← Общие книги

Общие книги · id 1883

القول البين الأظهر في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (184 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وهو من المنكرات المنتشرة في البلدان الإسلامية، وقد حصل بسبب ذلك من الفساد الصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة، وعن سماع القرآن وتلاوته، والبعد عن مجالس الذكر، وغير ذلك من الفتن والشرور، وقد ورد الوعيد الشديد على ذلك من الكتاب والسنة، فمن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (١) وفسَّر ثلاثة من الصحابة "لهو الحديث" بالغناء. وروى البخاري في صحيحه عن أبي مالك الأشعري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لَيَكُونَنَّ فِي أُمَّتِي قَوْمٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ» (٢) (٣) . ١٣- حلق اللحى أو نتفها أو تقصيرها، أو حلق العارضين منها

стр. 107

وهو من المنكرات المنتشرة، فيجب إنكارها وبيان السنة في ذلك، وإنه يجب إعفاؤها وتوفيرها؛ لما في ترك هذه السنة من ارتكاب النهي والتشبه بالكفار والنساء، لما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ، وَفِّرُوا اللِّحَى وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ» (١) (٢) وأخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «جُزُّوا الشَّوَارِبَ وَأَرْخُوا اللِّحَى، خَالِفُوا الْمَجُوسَ» (٣) (٤) . ١٤- الغيبة والنميمة

стр. 108

وهما من كبائر الذنوب، والغيبة: ذكرك أخاك بما يكره. والنميمة: نقل الكلام من شخص إلى شخص على وجه الإفساد, والغيبة والنميمة فاكهة كثير من الناس في مجالسهم، فهما من المنكرات المنتشرة، فيجب إنكارهما والتحذير منهما. وقد صور القرآن المغتاب بتصوير بشع، تنفر منه العقول السليمة، وتشمئز منه الفطر المستقيمة، وهو تشبيهه بمن يأكل لحم أخيه الميت، قال تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ (١) (٢) وتوعد النمام بوعيد شديد، ففي الحديث: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ» (٣) (٤) . وقال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ (٥) . ١٥- استعمال المخدرات والمفترات أكلًا أو شربًا أو مصًّا

стр. 109

كالدخان والجراك والقات والشمّة وغيرها، فهي من المنكرات المنتشرة التي يجب على المحتسب إنكارها والتحذير منها؛ لما فيها من المفاسد والأضرار، من ضرر الجسد المؤثر على الصحة، وضياع المال، والسهر وضياع الوقت كما يحصل من القات، ولما فيها من الخبث والروائح المنتنة الكريهة الضارة بالجسم وبالمجاور لمستعملها، والله تعالى قد أحل لنا الطيبات وحرم علينا الخبائث، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ (١) وقال في وصف نبيه ﷺ مخاطبًا أهل الكتاب: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (٢) «ونهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتّر» (٣) «وحرَّم النبي ﷺ إضاعة المال وكثرة السؤال» (٤) . ١٦- السفر إلى بلاد المشركين والإقامة فيها

стр. 110

وذلك من كبائر الذنوب؛ لما ورد من الوعيد على ذلك، كما في حديث سمرة «مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكَ أَوْ سَكَنَ مَعَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ» (١) (٢) والحكم قد أنيط وعلق بالمشتق وهو المساكنة والمجامعة، وتعليق الحكم بالمشتق يؤذن بالعلّيّة كما هو معروف في الأصول، وقال ﷺ «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ، لَا تَرَاءَى نَارُهُمَا» (٣) (٤) وذلك لما يخاف في القدوم على المشركين من المخاطرة بالدين، ولا يجوز السفر إلا بشروط قررها العلماء -رحمهم الله تعالى- أخذًا من النصوص وهي: ١- أن يقدر على إظهار دينه والإعلان به، وذلك يستلزم أن يكون عارفًا بدينه بأدلته وبراهينه المتواترة في الكتاب والسنة؛ حتى يتأتى منه الإظهار لدينه، ولا يكفي في إظهار الدين فعل الصلوات فقط، بل لا بد من تكفير المشركين وعيب دينهم، والطعن عليهم، والبراءة منهم، والتحفظ من مودتهم والركون إليهم، واعتزالهم. ٢- أن يأمن من الفتنة في دينه، فإن خاف بإظهار دينه الفتنة بقهرهم وسلطانهم، أو بشبهات زخرفهم وأقوالهم، لم يبح له القدوم إليهم والمخاطرة بدينه.

