Полный текст (414 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
قال: وكان في الموقف فتى شديد الخنزوانة قد انتصب كالأسطوانة. فلما أدبر الشيخ قال: إني لأعرف هذا الخبيث، وقد رابني ذكره القلب في الحديث. فاقلبوا البيتين، لعل بهما شيئاً من الشين. فابتدر رجل إلى قلبهما، بعد كتبهما، وإذا هو يقول بهما:
منن لهم شحت، فما سمحوا ... شيم لهم ساءت، فما حلموا
سنن لهم ضلت، فلا رشدوا ... قدم لهم زلت، فلا سلموا
فلما سمع القوم ذلك استشاطوا غضباً وقالوا: من لنا برد هذا الرجيم فنجعله للناس أدباً؟ أنا لها فإني أعلم بمهب ريحه ومدب طليحة. فأركبوه متن طمرة، وقالوا: هلا يا ابن الحرة! قال سهيل: وكنت عرفت سريرة تلك الصناعة، فانسللت في أثر الفتى من بين الجماعة. فما أدركته إلا على بريد، وإذا هو قد جلس بين الخزامي وابنته على ذلك الصعيد، فلما رآني وثب إلي وقال: لا يفل الحديد إلا الحديد. فاهتز الشيخ تيهاً، وأنشد بديهاً:
стр. 142
هذا غلامي لا تسل عن خيمة ... أن الشراك قد من أديمه
لما رأى الحي إلى زعيمه، ... قصر في الوفاء عن تعليمه
تلقف المهرة لا من شومه، ... لكن ليقضي الدين من غريمه
ثم قال يا أبا عبادة إن الله لم يختص برزقه، أحداً من خلقه، فمن ظفر بشيء فقد أخذه بحقه. لكن أخاف أن القوم لا يأخذون بهذه الفتوى، فلننصرف قبل أن تحل بنا البلوى. ثم نهض إلى بعيره المعقول، وهو يقول:
أنا ابن أم الدهر يا ابن المنجبة ... رزقت بين الناس حظ الغلبة
بكل وادٍ أثرٌ من ثعلبة
стр. 143
قال سهيل: فسرت في صحبته على حذر، ولبثنا في اجتماعنا إلى أن فرقنا القدر.
المقامة التاسعة عشرة وتعرف بالخطيبة
حدثنا سهيل بن عباد قال: ارتبعت ربيعاً باليادية، أصفى من ماء غادية. فما تركت حياً ولا نادياً، ولا جبلاً ولا وادياً، وإلا سعيت إليه على قدمي، وخاطرت في اعتماره بدمي. فبينما أنا في حلة إذ قام منادٍ على كثيب يقول: حي هل على الخطيب. فوفدت إليه في من وفد، وإذا شيخ أكبر من لبد، عليه حلة من سبد. فلما تألب الجيش، وسكن الطيش. كبر واستغفر، وقرأ ما تيسر. ثم قال: الحمد الله الذي جعل العرب في وجنة العباد شامة، كما جعل أرضهم على
стр. 144
بدن البلاد هامة. أما بعد فإنكم يا معاشر العرب أكرم للناس نسباً، وأفضلهم حسباً. وأفصحهم لساناً، وأثبتهم جناناً، وأضر بهم بالسيوف، وأقراهم للضيوف. وأكثرهم ابتذالاً للمكارم واحتمالاً للمغارم، واعتقالاً بالرماح واشتمالاً بالصوارم. ولكم حفظ العهود وإنجاز الوعود. ومراعاة الجوار، والفرار من العار. وحماية الأرباض، وبذل النفوس دون الأعرض. وخوض الليل بالرجل والخيل. ولكم الخطاب المفعم، والجواب المفحم. والنظم البديه، والنثر النبيه. والقلوب الجرية، والنفوس الأبية. ولا تدينون لسلطان، ولا يتيمكم هوى الأوطان. ولا ترتكبون الدنايا، ولا تبالون بالمنايا. ولا تروعكم الأهوال، ولو أنها من الأغوال. ولا تقبلون الهوان، ولو جاء بالهيل والهيلمان. بلادكم أفضل الأرض
стр. 145
