Полный текст (414 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
فابتهجت به ابتهاج الساري بالقمر، ونسيت ما مر بي من بوارح السفر. ثم جلسنا نتناول ما طهت ليلى من الألوان، وهي تختلف إلينا باللحوم والألبان. فقال الشيخ: قد جمعنا بين ليلى وعمها، أفلا نجمع بين ليلى وأمها؟ فما لبثت أن جاءت بزجاجة بيضاء، فيها سلافةٌ سوداء. وقالت: ما أحسن الليل إذا اجتمع بسهيل! قال: وكان في الخصرة فتى من ركب القيروان، عليه مطرف من الأرجوان. فعلق الجارية وافتتن بها، لما رأى من ظرفها وأدبها. فقال: ليس في الموصل إن شاء الله إلا صلة الحبل، واجتماع الشمل. فقالت: إذا اجتمع الرجل بأهله، فسيغنيه الله من فضله. ففطن الشيخ ذو الهول والغول، لما دار بينهما من لحن القول. وقال: قد قضى الله باليسرى، فلك البشرى. واعلم أنه قد خطب إلي أكرم الأصهار، على مهر ألف دينار. فلم يسمح بفراق جنتي جناني، ولم يطب عن روحي وراحي وريحاني.
стр. 177
غير أن البيع مرتخص وغال، فلا يحول بيننا المال. قال: إن في يدي مائة دينارٍ إن كانت تكفيها، فبورك لك فيها. قال: هيهات، ولكن هات! فلما قبض المال قال: جعل مباركاً أينما كان، ولكن تنظرني هنيهة من الزمان. فتواعدا إلى أجل مسمى، وذهب الفتى جذلان بكشف الغمى، وانكشاف المعمى. قال: فلما حان أجل الزفاف، أقبل الفتى كالغداف. فوجد الشيخ يتأهب للرحيل، ويودع من هناك من أبناء السبيل. فأجفل الفتى أي إجفال، وقال: ما بالكم تزمون الجمال؟ قال: يا بني إني صرفت الدنانير بين الجفان والكؤوس، فلم يبق لي ما يقوم بتجهيز العروس. فأردت أن أتحول إلى الحلة إذ ذاك، لأقضي حقها بتلية لي هناك. فأشهد الفتى أن ليس له عنده
стр. 178
عرض ولا نقد، وقال: هلم إلى القاضي لإمضاء العقد. فانطلق معه الشيخ والجارية، وهو يريد أن يأخذها ولو بقرطي مارية. فلما دخلوا على القاضي قال الشيخ: يا مولاي إن هذا الفتى قد خطب امرأتي إلي، وهي غير مطلقةٍ من عصمتي ولا مطلقةٍ من يدي. فاعقد له عليها إن رأيت، وإلا فق له: اذهب من حيث أتيت! فقال الفتى: كلا يا مولاي إنها سليلته، لا حليلته. فقال القاضي: إن جئت ببينة لذاك، وإلا فقد سقطت دعواك. ولما نظر القاضي إلى توقفه، أمر بطرده عن موقفه، وأخذ يعنف الشيخ سوء تصرفه. فتباكى الشيخ وتنهد، ثم أشار إلى القاضي وأنشد:
قد رجم الدهر بشهب النحس ... حتى هممت بفراق عرسي
خوفاً عليها من حلول الرمس ... لشدة العيش وضنك النفس!
ما برحت، مذ أربع أو خمس، ... تصبح في مجاعة وتمسي!
ولا أرى في راحتي من فلس ... يقوم بالطعم لها واللبس
стр. 179
وهي فتاة من سراة عبس، ... أخوالها من آل عبد شمس
معتادة نحر المهى بالأمس، ... وشرب ألبان العشار الدخس
وملبس السندس والدمقس، ... لكنها من طيب ذاك الغرس
قد أنفت ارتكاب الرجس ... فأنكسرت خروجها من حبسي
وقد شكوت علتي للنطس ... عساه يسقيني شراب الورس
فيكتفي الناقه شر النكس
ولما فرغ الشيخ من الإنشاد رق له القاضي حتى استهل دمعه أو كاد. وقال: أيها الشيخ لا عجب، إذا أدركتك حرقة الأدب. فاعتثم الآن بهذه الدريهمات على أمر نفسك، وأنفق مما رزقك الله حلالاً طيباً واتق الله في أمر عرسك. فأخذ نحلة القاضي وأثنى عليه
стр. 180
بما استحق، وقال: مثلك من قضى الحق، وقضى بالحق قال سهيل: فلما فصلنا عن باحة القضاء، وحصلنا في ساحة الفضاء. قال: يا بني أقرب وخذ هذه الرقعة واكتب:
قل للذي رام الفتاة المحصنة: ... إن كنت تبغي شركة عن بينه،
فلنتهايا سنة بعد سنة ... لكن هذا العام يقضى لي أنه
إذ قد بدأت فيه بعض أزمنه ... حتى إذا ما نفدت هذه الهنة
زفقتها حالية مزينة ... إليك إذ تبغي، بأي الأمكنة
لكن على شريطة معينة ... تبذل لي من مهرها نصف الزنة!
