Полный текст (414 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
ربيعة من قس بن ساعدة. فما فتئت أذكر له ملحاً من نوادره ولمحاً من بوادره. حتى قال لسهمي مرحى، بعد برحى وأوشك أن يذوب من غينه، إلى معرفة عينه. قلت: فلنأكل اليوم من حديثه رغداً وإن مع اليوم غداً. ولما افتر ثغر السحر، حسرنا عن ساق السفر، وضربنا في تلك القفر. فما تصرم النهار، إلا ونحن في الأنبار. فنزلنا بها كالشعرة البيضاء في اللمة السوداء. ولما انجابت وعكة الجهاد، ونسخ الهجوع آية السهاد. بدأت بتعهد مجلس الوالي لأتطرق منه على التوالي. وإذا امرأة سادلة
стр. 282
النقاب، قد تعلقت بفتى كالعقاب. وقالت: حي الله الأمير وأحياه، وأصلح دينه ودنياه. إن هذا الفتى قد أخذ أبي احتيالاً وفتك به اغتيالاً. وتركني وحيدة في دار الغربة، أكابد عرق القربة، وأتكبد شظف الكربة. وقد رفعت إليك القصة، وعليك مساغ الغصة. فأكبر الأمير شكواها، وسألها البينة لدعواها. فانطلقت كزفير اللهب، ثم عادت عن كثب ومعها شيخنا الميمون وغلامه رجب. فأديها الشهادة على وجهها في وجه الفتى، وانصرف كلاهما من حيث أتى. فأمر الأمير باعتقاله، وجعل في أذنيه وقراً عن تنصله وسؤاله. ثم قال: يا أمة الله إن المنايا على الحوايا. وإن ما عند الله خير وأبقى، فإن شئت قبول دية فذلك أبر وأتقى. قالت: لا جرم أن أبي كان غرة الأبين، وعزة البنين وعقال المئين. وما كنت لأعدل
стр. 283
منه سبيدة، بهنيدة. ولا أبدل قلامة، بنخل اليمامة. ولقد كان حية صماء، وداهية دهاء. ولكن إذا جاء الحين حارت العين. وإذا حان القضاء ضاق الفضاء. فإن كنت ترى الدية أولى من القود، وأخلى عن الأود. فذلك أجمل من أن يضيع دمه كسلاغ، وأتبلغ بعده بالنباغ. فأخرج لها الدية من مال القاتل، وحظله أن يبرح البلدة ما أرزمت أم حائل. فلما قبضت الدية أخمدت زفراتها، وأجمدت عبراتها. وأجملت الثناء وأجزلت الدعاء. وأنشدت:
ما اليتم فقد الأب، لكنه ... في الحق فقد الحاكم العادل
ذلك يحي الناس من فيضه ... فيظفر المقتول بالقاتل
قال سهيل: وكانت نفسي قد تاقت إلى سبرها لا كتناه خبرها
стр. 284
فلما انصرفت خرجت في إثرها. حتى إذا أفضينا إلى خلاء عطفت إلي، وأقبلت بوجهها علي. وقالت:
هذا سهيلٌ يفاجي ... في كل أرض أباه
وهكذا كل نجمٍ ... حيث التفتنا نراه
فعرفت حينئذ أنها ليلى الخزامية واستنبأتها عن تلك المقالة الحذامية، والفتكة الحسامية. فقالت: إن هذا الكشخان قد طمع منا في السلب، فخلعنا عليه خلة الأدب وتركناه أتب من أبي لهب. ثم انطلقت بي إلى الخان وأنا كشارب ابنة الحان. حتى دخلت على شيخنا الميني، وإذا عنده صاحبنا القيني. فقلت: سبحان من يحيي العظام،
стр. 285
قال: ولو ترك القطا ليلاً لنام. والآن دعنا نتمتع بالحديث، مع صاحبك الحديث، الذي يميز بين القشيب والرثيث، والسمين والغثيث. فقال الرجل: علم الله لقد رأيت أكثر مما سمعت، ونلت أكثر مما طمعت. فليس عبيد إلا عبدك، ولا لقمان إلا لقمة عندك. فقال: يا بني عند الرهان تعرف السوابق، والامتحان يبين الفائق من المائق. وإنني طالما عركت الدهر وقطفت الزهر عن النهر، فلم يغرب عني سر ولا جهر. ولقد خف وقر العار على متني، لو ذادت سوار
стр. 286
لطمتني. ولكن لم يفت، من لم يمت فدعني وشاني، واستعذ بالمثاني، من حمة لساني، قال: فسقط في يد الرجل كما سقط، وندم على ما فرط، وقال: سبحان من تنزه عن الغلت والغلط. ثم أقبل على الشيخ بالإجلال، وتقرب إليه بلسان الإذلال. فقال: ضيعت البكار على طحال، وهيهات أن تعلق ثقتي بالمحال. فلما أصر الشيخ على الحفظة وأوشك أن يترامى إلى الغلظة. أشفق الرجل لعرضه
стр. 287
من العطب وخالج قلبه أن الرثيئة تفثأ الغضب. فأخرج له بردة ممصرة، وقال: إليك المعذرة. فاضطبنها وخرج، وقال: ليس على الأعمى حرج. وكانت تلك البردة، آخر عهدنا به في تلك البلدة.
