← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 9731–9770 · переход к 9736.

стр. 9731

﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو أن يسميها هديًا ويوجبها، فإذا فعل ذلك لم يكن له من منافعها شيء، هذا قول (١) مجاهد وعطاء والضَّحَاك وقتادة، ورواية مقسم عن ابن عباس (٢). وقيل فِي معناه: لكم فِي هذِه الهدايا منافع بعد إيجابها وتسميتها هدايا بأن تركبوها إذا احتجتم إِلَى ذلك وتشربوا ألبانها إن اضطررتم إليها (٣). ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ يعني: إِلَى أن تنحروا، هذا قول عطاء بن أبي رباح (٤).

стр. 9732

وقال بعضهم: أراد بالشعائر المناسك ومشاهد مكة، ومعنى الآية: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ بالتجارة والأسواق ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو الخروج من مكة، وهذِه رواية أبي رزين (١) عن ابن (٢) عباس (٣). وقال بعضهم: معناه ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ بالأجر والثواب فِي قضاء المناسك وإقامة شعائر الحج (٤). ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو انقضاء أيام الحج (٥). ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (أي: منحرها البيت) (٦) يعني: أرض (٧) الحرم كلها، نظيرها قوله : ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (٨)، أي: الحرم كله (٩). وقال الذين قالوا: عني (١٠) بالشعائر المناسك، معنى الآية: ثم محل النَّاس من إحرامهم إِلَى البيت العتيق، أن: يطوفوا به طواف

стр. 9733

الزيارة يوم النحر بعد قضاء المناسك (١). ٣٤ - ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ جماعة مؤمنة سلفت قبلكم (٢) ﴿جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ اختلف القراء فيه فقرأ (٣) أهل الكوفة إلَّا عاصمًا بكسر السين (في الحرفين (٤) على معنى الاسم مثل المجلس والمطلع، أي: مذبحًا وموضع قربات (٥)، وقرأ الباقون (٦) بفتح السين) (٧) فيهما على المصدر مثل المدخل والمخرج أي: إهراقة الدماء وذبح القرابين (٨). ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ عند ذبحها ونحرها، وإنما خص بهيمة الأنعام؛ لأن من البهائم ما ليس من الأنعام كالخيل والبغال والحمير، وإنما قيل: بهائم؛ لأنها لا

стр. 9734

تتكلم (١). ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ قال ابن عباس وقتادة: المتواضعين (٢). مجاهد: المطمئنين إِلَى الله سبحانه (٣). الأخفش: الخاشعين (٤). ابن جرير (٥): الخاضعين (٦). عمرو بن أوس: هم الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا (٧).

стр. 9735

٣٥ - ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)﴾. ٣٦ - ﴿وَالْبُدْنَ﴾ أي: الإبل العظام الضخام الأجسام، وتخفف وتثقل واحدتها بدنة مثل تمرة وتمر (١) وخشبة وخشب، وبادن مثل فاره وفره (٢). والبدن: هو الضخم من كل شيء (٣). ومنه قيل: لامرئ القيس بن النُّعمان (٤) صاحب الخورنق (٥) والسدير (٦):

стр. 9736

المدن (١) الضخمة، وقد بدن الرَّجل بدنًا وبدانة إذا ضخم، فأما إذا أسن واسترخى، قيل: بدن تبدينًا (٢). وقال عطاء والسدي: البدن الإبل والبقر (٣). ﴿جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ أي: أعلام دينه إذا أشعرت (٤) ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْر﴾ النفع فِي الدنيا والأجر (٥) فِي العقبى (٦). ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ عند نحرها (٧). قال ابن عباس: هو أن يقول: الله أكبر لا إله إلَّا الله، والله أكبر اللهم منك ولك (٨). ﴿صَوَافَّ﴾ أي: قيّامة على ثلاث قوائم قد صفت رجليها وإحدى

стр. 9737

يديها، ويدها (١) اليسرى معقولة، فينحرها كذلك (٢). روى يعلي بن عطاء عن بجير (٣) بن سالم قال: رأيت ابن عمرو هو ينحر بدنته (٤) فقال: صواف كما قال الله فنحرها وهي قائمة معقولة إحدى يديها (٥). وقال مجاهد: الصواف إذا عقلت رجلها اليسرى وقامت على ثلاث وتنحر كذلك (٦). وقرأ ابن مسعود: (صوافن) وهي المعقلة (٧) تعقل يد واحدة وكانت (٨) على ثلاث وتنحر وهو مثل صواف (٩). وقرأ أبي والحسن