تربة، وأرفعها هضبة. وأحلاها ماء، وأصفاها هواء. وأطيبها جرعى، وأخصبها مرعى. وأطولها نخلة، وأسمنها رخلة وسخلة. وغلامكم أحكم من كهول الناس، وأفتك من فتيانهم صبيحة الباس. وفتاتكم أحذق من فحول الرجال، وأفصح منهم في المقال. وشاعركم المرتجل، ابلغ من شاعرهم المحتفل. وصعلوككم المعسر، أجود من أميرهم الموسر. وفيكم الكاهن والعائف، والحكيم والقائف. والفقيه والخطيب، والمنجم والطبيب. ومنكم التبابعة والمناذرة، والأبطال والجبابرة. والكرام الذين تسير بهم الأمثال، ويعز لهم المثال. فجدوا في جدد الفخر، وتواصوا بالصبر، أعلى نوائب الدهر. وحافظوا على مالكم من
стр. 146
المآثر والآثار، واشطروا شطر من تقدمكم من خوالي الأعصار، واذكروا أيامهم المخلدة في بطون الأسفار، لتكون لأنفسكم كالريحان. ولعزائمكم كالمضمار. قال: فانبرى له شيخ كالأفعوان، عليه حلة أرجوان. وقال: يا مولاي قد مدحت فأكرمت، ونصحت فأحكمت. ولكن ما هي أيام العرب التي أشرت إليها، ومواقعها المنصوص عليها؟ ففكر، ثم قدر، ثم قال: قد أنسانيها الشيطان فذكر إن كنت ممن تذكر. فأطرق برهة وهو ينكت في الأرض، ثم قال: تعالوا أتل عليكم ما يبقى ذكره إلى يوم العرض. وأنشد:
قد ذكر القوم لأيام العرب ... مواقعاً تدعى بهن كاللقب
من ذلك: الكديد والبيداء ... بعاث والفترة والهيماء
كذا كلاب منعج الجفار ... والحجر والزخيخ والستار
شمطه والزور غبيط المدره ... كذا الغبيطان اللوى وبئره
جو نطاع ذو طلوح والعنب ... درنى الكحيل والغدير ذو نجب
نخلة فيف الريح قرن فلج ... طوالة وقبى زرود المرج
عويرض الحدائق النسار ... قشاوة كفافة سنجار
стр. 147
ذرحرح خو خولي داب ... عين أباع قادومٌ إراب
عراعر النهي الربيع ملهم ... نجران والعينان غول رقم
ذو الأثل ذات الرمرم النشاش ... عنيزةٌ عقبة أعشاش
وواردات الجنو رحرحان ... والدرك السوبان والسلان
شعب خزازى والعظالى حاطب ... قراقر الدثينة الذنائب
جبلة القرعاء والصليب ... ظهر وذات الحرمل الكثيب
أوارةٌ لهابةٌ ذو قار ... أقرن وجٌّ حيرةٌ سفار
شعواء والهباءة المرتقب ... قطن ذو حسى الفروق يحسب
يسيان والهرير ذو أحثال ... وما عسى نحصي من الرمال
стр. 148
قال سهيل: فكبر القوم وقالوا: حدث عن البحر ولا حرج، إنك لأحفظ من حماد وأجمع من أبي الفرج. قال: علم الله أني لست من الأفاضل الكملة، ولكن عرف حميقٌ جمله. فسقط في يد الخطيب واستكان، وقال: قد قدر فكان. ولقد أبنت فأحسنت، فمن وممن أنت؟ قال: إن كنت لا ترى، أن تأكل الجبن عرضاً. فأنا سرندل ابن عرندل،
стр. 149
من بني الشمردل. فعجب القوم من براعته ورقاعته، وأكبروا سر صناعته. وقالوا: هل تملي علينا ما أنشدت، وسنجزيك بما أفدت. قال: إن لي كاتباً أجرى من السيل، في الليل، ثم قال: هلم يا سهيل. فلما أقبلت عليه قال: اكتب يا بني، وأخذ يملي علي. فلما فرغنا من الإملاء والتعليق، أفرغوا علينا ما يليق، واعتذروا من الإجحاف بالخليق. قال: وكنت قد عرفت أن الشيخ صاحبنا ابن الخزام، فما صدقت أن أفلت من الزحام، حتى تعقبته وهو يعدو في أخريات الخيام. فاستوقفته فأبى، وقال موعدنا مهب الصبا. فرجعت بين الخيبة والظفر، إذ حرمت صحبته ورزقت نفقة السفر.