стр. 111

٣- أن لا يوالي المشركين، بأن يداهنهم أو يلين الكلام لهم، والموالاة كبيرة من كبائر الذنوب، ويمثل العلماء لذلك برفع السوط لهم، وبري القلم، وبلّ الدواة وما أشبه ذلك، كإظهار البشر والبشاشة. أما التولي فهو كفر يخرج من الملة، وذلك يكون بمحبتهم، أو إعانتهم بالنصرة أو بالمال أو بالبدن أو بالرأي، أو أظهر الموافقة لهم على دينهم؛ خوفًا منهم ومداراةً لهم ومداهنةً لدفع شرهم، وإن كان يكره دينهم، ويبغضهم ويحب الإسلام والمسلمين ويستثنى من ذلك المكره، وهو الذي يستولي عليه المشركون فيقولون له: اكفر وإلا قتلناك، أو فعلنا بك كذا، أو يأخذونه ليعذبونه حتى يوافقهم، فيجوز له الموافقة باللسان مع طمأنينة القلب بالإيمان، كما قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (١) وقد أجمع العلماء على أن من تكلم بالكفر هازلًا أنه يكفر، فكيف بمن أظهر الكفر خوفًا أو طمعًا؟ ! وأدلة ذلك كثيرة في الكتاب والسنة (٢) .

стр. 112

١ - في كيفية الإنكار: قبل الكلام على هذه المسألة هناك أمور ينبغي أن ينتبه لها المنكِر والآمر والناهي قبل أن يأمر وينهى وينكر المنكر . الأمر الأول: ينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يلاحظ بباطنه لطف الله تعالى به، حيث حفظه من مثل المعصية، ولو شاء لكان الأمر بالعكس. الأمر الثاني: أن يلاحظ بباطنه أنه لا يدري هل يدوم له هذا الحفظ، أو يفتن والعياذ بالله، وأنه كم من تائب عابد رجع إلى المعاصي فقبض عليها، وكم من عاصٍ مسرف تاب الله عليه فجنب توبته ما سلف قبلها، فقبض مغفورًا له، فيسأل الله الثبات والاستقامة، ويكثر من قول: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» ، كما كان النبي ﷺ يكثر من هذا الدعاء، فيكون متأسيًا بنبيه.

стр. 113

الأمر الثالث: أن يكون بعيدًا عن الكبر والرياء والاحتقار والازدراء، فلا يرى لنفسه عزة وعلوًّا على المأمور والمنهي، بالعلم والتنزّه عن مثل هذه المعصية، ولا يرى احتقار المنكر عليه بالجهل والوقوع في المعصية وإزدراء لذلك، حذرًا من أن يكون قصده الباطن بكلامه إظهار رتبته بشرف العلم والعفة، وإذلال صاحبه بنسبته إلى خسة الجهل ورذالة المعصية، فإن علم من نفسه أن هذا هو الباعث له على الإنكار، فقد وقع في منكر أقبح في نفسه من المنكر الذي أنكره، ومثله في هذا كمثل من يخلص غيره من النار بإحراق نفسه، وهو كمن يأمر بالمعروف ولا يأتيه، وينهى عن المنكر ويأتيه، وهذه مذلة عظيمة وغرور من الشيطان.

стр. 114

الأمر الرابع: ينبغي للمحتسب أن يمتحن نفسه ليتبين له سلامتها من الرياء والعجب وحب الظهور، حينما يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهو أن يكون قصده في الباطن زوال المنكر وحصول المعروف، سواء حصل ذلك بسببه أو بسبب غيره، ويرى أن هذا الواجب ثقيل وشاق، ولو كفاه غيره وقام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه لا يغضب ولا يرى من نفسه كراهية، بل يفرح بزوال المنكر وحصول المعروف، ويود من نفسه أن لو ساعده وشاركه ليحصل على الأجر، ويكون في عداد الدعاة إلى الخير والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، فهذه علامات تدل على أنه مخلص، وإن فقدت هذه العلامات ورأى من نفسه كراهية لزوال المنكر على يد غيره، ويثقل عليه أن يرجع هو عن المنكر بنفسه، ويرى من نفسه مسابقة إلى الإنكار، خشية أن يسبقه غيره فيزول على يديه المنكر، لا يقصد المبادرة إلى أداء هذا الواجب العظيم غيرةً على محارم الله وإشاعةً للخير في أرض الله، فإن كان كذلك فليتق الله ولينكر على نفسه أولًا.

