← Адаб

Адаб · id 189

مجمع البحرين لليازجي = مقامات اليازجي

اليازجي، ناصيف

Полный текст (414 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

قد فسد الدهر لطول الأمد ... فلا يسود فيه غير الأمرد إن الفتى قد جد لي في اللدد ... إذ ليس لي من سند أو عضد شكوته إلى أمير البلد ... وقد رجوت أن يكون منجدي فكان خصماً مثله لم أجد ... كأنما قطعت رأسي بيدي لئن منعت عن قريض المنشد ... فالنثر أشفى لغليل الكبد وإن تجاوزت العراق في غد ... فكن لركبان السرى بمرصد إن حملت شعري لأهل المربد قال: فكأن الأمير أفاق، وأشفق من التنديد به في الآفاق. فقطع لسان الشيخ بنصاب، وقال: هذا أيسر ما به نصاب. ثم قال له: دع التهم بينك وبين الفتى، فليذهب أمامك من حيث أتى. فانصرف الشيخ والفتى يتضاحكان، كأن لم يكن بينهما شيء مما كان. قال سهيل: وكنت قد تبينت أن الشيخ صاحبنا ابن الخزام، فهرعت على أثره لأنظر ذلك الغلام. وإذا به قد ناوله الدنانير، وقال: اشكر نعمة الأمير،

стр. 72

فعجبت من استحالة تلك الحالة. وقلت: سرعان ذا إهالة. فابتدرني الشيخ بالسلام وهنأني بالسلامة وقال: أهلاً بأبي عبادة الذي لا تفوته مقامة! قلت: بل أهلاً بالمقعد المقيم، فما هذا الملك الكريم؟ فاهتز اهتزاز المهند، وتبسم لي وأنشد: هذا غلامي بل أنا غلامه ... يا طالما أفادني استخدامه! ينفعني في منزلي قيامه ... وفي الدجى يؤنسني كلامه وفي السرى يسعفني اهتمامه ... حتى إذا أعوزني طعامه سعى بسد خلتي خصامه ثم قال: أنت راويتي وشاهدي، وجليسي في مشاهدي. فلك أن تشاركني في العطاء ولكن عليك أن تحمل عني شطر الهجاء. قلت ليس من هجاك إلا كمن هجاء الورد، فعليه كل هجائه ولا شريك له من بعد. قال: قد أحسنت الجواب وإن لم يصب موضعه، فخذ هذه

стр. 73

النحلة وادع لي بالفلاح والسعة. فودعته مطنباً بشكره متعوذاً من مكره. المقامة الثانية عشر وتعرف بالأزهرية حكى سهيل بن عباد قال: شخصت إلى القاهرة من بلاد الشام، في ركب فيه ميمون بن خزام. فكان يحملنا بحديثه في المراحل، وينسينا لغب السير في المنازل، حتى تبطنا السرى في ليلة حالكة الأديم، وقد قدرنا القمر منازل حتى عاد كالعرجون القديم. فشمذنا إزار السفر، وأوغلنا في تلك القفر. وما زلنا نخبط في ذلك الديجور الأربد، حتى تبين لنا الخيط الأبيض من الخيط الأسود. فمالت أعناق الناس، من النعاس. وأشفق الشيخ من

стр. 74

طوارق البادية، فأراد تنبيه الأعين الساهية. فانتدب سجيته السيطرة، ورفع عقيرته الضبطرة. وأنشد يقول: أيها الراكب الميم مصراً ... ألق سمعاً فللحديث فنون دون مصر عين وعين وعين ... قام فيها نون ونون ونون قال: فطارت السنة من الجفون، بين تلك العين والنون وتحدث القوم بما يكون وما لا يكون. هذا وقد أخذت المطايا في الذميل، وهي تقطع ميلاً بعد ميل، حتى وردت ماء النيل، فتهلل وجه الشيخ ميمون، وقال: هذه عين يشرب بها عباد الله ويسبح فيها النون. فقال القوم: قد فتح الشيخ لنا الباب، فليتذكر أولو الألباب. قال: إذا ألقينا العصا فسنفتح أبواباً أخرى. وسنجعلها للناس تبصرة وذكرى. قال: وما زلنا نستقبل المقبلة ونستدبر الدابرة، حتى دخلنا مدينة القاهرة. فلما أصبحنا دعاني الشيخ إلى ما أراد، وخرجنا نستن كخيل الطراد. حتى أتينا الجامع الأزهر، فأوحى إلي ما أوحى وقال: اصدع بما تؤمر. فمكثت

