← История

История · id 19065

تاريخ ابن حجي

ابن حجي

Полный текст (1 040 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

شهر ربيع الأول أوله السبت وهو أول تشرين الثاني ورابع هتور سابع عشر العقرب وكانت رؤية الهلال ليلة الجمعة ممكنة ولكن حال دونها غيم ورؤي بطرابلس ليلتئذ. وليلة السبت أوله توفي القاضي الفقيه العدل الفاضل المدرس بدر (١) الدين محمد بن عبيدان البعلبكي الأصل الدمشقي بالقرب من اليغمورية بالصالحية وصُلي عليه من الغد قبل الظهر ودفن هناك بتربة الرومي وهو جده لأُمه بسفح قاسيون وكان له بضع وخمسون سنة حفظ الحاوي واشتغل في الفقه ونزل بالمدارس ثم صاهر القاضي شرف الدين ابن الشريشي وصار يشهد بالعادلية ثم صار من أعيان شهود الحكم وتميز عليهم بكونه من أهل العلم ودرس بالقواسية، وأعاد عن شرف الدين الحراضي سنة (٨٧) في ربيع الأول بالشامية الجوانية، وولاه ابن جماعة قضاء بعلبك واستنابه بالمارستان النوري وولي بعد ذلك قضاء حمص غير مرة وحج غير مرة ثم مرض بالفالج عام أول واستمر أشهراً إلى أن توفي، وكان الشيخ سراج الدين أجازه بالإفتاء بدمشق حين قدم مع السلطان القدمة الثانية وكان كثير الصدقة وأوصى بصدقة. ويومئذ توجه عسكرٌ إلى ناحية غزة يقدمهم ..... اللكاش أعطاه

стр. 387

النائب تقدمة ويضاف إليه عدة أُمراء منهم دوادار النائب سودون وخرج النائب لتوديعهم قبل الظهر. ويوم الأحد ثانيه توفي شمس الدين محمد بن برهان الدين إبراهيم الصماني الشاهد والده بمركز العصرونية، وكان هو يعاني المباشرات بديوان إيتمش الأمير الكبير وغير ذلك. ويوم الاثنين خرج طُلب الأمراء المتوجهين إلى ناحية حلب مجردين ومقدمهم الأمير جلبان ولكن أصبح ضعيفاً حصل له قولنج ومعه مقدمون الحاجب الكبير طيفور والأمير الكبير أحمد بن الشيخ علي ويلبغا الأشقتمري وصُرُوقْ، ويقال أن جلبان توجه في محفة ومعهم الأمراء الطبلخانات والعشروات من هو مضاف إليهم. ويوم هذا الاثنين ثالثه توفي الشيخ جمال الدين يوسف بن (١) مبارك بن أحمد المعروف بالصالحي بواب الخانقاه المجاهدية بالشرف منذ زمان وأحد الصوفية بها قبل الظهر وصلي عليه قبل العصر بجامع تنكز ودفن بمقبرة الصوفية وفرغ من دفنه أذان العصر وقد بلغ ثلاثاً وستين سنة إلا عشرين يوماً، كان مولده رابع عشري ربيع الأول سنة تسع وثلاثين، وكان هو صبي يقرأ بالألحان مشهوراً بذلك مذكوراً في سنة الطاعون الكبير وبعدها هو وعصفور الذي هو موقع الآن بالقاهرة ومتعصب لكل واحد منها طائفة ثم كبر وانتقل من الصالحية إلى المجاهدية هو وأخوه سليمان وكان مؤذناً وقيماً بالمسجد الذي انبنى شرقي الخانقاه وجلس فيه وصار يعلم الصبيان فقرأ عليه جماعة وختموا القرآن ثم ترك ذلك وصار مشغولاً بنفسه وعياله وأصابه بآخره فالج وكان مع ذلك يمشي في حاجته ثم انقطع أياماً يسيرة ومات. ويومئذ آخر النهار قبض النائب على الأمير الكبير بتخاص رأس

