٣- ودلت السنة الصحيحة على أن من يأمر بالمعروف ولا يفعله، وينهى عن المنكر ويفعله أنه حمار من حمر جهنم، يجرّ أمعاءه فيها، فأخرج الشيخان في صحيحهما من حديث أسامة بن زيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّاِر فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ، فَيَدُورُ بِهَا فِي النَّارِ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ، فَيُطِيفُ بِهِ أَهْلُ النَّارِ، فَيَقُولُونَ: أَيْ فُلَانُ، مَا أَصَابَكَ؟ أَلَمْ تَكُنْ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنِ الْمُنْكَرِ؟ فَيَقُولُ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ» (١) ومعنى تندلق أقتابه: تتدلى أمعاؤه والعياذ بالله، كما دل القرآن على أن المأمور إذا أعرض عن التذكرة كحمار أيضًا، قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ (٢) .
стр. 72
٤- وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ «رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي رِجَالًا تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ، كُلَّمَا قُرِضَتْ رَجَعَتْ، فَقُلْتُ لِجِبْرِيلَ مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ خُطَبَاءُ مِنْ أُمَّتِكَ، كَانُوا يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا يَعْقِلُونَ» (١) أخرجه الإمام أحمد وابن أبي شيبة
وعن ابن عباس أنه جاء رجل فقال له: يا ابن عباس إني أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر. فقال ابن عباس أوَ بلغت ذلك؟ فقال: أرجوه, قال: فإن لم تخش أن تفتضح بثلاثة أحرف في كتاب الله فافعل. قال: وما هي؟ قال: قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ (٢) الآية، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٣) وقوله تعالى عن العبد الصالح شعيب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ (٤) الآية، أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ولقد أحسن القائل:
стр. 73
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم
والقائل الآخر:
وغير تقي يأمر الناس بالتقى ... طبيب يداوي الناس وهو مريض
والقائل الآخر:
فإنك إذ ما تأت ما أنت آمر ... به تلق من إياه تأمر آتيا
تنبيه:
هذا الوعيد الشديد الذي ذكر في الآيات والأحاديث من اندلاق الأمعاء في النار، وقرض الشفاه بمقاريض من نار، ومقت الله ليس على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنما هو على ارتكابه المنكر عالمًا بذلك وهو ينصح الناس عنه، وعلى تركه المعروف عالمًا بذلك وهو يأمر الناس به ويرغبهم فيه ويحثهم عليه، فالوعيد على المعصية لا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأنه في حدّ ذاته خير وهدى، وبهذا يتبين أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير ساقط عن صالح ولا طالح كما سبق، وأن العدالة لا تشترط في الآمر والناهي، وأن المسلم عليه واجبان: واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وواجب العمل بما يأمر به من المعروف، واجتناب ما ينهى عنه من المنكر، فإذا فعل واحدًا من الواجبين وترك واحدًا، أو تركهما معًا فعليه الوعيد.
стр. 74
وخلاصة القول: أنه لا تلازم بين أمر الإنسان بالمعروف وفعله له، ونهيه عن المنكر وتركه له، وأنه يجب على المسلم فعل ما يستطيع من ذلك، وعدم المانع فعليه الوعيد كما سبق في كلام القرطبي والنووي وغيرهما من العلماء (١) .
стр. 75
الفصل الثالث
في شروط المتصدي للدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الأعمال الواجبة الفاضلة، بل هو من أوجب الأعمال وأفضلها وأحسنها، والله تعالى خلقنا لعبادته وطاعته ليبلونا أيُّنا أحسن عملًا كما قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (١) وحدّ العمل الصالح الحسن المقبول عند الله ما كان خالصًا صوابًا، كما قال الفضيل بن عياض أخلصه وأصوبه، فإن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة.
وإذا كان حدّ العمل الصالح ما اجتمع فيه هذين الأمرين العظيمين:
أحدهما: أن يراد به وجه الله.
والثاني: أن يكون موافقًا لشرع الله.
فالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر والداعي إلى الله، يجب أن يتوفر في عمله هذين الأمرين: الإخلاص وصلاح العمل، ولا يكون عمله صالحًا حتى توجد فيه الشروط التالية:
١- العلم والفقه قبل الأمر والنهي
стр. 76
فإن فقد العلم حلّ محله الجهل والضلال واتباع الهوى، وفي حديث معاذ بن جبل ﵁ " العلم إمام العمل وتابعه ".