стр. 75

ريثما دخل المقام، وفرغ من السلام. ثم دخلت فحييت القوم، فقام مسلماً علي كأن لا عهد بيننا مذ اليوم. ولما استقر بي القرار أشار إلي، وقال: مهيم يا بني؟ قلت: قد هجمت بي على هذا المجلس، رقعة كصحيفة المتلمس. فإن كشف لي هذا النادي حجابها المستور، وإلا فقد يئست منها كما يئس الكفار من أصحاب القبور. قال: اقرأ باسم ربك الذي خلق، فكم ركب هنا مثلها طبقاً عن طبق. فقرأتها أقول: سمحت في الشام بألف كامل ... مقتبساً مسألة من سائل يقول: أي اسم بغير طائل ... يركب في التركيب متن الباطل ليس بمعمول ولا بعامل ... وربما أفاد غير العاقل فوق إفادة اللبيب الفاضل ... وقد جعلت مثل ذالك النائل لمن يجيء بالجواب الفاصل قال: فأطرق كل من حضر، ولم يقفوا على خبر ولا خبر. وجعل الطلبة

стр. 76

هنالك، يخبطون في ليلها الحالك. والشيخ يعجب منها ويعجب، ويعظم أمرها ويطنب. فقال الأستاذ: إني قد جعلت على نفسي ما جعل هذا الشاعر، فإن الفوائد تشترى بالذخائر. فترنحت أعطاف الشيخ ابتهاجاً بالظفر، وقال: إن الناس يستنزلون البدر بالبدر، ثم أنشد يقول على الأثر: قل يا ابن عباد لهذا السائل ... ذاك اسم صوت شاع في القبائل وهو من الأغفال والعواطل ... لا يبتنى منه كلام قائل وإنما تركيبه في الحاصل ... مزج بما قدم في الأوائل فهو مع التركيب غير قابل ... لنحو مفعول به أو فاعل ويستفيد منه قلب صاهل ... ما ليس قلب ناطق بشاغل فلا تكن عن حفظه بغافل قال: فعظم الشيخ في أعين الجماعة، لما رأوا عنده من البراعة. وقالوا: لقد

стр. 77

حق لك الثواب، إن كنت مبتكر الجواب. فاستشاط من الغضب، حتى كاد يخرج عن الأدب. وقال: يا هؤلاء قد رميتموني بسهم إن أصاب جرح، وإن أخطأ فضح. فلأركبن معكم ما شئتم من المسائل، ليحق الله الحق ويبطل الباطل. فقال أحدهم: إنني مشتغل بعلم العروض فهل لذلك عندك من عروض؟ قال. اللهم نعم ما الفرق بين المعاقبة، والمكاتفة والمراقبة؟ وما الفرق بين ما تم من الأبيات وما وفى، وبين المصرع منها والمقفى؟ وأي بحر يستبيح أجزاء صاحبه ولا حرج عليه، فإن اختلس منه صاحبه جزءاً سيق برمته إليه؟ فأجاب الرجل

стр. 78

بعض الإجابة وهو يمزج الخطأ بالإصابة. ولما رأى الأستاذ عكس القضية، ثارت به الحمية. فقال للشيخ: إن كنت من علماء اللغة فكم هي مخارج الحروف، وما هي صفاتها التي يتميز بها الموصوف؟ وماذا يمنع

стр. 79

الإدغام والإعلال، بخلاف القياس في الأفعال؟ ولماذا يكتب نحو اصطفى بالياء، وقد كتب مجردة بالألف الملساء؟ فقال الشيخ: إن أخطأت في الجواب فليس لي عندكم شيء، وإن أصبت زتموني أرش جنايتكم علي. قال: قد أحسنت في الشرط والجزاء فأنا على ما تشاء. فأفاض الشيخ في شرحه حتى شرح الصدور، وقال: هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور؟ ثم اعتمد على عصاه، وقال: أستودعكم الله! فنهض إلى وداعه الأستاذ الكبير، وألقى في ردنه صرة من الدنانير. فخرج يجر الذيل، وقال: هلم يا سهيل. فلما صرنا بمعزل قال: قد حملت رقعة المسألة، واستفدت حل المعضلة! أفتبغي أن يبذل كل لصاحبه ما عليه، أم نطرح الحساب من طرفيه؟ قلت: كلاهما خطر، فلك النظر. قال: أنت ضيفي ما دمنا في هذه البقعة،