المقامة الأربعون وتعرف بالجدلية
حدثنا سهيل بن عباد قال: أصابتني وعكة شديدة، مدة مديدة. فانعكفت على توفية العلاج وتنقية الأعفاج، من الأمشاج. حتى صرت أوق من العفاص، وأدق من النماص. فلما أمنت مس العرواء، وثاب ألي مرح الغلواء. حملني الخواء على الشراهة، ودعاني الملال إلى النزاهة. فكنت ألتهم التهام
стр. 288
الناعط، وأخرج خرج الضافط. حتى دخلت يوماً إلى حديقة جميلة ذات جميلة، قد رتعت بها عصابة جليلة. وقد سطع فيها قتار الجزر، حتى غشي الجدر، فقلت: أمرعت فانزل، واقتحمت ذلك الزحام المتعثكل. وإذا رجل عليه رداء، مثل اللواء. وعلى رأسه عمامة مثل الغمامة. وهو قد أقبل على شيخ أدرد، عليه حنبل أجرد وقد التثم حتى صار كالأمرد. فقال: قد علمت أيها الشيخ أن المال زينة الحيوة الدنيا، وعليه نموت ونحيا. فإنه يقضي لبانة الأولى بالمسرة، ويسهل طريق الأخرى بالمبرة. وعليه مدار العيش ونظام الجيش. وبه قيام الممالك وتمهيد المسالك، ودفع المهالك. وهو قاضي الحاجات ورافع الدرجات ومستعبد السادات، وخارق العادات. ومشدد الهمم ومبدد الغمم. وهو الحبيب الذي يفديه بالنفس، كل من تحت الشمس. ويجد لفراقه الكمد، من لا يسوءه فراق الولد. ولا يزال مرفوع الشان، يشار إليه
стр. 289
بالبنان في كل مكان وزمان. وإليه تشد الرحال وتنتهي الآمال، ولولاه لتعطلت الأعمال، وحانت الآجال، وانقرضت القرون والأجيال. قال: فانبرى له الشيخ كأويس، وقال: لا أفلحت ما غب غبيس. إني أراك قد أطلقت العنان، حتى جعلت الزج قدام السنان. ويك إن المرء بالعلم إنسان لا بالمال، وهو المرقاة إلى درجات الكمال. وبه تعلم الحقائق، وتدرك الدفائق ويعرف المخلوق حق الخالق. وعليه ينفق الطريف والتالد وصاحبه ينال الذكر الخالد. فكم من الملوك والأغنياء، الذين كانت مفاتيح كنوزهم تنوء بالعصبة الأقوياء، قد درس ذكرهم وبقي ذكر العلماء. وحسبك أن العلم لا يناله إلا أفاضل الرجال وطالما نجى صاحبه من الأهوال، وقربه إلى ربه في جميع الأحوال. والمال طالما أحرزته رعاع الناس وألقى أهله في
стр. 290
المهالك والأرجاس، وأغراهم بالنزاع فكان بينهم دونه عكاس ومكاس. قال: فلما سمع القوم ما دار بين الرجلين، قالوا للشيخ: نرى صاحبك قد أخذ طريق العنصلين وتيمن بغراب البين. وإننا لنراه من الأغنياء والأغبياء، فإنه لا يعرف منزلة العلم والعلماء. فاستشاط الرجل غضباً، وقال: عش رجباً، تر عجباً. كيف يتأتى المراء بين اثنين وقد وضح الصبح لذي عينين. تباً لعلمك أيها الشيخ الباهل الذي بنوه كاليتامى وزوجته كالعاهل. وماذا ترى علمك، إذا كنت تشتهي فومة من الشذام وجرولاً من الدرمك؟ أتأكل القضيم
стр. 291
إذا طويت؟ وتشر النفس إذا صديت؟ وتلبس القرطاس إذا عربت؟ كان للعلم دولة عند أنماط الكرام، الذي يبنى عليه، والركن الذي لا يلتفت إلا إليه. فهم يحرمون الأديب ولا يحترمون اللبيب. ويصرمون الفقيه ولا يكرمون النبيه. فتضيع بينهم الكلمة كما ضاع الحديث بين أشعب وعكرمة. ولو صح وهمك، وأصاب سهمك. لما برزت بينهم بهذه الغدافل، ولا قمت فيهم مقام الوارش والوغل. فخفض عنك ما أنت فيه ولا تتخلق بأخلاق السفيه. ثم أنشد:
قد عرف الشيخ علوم الورى ... لكن هذا العلم لم يدره
فليته أدرك هذا ولم ... يدرك بواقي العلم في عمره
стр. 292
فانكفأ الشيخ بذلة الخائب، وقال: مع الخواطئ سهم صائب. فأنف القوم من ذلك الشجار، وشعروا بما مسهم من نار الشنار فنفحه كل واحد بدينار. قال سهيل: وكان الزحام قد حال بيني وبينهما، فلم أملك أن أتبين عينهما فرصدتهما ارتقاباً، حتى لقيتهما نقاباً. وإذا هما شيخنا الميمون وغلامه رجب، فكدت أصفق من العجب. فأمرني الشيخ بالقعود، وقال: انتظرنا إلى أن نعود. فكنت كمنتظر القارظين ولم أظفر لهما بأثر ولا عين.