وقال عمر بن عبد العزيز "من عبد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح" وبالعلم والفقه يحصل الفرق بين أهل الجاهلية وأهل الإسلام، والعلم في هذا المقام لا بد منه ويكون في ثلاثة أمور:
أحدها: العلم بالمعروف والمنكر والتمييز بينهما.
ثانيها: العلم بحال المأمور وبحال المنهي.
ثالثها: العلم بإتيانه بالأمر والنهي بالصراط المستقيم الذي هو أقرب الطرق إلى حصول المقصود، وهو الصلاح ولهذا قيل: ليكن أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر غير منكر.
٢- الرفق مع الأمر والنهي
فإن الاستجابة والانقياد والإذعان من المأمور والمنهي لا تكاد تتخلف، إذا قارن الرفق الأمر والنهي والدعوة إلى الله، كما قال النبي ﷺ «إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ، وَيُعْطِي عَلَيْهِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ» (١)(٢) .
وقال في حديث آخر: «مَا كَانَ الرِّفْقُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا كَانَ الْعُنْفُ فِي شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ» (٣)(٤) .
٣- الحلم والصبر على الأذى بعد الأمر والنهي
стр. 77
فإن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر والداعية إلى الله لا بد أن يحصل له أذى، فإن لم يحلم ويصبر كان ما يفسد أكثر مما يصلح، ولهذا أمر الله الرسل - وهم أئمة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر- بالصبر، كما قال تعالى لخاتم الرسل: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (١) .
بل الأمر بالصبر مقرون بتبليغ الرسالة، حيث افتتح الله آيات الإرسال إلى الخلق بالأمر بالنذارة، ونفس الإنذار أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وختمها بالأمر بالصبر، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ (٢) فدل ذلك على أن الصبر يجب بعد الأمر والنهي.
وفي وصية لقمان لابنه الأمر بالصبر في قوله تعالى: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٣) .
стр. 78
وقد أمر الله بالصبر في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ (١) وقوله: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ (٢) وقوله: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ (٣) ٤٨ - سورة القلم وقوله: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ (٤) وقوله: ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٥) .
فلهذه الأمور الثلاثة لا بد منها لكل داعٍ إلى الله وآمر بالمعروف، وناهٍ عن المنكر العلم والرفق والصبر، وجاء في الأثر عن بعض السلف: "لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فقيهًا فيما يأمر به، فقيهًا فيما ينهى عنه، رفيقًا فيما يأمر به، رفيقًا فيما ينهى عنه، حليمًا فيما يأمر به، حليمًا فيما ينهى عنه".
تنبيه:
стр. 79
اشتراط هذه الخصال الثلاث في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيه صعوبة على كثير من الناس، فيتصور أنها لا تتحقق فيه وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يسقط عنه فيتركه، وهذا خطأ؛ فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب عظيم، فتركه معصية، وإنما الواجب عليه أن يتقي الله ما استطاع، وأن يستصحب من هذه الخصال الثلاث مع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحسب وسعه وطاقته كما قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١) وقال النبي ﷺ «مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (٢)(٣) وبهذا يكون قد اتقى الله ما استطاع في أداء هذا الواجب العظيم، وسلك طريق الاعتدال وهو الصراط المستقيم، الذي هو أقرب الطرق إلى حصول المقصود وهو الصلاح والإصلاح (٤) .
стр. 80
المفاسد المترتبة على عدم التخلق بهذه الخصال الثلاث عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
١- العلم:
الداعي إلى الله لا بد أن يكون على بصيرة فيما يأمر به وفيما ينهى عنه، وهي الدليل الواضح الذي لا لبس في الحق معه، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (١) فإن كان جاهلًا فقد يأمر بما ليس بمعروف، وينهى عما ليس بمنكر، لا سيما في هذا الزمن الذي انتشر فيه الجهل، وصار المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا عند كثير من الناس.
٢- الرفق:
ينبغي للداعية أن تكون دعوته إلى الله بالحكمة واللطافة مع إيضاح الحق، كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (٢) فإن كانت دعوته بقسوة وعنف وخرق، فإنها تضر أكثر مما تنفع، وكانت سببًا في نفرة المأمور والمنهي، وربما أخذته العزة بالإِثم فاستمر على ما هو عليه من المنكر وترك المعروف، أو زاد في ذلك بسبب طريقة الداعية الخرقاء. (٣)
٣- الصبر:
стр. 81
الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لا بد له من الصبر؛ لأن الأمر بالمعروف وظيفة الرسل وأتباعهم وهو مستلزم للأذى من الناس؛ لأنهم مجبولون بالطبع على معاداة من يخالفهم في أهوائهم وشهواتهم وأغراضهم فيعادونه ويؤذونه، ولهذا لما قال النبي ﷺ لورقة بن نوفل في أول البعثة حين أخبره أن قومه سيخرجونه: «أومخرجيّ هم؟» أخبره أن هذا الدين الذي جاء به لم يأت به أحد إلا عودي، وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: "ما ترك الحق لعمر صديقًا".