стр. 80

فلا حاجة لك بدينار ولا قطعة. قال سهيل: فمكثت حيناً من الدهر وإياه، أتيمن بهلال محياه، وأتعلل بزلال حمياه. إلى أن حلت الشمس برج الأسد، ففارقني فراق الروح للجسد. المقامة الثالثة عشرة وتعرف بالتغلبية قال سهيل بن عباد: شخصت في نفر من أهل العالية، إلى أطراف تلك البادية. فسرنا لا نألو جهداً، ولا نعلو مهداً. حتى تبطنا مفازة قد ضربت أساهيجها الريح، كأنها أهاجيج شق أو سطيح. فأرسلنا إبلنا العراك، وأخذنا في الرسيم الدراك.

стр. 81

وبينما نحن كذلك إذا فرسان قد أشرعوا العوامل، ونادوا: يا لتغلب ابنة وائل! فما كان إلا كرجع النفس، أو لمع القبس. حتى أحاطوا بنا إحاطة الأسورة بالمعاصم، وقالوا: لا مانع لكم اليوم من أمر الله ولا عاصم. فسرنا بينهم كالنعاج بين الذئاب، حتى انتهينا إلى حلة كثيرة الخيام والقباب، مكتظة بالخيل والركاب. فطرحونا إلى سرادق كقبة نجران، فيه شيخ كعبد المدان، على قصعة

стр. 82

كجفنة عبد الله بن جدعان. وحواليه حلقة من ذوي البوسى، كأنهم من بقايا قوم موسى. فبتنا نجص في الرباط عند القوم، وأنا لم تأخذني سنة ولا نوم. حتى أوشك صبغ الليل أن يحول، وإذا بجانبنا قائل يقول: يا ليل قد طلت فهل مات السحر ... أم استحالت شمسه إلى القمر؟ طلت على شيخ قليل المصطبر ... قد بات في القيد، كما شاء القدر! يا ليت قومي يعلمون بالخبر ... وليت ليلى نظرت هذا النظر يا أيها الظالم كن على حذر ... كل صغير وكبير مستطر من شاء فليؤمن ومن شاء كفر قال: فلما توجست هذا الكلام، تنسمت منه نسيم الخزام. فقلت:

стр. 83

قد سطعت ريح الخزام ليلاً ... فأدركت من فورها سهيلا عسى تفيد بعد ذاك سيلا فقال: الله أكبر، قد هان علي الموت الأحمر. قلت: نفسي فداء نفسك، فكيف أمر حبسك؟ قال: أخذت من أرض الجزيرة، على غير جريرة، والله أعلم بالسريرة. وإذا رجل قد تخلل إليه الأسرى، كأنه من آيات ربه الكبرى، وقال: هيهات لا تغني نفس عن نفس شيئاً ولا تزر وازة وزر أخرى. ثم أخذ بيده وقاده كالبعير، حتى وقفه بحضرة الأمير. فتلقاه الأمير بالوجه العبوس، وقال: أف لك يا أشأم من البسوس! أتهجو

стр. 84

العرب الذي منهم أخذ الشعر والخطاب؟ وعلى كلامهم بني التصريف والإعراب. ومنهم تعلمت الناس الفصاحة، واجترأت الكرام على

стр. 85

السماحة. وهم ضراب السيوف، وشراب الحتوف، وقراة الضيوف، وحباة الألوف، وحماة السجوف. وآثارهم في الحذاقة والكرم، وحفظ الجوار والذمم، أشهر من نار على علم. فكيف استطعت أن تقول للصبح يا ليل، وللشمس يا سهيل؟ قال سهيل: وكنت بمرأى من ذلك ومسمع، فقلت للحارس: إن الأمير يدعوني فلا تمنع. فأطلقني وهو يرعاني حتى دخلت في الجماعة، وإذا الأمير يقول: هات أبيات الشيخ يا أخا قضاعة. فقام فتى بين المحشد، ونظر إلى الشيخ وأنشد: من رام أن يلقى تباريح الكرم ... من نفسه فليأت أجلاف العرب ير الجمال والجلال والخشب ... والشعر والأوبار كيفما انقلب أسرق أهل الأرض عن أم وأب ... وأسمج الناس وأخزى من نهب