المقامة الحادية والأربعون وتعرف بالتهامية
стр. 293
قال سهيل بن عباد: نزلت في غور تهامة، بقوم من أولي الشهامة. فكنا نقضي النهار بالنزاهة، والليل بالفكاهة. حتى إذا كنا في مجلس طرب على صحاف من غرب، فيها أقط وضرب، إذ قيل: قد وفد خطيب العرب. فنزعنا عن لقاء الطيب، إلى لقاء الخطيب. وإذا رجل مقتبل الشباب، على يعبوب يندفق كالعباب. وفي إثره شيخ عليه جبة أتحمية وعمامة عند مية، وهو يرتضخ لكنة أعجمية. فعرفته عند عيانه، على عجمه لسانه. وقلت: هذه فاتحة المساعي وفالية الأفاعي. فلما احتفل النادي جثم شيخنا كأنه صخرة الوادي. وجعل ينضنض كالحية الرقطاء وإذا تكلم يبذل الضاد بالظاء. فاقتحمته أعين الجماعة وعافوا
стр. 294
منظره وسماعه. فبات عندهم أهون من درص، وأذل من قيسي بحمص. قال: وكان بين القوم فتنة وشحناء، وضغينة دكناء. فلما أصبحوا قام الخطيب على هضبة واستهل الخطبة. فقال: الحمد لله الذي أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، ورضي عمن ذكر بآيات ربه وتذكر. أما بعد: فإن الله جلاله وسما، قد نهى عن الفتنة وقتل النفس الذي جعله محرماً، وقال: إن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما. وها أنتم قد طويتم الأكباد على الأحقاد. وضممتم القلوب، على الفتن والحروب. وأفعمتم الأحشاء من العداوة والبغضاء. هذا وأنتم من صفوة المسلمين، لا من الجاهلية أو المخضرمين تعبدون رب الشعري، دون اللات والعُزَّى ومناة الثالثة الأخرى. وعندكم الكتاب المنزل والحديث المرسل. وليس بينكم أحمر عاد،
стр. 295
ولا فرعون ذو الأوتاد. فما هذه الغشاوة التي غشيت أبصاركم حتى زرأتم أولياءكم وأنصاركم. أما علمتم ما جرى بين وائل وعمرو، وما جنى بين تغلب وبكر. أتريدون أن تلحقوا بجديس وطسم، وعاد التي لم يبق لها رسم. وتصبح دياركم كإرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد. أما تعلمون أن العود لا ينمو بلا
стр. 296
لحاء، وأن ليس الدلو إلا بالرشاء. ومنك أنفسك وإن كان أجدع، وساعدك وإن كان أقطع. وليس النار في الفتيلة بأحرق من التعادي للقبيلة. ومن لا أخا له كساع إلى الهيجا بغير سلاح، وهل ينهض البازي بغير جناح. والآن قد بلغت الدماء الثنن، فلا تجعلوها هدنة على دخن. واعلموا أن الخضم قد يبلغ بالقضم. وليس للأمور بصاحب، من لم ينظر في العواقب. وإما ينزغنكم من الشيطان نزغ فاستعيذوا بالله إنه هو السميع العليم، ومن عمل منكم سوءاً بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإن الله غفور رحيم. فعليكم بالمصالحة قبل المجالحة. وتحمل الجهل بتجمل الخلق السهل. وخذوا بالهواء واللواء فذلك نعم الدواء. ولا يكن عندكم صوت النذير كصوت البعير. والسلام على من ذكر اسم ربه فصلى، والويل