فإذا لم يصبر على الأذى لزم من ذلك، إما تعطيل هذا الواجب العظيم -الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- وإما حصول فتنة وفساد بسبب عدم احتمال الأذى من تعدٍّ على المأمور أو المنهي بالقول أو بالفعل، وقد يؤدي عدم الصبر على الأذى إلى الانتصار للنفس، فيخرج بذلك عن كونه منتصرًا لله ولرسوله ولدينه، وعن الغيرة لله ولحرماته إلى الانتصار لنفسه والحمية لها، وذلك معصية وفساد (١) .
стр. 82
قال الشيخ تقي الدين "الصبر على أذى الخلق عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن لم يستعمل، لزم أحد أمرين: إما تعطيل الأمر والنهي، وإما حصول فتنة ومفسدة أعظم من مفسدة ترك الأمر والنهي، أو مثلها أو قريب منها، وكلاهما معصية وفساد، قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (١) فمن أمر ولم يصبر، أو صبر ولم يأمر، أو لم يأمر ولم يصبر حصل من هذه الأقسام الثلاثة مفسدة، وإنما الصلاح في أن يأمر ويصبر" اهـ (٢) .
وقال القرطبي في تفسيره على آية لقمان ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ (٣) قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ (٤) يقتضي حضًّا على تغيير المنكر وإن نالك ضرر، فهو إشعار بأن المغيّر يؤذى أحيانًا" اهـ (٥) .
стр. 83
وقال ابن كثير في تفسير على آية لقمان أيضًا ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (١) "أي: بحسب طاقتك وجهدك ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ (٢) علم أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لا بد أن يناله من الناس أذى، فأمره بالصبر، وقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٣) أي: إن الصبر على أذى الناس لمن عزم الأمور" اهـ (٤) .
стр. 84
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسيره على آية لقمان ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (١) "وذلك يستلزم العلم بالمعروف ليأمر به، والعلم بالمنكر لينهى عنه، والأمر بما لا يتم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا به من الرفق والصبر، وقد صرح به في قوله: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ (٢) ومن كونه فاعلًا لما يأمر به كافًّا لما ينهى عنه، فتضمن هذا تكميل نفسه بفعل الخير وترك الشر، وتكميل غيره بذلك بأمره ونهيه، ولما علم أنه لا بد أن يبتلى إذا أمر ونهى، وأن في الأمر والنهي مشقة على النفوس، أمره بالصبر على ذلك فقال: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ﴾ (٣) الذي وعظ به لقمان ابنه ﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٤) أي: من الأمور التي يعزم عليها ويهتم بها، ولا يوفق لها إلا أهل العزائم" اهـ (٥) .
стр. 85
تنبيه:
لا يحكم على الأمر بأنه منكر إلا إذا قام عليه دليل من كتاب الله تعالى، أو سنة نبيه ﷺ أو إجماع المسلمين
وأما ما لا نص فيه فهو من مسائل الاجتهاد، ولا يحكم على أحد المجتهدين المختلفين بأنه مرتكب منكرًا؛ لأن المصيب مأجور بإصابته والمخطئ معذور، كما هو مقرر في علم الأصول (١) .
стр. 86
أمثلة للمعروف الذي يأمر به المحتسب والداعي إلى الله تعالى
١- توحيد الله عز وجل
стр. 87
لأنه أعرف المعروف، وأعظم واجب وأفضله، ولأجله أوجد الله الثقلين الجن والإنس، وهو الشهادة لله بالوحدانية، وإفراده سبحانه بالعبادة والإنابة والمحبة والذل والخضوع، والدعاء والنذر والرغبة والرهبة والخشوع والاستعاذة، وغير ذلك مما هو خالص حق الله على عباده، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (٣) وفي حديث معاذ قال: «كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى حِمَارٍ فَقَالَ لِي: يَا مُعَاذُ أَتَدْرِي مَا حَقُّ الَّلهِ عَلَى الْعِبَادِ، وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ؟ فَقُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ, قَالَ: حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا, قُلْتُ: أَفَلَا أُبَشِّرُ النَّاسَ, قَالَ: لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا» (٤)(٥) .
