٧)، عن سعيد بن المسيب (٨)، قال: سمعت (٩)

стр. 9619

سعد بن مالك (١) يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الاسم (٢) الذي إذا دعي به أجاب وإذا سُئل به أعطى (دعوة يونس) (٣) بن متّى" قال: فقلت يا رسول الله هي ليونس بن متّى خاصة أو لجماعة المسلمين قال؟ "هي ليونس خاصة وللمسلمين (٤) عامة (٥) إذا دعوا بها (٦) ألم تسمع قول الله تعالى: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ " (٧). وهو شرط من (٨) الله لمن دعاه بها. واختلف القراء في قوله: ﴿نُنْجِي﴾ فقراءة العامة بنونين الثانية منهما

стр. 9620

ساكنة من الإنجاء على معنى نحن ننجي (١). فإن قيل: لم كتبت (٢) في المصاحف بنون واحدة، قيل: لأن النون الثانية لما سكنت وكان الساكن غير ظاهر على اللسان حذفت كما فعلوا ذلك (٣) بألا فحذفوا النون من (إن) لخفائها إذ كانت مدغمة في اللام (٤). وقرأ ابن عامر وعاصم برواية أبي بكر: (نجِّي) بنون واحدة وتشديد الجيم وتسكين الياء (٥). واختلف النحاة في هذِه القراءة فمنهم من صوبها، وقال: فيه إضمار معناه: نجى النجى للمؤمنين كما يقال: ضرب زيدًا بمعنى ضرب الضرب زيدًا (٦). وقال الشاعر (٧):

стр. 9621

ولو ولدت قفيرة (١) جرو كلب ... لسب بذلك الجرو (٢) الكلابا (٣) أراد لسب بذلك الجرو وسب الكلاب. قالوا (٤): وإنما تسكن الياء في: ﴿نُنْجِي﴾ كما سكنوها في: (تقي) ونحوها (٥) فقالوا: أتقى ونحوها، وإنما اتبع أهل هذِه القراءة المصحف؛ لأنها مكتوبة بنون واحدة (٦). قال القتيبي: من قرأ بنون واحدة والتشديد فيه (٧) فإنه أراد نجي من التنجية إلا أنه أدغم وحذف نونًا على طلب الخفة (٨). وقال النحويون: وهو رديء لبعد مخرج النون من الجيم، وممن صوب هذِه القراءة أبو عبيد. وأما أبو حاتم السجستاني فإنه لحنها ونسب قارئها إلى الجهل، وقال: هذا لحن لا يجوز في اللغة ولا يحتج بمثل ذلك البيت على (٩) كتاب الله إلا أنا نقول: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولو قرأ

стр. 9622

كذلك كان صوابًا والله أعلم (١). ٨٩ - ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ دعا ربه فقال (٢): ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ وحيدًا لا ولد لي ولا عقب وارزقني وارثًا (٣)، ثم رد الأمر إلى الله فقال: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾. ٩٠ - ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ ولدًا (٤). ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ بأن (٥) جعلناها ولودًا (٦) بعدما كانت عقيما، قاله أكثر المفسرين (٧). وقال بعضهم: كانت سيئة الخلق فأصلحها (٨) له بأن رزقها حسن الخلق (٩).

стр. 9623

﴿إِنَّهُمْ﴾ يعني: الأنبياء ﵈ الذين سماهم (١) في هذِه السورة (٢) ﴿كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ خوفًا وطمعًا (٣) في (رحمة الله ورهبًا من عذاب الله (٤). وقرأ الأعمش: رغبا ورهبا (٥) بضم الرائين (٦) وجزم الغين والهاء (٧) وهما لغتان: مثل السقم (٨) والسقم والثكل والثكل، والبخل والبخل والعدم (٩) والعدم (١٠).

стр. 9624

﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ خاضعين متواضعين (١). ٩١ - ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ﴾ حفظت ومنعت (٢) ﴿فَرْجَهَا﴾ مما حرم الله ﷺ وهي مريم بنت عمران (٣) ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ أي: أمرنا جبريل حتى نفخ في جيب درعها (٤) وأحدثنا بذلك النفخ المسيح في بطنها، وأضاف الروح إليه على معنى الملك والتشريف لمريم وعيسى ﵉ بتخصيصهما بالإضافة إليه (٥) ﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ أي: دلالة على كمال قدرتنا وحكمتنا، حمل امرأة بلا مماسة ذكر وكون ولد من غير أب (٦). وإنما قال: ﴿آيَةً﴾ ولم يقل: آيتين؛ لأن (٧) معنى الكلام وجعلنا شأنهما وأمرهما ﴿آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٨).