стр. 9738

ومجاهد وزيد بن أسلم: (صوافي) بالياء (١) أي: صافية خالصة (٢) لله لا شريك له فيها كما كان المشركون يفعلون (٣). ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ أي: سقطت بعد النحر فوقعت (٤) جنوبها على الأرض (٥)، وقال ابن زيد: فإذا ماتت (٦). وأصل الوجوب الوقوع، يقال: وجبت الشَّمس إذا سقطت (٧) للمغيب، ووجب الفعل إذا وقع

стр. 9739

ما يلزم به (١) فعله (٢). ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ أمر إباحة ورخصة (٣) مثل قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (٤). ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (٥). ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ واختلفوا (فِي معناهما) (٦): فروى العوفي عن ابن عباس ﵄، وليث عن مجاهد) (٧) أن القانع الذي يقنع بما أعطي فيرضى (٨) بما عنده ولا يستقبل (٩) يسأل النَّاس (١٠) والمعتر الذي يمر بك ويتعرض لك ولا يسأل (١١). عكرمة وإبراهيم وقتادة: القانع المتعفف الجالس فِي بيته، والمعتر

стр. 9740

المسائل الذي يعتريك ويسألك. وهي رواية الوالبي عن ابن عباس (١). خصيف عن مجاهد: القانع أهل مكة وجارك (٢) وإن كان غنيًّا، والمعتر الذي يعتريك ويأتيك (٣) ويسألك (٤). وعلى هذِه التأويلات يكون القانع من القناعة وهو الرضا والتعفف (٥) وترك السؤال (٦). سعيد بن جبير والكلبي: القانع الذي يسألك، والمعتر الذي (يعتريك أي) (٧) يتعرض لك ويريك نفسه ولا يسألك (٨). وعلى هذا القول يكون القانع من القنوع وهو السؤال (٩): قال الشماخ:

стр. 9741

لمال المرء يصلحه فيغنى ... مفاقرة أعف من القنوع (١) وقال لبيد: وأعطاني المولى على حين فقره ... إذا قال أبصر خلتي وقنوعي (٢) وقال زيد بن أسلم: القانع المسكين الذي يطوف ويسأل، والمعتر الصديق الزائر الذي يعتر بالبدن (٣). ابن أبي نجيح عن مجاهد: القانع الطامع، والمعتر من يعتر بالبدن من غني أو فقير (٤). وقال ابن زيد: القانع المسكين، والمعتر (٥) الذي يعتر القوم للحمهم (٦) وليس بمسكين ولا يكون له ذبيحة، يجيء إِلَى القوم

стр. 9742

لأجل لحمهم (١). وقرأ الحسن: (والمعترِيَ) (٢) وهو مثل المعتر، يقال: اعتره وعراه (٣) واعتراه إذا أتاه طالبًا معروفه (٤). ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. ٣٧ - ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا﴾ وذلك أن أهل (٥) الجاهلية كانوا إذا نحروا البدن لطخوا (٦) حيطان الكعبة بدمائها فأنزل الله : ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ﴾ (٧) أي: لن يصل إِلَى الله (٨).

стр. 9743

﴿لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ أي: النية والإخلاص وما أريد به (١) وجه الله (٢). وقرأ يعقوب (تنال وتناله) (٣) بالتاء وغيره بالياء (٤). ﴿كَذَلِكَ﴾ هكذا (٥) ﴿سَخَّرَهَا﴾ يعني: البدن (٦). ﴿لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ لأعلام دينه ومناسك حجه وهو أن يقول: الله أكبر على ما هدانا والحمد لله على ما أبلانا وأولانا (٧). ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾. ٣٨ - ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ﴾ (بغير أَلْف قرأ) (٨) مكّيّ (٩) وبصري (١٠) وغيرهم (يدافع):

стр. 9744

بالألف (١) ومعناه أن الله يدفع غائلة المشركين عن الذين آمنوا (٢). ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ﴾ في أمانة الله (٣) ﴿كَفُورٍ﴾ بنعمته (٤). ٣٩ - ﴿أُذِنَ﴾ قرأ أهل المدينة والبصرة وعاصم: ﴿أُذِنَ﴾ بضم الألف، وقرأ الباقون بفتحه (٥) أي: أذن الله (٦). ﴿لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ قرأ أهل المدينة والشَّام بفتح التاء (٧) يعنون للمؤمنين الذين يقاتلهم (٨) المشركون (٩).