٢- الإيمان بالرسول ﷺ
стр. 88
ومحبته أعظم من محبة الولد والوالد والنفس والناس أجمعين، وطاعته وتصديقه وعبادة الله بما شرعه، والإيمان بالرسول وطاعته تابع للإيمان بالله والشهادة له بالوحدانية؛ فإن الشهادة لله بالوحدانية لا تقبل إلا مقرونة بالشهادة لنبيه بالرسالة، كما قد قرن بين الشهادتين في مواطن متعددة، كما في الأذان والإقامة، وخطبة الجمعة والحاجة والتشهد، وغير ذلك.
٣- الصلاة
وهي أعرف المعروف من الأعمال، وهي عمود الإسلام وأعظم شرائعه وهي قرينة الشهادتين، وفرضها الله ليلة المعراج، وخاطب بها الرسول بلا وساطة، وهي آخر ما وصى به الرسول أمته، وهي المقرونة بالصبر وبالزكاة وبالنسك وبالجهاد في مواضع من كتاب الله، وهي المخصوصة بالذكر في كتاب الله تخصيصًا بعد تعميم، وأمرها أعظم من أن يحاط به.
٤- الزكاة
لأنها حق المال وهي قرينة الصلاة في كتاب الله تعالى، وأحد أركان الإسلام ومبانيه العظام، وقد قاتل أبو بكر الصديق ﵁ الممتنعين من أدائها مع أهل الردة وقال: "وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهِ" (١) .
٥- الصيام
стр. 89
لأنه الركن الرابع من أركان الإسلام، وهو سرّ بين العبد وربه، وقد اختصه الله تعالى لنفسه من بين الأعمال، كما في الحديث القدسي: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائََةِ ضِعْفٍ، إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» (١)(٢) .
٦- الحج
لأنه الركن الخامس من أركان الإسلام، وهو عبادة مركبة من المال والبدن، وفيه مجاهدة للنفس يتحمل الصعاب والمشاق وبذل المال، وترك الأهل والولد والوطن والأصحاب، وفيه فعل عبادات متنوعة في المشاعر المقدسة.
٧- الصدق والأمانة
وهما يكونان في الأقوال والأفعال، فيأمر المحتسب بالصدق في الأقوال، والصدق في الأفعال، وبأداء الأمانة قولًا وفعلًا، كما قد أمر الله بذلك في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٣) وفي قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٤) وغير ذلك من النصوص.
٨- بر الوالدين وصلة الأرحام
стр. 90
فقد أمر الله بذلك في قوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ (١) الآية لأن أولى الناس ببرِّك وعطفك هم أقاربك، وأقرب الناس للإنسان والداه، فهما السبب في وجوده؛ ولذلك أمر الله بالإحسان إليهما في مواضع متعددة، وقرن حقهما بحقه سبحانه في مواطن من القرآن، ثم بعد ذلك الأقارب علي حسب قربهم، فكل من قرب عظم حقه كما في الحديث الذي فيه: «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: أُمَّكَ وَأَبَاكَ، وَأُخْتَكَ وَأَخَاكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ» (٢)(٣) .
٩- ومن المعروف: حسن العشرة مع الأهل، والإحسان إلى الجيران والأيتام والأرامل والمساكين، والإحسان إلى الناس بماله وعلمه وجاهه، وحسن الخلق معهم وكف الأذى.
١٠- ومن المعروف: تلاوة كتاب الله بتدبر وتعقل، والإكثار من ذكر الله وشكره، واستعمال جوارحه في طاعة الله، واكتساب المال من وجوه الحلال، وإنفاقه في سبل الخيرات.
стр. 91
أمثلة للمنكرات المتفشية في المجتمعات الإسلامية التي ينهى المحتسب ويحذر منها
١- الكفر بالله والشرك به
وهو أعظم ذنب وأكبر معصية، وأعظم الكفر وأغلظه إنكار وجود الله وعبادة المادة، وهو مبدأ الشيوعية الحاقدة الملحدة، فإن مبدأهم -لا إله والحياة مادة- وقد انتشر هذا المبدأ في المجتمعات الإسلامية واعتنقه بعض شبابها، وأُلفت الكتب وقررت النظريات وألقيت المحاضرات التي تثبت وجود الله، وأن هذا الكون لا بدّ له من مدبّر، ولا شك أن هذا الكفر والإلحاد أعظم أنواع الكفر على الإطلاق، وكفر كل كافر جزء من كفر هؤلاء، وهم أعظم كفرًا من كفار قريش وأبي جهل واليهود والنصارى وغيرهم، ثم الشرك بالله ذنب عظيم وحوب كبير، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (١) .
