← Адаб

Адаб · id 189

مجمع البحرين لليازجي = مقامات اليازجي

اليازجي، ناصيف

Полный текст (414 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وانظر إلى معايبك قبل معايب صاحبك. واجتنب المزاح فإنه يخفض الجناح. ولا تكن إذا سألت ثقيلاً ولا إذا سئلت بخيلاً. ولا تطلب ما في يد الناس، ولو طاقة من الآس. وإذا جلست فاعرف مقامك، وإذا حدثت فانتقد كلامك. وإذا تكلمت ليلاً فاخفض، وإذا تكلمت نهاراً فانفض. وإذا دعيت إلى الولائم، فكن آخر جالس وأول قائم. وأكرم الناس فتكرم، ولا تغتم الزيارة فتسأم. ولا تجالس الخسيس فإنه يزري بالجليس. والزم الوداعة والحياء واجتنب الرياء والكبرياء. واحذر الكسل، فإنه آفة العمل. ولا تطلب الغنى بالمنى. واطلب النوى عن الهوى. واقصر الطماح، إلى الراح. ولا تدخل في الفضول فتخرج عن القبول. وإذا غضبت فاترك بقية من الرضى، ولا يذهلك ما قد حضر عن ذكر ما مضى. واطلب الإفادة جهدك، ولا تدع بما ليس عندك.

стр. 247

واعتزل البخل الذميم، والكرم الوخيم. وإذا دعيت فشمر الذيل وحيثما انقلبت فلا تمل كل الميل. ولا تأت ما يلجئك إلى المعذرة، فتسلم من كل خطة منكرة. واعلم أن الأدب أشرف من النسب، واكتساب العلم خير من اكتساب النشب. والعلم بلا علم كالنحل بلا عسل. وصدق يضر، خيرٌ من كذب يسر. وانتشاب المنايا، وأيسر من ارتكاب الدنايا. واقتحام النار، أهون من التحاف العار. وداء الأسد أسلم من داء الحسد. والقناعة، نعم الصناعة. وحب السلامة، عنوان الكرامة. والنظر في العواقب، من أحسن المناقب. فأتمر بما أمرناك وأحذر مما حذرناك، واذكرنا كما ذكرناك. قال: فراعتنا آدابه الباذخة، إلا أن تكون كحياء مارخة. وبتنا نعجب من صفته ونهفو إلى معرفته. حتى إذا رقت حاشية الظلماء وشقت غاشية السماء. برز الرجل من حجابه المصون، وإذا هو شيخنا الميمون. فحدق القوم إليه بالنظر، وقالوا: قد عرفناه وهل يخفى القمر؟

стр. 248

ووثب كل إليه وثبة السمع الأزل، وحياه تحية الرئيس الأجل. ثم أهبنا به إلى رحالنا وتربصنا عن ترحالنا. وأقمنا معه يوماً أعذب من معتقة الدير، وأفصر من حسو الطير. فلما تبوأ للرحيل طمرته، اعتقل مخصرته، وقدم بين يديه أسرته. فقلت: يا أبا ليلى أين رمحك العسال، الذي قهرت به الأبطال؟ فأشار إلى قلمه وقال: ويك هذا رمحي، وهذا سناني ... منذ يومي أعددته للطعان

стр. 249

ليس يروى من المداد وقد ... ينفث سم الهجاء كالأفعوان وهو قد خاص في المحابر حتى ... خضبت رأسه خضاب البنان قال: فقلت له لله درك ما ألعبك بالقلوب وأبصرك بكل أسلوب. فهل تأذن لي في التحول إلى صحبتك، ولو فاتني وطري في سبيل محبتك؟ قال: يا بني قد وطنت نفسي هذه النوبة على الصراع، وآليت أن لا أترك رأساً بلا صداع، لما رأيت في الناس من لؤم الطباع. فأخشى إذا طمى الوادي أن يطم على القريّ، فيلتحق ذنب السقيم بالبري. ثم ولى بجواده ينهب الطريق وأذاقني ببعاده عذاب الحريق. المقامة الخامسة والثلاثون وتعرف بالإنطاكية قال سهيل بن عبادٍ: شخصت إلى إنطاكية الروم، في عصابة كزهر