стр. 9745

(وقرأ الباقون بكسر التاء (١) يعني: إن الذين أذن لهم بالجهاد يقاتلون المشركين) (٢) ﴿بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾. قال المفسرون: كان مشركوا أهل مكة يؤذون أصحاب رسول الله ﷺ فلا يزالون يجيئون من بين مضروب ومشجوج (٣) فيشكونهم إِلَى رسول الله ﷺ فيقول (٤) لهم: اصبروا فإنِّي لم أؤمر بالقتال حتَّى هاجر رسول الله ﷺ (إِلَى المدينة) (٥) فأنزل الله هذِه الآية وهي أول آية أذن الله فيها بالقتال (٦). قال ابن عباس: لما أُخرج النَّبِيّ ﷺ من مكة، قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم إنا لله وإنا إليه راجعون ليهلكن؛ فأنزل الله : ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ قال أبو بكر: فعرفت أنَّه سيكون قتال (٧).

стр. 9746

وقال مجاهد: نزلت هذِه الآية فِي قوم بأعيانهم خرجوا مهاجرين من مكة إِلَى المدينة فكانوا يمنعون، فأذن (١) الله لهم فِي قتال الكفار الذين يمنعونهم من الهجرة (٢). ٤٠ - ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ بدل من الذين الأولى، ثم قال (٣) ﴿إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ يعني: لم يخرجوا من ديارهم إلَّا بقولهم ربنا الله وحده (٤)، فتكون ﴿أَنْ﴾ في

стр. 9747

موضع الخفض ردًّا على الباء فِي قوله: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ (١)، ويجوز أن تكون ﴿أَنْ﴾ فِي موضع نصب على وجه الاستثناء (٢). ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ بالجهاد وإقامة الحدود (وكف الظلم) (٣) ﴿لَهُدِّمَتْ﴾ (قرأ ابن كثير ونافع ويزيد بتخفيف الدال. وقرأ الباقون بالتشديد على التكثير، أي: لخربت) (٤). ﴿صَوَامِعُ﴾ قال مجاهد والضَّحَاك: يعني: صوامع الرهبان (٥). قتادة: صوامع الصابئين ﴿وَبِيَعٌ﴾ النصارى (٦). ابن أبي (٧) نجيح عن مجاهد: البيع كنائس اليهود وبه قال ابن زيد (٨).

стр. 9748

﴿وَصَلَوَاتٌ﴾. قال ابن عباس وقتادة والضَّحَاك (١): يعني: كنائس اليهود يسمونها صلواتًا (٢). وقال أبو العالية: هي مساجد (٣) الصابئين (٤). ابن أبي (٥) نجيح عن مجاهد: هي (٦) مساجد لأهل الكتاب ولأهل الإِسلام بالطريق (٧). وعلى هذِه الأقوال تكون الصلوات بمعنى مواضع الصلوات (٨). وقال بعضهم: أراد بها الصلوات بعينها، مجاز الآية وتركت صلوات (٩).

стр. 9749

قال ابن زيد: الصلوات صلوات أهل الإِسلام تنقطع إذا دخل عليهم العدو انقطعت العبادة وهدمت المساجد كما صنع بخت نصر (١). ﴿وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ يعني: مساجد المسلمين (٢). وقيل تأويلها: لهدمت مساجد وبيع فِي أيام شريعة عيسى وصلوات فِي أيام شريعة موسى، ومساجد فِي أيام شريعة محمَّد ﷺ (٣). قال الحسن: يدفع عن هدم (٤) مصليات أهل الذمة بالمؤمنين (٥).