стр. 92
وهو دعوة غير الله مع الله، أو صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله، كتعظيم الأولياء والصالحين بدعائهم، والاستغاثة بهم، والذبح أو النذر أو الاستعاذة بهم، أو الطواف حول قبورهم، وغير ذلك من أنواع العبادة التي هي خالص حق الله، وقد أخبر الله أن الشرك غير مغفور قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١) وهذه الأمور منتشرة في كثير من البلدان الإسلامية، فيجب على المحتسب أن ينهى عنها ويحذر منها أشد التحذير، وينكر على القبوريِّين هذه الأشياء، من دعوتهم لهم وطلب المدد وتفريج الكربات والطواف بهم؛ لأنهم سوَّوْهم بالله، حيث صرفوا لهم محض حق الله، وقد أخبر الله عن أهل النار أنهم حينما يختصمون في النار هم والغاوون يتبيّن لهم ضلالهم حين سوّوهم بالله في العبادة، قال تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾ ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) .
стр. 93
ومن أنواع الكفر: إنكار رسالة محمد ﷺ أو اعتقاد أنها خاصة بالعرب، أو اعتقاد أن شريعته غير كاملة أو شاملة، أو لا تصلح لهذا العصر، أو الحكم بغير ما أنزل الله مع اعتقاد أنه أحسن من حكم الله، أو مماثل له، أو له الخيرة في ذلك.
ومن أنواع الكفر التي يرتد بها عن الإسلام من وقع فيها، الاستهزاء والسخرية بالله أو رسوله، أو كتابه أو سنته، أو بالمتخلق بالسنة لأنه تخلّق بها، أو إنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة من الواجبات أو المحرمات بدون شبهة.
٢- ترك الصلوات وإضاعتها، أو تأخيرها عن وقتها، أو التهاون بها
стр. 94
وذلك من المنكرات العظيمة التي يجب على المحتسب إنكارها والتحذير منها، فإن ترك الصلوات معصية عظيمة توجب القتل، حتى لو تركها كسلًا فإنه يقتل حدّا، وعند طائفة من العلماء يقتل كفرًا بعد الاستتابة، وتأخيرها عن وقتها من كبائر الذنوب، فينبغي المحافظة عليها في الجُمع والجماعات؛ لأنها أعظم الأعمال، وهي من الشعائر الظاهرة، ولهذا كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ يكتب إلى عماله: "إن أهم أمركم عندي الصلاة، من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها كان لما سواها أشد إضاعة" رواه مالك وغيره (١) .
٣- مسابقة الإمام في الركوع والسجود والخفض والرفع
стр. 95
وهي من المنكرات في الصلاة التي ابتلي بها كثير من المأمومين خداعًا من الشيطان لهم، والواجب على المأموم أن يكون تابعًا لإمامه لا سابقًا له، فلا يكبر المأموم حتى يكبر الإمام وينقطع صوته، كما في حديث أبي موسى قال رسول الله ﷺ «إِذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا، وَإِذَا قَالَ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (١) فَقُولُوا: آمِينَ، يُحِبُّكُمُ اللَّهُ، وَإِذَا كَبَّرَ وَرَكَعَ فَكَبِّرُوا وَارْفَعُوا» الحديث.
وقد أنكر الإمام أحمد ﵀ في رسالة الصلاة مسابقة الإمام، وبيَّن أنها منكر، فقال ما نصه: "والمضيع لصلاته الذي يسابق الإمام فيها، ويركع ويسجد معه، أو لا يتم ركوعه، ولا سجوده إذا صلى وحده، فقد أتى منكرًا؛ لأنه سارق".