стр. 250

النجوم. فكنا نقطع الأوقات بالنوادر، كما نقطع الطرقات بالبوادر. وما زلنا نطأ الكناس والعرينة، حتى دخلنا المدينة. فأتيت مجلس القاضي إذ ذاك، لمراشةٍ لي هناك. وإذا سيخنا الميمون، تتقدمه ليلى كالناقة الأمون. فد هشت عند إقباله، واحتفزت لاستقباله. فأعرض عني مقطباً، واقتحم الحضرة مغضباً. حتى إذا وقف بالمحراب، انقضت الفتاة كالعقاب. وقالت: يا مولاي إن هذا بعلي شيخٌ علندى، أظلم من الجلندى وهو فقير وقير، لا يملك شروى نقير. إذا غسل ثيابه لبس البيت، وإذا رأى الجنازة حسد الميت. ولقد أسرني في بيت له كالغار، لا أرى فيه غير الروافد والجدار. وهو ذلك مر المذاق، إلى ما لا يطاق. فيبيت ساغباً، ويصبح

стр. 251

غاضباً، ولا يزال عاتباً. يذكرني زمن الفطحل وينجز الوعد بالمطل. وأنا فتاةٌ غريضة الصبا لا أعيش بالهباء، ولا ألبس غزل عين ذكاء. ولقد خطبني كرام الرجال، وبذلوا في مهري غدقاً من المال، إذ رأوا علي لمحة من الجمال. فأبى القدر المتاح، إلا أن أحوم على ورد هذا الملتاح. فمره أن يقوم بأودي أو يطلقني ويطلقني إلى بلدي، وإلا قتلت نفسي بيدي. فثار الشيخ كالمجنون وهو واجف السودل والعثنون. وقال: يا لكاع تذكرين العنوق، وتنكرين النوق. أنسيت أيام السندس والديباج، والفالوذ والسكباج؟ واللحوم والألبان والغوالي والأدهان. والمراجل

стр. 252

والموائد، والحنائد والثرائد. أما الآن وقد نصب الغدير وأفقر السدير. وبدل الخورنق، بنسج الخدرنق. فماذا ترين في شيخ قد فلد الدهر كبده، وابتز سبده ولبده؟ وابتلاه بالحور، بعد الكور. ورماه بالغيض، بعد الفيض. حتى صارت ناره شراراً، وعاد طعامه بلغة وشرابه نشحاً ونومه غراراً. فإن كنت من رواد الغيث، فاذهبي إلى حيث. وإلا فاثبتي على الحرج، إلى أن يمن الله بالفرج. قالت: معاذ الله لا أفترش ردهة الجندل، ولا أصبر على النار كالسمندل فإما إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، كما

стр. 253

نطقت به آية القرآن. قال: فلما وقف القاضي على كنه أمرهما حار بين لومهما وعذرهما. وكانت الفتاة قد هجلته بافتنان كلامها، وتثني قوامها. فتاقت نفسه إلى استخلاصها، بعد خلاصها. وقال للشيخ: قد علمت أن سوء الجوار، أمر من عذاب النار. فأرى أن تستبدل بها من توافق هواك وترثي لبلواك، وفي ذلك صلاح لدينك ودنياك. قال: هيهات من ينزل بقاع صلقعٍ بلقع، أو يتيمن بالغراب الأبقع؟ فدعا القاضي بالهميان، وأبرز له نصاباً من العقيان. وقال: أطلق هذه الأسيرة من حبسك، واستعن بهذه الدنانير على أمر نفسك. فأشهد عليه بالطلاق، وقال: حبذا هذا الفراق ولو فعل بي ما فعل الباهلي بعفاق. فأقبلت الفتاة على القاضي بالدعاء، وأجملت له الثناء. فتناولها بيمينه وأولجها إلى عرينه. وانصرف الشيخ بين زفير وشهيق، وهو يرفس برجله الطريق، كأنه الصيلم

стр. 254

الخنفقيق. فلما أبعد نحو غلوة، إلى خلوة. قال: موعدنا الخان يا سهيل، والليل أخفى للويل. قال: فلما جن الظلام أتيته في الخان، وإذا ليلى بجانبه وقد لبست ملابس الغلمان. فقال: هذه بضاعتنا ردت إلينا، وقد حق صفع المانويه علينا. فهل ذلك في السفر، قبل السحر؟ قلت: إني لك أتبع من الصفة للموصوف، وألزم من العاطف للمعطوف. وأخذت ليلى تحدثنا باختلاس نفسها بعد ثقة القاضي بأنسها. فقلت: الله أكبر، إنها من بنات أوبر فتاه الشيخ دلالاً وأنشد ارتجالاً: عرج على القاضي وقل ولا حرج ... جمعت مالاً بالرياء والعوج من كل من دب وكل من درج ... والمال لا يخرج حينما خرج إلا من الباب الذي منه ولج قال سهيلٌ: ثم هممنا بالزيال، وخرجنا نزف كالرئال فما

