← Адаб

Адаб · id 189

مجمع البحرين لليازجي = مقامات اليازجي

اليازجي، ناصيف

Полный текст (414 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

على الثرى محلول العرى، لا أسمع ولا أرى. فلم أنتبه إلا وقد ذر قرن الغزالة الضاحي ولا رجل ولا امرأة في تلك الضواحي. فاستعذت بالله من مكره ونكره، وثرت إلى الناقة لأرتحل في إثره. فلما دنوت من قتبها، إذا رقعة قد كتب بها: قل لسهيل إذ يهب في السحر: ... إعذر فخير الناس عندي من عذر! خلقت مطبوعاً على كيد البشر ... وليس للإنسان تغيير الفطر ولا يعاند القضاء والقدر ... إلا الذي عصى الإله أو كفر وإن تجد سيئة في ما ندر ... فكم وكم حسنة في ما عبر! وإن يكن غرك منها ما ظهر ... فتلك لا علم لها ولا خبر إلا الذي علمتها في ما استتر ... فإن ترد صاحب هذه الغرر فخذ أباها! إنه أم العبر ... والمهر من أمس إليه قد حضر جرياً على المفروض من حظ الذكر

стр. 107

فلما قرأت تلك الرقعة، عجبت من تلك الرقاعة، وعلمت أنه لا يحول عن هذه الصنعة ولا يترك هذه الصناعة. فشكرت نعمته إذ لم يأخذ الناقة، ورجعت أدراجي لما اعترض دون سفري من الفاقة. المقامة الخامسة عشر وتعرف بالرملية قال سيهل بن عباد: حللت بالرملة لوطر أقضية، ودين أقتضيه. فأقمت بها شهراً وكنت أحسبه دهراً. حتى إذا بلغت اللدنة، خرجت تحت الدجنة. وكان الشهر قد وقع في الأنين، فاعتسفت بين الشك واليقين أتجانف تارة ذات الشمال وأخرى ذات اليمين. وما زلت أخبط الظلماء، حتى أقمرت السماء.

стр. 108

فتبينت وجه الهدى وإذا أنا أمشي على مثل المدى، من حرار تلك الكدى. فوقفت كالحائر اللهف، لا نظر من أين تؤكل الكتف. وإذا ركب يضربون أكباد الإبل، وفي صدرهم شيخ ينشد بصوت زجل: يا من يرى ما لا يرى ولا يرى ... ويعلم السر وأخفى في الورى دعوتك اللهم إذا طال السرى ... ومالت الأعناق من خمر الكرى يسر لنا رزقاً من العرش جرى ... أو فاهدنا لباب رزق يعترى نعد إليه مثل عدو الشنفرى

стр. 109

قال: فلما سمعت ذلك الدعاء خشيت أن يستجاب وأكون أنا ذلك الباب. فوقعت في حيص بيص. إذ لم أجد لي من محيص. ولم يكن إلا كنغبة طائر حتى حمل علي كالثائر. وقال: قد أنجح ربك الطلب، فخل عن السلب. حتى إذا كاد يدركني بسنانه، أخذت جارية بعنانه، وقالت: بتربة خزام دعه يمضي لشانه. فلما آنست ريا الخزام، تفرست فإذا ميمون وليلى والغلام. فاطمأن هنالك قلبي، وانفثأت لوعة كربي. ونزلنا جميعاً على تلك السلام، وتطارحنا السلام بالسلام. وقضينا ثميلة ليلنا البارح، إلى أن صدح الصادح، وسكت للنابح. فقال أنا نريد الرملة، فهل أنت في الجملة؟ قلت: إن العود مع مثلك أحمد، ولو إلى برقة ثهمد. وقمنا

стр. 110

نسير الوحى، فدخلناها رائعة الضحى. وإذا أنا قد كنت أمشي مشية الرحى، ولما ألقينا العصا، أخذ الشيخ يتجهز لطرق الحصى. ثم قام بي يتفقد المعاهد، ويتعهد المشاهد. حتى انتهينا إلى مكتبة مكتظة بالطلبة فتخللنا المقام، وقلنا: سلاماً! قالوا: سلام. وكان بينهم شيخ قد لبس العمائم الثلاث فأشار إلى بعض أولئك الأحداث. وقال: هل تذكر الأبيات العواطل، أم ذهبت عنك بالباطل: فأنشد ولم يماطل: ألحمد لله الصمد ... حال السرور والكمد الله لا إله إلا ... الله مولاك الأحد لا أم لله ولا ... والد لا ولا ولد أول كل أول ... أصل الأصول والعمد الواسع الآلاء وال ... آراء علماً والمدد الحول والطول له ... لا درع إلا ما سرد