стр. 96
وقال أيضًا: "فرحم الله رجلًا رأى أخاه يسبق الإمام فيركع أو يسجد معه، أو يصلي وحده فيسيء في صلاته، فينصحه ويأمره وينهاه ولم يسكت عنه، فإن نصيحته واجبة عليه لازمة له، وسكوته عنه إثم ووزر، وإن الشيطان يريد أن تسكتوا عن الكلام فيما أمركم الله به، والنصيحة التي عليكم بعضكم لبعض؛ لتكونوا مأثومين مأزورين، وأن يضمحل الدين ويذهب، وأن لا تحيوا سنة، ولا تميتوا بدعة، فأطيعوا الله بما أمركم به من التناصح والتعاون على البر والتقوى، ولا تطيعوا الشيطان؛ فإن الشيطان لكم عدو مبين، بذلك أخبركم الله فقال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ (١) " اهـ (٢) .
٤- ترك الطمأنينة في الصلاة، وعدم إتمام الركوع والسجود، والإساءة فيها، ونقرها كنقر الغراب
وذلك من المنكرات المنتشرة بين المصلين، خصوصًا من كان يصلي وحده، أو يقضي ما فاته من صلاته مع الإمام، أو كان يصلي في السفر، فتجد كثيرًا من المصلين في هذه الحالات الثلاث، لا يطمئن في صلاته، ولا يتم الركوع ولا السجود، وهذا خلل عظيم في الصلاة، وسرقة منها.
стр. 97
قال الإمام أحمد في "رسالة الصلاة" ما نصه: "وقد جاء الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «أَسْوَأُ النَّاسِ سَرِقَةً الَّذِي يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ, قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ؟ قَالَ: لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا» (١) فسارق الصلاة قد وجب الإنكار عليه ممن رآه والنصيحة له، أرأيت لو أن سارقًا سرق درهمًا، ألم يكن ذلك منكرًا، ويجب الإنكار عليه ممن رآه؟ فسارق الصلاة أعظم سرقة من سرقة الدرهم، وجاء الحديث عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «مَنْ رَأَى مَنْ يُسِيءُ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَنْهَهُ شَارَكَهُ فِي وِزْرِهَا وَعَارِهَا» وجاء في الحديث عن بلال بن سعد أنه قال: " الْخَطِيئَةُ إِذَا خَفِيَتْ لَمْ تَضُرَّ إِلَّا صَاحِبَهَا، فَإِذَا ظَهَرَتْ وَلَمْ تُغَيَّرْ ضَرَّتِ الْعَامَّةَ " وإنما تضر العامة لتركهم ما يجب عليهم من الإنكار والتغيير على الذي ظهرت منه الخطيئة، فلو أن عبدًا صلى حيث لا يراه الناس، فيضيع صلاته ولم يتم الركوع ولا السجود كان وزر ذلك عليه، وإن صلى حيث يراه الناس، وضيع صلاته، فلم يتم ركوعها ولا سجودها، كان وزر ذلك عليهم"
стр. 98
اهـ (١) .
٥- أن يقصد بعمل الآخرة الدنيا وحطامها، أو الرياء والمفاخرة والسمعة
كتعلم العلم الشرعي بقصد الحصول على المال أو المنصب والجاه، أو بقصد المفاخرة والسمعة، أو تأليف الكتب لأجل ذلك، أو بذل المال وإنفاقه في سبل الخيرات لأجل المفاخرة والمراءاة أو السمعة، فإن ذلك من أقبح المقاصد، وعمل صاحبه باطل وحابط، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢) .
وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ (٣) .
وقال ﷺ «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهَ اللَّهِ، لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يَرُحْ رَائِحَةِ الْجَنَّةِ» (٤)(٥) .
стр. 99
وفي حديث أبي هريرة «أَوَّلُ خَلْقِ اللَّهِ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةٌ: عَالِمٌ وَمُجَاهِدٌ وَمُتَصَدِّقٌ؛ لِأَنَّهُمْ قَصَدُوا بِأَعْمَالِهِمْ مُرَاءَاةَ النَّاسِ، فَالْأَوَّلُ قَصَدَ مِنْ عِلْمِهِ أَنْ يُقَالَ: عَالِمٌ وَقَارِئٌ، وَالثَّانِي قَصَدَ مِنْ جِهَادِهِ أَنْ يُقَالَ: شُجَاعٌ وَجَرِيءٌ، وَالثَّالِثُ قَصَدَ مِنْ إِنْفَاقِهِ أَنْ يُقَالَ: جَوَادٌ كَرِيمٌ» (١)(٢) .
٦- التعامل بالربا
وهو من المنكرات المنتشرة في البلدان الإسلامية، وقد عدّه النبي ﷺ من السبع الموبقات: وهي الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس بغير حق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات, وقد توعده الله بالحرب في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (٣) .