стр. 388

المسيرة اتهمه بمكاتبة المصريين وبألفاظ صدرت منه يقالُ نماها الأمير جلبان وكان طلبه قبل ذلك في اليوم المذكور ودار بينهم كلام ثم طلبه وسجنه بالقلعة، وقبض بعده على أمير يقال له ابن موسى التركماني. ويوم الأربعاء خامسه تجهز النائب للخروج إلى ناحية حلب وأعلم أمراءه بذلك، يقال جاءه كتاب نائب طرابلس يحثه على ذلك ويخبره أنه ما لم يخرج بنفسه لا يخرج ويوم الخميس سادسه خرج النائب ومعه طائفة ممن بقي من العسكر لاحقاً العسكر الذين توجهوا إلى ناحية حلب لأن نائب طرابلس لما بلغه خروج العسكر مع جلبان أرسل يقول أنا لا أخرج إلا أن يخرج نائب الشام وواعده الملتقى عند مكان سماه فخرج النائب يومئذ أول النهار وجعل نائب الغيبة أزدمر أخو أينال وكان بطالاً وجلس بدار السعادة وبقي بدمشق الحاجب قرابغا والحاجب المستجد شهاب الدين الذي كان حاجباً ثم نائب القدس وبقي من الأمراء جماعة منهم ابنا منجك وأمير فرج أحد المقدمين وابن أخيه. ويوم الاثنين عاشره توفي علاء (١) الدين ابن فطيس التاجر بالقدس الشريف وكان من تجار الحجاز وله هناك دار وجاور غير مرة في التجارة ثم أقام بالقدس وتوفي هناك وقد جاوز السبعين وهو زوج بنت قاضي القضاة جمال الدين الميلاني. وبلغنا أيضاً وفاة الرملي (٢) الكاتب المجود بالقدس أيضاً وقد بلغ سبعاً وثمانين سنة، كتب عليه جماعة كثيرون قديماً وحديثاً وكتب بخطه مصاحف وغير ذلك. ويومئذ عاشره ضربت البشائر على القلعة عند طلوع الشمس وبعد العصر بسبب أخذ العسكر الشامي حمص وقيل أنه ناوشهم القتال ثم نزل

стр. 389

إليهم بالأمان ثم ضربت يوم الثلاثاء حادي عشره بعد الظهر قالوا بسبب أخذ غزة. ويوم الأربعاء ثاني عشره قبل العصر وقع المطر ثانياً وليلة الخميس وجرى الميزاب. ويوم الخميس أيضاً وذلك في ثاني وثالث عشر تشرين الثاني ويوم الجمعة رابع عشره، ورابع عشر تشرين الثاني في الساعة الثانية نقلت الشمس إلى برج القوس. ويوم الأحد سادس عشره ضربت البشائر على القلعة بعد العصر وبكرة الغد قيل لأمر جاءهم من ناحية غزة فتوجه الحاجب قرابغا إلى تلك الجهة على البريد بسبب ذلك ليحرر القضية، والقضية أن المصريين اختلفوا واقتتلوا، وانحاز إلى الأمير الكبير إيتمش الأمراء الكبار كتغري بردي وفارس الحاجب وأرغون شاه ويعقوب شاه وهولاء مقدمون وغيرهم من الطبلخانات والعشراوات وبعض مماليك السلطان. واجتمع مماليك السلطان إلى يشبك الخازندار فانكسر الأمير إيتمش وجماعته فخرجوا على حميةٍ حتى وصلوا إلى غزة فأرسل اللكاش يخبر بذلك، فلما كان يوم الثلاثاء وصل جماعتهم إلى دمشق متوجهين إلى النائب، فلما كان يوم الأربعاء وصل نائب غزة متوجهاً إلى النائب وكان مختفياً بغزة فلما وصل إيتمش برز وجاء وهذه القضية من أغرب ما يكون. وليلة الأربعاء تاسع عشره زاد بردى زيادة كثيرة بسبب قوة الماء وهذا شيء لم يعهد واستمر على ذلك مدة ثلاث أيام، وكذلك أخبر البقاعيون بنمو ذلك في نهر البقاع وعيونه. وفي هذه الأيام توجه رسول النائب إلى الأمير إيتمش والأمراء بما يطيب خواطرهم وأمر بأن يفصّل لهم القماش. وفي هذه الأيام اشتد الحصار بحماة وقتل جماعة ثم رجع النائب لما