стр. 111

كل سواه هالك ... لا عددٌ ولا عدد صاح ادع مولاك لما ... أوعد واسأل ما وعد واصدع رداء اللهو وال ... مكر ودع سوء اللدد واسل المدام والمها ... وارم المراء والحسد وامح رسوماً ما لها ... حد ولا لها عدد وسامح المرء سها ... لما رماك أم عمد واردع هواك كارهاً ... ما ود واعكسي ما طرد واعلم وعلم واطرح ... أحكام عاد وأدد ودر مع الدهر كما ... دار ولو طال الأمد وسر مع الرود ودع ... حر السموم والومد

стр. 112

واعدد دواء الداء لل ... دهر وأكحال الرمد واسل وراء ماطر ... لماطل ولو رعد للمرء سهم مرسل ... وهماً وكم سهم صرد وكم وكم حلو له ... مر وكم وار صلد هول الحمام طالع ... مطلع روع كالأسد كأس لكل دورها ... والكل للكأس ورد وكل عمر كالكلا ... والدهر للكل حصد وكل رسم دارس ... وماهد وما مهد ألله أهل الله، را ... ع كل عدل وأود كل هواه عامل ... والله لكل رصد فقال: أحسنت يا بجير، يا سلافة الدير. ثم نادى: عكرمة،

стр. 113

هات أبياتك المعجمة. فبرز غلام أنقى من العاج، وأجمل من نصر بن حجاج. وأنشد: بشجي يبيت في شجن ... فتن ينتشبن في فتن شيق تيقٌ تجنب في ... نفق ضيق بقي ففني شغف شفني بذي تقة ... نجب شن جيش ذي يزن شيبة في شيبة خضبت ... بشقيق غضن ينض جني

стр. 114

بين جني شقة خشنت ... في قضيض تبيتني خشن قضت جفني بيقظة ثبتت ... غب بين فبت في غبن بي شقيق يغيب غيبة ذي ... ضغن بين تجنبني شيخ فن فتي شنشنة ... شب في بيت نخبة فبني ينتقي زين جنة جنيت ... يتقي شين ضنة بغني غيث فيض يفي فينبت في ... في قنن بغتةً بذي فنن فقال: حياك الله يا بني، وأقر بك عيني. ثم نادى: يا صلمعة بن

стр. 115

قلمعة، أين الأبيات الملمعة؟ فوثب يافع من الأنباط معتدل الشطاط. وأنشد: أسمر كالرمح له عامل ... يغضي فيقضي نخب شيق مسك لماه عاطر ساطعٌ ... في جنة تشفي شج ينشق أكحل ما مارس كحلاً له ... جفن غضيض غنج ضيق در دموع حوله كاسدٌ ... في جنب زيف بين ينفق لا لعهود الود راع ولا ... في شجن ذي فتنة يشفق ما مال إلا راع أحلامه ... خفة شنف خنث يخفق

стр. 116

ولاح سطر الآس أكمامه ... بين شقيق غضة تفتق فقال: عشت ونعشت، يا زهرة البنجكشت. ثم قال: قم يا أبا الهيفاء، وأنشد الأبيات الخيفاء. فقام فتى ميمون النقيبة، أنقى من مرآة الغريبة. وأنشد: ظبية أدماء تفني الأملا ... خيبت كل شجيٍ سألا لا تفي العهد فتشفيني ولا ... تنجز الوعد فتشفي العللا غضة العود تثنت مرحاً ... بضة اللمس تجنت مللا تقضي أحكام بغي طالما ... نفذت أحكامها بين الملا بجبين كهلال فتنت ... كل ذي علم يزين العملا في لماها بنت كرم تختشي ... سكر جفن حكمه نقض الولا

стр. 117

بين ورد شفة واردها ... يبتغي الماء فيجني العسلا درر بيض لها في أحمرٍ ... في سوادٍ بين مسكٍ في طلا فتنة صماء يثني وصلها ... فتنة الداء فتبغي حولا شنفت سمع شجي كلما ... قبضت عوداً فغنت رملا قال: عافاك وشفاك، ولا فض فاك. ثم نادى: يا أبا الشمطاء، علي بأبياتك الرقطاء. فوثب غلام من الخواص، كدرة الغواص. وأنشد: ونديم بات عندي ... ليلة منه غليل خاف من صنع جميل ... قلت: لي صبر جميل قرة لي ميل قلب ... منك يا غصناً يميل سيدي رق لذلي ... سيدي عبد ذليل