стр. 255

أصبحنا إلا ونحن على أميال. وما زلت أسير من ورائه مستسقياً بروائه، وأستظل بلوائه، معتصماً بولائه. إلى أن بلغنا أرفة العراق، فكانت طرفة الفراق. المقامة السادسة والثلاثون وتعرف بالطائية حكى سهيل بن عبادٍ قال: حللت بلاد اليمن في سالف الزمن، وأنا غضيض الصباء غريض الفنن. فجعلت أتردد في بواديها، بين شعبها وواديها ومازلت أطوف الحي بعد الحي، حتى دفعت إلى أحياء بني طى. فرأيت بها ما شاء الله من خيام مبثوثة، ونيران

стр. 256

مشبوبة، وجفان مصفوفة وخيل مشدودة ورماح مركوزة. وجمال كالربى، وسخالٍ كالدبى، وجوار كالظباء وغلمان كالظُّبى. فكان الناظر حيثما سمت، يرى عجباً مما صأى وصمت. قال: وكان يومئذ موسم الحجيج، وقد اشتبك الضجيج واحتبك العجيج فبينما القوم في هياط ومياط، على أضيق من سم الخياط. إذا قلصت الزماجر، ونشصت المحاجر. وارفض القوم يفضون كأنهم إلى نصب يوفضون. فسرت كما ساروا

стр. 257

إلى أن صرت حيث صاروا. وإذا شيخٌ في شملة، قد قام على دعص رملة. وقال: الحمد لله ذو رفع الخضراء وبسط الغبراء. والسلام على أنبيائه الأقطاب، الذين أوتوا الحكمة وفصل الخطاب. أما بعد يا معاشر جلهمة، فإنكم أرباب الخيل المطهمة، والبرود المسهمة. ولكم الكتيبة السمراء، والراية الصفراء. ومنكم حبيب وحاتم

стр. 258

وثعل، الذي يرسل بهم المثل. وإني شيخ قد طعنت في سني حتى وهن العظم مني. وقد قطعت الفدافد والمهامه، وطويت الجداجد واللهاله. وعرفت الشعوب والقبائل والعمائر والفصائل. وأدركت الأحكام والحقائق، وكشفت الأسرار والدقائق. وقيدت الأوابد، وجمعت الشوارد. وأحصيت لغات العرب، واستطلعت ما أغرب منها وما غرب. فكنت من أصحاب الدولة وأرباب الصولة. وكان يثنى إلي العنان، ويشار نحوي بالبنان. وأما الآن وقد فقد من يعرف مساوئ الشعر من محاسنه، ويفرق بين من يرمي الكلام على عواهنه، ومن يستنبث الركاز من معادنه. فقد

стр. 259

ولت المرتبة وحلت المتربة. حتى اضطررت أن أعفر خدي ليجد جدي. وأخلق ديباجتي. قال: فصمد له فتى أجمل من بدر التمام، وأطول من ليل التمام. وقال: شهد رب الكعبة الحرام، لقد تبازى الرهام. وإني لأعجم عودك واستمطر رعودك. فإن كنت أغلط من دالق، قذفتك من حالق. وإلا فأنا زعيم لك عند القوم، أن يكون عليك أيمن يوم. فافتر الشيخ افترار المجون، وقال: قد تحرش الحوار الزفون، بالبازل الأمون. فهات ما ترمي من الحظى وخذ ما ترمى به من اللظى. قال: هل تعرف ما تأتى، من قيود جماعات شتى؟ فأطرق كالشجاع الشجعم، ثم اندفق كالوادي المفعم وأنشد:

стр. 260

زجلة ناسٍ حاصب الرجاله ... وهكذا كوكبة الخياله زهط رجال لمة النساء ... رعيل خيل وقطيع الشاء وربرب المها صوار البقر ... حيلة معزٍ عانةٌ من حمر وصرمة من إبل وعرجله ... من السباع قد حكتها النقلة خيط النعام ومن الجراد ... رجل وسربٌ من ظباء الوادي وهكذا عصابة الطير ورد ... وخشرم النحل تتمة العدد قال: إن كنت سابغ الذيل، فما مراتب عدو الخيل؟ فقال: إيه وأنشد بملء فيهِ: أقل عدو الخيل يدعى خببا ... عليه تقريبٌ فإحضارٌ ربا ثم ابتراكٌ فوقه الإهذاب قد ... رتب والإهماج غاية الأمد قال: إن كنت من ذوي الكمال، فما مراتب سير الجمال؟ فاهتز وطرب، وأنشد بلسان ذرب: أوائل السير الدبيب للإبل ... ثم الذميل فالرسيم قد نقل فالوخد فالعسيج فالوسيج ... ثم الوجيف بعده يهيج وبعده الإجمار فالإرقال ... والاندفاق جهد ما تنال

стр. 261

قال: قد أجدت الوشي، فهل لك في قيود مطلق المشي؟ فخازر جفنيه وأتلع جيده إليه. وأنشد: قد درج الصبي والشيخ دلف ... وخطر الفتى وذو القيد رسف ومشت المرأة والمرء سعى ... وقد حبا الرضيع يبغي المرضعا ودرم الذي علاه الثقل ... وفرس جرى وسار الجمل وهدج الظليم والغراب ... يحجل حيث حية تنساب ونقز العصفور حيث العقرب ... دبت، وكلها قيود تكتب قال: وهل تعرف ما يذكر، من ترتيب جماعات العسكر؟ فروأ ريثما تفكر. ثم أنشد: أقل جمع العسكر الجريدة ... وبعدها السرية المزيدة وفوقها كتيبةٌ تميس ... فالجيش فالفيلق فالخميس قال: ما أرك في البادية بالدخيل، ولا في الإفادة بالبخيل، فهل تعرف مراتب النخيل؟ فاستطال اختيالاً، وأنشد ارتجالاً: فسيلةٌ قيل لصغرى النخل ... وفوقها قاعدةٌ تستعلي جبارة عيدانةٌ والباسقة ... فوقهما ثم السحوق الشاهقة قال: أحياك الله السمر والقمر، فهل لك في ترتيب ما للنخل من الثمر؟

стр. 262

قال: اسمع فترشد، ثم أنشد: أول حمل النخل طلعٌ يبدو ... ثم سيابٌ فخلالٌ بعد بغوٌ فبسرٌ فمخطمٌ يلي ... ثم موكتٌ بتذنوب تلي فجمسةٌ فثعدةٌ فرطب ... وبعده التمر أخيراً يحسب قال سهيل: فلما فرغ الفتى من حواره، وشفى غليل أواره. أقبل على الشيخ وقال: شهد الله أنك علامة الدنيا، وغاية الأدب القصيا. فما برنا في جانب أمرك الجلل إلا رشحة من بلل، أو هبوةٌ من طلل. ثم ألقى ديناراً في ردن البجاد، وقال: كل صعلوك جواد وجعل يطوف على القوم كجابي الوضيعة، وهو يقول: الصنيعة، من كرم الطبيعة. فلم يبق في الجماعة إلا من أعجبته صفاته، ونديت له صفاته. فلما أتم مسعاه، تلقى الشيخ وحياه، وقال: قد جئناك ببضاعة مزجاة. فقبل مفرقه وقال: حياك الله لقد انتشلت الغريق ودرأت الخريق، عن الحريق، فهل لك أن تدلني على الطريق؟

стр. 263

قال: أنا أدل من دعيميص الرمل في أخفى من مدارج النمل، فسر والله يجمع لك الشمل. قال: أتبع الفرس لجامها والناقة زمامها، والله يكلأ شيخ البادية وغلامها. قال الراوي: وكنت قد تبينت أنهما الخزامي وفتاه، فلما انصرفا قفوقهما إلى الفرة. وإذا الشيخ ينشد بلسان ذلق، وصوت كصوت المصطلق: أنا الغملج الذي لا ينكر ... أكون تارة خطيباً ينذر وتارةً زير نساءٍ يسكر ... وتارةً مصلياً يستغفر وتارة راصد نجمٍ يسحر ... وتارةً شيخ علومٍ يبهر