стр. 115

الأمر الخامس: ينبغي للمحتسب أن لا يلتفت إلى الوساوس والأوهام التي يلقيها الشيطان، بل يدفعها ويقابلها بصريح الإيمان، وذلك مثل ما يلقيه الشيطان في نفس الآمر والناهي من الخوف والجزع وتقدير وقوع المحذور، من الضرب أو القتل، أو أخذ المال، أو العزل عن المنصب، فإن هذه التقديرات كلها في الحقيقة من وساوس الشيطان، ليثبطه عن القيام بأداء هذا الواجب، ويجعله في عداد الساكتين المداهنين، ليضله عن سبيل النجاة حتى يحشر مع العصاة، بل الواجب مقابلة ذلك بصريح الإيمان، بسبق القضاء والعلم بكل حركة وسكون، وأن الرزق مقسوم، كما أن الأجل محتوم، كما قال ﷺ لابن عباس «وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ» (١) (٢) فإذا استحضر الداعية والمحتسب ذلك يكون واثقًا بربه، غير مبال بما يحصل له في ذات الله، صابرًا محتسبًا أجره عند الله. كيفية الإنكار

стр. 116

كيفية الإنكار على من يفعل المنكر يختلف باختلاف حال الفاعل وما يناسب حاله، فينبغي للمحتسب أن يستعمل في إنكاره الكيفية التي تكون أنسب وأجدى في زوال المنكر، وذلك بأن يراعي مقامه ومنزلته، ثم يسلك معه أقرب الوسائل إلى حصول المقصود وهو الصلاح، فيكون قد أتى بالأمر والنهي بالصراط المستقيم، الذي أمر به، ومثله في ذلك كالطبيب الذي يعطي المريض من الدواء ما يناسب حاله ومزاجه، وسأستعرض أنواعًا من الناس، وأبين كيفية الإنكار عليهم على النحو التالي: ١- الجاهل لما يرتكبه بأنه منكر. ٢- العالم بأن ما يرتكبه بأنه منكر. ٣- الوالد بالنسبة لولده. ٤- العبد بالنسبة لسيده. ٥- التلميذ بالنسبة لشيخه. ٦- الزوجة بالنسبة لزوجها. ٧- السلطان بالنسبة لرعيته. ٨- الفاسق والعاصي الذي يحتاج إلى الهجر.

стр. 117

١- كيفية الإنكار على الجاهل لما يرتكبه بأنه منكر: من أقدم على منكر جاهلًا أنه منكر، بحيث لو علم أنه منكر لما أقدم عليه، فإنه يُعلَّم برفق ولطف وسياسة، وليحذر من الطيش والعجلة، بل يستعمل التأني والتثبت والملاطفة في الدعوة؛ فإن في ذلك خيرًا كثيرًا، وإن كان يعلم منه أنه لو سمع الكلام من غيره رجع عن فعله، فإنه ينبغي له أن يطلب من غيره ممن لا يشق عليه أن يبين له ما هو عليه من المخالفة ليكون ذلك أوعى إلى القبول والاستجابة.

стр. 118

ومثال ذلك: لو رأى من يسيء في صلاته لجهله، وهو يعلم منه أنه لو علم أن هذه الصلاة باطلة لم يرض لنفسه ذلك، أو رأى من يجمع الصلوات مثلًا لأنه مشتغل عنها، فإن المنكر يستعمل معه التلطف في موعظته وتعليمه، مثل أن يقول: أنا أعلم أنك مشغول بما أنت فيه، ولكن لا بد من الطمأنينة في الصلاة، ولا بد من أداء كل صلاة في وقتها، ولا شك أنك ترى كثيرًا من الناس يسيئون في صلاتهم، والناصح لهم قليل، ولكن يا أخي لا يعذر أحد في ترك تعلم أمور دينه؛ لأن الله يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١) ويا أخي، العلماء كلهم متفقون على أن الإنسان لا يجوز له أن يؤخر الصلاة عن وقتها عمدًا، وأنت قريب من الخير، ولا شك أنك تريد براءة ذمتك وإحسان عملك، والصلاة رأس مال المسلم، فلا بد من الإحسان فيها وأدائها في وقتها، ونحو هذه العبارات التي يحصل بها المقصود.

