Полный текст (414 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
يا من إذا جاءه المحاجي ... أصاب في كل ما أجابا
ماذا تراه يكون ردفاً ... لقوله لم يرد رضابا؟
ثم اندفع كحجر من سجيل وأنشد محاجياً في نار جيل:
ألا يا من أحاجيه ... أدارت خمرة الكأس
أبن لي ما يرادفه ... لظى صنفٍ من الناس
قال: فلما فرع من معمياته وأحاجيه، جعل القوم يخبطون في دياجيه. وقالوا: شهد الله أنك لأعذب من القند وأوسع من هند مند. فأن أنين الثكلى، ورفع طرفه إلى الأفق الأعلى. وقال: اللهم فاطر السموات ومجيب الدعوات. أرفع منار العلم وآله، وأغنني عن منة العبد وسؤاله. وارزقني عمامة مضرجة وحلة مدبجة. حتى إذا دخلت على عبادك يعرون قدري، ويعظمون أمري. ثم اغرورقت عيناه بالعبرات وحشرجت أنفاسه بالزفرات. فأعجب
стр. 317
القوم بسلامة فطرته، وخشعوا المذلة هطرته. وقالوا: هذه عمامة فاعتذق، وحلة فالبس وانتطق. فشكر وأثنى، وعلى تلك الحسنى وانثنى يتثنى، وهو يتغنى. وأنشد:
يا طربا لقد شفيت الغلة ... بحلة زهراء تشفي العلة
فحلةٌ في حلةٍ في حلة
ثم انطلق بي أبي وكنةٍ أحرج من الجفن، وأحضر ما تسنى من خبزه اللدن وطعامه الكفن. وقال: إنما الطعام للغذاء، فليأتنا الطاهي بما شاء. وقطعت معه تلك الليلة بالسماع فكانت ليلة الوداع.
المقامة الخامسة والأربعون وتعرف بالفراتية
стр. 318
حدث سهيل بن عباد قال: نزلنا بشاطئ الفرات، في إحدى السفرات. فراقنا ما هناك من المياه الخصرة، والخمائل النضرة. ولبثنا أياماً نتنقل في تلك المروج، كما تتنقل الكواكب في البروج، ونجتلي مفاكهة السمر، كما نجتني فاكهة الثمر. ونتوسد كل قضة أنقى من الفضة. ونرد كل سبيل أعذب من السلسبيل. حتى إذا أزفف الترحال، وشدت الرحال. قيل: قد فاح نشر الخزام، على الأنام. فنظرت وإذا شيخنا الميمون، والناس إليه بهيمون وعليه يحرمون. فنفرت إليه نفرة الريم، في ثنايا الصريم، وقلت: هذا الحجر الكريم، فكيف نريم؟ فنقضنا غزلنا أنكاثاً، وعدنا فأقمنا ثلاثاً. قال: وكان في الركب شيخ غضر الناصية، من عاربة البادية. فالتقى الشيخ بالشيخ، لما يلتقي سمهر
стр. 319
بفريخ. وطفقا يتساقطان الحديث، ويتلاقطان الشتيت منه والأثيث. حتى ركبا متن اللغة، وأحاطاً به كالحلقة المفرغة. فتغافل الخزامي كأنه واسطي، حتى طمع ذلك الشيخ الناعطي. فألقى إليه شيئاً من المسائل الدقاق، وتمادى المراء بينهما حتى أفضى إلى الشقاق. فاهتز أبو ليلى كالخليع الماجن، وقال: قبل الرماء تملأ الكنائن. إن كنت من ذوي الحصافة الضابطة، فما عندك من الألفاظ التي تنتابها الظاء القائمة والضاد الساقطة؟ فأطرق برأسه ملياً وأمعن النظر جلياً. ثم قال: أرك قد أبعدت الخطط وركبت الشطط.