ثم قال: يا فلان، قد استحيت من دخولي الخان. فأرى أن تترك الجواد وتنساب وتأخذ ما لي هناك من الأسباب، وتلصق هذه
стр. 181
الرقعة بالباب. ثم توافيني إلى باب المدينة، لنرحل من هناك بالظعينة. قال: فعلت كما أمر، لكنني لم أجد إلا خفاً بالياً فوافيته به على الأثر. حتى إذا أفضيت إلى الميعاد، لم أجد الشيخ ولا الجواد. فانثنيت أريد الدخول، وإذا رقعة على الرتاج قد كتب فيها يقول:
ألا قل لابن عباد بن صخرٍ ... عليك تحيةٌ، ولك البقاء
تركت ركوبة وأخذت أخرى ... فراحلةٌ براحلةٍ سواء!
قال: فرجعت حينئذ بخف ميمون، واستعذت بالله من مكر كل خوون.
المقامة الرابعة والعشرون وتعرف بالمعرية
حدثنا سهيل بن عباد قال: أتيت معرة النعمان، في ما مر من الزمان. فطفقت أجوب في شوارعها وأجول بين أجارعها. وأنا أتنسم أخبار العلماء والشيوخ، وأتفقد آثار بني تنوخ. حتى
стр. 182
دفعت إلى ضريح أبي العلاء، وإذا حوله جماعةٌ من الفضلاء. وهم يحدقون إلى شيخٍ عليه شارة الجلال كأنه من بقية الأبدال. فجعلت أخترق الجمع وأسترق السمع. وإذا هو قد بسط ذراعيه، وخلل عذاريه. وقال: الحمد لله الذي جعل الحياة الدنيا، طريقاً إلى جنته العليا. أما بعد يا أهل الكتاب، أفتعلمون ما تحت هذا التراب؟ إن تحته رمم الأمراء والكبراء والعلماء والعظماء. وذوي الجاه والسطوة وأرباب السعة والثروة. وذوات الحسن والجمال، وربات الفضل والكمال. فإذا رفعتم هذه الرضام، واستنبثتم هذا الرغام. فهل لكم أن تمسوا تلك الجماجم، بإحدى البراجم؟ أو تتأملوا تلك الضلوع بقلبٍ لا يخامره الهلوع أو تنظروا بقايا تلك الأعضاء، بعين لا يغلبها الإغضاء؟ وهل تعرفون المالك من المملوك والغني من الصعلوك؟ والبهيج من المسيج؟ والكريم من اللثم؟ وهل
стр. 183
تميزون أبا العلاء، من راعي الإبل والشاء؟ وماذا ترون من عهده، بلزومه وسقط زنده؟ وأين صحة فكره، وسلامة ذكره؟ بل أين عزة لسانه القائل: إني لآتٍ بما لم تستطعه الأوائل؟ هيهات قد صار الجميع قوماً بوراً، وجعلهم الدهر هباءً منثوراً! فاضمحلت محاسنهم، واشمعلت خزائنهم ونثلت كنائنهم، وأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم فلينتبه الغافل ولا يشتبه العاقل. وليعتبر كل جبار عنيد ويذكر من كل له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. واعلموا أن الله قد أرسلني إليكم نذيراً، وأقامني بينكم سراحاً منيراً لأذكركم يوماً عبوساً
стр. 184
قمطريراً. فلا تغفلوا عن ذكر شرب تلك الكأس، وهو ذلك اليوم المجموع له الناس. واتعظوا بمن تقدمكم من القرون والأقران، ومن درج أمامكم من العيون والأعيان وتوبوا إلى بارئكم واندموا على ما فات، فإن الله يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات. واعتمدوا حفظ الفروض والسنن ولا تلووا على خضراء الدمن. فإن المحافظة على الصلوات لا تفيد من يتبع الشهوات. في الخلوات. ومكابدة الصوم لا تنفع من يؤذي القوم. وتجشم الحج والعمرة لا يزكي شارب الخمرة. فليس البر أن تولوا وجوهكم شطر المسجد الحرام، ولكن البر من اتقى والسلام. ثم أطرق وتنهد، وكبر وتشهد، وأنغض رأسه وأنشد:
قد غفل الناس عن اليقين، ... وأخذوا بالوهم والظنون!