стр. 119

٢- كيفية الإنكار على العالم بأن ما يرتكبه منكر من أقدم على فعل منكر مع علمه أنه منكر، إما لأنه يعلم ذلك، أو لأنه عُرِّف أنه منكر، ومثال ذلك من يواظب على الغيبة أو أكل الربا أو الرشوة مع علمه أنه حرام، فالمنكِر يستعمل معه الوعظ والتخويف، وبيان رتبة تحريم تلك المعصية، وبيان ما جاء فيها من الوعيد والتهديد، ويسوق له الأخبار الواردة في تلك المعصية، فإن ذلك أجدى وأنجع في التأثير في العالم بالحكم.

стр. 120

٣- كيفية الإنكار على الوالد من قِبَل ولده

стр. 121

إذا فعل الوالد منكرًا، فللولد أن يأمر والده وينهاه بالوعظ والنصح، مع الرفق والتلطف في الكلام، وليس للولد مقابلة والده بالتخويف ولا بالتهديد ولا بالضرب ولا بالسب ولا بالتعنيف ولا بتخشين الكلام، وذلك لأن الوالد له على ولده حق عظيم، وقد قرن الله حقه بحق الوالدين في قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (١) وأمر بالإحسان إلى الوالدين وإن كانا كافرين مع عدم طاعتهما في الشرك، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ﴾ (٢) وللولد تغيير المنكر على والده بيده إن لم يحصل بسبب ذلك مفسدة أكبر، أو ضرر عليه في نفسه أو ماله أو أهله، وذلك لأن حق الله مقدم على حق الوالد، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فالولد يغيِّر المنكر على والده بيده مع القدرة وعدم المفسدة، ومع ذلك يستعمل معه التلطف في الخطاب، والترحم عليه والدعاء له، وبيان ضرر المعصية حتى يهدأ والده ويسكن إليه، ويعلم أن قصد ابنه محض النصح له

стр. 122

والشفقة عليه والغيرة لله ولمحارمه.

стр. 123

٤- كيفية الإنكار على السيد من قبل عبده إذا فعل السيد منكرًا فللعبد أن ينكر عليه برفق ولطف ولين إذا لم يخش من سطوته، فإن كان يخشى من سطوته، طلب من غيره أن يناصحه ممن يؤثِّر نصحه فيه، وبذلك تبرأ ذمة العبد.

стр. 124

٥- كيفية الإنكار على الشيخ من قبل تلميذه إذا فعل الشيخ منكرًا فللتلميذ أن ينكر عليه ويعامله بموجب علمه، ويبيِّن له مغبّة المعصية وعاقبتها الوخيمة، ويخوفه بالله وسطوته وعقوبته، ويبين له أن العالم قد قامت عليه الحجة بخلاف الجاهل، وأن من لم يعمل بعلمه ولم يأتمر بالأوامر وينزجر عن النواهي، فقد شابه أهل الكتاب الذين شبههم الله بالحمار الحامل للأسفار في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (١) وقد غضب الله عليهم، وأن من فسد من علماء هذه الأمة فهو داخل في المغضوب عليهم، فلعل ذلك أنجع في إقلاعه عن دينه، ورجوعه إلى جادة الحق والصواب.

стр. 125

٦- كيفية الإنكار على الزوج من قبل زوجته إذا فعل الزوج منكرًا فإن الزوجة تنكر عليه بالرفق واللين والموعظة الحسنة، وتبين له أنها مطيعة له، ومعترفة بما له عليها من حق، ولكن عليه هو أن يطيع الله ويجتنب محارمه، وأنها لن تسكت على فعله المنكر، وأنها مشفقة عليه من العقوبة، وليست عاصية له ولا مؤذية له، وإنما هي مشفقة ناصحة له، فإن أفاد ذلك في إقلاعه عن الذنب ورجوعه عنه، وإلا فتطلب من أقاربه أو أقاربها ممن له تأثير فيه أن يناصحه، حتى يزول المنكر ويحل محله المعروف فيحصل الخير والصلاح (١) .