стр. 118

قلبه قد ذاب من وجدٍ ... به ظل يسيل لذ لي حجر قديمٌ ... تحت هجر يستطيل قاتلي وجه بديع ... زاجري عنه قليل فلما استتم الإنشاد، وقف الشيخ بالمرصاد. وقال: أعيذكم بالله من أعين الإنس وأنفس الجان. فقد خرج من أفواهكم اللؤلؤ والمرجان. ولقد أباهي بكم كل من نطق بالضاد، حتى يقال أين العين من الصاد. قال سهيل: فلما انتهت الكنانة إلى الأهزع، ولم يبق في القوس منزع. وثب الشيخ ميمون، كأنه ريب المنون. وقال: ما بالك ذكرت اللجين وتركت اللجين. أين عاطل العاطل الذي لا نقطة في اسمه ولا مسماه كالدال دون العين؟

стр. 119

قال: هيهات ذلك مما يخال، ولا يقال، حتى يصاغ من الخاتم خلخال، فإن استطعته جعلناك حالي الحالي في الحال. فصوب الشيخ نظره وصعد، ثم اقعنسس وأنشد: حول در حل ورد ... هل له للحر ورد لحصور حلوٍ وصلٍ ... ورده للصحو طرد وله صولٌ وطولٌ ... وله صد ورد دهره حر صدورٍ ... هل له لله حد قال: فلما اعتبر الجماعة سر تلك الصناعة، تكأكأوا عليه من الأمام والخلف، وقالوا رب واحد يعدل بألف. وإنا لنراك شاسع الوطن،

стр. 120

واسع الفطن. فخذ هذه النفقة عداً، وإن شئت أن تقيم معنا أجرينا عليك ماء عداً. قال: حبذا لولا دين أثقل حاذي وحال دون نفاذي. وهذا غريمي قد لصق بي كالقار، ولو هبطت إلى النار حتى أسعى له بمائة الدينار. قال: فنقدوني مائة ندرى، وقالوا: قد صادفت قدراً، فاتخذ لوردك صدراً. فشكر الشيخ ذلك الامتنان، وأنشد بصوت مرنان: ساعدوني على جميل الثناء ... عن جميل أضاع حق الوفاء وهبوني قلباً يقوم أمامي ... فأنا قد تركت قلبي ورائي! بشروا زوجتي وأمي وأختي ... وغلامي براحة وهناء! فعلى الرملة ابتنيت عهودي ... وعلى الدرس قد عقدت ولائي

стр. 121

قال: فأعجب القوم بأبياته المخيلة، ولم يأبهوا لما فيها من الدخيلة. ثم ضرب الشيخ لهم موعداً، وودعهم مرتعداً، وخرج من بينهم وعدا. فلما بنا وأمنا. قال: يهنئك المغنم البارد، فرب ساع لقاعد. وإن الحسنات يذهبن السيئات فاغتفر ما فات. لكن اغرب إلى حيث لا مناقش، لئلا يفرط منك بادرة فتجني على أهلها براقش. وأنا غداة غد أخرج من المحيط، وأدع القوم ينتظرون حتى يرجع نشيط، ثم كبر واستغفر وأنشد حين أدبر:

стр. 122

رأيت الناس قد قاموا ... على زور وبهتان! فلا يرعون ميثاقاً، ... ولا حرمة إحسان! فإن راعيت إنساناً ... فما أنت بإنسان قال سهيل: فتركته وانطلقت من هناك ولم أدر ماذا فتك بعد ذاك. المقامة السادسة عشرة وتعرف بالصورية قال سهيل بن عباد: لفظتني الثغور إلى مدينة صور، فحللتها شهراً أجرد، في سنة جرداء، وكنت يومئذ فتى أمرد، فطفت كل شجراء ومرداء، حتى دخلت يوماً إلى حديقة في إبان وديقة. وإذا القاضي جالس على قطيفة كأنه الإمام أبو حنيفة. فبينما طارحته تحية الأدباء، وأخذت مجلساً على تلك الحصباء.