стр. 86

لا تعرف الأقدار فيهم والرتب ... ولا يبالون بأحرار النسب لكن يغرون على حفظ النشب قال: فصفق الشيخ عجباً وأقسم بتربة نزار أنهم ممن يحرفون الكلم عن مواضعه ويبدلون الجنة بالنار. قال: إن يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر، فهات ما صح عندك من الأثر. فأنشد يقول: من رام أن يلقي تباريح الكرب ... من نفسه فليأت أحلاف العرب ير الجمال والجلال والحسب ... والشعر والأوتار كيفما انقلب أشرف أهل الأرض عن أم وأب ... وأسمح الناس وأجرى من يهب لا تعرف الأقذار فيهم والريب ... ولا يبالون بإحراز النشب لكن يغارون على حفظ النسب قال: فسرى غضب الأمير وأمسك عن التعنيف، وجعل يعجب من

стр. 87

ذلك التصحيف والتحريف: فقال: يا مولاي حاشا أن أهجو قومي الذين منهم حسبت، إليهم نسبت. وبهم يشد أزري، ويستقيم أمري. قال: فما أنت وعرب القفار، وما عندك لهم من الآثار؟ قال: عندي ما أحببت، فلا تسأل عن شيء إلا أجبت. قال: هل تعرف مشاهير العرب الذين ترسل بهم الأمثال؟ قال: اللهم نعم، وأنشد في الحال: من أشهر الأمثال في القبائل ... عزة ذي الحمى كليب وائل وطلب الثأر إلى المهلهل ... ينسب كالوفاء للسموأل

стр. 88

ورأي قيس مثل جود حاتم ... شاع وفتك الحرث بن ظالم

стр. 89

وحلم معن وهو ابن زائده ... وقس ذو الفصاحة ابن ساعده

стр. 90

وشاعت الحكمة عن لقمان ... وهكذا الخطبة عن سحبان واشتهرت فراسة الأفراس ... عن عامر والحذق عن إياس

стр. 91

والحضر يعزى لسليك السلكه ... وحيلة القصير نعم الملكه

стр. 92

وهكذا رواية ابن أصمع ... تذكر والجمال للمقنع واشتهر الحزن عن الخنساء ... مثل اشتهار بصر الزرقاء

стр. 93

قال: حياك من كور النهار على الليل، فهل تعرف مشاهير الخيل؟ فأنشد: أشهر خيل العرب: المشهر ... ثم النعامة التي لا تنكر وداحس منهن والغبراء ... كذلك الخطار والحنفاء وأعوج ولاحق سكاب ... كذلك العبيد والعقاب كذا العصا وأمها العصيه ... وكم لهم أماً وكم بنيه قال: قد أحسنت في الإعراب، فهل تعرف أبيات الأعراب؟ فأنشد: خباء صوف ويجاد الوبر ... وقشع جلد سترة من مدر وخيمة الغزل وفسطاط الشعر ... وقبة اللبن حظيرة الشجر وهكذا الطراف من أديم ... تنزلها العرب من القديم

стр. 94

قال: إن كنت من أهل هذا المقام، فهل تعرف ما لهم من ألوان الطعام؟ فأنشد: بعض طعام العرب الرغيده ... رهيدة لهيدة نهيده وضيعة ربيكة لبيكه ... حريقة سهيكة وديكه وزيمة سخينة فيحاء ... حريرة خزيرة حساء مضيرة عبيثة ثريد ... وحسبنا هذا فلا نزيد قال: وهل تعرف ما لهذه الأطعمة، من الآنية المفعمة؟ فأنشأ يقول: آنية الطعام عند العرب ... أعظمها دسيعة في الرتب فجفنة فقصعة تعد ... فصفحة مثكلة من بعد ففيخة لواحد مقدره ... وفوقه ما فوقها للعشرة

стр. 95

قال: وهل تعرف هذه المسألة الباقية، عن أزلام الميسر في البادية؟ فأنشد: فذ وتوأم قيب نافس ... والحس والرابع قيل الخامس كذلك المسبل والمعلى ... مما على النصيب قد تولى ثم السفيح والمنيح الرغد ... ليس لها إلى النصيب رشد قال: فعجب الأمير من جريه هذا المجرى، وقال: قد كذبت من قال صاحب البيت أدرى. فلا جرم أنك من صميم العرب العرباء، وأبلغ من تحت الجرباء. ولقد جنينا عليك بما أسرناك، فاعذرنا كما