стр. 9625

٩٢ - ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ ملتكم (١) ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ ملة واحدة وهي الإسلام فأبطل ما سوى الإسلام من الأديان (٢)، وأصل الأمة الجماعة التي هي على مقصد واحد (٣) فجعلت (٤) الشريعة أمة لاجتماع أهلها بها (٥) على مقصد واحد (٦). ونصب ﴿أُمَّةً﴾ على القطع (٧). وقرأ ابن أبي (٨) إسحاق: (أمة) بالرفع على التكرير (٩). ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾. ٩٣ - ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾

стр. 9626

أي: اختلفوا في الدين فصاروا فيه فرقًا وأحزابًا (١)، ثم قال: ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ فنجزيهم بأعمالهم (٢). ٩٤ - ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ لا يبطل عمله ولا يجحد، بل يشكر ويثاب عليه (٣) ﴿وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ لعمله حافظون (٤). ٩٥ - ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ قرأ أهل الكوفة (وبعض الرواة عن عاصم) (٥) (وحرم) بكسر الحاء وجزم الراء من غير ألف (٦)، وقرأ الآخرون: ﴿وَحَرَامٌ﴾ (٧) واختاره أبو عبيد وأبو حاتم وهما لغتان مثل حل وحلال (٨).

стр. 9627

قال ابن عباس: معنى الآية ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ أي: أهل قرية (١) ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ أن (٢) يرجعوا بعد الهلاك، وعلى هذا التأويل تكون ﴿لَا﴾ صلة (٣) مثل قول العجاج: في بئر لا حور سرى وما شعر (٤) أي: في بئر حور. وقال آخرون: الحرام بمعنى الواجب (٥) كقول الخنساء: فإن حراما لا أرى الدهر باكيا ... على شجرة إلا بكيت على عمرو (٦) وعلى هذا القول تكون ﴿لَا﴾ ثابتة (٧). قال جابر الجعفي: سألت أبا جعفر عن الرجعة فقرأ هذِه الآية (٨).

стр. 9628

٩٦ - ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ﴾ قراءة العامة بالتخفيف، وقرأ أبو (١) جعفر وابن عامر ويعقوب بالتشديد على التكثير (٢) ﴿يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ ومعنى الآية: فرج السد عن يأجوج ومأجوج (٣)، وقد ذكرنا قصتهما بالشرح (٤). روى منصور بن المعتمر (٥) عن ربعي بن (٦) حراش (٧)، عن حذيفة ابن اليمان (٨) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أول (٩) الآيات: الدجال ونزول عيسى ونار تخرج (١٠) من قعر عدن أبين (١١) تسوق الناس إلى

стр. 9629

المحشر تقيل معهم إذا قالوا، والدخان (١) والدابة (٢) ثم يأجوج ومأجوج"، قال حذيفة ﵁: قلت يا رسول الله: ما يأجوج ومأجوج، قال: "أمم كل أمة أربعمائة ألف أمة (٣)، لا يموت الرجل (٤) منهم حتى يرى حوله (٥) ألف عين تطرف (بين يديه) (٦) من صلبه، وهم ولد آدم ﵇، فيسيرون إلى خراب الدنيا، (وتكون مقدمتهم بالشام وساقتهم بالعراق، فيمرون بأنهار الدنيا) (٧) فيشربون الفرات ودجلة وبحيرة الطبرية (٨)، حتى يأتوا بيت المقدس فيقولوا قد قتلنا أهل الدنيا فقاتلوا من في السماء، فيرمون بالنشاب

стр. 9630

إلى السماء فترجع نشابهم مخضبة بالدم، فيقولون قد قتلنا من في السماء، وعيسى ﵇ والمسلمون بجبل طور سينين (١)، فيوحي الله إلى عيسى أن أحرز عبادي بالطور (٢) وما يلي أيلة، ثم إن عيسى ﵇ يرفع يديه بالدعاء (٣) إلى السماء ويؤمن المسلمون، فيبعث الله سبحانه عليهم دابة يقال لها: النغف (٤) تدخل في مناخرهم، فيصبحون موتى من حاق (٥) الشام إلى حاق المشرق، حتى تنتن الأرض من جيفهم ويأمر الله تعالى السماء (أن تمطر) (٦) فتمطر مطرًا (٧) كأفواه القرب (٨) فيغسل الأرض من جيفتهم ونتنهم (إلى
следующие страницы →