стр. 320
فإن كنت ممن يبرز المعصم، لالتماس الغراب الأعصم، فأفض علينا من روائك ونحن تحت لوائك. فلم يكن إلا كر ولا، حتى أنشد مرتجلاً:
يدعى نقيض البطن باسم الظهر ... وذروةٌ من جبلٍ بالضهر
والقيظ في الصيف بمعنى حره ... والقيض في البيض لبادي قشره
والغيظ والغيض وقل فاظ إذا ... مات، وهذا الماء قد فاض كذا
ظن وضن باخل والحنظل ... للنبت والظل المديد حنضل
والظب للهاذر ثم الضب ... والظرب نبت عندهم والضرب
وقيل للروض الأثيث معظل ... وهكذا الأمر عليهم معضل
وجاض عنه حائداً حين ضلع ... وجاظ في المشي اختيالاً وظلع
والحمض والحمظ لعصر الرطب ... والمظ للوم ومض الخطب
وقارظ على جنى الصبغ عظب ... ملازماً وقارض له عضب
стр. 321
وأبرق الظرير والضرير ... وهكذا النظير والنضير
وقيل زيد في القتال ظجاً ... مستنجداً وفي سواه ضجا
وللآلي في السموط نظم ... وقيل للبر الخصيب نضم
والفض والفظ وقيل ضلمه ... للسهر الطويل تحت الظلمه
والظعف للنبت وضعف العظم ... ومقبض القوس دعي بالعضم
والبيظ بيض النمل والحظيره ... للشاء والناس لهم حضيرة
كذا الوظيف ووضيف الوقف ... ظل وضل عن سبيل العرف
وعظة الحرب وعضة الأسد ... والحظ والحض وحسبي ما ورد
قال: فلما فرغ من ارتجازه وجلا بدائع إعجازه، في سرده وإيجازه. أعجب القوم بسحر بيانه، وعقد بنانه. وقالوا: مثلك من تلقى إليه المقاليد، وتجفخ به المواليد. فشمخ بأنفه من التيه،
стр. 322
وأنشد بغير تمويه:
أنا ابن الخزام أنا ابن الرزام ... أنا ابن اللزام غداة النزال
حديد الشواظ مديد اللحاظ ... شديد الحفاظ سديد المقال
ولكن تجنى علي الزمان ... بنقض الذمام ونكث الحبال
وأغرى بنيه بشد الرحال ... وعد الرخال وصد الرجال
وأخنى علي بإمحال حالي ... وإخمال مالي وبلبال بالي
فرحت أسيفاً ضعيفاً نحيفاً ... قضيفاً سخيفاً حليف السؤال
على أنني قد تقلدت صبراً ... بديع الجمال كصبر الجمال
فلست أبالي بزج الإلال ... وسلب اللآلي وكيد الليالي
قال: فأوى له من حضر، وحباه كل منهم بقدر. وتقدم إليه ذلك الشيخ الدهري بنجيب مهري. وقال: لا جرم أن الشيخ من تقدم
стр. 323
جهده، لا من تقادم عهده. وبتنا تلك الليلة نتفكه بأنفاسه، ونتنزه بصهباء كأسه. حتى إذا غمضت الجفون عن الشفون. أدلج على ذلك النجيب، وترك القوم عليه ألهف من قضيب.
المقامة السادسة والأربعون وتعرف بالسخرية
قال سهيل بن عباد: خرجت للصيد في بادية الخلصاء مع بعض الخلصاء الأخصاء. وكنا في عدتنا كنجوم الثريا وفي انتظامنا كحبب الحميا. فاقتنصنا ما شاء الله من سانح وبارح، وقعيد وناطح.
стр. 324
ثم أثقبنا النار في ذلك الحضيض وأخذنا بالمل والتعريض. وجعلنا نختزل الخراذل والأوصال، من كل خنساء وذيال. إلى أن صغت الشمس نحو المغربان، وكادت تلبس حلة الأرجوان. فنهصنا نقتضب تلك الأرض، حتى غشيتنا ظلمات بعضها فوق بعض. فجعلنا نخبط خبط عشواء تحت غشاء ذلك العشاء. وبينما نحن كالآرام في القماص، إذ سمعنا منادياً يقول: القرى يا خماص فخف ما نجد من الكرب، وعجبنا من مكارم العرب. وقصدنا ذلك الصوت على السماع، كما تستروح السباع. فإذا دار قوراء، ونار زهراء، وأوجه غراء. فنزلنا على الرحب والسعة واستقبلنا القوم بالأنس والدعة. وما لبثنا أو وضع الخوان، ورفعت الجفان. فجلسنا مليا. وأكلنا هنياً مرياً. وبتنا ليلتنا في ذلك
стр. 325
الغور، كأننا جلساء قعقاع بن شور. حتى إذا كانت الغداة وقد تألب الحي بمنتداه. وفد شيخ بال، في رثاث أسمال. فبينما حي وجثم وهو قد اشتمل والتثم. أقبل رجل قد تزمل بكساء خلق واعتم بلفائف مكورة كالطبق، قد جمعت ألوان قوس السحاب في الخرق. وأرخى لعمامته عذبة أطول من قصبة. وهو قد كحل إحدى عينيه ولبس خفاً بإحدى رجليه، وأخذ عصاً بكلتا يديه. فلما رآه الشيخ ازمهر وامتقع لونه واكفهر. وقال: أخذتك بالفطسة، بالثؤباء والعطسة. فقال القوم: تبارك اسم ربك الأعلى، من هذا الذي منظره يضحك الثكلى؟ قال: هو أحمق مولع بالفشار، كتلفيق الخنفشار.