المقامة العشرون وتعرف بالبصرية
стр. 150
حدثنا سهيل بن عباد قال: قدمت البصرة ذات العويم، في ركب من بني الهجيم. فجعلت أطوف بها ما أطوف حتى انتهيت إلى مربدها الموصوف. وإذا في ساحته قوم قد توسدوا ثراها، وهم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها. فطارحتهم سنة التسليم، وقلت: هل في الكاس حظ لنديم؟ قالوا: لقد أتيت أهلاً، ونزلت سهلاً. فجلت لديهم جلوس التلاميذ، بخصرة الأساتيذ. وأخذوا يتداولون الفنون، ويبرزون كل مكنون. حتى خاضوا في فن البديع، وأفاضوا في التجنيس والتنويع. كان في صدر الحلقة شيخ أفطس العرتبة، كأنه أحد الأغربة. فقال: قد علمتم أيها الناس، أن أعظم
стр. 151
الجناس، ما لا يستحيل بانعكاس. فمن ظفر بفرائده الحسنى، فاز بالمقام الأسني، وسلم له البديع لفظاً ومعنى. قالوا: تراك من أهل الدار، وفرسان المضمار. فحدث بنعمة ربك، ولا تكتم ذخيرة لبك. قال: نعم كنت قد نظمت أبياتاً منه في الصباء، وهي معجزة عند الأدباء. قالوا: إن رأيت أن تنشدنا إياها فلك المنة، وقد دفعت عن نفسك الظنة. فتلا: "إن بعض الظن إثم"، ثم قال اسمعوا يا أولي العلم. وأنشد يقول:
قمر يفرط عمداً مشرق ... رش ماء دمع طرفٍ يرمق
قرطة يقدي جلاه أيمنٌ ... من مياه الجيد فيه طرق
стр. 152
قبس يدعو سناه إن جفا ... فجناه أنس وعد يسبق
قد حلا كاذب وعد تابعٌ ... لعباً تدعو بذاك الحدق
قرحت ذا عبرات أربعٍ ... عبرات أربع إذ تحرق
قلق يلثم نادي عبلةٍ ... لبعيد، إن مثلي قلق
قفرة الربع أهالت فتيةً ... فتلاها عبرٌ لا ترفق
قد حماها ركب ليلٍ حافظ ... فاح ليل بيكراها محدق
قرَّ في إلف نداها قلبه ... بلقاها دفن لا يفرق
стр. 153
قطنت هيفاء فيه آمناً ... إنما هيفاء فيه تنطبق
قف ألا قاضٍ فإني ضاق بي ... ريب قاضينا فضاق الأفق
قلم يجري سيلقى ضرماً ... مر ضيق ليس يرجى ملق
قيل: إفتح باب جارٍ تلقه ... قلت: راجٍ باب حتفٍ أليق
قل طعم دونه رد بكم ... كبيد رهن ودمع طليق
فلما فرغ من أبياته صفق القوم، وقالوا: لا عهد لنا بمثل هذه قبل اليوم. فإن هذا الجناس كالعدد المعدول، لم يتجاوز أربعة من المنقول. قال
стр. 154
سهيل: فانبرى له رجلٌ أشمط العارضين، يكاد الشرب الرافدين. وقال: يا هذا إن الفجر بالأثير، لا بالكثير. وإنما ينافس في الثمين، لا في السمين، فكم فئة قليلة غلبت فئة كثيرةً بإذن الله والله مع الصابرين. قال: صدقت إن خير الكلام ما قل وجل، ولكن من ادعى بلا بينة فقد زل وذل. قال: أعوذ بالله من زله العمد، وسفاهة العبد. إني نظمت بيتين لبعض الأمراء، طردهما مديح وعكسهما الهجاءٌ. فكان ينظر إليهما بعين الأحول، ويقصر عنهما الباع الأطوال. قال: فهلم بما فتح الله عليك، قال: لبيك وسعديك! وأنشد:
باهي المراحم لابسٌ ... كرماً قديرٌ مسند
стр. 155
باب لكل مؤملٍ ... غنم لعمرك مرفد
ثم عمد إلى قلبهما، فإذا هو يقول بهما:
دنس مريد قامر ... كسب المحارم لا يهاب
دفر مكر معلم ... نغل مؤمل كل باب
قال: فاستفزت القوم تلك الصناعة العذراء وقالوا: علم الله أنها لأغراب من العنقاء. ثم أقبلوا على الرجل يرجمونه بالأحداق، وقالوا: فداك أهل العرق! فمن أنت ومن أي الآفاق؟ فتنهد، ثم أنشد:
أقبلت من أرض اليمامة ... أبغي العراق على استقامة
جبنت الدلامس بالعرا ... مس في النعامة كالنعامة
زرت الكرام لأنني ... قد كنت من أهل الكرامة
أتلفت مالي في الندى ... لا في الصبابة والمدامة
стр. 156
أقري الضيوف وأقتري ... حمل الحمالة والغرامة
وأسد خلة مقتر ... وأرد لهفة ذي ظلامه
وأجيز كل مقرظ ... عن كل شعرٍ أو مقامه
قسمت مالي في الملا ... ونسيت سهمي في الحتامة
وسقيتهم مائي فرح ... ت كأنني كعب بن مامه
برح الخفا فندمت ل ... كن حيث لا تجدي الندامة
درج الصبا والمال وال ... نفس العزيزة والشهامة
عذبت نفسي بالقنو ... ط وعذبتني بالملامة
قد كنت أطمع في الغنى ... واليوم أقنع بالسلامة
فلما انتهى إلى هذا البيت أن كالمريض وقال حال الجريض، دون القريض، وأثرت شؤونه تفيض. فرثى القوم لبلواه،
стр. 157
وفثأوا ما جاش من جواه. وقالوا: جمع الله شملك فأين خلفت أهلك؟ قال: قد خلفت الجربة، في الشربة، لا يملكون حبة. وهم ينتظرون إيابي على الأثر، كما تنتظر الأرض وسمي المطر. فجمعوا له قبصة من العين، وقبضة من اللجين. وقالوا: إن الكريم أولى بالكرم، قال: نعم، وأهل الحرمة يرعون الحرم، قال سهيل: وكنت قد عرفت أنه الخزامي عند نظري إليه، لكنني أنكرت اغبرار عارضيه. فلما فصلنا عن المكان قلت: حيا الله أبا ليلى! قال: وميمون يفدي سهيلا! قلت: عهدي بك شيخاً فكيف رجعت كهيلا؟ فأنشد:
لا تنكرن ما ترى من الشمط ... إن السواد والبياض إذ وخط
من طرف الأمور فاخترت الوسط
فانعكفت عليه انعكاف المغرم الكلف واعتنقته اعتناق السلام للألف. فأخذ يسايرني على رسله، حتى انتهى بي إلى رحله. وأقمت
стр. 158
في صحبته قرير العين، إلى أن نعب بيننا غراب البين.
المقامة الحادية والعشرون وتعرف بالدمشقية
أخبر سهيل بن عباد قال: نحوت من بعض الأنحاء، نحو دمشق الفيحاء. فجعلت أتتبع الرياح الدوارس، وأتفقد الآثار الطوامس، وأتعهد الأندية والمجالس، حتى انتهيت إلى إحدى المدارس. فتخللت حلقة الطلبة، وقد سكنت الأبصار وسكنت الجلبة. وأخذ القوم يتذاكرون هنالك، حتى جرى ذكر خلاصة ابن مالك. فقال الأستاذ: لا جرم إنها لإحدى الكبر، وعبرة العبر. ولكن قد كان ذلك إذ الناس ناس، لا يلجهون بعذار الآس، وحبب الكاس. قال: وكان شيخنا ميمون بن خزام قد ربض في ذلك المقام، فانتدب من مجثمه كالصمصام. وقال: يا قوم إن المعترف بالفضل لهذا الإمام المشهور،
стр. 159
كالمعترف للشمس بالنور، أو للطود بالظهور. وأما في هذا الزمان فقد بقي من إذا سئل يجيب، وإذا تجشم الإنشاء يصيب، فللأرض من كأس الكرام نصيب. قالوا: ما نرى ذلك إلا كالكبريت الأحمر، يذكر ولا يبصر. فإن لم يكن ذلك حديثاً يفترى، لا تطمئن قلوبنا حتى نرى. قال: أشهد لله إنكم لمن المنصفين، والله يشهد أني لست من المرجفين. أن عندي أبياتاً معتاصة جامع الباكورة والخصاصة، خليقة بان تدعى خلاصة الخلاصة! قالوا: إننا نتوقع سماع مثلها، فإن شئت فاستجلها. فهب كعاصفة القبول، واندفع يقول:
بسائط الكلام حين يبنى اسم ... وفعل ثم حرف معنى
والحرف واسماً مثله والفعل لا ... كاسم بنوا وأعربوا ما فضلاً
стр. 160
واسماً كفعل مثل كاسم ... إفتح لمنع صرفه وضم