٧- بيوع الغرر
стр. 100
ويدخل في ذلك التأمين بصوره المتنوعة الذي انتشر في العصر الحاضر: كالتأمين على النفس، أو التأمين على السيارة، أو التأمين على البضاعة، أو غير ذلك؛ لما فيه من الضرر والمخاطرة والجهالة، فهو من أكل المال بالباطل، وما يشبه بيع المعاومة وبيع السنين، وهو بيع الشجر أعوامًا، الذي نهى عنه في حديث جابر قال: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ وَالْمُعَاوَمَةِ وَالْمُخَابَرَةِ» (١) وفي لفظ بدل المعاومة: «وَعَنْ بَيْعِ السِّنِينَ» (٢)(٣) ويشبه بيع الملامسة والمنابذة وحبل الحبلة التي نهى عنها في الأحاديث، ويشبه بيع الثمار قبل بدوّ صلاحها، كما في حديث ابن عمر «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُبْتَاعَ» (٤)(٥) والحكمة في نهي كل من البائع والمبتاع، هي بالنسبة للبائع لئلا يأكل مال أخيه بالباطل، وبالنسبة للمشتري لئلا يضيع ماله، ويساعد البائع على الباطل (٦) .
стр. 101
ولذلك وضع الإسلام الجوائح، وبيّن أنه لو باع ثمرًا فأصابته جائحة وأخذ الثمن من المشتري، فإنه قد أخذ مالًا من أخيه بغير حق، وذلك صريح في الأحاديث، كحديث جابر «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَضَعَ الْجَوَائِحَ» (١) رواه أحمد والنسائي وأبو داود وفي لفظ لمسلم «أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ» (٢) وفي لفظ قال: «إِنْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا فَأَصَابَتْهَا جَائِحَةٌ فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ» (٣) رواه مسلم والنسائي وابن ماجه (٤) .
٨- الغش في المعاملات، وتطفيف المكيال والميزان، والكذب والخيانة في الأمانات
فهي من المنكرات المنتشرة التي ينكرها المحتسب وينهى عنها، والغش يكون في البيوع بكتمان العيوب وتدليس السلع، ويكون في الصناعات، فيجب نهيهما عن الغش والخيانة والكتمان، وبيان الوعيد على هذه الأفعال كقوله ﷺ «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» (٥)(٦) .
وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ (٧) .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ (٨) .
وهذه من الأمور المنكرة المنتشرة في أسواق المسلمين فمن وظيفة المحتسب إنكارها والتحذير منها، وبيان ما ينشأ عن ذلك من الفساد والفتنة، ومناصحتهن ومناصحة أولياء أمورهن، وبيان أنه ينبغي للمرأة أن تقرّ في بيتها ولا تخرج إلا لحاجة، وإذا خرجت فلتخرج محتشمة لابسة ثيابًا واسعة طويلة، بعيدة عن أماكن الرجال والاختلاط بهم؛ عملًا بقول الله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (١) وحذَّر من الوعيد الشديد الذي ورد في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ، يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ رُؤُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَتُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا» (٢)(٣) .
стр. 104
١٠- نظر الرجال إلى النساء والتلذذ بذلك، وكذلك نظر النساء إلى ما لا يحل لهن من الرجال والتلذذ بذلك
وكل ذلك من الأمور المنكرة التي ينكرها المحتسب، ويباح من ذلك نظر الفجاءة، فإنه لا إثم فيها؛ لعدم القصد والتعمد، وفي الحديث: «لَا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ؛ فَإِنَّ لَكَ الْأُولَى، وَلَيْسَتْ لَكَ الثَّانِيَةُ» (١)(٢) وما عدا ذلك فإنه غير معفو عنه، إذ إن النظرة سهم مسموم من سهام إبليس (٣) .
وسواء نظر إلى المرأة في سوق أو دكان أو مجلة أو تلفاز أو غير ذلك، وقد أمر الله بغض البصر في قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ (٤) .
١١- التصوير لذوات الأرواح
стр. 105
وهو من المنكرات المنتشرة، فمن وظيفة المحتسب إنكار ذلك وبيان ما فيه من الوعيد الشديد، كحديث عائشة «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا الَّذِينَ يُضَاهِئُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ» (١) وحديث ابن عباس «كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ يُجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفُسٌ يُعَذَّبُ بِهَا فِي جَهَنَّمَ» (٢)(٣) ولا سيما صور الزعماء والرؤساء لما يحصل بذلك من التعظيم، وصور النساء لما يحصل في ذلك من الفتنة والفساد.