стр. 326
ولسانه لا ينطلق، إلا بمثل الخفشلق. وقد قبض الله لي ملتقاه فحيثما سكعت أراه. وأنا أتعوذ من منظره الذميم، كما أتعوذ من الشيطان الرجيم. وهو يداركني سباقاً أو لحاقاً ويفاجني عمداً أو وفاقاً، فلا يرسل الساق إلا ممسكاً ساقاً. فاقتحم الفتى وهو يرفس برجله الأرض،
стр. 327
ويتهادى بين الطول والعرض. فانتشبت شظية في رجله الحافية، كما أصاب رافس الشنفرى بالبادية. فأعول وولول وحجل بعدما هرول. وقال: قبحك الله يا وجه الغول، وسحنة المغول أتتشاءم بي وبك يتشاءم غراب البين؟ هل تظن أن رزق الله يضيق عن اثنين؟ أم تحسب إن القوم إذا رأوا لين قامتي، ونقش عمامتي. يزدرون بشيبتك، ويعزمون على خيبتك؟ أتخالهم لم يروا بلغتك الزرقاء، والغلماء بين يديك كالأرقاء؟ ولم يشموا عطرك الذي يملأ قطرك؟ ولم ينظروا عمامتك الحانية، وجبتك القانية،
стр. 328
وبردتك اليمانية وأظفارك التي كالمناجل وما تحتها من سخام المراجل؟ فلولا حرمة القوم لجعلت في رأسك العشر الشجاج، وحطمتك كقوارير الزجاج فأرغى الشيخ وأزبد وأبرق وأرعد، وثار إليه كالبعير الأقود. فانهزم الفتى كالبحتري وعدا الشيخ في غثره كالصيمري. والناس من ورائهما ينظرون، والصبيان يصفقون
стр. 329
وينقرون. فتكبكب الفتى وكبا، وانتقضت عمامته فذهبت أيدي سبا. فتجارى الغلمان يتخاطفون منها القطع، ويتقاذفون الرقع. وهو من ورائهم يصيح: المدد ويجمع تلك القدد، ويسرد العدد. وهم يطاردونه عن أخذها، وهو يطاردهم عن نبذها. حتى ضاقت عن الضحك الصدور، وبرزت مقصورات الخدور. فالتظى الفتى واضطرب ونادى بالويل والحرب. وقال: ويل لكل همزة لمزة، لا يعرف حق التاج والخرزة أين بقية القطع الحمراء،
стр. 330
والشظايا الصفراء والخرق الخضراء؟ قد عدتها تسعين، ولا أجد منها غير سبعين، فأين أضعتم الأربعين؟ فضحك القوم من حسابه الذي يفتن كل حاسب، ويضحك مروان الكاتب. وقالوا: لا بأس يا أخا العرب، سنعوض عليك ما ذهب. فقال: شهد الله ما بي هذا الخراب، ولكن تشاؤم هذا الشيخ بي وهو أشأم من سراب. فإنه قد أضاع بذلك خفي الذي هو أغلى من خف حنين، وعمامتي التي جمعتها من آثار حجاج الحرمين، وكنت لا أسمع أن يمسها الحسن والحسين. قالوا: خذ هذا الخف الدارش والعمامة الموشاة، وتنكب الشيخ أن تغشاه أو تهيجه بما يخشاه. فأخذهما ومشى، وقد لاحت عليه
стр. 331
تباشير الرضى. فقال الشيخ: أرأيتم يا كرام الحي، إني كنت فألا على الفتى وكان شؤماً علي؟ قالوا: لا طيرة إن شاء ولا شؤم، فما نحن من أهل اللؤم. ثم وصلوه بصلة سنية وقالوا: عليك بحسن الظن وإصلاح النية. قال سهيل: وكنت قد عرفت الشيخ وفتاه، وعجبت من المجون الذي أتاه. فلما انصرف حثني إليه الشوق فأدركته وهو حثيث السوق، وقلت: يا أبا ليلى شب
عمرو عن الطوق. قال يا بني إن المزح في الكلم، كالملح في الطعام. والإلظاظ يورث الملل، ولو كان على العسل. وإني قد مللت الجد واشتقت إلى الهزل، فعسى أن تكون قد مللت اللوم والعذل فاكتفيت من النار بالشرار، وانكفأت على قدم الفرار.