стр. 126

٧- كيفية الإنكار على السلطان من قِبَل رعيته تنبيه في الداخل على الأمير أو السلطان للإنكار أو الموعظة لا شك أن من أعظم أنواع الأمر بالمعروف كلمة حق عند سلطان جائر، كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ» (١) أخرجه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن. وعن طارق بن شهاب ﵁ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ وَقَدْ وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ: أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قال: كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ» (٢) رواه النسائي بإسناد صحيح. وإذا ارتكب السلطان منكرًا فللرعية معه ثلاث حالات: الأولى: أن يقدر على نصحه وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر من غير أن يحصل منه ضرر أكبر من الأول، ولا منكر أعظم من الأول، ففي هذه الحالة يجب نصحه، وكيفية النصح يجب أن يكون بالموعظة الحسنة مع اللطف؛ لأن هذا هو مظنة الفائدة، وناصحه وآمره في هذه الحالة مجاهد سالم من الإثم، ولو لم ينفع نصحه.

стр. 127

الثانية: أن لا يقدر على نصحه، لأنه يبطش بمن يأمره، أو لأن نصحه يؤدي إلى حصول منكر أعظم وضرر أكبر، وفي هذه الحالة يكون الإنكار عليه بالقلوب، وكراهية منكره والسخط عليه، وهذه الحالة هي أضعف الإيمان. الثالثة: أن يكون راضيًا بالمنكر الذي يفعله السلطان ومتابعًا له عليه، وفي هذه الحالة يكون شريكه في الإثم والوزر.

стр. 128

وقد دل الحديث الصحيح على هذه الحالات الثلاث للرعية مع السلطان، وهو حديث أم المؤمنين أم سلمة هند بنت أبي أمية ﵂ أن النبي ﷺ قال: «أَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا نُقَاتِلُهُمْ؟ قَالَ: لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ» (١) أخرجه مسلم في صحيحه فقوله ﷺ «فمن كره» أي بقلبه، ولم يستطع إنكارًا بيد ولا لسان، فقد برئ من الإثم وأدى وظيفته - وقوله: «ومن أنكر فقد سلم» أي: من أنكر بحسب طاقته فقد سلم من هذه المعصية. وقوله: «ولكن من رضي وتابع» أي: من رضي بالمعصية وتابع عليها فهو عاص كفاعلها. (٢) ولا يجوز الإنكار على السلطان بالخروج عليه ومقاتلته كما سيأتي. تنبيه:

стр. 129

داخل على الأمير أو السلطان بقصد الإنكار أو الموعظة، يجب أن يكون قصده في ذلك خالصًا لله تعالى، وليحذر أن يقصد من الإنكار أو الموعظة التعرف بالسلطان وطلب المنزلة عنده، أو أن يقصد من الإنكار أو الموعظة طلب المحمدة من الناس وإطلاق ألسنتهم بالثناء عليه والشكر لصنيعه، واحترامهم وتقديرهم له، أو أن يقصد الشهرة والسمعة، فيقال عنه: أنه أغلظ للسلطان، وأقدم عليه بالكلام، ولم يبال بشيء، فيصير معظمًا عند الناس، ويخشاه أبناء جنسه، إلى غير ذلك من المقاصد.

стр. 130

وهذه المقاصد مذلة عظيمة يجب التفطن لها والتنبه، قبل الوقوع فيها، فقد يناله مكروه في الدنيا بالحبس أو الضرب أو القتل وهو غير مأجور، بل آثم مأزور، وهو يظن أنه مجاهد ومن أفضل الناس، وذلك لأن أساس الأعمال التي تبنى عليها الإخلاص، والنية الطيبة الحسنة، كما قال النبي ﷺ في حديث عمر «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (١) (٢) واشترط النبي ﷺ في تكفير الخطايا للمجاهد والمقتول في سبيل الله الاحتساب حينما سأله رجل فقال له: «أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَتُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ قَالَ: نَعَمْ إِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا مُقْبِلٍا غَيْرَ مُدْبِرٍ» (٣) (٤) (٥) .