١٢- سماع الغناء الذي يلهب النفوس ويقعدها
стр. 106
وهو من المنكرات المنتشرة في البلدان الإسلامية، وقد حصل بسبب ذلك من الفساد الصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة، وعن سماع القرآن وتلاوته، والبعد عن مجالس الذكر، وغير ذلك من الفتن والشرور، وقد ورد الوعيد الشديد على ذلك من الكتاب والسنة، فمن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (١) وفسَّر ثلاثة من الصحابة "لهو الحديث" بالغناء. وروى البخاري في صحيحه عن أبي مالك الأشعري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لَيَكُونَنَّ فِي أُمَّتِي قَوْمٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ» (٢)(٣) .
١٣- حلق اللحى أو نتفها أو تقصيرها، أو حلق العارضين منها
стр. 107
وهو من المنكرات المنتشرة، فيجب إنكارها وبيان السنة في ذلك، وإنه يجب إعفاؤها وتوفيرها؛ لما في ترك هذه السنة من ارتكاب النهي والتشبه بالكفار والنساء، لما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ، وَفِّرُوا اللِّحَى وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ» (١)(٢) وأخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «جُزُّوا الشَّوَارِبَ وَأَرْخُوا اللِّحَى، خَالِفُوا الْمَجُوسَ» (٣)(٤) .
١٤- الغيبة والنميمة
стр. 108
وهما من كبائر الذنوب، والغيبة: ذكرك أخاك بما يكره. والنميمة: نقل الكلام من شخص إلى شخص على وجه الإفساد, والغيبة والنميمة فاكهة كثير من الناس في مجالسهم، فهما من المنكرات المنتشرة، فيجب إنكارهما والتحذير منهما. وقد صور القرآن المغتاب بتصوير بشع، تنفر منه العقول السليمة، وتشمئز منه الفطر المستقيمة، وهو تشبيهه بمن يأكل لحم أخيه الميت، قال تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ (١)(٢) وتوعد النمام بوعيد شديد، ففي الحديث: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ» (٣)(٤) .
وقال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ (٥) .
١٥- استعمال المخدرات والمفترات أكلًا أو شربًا أو مصًّا
стр. 109
كالدخان والجراك والقات والشمّة وغيرها، فهي من المنكرات المنتشرة التي يجب على المحتسب إنكارها والتحذير منها؛ لما فيها من المفاسد والأضرار، من ضرر الجسد المؤثر على الصحة، وضياع المال، والسهر وضياع الوقت كما يحصل من القات، ولما فيها من الخبث والروائح المنتنة الكريهة الضارة بالجسم وبالمجاور لمستعملها، والله تعالى قد أحل لنا الطيبات وحرم علينا الخبائث، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ (١) وقال في وصف نبيه ﷺ مخاطبًا أهل الكتاب: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (٢) «ونهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتّر» (٣) «وحرَّم النبي ﷺ إضاعة المال وكثرة السؤال» (٤) .
١٦- السفر إلى بلاد المشركين والإقامة فيها
стр. 110
وذلك من كبائر الذنوب؛ لما ورد من الوعيد على ذلك، كما في حديث سمرة «مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكَ أَوْ سَكَنَ مَعَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ» (١)(٢) والحكم قد أنيط وعلق بالمشتق وهو المساكنة والمجامعة، وتعليق الحكم بالمشتق يؤذن بالعلّيّة كما هو معروف في الأصول، وقال ﷺ «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ، لَا تَرَاءَى نَارُهُمَا» (٣)(٤) وذلك لما يخاف في القدوم على المشركين من المخاطرة بالدين، ولا يجوز السفر إلا بشروط قررها العلماء -رحمهم الله تعالى- أخذًا من النصوص وهي:
١- أن يقدر على إظهار دينه والإعلان به، وذلك يستلزم أن يكون عارفًا بدينه بأدلته وبراهينه المتواترة في الكتاب والسنة؛ حتى يتأتى منه الإظهار لدينه، ولا يكفي في إظهار الدين فعل الصلوات فقط، بل لا بد من تكفير المشركين وعيب دينهم، والطعن عليهم، والبراءة منهم، والتحفظ من مودتهم والركون إليهم، واعتزالهم.
٢- أن يأمن من الفتنة في دينه، فإن خاف بإظهار دينه الفتنة بقهرهم وسلطانهم، أو بشبهات زخرفهم وأقوالهم، لم يبح له القدوم إليهم والمخاطرة بدينه.