стр. 390

وصل إليه خبر المصريين ووصل يوم الثلاثاء خامس عشريه في أبهة هائلة وضربت البشائر على القلعة. وجرى بطرابلس كائنة غريبة في غيبة نائبها يونس الرماح مع جمهور العسكر وهي أن مركباً وصل ليلة السبت وهو سادس عشر في تاريخهم من الديار المصرية فيه نحو عشرة أنفس مغاربة وغيرهم وفيهم أميران يقال لأحدهما أمير أسد والآخر ابن بهادر صاحب البرج وهو برج الأمير إيتمش ولكن نسب إلى الذي عمّره ومعهم كتاب السلطان والخليفة والأُمراء إلى أهل طرابلس وإلى القضاة بأن أميراً منهم يكون حاجب الحجاب ونائب الغيبة، ويقال أن معهم تولية الحاجب النيابة فوجدوه قد قتله النائب، فلما وصل في الثلث الأول من الليل إلى الميناء رفعوا النيران وحصل ضجة واشتهر أنه مركب للإفرنج وشاع أنهم أخذوا الميناء، فخرج الناس على اختلاف انواعهم بالسلاح مبادرين نحو الصوت إلى الميناء فوجدوهم مسلمين فرجعوا وقد نزلوا من المركب فملكوا برج إيتمش فعند ذلك خرج نائب الغيبة عن النائب وهو الحاجب الذي ولاه اسمه قجقار ومن بقي من العسكر ودوادار النائب ومعهم القضاة فسألوهم فأخبروهم بالحال وقرئت الكتب التي معهم فرجع القضاة واستمر نائب الغيبة ومن معه يناوشهم للقتال وتنادوا وقتل طائفة من العسكر وكان كلما قتل واحد أخذ أهل البرج فرسه ولم يكن معهم خيل البتة واستمروا على ذلك إلى بعد الظهر. فلما رجع القضاةَ اجتمعوا بالجامع وتشاوروا في تنفيذ كتاب السلطان والعمل به، وكان ابن الأذرعي الذي كان قاضيها في وقتٍ مالكياً، جاءه مع هؤلاء ولايةٌ عوضاً عن رجل يقال ابن شاش كبير -بمعجمتين- فلبس الخلعة من الغد، فلما اجتمعوا اقتضى رأيهم على قراءة كتاب السلطان والملطفات على العوام فقرئ ذلك ثم أمروا برفع الأعلام على الميادين فرفعت وكبر العوام وهفلوا وارتجّت البلد بالتكبير. ثم بادر العوام إلى نهب بيت نائب الغيبة فلما بلغ ذلك قجقار ولى هارباً إلى ناحية حمص، وعاث العوام فساداً وطلعوا القلعة وكسروا أبوابها