لا يذكرون غمرة المنون، وموقف الحساب يوم الدين
وهول ذلك العذاب الهون ... يلهون بالغادة والميسون
стр. 185
وبالجزور والودك السمين، ... والراح والقينة والقانون
يا أيها الناس انهضوا في الحين، ... واصغوا لنصح المنذر المبين
لا تشتروا دنياكم بالدين، ... ولا تباهوا بالحما المسنون!
وليدع كل خاشع رزين ... بقلب عبدٍ خاضعٍ حين
يا رب خذ مني باليمين، ... وامنن بروح القدس الأمين
علي، واقبل توبة المسكين
قال: فلما فرغ من أبياته نكس القوم الرؤوس والأبصار، وخضعوا بين يديه كالأسرى بين أيدي الأنصار. فتهلل الشيخ بوجه صبوح وصدر مشروح، وقال: الله أكبر قد تنزلت الملائكة والروح. فالطف، اللهم بعبادك وكن لهم هادياً ونصيراً، وحاسبهم حساباً يسيراً واكفهم خطب يومٍ كان شره مستطيراً. فازداد القوم على وهنهم وهناً، وصارت جبال قلوبهم عهناً. حتى إذا أزمع المسير عن أمد يسير، نبذوا إليه صرة من الدنانير، وبسطوا لديه المعاذير، وقالوا:
стр. 186
إننا ممن يطعم الطعام على حبه، ويكرم الكريم على ربه. فشكر وأثنى، فرادى ومثنى، وانصاع وهو يدعو بالأسماء الحسنى. قال سهيلٌ: وكنت قد عرفت الخزام بأنفاسه وإن كان قد نكر من لباسه. فقفوته حتى أدركته عن كثب، وإذا به قد جلس بين ليلى ورجب وهو يقسم دنانير الذهب. فيقول: هذا للجزور وهذا للشراب، وهذان للعود والرباب! فقلت: تأمرون الناس بالبر والله يعلم السر؟ فنظر إلي بعين دحرش، وزجرني بصوت دهرش. وقال: قد أردت أن أودع الدنيا، فإني قلما أحيا وأما أنت ففي ريعان الصبا وصحة المزاج، فاقضم الصلصال وتوجر الأجاج. فأمسكت عنه مستكفياً شره، وسدكت به حتى خرجنا من المعرة.
стр. 187
المقامة الخامسة والعشرون وتعريف بالتميمية
حكى سهيل بن عباد قال: رحلت رحلةً إلى البادية في مفازة صادلة. فبذلت وجهي للهجير، ونضوي للعجارير. حتى إذا نضب الماء، وقد تهلل وجه السماء، أخذتني رعدة الظماء. فوصلت السير بالسرى لعلي أظفر ولو بالصرى، أو أبلغ بعض القرى. وبينما كنت أخب وأخد وأنا أجد ما لا أشتهي وأشتهي ما لا أجد. إذا راكبٌ على أثري يحدو، وهو يشدو: ذكرت ليلى! فاستهل مدمعي=حتى سقى رحلي، وبل مضجعي
ما لي وحمل شكوة الماء معي؟
فوقع كلامه مني موقع البرء من أيوب، أو بشرى يوسف من
стр. 188
يعقوب. فزففت إليه زفيف الرال حتى أدركته على ناقته المرقال، وهو قد التثم بربطة واشتاذ بعقال. فسلمت عليه تسليم الصديق الأخص، وقلت: أغثني بشربة ماءً ولا تقل جاوزت شبيثاً والأحص. فقال: إن أخا الهيجاء من يسعى معك ومن يضر نفسه لينفعك. واعلم أني لا أريد أن أسومك الأثقال، فاقنع منك للجرعة بمثقال. قلت: كل الحذاء يحتذي الحافي الوقع، فاحتكم بحيث لا تكلفني ما لم أستطع. فلما انعطف إلى الشكوة انحل اللثام، وإذا هو صاحبنا الميمون بن الخزام. فوجدت من الدهش ما أذهلني عن العطش. واستلمت يده البيضاء استلامن الحجر الأسود وضممته إلي ضم العين للمرود. وبت تلك الليلة تحت رايته متمتعاً بروائه
стр. 189
ورؤيته وروايته. إلى أن لاح ذنب الشرحان، ونعب غراب الصحصحان. فادلجنا في تلك السباريت، وهو ينزو نزوان المصاليت ويقدم إقدام الخراريت. وما زلنا كذلك حتى أقبلنا على ديار بني تميم، في غسق الليل البهيم. فنزلنا في أطيب خرعى، وتركنا مطايانا ترعى. ثم أفضنا بين الحي واللي، في حديث يذهل غيلان عن مي. حتى لجت السنة وتلجلجت الألسنة. فهجعنا هزيعاً من الليل ثم قمنا نشمر الذيل، وإذا ناقة الشيخ قد ندت فدعا بالحرب والويل. فقلت لعلها قد نزعت إلى بعض أعطان القوم، ولعلنا نصيبها قبل انقضاء اليوم. وسرنا نتعاقب مرة ونترادف أخرى. حتى أتينا الحلة وإذا هي بين الإبل شاخصة