стр. 264

فقل لمن جاء ورائي يخطر ... إن أهالي عصرنا تقتصر على المعاصي حيثما تقتدر ... والعبد يصفو تارةً ويكدر فعد إلى القوم بلومٍ يزجر ... أو لا فدعني إن مثلي يعذر قال: فانثنيت عنه كما أشار خوفاً من لسانه المهذار، وعدت إلى استتمام السياحة في تلك الديار. المقامة السابعة والثلاثون وتعرف بالعدنية قال سهيل بن عبادٍ: دخلت بلاد قحطان بين شيبان وملحان. فأصابتنا ديمة مدرار، ألزمتنا الوجار من أوهد إلى شيار. فلما أقلعت السماء، وغيض الماء. خرجنا نتضحى في

стр. 265

تلك الضواحي، وتنفكه بابتسام ثغور الأقاحي. وما زلنا نمرح بين الجد والددن، حتى انتهينا إلى أكناف عدن. وإذا قومٌ قيام، حول شيخ وغلام. والشيخ قد وقف على مويهة، في رديهة وأطرق برأسه بريهة. ثم قال: الحمد لله الذي خلق السموات والأرض، ورفع بعض خلقه درجات فوق بعض. أما بعد يا عشائر اليمن، وبشائر الزمن. فإنكم جرثومة العرب وأرومة النسب. وأسد الدحال، ومحط الرحال. ومعدن العربية والكتابة، والشعر والخطابة. ولكم

стр. 266

المشارف المعهودة والمحاجر المشهودة والمخاليف المذكورة والمحاريب المشهورة. ومنكم سدنة المقام، وحماة الكعبة الحرام. وعليكم مدار العزائم، وإليكم محار العظائم. فإنكم أهدى في الخطى، من القطا. وأثبت على السروج، من البروج. وأمضي في المآزم، من اللهاذم. وأصبر على السوافي من ثالثة الأثافي. وإذا ذكرت المفاخر، بين الأوائل والأواخر. فلكم الرتبة الأولى، واليد الطولى. وإذا حل بساحتكم النزيل، فقد ورد ماء النيل. وإذا استجار بكم المرهق، من العدو الأزرق فقد تمرد ماردٌ وعز الأبلق. وإني شيخٌ قد

стр. 267

أداني القنوت والتبلغ بالقوت، إلى أن صرت أوهن من بيت العنكبوت، وأوحش من برهوت، في حضرموت. فتركت وطني القديم، وهجرت السمير والنديم، وهمت على وجهي ابتغاء وجه الله الكريم. وقد اشتريت هذا الغرانق الوضاء، بألف من الرقة البيضاء. فنقدت شطرها، واستأنيت غبرها. فلم يستطع الغريم صبراً، وارتهن الناقة جبراً. فخرجت بالغلام أسعى حتى أفضيت إلى هذه البقعة الوسعى. وهو غلامٌ فاره، أرى منه جنة لم تحف بالمكاره. فإنه ثقف لقف فوق ما أصف. وهو أشعر من نصيب، وأحكم من أبي الطيب.

стр. 268

وأحضر من تأبط، وأسرى من ربيعة بن الأضبط. ثم أشار إلى الغلام وقال: يا بني هات ما نظمت اليوم، في مديح القوم. فوثب كالقضاء المنزل وأنشد بنغمة أطرب من عود زلزل: قل للذي يشكو تصاريف الزمن: ... هلم فوراً نحو أحياء اليمن

стр. 269

ترى بها من الفروض والسنن ... نحر العبيطات وتوزيع المنن والغارة الشعواء تستقصي الدمن ... وليس تبقي هامةً على بدن وتلتقي جنة عدنٍ في عدن ... وقصر غمدان الشبيه بحضن وأثر الملوك بين ذي يزن ... ومن يلي من قومه كذي يمن وقد أتينا القوم من أقصى وطن ... نرجو فكاك الرهن أو دفع الثمن إن لم يكونوا أهل ما نرجو فمن؟ قال: وكان بين القوم زعيمٌ صلت الجبين، كأنه أحد الذوين.

стр. 270

فقال: شهد الله أنك أدهى من جن عبقر، وأسحر من كهان حيد حور. فخذ هذه الناقة الوجناء جائزة الثناء. وسيأتي مولاك حوط المال، فتظفران بحسن المآل. ثم انهال على الشيخ الحباء وانسكب، حتى امتلأ دلوه إلى عقد الكرب. ولما قضى الوطر، ودع النفر، وأنشد على الأثر: من أيمن الحق أن اليمن في اليمن ... أعطى يميني يمين المال واليمن قد كنت قبلاً لكم عبداً بلا ثمن ... واليوم قد صرت عبد العبد بالثمن قال سهيل: فخلع الزعيم عليه إحدى بردتيه، وانصرف والغلام بين يديه. وكنت قد عرفت الشيخ والغلام إنهما رجب وابن الخزام. فسعيت من ورائهما، بعد انبرائهما. حتى أدركت الشيخ وهو قد تثبج بعصاه وأخذ يداعب فتاه. فقلت:

стр. 271

إلى كم يا أبا ليلى ... تجرد للوغى خيلا؟ لقد سودت وجه الشي ... ب فانقلب الضحى ليلا فنظر إلي بعين الأشوص، وأنشد بلسان الأشمص: إلى كم يا ابن عبادٍ ... تجازف عندنا كيلا؟ إذا لم تقتبس أدباً ... فشمر للنوى ذيلا ثم قال: يا أبا عبادة إن الناس قد أنكروا الذمم، ونبذوا الوفاء والكرم، حتى صاروا لحماً على وضم. فمتى لم نقض التلنة، أخذتنا اللتنة. والآن فلنقطع هذا الطريق الطامس، قبل أن يدركنا الليل الدامس لئلا نقع في هند الأحامس. وإذا وصلنا رفعت لك المنبر، وأقمتك مقام الخطيب الأكبر. قال: فأوجمني الخجل، وسايرته على عجل. حتى انتهينا إلى دار القرار عند سلخ النهار. فبتنا ليلتنا

стр. 272

نتداول الحديث، ونتناول الطيب منه والخبيث. حتى إذا انتهك حجاب الظلام، لم أره ولا الغلام. المقامة الثامنة الثلاثون وتعرف بالحميرية أخبرنا سهيل بن عباد قال: شخصنا نحو صنعاء في ليلة درعاء، فسرينا ليلتنا جمعاء. حتى إذا ذر الشفا، وشيب كدر الأفق بالصفا. نظرنا من خلال العثير وإذا نحن قد أشرفنا على أفنية حمير. فأمعنا في التشمير تحت أمانة قطمير. حتى دخلناها بسلام، ونبذنا مخاوف الظلام، تحت تلك الأعلام. وأقمنا بياض ذلك اليوم، في عراص أولئك القوم. ونحن نسمع لغتهم الحميرية

стр. 273

ونرى كتابتهم المسندية، ونتفقد آثارهم التبعية. ولما أصبحنا زممنا الدلاث وأممنا الدماث، فجعجعوا بنا وقالوا: الضيافة ثلاث. فنكصنا عما أزمعنا، وتربصنا حيث اجتمعنا. ولبثنا نجوس خلال الديار، إلى أن استقام قسطاس النهار. وإذا بالخزامي وصاحبيه، إلى جانبيه. فقلت: يا بشراي قد أمرعت العجزاء ودرنا حوله كنطاق الجوزاء. فأبرقت أسرته وأشرقت مسرته. وتلقانا بما

стр. 274

ينعش الحشاشة، من البشاشة والهشاشة. حتى إذا استقر قراره وانجلى اغبراره. قال: لا يترك الظبي ظله، فانهضوا بنا إلى أمير الحلة. فلما جلسنا في ديوانه، بين أعوانه. قال بعضهم: هذا الخزامي الذي يترامى ذكره، ويتحامى نكره. فلنتوهقه بالمعاياة، ونلق مراديسنا في ركاياه. فوقع ذلك في سماعه، وكان داعيةً لزماعه إلى محجة أطماعه. فانبرى له كالرئبال، وقال: أما إن بريت النبال وطلبت النزال؛ فما ستةٌ في العربية ليس لها سابع، ومفردٌ يكرر جمعه إلى الرابع، فوجم الرجل وانصاع، وبرز فتى تحت أنصاع، وقال: إننا نكايل صاعاً بصاع. إن كنت من أفراد الإنسان فما

стр. 275

قيوده باعتبار الأسنان؟ فاشرأب الشيخ وتعاطى، وأنشد وما تباطا: هو الجنين في الحشى يقام ... فالطفل فالصبي فالغلام وبعد ذاك يافعٌ ثم فتى ... ثم طريرٌ ثم شارخٌ أتى وبعده عنطنطٌ صمل ... وبعد ذاك أشمطٌ فكهل وبعد ذاك الشيخ ثم الهرم ... وبعده الهم الذي يختم قال: فهل لك من جرأة، أن تذكر ما يختص بالمرأة؟ قال: كيف لا، وأنا ابن جلا؟ وأنشد: أما الذي على النساء يقصر ... فكاعبٌ فناهدٌ فمعصر فعاركٌ فعانسٌ فشهله ... وبعد ذاك نصفٌ أو كهله وبعد ذلك العجوز تذكر ... والحيزبون بعدها لا تنكر قال: إن عرفت قيود الإشارة، فلك البشارة، بأحسن شارة فترنح عطفاه، ثم فغرفاه. وأنشد: يقال قد أومأ بالرأس الفتى ... وقد أشار بيدٍ حين أتى