стр. 9750

فإن قيل: لِم قدّم مصليات الكفار على مساجد المُؤْمنين، قلنا (١): لأنها أقدم (٢). وقيل: لقربها من الهدم وقرب المساجد من الذكر، كما أخر السابق فِي قوله سبحانه: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ (٣) لقربه من الجنات (٤). ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ أي: ينصر دينه ونبيه (٥). ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز﴾. * * *

стр. 9751

٤١ - ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ قال قتادة: هم أصحاب محمَّد ﷺ (١). عكرمة: أهل الصلوات الخمس (٢). وقال الحسن وأبو العالية: هذِه الأمة (٣). ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ آخر أمور الخلق ومصيرهم إليه (٤). ٤٢ - ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ يَا مُحَمَّد (٥). ﴿فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ﴾. * * *

стр. 9752

٤٣ - ﴿وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣)﴾ ٤٤ - ﴿وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ﴾ أمهلتهم (١). ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ عاقبتهم (٢). ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ إنكاري بالعذاب والهلاك، يعزي نبيه ﷺ ، ويخوف مخالفيه (٣). ٤٥ - ﴿فَكَأَيِّنْ﴾ وكم (٤). ﴿مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ يعني: وأهلها ظالمون (٥) فنسب الظلم إليها لقرب الجوار (٦). ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ ساقطة على سقوفها (٧).

стр. 9753

﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ متروكة مخلاة عن أهلها (١) ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قال قتادة والضَّحَاك ومقاتل: رفيع طويل (٢) ومنه قول عدي بن زيد: شاده مرمرًا وجلله (٣) كلسا ... فللطير فِي ذراه (٤) وكور (٥) أي: رفعه. وقال سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وعكرمة: مجصص من الشيد وهو الجصّ (٦). وقال الراجز: لا تحسبني وإن كنت امرءًا غمرًا ... كحية الماء بين الطِّين والشيد (٧)

стр. 9754

وقال امرؤ القيس: وتيماء لم نترك بها جذع نخلة ... ولا أطمًا إلَّا مشيدًا بجندل (١) أي: مبنيًّا بالشيد والجندل. وروى أبو روق عن الضحاك: أن هذه البئر إنما كانت بحضرموت (٢) فِي بلدة (٣) حاصورا (٤) وذلك أن أربعة آلاف نفر (٥) ممن آمن بصالح ﵇ نجوا من العذاب أتوا حضر موت ومعهم صالح، فلما حضروا مات صالح فسمي حضر موت؛ لأن صالحًا لما حضروه مات فبنوا حاصورا وقعدوا (٦) على هذِه البئر، وأمروا

стр. 9755

عليهم رجلًا يقال له: جلهس بن جلاس بن سويد وجعلوا وزيره سحاريب بن سوادة فأقاموا (١) دهرًا وتناسلوا حتَّى نموا وكثروا ثم إنهم عبدوا الأصنام وكفروا، فأرسل إليهم نبيًّا يقال له: حنظلة بن صفوان (٢) كان حمالًا فيهم فقتلوه فِي السوق، فأهلكهم الله وعطلت بئرهم وخربت قصورهم (٣). ٤٦ - ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: كفار مكة فينظروا إِلَى مصارع المكذبين من الأمم الخالية (٤) ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ فيتفكروا ويعتبروا (٥). ﴿فَإِنَّهَا﴾ الهاء عماد (٦) ﴿لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي

стр. 9756

﴿الصُّدُورِ﴾ (ذكر الصدر) (١) تأكيدًا (٢) كقوله: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ (٣) وقوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ (٤) (٥). قال ابن عباس ومقاتل: لما نزل ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾ (٦) جاء ابن أم مكتوم إِلَى النَّبِيّ ﷺ باكيًا فقال: يَا رسول الله، أنا فِي الدنيا أعمى أفأكون فِي الآخرة أعمى؟ ! فأنزل الله هذِه الآية (٧). ٤٧ - ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ نزلت فِي النضر بن الحارث (٨). ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ فأنجز ذلك يوم بدر (٩) ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ

стр. 9757

كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ قرأ (١) بالياء مكّيّ كُوفِيّ غير عاصم، غيرهم بالتاء (٢). قال ابن عباس: هي من الأيام التي خلق الله فيها السماوات والأرض (٣). وقال مجاهد وعكرمة: من أيام الآخرة (٤). (وقال ابن زيد فِي قوله) (٥) ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ وفي قوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ

стр. 9758

خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾ (١) قال: هو يوم القيامة (٢). وقال أهل المعاني (معنى الآية) (٣): ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ﴾ من أيام العذاب الذي استعجلوه فِي الثقل والإطالة والشدة ﴿كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ فكيف تستعجلون، وهذا كما يقال: أيام الهموم طوال وأيام السرور قصار (٤). ٤٨ - ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ ٤٩ - ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩)﴾. ٥٠ - ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠)﴾. ٥١ - ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا﴾. أي: عملوا فِي إبطال (٥) آياتنا (٦). ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ أي: مغالبين مشاقين، (قاله ابن عباس (٧).

стр. 9759

الأخفش: مسابقين) (١). قتادة: ظنوا أنَّهم يعجزون الله فلا يقدر عليهم ولن يعجزوه (٢). وقرأ ابن كثير وأبو عمرو (معجزين) بالتشديد (من غير أَلْف) (٣) أي: مثبطين النَّاس عن الإيمان (٤) ومثله فِي سورة سبأ (فِي موضعين) (٥). ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. ٥٢ - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ الآية. قال ابن عباس ومحمَّد بن كعب القرظي وغيرهما من المفسرين: لما رأى رسول الله ﷺ تولي قومه عنه وشق عليه ما رأى من مباعدتهم (٦) عما جاء به من الله تمنى فِي نفسه أن يأتيه من الله

стр. 9760

ما يقارب بينه وبين قومه، وذلك لحرصه على إيمانهم، فجلس ذات يوم فِي ناد من أندية قريش كثير أهله، فأحب يومئذ ألا (١) يأتيه من الله شيء فينفروا عنه، وتمنى ذلك فأنزل الله عليه (٢) سورة ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)﴾ فقرأها رسول الله ﷺ حتَّى بلغ (٣): ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ (٤) ألقى الشيطان على لسانه بما كان يحدث به نفسه ويتمناه: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى. فلما سمعت قريش ذلك فرحوا ومضى رسول الله ﷺ فِي قراءته، فقرأ السورة كلها وسجد فِي آخر السورة، فسجد المسلمون لسجوده وسجد جميع من فِي المسجد من المشركين، فلم يبق فِي المسجد مؤمن ولا كافر إلَّا سجد إلا الوليد بن المغيرة وأبو أحيحة سعيد بن العاص فإنهما أخذا حفنة (٥) من البطحاء فرفعاها إِلَى جبهتيهما وسجدا عليه؛ لأنهما كانا شيخين كبيرين لا يستطيعان السجود (٦)، وتفرقت قريش وقد سرهم ما سمعوا، وقالوا: قد ذكر

стр. 9761

محمَّد آلهتنا بأحسن الذكر. وقالوا قد عرفنا أن الله يحيي ويميت ويخلق (١) ويرزق، ولكن آلهتنا هذِه تشفع لنا عنده، فإذا جعل لها محمَّد نصيبًا فنحن معه، فلما أمسى رسول الله ﷺ أتاه جبريل ﵇ فقال يَا محمَّد: ماذا صنعت، لقد تلوت على النَّاس ما لم آتك (٢) به عن الله، وقلت ما لم يقل لك، فحزن (٣) رسول الله ﷺ عند ذلك حزنًا شديدًا، وخاف من الله خوفًا كثيرًا، فأنزل الله هذِه الآية، وسمع بذلك من كان بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله ﷺ وبلغهم سجود قريش، وقيل: قد أسلمت قريش وأهل مكة فرجع أكثرهم إِلَى عشائرهم وقالوا: هم أحب إلينا، فوجدوا القوم قد ارتكسوا حين نسخ الله ما ألقى الشيطان، فلما نزلت هذِه الآية، قالت قريش: ندم محمَّد على ما ذكر (٤) من منزلة آلهتنا عند الله فغير ذلك وجاء بغيره، وكان ذانك الحرفان اللذان ألقى الشيطان على لسان رسول الله ﷺ قد

стр. 9762

وقعا في فم كل مشرك فازدادوا شرًّا إلى ما كانوا عليه وشدة على من أسلم (١).