стр. 190
الذفرى. فلما رآها الشيخ صاح: الله أكبر ووثب إليها وثبة الذئب الأغبر. فدفعه بعض الرعاة وقال: لا تعرض نفسك للهلكة ولو كنت السليك بن سلكة. قال: علم الله أنها ناقتي الشاردة، وغنيمتك الباردة. فقال: كذبت يا شظاظ البادية، بل هي من تلادً صعصعة بن ناجية. فتمادى بينهما اللجاج، حتى كاد يفضي إلى الشجاج. ورأى الشيخ أنه ينفخ في رماد، وأن دون بغيته خرط القتاد. فقال: يا يا أبذل من حاتم، وآبل من حنيف الحناتم. إن لي حاجة
стр. 191
بالجفار ولا أتيمن بغير هذه المعشار، فأنا أستأجرها كل يوم بدينار. وهذا غلامي رهن في يديك حتى أردها عليك. قال: أما هذا فعير محظور، على أن تواعدني إلى أجل منظور. فضرب له الأجل، وضرب بها على عجل. قال: وكان قد ألاح إلي فاعتزلت، حتى إذا توارى أقبلت، وأردت الخروج من حيث دخلت فجعجع الرجل بي كصاحب السجن. وقال: هيهات قد غلف الرهن إلى أن يؤب مولاك من الصفن. فقلت: أن صح رهن المرء ما ليس له، فقد رهنتك كل ما في هذه المنزلة. وأصر الرجل على الغي، حتى رافعته إلى أمير الحي. فلما أتيناه سئلت عن المسألة، فقلت: قد رهنني صاحب تلك اليعملة، كما باع نعيمان سويبط بن حرملة. فهلم بالشيخ ليثبت امتلاكي وإلا فلا سبيل إلى إمساكي. قال الرجل هيهات إنه قد سار أسرع من ظليم الدو، فصار أمنع من عقاب الجو. فقال
стр. 192
الأمير: من هذا الشيخ ومن أين؟ فإني أراه أحيل الثقلين. قلت: أبيت اللعن يا مولاي! إني لا أعرف له منبت أسلة، ولا مضرب عسلة. لكنني لقيته سهماً حابياً عند إشرافنا على العهد، فحن إليه وأنشد:
هذا حمى قوم تميم فاختلس ... فيه الخطى من هيبة كالمحترس
فقد حماه كل ليث مفترس ... ليس بهياب الوغى ولا نكس
ينسبه العرق الكريم النبجس ... إلى كريم، ذكره لا يندرس
محيي الوئيدات الذي لم يبتش ... بماله المبذول دون الملتمس!
علمت ما مجد تميم ملتبس ... نعم، ولا رفد تميم يحتبس
стр. 193
يا نافتي هاتيك نار المقتبس ... فإن بلغت الحي فالبشرى لكس
قال: فاهتز الأمير عجباً وعجباً حتى كاد يصفق طرباً. وقال: شهيد الله كأنه أبو فراس، قد قام وعمراً في بردةٍ أخماس. ثم قال للرجل: يا هذا إن اللقطة قد راحت كما جاءت، فهبها لا أحسنت ولا أساءت. والآن فعادو إبلك وأحسن عملك، واقنع بما قسم الله لك. ثم قال: علم الله العظيم، إني لقد وجدت في هذا الشيخ رائحة تميم. فخذ له هذه الناقة الأخرى، واذهب فقد يسرتك لليسرى، لئلا يضيع قول شاعرنا: إننا
стр. 194
نفك الأسرى. قال سهيلٌ: فتسنمت تلك الذعلبة القواداء، وضربت بها في عرض البيداء. وكانت ليلة بدرها قد أنار حتى ألبسها جلباب النهار. فبينما أنا في بعض الطريق، إذا الشيخ قد تدثر ببرجد صفيق وهو يغط كالفنيق. فنزلت عن الناقة، وكتبت في بطاقة:
قل لأبي ليلى: أنا فتاكا ... رهنتني في ناقة هناكا
وقد عفا الأمير بعد ذاكا، ... أطلقني بناقة وراكا
стр. 195
أهداكها، فنعم ما أهداكا ... لكنني أخذتها فتكاكا
فهي فدائي ... وأنا فداكا
ثم ألقيت البطاقة بين يديه وأوفضت وأنا أتلفت إليه. فنجوت من بنانه، ولم أنج من لسانه.