стр. 391

ونهبوا حواصل النائب الغائب، ودخل أصحاب البرج البلد ونهبوا معهم ولم يزل الأمر كذلك إلى آخر النهار فنودي بالأمان وشرعوا في الولاية والعزل والحكم واحتاطوا على مغلات الأمراء. ولم يزل الأمر على ذلك إلى يوم الثلاثاء ثامن عشره فجاء من جهة النائب وقد بلغه الخبر رجلان أحدهما ابن أمير أسد وهو أخو الذي جاء من مصر والآخر العيساوي دوادار جلبان، فذكرا أنهما جاءا في الصلح فقويت نفوس العوام وغلقوا الأسواق وأخذوا في تحصين البلد وجمع آلات الدفع وحملوا الحجارة إلى الأسطحة وآلات الحرب وأطلقوا لسانهم في النائب وتهابوا لدفعه إذا جاء وعدم تمكينه من البلد. فلما كان من الغد يوم الأربعاء تاسع عشره إذا هم بعسكر قد براءهم من ناحية النائب مع نائب الغيبة ومن كان معهم وفيهم الأمير صُرُوق أحد المقدمين بدمشق فاحتاطوا بالبلد من كل جانب ودار بينهم وبين العوام القتال وقتل جماعة من الطائفتين. وكان القضاة قد توجهوا إلى ناحية العسكر فحمل عليهم بعضهم فرجعوا هاربين إلا المالكي الجديد فإنه حمل رمحاً وصار يقاتل، ووقعت عمامة الشافعي فرجع بالطاقية، ودام الأمر على ذلك إلى بعد العصر فرجع العسكر إلى وطاقهم. ثم وقع قتال في يوم الخميس بين طائفة من العسكر وبين العوام وجعلت عوام البلد أحزاباً لكل حزب كبير، وذلك باتفاق من كبراء البلد والقضاة. ولم يزل الناس في هذه الأيام في الأراجيف والصراخ في الليل ولم تقم الجمعة إلا في البرطاسية، ثم عادوا القتال يوم الأحد ثالث أو رابع عشريه. فلما كان يوم الاثنين وصل نائب البلد والعساكر فهجموا على البلد وبذلوا السيف فيها وأسروا القاضي الحنبلي الموفق وابن الأذرعي المالكي وابن الأخلصي الحنفي ورجل يقال له جمال الدين النابلسي كان مفتي البلد

стр. 392

وخطيبها محمود وابن بهادر الذي جاء من مصر، وكذلك المالكي المعزول وسجنوه ثم ذبحوا ابن الأذرعي والنابلسي وعصروا المالكي المعزول وأخذوا منه مالاً، وأما القاضي الشافعي فإنه كان احتاط لنفسه ونقل ماله وقماشه إلى البرج وتوجه إليه قبل الوقعة. ثم توجه الأمير صُرُوق إلى البرج يحاصره ثم رجع آخر النهار فخرج من بالبرج في القوارير إلى ... ليلاً ليلة الثلاثاء وهربوا فأصبحوا ليس لهم أثر، ونهبت الأسواق وتتبع النائب من نهب بيته وجرى كل قبيح ثم بلغنا أنهم ذبحوا من بقي في أسرهم فالله أعلم. ثم بلغنا ما هو أغرب من ذلك وهو ابن العفيف صلاح الدين وكان قد توجه إلى طرابلس لما ضاقت به الدنيا وافتقر وخرجت وظائفه يرجو نوال قاضيها مسعود لما جرى ما جرى سعى عند نائبها فولاه قضاء الشافعية وهو عار من الفضل بالكلية لا يعرف إلا صنعة الكتابة وكتابته حسنة، وكان إلى قريب جندياً ثم دخل في الديونة وولي نظر الأيتام ثم خرج منه لسوء بصيرته هذا وكان جده حنفياً والظاهر أنه على مذهب جده، ويا ليت شعري بما يحكم وبأي مستند يحكم إنا لله وإنا إليه راجعون. وفيه سعر الفقاع كل كوز بفلس جديد فأفسدوه إلا الذي في الفسقار فاستمر منصلحاً ودام سعره على ما كان كل كوزين بثمن درهم. وفيه توفي جمال (١) الدين يوسف بن الكويز وكان يباشر نظر الوقف المنصوري مات مسافراً. وليلة سابع عشريه توفي الشيخ شهاب (٢) الدين بن الشيخ صلاح الدين العلائي بالقدس. ويوم الجمعة تاسع عشريه أول كيهك، ويومئذ أطلق النائب الأمير بتخاص ومن اعتقل معه وهو موسى التركماني بعدما دام معتقلاً ثلاثة

стр. 393

وعشرين يوماً، ويومئذ اشتهر أن النائب أطلق مكس الخيل فيما بلغني ولم يتم ذلك، واشتهر أيضاً ونودي به أنه يغل للمارستان كل سنة مائة قنطار سكر ونادى باستمرار ذلك كل سنة (١).