стр. 123

إذ دخلت امرأة سادلة القناع، سابغة اللفاع، فاسترعت السماع، وقالت: يا قاضي العدل الكريم المنصفا ... إن أبي في جوره قد أسرفا! أقعدني عن الزواج عنفا ... وليس يكفيني لو تقشفا فانظر لنا حكماً إلى الله صفا ... أولا، فإن الله حسبي وكفى! قال: وكانت بين ذلك تخطر كالسمهري، وتفتن في إنشادها كالبحتري. ففتنت بافتنانها من حضر، واستهوت القاضي فجعل يخالسها النظر. فلما فرغت من إنشادها أطرق إطراق المرتاب، وقال: شر أهر ذا ناب، فمن هذا الظالم الذي لا يعرف السنة والكتاب؟ قالت: هو شيخ يفن، قد صار جلده كالسفن، يضمني إلى أضلاع له كالنعش فتعشاني لحيته كالكفن. ولقد خطبني كرام

стр. 124

الأصهار، فأبى إلا أن أكون منه معقد الإزار. وهو فقير يتمنى الفلس، وتغلبه عزة النفس. فيعتفد، ولا يسترفد. ويذوب غليلاً، ولا يستقي خليلاً. ويغضي على القذى، ولا يشكو الأذى. ويتبلغ بالثويناء، على الهويناء. ويقنع من الشراب، بالسراب. فتراه يكظم الغيظ، ويتبرد بالقيظ، ويرضى من البيض بالبيظ. وأنا فتاة غضة الشباب، لا تشبعني كشى الضباب ولا أرضى بخلق الجلباب. ولطالما حرصت على بره فطويته على غره، وكلفت نفسي كتم سره. حتى صرت أهزل من الجوزل، وأجوع من كلة حومل. فاعتبر ما جرى، واحكم بما

стр. 125

ترى. فأكبر القاضي شكواها، وأوى لبلواها. وقال: يا أمة الله صبراً! فإن مع العسر يسراً، وما أتم كلامه إلا وأبوها قد أقبل، وقال: يا مولاي لا تكن كقاضي جبل. وأنشد: ما كذبت وما بها من عار! ... لكن ذاك ليس باختياري فإنها من أحسن الجواري ... بديعة في أعين النظار! كالشمس في رائعة النهار ... فصنتها كدرة البحار! حتى أرى كفأ من الأصهار ... وإنني شيخ غريب الدار صفر من الدرهم والدينار ... أنتظر العفو من الأحرار وأحسن الصبر على الأقدار ... فاحكم بما ترى ولا تمار! ولما فرغ الشيخ من أبياته قال: شهد الله أن موت الذليل خير من حياته. وأنني قد كنت نشبة، فضرت عقبة. وطالما كنت اكلل القصاع، وأجم الكيلجة والصاع. حتى استولت النحوس، وخلت

стр. 126

قدر بني سدوس. فأنكرني الصميم والحميم، وجفاني السمير والنديم فيا ليتني مت قبل هذا البلاء العظيم. قال: وكان القاضي قد أشرب قلب حب فتاته، لما رأى من بلاغتها وسمع من صفاته. فقال: يا هذا إنك قد أثمت بحبسك هذه الحرة! أما سمعت أن امرأة دخلت النار في هرة؟ فخذ هذه الخمس المئين، ودع الفتاة عندي في قرار مكين، إلى أن يأتي الله بالفتح المبين. فأذعن الشيخ لحكمه، على رغمه. وقال علم الله أني ما كنت الأرضى بدون، ولكن إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون. ثم انثنى إلى وداع ابنته، ودمعه يسيل على وجنته. وأنشد: لله يا ليلى اذكري أباك ... إذا رأيت فقرة أغناك أثني على القاضي الذي أحياك ... بلطفه، فإنه مولاك! وأنني هيهات أن أراك!

стр. 127

قال سهيل: وكان الشيخ قد تنكر فاشتبهت، إلى أن ذكر ليلى فانتبهت. لكنني ضربت عنه صفحاً، لعلي أرى لذلك المتن شرحاً. فلما انصرف أشار القاضي إلى بعض حشمه، أن ينطلق بالفتاة إلى دار حرمه. فبوأها صهوة مهرة غراء، وأخذ بها يخترق الغبراء. حتى إذا مرت على دسكرة وقفت مستنكرة. وقالت: يا فل قد أنهكني اللغب. وأهلكني السغب. فهل تتركني ريثما أستجم من القلق، وتدركني بما يمسك الرمق! فلبى وانطلق. قال: وكنت قد تبعتها بناقتي عن كثب، حتى لم يكن بين السرج والقتب، إلا كما بين الرتب والعتب. فلما لوى عذاره قالت: يا سهيل تلقف مني، وأبلغ الغلام عني:

стр. 128

شيخ أشد جنوناً ... من دقة بن عبابه قد خاتلته فتاةٌ ... واستجهلته صبابة فحي شيخك عني، ... وقل متى جئت بابه: ثم عصفت بمطيتها كما انتشب السهم، أو كما خطر الوهم. فعلقت الأبيات في رقعة، وأودعتها تلك البقعة. وانطلقت في أثر الفتاة إحضاراً، فلم ألحق لها غباراً، ولا عرفت لها قراراً، فخرجت من الديار الشامية، وأنا أحتسب الله على الفتن الخزامية. المقامة السابعة عشرة وتعرف بالحكمية أخبر سهيل بن عباد قال: خرجت في قافلة، بعصابةٍ حافلة.

стр. 129

فكنا نصل الإسآد بالتأويب ونراوح بين الإهذاب والتقريب. حتى أفضت بنا الرحلة إلى شاطئ دجلة. فنزلنا القض والقضيض، في أكناف ذلك الحضيض. فراقتنا فاكهته وفكاهته، وشاقتنا نزهته ونزاهته. فأقمنا ثلاثاً نجتني قطوف أفنانه الميلاء، ونشرب صافي تلك الحجيلاء. حتى إذا أزف الرحيل، وزمت الهجمة والرعيل. قيل هذا يوم النيروز. ولا بد للناس من البروز. فلبد القيروان عجاجته وبلد لجاجته. ولما ألقت الغزالة لعابها، وضربت الضحى أطنابها. نقر القوم ثبات في تلك الرباع، وانتشروا مثنى وثلاث ورباع. فلما انتظمت

стр. 130

الفئام، وجلست القيام في الخيام. نحرت الجزر وشبت النار، وفاح العثان والقتار. وأخذ القوم في تداول الألحان وتناول بنت الحان. إلى نثر الأصيل على نور الشمس نور البهار، وكاد جرف النهار ينهار. فنهضنا، من حيث ربضنا، وأقبلنا إلى حيث قابلنا. وإذا موكب من الرجال، قد ازدحموا على شيخ بال رث الجسم والسربال، وهو قد أن من شدة الكلال، وشرع يوصي رجلاً بين بديه فقال: يا بني لا تسلم نفسك إلى هواك، ولا تستودع سرك سواك. ولا تفوض أمرك، إلا لمن يعرف قدرك. ونزه نفسك عن الخسائس، وقلبك عن الدسائس. واحفظ لسانك من الخلل، قبل أن تحفظ رجلك من الزلل. واقتصد في ما تعتمد. ولا تستعجل، في ما تستعمل. ولا تهرف، بما لا تعرف. ولا تطمع، في ما تجمع، ولا تصدق كل ما تسمع. ولا تنقل القدم، إلى

стр. 131

ما يعقب الندم. ولا تمش في الأرض مرحاً، ولا يستفزك الدهر فرحاً أو ترحاً. ولا تمتهن الضعيف الساقط، ولو كان ماقط بن لاقط. ولا يكن حبك كلفاً، ولا بغضك تلفاً. وإذا استغنيت فلا تبطر، وإذا افتقرت فلا تضجر. وإذا ابتليت فاصطبر، وإذا رأيت العبرة فاعتبر. وإذا أردت أن تطاع، فسل ما يستطاع، وإذا حدثت فعليك بالإيجاز، ولا تلبس الحقيقة بالمجاز. ولا تعد إلا وأنت قادر على الأنجاز. ولا تبادر بالجواب قبل استيفاء الخطاب. ولا تقض الدين بالدين، ولا تطلب أثراً بعد عين. واعلم أن

стр. 132

لكل صارم نبوة، ولكل جوادٍ كبوة، ولكل عالم هفوة. ولكل مقام مقال، ولكل دهرٍ رجال. ولكل قضاء جالب، ولكل در حالب. ومن حسنت سريرته حمدت سيرته. ومن أطاع غضبه، أضاع أدبه. ومن تأنى، نال ما تمنى. ومن سعى، رعى. ومن جال، نال. ومن قل، ذل. والحرحر، وإن مسه الضر. والكذب داء، والصدق شفاء. وطعن اللسان، كوخز السنان. وظن العاقل، أصح من يقين الجاهل. والظمأ القامح، خير من الري الفاضح. وعليك بالمحاجزة، قبل المناجزة. وبالإيناس، قبل الإبساس. وبالعتاب، قبل العقاب. واستعذ بالله من الشيطان