стр. 131

١- معنى الهجر والمراد به: الهجر في اللغة: الترك, ومنها قوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ (١) والمراد به هنا هجر العاصي ومقاطعته، وترك تكليمه والسلام عليه، وعدم إجابة دعوته وردّ السلام عليه.

стр. 132

٢- تقسيم الهجر وبيان الشرعي من غيره: والهجر نوعان: أحدهما: هجر لحقِّ النفس وحظها. والثاني: هجر لحقِّ الله. فالأول: غير مشروع ولا مأمور به، بل منهي عنه؛ لأن المؤمنين أخوة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (١) وقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «لَا تَقَاطَعُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ» (٢) (٣) وفي الحديث الصحيح: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْ عُضْوٍ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ» (٤) (٥) .

стр. 133

وهذا الهجر لا يجوز أكثر من ثلاث عند الحاجة إليه، بل يرخص فيه ثلاثة أيام فأقل، كما جاء في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيَصُدُّ هَذَا وَيَصُدُّ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ» (١) (٢) وفي الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: «تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ كُلَّ اثْنَيْنِ وَخَمِيسٍ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا» (٣) (٤) ومنه الترخيص في إحداد غير الزوجة ثلاثة أيام فأقل، كما رخص للزوج أن يهجر امرأته في المضجع إذا نشزت. والثاني: هجر لحق الله، وهذا هو الهجر الشرعي المأمور به، فهو طاعة، والطاعة لا بد أن تكون خالصة لله، وأن تكون موافقة لأمره، فتكون خالصة لله صوابًا، فمن هجر لهوى نفسه، أو هجر هجرًا غير مأمور به، لم يكن مشروعًا. والهجر الشرعي نوعان: أحدهما: المنكرات وهو نوعان: الأول: هجر الإنسان نفسه عن المنكرات

стр. 134

كما قال ﷺ «الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ» (١) (٢) ومنه قوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ (٣) . الثاني: هجر المقام بين من يفعل المنكرات، فلا يشهد المنكرات مثل قوم يشربون الخمر، يجلس عندهم، أو دعي إلى وليمة فيها خمر أو زمر، يجيب دعوتهم، إلا لحاجة كمن حضر عندهم للإنكار عليهم، أو حضر بغير اختياره، ولهذا يقال: حاضر المنكر كفاعله. وفي الحديث: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَجْلِسْ عَلَى مَائِدَةٍ يُشْرَبُ عَلَيْهَا الْخَمْرُ» (٤) (٥) ومن هذا الباب الهجرة من دار الكفر والفسوق إلى دار الإسلام والإيمان، فإنه هجر للمقام بين الكافرين والمنافقين الذين لا يمكنونه من فعل ما أمر الله به.

стр. 135

وهذا النوع في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ (٢) . النوع الثاني من أنواع الهجر الشرعي: هجر من يظهر المنكرات حتى يتوب منها

стр. 136

وهذا الهجر على وجه التأديب، فهو بمنزلة التعزير والعقوبة لمن يفعل المنكرات، والتعزير يكون لمن ظهر منه ترك الواجبات وفعل المحرمات، فإن المنكرات الظاهرة يجب إنكارها، بخلاف الباطنة، فإن عقوبتها على صاحبها خاصة، ومثال ذلك من السنة: هجر النبي ﷺ والمسلمين الثلاثةَ الذين خلّفوا، حتى أنزل الله توبتهم، حين ظهر منهم ترك الجهاد المتعيّن عليهم بغير عذر، ولم يهجر من أظهر الخير وإن كان منافقًا، ولهذا فرق السلف والأئمة بين الداعية إلى البدعة وغير الداعية، فالداعي لا تقبل شهادته، ولا يصلّ خلفه، ولا يؤخذ عنه العلم، ولا ينكح؛ لأنه أظهر المنكرات فاستحق العقوبة، بخلاف الكاتم، فإنه ليس شرًّا من المنافقين الذين كان النبي ﷺ يقبل علانيتهم، ويكل سرائرهم إلى الله مع علمه بحال كثير منهم.