стр. 394

شهر ربيع الآخر أوله الأحد الثلاثون من تشرين الثاني وثالث كيهك سابع عشر القوس، وكان الهلال ليلتئذ عالياً جداً، ويوم الاثنين ثانيه أول كانون الأول واشتد البرد في أواخر تشرين. ويوم الثلاثاء ثالثه أرسل النائب المطبخ إلى الكسوة ليمد السماط للأمير إيتمش ومن معه، وكان من قبل اشتهر أنه يلاقيهم إلى الغور وأنه يخرج يوم السبت فأشير عليه بخلاف ذلك، فلما كان يوم الخميس خامسه خرج النائب والعساكر لملاقاتهم فدخل الأمير الكبير إيتمش الرابعة من النهار وبين يديه الجيش كلهم فنزل القصر فأقام به يومين ثم شكى البرد فانتقل منه ليلة السبت إلى دار إياس تحت القلعة وطغري بردي نزل بدار البشقمدار عند حارة الفهادين. وبعد فجر الأحد ثامنه وقع مطر جيد مديدة وما وقع في برج القوس شيء قبله بل من نصفه وعشرين يوماً ما وقع مطر ثم وقع مثله في أوائل الساعة الرابعة من الغد. ويوم هذا الأحد وصل خاصكي وعلى يده كتاب مرسوم السلطان إلى النائب وكان خبره وصل من غزة فإنه لما وصل إليها منع حتى يكاتب النائب فكتب بتمكينه من المجيء فجاء يومئذ، وفي الكتاب تعظيم النائب وأنه مستمر على نيابته وأنه يفعل ما أراد وإذا شاء أن يكون الأمير الكبير بمصر فالأمور كلها إليه، وقيل أن فيه ذكر الأمراء الذين قدموا من القاهرة والأمر

стр. 395

بالقبض عليه فلم يقرأ الكتاب إلا عند إيتمش جاء إليه النائب. ووصل في هذه الأيام دوادار نائب حلب المرسل إليه من الشام بمكاتبات فأجاب بالسمع والطاعة وأخذ في الاعتذار عن المجيء بأعذار ذكرها، وأما نائب حماة فيقال أنه باق على المخالفة. فصل الشتاء أوله يوم الأحد نصفه ويوم السبت العاشرة من النهار ورابع عشره وثالث عشر كانون الأول نقلت الشمس إلى برج الجدي وذلك من سابع عشر كيهك وحصل بردٌ شديد وكان يوم الخميس الماضي أول الأربعينيات ومن أولها حصل برد شديد وحصل على الأرض الجليد وجمد الماء ثلاثة أيام. ويوم الأحد نصفه توفي ولد (١) الأمير صلاح الدين محمد بن الأمير ناصر الدين محمد بن تنكز بمنزلهم بدار الذهب فدفن بتربة جده عند الجامع، وكان شاباً حسناً من أبناء العشرين ونحوها واسمه ناصر الدين محمد. ويوم الخميس تاسع عشره توفي شمس (٢) الدين محمد بن محمد بن بلبان المعروف بابن الصالحىِ نزيل الخانقاه الطواويس بها وبها نشأ، وكان أبوه أيضاً من صوفيتها يباشر عمالة العزيزية أعرفه، وولده هذا ناهز الخمسين، وكان يجبي وقف بني فضل الله ويخدمهم وولي مرة مشيخة الخانقاه بجاههم ونازع ابن الزهري ثم أُخذت منه وغرم جملة. ويوم الأحد ثاني عشريه وصل نائب حماة دمرداش طائعاً موافقاً وهو أخو طغري بردي لما كتب إليه أخوه أقبل مبادراً وخلع عليه من الغد خلعة هائلة ويومئذ عزل القاضي نائبه شهاب الدين ابن الحسباني لبلوغه عنه إطلاق لسانه فيه. ويوم الثلاثاء رابع عشريه من بعد الفجر دار هواء عاصف واستمر طول