стр. 96

عذرناك، ثم أمر بالطعام، وقال: كيف أنت والمدام؟ قال: إذا أصابت الظباء الماء فلا عباب، وإذا لم تصبه فلا أباب. على أني لا أزدرد الطعام السلجلج، ولا أسيغ اللبن السملج. ما لم تكن يد غلامي قبل يدي، فإنه بمثابة ولدي. قال سهيل: وكنت قد أضمرت الفرار، إذا تعذر القرار. فلما آنست صفو الكأس، برزت من موقفي بين الناس. فدعاني الأمير إلى بساطة، وأقبل علي بانبساطه. وأقمنا عنده ثلاثاً من الليالي، أنقى من اللآليء. حتى إذا أزمعنا السفر، ودعنا النفر. قال للشيخ: نحملك كما حملناك على الأدهم، فدونك هذا الجواد المطهم. قلت: مثل الأمير من حمل على الأدهم والأشهب، فإني أذهب كما يذهب. قال: قد رجبت لكما العطية،

стр. 97

فضلاً عن المطية. فخرجنا بالخيل والمال والزاد، ونحن نذم المبدأ ونحمد المعاد. المقامة الرابعة عشرة وتعرف بالهزلية حكى سهيل بن عباد قال: كان لي زوجة صناع اليدين، كريمة النبعتين. فحسدتني عليها المنون، وخانني فيها الدهر الخؤون. فلبثت بعدها طويلاً، أردد زفرة وعويلاً، وأنوح بكرة وأصيلاً. حتى حال عليها الحول. وآلت الفريضة إلى العول. فناجتني الحوباء، أن أستبدل ما طالب لي من النساء. ولما لم أجد في الحي، من تروق بعيني. أزمعت الاغتراب، وبكرت بكور الغراب.

стр. 98

فهملجت سحابة النهار، على هملعة عبر اسفار. حتى إذا جنح الظلام رفرف، نزلت بقاع صفصف، في خلال نفنف. فبينما ألقيت وسادي، وتلقيت مائي وزادي. سمعت غطيطاً كأطيط البعير، وزفرات تتصاعد كالزفير. فجنحت عن القمر، إلى السمر وأخذت لنفسي الجذر. ولبثت أتنكب الغمض، وأقلب طرفي بين السماء والأرض. وإذا جارية قد تنهدت، ثم أنشدت: هل من سبيل لي إلى العتاق ... من رق ظلم أو إلى الإباق ما زلت من ذلك في وثاق ... تكاد روحى تبلغ التراقي أطوي على الطوى من الإملاق ... حتى إذا امتدت دجى الأغساق أضوى إلى شيخ جو خفاق ... واهي القوى منهتك الصفاق

стр. 99

ذي الحية أثيثة الأعراق ... تضربها الرياح في الافاق تلبدت طاقاً وراء طاق ... كأن فيها مربض النياق منها دنار الليل حتى الساق ... وظلة النهار كالرواق يجري عليها رمض الآماق ... ووضر المخاط والبصاق حتى ترد المشط بالإزلاق ... فهل كريم النفس والأخلاق يحتال لي بفرجة الطلاق ... وهبته ما لي من الصداق وزدته ثوبي إلى النطاق قال سهيل: فافتتنت بفصاحتها، ولم ألتفت إلى قيد ملاحتها. وقلت: لا جرم أنه قد خازمني التوفيق، من معاجيل الطريق. فأنشدت: الحمد لله وبالله الثقة ... قد صادق الكحل سواد الحدقة واهاً لهذي الطرفة المتفقة ... إن لم نقل وافق شن طبقة فإننا أحمق من هبنقة

стр. 100

قال: وإذا بالشيخ قد استوى، وقال: ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى. ثم أنشد يقول: قد علم الله الذي له البقا ... لو ترك الدهر لكفي رمقاً