стр. 297
لمن كذب وتولى. قال: فلما فرغ من وعظه واستعد القوم على حفظه. دلف إليه ذلك الشيخ المستعجم، وقال بلسان يحتاج من يترجم: يا مولاي إن للأصوات قيوداً في الحقائق كهدير البعير وحداء السائق. قال: قد أطلقت الصوت للمشاكلة، وإني لأراك من رجال المناضلة. فإن كنت قد جمعت من ذلك نبذة فاجعلها لمسامعنا كالربذة، قال: اللهم نعم، وأنشد بأشجى النغم:
هزيز ريح وحفيف الشجر ... هزيم رعد ودوي المطر
وسواس حلية صليل النصل ... قلقلة المفتاح ضمن القفل
رنة قوس وصريف الناب ... صرير أقلام على الكتاب
جعجة الرحى وخفق النعل ... غطغطة القدر نقيض الرحل
قعقعة القيد عزيف الجن ... زفير نارٍ نغم المغني
стр. 298
غطيط نائمٍ عويل الباكي ... وهكذا قهقهة الضحاك
إهلال مولود أتى من الأثر ... نظيره حشرجة المحتضر
قضقفة العظام نقر الأنمل ... نشيش طاجن أزيز المرجل
معمعة الحريق والحنين ... للنوق والمرضى لها الأنين
صهيل خيل وشحيج البغل ... نهيق عفو وخوار العجل
كذلك الهدير للجمال ... يذكر والصئي للأفيال
يعار معز وثغاء الشاء ... حداء سائق خرير الماس
زئير ليث وضباح الثعلب ... بغام ظبي وضغيب الأرنب
جلجلة السبع عواء الذئب ... مواء سنور نباح الكلب
قباع خنزير وللغربان ... نعبٌ كذا العرار للظلمان
صرصرة الباري صفير النسر ... هدير ورقاء وسجع القمري
بقبقة البط كذا والفقفقه ... للصقر والعصفور يبدي الشقشقة
زقاء ديك ومن الدجاجة ... نقنقة مثل نقيق الهاجه
صئي عقربٍ فحيح الأفعى ... بالنفخ والكشيش حين يسعى
стр. 299
ويذكر الطنين للذباب ... واجعل صدى الوادي ختام الباب
قال: فلما فرغ من كلامه الجرهمي. قال: خذوا لغتكم من رجلٍ أعجمي. فعجب القوم من نجابته على غرابته. وقالوا: لله درك لقد فتنت بما أبنت، فمن وممن أنت؟ قال: أنا عمرو بن عامرة، من الأحامرة. قد أهلك الدهر كي كل خضراء وغضراء حتى ألقتني إليكم الغبراء. قالوا: إننا قد ذهلنا بعجمتك، عن حكمتك، فلم نقم بحرمتك. والآن قد عرفنا ما اجترأنا، واعترافنا بأننا قد أسانا، فلا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا. ثم أقبلوا عليه إقبال الطفل على الرضاع، وقالوا: كل علم ليس في القرطاس ضاع. قال سهيل: فأومأ برأسه إلي، وقال: خذ يراعك يا بني، وشرع يملي علي. فلما فرغ منحوه من الشياه ما تيسر، وقالوا: صل لربك وانحر. فانقلب مغطبتاً بالحباء وهو يدعو للخطباء.