стр. 9763

قوله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ﴾ وهو الذي يأتيه جبريل بالوحي عيانًا وشفاهًا ﴿وَلَا نَبِيٍّ﴾ وهو الذي تكون نبوته إلهامًا أو منامًا (١). ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ أي: أحب شيئًا واشتهاه وحدث به نفسه مما لم

стр. 9764

يؤمر به (١). ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ أي: مراده ووجد إليه سبيلًا (٢). وقال أكثر المفسرين: يعني بقوله: ﴿تَمَنَّى﴾ أي: تلا (٣) وقرأ كتاب الله (٤). ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ أي: قراءته وتلاوته (٥)، نظيره قوله : ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ (٦) يعني: قراءته يقرأ عليهم.

стр. 9765

وقال الشاعر في عثمان رضوان الله عليه حين قتل: تمنى كتاب الله أول ليله ... وآخرها لاقى حمام المقادر (١) [١٨٨٢] وسمعت أبا القاسم (الحسن بن محمَّد) (٢) بن حبيب

стр. 9766

النيسابوري يقول: سمعت أبا الحسن علي بن مهدي الطبري (١) يقول: ليس هذا التمني من القرآن والوحي في شيء، وإنما هو أن النبي ﷺ كان إذا صفّرت يده من المال ورأى ما بأصحابه من سوء الحال، تمنى الدنيا بقلبه وسوسة من الشيطان (٢). وقال الحسن (٣): أراد بالغرانيق العلى الملائكة، يعني: أن الشفاعة ترتجى منهم لا من الأصنام (٤) وهذا قول ليس بالقوي ولا بالمرضي لقوله : ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ أي: يبطله ويذهبه (٥). ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ فيثبتها (٦) ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فإن قيل: فما وجه جواز الغلط (٧) في (التلاوة على) (٨) النبي ﷺ ، فعنه (٩)

стр. 9767

جوابان: أحدهما: أنه على سبيل السهو والنسيان وسبق اللسان، فلا يلبث أن ينبهه الله عليه ويعصمه. والثاني: أن ذلك إنما قاله الشيطان على لسان رسول الله ﷺ في أثناء قراءته وأوهم أنه من القرآن وأن رسول الله ﷺ هو الذي يتلوه (١). ٥٣ - قال الله : ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ فيشكون في ذلك (٢) ﴿وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ فلا تلين لأمر الله (٣) ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ﴾ الكافرين (٤) ﴿لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾. ٥٤ - ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ من المؤمنين (٥) ﴿أَنَّهُ﴾ يعني: أن الذي (٦) أحكم الله سبحانه من آيات القرآن (٧). ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.

стр. 9768

٥٥ - ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ أي: مما ألقى الشيطان على لسان رسول الله ﷺ (١). ابن جريج: من القرآن وغيره من الدين وهو الصراط المستقيم (٢). ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ قال عكرمة والضحاك: عذاب يوم لا ليلة له (٣) وهو يوم القيامة (٤). وقال آخرون: هو (٥) يوم بدر (٦) وهو الصواب؛ لأن الساعة هي القيامة، ولا وجه أن يقال: حتى تأتيهم القيامة (أو تأتيهم القيامة) (٧)، وإنما سمي يوم بدر عقيمًا لأنهم لم ينظروا فيه إلى

стр. 9769

الليل بل قتلوا قبل المساء، قاله ابن جريج (١). غيره: لأنه لم يكن فيه رأفة ولا رحمة (٢). وقيل: لأنه لا مثل له في عظم أمره لقتال الملائكة فيه (٣). ٥٦ - ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم القيامة (٤). ﴿لِلَّهِ﴾ وحده من غير منازع ولا مدَّعٍ، والملك هو اتساع المقدور لمن له تدبير الأمور، والله هو الذي يملك الأمور كلها، وكل ملك سواه فهو ملك بحكمه وإذنه (٥). ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾

стр. 9770

٥٧ - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥٧)﴾. ٥٨ - ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: فارقوا أوطانهم وعشائرهم في طاعة الله وطلب رضاه (١). ﴿ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا﴾ وهم كذلك (٢) ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ في الجنة (٣) ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ وقيل: هو [كقوله] سبحانه: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (٤) (٥). روى ابن وهب (٦) عن عبد الرحمن بن شريح (٧) عن سلامان بن عامر (٨) قال:
следующие страницы →