стр. 133

الخناس، الذي يوسوس في صدور الناس. قال: فلما استتم كلامة قال: أنه من سليمان، وأنها لمن وصايا لقمان. فادرسها كلما شهدت الشهر واذكر شيخك الذي اعترك الدهر، وقلب أهله البطن الظهر، فعرف منهم السر والجهر. ثم ثاب إليه بعض الرمق فتجلد، ورأرأ بحدقتيه وأنشد: إني لقد جربت أخلاق الورى ... حتى عرفت ما بدا وما اختفى كل يذم الناس، فالذي نجا ... من ذمه يدخل في ذم الملا والمرء مطبوع على البخل إذا ... جاد فجوده عن العرض فدى يريد أن يغترف البحر ولا ... يترك منه قطرة تروي الظما ينسى من المحسن طوداً قد رسا ... وليس ينسى ذرة ممن أسا ولا يحب غير نفسه فما ... أحبه فهو إلى النفس انتهى

стр. 134

يعرف كل حاله في ما مضى ... إلا الذي كان دنياً فارتقى وكل علمٍ يدرك المرس سوى ... عرفان قدر نفسه كما اقتضى بالعقل والدين له كل الرضى ... أما بماله وجاهه فلا وكلما عقل الفتى قل اكتفى ... به كما ظن فسر وازدهى قد طبع الناس على الظلم! فما ... سلم أمرٌ لامرئٍ إلا بغى! يؤذي الجهول نفسه، فإن جنى ... يوماً عليك لا يلام بالأذى ويذخر الشيخ لدهر، ويرى ... بعينه الموت لدى الباب استوى ينعم البعض بمال يختبى ... وبعضهم ببذله في ما اشتهى من عاش بالتقتير من ذوي الغنى ... فإنه أفقر من فوق الثرى كل يعد نفسه نعم الفتى ... فمن هو اللثيم منا يا ترى! لو عرف الإنسان عيبه، لما ... رأيت عيباً فيه، ما طال المدى

стр. 135

وكل عيب كان من طي الحشى ... في المرء، ينمو فيه كلما نشا لا يشعر الجاهل بالجهل، كما ... لا يشعر السكران إلا إن صحا لا يعرف الصحيح قيمة لما ... كان من الصحة حتى يبتلى لا يحمد القوم الفتى إلا متى ... مات، فيعطى حقه تحت البلى لو كان كل يعرف الحق سوى ... لكان كل الناس أهلاً للقضا من قال: لا أغلط في أمر جرى ... فإنها أول غطة ترى وقلما أبصرت نعمة على ... شخص، ولا تقول: قد ضاعت هنا وقلما كان شجاعاً في اللقا ... إلا عزيز النفس والجود كذا وكل ما في غير مثواه ثوي ... يسمج في العين ويؤذي من رأى وكل ما عن منهج الطبع التوى ... تنكره النفس ولو نفعاً جنى وكل من تاه دلالاً وادعى ... مستكبراً، فذاك ناقص الحجى

стр. 136

وكل من شاب على خلق فلا ... تنصحه، فهو ليس من أهل الهدى وكل من لا خير منه يرتجى ... إن عاش أو مات على حد سوا فلما فرغ من أبياته استهلت دموعه من المآقي، وقال سبحان الحي الباقي، ثم سجا على مضجعه حتى خيل أن روحه قد بلغت التراقي. فأخذت القوم الشفقة، وقالوا لغلامه: خذ هذه الصدقة، إن مات فللتجهيز، وإن عاش فللنفقة. ثم ولوا الأدبار، وهم يضجون بالدعاء له والاستغفار. قال سهيل: فلما خلونا وانتفت التقية، نفض عن نفسه غبار المنية. وقال: يا غلام اذهب بهذه الدستجة، فجثنا بما نشرب الهفتجة. فابتهجت

стр. 137

بإرجاء حينه، وتأملته فإذا هو الخزامي بعينه، فعجبت من ريائه وميه. وقلت. يا أبا ليلى: كيف تعظ الناس بما ذكرت، وتصف الناس بما أنكرت؟ فأشاح بوجهه خجلاً، ثم أنشد مرتجلاً: وصفت الناس بالنكر ... وإني لست بالناسي ولكن نسي الغافل ... أني أحد الناس ثم قال: يا أبا عبادة ليس من العدل سرعة العذل. ومن لا يؤخذ بالأشعبية، فخذه بالشفربية. وإني قد أفدت من الحكم والأمثال، ما لا يعادل بدرهم ولا مثقال. فإما أن تبذل كما بذل القوم، وإلا فالسكوت عن اللوم. قال: فأمسكت عن معاذير الملفقة، وإن لم يضل دريص نفقه. ولبثت في صحبته بالعراق، إلى أن قضى الله بالفراق.