стр. 396

النهار والليلة المستقبلة ومن الغد ووقع ثلج كثير في الناحية الغربية ومطر. ويوم الخميس سادس عشريه درس القاضي شهاب الدين الباعوني بالمدرسة الشامية الجوانية أخذ بها وبغيرها من وظائف ابن سري الدين توقيعاً بحكم عدم الأهلية، وحضر الدرس عنده القاضيان الحنفي والحنبلي وبعض الفقهاء ثم درس بالركنية وتكلم على تفسير آية الكرسي. ويوم السبت ثامن عشريه توجه نائب حماة إليها بعد ما أقام بدمشق خمسة أيام. ويومئذ بعد سفره ضربت البشائر على القلعة بسبب أن جماعة من مماليك الأمير الكبير إيتمش وصلوا من الديار المصرية وأخبروا ..... ويوم الأحد تاسع عشريه أول طوبة، ويوم الأحد تاسع عشريه كان برد شديد وهواء بارد شرقي وهو الصبا، ووقع ليلة الاثنين آخره ثلج كثير فأصبح على الأرض واشتد البرد بسببه وذلك في اليوم التاسع والعشرين من كانون الأول. توفي الشيخ ناصر الدين محمد (١) في العام الماضي في ذي الحجة الكاتب المجود وكان كتب على القلندري وكتب الناس دهراً طويلاً فكتب وهو شاب بالقدس وتلك النواحي، وممن كتب عليه شيخنا بدر الدين ابن فليح العلائي وهو في سنة ..... وابن عمه الشيخ شهاب الدين وطائفة ثم قدم دمشق فأقام بها وكتب عليه جماعات كثيرون، ثم في أواخر أيامه انتقل إلى القدس وأقام به وتزوج امرأة شابة وجاءه منها ولد وكتب بخطه شيئاً كثيراً من المصاحف وغير ذلك، وكنت سألته عن مولده فقال في نصف شعبان سنة خمس عشره فيكون جاوز ستاً وثمانين سنة ونصفاً. وفيه قبض على شمس الدين الصيرفي المعروف بأخي صدقة ورفع

стр. 397

أمره إلى نائب الشام وقد أظهر أنه انكسر واختلف هو وشريكه وصار كل منهما يخيل على الآخر فسلم إلى الحاجب شهاب الدين أحمد ليضبط أمره وخرجه وماله وعليه ثم أسند أمره إلى الحاجب قرابغا ورسم عليه بالمدرسة السكرية التدمرية بالقصاعين بالقرب من بيت الحاجب المذكور، وتحرر أن موجوده لا يفي بأموال الناس على ما أظهر من مال وجرت أمور طويلة وضربه النائب ثم رفع أمره إلى قاضيْ القضاة فرسم عليه بالعادلية وضربه القاضي أيضاً ضرباً كثيراً وحوسب عنده، فقيل أن ما بيده يفي بربع أموال الناس فشرعوا في الشهر الآتي في قسمة ماله على ذلك ما بين نقد وعرض ودام أمره إلى جمادى الآخرة وتعجب الناس من أمره فإنه كان عين البلد في هذا الأمر والمشار إليه بالمال الكثير، ومن الناس من يقول أنه فعل ذلك حيلة لئلا يطرح عليه السكر وهو في الباطن قادر وقيل غير ذلك، وفي الجملة فذهب للناس أموال كثيرة. وفي حدود هذا الشهر أو بعده أو قبله توفي (١) زين الدين عبد الرحيم بن بهاء الدين محمد بن قاضي الكرك زين الدين عمر بن عامر العامري الغزي الأصل، سقط من سلم أو نحوه فمات فيما بلغني، وكان في حياة أبيه قد شهد بالعادلية واستكتبه أبوه المكاتيب الطوال ومارس وباشر بعد أبيه وظائفه من ذلك بالمارستان النوري وكان عنده معرفة وورث أيضاً من أبيه مالاً فأفسد الجميع وبقي فقيراً حقيراً بالعُسْرِ والدخول فيما لا يليق إلى أن مات وقد جاوز الأربعين.