المقامة السابعة والأربعون وتعرف بالرصافية
стр. 332
حكى سهيل بن عباد قال: سمرت ليلة بالرصافة، مع كرام من أولي الحصافة. فبتنا نتلاعب بأطراف الكلام المشقق، ونتجاذب أعطاف الحديث المرقق. حتى أدانا حصر الحصر إلى ذكر أفراد العصر. فقال بعض القوم: ما أدراكم من وفد اليوم قد وفد الخزامي الذي إذا انبرى لا يبارى، وإذا جرى لا يجاري وإذا حدث ترى الناس سكارى. فأعجب القوم بارتقائه، وقالوا: من لنا بالتقائه؟ قال: إن شئتم أن تتخذوا إليه سبيلاً، فاتخذوني دليلاً. فلما أصبحوا قالوا: أنجز حر ما وعد، قال: ومن جد وجد. ثم انطلق بنا كالشملة الرافلة حتى أتينا القافلة. وإذا الشيخ قد ثار كأنه من رضفات العرب،
стр. 333
وقال: قد أصابني سهم غرب، فالحرب بيننا والحرب. قال: وكان بين يديه رجل أدرم أثرم، ينزو كالقضاء المبرم ويسطو كأبرهة الأشرم. فقال: قد عرضت فرسينا للرهان، وجعلت مضمارنا البرهان. فإن كنت من طوارق الليل، فما قيود الأسنان والألوان في الخيل؟ فأطرق إطراق الأفعى، ثم قال: خذها حية تسعى، وأنشد:
المهر في حوليه باسم الجذع ... يدعى، وبالثني في التالي دعي
стр. 334
ثم الرباعي بعده في الرابع ... وقارح في الحجج التوابع
وهو على اختلاف لون جلده ... يدعي بأوصاف جرت في نقده
فأدهم وأبيض وأحمر ... وأشقر وأصفر وأخضر
حتى إذا اشتد سواد الأدهم ... يقال فيه الغيهبي فاعلم
فإن ينقط ببياض أنمش ... قيل، ومع ذاك سواه أبرش
فإن تكن نقطه تتسع ... فإنه مدنَّرٌ فأبقع
وإن يشب بعض السواد الأبيضا ... فذاك بالأشهب في الوصف قضى
وإن أصاب الأحمر السواد ... فبالكميت وصفه المعتاد
فإن عرا الكمتة لون أشقر ... فذلك الورد الذي لا ينكر
وإن يك الأشقر فيه خلس ... من السواد قيل هذا أغبس
وإن رأيت أصفراً يمتد ... فيه السواد فهو السمند
فإن عرا الصرة لون شهبه ... فالسوسني وصفه بالنسبة
وإن يك الأخضر فيه يحوى ... شيء من السواد فهو الأحوى
قال: إن كنت من أولي الكمال، فما مثل ذلك في الجمال؟ فاضطرب
стр. 335
اضطراب السراب، ثم أنشد وما استراب:
أول نتج الناقة الحوار ... يدعى كما جاءت به الآثار
وهو لعام واحد فصيل، ... وابن مخاض بعده تقول
وابن لبون ثم حق جذع ... ثم الثني فالرباعي يتبع
ثم الديس بعده والبازل ... والعود في العشر رواه الناقل
فإن صفت حمرته فأحمر ... قيل له وهو لديهم يؤثر
فإن تشبها دهمة فأرمك ... والجون ما فيه السواد أحلك
وذو البياض آدماً يلقب ... فإن علته حمرة فأصهب
فإن يكن بياضة يلتبس ... بشقرة، فهو البعير الأعيس
والأخضر المصفر في سواد ... يدعى بأحوى اللون في البوادي
قال: فلما رأى الرجل ما رأى من طوله باعه، وريع رباعه. قال: قد
стр. 336
حق علي الخرس وحقت لك الفرس. فهلم إليه وخذها غير مأسوف عليها. فاستعظم القوم أمره، واستهالوا غمره. وقالوا: من تمام العمل، أن نزيدك الجمل. قال: إذا ملكت الخطام، فما أبالي بالحطام. ثم سبح وتشهد وترنح وأنشد:
إذا كان العباد بكل عصر ... شمال غريبة فأنا اليمين
سلوا عما أردتم من فنون ... فعند جهينة الخبر اليقين
стр. 337
قال سهيل: فلما انصرف أصحابي قلت هذا مشواي، وقد شغلت شعابي جدواي. قال: أنت على الرحب والسعة، ولك الرغد والدعة. فأقمت في صحبته بأم العراق حتى حم الفراق.
المقامة الثامنة والأربعون وتعرف باللاذقية
حدثنا سهيل بن عباد قال: عن لي أرب، في لاذقية العرب.