стр. 101

لم تبق إلا ريث أن تطلقا ... ولم تجد عندي فؤاداً شيقاً ولا ذكرت جيدها المطوقا ... ولا جبينها النقي اليققا ولا سواد عينها ذات الرقى ... ولا محياها الجميل الطلقا ولا حديثها وذاك المنطقا ... لكن لها علي مهر سبقا ومهر أخرى بعدها قد لحقا ... فإنما الإنسان زوجاً خلقاً فإن أر المهرين عندي غسقا ... طلقتها والصبح لم ينبثقا لا عيش للزوجين لم يتفقا ... ومن تراه معرضاً قد وثقا بالهجر فاهجره إلى يوم اللقا قال: فاستفزتني أبيات الشيخ فرحاً، حتى كدت أصفق مرحاً. ولم

стр. 102

أتمالك أن دلفت إليه دلفة من تيمن، وقلت: حيا الله الشيخ فمن أنت وممن؟ قال: أنا المبارك بن ريحان، من بطون قحطان. وإني لأرى الفتاة قد شغفتك حباً، وخلبت منك لباً. فإن كنت تملك النقدين، فابذل اللجين، واغتنم قرة العين. قال: فهل علي الوجد بذل الجدة، ونفحته بما معي حتى أفعم ردنه ويده. فأشهد عليه الله والملائكة المقربين وقال لي: بالرفاء والبنين! فلما طرحت النقد، واستبحت العقد، أردت أن أتحول بأهلي، إلى رحلي. فقال: حاشا لك أن تتركني الليلة سمير الفرقدين، ولكن غداً تذهب أنت بالعروس وأنا بخفي حنين. فبت عنده بليلة

стр. 103

الملسوع، وعيني لا يأخذها الهجوع، حتى آذن الصبح بالطلوع. فتبينت وإذا الفتاة ليلى الخزامية والشيخ أبوها ميمون، فقلت أنا لله وأنا إليه راجعون. ما أرى بعل هذه الصبية، إلا كعكاش بعل طمية. فاستغرب الشيخ في الضحك، ثم أنشد غير مرتبك: سلاماً يا ابن عباد سلاماً ... أكهلاً قمت فينا أم غلاماً؟ أريتك إن ملكت طلاق ليلى ... فهل عقد ملكت به الزماما؟ عروس ليس تخلو من خداع، ... وقد لا تعدم الحسناء ذاما فطلقها، كما طلقت، واعلم ... لقد جعلت على كل حراماً

стр. 104

عرفت وقائعي في كل أرضٍ ... ولكن لست تعرفها تماماً ولست ترى سقاماً في مريضٍ ... فتعرفه كمن ذاق السقاما رزأتك يا أعز الناس عندي ... لشدة فاقة برث العظاما ورب كريمة أكلت بنيها ... إذا جاءت، ولم تجد الطعاماً! قال: فقلت له شهد الله أنك لأمكر أهل الخافقين، وأقدرهم على الزين والشين. قال: يا بني إن الخلة، تدعو إلى السلة. والصدق خمر مزاجها الكذب، والجد ثوب طرازه اللعب. ورب طرفة، خير من تحفة. فإن كنت قد ظمئت إلى الضحل، ونسيت أن لا بد دون الشهد من إبر النحل. فهب المال عندي كإحدى القرض، ريثما أرزأ من أستنض لك منه العوض. قلت: قد علم من عنده

стр. 105

علم الغيب أن هذه الطرفة عندي خير نخل هجر وعرائض الحصيب. فاعتنقني كمن تملق، وقال: كلانا أفلس من ابن المذلق، فمن أحرز المال فعليه الإنفاق يعلق. قلت: أنا والمال في يديك، وكلانا لك وإليك. قال: حياك الله فسنستبدل الجمر بالتمر، ولكن اليوم خمر، وغداً أمر. فقضيناه يوماً صفا زلاله، وغاب عذاله. إلى أن آذنت الشمس بالأفول، وهم النجم بالقفول. فجلسنا على الطعام معاً ثم أخذ كل منا مضجعاً. وطفق الشيخ يطرفنا من القصص، بما يسيغ الغصص. وما زال كذلك مذ أطبقت الجونة على الصمير، حتى أقبل فحمة بن جمير. فران على جفني الكرى، حتى سقطت