ركب وزن واعدل وأنث واجمع ... وزد وصف واعجم وعرف تمنع
وأطلق المصروف ثم نون ... والجزم خذ للفعل واترك ما بني
وكل إعراب بلفظ حاصل ... أو نية حيث دعاه العامل
فالرفع في اسم للذي قد أسندا ... إليه والمسند منه اعتمدا
وهو إذا جرد لفظاً يعتبر ... بالمبتدا والمسند منه اعتمدا
стр. 161
أو لا فإن كان أقام فعله ... ففاعل أو لا فنائب له
والنصب للملابس الفعل على ... ما دون إسنادٍ إليه جعلا
فإن يكن نفس الذي تعلقا ... به فمفعول يسمى مطلقا
أو إن يصبه فهو مفعول به ... أو لا فمعه أن يكن من صحبه
أو لا ففيه أو له أو دونه ... إن كان ذاك وبه يدعونه
أو لا فما يبين الصفات ... حال وتمييز مبين الذات
والخفض قد خصص بالمضاف ... إليه مطلقاً بلا خلاف
وتابع ما مر إن يقصد حصل ... بالحرف عطف وبلا حرف بدل
стр. 162
أو لا فتأكيد لتقريرٍ ومن ... وصف لكشف صف ومن ذات أبن
ويرفع الفعل إذا تجردا ... وهو جميعاً عامل مطردا
وحيثما اختص بجمله نصب ... ما بعد مدفوع له كيف انقلب
فإن كفاه واحدٌ فهو خبر ... أو لا فمفعول على نسخ الأثر
والحرف عامل إذا اختص فما ... بمفرد اسم خص جراً لزما
أو جملة فإن يكن كالفعل ... ينصب فيرفع بخلاف الأصلٍ
стр. 163
وشبه فعل التفي مثله جعل ... فإن نفي الجنس على العكس حمل
وما يخص الفعل مما غيرا ... زمانه وليس كالجزء يرى
إن يكفه مستقبل دون طلب ... ينصب، وباقية به الجزم وجب
والاسم إن ضمن معنى عامل ... سواه يعمل مثله كالحامل
وربما أعمل بالتشبيه ... ما ليس للإعمال حق فيه
стр. 164
وجملة حلت محل المفرد ... لها بإعراب محلاً قلد
وقل ما ند، وهذا يعتمد ... كأحرف الهجاء حتى في العذد
قال: فعجب القوم من ذلك الجمع الضابط، والسرد الرابط. وقالوا: علم الله الذي أنزل الفروض، أنها الأجمع من قولهم كل شرفاء ولودٌ وكل سكاء بيوض. فمن ضارب هذه الحديقة، وناسج هذه البردة الصفيقة؟ قال: هو صاحبكم الذي لا يصحب بنات غير. وقد صرفت عليها سنةً كحوليات زهير. ولكنني طالما كتمتها عمن لا يعرف
стр. 165
قدرها ولا يؤدي مهرها. قالوا: قد استكرمت فارتبط، وفلجت سهامك فاغتبط. لكن ذلك يرتب، على أن تمليها فتكتب. قال: نعم فاكتب يا بني، واندفق في إملائها علي. حتى إذا فرغنا من تعليق الأساطير، انهالت علي الدراهم وعليه الدنانير. فلما أفعم الإناء ودع القوم وأحسن الثناء، فشيعوه إلى الفناء. وخرج بي يعدو كالطريد، حتى انتهينا إلى باب البريد، فقال: كيف أنت وقصعة من ثريد؟ قلت: على ما تريد. فدخل بي إلى غرفة أبهى من قصر غمدان، على ودفة أبهج من شعب بوان. وقال: يا ليلى الهاجدة، قد تلوت لك سورة النجم فعليك بسورة المائدة. فقال:
أهلاً بمن زار دار أهل، ... وهو لنحر الجزور أهل
стр. 166
تطابق الضيف مع قراه ... ذاك سهيل وذاك سهل
قال: فابتدرتها بالتغلية، وقلت من غير تروية:
بعض السهيلين زار ليلى ... في الليل، والبعض زار ليلاً
فذا سهيلٌ وذا سهيلٌ، ... وذاك ليلٌ وتلك ليلى
قالت: حياك الله يا أبا عبادة، ومتعنا منك بالوفادة. أنت في ضيافة الوالد والولد، ما دمت حلا بهذا البلد. فمكثنا ريثما انقضى شهرا قماح، وقال السفر: حي على الفرح. فاستوى كل على مطيته، وعاد لطيته.