стр. 300
المقامة الثانية والأربعون وتعرف بالمضربة
أخبر سهيل بن عباد قال: طرحتني مفاوز الغبراء إلى حواضر مضر الحمراء. فكنت أطوف بها صباح مساء وأتفقد محافل الرجال والنساء. وأنا أسمع المأنوس والغريب، وأتفكه بالغزل والنسيب: حتى جمعت ما استطعت من لغاتهم الجاهلية، وسمعت ما شاء الله من أشعارهم الهوثرية والهوجلية. فبينما دخلت يوماً إلى بعض
стр. 301
الأحياء وقد مسني لغوب الإعياء. إذا شيخ طويل النجاد، مزمل ببجاد. قد قام على كثيب مقام الخطيب. فغمض عني توسمه وجعلت عيني تعجمه. حتى اذكرت بعد أمة، أنه الخزامي باقعة الأمة، وشيخ الأيمة. فاحتفزت للنهوض إليه ملتاعاً، وقد أوشك فؤادي أن يطير شعاعاً. فنهاني بإيماض طرفه، وأشار إلى القوم بكفه. وقال: الحمد لله العلي الكبير، الذي أمر بفك الأسير، وجبر الكسير، وكل ذلك يسير عليه غير عسير. أما بعد يا عشائر البشائر وبشائر العشائر. فإنكم معاذ اللاجي وملاذ الراجي. ومورد الصادي، وموعد الرائح والغادي. وبكم يشد الأزر ويمد الجزر. وبعدلكم يوثق الجاني، وبفضلكم يطلق العاني. وإن لي سبية من ربات الحجال قد سبالها بعض زعانف
стр. 302
الرجال. وهي بكر رقيقة القوام، كأنها ورد الكمام لها نكهة الخزام وصفاء ماء الغمام، وبهجة بدر التمام. تفتن العقول والألباب، وتستعبد السادة والأرباب. وهي عذبة المراشف، لدنة المعاطف. باردة الرضاب، مقصورة وراء الحجاب تسفر عن مثل السحر، وتفتر عن مثل الدرر، وتسر القلب والنظر. قد اعتقلها هذا الظلوم على فداء معلوم. قد طال عنده عناؤها وعز علي فداؤها. وأخاف أن يدركها الفساد، إذا طال عليها التماد. فهل من ابن حرة، يسعفني على استخلاص هذه الدرة، ويدرأ عني هذه الفجعة المرة فرثى له من حضر، من سراة مضر. وحصبه كل واحد بدينار، وقالوا: بدار بدار، إلى كشف هذا العار فحمد وشكر وابتدر السفر، على الأثر. قال سهيل: فلما فصل
стр. 303
الشيخ إلى العراء، قفوته من وراء وراء. فأخذ يدخل من القاصعاء، ويخرج من النافقاء. حتى انتهى إلى حانة أطيب من ريحانة. وجلس بين البواطي وأخذ في التعاطي. فدخلت عليه بنفس أبية، وقلت أين هذه السبية؟ فقد أشفقت أن تكون الصبية. فأشار إلى دستجة من الراح، وقال: هي هذه الخود الرداح، التي تفدى بالأرواح. فإن كنت من جلوس الحضرة، فهذا الماء والخضرة. وإلا فإياك الدخول في الفضول، ثم أنشأ يقول:
ما لسهيل قد أراه عاتبا ... يظنني في ما ادعيت كاذباً
راجع بما وصفت فكراً ثاقباً ... تجد مقالي في الصفات صائبا
لا تحسب الخمر جماداً ذائباً ... بل هي روح فهي يحيي الشاربا
стр. 304
أودعها الخمار سجناً لازبا ... ولم يزل يرد عنها الطالبا
حتى ينال منه حقاً واجباً ... وقد أتيت فربضت جانباً
إذا لم يكن لي النضار صاحباً ... فقمت أعدو في الطريق ذاهبا
إلى حمى القوم فقمت خاطباً ... ونلت من كرامهم مواهبا
إن لم تكن حق فداءٍ راتبا ... فهي جزاء مدحهم، لا سالبا
أخذتها أو سارقاً أو ناهبا ... وعن قليل ستراني تائباً
فيصفح الرحمن عني ثائبا ... يمحو الذي كان علي كاتبا
قال: فكسرت من حوله في احتياله وغوله في اغتياله. وابتدرت التسليم عليه، والتسليم إليه. فقابلني بوجه طلق وحياني بلسان ملق وقال: أعط أخاك تمرة فإن أبى فجمرة. ثم قال: يا بني قد ورد النهي عن الخمر صرفاً، وأنا أشربها بالماء فلا ينكر ذلك شرعاً ولا عرفاً. فاشرب عن يميني إن كنت على يقيني، وإلا فلكم دينكم ولي ديني. فجاريته خوفاً من شر شيطانه الرجيم، وقرأت: "فمن
стр. 305
أضطر غير باغ ولا عادٍ فإن الله غفورٌ رحيم". وبت معه ليلةً أصفى من الزلال، وأرق من السحر الحلال. حتى إذا أصبحنا نهض عن الوسادة، وقال: اكتب يا أبا عبادة:
أبلغ سراة مضر ثنائي ... يوماً على تلك اليد البيضاء
من شك في سبيتي العذراء ... فإنها سبية الصهباء
شربتها حمراء كالدماء ... فلا تسؤكم هبة الفداء
عفواً فأنتم مضر الحمراء
ثم ختم الصحيفة واستودعها الخمار، وقال: خذها مغلغلة إلى أحياء مضر بن نزار، وودعنا جميعاً وسار. فانقلبت إلى حيث أتيت وكان ذلك من أعجب ما رأيت.