стр. 276

أومض بالجفن إلينا، وغمز ... بحاجب، وبالشفاء قد رمز وهكذا ألمع بالثوب وقد ... ألاح بالكم، فقيد ما ورد قال: وهل تبلغنا الوطر من ترتيب المطر؟ قال لبيك! فخذ ما يلقى إليك. وأنشد: أول قطر الغيث حين ينثر ... طل، وبعده الرذاذ يقطر وبعد ذاك النضح ثم الهطل ... وبعدهن الوابل المنهل قال: قد سلخت على الليل النهار، فهل تعرف ترتيب الأنهار؟ فأنشد: أصغر نهرٍ جدولٌ ينحدر ... وبعده السري ثم الجعفر ثم ربيعاً ذكروا فطبعا ... ثم الخليج فوق ذاك يدعى قال: إن كنت تعرف ترتيب الجبال، فقل ولا تبال. فأنشد: أصغر نجد الأرض يدعى النبكة ... وفوقه الرابية المنتكبة أكمةٌ فزبيةٌ فنجوة ... ريعٌ فقف هضبةٌ كالفجوة قرن فدك ثم ضلعٌ فائق ... نيقٌ فطورٌ باذخٌ فشاهق قال: قد ملأت الكأس إلى الأصبار، فهل تعرف قيود الغبار؟ فأنشد: أدع غبار الحرب باسم القسطل ... والعثير اخصص بغبار الأرجل والنقع ما بحافرٍ يهاج ... وما تثير الريح فالعجاج

стр. 277

قال: إن عرفت أنواع الخيوط، فأنت مركز الخطوط. فزمجر كالأسد، وقال: أعوذ بالله من شر حاسدٍ إذا حسد، ثم أنشد: للخرز السلك كسمط الجوهر ... يذكر، والنصاح خيط الإبر والزيج للبناء، والسباق ... لرجل طيرٍ جارحٍ يساق كذا لخلف الناقة الصرار ... يشد كي لا يرضع الحوار وهكذا رتيمة التذكر ... تعقد خوف غفلةٍ في الخنصر قال: فلما فرغ الفتى من النضال، وشفى الداء العضال. حدق القوم إلى الشيخ بالأبصار، وقالوا: شهد الله أنك نابغة الأعصار، وداهية البوادي والأمصار. وقد حق علينا أن نفرغ عليك قطراً، كلما كتبنا من أبياتك سطراً. فأملها علينا شطراً فشطراً. قال: إن لي كاتباً أجرى من الطمرة، وأحظ من مرامر بن مرة. ثم أشار إلي وقال: اكتب يا أبا عبادة واندفق في الإملاء كالمزادة. فلما

стр. 278

فرغنا أفاض عليه الأمير حلة يمانية، وأتاه القوم بنقد ثمانية. ثم جاؤوني بدريهماتٍ وقالوا: صلة الكاتب ثانية المراتب، فلا تكن بعاتب. ولما قضى اللبانة، ثنى عن القوم عنانه. ثم ودعنا وسار، وكان آخر عهدي به في تلك الأقطار. المقامة التاسعة والثلاثون وتعريف بالأنبارية روى سهيل بن عباد قال: سافرت ذات الزمين في ركب من بني القين، يملأون الأذن والعين. وما زلنا نقطع المراحل حتى أنضينا الرواحل. فنزلنا في خلاء بلقع، وقلنا: الرشف أنقع. وكان بين القوم رجل واسع الرواية، بعيد الغاية. فبات يجلو علينا خرائد السمر تحت ظل القمر. حتى خاص في حديث علماء الأدب وحكماء العرب. وأخذ يذكر المشاهير والأفراد، كعبيد

стр. 279

بن الأبرص ولقمان بن عاد فأخذتني الحمية هنالك، وقلت: ماء ولا

стр. 280

كصداء وفتى ولا كمالك أين أنت عن الشيخ الخزامي، الذي ينفر العصامي والعظامي؟ قال: رب صلف تحت الراعدة، وأين باقل بن