стр. 338
فقصدتها من خناصرة مع رجل صنافرة، يتبرد بالهجرة. فآدتني صحبته الغلوب حتى أدتني إلى اللغوب. فدخلت المدينة، كما تدخل الدلو العدنية. ونزلتها واهن العواهن لا خدن لي ولا عجاهن. وكان بدار منزلي السفلى، مدرسة حفلى. فكنت أزورها لماماً، وأقوم بها إماماً. حتى إذا كنت يوماً بمحرابها، بين أضرابها وأترابها. دخل شيخ كفيف، يقوده غلام خفيف. وهو قد اعتمر بصماد، وسدل له عذبه كالنجاد. فلما وقف بنا لاحت عليه الأريحية، وحياناً بأحسن التحية. ثم قال: حمداً لمن له الحمد والمنة، الذي جعل المدارس أبواب الجنة. أما بعد فإن الله قد أمر بالقراءة وأقسم بالقلم، وهو الذي علم به الإنسان ما لم يعلم. فلا جرم أن هذه الصناعة أرجح الصنائع وأربح البضائع. وعليها مدار
стр. 339
السنة والكتاب، وبها حيوة العلوم والآداب، ومنها استنارة العقول والألباب. وهي عنوان السيادة وعنقوان السعادة. وآية الفلاح، وغاية الصلاح والإصلاح. ولولاها لدوست الأخبار، وطمست الآثار. وهلكت أموال التجارة، وضاعت حقوق القضاء والإمارة. فثابروا أيها الولدان المخلدون، ولا ترضوا من الصناعة بالدون. وإذا قرأتم فافتحوا الطرف، وأظهروا الحرف. والزموا الدرس ولا تكثروا الهمس. وإذا أردتم أن تبروا القلم، فاشحذوا الجلم. وأطيلوا الجلفة وأسمنوها، وحرفوا القطة وأيمنوها واحرصوا على صحة التصوير، وإحكام التحرير، وتقويم الأساطير. وأعلموا أن المناقش، سيتلون عليكم بأبي براقش. فلا تدعوا له سبيلاً أن يلوم، ولا تمكنوه من حجة تقوم وعليكم بعفة اليد واللسان، ونقاء الثوب والبنان، وسهولة الخلق بين الأقران، والمذاكرة في آيات القرآن. لتكونوا زينة الحيوة الدنيا، كما أنزل الله كلمته العليا. وأما الأستاذ
стр. 340
فليكن عفيقاً غيوراً، لطيفاً صبوراً، أديباً وقوراً. ماهراً في صناعته، باهراً في وداعته. ليس بالشديد العتي، ولا البليد العيي. يرغب في أن يفيد كما يرغب في أن يستفيد. ويجتهد في تربية من تحت لوائه، كما يجتهد في تربية أبنائه. وليعلم أن التلامذة أمانة الله في يده، ويتأهب في يومه لما سيحاسب عليه في غده. ثم أقبل قبل المشهد، وأنشد وهو قد تنهد:
يا من لهم في السجايا ... عينٌ وجيمٌ وباء
ما طالب لي في سواكم ... نونٌ وعينٌ وتاء
عهودكم ليس فيها ... نونٌ وكافٌ وثاء
وحظكم كل يوم ... ميمٌ ودالٌ وحاء
وإنني في حماكم ... شينٌ وياءٌ وخاء
لو يبق لي في بلائي ... صادٌ وباءٌ وراء
أنتم لكل فقير ... كافٌ ونونٌ وزاء
وفي أكف نداكم ... باء وسين وطاء
هل عندكم نحو شيخ ... لامٌ وحاءٌ وظاء
وحسبه من رضاكم ... عينٌ وطاءٌ وفاء
دياركم للأماني ... واوٌ وجيمٌ وهاء
شين وباء وعين ... فيها وراءٌ وياء
стр. 341
قال: فلما فرغ من أبياته الحسان، تعلق به أولئك الغلمان. وقالوا: إنك نعم الأستاذ، والعقوة التي بها يلاذ. فنحن هواك ولا نريد سواك. فأشفق الأستاذ من صرم حباله، هاجت بلابل بلباله. فأسر إلي النجوى وباح لي بالشكوى، من هذه البلوى. وكنت قد عرفت الشيخ أنه حامي الحمى، وإن كان قد تظاهر بالعمى. فقلت للأستاذ: إن كنت قد أجفلت من مواء السنانير، فأعطني له قبضة من الدنانير. وأنا أدرأ ما في نفسه قد أوجس وأدعه لا يأتيك سجيس الأوجس. فناولني ما شاء، وقال: أتبع الدلو بالشاء. فدعوت الشيخ إلى خلوة، وبثثته المرة والحلوة. فقهقه كما يقهقه الرعد، وقال: بكل واد بنو سعد. فعده وعد السموأل، أن
стр. 342
أسامة لا ينزل في وجار جيأل. قلت: فكيف تعاميت وأنت أبصر من فراس في بهماء غلس. فنظر إلي نظرة الضرغام، وأنشد بصوت كالبغام:
تخلق الناس بالأدناس واعتمدوا ... من الصفات الدها والمكر والحسدا
كرهت منظرهم من سوء مخبرهم ... فقد تعاميت حتى لا أرى أحدا
ثم انطلق بي إلى مثواه وقاسمني شطر جدواه. وقال: أنت الليلة ضيفي وأنا غداً ضيف الهجير، فإن الصقر متى صاد بصير. فقضيت معه ليلة أرق من السابرية، وأطيب من الجاشرية. حتى نسخ الصبح آية الظلام، ونشر على الأفق حمر الأعلام. فودعني وذهب وأودعني اللهب.