المقامة الثانية والعشرون وتعرف بالسروجية
أخبر سهيل بن عباد قال: أردت الخروج إلى سروج. لعلي
стр. 167
أجد لأبي زيد أثراً أتيمن به أو أعثر على أحد من عقبه. فحسرت عن ساقي ويدي، وقلت: سروج يا ناق فسيري وخدي. وما زلت أستغرق اليوم رملاً، وأتخذ الليل جملاً. حتى كنت في ليلة أغير وأنجد، وأسترشد ولا مرشد، وإذا راكب ينشد:
أيتها الناقة إن طال السفر ... لا تجزعي منه فق طال الحضر
أقمت شهر صفر حتى صفر ... وقد أتى شهر ربيع واشتهر
فبادري لا تقفي إلى السحر ... وصابري فإنني ممن صبر
سيان عندي كل ورد وصدر ... وكل نومٍ عند جفني وسهر
أطوى وليس للطوى بي من أثر ... وأخبط الليل على غير حذر
يؤنسني سهيل إن غاب القمر
قال: فلما سمعت هذه الأبيات الحماسية، استشيت منها الفحة الخزامية. فقلت:
стр. 168
سهيل أرض أم سهيل الفلك ... يا أيها اللابس ثوب الحلك
إنك عندي ملك في ملك
فنزل الرجل وقال: ما لنا وسرى الليل، إذا طلع سهيل، رفع كيل ووضع كيل. فوثبت إليه كأبي فراس، وإذا كلنا في فراسته إياس. وقضينا غابر ليلتنا في تلك البطاح، إلى أن تبلج وجه الصباح، فنهض وقال: أين الوجهة يا صاح؟ قلت: قد ملكت دهراً، فأدلني شهراً. قال: أنا إمعة لك في هذه المرة، ولو نزلت بي على أبي مرة! فسرت بين يديه كالدليل، وسار في إثري كالضليل. وأخذنا نخترق الأدغال والشواجن، ونرد العذب والآجن، حتى
стр. 169
دخلنا سروج في صبحة يومٍ داجن. فترجلنا عن أنضائنا الطليحة، ونزلنا في غرفة فسيحة. ولبثنا هناك بضعاً من الليالي، نتفقد البرج المشيد والطلل البالي، ونلتمس آثار من كان في العصر الخالي. حتى كان يوم المهرجان، فضبثت مخالب الشيخ بالصولجان، وقال: هذا يومٌ يجتمع فيه الإنس والجان. وخرج بي في صدر ذلك اليوم، حتى انتهينا إلى منتدى القوم. فوجدنا هناك فجاجاً، وماء ثجاجاً، وناساً يدخلون أفواجاً. فتوسم الشيخ أوجه الناس، وجلس عن جانب أوجه الجلاس. فلما سكنت الضوضاء، أعرض بوجهه إلى الفضاء. وقال: يا أبا عبادة إني قد أزمعت السفر، ولا أدري هل يجمع بيننا القدر. فخذ عني ما ألقيه إليك، والله خليفتي عليك. قلت: أطرف بما عندك، لا ذقت فقدك، ولا حييت بعدك! فقال: يا بني إذا ركبت متن الصحراء، فاطلب خد
стр. 170
العذراء. وإذا نمت فاعتنق الصبي ولا تصل على النبي. واقنع بالسمراء، إذا عزت البيضاء. واشرب من كأس الفاجر، لا من كأس التاجر. وتصدق على الأمير، بجنى غرس الفقير. وإذا كلفت حمل الجنازة، فاطلب المفازة. وإذا اعتمدت السلب في الليل، فعليك بنهب الخيل. وإذا دخلت الحلقة فاحذف السلام، واقتصر على ما كذب من الكلام. وحرم الصبر على الأسير، والجبر على الكسير. واقطع السواعد ولا تتبع القواعد. واختر من النساء العليلة المتنصفة، أحذر المتجملة
стр. 171
المتعففة. وأعرض عن الشافع، إلى الدافع، وانحر الشاري كالبائع. واضرب الساعي، بعصا الراعي. وفضل القوافل، على النوافل. والغريب، على النسيب. والإجارة، على الإمارة. وقدم زيارة الميت، على حج البيت. أحذر لنفسك من الصوم وادخل السوق عند النوم. واتبع ملاح الجواري. ولا تتبع الكاتب والقاري، واطرد اللابس وأكرم العاري. وافترس الليل والنهار، حتى يتيسر لك الفرا. واحرص على الأعراض دون الجواهر، واعدل على المسلمات إلى الكوافر.