المقامة السادسة والعشرون وتعرف باللغزية
حدث سهيل بن عباد قال: أدنفني هم ناصب، بليت منه بعيش شاصب، وعزاب واصب. فأجلت القداح في استخارة البراح. وخرجت أعدو الرهقى على فرسٍ زهقى توجعلت أعتست على
стр. 196
غير هدى، لعلي أجلو بعض الصدا. فلما تمادى السفر، وأنس ما كان قد نفر نزعت نفس إلى معاودة الحي، ولكن أعيت اللهنة علي. فأخذت أتفقد المشاهد جلاء يومي، لعلي أظفر بما أطرف به قومي. إلى أن سقطت على محفلٍ حافل، يستوقف النعام الجافل. فجلست في أخريات الناس، كأنني طفيل الأعراس، وأجلت طرف طرفي بين الجلاس. وإذا شيخ قد اشتمل الصماء واعتم الميلاء. والقوم قد كاوسوا حول مجثمه حتى حلوا دون توسمه. وبينما هم يتداولون أطراف الأسانيد، ويتناولون ألطاف الأناشيد. إذ دخل غلام أشهل الأحداق كأنه من رهط
стр. 197
شنقناق. فألقى رقعة بها كخط ابن مقلة وقال: لا ينبت البقلة، إلا الحقلة. فتصفح الرقعة قاريها، وإذا فيها:
ما اسم ثلاثي به اجتمعت ... كل المقاطع غير ذي جسم
مهما تقلبت الحروف به ... يأتي بمعنى صادق الرسم
وإذا نظرت إليه منتبهاً ... فجميع ذاك تراه في الحلم
فطفق القوم يصوغون ويكسرون، ويردون ثم يصدرون من
стр. 198
حيث لا يشعرون. حتى صفرت الوطاب، واختلط الليل بالتراب. فقالوا قد ابتلانا الخبيث بأحر من دمع الصب، وأعقد من ذنب الضب. فلو أن لنا من يقوم بحلة لعرفنا فضل محله. فبرز ذلك الشيخ المحجب، وقال: أنا عذيقها المرجب. وأنشد:
قد فسر الكاتب في نظمه ... وقصر القارئ في فهمه
لو فطنوا للحلم في قوله ... لعرفوا اللغز على رغمه
فلما رأوا ما خامرهم من تورية الغشاء، وكبروا وقالوا: إن الله يهدي
стр. 199
من يشاء، ويضل من يشاء. فاهتز الشيخ عجباً وقال: إنها لإحدى الهنات الهينات! ولو شئت لجئت بما فوق ذلك من الحسنات المحصنات. قالوا: ذاك لك وإليك وفيه منة علينا وعليك. فشمخ بأنفه كأنه ملكٌ أو ملك، وأنشد ملغزاً في الفلك:
ما عدمٌ في الحق لكن ترى ... منه وجوداً حيثما استقبلك
ذلك لله بإجماله ... فإن قطعنا رأسه فهو لك
ثم حدج القوم بالبصر وأنشد ملغزاً في القمر:
ومولود بدون أب وأمٍ ... بلا قوتٍ يعيش ولا يموت
له وجهٌ وليس له لسانٌ ... فيخبرنا ويلزمه السكوت
ثم قال: دونكم يا بني الخالة وأنشد ملغزاً في الهالة:
ما قولكم في محيز حسنٍ ... ليس له أول ولا آخر
في قلبه نقطةٌ مشكلةٌ ... قد جانسته بشكلها الظاهر
стр. 200
ثم أشار إلى بعض الصحاب وأنشد ملغزاً في قوس السحاب:
ماذا ترى، يا ابن الكرامة، ... في قوسٍ بلا سهمٍ ولا وتر
تلقاه في بعض النهار ولا ... يبقى له في الليل من أثر
ثم جعل ينضنض كالأيم، وأنشد ملغزاً في الغيم:
حلل بلا صبغ ملونةٌ ... ترتد عنها كيف لامسها
مرفوءة الأذيال بالية ... في البرد تعرق دون لابسها
ثم رفع طرفه إلى السماء وأنشد ملغزاً في الماء:
يميت ويحيي وهو ميتٌ بنفسه ... ويمشي بلا رجل إلى كل جانب
يرى في حضيص الأرض طوراً، وتارةً ... نراه تسامى فوق طور السحائب
ثم قال: وهذه خاتمة الأسرار، وأنشد ملغزاً في النار:
أي صغير ينمو على عجلٍ ... يعيش بالريح وهي تهلكه
يغلب أقوى جسمٍ، ويغلبه ... أضعف جسم بحيث يدركه
قال: فلما فرغ من جلائل الألغاز وألقى عليهم دلائل الإعجاز.