стр. 137

٣- الحكمة من الهجر الشرعي: هجر شرع لحكمة ومصلحة ورحمة كسائر ما شرعه الله، فإن الله حكيم يفعل لحكمة، ويخلق لحكمة، ويشرع لحكمة، والحكمة من الهجر هي زجر المهجور وتأديبه، ورجوع العامة عن مثل حاله، إذ المقصود به بيان الحق ورحمة الخلق.

стр. 138

٤ - بيان من يشرع معه الهجر من الناس ومن لا يشرع: الهجر يشرع في حق العصاة والمذنبين، أما الكافر فلا يشرع في حقه الهجر، إذ إن عقوبته على كفره أعظم من الهجر، وليس الهجر مشروعًا في حق جميع العصاة والمذنبين من أهل الإسلام، بل يراعي المهاجر المصلحة الراحجة في الهجر أو الترك، فإن الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم، وقلتهم وكثرتهم، فإن المقصود به زجر المهجور وتأديبه ورجوع العامة عن مثل حاله، فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر أو خفته كان مشروعًا، وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك، بل يزيد الشر، والهاجر ضعيف، بحيث تكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته لم يشرع الهجر، كما لو أفضى إلى التقاطع والتدابر والتباغض والتحاسد.

стр. 139

وقد يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر، والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف، ولهذا كان النبي ﷺ يتألف قومًا ويهجر آخرين، فهجر الثلاثة الذين خلفوا، مع أنهم كانوا خيرًا من أكثر المؤلفة قلوبهم، لأنهم كانوا سادة مطاعين في عشائرهم، فكانت المصلحة الدينية في تأليف قلوبهم، والثلاثة كانوا مؤمنين والمؤمنون سواهم كثير، فكان في هجرهم عز الدين وتطهيرهم من ذنوبهم، فالصالح أنه يراعى في الهجر والترك الأحوال والمصالح، وجواب الأئمة كأحمد وغيره في هذا الباب مبني على هذا الأصل، ويشبه هذا مراعاة المصلحة والحال فيما يفعل مع العدو، فإن المشروع في العدو القتال تارة، والمهادنة تارة، وأخذ الجزية تارة، كل ذلك بحسب الأحوال والمصالح.

стр. 140

٥- بيان نهاية وقت الهجر للمهجور: قدر الذي ينبغي أن يهجر لأجله هو التوبة؛ لأن المقصود به زجر المهجور وتأديبه، فإذا تاب فقد حصلت الحكمة من الهجر، وهو الانزجار والتأديب، لكن ينبغي أن يعلم أن المعاصي متفاوتة في الحد والمقدار، فمنها الكبائر ومنها الصغائر، فيهجر العاصي على قدر ما ارتكبه من الذنوب، ولا يسوّى بين الذنوب في الهجر ويجعل ذلك بابًا واحدًا.

стр. 141

٦- بيان هل يفرق بين الأحوال والأشخاص والأزمان في الهجر: فرق بين الأحوال والأشخاص والأزمان في الهجر بحسب المصلحة، كما تبين من الحكمة في الهجر، فزمان يهجر فيه، وزمان لا يهجر فيه، كما إذا كان الناس حدثاء عهد بجاهلية، فينبغي أن يراعى في حقهم الأصلح، من التأليف وترغيبهم في الإسلام، ودخولهم فيه وعدم تنفيرهم، ليعلموا أن هذه الملة المحمدية حنيفية في الدين، سمحة في العمل، كما قال ﷺ لما جاء أهل الحبشة يلعبون بحرابهم في المسجد، فقام ينظر إليهم وقال: «لِتَعْلَمَ يَهُودُ أَنَّ فِي دِينِنَا فُسْحَةً إِنِّي بُعِثْتُ بِحَنِيفِيَّةٍ سَمْحَةٍ» (١) (٢) وإذا كان الناس في زمن قوة الدين وعزته، والقوة والغلبة للدعاة والآمرين بالمعروف والناهيين عن المنكر، استعمل الهجر لأن المصلحة فيه, وكذلك الأشخاص، شخص يهجر وشخص لا يهجر، فيفرق بين الأئمة المطاعين والقادة والأكابر وغيرهم، فلا يهجر القادة الذي يرون أن في ذلك غضاضة عليهم ونقصًا في حقهم، الذين ربما حصل منهم بسبب الهجر تعدّ بيد أو لسان، لأن من القواعد الشرعية: أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح, ومن عاداهم يهجر إذا كانت المصلحة في الهجر.