стр. 138

المقامة الثامنة عشرة وتعرف بالرجبية حكى سهيل بن عباد قال: نزبت يقوم من العرب، في أثناء رجب. وكانوا قد ارتبطوا القنابل، واعتزلوا الصوارم والذوابل، واجتمعوا حتى اختلط الحابل بالنابل. فرأيت جيشاً كأولاد فارزٍ وعقفان. قد تألف من أسود بيشة وظباء عسفان. فلبثت عندهم بضعة أيام، في بعض أطراف الخيام. وكنت كلي يومٍ أشهد المحافل، وأتخلل الجحافل. وأسمع الشاعر، والناثر. وأطرب للشادي، والحادي. حتى إذا كنت يوماً ببعض الأندية، وقد سالت الشعاب

стр. 139

والأودية. أقبل شيخ ضئيل، تليه امرأة أكبر من عجوز بني إسرائيل. فلما وقف بنا قال: حيا الله الموالي، وأعز بهم المعالي والعوالي. أنني طالما أيمنت وأشأمت، وأنجدت وأتهمت وأحجزت وأعرقت، وغربت وشرقت، وشهدت الولائم والوضائم، وشاهدت العزائم والعظائم. ورضت الرجال، وخضضت الآجال. ولقيت السراء والضراء، ومارست الحسناء والخثناء. وأترعت العساس والجفان، وملأت الثبن والأردان. وأجزت الخطباء والشعراء، وأحسنت إلى العفاة والفقراء. وها أنا الآن قد صرت نحساً مستمراً، لا أملك نفعاً ولا ضراً، ولا أذكر مما لقيت حلواً ولا مراً. حتى كأني الآن قد ولدت على هذا البساط، تدرجني هذه الحيزبون بالقماط. فاعتبروا بما رأيتم وسمعتم وخذوا الأهلة لأنفسكم ما استطعتم. فإن الزمان، ليس فيه أمان. والدنيا الغرور، لا يتم فيها سرور. والحياة ظل زائل والنعيم لون حائل. والسعيد من نظر لنفسه، قبل

стр. 140

حلول رمسه.. وكفر عن ذنبه، قبل لقاء ربه. فلما فرغ الشيخ من كلامه اعتمد على عصاه، وبرزت العجوز كالسقلاة. وقالت: يا كرام العرب إن الله قد أمر بالمعروف عباده، كما أمر بفروض العبادة. فعليكم بالمروءة والكرم، ورعاية الذمم والحرم. وحافظوا على الوفاء ولو أفضى إلى الخسف، واحد سوا لوفدكم ولو بمطفئة الرضف. فإن بئس الردف لا بعد نعم، والكثير خير من القليل والقليل خير من العدم. قال: فرضخوا لهما بما حضر، وقالوا: خير الناس من عذر فتناول الشيخ ميسورهم وقال: إني قد قبلت بركم بالجنان، لا بالبنان، وحق علي مدحكم بالقلب لا باللسان. ثم دنا فتدلى، وأنشد وهو قد ولى: حلموا فما ساءت لهم شيم ... سمحوا، فما شحت لهم منن سلموا، فلا زلت لهم قدمٌ ... رشدوا، فلا ضلت لهم سنن