стр. 201
تأبط عصاً له كالحفض ثم نهض من حيث ربص. فتعلقوا به وقالوا: نراك تزيد أن تجرح وتسرح فهيهات أن تبرح حتى تشرح! فحولق واستتب على ثفناته، وأفاض في شرح نفثاته. فلما كشف الغطاء، مالوا عليه بالعطاء. قال سهيلٌ: وكنت إذ برز لصحيفة الغلام قد عرفت أنه شيخنا ابن الخذام. فهممت بالجنوح إليه، فنهاني برمز شفتيه، ونهنهني عن التسليم عليه. فلما قضى الإبانة، واقتضى اللبانة. أشار إلي وقال: إني لأرى عليك سمة الغريب وكل غريب للغريب نسيب. فخذ هذا الدينار الساعة واشكر نعمة الجماعة. فغلب على القوم الحياء، وتداولوني بالحباء. حتى إذا اجتنينا الفرصاد خرجنا فإذا الغلام بالمرصاد. فوثب إليه
стр. 202
الشيخ يعدو الجمزى، وأنشد مرتجزاً:
جزيت خيراً يا غلامي رجبا ... دعوتك ابناً لي، فتدعوني أبا
بادر إلى أختك ليلى في الخبا ... وقل: رزقت نزهة ومركبا،
وملبساً ومطعماً ومشرباً ... وسترين من سهيلٍ كوكبا
فاستقبلي الضيف وقولي: مرحبا
ثم قال: يا بني من حاد عن الكيد، عاد بلا صيد. فاذهب معي الليلة للمبيت وكن من الشاكرين ما بقيت. فانطلقت أتبع ظله، حتى أتينا المظلمة. وأحيينا ليلتنا بالسمر، حتى انبثق السحر. فودعني وقال: اذهب إلى أهلك باليسرى، وأنا أذهب في ارتياد فترةٍ أخرى. فخلفت في الهم في تلك الديار وعدت إلى أهلي بالدرهم والدينار.
المقامة السابعة والعشرون وتعرف بالساحلية
стр. 203
قال سهيل بن عباد: ألقتني الرواحل إلى بعض السواحل. وكان عودي يومئذ رطيباً وفودي غربيباً. فطفت المعالم والمجاهل ووردت الحياض والمناهل. وشهدت المحاشد وافتقدت المشاهد. حتى إذا كنت بمجلس بعض الأمراء، وقد حفت به العلماء والشعراء. دخل شيخ عريض اللثام، قد أخذ بتلبيب غلام. وقال: أعز الله الأمير إني ربيت هذا الغلام مذ دب، إلى أن شب. واتخذته لي عمدة وعدة، في كل رخاء وشدة. واستأمنته في كل ملمة على كل مهمة. فلما كان بعض الأيام المواضي أرسلته بتقريظ إلى القاضي. فاستبدل القوافي، وحول ما في الأبيات من المديح الصافي، إلى الهجاء الجافي. فحكم القاضى علي بالحيس، وقال. المال فداء النفس، فخرجت لا درهم معي ولا فلس. فمر الغلام أن يعطيني حق الجناية علي، ويعوضني ما فقد على يده من يدي. فقال الأمير: وماذا كتبت من الأبيات وكيف بدل الحسنات بالسيئات؟ قال: أما المديح المكتوب، فعلى هذا الأسلوب:
стр. 204
أرى القاضي أبا حسنٍ ... إذا استقضيته عدلا
وإن جاءته مسألة ... لطالب رفده بذلا
إمام لا نظير له ... نراه بيننا جبلا
قد اشتهرت خلائقه ... فأصبح في الورى مثلا
وأما التبديل الذي طرا، فكما ترى:
أرى القاضي أبا حسنٍ ... إذا استقضيته ظلما
وإن جاءته مسألة ... لطالب رفده لؤما
إمام لا نظير له ... نراه بيننا صنما
قد اشتهرت خلائقه ... فأصبح في الورى عدما
فقال الأمير للغلام: أف لك يا عقق، يا ابن شارب الفلق أتجزي جزاء سنمار، ولا تخاف من العار؟ قال: يا مولاي إني غلام غر، لا أعرف الهر، من البر. غير أن هذا الشيخ قد استخدمني
стр. 205