стр. 106

على الثرى محلول العرى، لا أسمع ولا أرى. فلم أنتبه إلا وقد ذر قرن الغزالة الضاحي ولا رجل ولا امرأة في تلك الضواحي. فاستعذت بالله من مكره ونكره، وثرت إلى الناقة لأرتحل في إثره. فلما دنوت من قتبها، إذا رقعة قد كتب بها: قل لسهيل إذ يهب في السحر: ... إعذر فخير الناس عندي من عذر! خلقت مطبوعاً على كيد البشر ... وليس للإنسان تغيير الفطر ولا يعاند القضاء والقدر ... إلا الذي عصى الإله أو كفر وإن تجد سيئة في ما ندر ... فكم وكم حسنة في ما عبر! وإن يكن غرك منها ما ظهر ... فتلك لا علم لها ولا خبر إلا الذي علمتها في ما استتر ... فإن ترد صاحب هذه الغرر فخذ أباها! إنه أم العبر ... والمهر من أمس إليه قد حضر جرياً على المفروض من حظ الذكر

стр. 107

فلما قرأت تلك الرقعة، عجبت من تلك الرقاعة، وعلمت أنه لا يحول عن هذه الصنعة ولا يترك هذه الصناعة. فشكرت نعمته إذ لم يأخذ الناقة، ورجعت أدراجي لما اعترض دون سفري من الفاقة. المقامة الخامسة عشر وتعرف بالرملية قال سيهل بن عباد: حللت بالرملة لوطر أقضية، ودين أقتضيه. فأقمت بها شهراً وكنت أحسبه دهراً. حتى إذا بلغت اللدنة، خرجت تحت الدجنة. وكان الشهر قد وقع في الأنين، فاعتسفت بين الشك واليقين أتجانف تارة ذات الشمال وأخرى ذات اليمين. وما زلت أخبط الظلماء، حتى أقمرت السماء.

стр. 108

فتبينت وجه الهدى وإذا أنا أمشي على مثل المدى، من حرار تلك الكدى. فوقفت كالحائر اللهف، لا نظر من أين تؤكل الكتف. وإذا ركب يضربون أكباد الإبل، وفي صدرهم شيخ ينشد بصوت زجل: يا من يرى ما لا يرى ولا يرى ... ويعلم السر وأخفى في الورى دعوتك اللهم إذا طال السرى ... ومالت الأعناق من خمر الكرى يسر لنا رزقاً من العرش جرى ... أو فاهدنا لباب رزق يعترى نعد إليه مثل عدو الشنفرى

стр. 109

قال: فلما سمعت ذلك الدعاء خشيت أن يستجاب وأكون أنا ذلك الباب. فوقعت في حيص بيص. إذ لم أجد لي من محيص. ولم يكن إلا كنغبة طائر حتى حمل علي كالثائر. وقال: قد أنجح ربك الطلب، فخل عن السلب. حتى إذا كاد يدركني بسنانه، أخذت جارية بعنانه، وقالت: بتربة خزام دعه يمضي لشانه. فلما آنست ريا الخزام، تفرست فإذا ميمون وليلى والغلام. فاطمأن هنالك قلبي، وانفثأت لوعة كربي. ونزلنا جميعاً على تلك السلام، وتطارحنا السلام بالسلام. وقضينا ثميلة ليلنا البارح، إلى أن صدح الصادح، وسكت للنابح. فقال أنا نريد الرملة، فهل أنت في الجملة؟ قلت: إن العود مع مثلك أحمد، ولو إلى برقة ثهمد. وقمنا

стр. 110

نسير الوحى، فدخلناها رائعة الضحى. وإذا أنا قد كنت أمشي مشية الرحى، ولما ألقينا العصا، أخذ الشيخ يتجهز لطرق الحصى. ثم قام بي يتفقد المعاهد، ويتعهد المشاهد. حتى انتهينا إلى مكتبة مكتظة بالطلبة فتخللنا المقام، وقلنا: سلاماً! قالوا: سلام. وكان بينهم شيخ قد لبس العمائم الثلاث فأشار إلى بعض أولئك الأحداث. وقال: هل تذكر الأبيات العواطل، أم ذهبت عنك بالباطل: فأنشد ولم يماطل: ألحمد لله الصمد ... حال السرور والكمد الله لا إله إلا ... الله مولاك الأحد لا أم لله ولا ... والد لا ولا ولد أول كل أول ... أصل الأصول والعمد الواسع الآلاء وال ... آراء علماً والمدد الحول والطول له ... لا درع إلا ما سرد
следующие страницы →