стр. 172
وكن من العواطل، ولا تحاول قطع خيط الباطل. وأنكر الشهادة، حيث لا ترى الإفادة. واضرب كبد الإمام، واستعد الله ما بقيت والسلام. قال: وكان القوم قد أرعوه سماعاً فأنكروا عليه إجماعاً. ولكنهم اعتصموا بالحزم، فصبروا كما صبر أولو العزم. حتى إذا فرغ من توصيته، أخذوا بناصيته. وقالوا: أولى لك يا شولة عدوان، وهيلة غطفان، قد أمرت بالسوء ونهيت عن الإحسان! فأرغى الشيخ وأزيد، وقال: ما أشبهكم بولد الخليل بن أحمد. لو كنتم
стр. 173
تعلمون ما وراء الفدام، من صفوة المدام، لنكص عليكم الملام. قالوا: فارفع الغشاء، ولك عندنا ما تشاء. قال: علم الله أنكم لو دخلتم البيوت من أبوابها، لكنتم أهلها وأولى بها. أما الآن وقد لقيت منكم الأمرين، وجاوز الحزام الطبيين، فلأصلينكم بنارين، ولا أبيعكم العبارة إلا بدينارين. فأذعن القوم لحكمه، إذ رأوا طليعة علمه، وقالوا: قد كثبك الصيد فارمه. حتى إذا فتق ما كان قد رتق. صاحت الجماعة: الله أكبر! قد نشر السروجي قبل يوم المحشر. قال: إنا قد أحصينا كل ذلك عدداً، ولو شئنا لجئنا بمثله مدداً. فنفحوه بالدنانير، وألقوا إليه المعاذير. قال سهيل: فلما تلقف المال أشار إلي، وقال: إن كنتم قد نسيتم الراشن فعلي.
стр. 174
فحصبوني بدريهمات، وقالوا: لا تأس على ما فات. فخرجنا نجر الذيول، وراح الشيخ يقول:
يا رب يوم قد قرعت الظنبوب ... مندفقاً فيه اندفاق الشؤبوب
أشرب بالزق وأسقي بالكوب، ... والناس بين غالب ومغلوب
أنا أبو ليلى وسيفي المعلوب
فقلت:
أنت الخزامي الذي يشفي الضنى ... طاف بك المدح، فمن رام الثنا
стр. 175
لقب أو سمى وإن شاء كنى، ... أرسلك الله حديقةً لنا
فيها نزاهةٌ وظل وجنى!
قال: أكرمت يا سهيل، فشمر الذيل، وبادر الليل. قلت: إني لك أطوع من ثواب، وأتبع من البادية لمواقع السحاب. وخرجت في صحبته تلك الليلة إلى السواد، وكنت أود لو أصحبه إلى برك الغماد.
المقامة الثالثة والعشرون وتعرف بالموصلية
قال سهيل بن عباد: شخصت من حلب الشهباء، إلى الموصل الحدباء حتى إذا دخلتها أتيت الخان، وإذا شيخنا الخزامي في حجرة على الخوان. فلما رآني وثب عن الطعام، وابتدرني بالسلام.
стр. 176
فابتهجت به ابتهاج الساري بالقمر، ونسيت ما مر بي من بوارح السفر. ثم جلسنا نتناول ما طهت ليلى من الألوان، وهي تختلف إلينا باللحوم والألبان. فقال الشيخ: قد جمعنا بين ليلى وعمها، أفلا نجمع بين ليلى وأمها؟ فما لبثت أن جاءت بزجاجة بيضاء، فيها سلافةٌ سوداء. وقالت: ما أحسن الليل إذا اجتمع بسهيل! قال: وكان في الخصرة فتى من ركب القيروان، عليه مطرف من الأرجوان. فعلق الجارية وافتتن بها، لما رأى من ظرفها وأدبها. فقال: ليس في الموصل إن شاء الله إلا صلة الحبل، واجتماع الشمل. فقالت: إذا اجتمع الرجل بأهله، فسيغنيه الله من فضله. ففطن الشيخ ذو الهول والغول، لما دار بينهما من لحن القول. وقال: قد قضى الله باليسرى، فلك البشرى. واعلم أنه قد خطب إلي أكرم الأصهار، على مهر ألف دينار. فلم يسمح بفراق جنتي جناني، ولم يطب عن روحي وراحي وريحاني.