المقامة الثالثة والأربعون وتعرف بالبحرية
قال سهيل بن عباد: شهدت وأبا ليلى عيد النحر في بعض
стр. 306
أرياف البحر. وكان ذلك المشهد الميمون، حافلاً كالفلك المشحون. والناس قد برزوا أفواجاً وانتشروا أفراداً وأزواجاً. حتى إذا سكن اللجب وتميز اللباب من النجب. جلس المتأدبون منهم على أديم ذلك التراب، وأخذوا يتذاكرون في حقائق العربية ودقائق الإعراب. حتى إذا أوغلوا في تلك اللجج وأمعنوا في البراهين والحجج. طلع شيخ أعمش العين، أعنش اليدين. فمسح بيديه أطراف السبال، وأشار إلى القوم وقال: الحمد لله الذي جعل العربية أفصح اللغات، وجمع فيها أصول البراعات، وفصول البلاغات. أما بعد فاعلموا يا غرة أهل المدر وقرة أهل الوبر. أن هذه اللغة المستحسنة فريدة عقد الألسنة. وهي خلاصة الذهب الإبريز، التي بها ورد الكتاب العزيز. ولها الفنون العجيبة والشجون الغريبة. والألفاظ القائمة بين الجزل والرقيق، والاختصار المؤدي إلى المراد من أقرب
стр. 307
طريق. وفيها الاستعارات والكنايات، والنوادر والآيات. والبديع الذي هو حلاوتها وحلاها، والشعر الذي لا نظير له في سواها. فضلاً عما بها من الحدود والروابط والقيود والضوابط. والإعراب الذي يقود المعاني بزمام، ويرفع الإبهام، عن الأوهام. وإني لأرى
стр. 308
الناس قد نقضوا ذمامها، وقوضوا خيامها ورفضوا أحكامها. فضاع مفتاحها، وانطفأ مصباحها وتكسرت صحاحها. حتى لم تبق لها حرمة ولا شأن، ولم يبق من يتصرف بها من أهل هذا الزمان. فصار عندهم الناحي، كاللاحي. والشاعر، كبعض الأباعر. وعالم اللغة أحمق من دغة. ولقد ساءني ما فعلت بها الأيام، حتى بكيت على أطلالها التي عفاها عصف السهام، ولا بكاء عروة ابن حزام.
стр. 309
فحافظوا على درس طروسها، وجاهدوا في سبيل إحيائها بعد دروسها. فإنها الدرة اليتيمة، والحرة الكريمة. واللهجة التي لم ينطق اللسان بمثلها، والمطية التي لا تذل إلا لأهلها. وعلي أن انتصب لإفادتكم ما أبقى الدهر لي رمقاً، ولا أخاف نجساً ولا رهقاً. قال: فلما فرغ من خطبته، ونزل من مسطبته. تلقاه الخزامي بثغر باسم وحياه كعادة المواسم. وقال: يا مولاي ما أنا لديك بمن يساجل، فأين الفارس من الراجل والقناة من الزاجل ولكنني رأيتك ابن بجدتها، ورب نجدتها. فأردت أن أستفيدك عما يفيدك الثواب، إن مننت بالجواب. قال: سل، ولا تبل. فقال: كيف يمنع التصغير عمل الصفة، ولا يصرف الأسماء الغير المنصرفة؟ ولماذا لا
стр. 310
تمنع العلمية والوصف، وهما الركن في موانع الصرف؟ وكيف تبنى أي في نحو أيهم أشد، ولا تبنى في نحو أيهم يرد؟ ولماذا لا يباح في العلم دخول اللام، فإذا ثني أو جمع دخلت بسلام، ولماذا تسقط نون الإعراب كالتنوين من المضاف، وتثبت في غيره على الخلاف؟ ولماذا يجوز الإخبار بالأعلام مع أن من شرطه الإبهام؟ وبماذا يتعين البدل أو البيان، في نحو قام أخوك عثمان؟ وكيف يتبع اللفظ في نحو يا زيد الصابر، ولا يتبع في نحو مضى أمس الدابر؟ وكيف يكسر في نحو يا زيد الصابر، ولا يتبع في نحو مضى أمس الدابر؟ وكيف يكسر الساكن في القوافي، ولا ساكن بعده يوافي؟ وكيف يصير الجائي، إلى مثال الرائي؟ ولماذا يتغير الفعل المسند إلى الضمير المتصل، بخلاف الظاهر والمنفصل؟ وإلى كم ينتهي عدد الضمائر، عند أولي البصائر؟ قال: فلما سمع الشيخ هذه الأسئلة، قال: إنها لمن المسائل المشكلة فإن كان