стр. 281

ربيعة من قس بن ساعدة. فما فتئت أذكر له ملحاً من نوادره ولمحاً من بوادره. حتى قال لسهمي مرحى، بعد برحى وأوشك أن يذوب من غينه، إلى معرفة عينه. قلت: فلنأكل اليوم من حديثه رغداً وإن مع اليوم غداً. ولما افتر ثغر السحر، حسرنا عن ساق السفر، وضربنا في تلك القفر. فما تصرم النهار، إلا ونحن في الأنبار. فنزلنا بها كالشعرة البيضاء في اللمة السوداء. ولما انجابت وعكة الجهاد، ونسخ الهجوع آية السهاد. بدأت بتعهد مجلس الوالي لأتطرق منه على التوالي. وإذا امرأة سادلة

стр. 282

النقاب، قد تعلقت بفتى كالعقاب. وقالت: حي الله الأمير وأحياه، وأصلح دينه ودنياه. إن هذا الفتى قد أخذ أبي احتيالاً وفتك به اغتيالاً. وتركني وحيدة في دار الغربة، أكابد عرق القربة، وأتكبد شظف الكربة. وقد رفعت إليك القصة، وعليك مساغ الغصة. فأكبر الأمير شكواها، وسألها البينة لدعواها. فانطلقت كزفير اللهب، ثم عادت عن كثب ومعها شيخنا الميمون وغلامه رجب. فأديها الشهادة على وجهها في وجه الفتى، وانصرف كلاهما من حيث أتى. فأمر الأمير باعتقاله، وجعل في أذنيه وقراً عن تنصله وسؤاله. ثم قال: يا أمة الله إن المنايا على الحوايا. وإن ما عند الله خير وأبقى، فإن شئت قبول دية فذلك أبر وأتقى. قالت: لا جرم أن أبي كان غرة الأبين، وعزة البنين وعقال المئين. وما كنت لأعدل

стр. 283

منه سبيدة، بهنيدة. ولا أبدل قلامة، بنخل اليمامة. ولقد كان حية صماء، وداهية دهاء. ولكن إذا جاء الحين حارت العين. وإذا حان القضاء ضاق الفضاء. فإن كنت ترى الدية أولى من القود، وأخلى عن الأود. فذلك أجمل من أن يضيع دمه كسلاغ، وأتبلغ بعده بالنباغ. فأخرج لها الدية من مال القاتل، وحظله أن يبرح البلدة ما أرزمت أم حائل. فلما قبضت الدية أخمدت زفراتها، وأجمدت عبراتها. وأجملت الثناء وأجزلت الدعاء. وأنشدت: ما اليتم فقد الأب، لكنه ... في الحق فقد الحاكم العادل ذلك يحي الناس من فيضه ... فيظفر المقتول بالقاتل قال سهيل: وكانت نفسي قد تاقت إلى سبرها لا كتناه خبرها

стр. 284

فلما انصرفت خرجت في إثرها. حتى إذا أفضينا إلى خلاء عطفت إلي، وأقبلت بوجهها علي. وقالت: هذا سهيلٌ يفاجي ... في كل أرض أباه وهكذا كل نجمٍ ... حيث التفتنا نراه فعرفت حينئذ أنها ليلى الخزامية واستنبأتها عن تلك المقالة الحذامية، والفتكة الحسامية. فقالت: إن هذا الكشخان قد طمع منا في السلب، فخلعنا عليه خلة الأدب وتركناه أتب من أبي لهب. ثم انطلقت بي إلى الخان وأنا كشارب ابنة الحان. حتى دخلت على شيخنا الميني، وإذا عنده صاحبنا القيني. فقلت: سبحان من يحيي العظام،

стр. 285

قال: ولو ترك القطا ليلاً لنام. والآن دعنا نتمتع بالحديث، مع صاحبك الحديث، الذي يميز بين القشيب والرثيث، والسمين والغثيث. فقال الرجل: علم الله لقد رأيت أكثر مما سمعت، ونلت أكثر مما طمعت. فليس عبيد إلا عبدك، ولا لقمان إلا لقمة عندك. فقال: يا بني عند الرهان تعرف السوابق، والامتحان يبين الفائق من المائق. وإنني طالما عركت الدهر وقطفت الزهر عن النهر، فلم يغرب عني سر ولا جهر. ولقد خف وقر العار على متني، لو ذادت سوار
следующие страницы →