стр. 177
غير أن البيع مرتخص وغال، فلا يحول بيننا المال. قال: إن في يدي مائة دينارٍ إن كانت تكفيها، فبورك لك فيها. قال: هيهات، ولكن هات! فلما قبض المال قال: جعل مباركاً أينما كان، ولكن تنظرني هنيهة من الزمان. فتواعدا إلى أجل مسمى، وذهب الفتى جذلان بكشف الغمى، وانكشاف المعمى. قال: فلما حان أجل الزفاف، أقبل الفتى كالغداف. فوجد الشيخ يتأهب للرحيل، ويودع من هناك من أبناء السبيل. فأجفل الفتى أي إجفال، وقال: ما بالكم تزمون الجمال؟ قال: يا بني إني صرفت الدنانير بين الجفان والكؤوس، فلم يبق لي ما يقوم بتجهيز العروس. فأردت أن أتحول إلى الحلة إذ ذاك، لأقضي حقها بتلية لي هناك. فأشهد الفتى أن ليس له عنده
стр. 178
عرض ولا نقد، وقال: هلم إلى القاضي لإمضاء العقد. فانطلق معه الشيخ والجارية، وهو يريد أن يأخذها ولو بقرطي مارية. فلما دخلوا على القاضي قال الشيخ: يا مولاي إن هذا الفتى قد خطب امرأتي إلي، وهي غير مطلقةٍ من عصمتي ولا مطلقةٍ من يدي. فاعقد له عليها إن رأيت، وإلا فق له: اذهب من حيث أتيت! فقال الفتى: كلا يا مولاي إنها سليلته، لا حليلته. فقال القاضي: إن جئت ببينة لذاك، وإلا فقد سقطت دعواك. ولما نظر القاضي إلى توقفه، أمر بطرده عن موقفه، وأخذ يعنف الشيخ سوء تصرفه. فتباكى الشيخ وتنهد، ثم أشار إلى القاضي وأنشد:
قد رجم الدهر بشهب النحس ... حتى هممت بفراق عرسي
خوفاً عليها من حلول الرمس ... لشدة العيش وضنك النفس!
ما برحت، مذ أربع أو خمس، ... تصبح في مجاعة وتمسي!
ولا أرى في راحتي من فلس ... يقوم بالطعم لها واللبس
стр. 179
وهي فتاة من سراة عبس، ... أخوالها من آل عبد شمس
معتادة نحر المهى بالأمس، ... وشرب ألبان العشار الدخس
وملبس السندس والدمقس، ... لكنها من طيب ذاك الغرس
قد أنفت ارتكاب الرجس ... فأنكسرت خروجها من حبسي
وقد شكوت علتي للنطس ... عساه يسقيني شراب الورس
فيكتفي الناقه شر النكس
ولما فرغ الشيخ من الإنشاد رق له القاضي حتى استهل دمعه أو كاد. وقال: أيها الشيخ لا عجب، إذا أدركتك حرقة الأدب. فاعتثم الآن بهذه الدريهمات على أمر نفسك، وأنفق مما رزقك الله حلالاً طيباً واتق الله في أمر عرسك. فأخذ نحلة القاضي وأثنى عليه
стр. 180
بما استحق، وقال: مثلك من قضى الحق، وقضى بالحق قال سهيل: فلما فصلنا عن باحة القضاء، وحصلنا في ساحة الفضاء. قال: يا بني أقرب وخذ هذه الرقعة واكتب:
قل للذي رام الفتاة المحصنة: ... إن كنت تبغي شركة عن بينه،
فلنتهايا سنة بعد سنة ... لكن هذا العام يقضى لي أنه
إذ قد بدأت فيه بعض أزمنه ... حتى إذا ما نفدت هذه الهنة
زفقتها حالية مزينة ... إليك إذ تبغي، بأي الأمكنة
لكن على شريطة معينة ... تبذل لي من مهرها نصف الزنة!
ثم قال: يا فلان، قد استحيت من دخولي الخان. فأرى أن تترك الجواد وتنساب وتأخذ ما لي هناك من الأسباب، وتلصق هذه
следующие страницы →