المقامة التاسعة والأربعون وتعرف باللبنانية
стр. 343
روى سهيل بن عباد قال: ظعنت في نفر من معد بن عدنان، حتى مررنا بجبل لبنان. فراعنا ما به من الشعاب والأودية والمجالس والأندية. والخمائل والغياض، والمياه والرياض. والقرى والدساكر، والعشائر الملتفة كالعساكر. فلبثنا أياماً في جنباته نجول بين رعانه وهضباته. حتى نزلنا بقوم من العظماء، قد أحاطواً بفتى من العلماء. وهو ينشدهم الأبيات، ويُطرفهم بالغرائب والآيات. فوقفنا نسترق السمع، في خلال ذلك الجمع. وإذا شيخ من أبناء السبيل قد أقبل في ثوب رعابيل. فتخلل القوم ولم يسلم، ثم احقوقف مشيحاً ولم يكلم. فاستثقل القوم ظله، وأنكروا محله. وقالوا: إن هذا الشيخ قد بلغ الحدب، ولم يظفر من الأدب ولا بمثل الكدب. ثم أعرضوا عنه ازوراراً، واحتملوا فظاظته اضطراراً. فانتدب له الفتى وقال: من أين أقبلت يا أبا الشقعمق؟
стр. 344
لا كان يومك الشمقمق فزفر كفحيح الأفعى، وقال: استنت الفصال حتى القرعى. فمن أنت يا من لا يعرف الكوع، من البوع؟ قال: بل أنت من لا يعرف الكاع، من الباع إن كنت من أنماط هذا النمط، فما الفرق بين الميت والميت والوسط والوسط؟ وما فرق اليتيم بين الناس والبهائم في الوضع، وفرق الأم بين الفريقين في صيغة الجمع؟ فهمهم الشيخ وجمجم، وغمغم حنقاً ودمدم. وقال: ويك يا مرقعان يا أفرة المعمقان. إن كنت ابن مسألة أو كاشف
стр. 345
معضلة. فأنبئني بقيود القطع، وإلا فأعدد قفاك للصفع فرنا بعين المها، إلى السمهى. وأنشد:
يقال: جز الصوف زيد وحصد ... نباته اليابس، والرطب خضد
وجدع الأنف وللأذن صلم، ... وشتر الجفن وللكف جذم
وشرم الشفة إذ قص الشعر ... وقضب الكرم لدى قطف الثمر
وقلم الظفر وحز اللحما ... وحذق الحبل وبت الحكما
وقذ ريش السهم إذ قط القلم ... وعصف الزرع وللنخل جرم
وقيل: قد السير. والنعل حذا ... وجاب صخراً، قطع الثوب كذا
وحذف الذنب والغصن عضد ... وفلح الحديد، فاحفظ ما ورد
قال: إن كنت من رجال العصر، فما هي قيود الكسر؟ فاستضحك طويلاً، ثم فكر قليلاً. وأنشد:
يقال: شج الرأس والأنف هشم ... ووقص العنق وللسن هتم
وقصم الظهر لدى رتم الحجر ... وحطم العظم كغصن قد هصر
وفضح الجبس، والنوى رضخ ... ورض حباً رأس حية شدخ
وفقس البيض على فدغ البصل ... وهد ذاك الركن من دك الجبل
وهضم القصب والخبز ثرد ... ونقف الحنظل فاستجل الرشد
قال: فهل تعرف قيود الحصص، من مثل هذه القصص؟ فتململ
стр. 346
كالأفعوان، ثم نزا كالعنظوان. وأنشد:
كسرة خبز فدرة اللحم ترد ... كتلة تمر فلذة من الكبد
ومن طعام لمظة وكسفه ... من سحب ومن سويق نسفه
كذا صبابة من الشراب ... جذوة نار حثوة التراب
ودرة من لبن فرزدقه ... من العجين غرفة من مرقه
وصبرةٌ من حنطة ونقره ... من فضة ومن حديد زبرة
خصلة شعر كبة من غزل ... فرصة قطنٍ رُمةٌ من حبل
خرقة ثوب نبذة من مال ... وهدأة الليل من الأمثال
قال سهيل: فلما أبان الفتى ما أبان، قال القوم: قد ظهر الشجاع من الجبان. فما أشبه هذه الألمعي بأتي عبيدة والأصمعي. ولقد اعتمانا ويمم
стр. 347