стр. 141

قال: وكان في الموقف فتى شديد الخنزوانة قد انتصب كالأسطوانة. فلما أدبر الشيخ قال: إني لأعرف هذا الخبيث، وقد رابني ذكره القلب في الحديث. فاقلبوا البيتين، لعل بهما شيئاً من الشين. فابتدر رجل إلى قلبهما، بعد كتبهما، وإذا هو يقول بهما: منن لهم شحت، فما سمحوا ... شيم لهم ساءت، فما حلموا سنن لهم ضلت، فلا رشدوا ... قدم لهم زلت، فلا سلموا فلما سمع القوم ذلك استشاطوا غضباً وقالوا: من لنا برد هذا الرجيم فنجعله للناس أدباً؟ أنا لها فإني أعلم بمهب ريحه ومدب طليحة. فأركبوه متن طمرة، وقالوا: هلا يا ابن الحرة! قال سهيل: وكنت عرفت سريرة تلك الصناعة، فانسللت في أثر الفتى من بين الجماعة. فما أدركته إلا على بريد، وإذا هو قد جلس بين الخزامي وابنته على ذلك الصعيد، فلما رآني وثب إلي وقال: لا يفل الحديد إلا الحديد. فاهتز الشيخ تيهاً، وأنشد بديهاً:

стр. 142

هذا غلامي لا تسل عن خيمة ... أن الشراك قد من أديمه لما رأى الحي إلى زعيمه، ... قصر في الوفاء عن تعليمه تلقف المهرة لا من شومه، ... لكن ليقضي الدين من غريمه ثم قال يا أبا عبادة إن الله لم يختص برزقه، أحداً من خلقه، فمن ظفر بشيء فقد أخذه بحقه. لكن أخاف أن القوم لا يأخذون بهذه الفتوى، فلننصرف قبل أن تحل بنا البلوى. ثم نهض إلى بعيره المعقول، وهو يقول: أنا ابن أم الدهر يا ابن المنجبة ... رزقت بين الناس حظ الغلبة بكل وادٍ أثرٌ من ثعلبة

стр. 143

قال سهيل: فسرت في صحبته على حذر، ولبثنا في اجتماعنا إلى أن فرقنا القدر. المقامة التاسعة عشرة وتعرف بالخطيبة حدثنا سهيل بن عباد قال: ارتبعت ربيعاً باليادية، أصفى من ماء غادية. فما تركت حياً ولا نادياً، ولا جبلاً ولا وادياً، وإلا سعيت إليه على قدمي، وخاطرت في اعتماره بدمي. فبينما أنا في حلة إذ قام منادٍ على كثيب يقول: حي هل على الخطيب. فوفدت إليه في من وفد، وإذا شيخ أكبر من لبد، عليه حلة من سبد. فلما تألب الجيش، وسكن الطيش. كبر واستغفر، وقرأ ما تيسر. ثم قال: الحمد الله الذي جعل العرب في وجنة العباد شامة، كما جعل أرضهم على

стр. 144

بدن البلاد هامة. أما بعد فإنكم يا معاشر العرب أكرم للناس نسباً، وأفضلهم حسباً. وأفصحهم لساناً، وأثبتهم جناناً، وأضر بهم بالسيوف، وأقراهم للضيوف. وأكثرهم ابتذالاً للمكارم واحتمالاً للمغارم، واعتقالاً بالرماح واشتمالاً بالصوارم. ولكم حفظ العهود وإنجاز الوعود. ومراعاة الجوار، والفرار من العار. وحماية الأرباض، وبذل النفوس دون الأعرض. وخوض الليل بالرجل والخيل. ولكم الخطاب المفعم، والجواب المفحم. والنظم البديه، والنثر النبيه. والقلوب الجرية، والنفوس الأبية. ولا تدينون لسلطان، ولا يتيمكم هوى الأوطان. ولا ترتكبون الدنايا، ولا تبالون بالمنايا. ولا تروعكم الأهوال، ولو أنها من الأغوال. ولا تقبلون الهوان، ولو جاء بالهيل والهيلمان. بلادكم أفضل الأرض

стр. 145

تربة، وأرفعها هضبة. وأحلاها ماء، وأصفاها هواء. وأطيبها جرعى، وأخصبها مرعى. وأطولها نخلة، وأسمنها رخلة وسخلة. وغلامكم أحكم من كهول الناس، وأفتك من فتيانهم صبيحة الباس. وفتاتكم أحذق من فحول الرجال، وأفصح منهم في المقال. وشاعركم المرتجل، ابلغ من شاعرهم المحتفل. وصعلوككم المعسر، أجود من أميرهم الموسر. وفيكم الكاهن والعائف، والحكيم والقائف. والفقيه والخطيب، والمنجم والطبيب. ومنكم التبابعة والمناذرة، والأبطال والجبابرة. والكرام الذين تسير بهم الأمثال، ويعز لهم المثال. فجدوا في جدد الفخر، وتواصوا بالصبر، أعلى نوائب الدهر. وحافظوا على مالكم من
следующие страницы →