стр. 311
لك في ذلك يد، فقد أجلتك إلى الغد. قال: بل لا أعدو الساعة، إن تبرأت من الصناعة، بمشهد الجماعة. وأخذ يفض أغلاق ختامها حتى أتى عليها بتمامها، وقال: قد رأيتم من يملك زمامها، ويرفع أعلامها، فدعوا أحاديث طسم وأحلامها. فاستغزروا عارض سيله
стр. 312
وتعلقوا بردنه وذيله. فقال: إن لي أسيراً أسعى في فدائه، قبل أن يهلك في عنائه بدائه. فلينفق ذو سعة من سعته، وكل يعمل على شاكلته. فأولج كل واحدٍ يده في هميانه، وأخرج له ما شاء الله من لجينه وعقيانه. فانثنى بعدما ودع وهو قد أثنى فأبدع. حتى إذا ولى قذاله ورجوت ابتذاله. حلت دون مسيره، أو يعرفني بأسيره. فقال: يا بني قد شربت في حان سويد بن الأضبط فاسترهن مني البربط. وهو ريحان نفسي، وريعان أنسي. فإن شئت أن تصحبني إلى العقبة، وتشركني في تحرير رقبة. وإلا فاذهب بالسلامة، ولا ملامة. قلت: لا جرم أن تقرير الرق، خيرٌ من تحرير البربط والزق. وانثنيت عنه فوراً، وأنا أمدحه تارةً وألومه طوراً.
المقامة الرابعة والأربعون وتعريف بالحلية
стр. 313
حكى سهيل بن عباد قال: نزلت بحلة في ديار الحلة. فلقيت بها شيخنا أبا ليلى يسحب في أكنافها ذيلاً، ويخطر ميلاً. فابتهجت به ابتهاج المحب بزيارة الحبيب، أو المريض بعيادة الطبيب. وانضويت هناك إلى حرزه وشددت يدي بغرزه. ولبثت في صحبته برهة أجد من حديثه أطرب نزهة، وأطيب نكهة. حتى إذا كان يوم الأضحى استوى على فرس أضحى، وقال: هلم نتضحى. فخرجنا نطس المراكل، بين تلك الشواكل. وما زلنا نتخلل القباب، ونتخطى اللحاء إلى اللباب. حتى مررنا بقوم من العلماء، قد تألفوا تألف الخندريس بالماء. فدخلنا؛ عليهم دخول المفاجي، وإذا هم يتداولون المعميات والأحاجي. فقال الشيخ: ما الذي أنتم فيه؟ لعلنا نقتفيه. فأعرضوا عنه بوجوه بأسرة، وقالوا: إنها لصفقة
стр. 314
خاصرة. فمن أنت يا من يركب في غير صهوته، ويشرب من غير ضهوته؟ قال: أنا الرقمع بن أصمع من بني السمعمع. ومن أنتم يا من يأبهون للنسب، ويعمهون عن الحسب؟ فذعروا لجوابه، وشعروا بصوابه. وقالوا: تحسبها حمقاء وهي باخس، فلا بد بيننا من حرب داحس. فنظر إليهم نظرة البازي وصال عليهم صولة الغازي. وقال: أما إن كان قد غركم الهزال، حتى دعوتم نزال. فلأرينكم لمحاً باصراً، وفتحتاً ناصراً. ثم تخازر كالأرمد وأنشد معمياً في محمد:
على من لا أسميه سلام ... وإن ضاعت تحيتنا لديه
مليح لا أرى لي فيه حظاً ... وفي قلبي دم من مقلتيه
стр. 315
ثم أدلم شفتيه كالعنبلي وأنشد معمياً في علي:
ما لي أنادي يا علي ... ولا تلبي يا علي؟
للناس نفعك مبصراً ... وإذا عميت فأنت لي
ثم اشرأب كتليع الظلمان، وأنشد معمياً في عثمان:
ماذا ترى أصنع في حسد ... قد حجبوا عني بديع الزمان؟
لهم عيون راصدات لنا ... إذا بدت عين تلاها ثمان
ثم قال: اللهم اهدنا سواء السبيل، وأنشد محاجياً في سلسبيل:
يا لوذعياً نراه ... بكل ففن خليقا
ما ردف قول المحاجي ... إن قال: أطلب طريقا؟
ثم قال: دونكم أيها الصعافيق وأنشد محاجياً في أباريق:
стр. 316
يا من إذا جاءه المحاجي ... أصاب في كل ما أجابا
ماذا تراه يكون ردفاً ... لقوله لم يرد رضابا؟