حمانا. فلنحبه بما هو الخليق به رعاية لحرمة أدبه. ثم أفاضوا عليه حلة من الإستبرق، وقبضة من الذهب الأصفر كبتاً لعدوة الأزرق. فطال على الشيخ واستطال، وقال: قد ذل من يصادم الأبطال فاعتصم الشيخ بالهزيمة، واقتفاه الفتى بماضي العزيمة. قال سهيل: فأشفقت على ذلك الشيخ الفاني، من صولة ذلك الفتى الجاني. وخرجت في إثرهما، لترقيح أمرهما. فإذا هما بجانب العقيق بين الأقحوان والشقيق، والشيخ قد لبس الحلة والفتى قائم لديه كالرقيق. فتوسمتها من كثب، وإذا هما ميمون ورجب، فصحت: يا للعجب! فارتفق الشيخ على يمينه، وأنشد والبشر يلوح من جبينه:
قد لاح صبح الشيب وارفض الدجى ... والعمر ولى والردى قد عرجا
ورجب كالمهر عندي نتجا ... أريد أن أروضه مخرجاً
حتى إذا فارقته مندرجا ... رحت قرير العين صادق الرجا
стр. 348
لا أختشي معصية أو حرجا
ثم قال: يا بني إني قد عولت أن أركب الفلك، وأذهب إما هلك، وإما ملك. فعد إلى أصحابك بالسلام واكتم حديثي مع الغلام. فانثنيت عنه بين العذر واللوم، وكتمت الحديث حتى وصلت إلى القوم
المقامة الخمسون وتعرف بالحموية
قال سهيل بن عباد: لقيت الخزامي في حماة فانضويت إلى حماه، ولبثت نتسم رياه، وأترشف حمياه. وهو يطوف بي على الرياض والغياض ويرد المعين والحياض. ويتفقد الأجارع النضرة، والخمائل الغضرة. حتى دخلنا إلى حديقة
стр. 349
بهيجة أنيقة. والدواليب حولها تحن حنين الناقة الرؤوم، وتئن أنين المدنف السؤوم. فجعلنا نتخير الأفياء، حتى انتهينا إلى ظلال لمياء. فجلسنا وقد أطاعنا العاصي، وتسخرت لنا مياهه من الأقاصي. وأخذنا نجتني الثمار الذوابل من الأفنان السوابل، وقد رقص البلبل على نغمات البلابل. وإذا قوم من كرام الوجود سيماهم في ناضرة، إلى ربها ناظرة. وهم يسبحون بحمد ربهم، ويستغفرون لما تقدم وما تأخر من ذنبهم. فلما رآهم الشيخ قال: أعوذ برب الناس، وجعل يضرب أخماساً لأسداس! ثم قال: يا بني كنت قد عزمت أن أنتبذ مكاناً قصياً، ولا أكلم اليوم إنسياً. ولكن ما كل رامي غرض يصيب، وكل وافد له نصيب. فلم يكن إلا كتلاوة أم القرآن،
стр. 350
حتى تقدم القوم يخطرون كالمران. ولما كانوا منا بمسمع، جلسوا على رصيف من اليرمع. وأخذوا يتداولون الأحاديث المسندة، ويتناشدون الأشعار العربية والمولدة. فقال الشيخ: التجلد، ولا التبلد. ثم أقبل علي كأنما أنشط من عقال وخلل عذاريه وقال: يا بني إنني خضت القفار، وكشفت الأسرار. وشاهدت بين الإدبار والإقبال، في السهول والجبال، ما لم يخطر لبشر ببال. فكم رأيت إبرة تطلب، وخيطاً يهرب. وثعلباً في جبة، وأرنبة في قبة. وغزالة في السماء وجمرة في الماء. وكوكباً في مقلة، وشهاباً في حقله. وهلالاً في راحة ونجماً في ساحة. وقوماً يحبسون الناصح،
стр. 351
ويكرهون المصافح. ويحتنبون الخاشع ويمتهنون الضارع. ويركبون الشكور ويدوسون الجمهور. ويرون قطع ساق العبد، ألذ من قطف الورد. ويعتقدون أن الكافر هو الظافر. واللعين، نعم الأمين. وأن أكل الأحرار، من شيم الأبرار، وقرة العين لمن علاه الدين. فثق بما أعتمده، وصحح هذا الرأي واعتقده. واستقم ولا تتبع سبيل الذين لا يعلمون، فإن الله إذا أراد شيئاً فإنما يقول له: كن فيكون. قال: فلما سمع القوم كلامه رأوا فيه لغواً ولحناً، فعابوه لفظاً ومعنى. وقالوا: إن هذا شاعر به جنة،