بضع سنين، وهو يطعمني ولا يسقين. فلما أتيت القاضي بكتابه، شكوته إلى بعض حجابه. فقال: لا ظالم إلا سيبلى بأظلم وأخذ الأبيات فحرفها والله أعلم. فإن شئت فمر بسجني لعلي أملأ بطني. فقال الشيخ: بل فاسجنناً جميعاً، فإني أشد منه جوعاً. وكان بينهما قناة كصدر القناة. فقال: يا مولاي أرى أن تدفع إليهما، ما ستنفقه في السجن عليهما، واغتنم الراحة من كليهما. قال: لا جرم أن ذلك أجزم، وحصب كل واحدٍ منها بمائة درهم، قال سهيلٌ: وكنت قد استروحت ريح الخزام، وعرفت الشيخ والفتاة والغلام. فلما انصرفوا خرجت على الأثر، وإذا الشيخ ينشد على حذر:
هذا أبو ليلى وهذه ليلاه ... يحوم في طلاب رزق مولاه
كطائرٍ وأنتما جناحاه
فزلفت مبتدراً إليه وقبلت مفرقة ويديه. وقلت: يا مولاي ألم يئن لك أن تسلك الجدد، وتترك اللدد؟ فحملق إلي كالغول،
стр. 206
وأنشد يقول:
للناس طبع البخل، وهو يقودني ... كرهاً لخلق عضيهةٍ ونفاق
فدع الجماعة يتركون طباعهم ... حتى تراني تاركاً أخلاقي
ثم قال: يا بني ذاك المسجد إن كنت خطيباً وإلا فلا تداو طبيباً. واعلم أن الصيد لا يؤخذ إلا بالختل، ولا يدرك إلا بالنبل. والفرصة لا تضاع، والمتعنت لا يطاع. فراع المصادر والموارد، وكن مارداً على كل مارد ودع الناس يضربون في حديد بارد. قال سهيلٌ: فأمسكت من مرائه وسرت من ورائه، وأنا أعجب من سفاهة رائه.
المقامة الثامنة والعشرون وتعرف بالفكية
стр. 207
حدث سهيل بن عباد قال: ندت لي ناقة بالبادية في ليلة هادية فخرجت أنشدها تحت الغاسق الواقب، كأنني شهاب ثاقب. وكأنها توارت بالحجاب فوق السحاب، أو تحت التراب. فخفت أن الحق بالقارظ العنزي، أو المنخل اليشكري. ولبثت أحدث نفسي بالإحجام، وهي تحدثني بالإقدام. حتى نصب ضحضاح الرجاء واستبهمت شعاب الأرجاء. فانقلبت على أحد جانبي، وأزمعت الأوبة إلى الحي. فما شعرت إلا وأنا بين قوم ثبين، ينفرون إلى الداعي مهطعين. فقفوتهم إلى المشهد المشهود لأستطلع طلع الأمد المأمود. وإذا شيخ أطول من شهر الصوم،
стр. 208
قد قام في صدر القوم. وهو يقسم تارة بالخنس، وطوراً بالجواري الكنس. ويلهج مرةً بمواقع النجوم وأخرى بفواقع الرجوم. وفي خلال ذلك يتفقد الغضون والأسارير، ويرجم بغيوب التقادير. فصمد إله رجلٌ أدرم كأنه القضاء المبرم. وقال: الله أكبر، إن البغاث قد استنسر. إن كنت من علماء الفلك، فأفدنا ما سيارة النجوم والفضل لك. فلم يكن إلا كحل عقال، حتى أنشد فقال:
تلك الدراري: زحل فالمشتري ... وبعده مريخها في الأثر
شمس فزهرة عطارد قمر ... وكلها سائرة على قدر
قال: ذلك على أجوبة العلماء، فما هي أبراج السماء؟ فنظر إليه نظرة الصل الأصم، وقال اسمع وخلاك ذم:
من البروج في السماء الحمل ... تنزل فيه الشمس إذ تعتدل
стр. 209
والثور والجوزاء نعم المنزلة ... وسرطان أسد وسنبله
كذلك الميزان ثم العقرب ... قوسٌ وجديٌ دلو حوتٍ يشرب
قال: أراك من أرباب النظر فهل تعرف منازل القمر؟ فأنغض رأسه واستطال، وأنشد في الحال:
الشرطان أول المنازل ... وبعده البطين في القوابل
ثم الثريا الدبران الهقعة ... كذلك الذراع بعد الهنعة
نثرة طرفٌ جبهةٌ غراء ... وزبرة وصرفة عواء
ثم السماك الغفر والزبانى ... كذاك إكليلٌ وقلبٌ بانا
والشولة النعائم البلدة مع ... تلك وسعد ذابح سعد بلع
سعد السعود ثم سعد الأخبيه ... وفرغها المقدم المستتليه
وبعد ذاك فرغها المؤخر ... كذاك بطن الحوت ختماً يذكر
стр. 210
قال: حياك الذي سواه، فهل تعرف لياليه المسماة؟ فنظر نظرةً في السماء، ثم تلا: إن هي إلا أسماءٌ وأنشد:
أما لياليه فتلك الغرر ... ونفلٌ وتسعٌ وعشر
وبعدهن البيض ثم الدرع ... وظلم حنادسٌ تستتبع
وبعدها الدآدئ المحاق ... كل ثلاثٍ في اسمها وفاق
والغرة الأولى وصدر البيض ... عفراء فالبلماء في التبعيض
стр. 211
كذا المحاق صدرقه الدعجاء ... وبعدها الدهماء فالدلماء
قال: قد عرفت سعود القمر فهل تعرف السعود الأخر؟ فأنشد:
هاتيك سعد ملك سعد مطر ... سعد الهمام والبهام في الأثر
وسعد بارعٍ وسعد ناشره ... وذاك عدة السعود العاشرة
قال: قد عرفت طوالع الأضواء فهل تعرف غوارب الأنواء؟ فأنشد:
أول نوء السنة البدري ... وبعده الوسمي فالولي
ثم الغمير ثم بسري خوى ... وبارح القيظ وإحراق الهوا
стр. 212
قال سهيلٌ: فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم وتياراً مستغرق أنديتهم. قالوا: شهد الله إنك لقطب الأرض والسماء، فانظر لنا واتق الله إنما يخشى الله من عباده العلماء. فقام يستقري الصفوف، ويتوسم الجباه والكفوف. ويستطلع الطوالع والمواليد ويفرق بين الشقي والسعيد. حتى خيل للقوم أن عنده علم الغيب فهو يرى، وأنه يعلم ما في السماء وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى. فاحرنجموا عليه بالعطايا كما تحرنجم على الماء المطايا. فلما قبض نهض، ثم نكص فربض. وقال: قد تطيرت من تحس هذا الكابح، فأخرجوه على هذه الناقة الشوهاء فإنها ضريبةٌ له في المقابح. وهو بين ذلك
стр. 213
ينظر مرةً إلي كالعائف ومرةً إلى الأرض كالقائف. فأطلقوا إلي الناقة وقالوا: اغرب عنا إلى النار، وجعل الشيخ يرمي الحصباء في أثري كما ترمى الجمار. فلما صرت بمعزل، عن المنزل. إذا الشيخ في أثري كالغول وهي يقول:
إني خلقت الأحيا ... حتى يشاء القضاء
ولي فؤاد لبيبٍ ... يجول حيث يشاء
إن ضاقت الأرض دوني ... فما تضيق السماء
ثم قال: خذ من جذعٍ ما أعطاك، ولا تقل: كيف ذاك؟ وانطلق
стр. 214
ينهب الأرض بجواده حتى غمضت عين سواده. فانثنيت متيمناً بتلك المناحس ومتعجباً مما عنده من ترهات البسابس.
المقامة التاسعة والعشرون وتعرف بالمصرية
قال سهيل بن عباد: أزمعت الشخوص إلى الكنانة في ركب من بني كنانة. فلما فرغت من الأهبة أتيت القافلة، في اتخاذ الراحلة فعرض لي رجلٌ أدهم، وقال: آجرتك هذا المطهم كلي يوم بدرهم. فرضيت باشتراطه ولم أبتئس باشتطاكه. وخرجنا نطوي الوهاد والربى، بين الخيزلى والهيذبي. حتى حللنا تلك الديار فنزلنا عن الأكوار، إلى الأوكار. وأحفظني صاحب المطيه،
стр. 215
فنقمت منه بهذم العطية. حتى إذا تعذر التراضي ولج في التقاضي، نافذته إلى القاضي. فبينما أتيناه عن كثب، أقبل الخزامي ورجب. فتقدم الغلام، وقال: حيا الله الإمام إن هذا الشيخ أجدب من رحلة وأحرص من نملة. وأسأل من فلحس وأبرد من عضرس. يذخر المرمض ويضن بالغمص. ويتبلغ بالقضاعة في إبان المجاعة. وقد استعبدني لظاظاً، لا ألبس له طحربةً ولا أذوق له لماظاً. وهو يكلفني حمل الأثقال ويسومني ذل السؤال. فأنا أعول نفسي وإياه، حتى كأنني مولاه. فمره أن يقوم بحقي أو يتخلى عن رقي. وإلا قتلت نفسي وخلصت من حبسي. قال: فلما فرغ الغلام من قصته، مال القاضي على منصته، وجعل يتأفف لغصته. ثم سأل الشيخ فتنهد، واغرورقت عيناه بالدموع
следующие страницы →