стр. 142

وكذلك الأحوال يراعى فيها الأصلح, كما يراعى في الأزمان والأشخاص، وكذلك الأماكن، يفرق فيها بين التي تكثر فيها البدع والمعاصي والتي تقلّ، وإذا عرف مقصود الشريعة سلك في حصوله أقرب الطرق الموصلة إليه.

стр. 143

٧- بيان هل يجتمع في الشخص الواحد سبب الموالاة وسبب المعاداة: فيكون منه خير وشر، وبرّ وفجور، وطاعة ومعصية، فيحب من وجه ويبغض من وجه، وبيان الشخص الذي يحب جملة والذي يبغض جملة، والذي يحب من وجه ويبغض من وجه. المسلم له على المسلم حقوق في الإسلام يجب مراعاتها، وقد يكون له من الذنوب والمعاصي ما يوجب بغضه ومعاداته عليها، فيجتمع في الرجل الواحد خير وشرّ، وبرّ وفجور، وطاعة ومعصية، وسنة وبدعة، فيجتمع فيه موجبا الإكرام والإهانة، فيستحق من الموالاة والمحبة والثواب بقدر ما فيه من الخير، ويستحق من المعاداة والبغض والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيحب ويوالى ويكرم من وجه، ويبغض ويعادى ويهان من وجه آخر، ومثاله اللصّ الفقير، تقطع يده لسرقته، ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته. هذا أصل درج عليه أهل السنة والجماعة واتفقوا عليه، فقالوا: إن الله يعذب بالنار من أهل الكبائر من يعذبه، ثم يخرجهم بشفاعة من يأذن له في الشفاعة وبفضله ورحمته، كما استفاضت بذلك السنة.

стр. 144

وخالفهم في هذا الأصل الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم، فلم يجعلوا الناس إلا مستحقًّا للثواب فقط، أو مستحقًّا للعقاب فقط، وأنكروا أن يجتمع في الرجل الواحد موجبا الإكرام والإهانة، وموجبا الموالاة والمعاداة، والحب والبغض، والثواب والعقاب، فخالفوا بذلك نصوص الكتاب والسنة، وسلف الأمة. وأما الشخص الذي يحب جملة: فهو من آمن بالله ورسوله وقام بوظائف الإسلام ومبانيه العظام، علمًا وعملًا واعتقادًا، وأخلص أعماله وأفعاله وأقواله لله وانقاد لأوامره، وانتهى عما نهى الله عنه ورسوله، وأحب في الله ووالى في الله، وأبغض في الله وعادى في الله، وقدَّم قول رسوله ﷺ على قول كل أحد كائنًا من كان، إلى غير ذلك من القيام بحقوق الإسلام وشرائعه.

стр. 145

وأما الذي يبغض جملة: فهو من كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ولم يؤمن بالقدر خيره وشره، وأنه كله بقضاء الله وقدره، أو أنكر البعث بعد الموت، أو ترك أحد أركان الإسلام الخمسة، أو أشرك بالله في عبادته أحدًا من الأنبياء والأولياء الصالحين، وصرف لهم نوعًا من أنواع العبادة، كالحب والدعاء، والخوف والرجاء، والتعظيم والتوكل، والاستغاثة والاستعاذة والاستعانة، والذبح والنذر والإنابة والذل، والخضوع والخشوع والخشية والرغبة والرهبة، والتعلق على غير الله في جميع الطلبات وكشف الكربات، وإغاثة اللهفات، أو ألحد في أسماء الله وصفاته واتبع غير سبيل المؤمنين، أو من قام به ناقض من نواقض الإسلام، وبالجملة فهو من ترك جميع المأمورات وارتكب جميع المحذورات. وأما الذي يحب من وجه ويبغض من وجه آخر: فهو المسلم الذي خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا، فيحب ويوالى على قدر ما معه من الخير، ويبغض ويعادى على قدر ما معه من الشر (١) .
следующие страницы →