стр. 352
فاجعلوا قلوبكم في أكنة. فثار الشيخ كأنه ليث عفرين، وقال: إني أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين. من أنتم يا سلالة الأنبياء، وثمالة الأولياء. وما بالكم تحكمون بما لا تعلمون وتنكرون من حيث لا تفكرون. أتعلمون اليتيم البكاء والنديم الغناء؟ أم تحسبون أنكم تحسنون صنعاً، إذا تحككت عقربكم بالأفعى؟ لقد غركم بالله الغرور، والله لا يحب كل مختال فخور. فليحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين، وستعلمون غداً من الكذاب الذي يراغ عليه ضرباً باليمين. فلما رأى القوم ما رأوا من ازدهائه، شعروا بدهائه. وقالوا: لعل له عذراً وأنت تلوم، فلينظر المولى بعلمه الذي فيه حق معلوم، للسائل والمحروم. فلما آنس منهم لين الشرة لاحت على أساريره المسرة. وقال: إذا تلاحت الخصوم، تسافهت الحلوم. ثم أفاض
стр. 353
في نقض ما أبرم، وفاض كالسيل العرموم وهو يحرق الأرم. فانقادوا أذل من النقد، وقالوا: نعوذ بالله من شر النفاثات في العقد. ثم قالوا: إنا لنراك غزير السيل، لكنك قصير الذيل يسير النيل. فخذ هذه النفقة، على سبيل الصداقة لا الصدقة. وقد انتهينا عن الصلف، إلى الكلف، فاغفر لنا ما قد سلف. فأبدى الثناء الجميل وأسدى الشكر الجزيل. وانقلب مفتخراً بما فاز، ومغتبطاً بما حاز. قال: فلما أتينا المدينة انحدر عن المطا، ودخل بي إلى مثل أفحوص القطا. فبت معه ليلة أشهى من عصر الصبا. حتى إذا أصبحنا ثار بين النفير، كالعنقفير، وأخذ في التشمير، للمسير. وقال: إني منصرف إلى بلدة أخرى، فإن شئت أن تؤوب إلى أهلك فهو الأحرى. فودعته وداع الهائم المشتاق، وسرت وأنا أحدو بذكره النياق.
стр. 354
المقامة الحادية والخمسون وتعرف باليمامية
أخبرنا سهيل بن عباد قال: تقلدت السفر طوق الحمامة، منذ اعتجزت بالعمامة. وكنت أهوى ديار العرب العرباء، لما فيها من الشعراء والخطباء والفصحاء والأدباء، والبلغاء والنجباء. فكنت أزجي إليها الركاب، وأتضمخ منها بالعجاج والعكاب. وأتعطر بالعرار والبشام، وأتفكه بالعرفج والثغام. وأطرب للنصب والحداء، وأبتهج بالثغاء والرغاء. حتى إذا كنت يوماً بحجر اليمامة، رأيت كتيبة فد أطبقت كالغمامة. فحثحثت الجواد، حتى حصحص لي ذلك السواد. وإذا فتى لاغط، وشيخ ضاغط.
стр. 355
والناس حولهما يتفرجون، ولا يفرجون. فانتصبت مع الوقوف، ونظرت من خلال الصفوف. وإذا الشيخ يقول: ويل أمك يا أخبث من الشيطان، وأروغ من الثعلبان إلام تتمادى في العقوق، وتتغاضى عن الحقوق؟ أما تذكر تثقيفي أودك، وتلقيفي رشدك؟ وهل نسيت ما تجشمت من جللك، في مداواة عللك؟ وكم أنفقت عليك في المدارس والمطاعم والملابس؟ فبأي آلاء ربك تتمارى، ولو كنت أبله من الحبارى؟ هذا والغلام يتظلم، ويتململ ويتألم. وهو أحير من ضب وأنفر من بعير أزب. فلما رأى القوم ما رأوا تململه، واصطخابه وتبلبله. قالوا: ليس شكوى بلا بلوى. فأبن أيها الشيخ عذرك وضع عنك وزرك، الذي أنقض ظهرك.
следующие страницы →