ثم اندفع كحجر من سجيل وأنشد محاجياً في نار جيل:
ألا يا من أحاجيه ... أدارت خمرة الكأس
أبن لي ما يرادفه ... لظى صنفٍ من الناس
قال: فلما فرع من معمياته وأحاجيه، جعل القوم يخبطون في دياجيه. وقالوا: شهد الله أنك لأعذب من القند وأوسع من هند مند. فأن أنين الثكلى، ورفع طرفه إلى الأفق الأعلى. وقال: اللهم فاطر السموات ومجيب الدعوات. أرفع منار العلم وآله، وأغنني عن منة العبد وسؤاله. وارزقني عمامة مضرجة وحلة مدبجة. حتى إذا دخلت على عبادك يعرون قدري، ويعظمون أمري. ثم اغرورقت عيناه بالعبرات وحشرجت أنفاسه بالزفرات. فأعجب
стр. 317
القوم بسلامة فطرته، وخشعوا المذلة هطرته. وقالوا: هذه عمامة فاعتذق، وحلة فالبس وانتطق. فشكر وأثنى، وعلى تلك الحسنى وانثنى يتثنى، وهو يتغنى. وأنشد:
يا طربا لقد شفيت الغلة ... بحلة زهراء تشفي العلة
فحلةٌ في حلةٍ في حلة
ثم انطلق بي أبي وكنةٍ أحرج من الجفن، وأحضر ما تسنى من خبزه اللدن وطعامه الكفن. وقال: إنما الطعام للغذاء، فليأتنا الطاهي بما شاء. وقطعت معه تلك الليلة بالسماع فكانت ليلة الوداع.
المقامة الخامسة والأربعون وتعرف بالفراتية
стр. 318
حدث سهيل بن عباد قال: نزلنا بشاطئ الفرات، في إحدى السفرات. فراقنا ما هناك من المياه الخصرة، والخمائل النضرة. ولبثنا أياماً نتنقل في تلك المروج، كما تتنقل الكواكب في البروج، ونجتلي مفاكهة السمر، كما نجتني فاكهة الثمر. ونتوسد كل قضة أنقى من الفضة. ونرد كل سبيل أعذب من السلسبيل. حتى إذا أزفف الترحال، وشدت الرحال. قيل: قد فاح نشر الخزام، على الأنام. فنظرت وإذا شيخنا الميمون، والناس إليه بهيمون وعليه يحرمون. فنفرت إليه نفرة الريم، في ثنايا الصريم، وقلت: هذا الحجر الكريم، فكيف نريم؟ فنقضنا غزلنا أنكاثاً، وعدنا فأقمنا ثلاثاً. قال: وكان في الركب شيخ غضر الناصية، من عاربة البادية. فالتقى الشيخ بالشيخ، لما يلتقي سمهر
стр. 319
بفريخ. وطفقا يتساقطان الحديث، ويتلاقطان الشتيت منه والأثيث. حتى ركبا متن اللغة، وأحاطاً به كالحلقة المفرغة. فتغافل الخزامي كأنه واسطي، حتى طمع ذلك الشيخ الناعطي. فألقى إليه شيئاً من المسائل الدقاق، وتمادى المراء بينهما حتى أفضى إلى الشقاق. فاهتز أبو ليلى كالخليع الماجن، وقال: قبل الرماء تملأ الكنائن. إن كنت من ذوي الحصافة الضابطة، فما عندك من الألفاظ التي تنتابها الظاء القائمة والضاد الساقطة؟ فأطرق برأسه ملياً وأمعن النظر جلياً. ثم قال: أرك قد أبعدت الخطط وركبت الشطط.
стр. 320
فإن كنت ممن يبرز المعصم، لالتماس الغراب الأعصم، فأفض علينا من روائك ونحن تحت لوائك. فلم يكن إلا كر ولا، حتى أنشد مرتجلاً:
يدعى نقيض البطن باسم الظهر ... وذروةٌ من جبلٍ بالضهر
والقيظ في الصيف بمعنى حره ... والقيض في البيض لبادي قشره
والغيظ والغيض وقل فاظ إذا ... مات، وهذا الماء قد فاض كذا
ظن وضن باخل والحنظل ... للنبت والظل المديد حنضل
والظب للهاذر ثم الضب ... والظرب نبت عندهم والضرب
وقيل للروض الأثيث معظل ... وهكذا الأمر عليهم معضل
وجاض عنه حائداً حين ضلع ... وجاظ في المشي اختيالاً وظلع
والحمض والحمظ لعصر الرطب ... والمظ للوم ومض الخطب
وقارظ على جنى الصبغ عظب ... ملازماً وقارض له عضب
следующие страницы →