стр. 398

جمادى الأولى كانت رؤية الهلال ليلة الاثنين ممكنة فإن مكثه كان نحو أربعة عشر درجة وبعده ثلثي أصبع ولكن حال دون رؤيته غيم، فأوله الثلاثاء الثلاثون من كانون الأول ثالث طوبة في الجزء السابع عشر من برج الجدي. ويوم الأربعاء ثانيه توفي (١) الشيخ الصالح الخير الورع معلم الخير أبو بكر بن عثمان بن الناصح الكفرسوسي بمنزله بتربة الرحبي انقطع ثلاثة أيام ودفن هناك بمقبرة المزة وكان جاوز الستين فيما أظن وكان مثابراً على تعليم القرآن ناصحاً في التعليم عادلاً بين الصبيان لا يقدم وجيهاً على خامل ويتورع فيما يتعلق بهم في معاملتهم في الحبر والأقلام ونحو ذلك فيتبرع به من عنده وكان صحب الشيخ علي بن الثناء وأخذ من طريقته، وكان يتعاطى التكسب بالعمل في البساتين وينصح في عمله ثم حفظ القرآن على كبر وتصدى لتعليمه فختم عليه القرآن جماعة بالمزة، وكان يعلم الصبيان مقدمة في النحو ومختصراً في الفقه وآداباً وما يتعلق بالصلاة والوضوء وكان عنده ورع ووسواس فيما يتعلق بالنجاسة، ولما سكنت المزة لازمني وصار يقرأ عليّ في الروضة وكان يسألني عما يستشكله من فقه وعربية وغير ذلك وينكر المنكر ولازم الإقراء بقبة المسجف زماناً ثم انتقل إلى جامع المزة ثم ضعف فولي الإمامة بتربة الرحبي والقراءة وسكنها إلى أن توفي وخلف ولداً تعلم

стр. 399

الكتابة وكان ينسخ وهو على حال حسن ﵀ فقلّ أن يوجد مثله على طريقته المثلى. ويوم الخميس ثالثه أول كانون الثاني، ويوم الجمعة وما بعده إلى ثلاثة أيام حصل برد شديد وجليد وجمدت المياه. ويوم الجمعة رابعه توفي (١) القاضي جمال الدي يوسف ابن القاضي شهاب الدين أحمد بن غانم المقدسي النابلسي، وكان قاضي نابلس مدة طويلة ثم ولي قضاء صفد ثم ولي خطابة القدس بعد وفاة الكركي وبذل مالاً فسعى عليه ابن السائح قاضي الرملة بمال كثير فوليها فقدم هذا إلى دمشق متمرضاً ومات بها وصُلي عليه بعد صلاة الجمعة ودفن بمقبرة الأشراف وهو سبط الشيخ تقي الدين القلقشندي. ويوم الأربعاء تاسعه بطل القاضي الدرس، وفي العام الأول تواترت الأمطار في هذا الشهر أيام الحضور. ويوم الخميس عاشره وكان فيه مطر جيد قدم نائب صفد الطنبغا العثماني وآخر نهار الأحد ثالث عشره نقلت الشمس إلى برج الدلو في حادي عشر كانون الثاني. ويوم السبت تاسع عشره وصل الأمير سودون الطيار من حلب وكان وصل من مدة من الديار المصرية وتوجه إلى حلب، وحلف نائب حلب للمصريين ومعه ذهب أنفقه على أهل حلب، فلما تغيرت الأمور ودخل نائب حلب في طاعة نائب الشام لمجيء إيتمش ومن معه قدم هذا من حلب وسبق نائب حلب وكان نائب الشام متغيراً عليه فخرج لبابه هو والمعسكر وجاءوا جميعاً إلى بيت إيتمش وهو بدار إياز لم يركب معهم لضعف به. ويومئذ توجه نائب صفد العثماني إليها.

стр. 400

وليلة الاثنين حادي عشريه ويومه وقع مطر مستمر نافع جداً وكان الناس في الحاضرة محتاجين إليه ثم وقع أواخر ليلة الثلاثاء كثيراً غزيراً جرى منه الميزاب ولم يقع في الكانونين مطر بدمشق سوى ما أرّخناه ليس بالكثير لكن يقال في البر كثير. ويوم الاثنين ثامن عشريه توفي الشيخ محمد (١) القونوي أحد الصوفية بالخانقاه السميساطية وولي الخدمة بها أيضاً وهو من قدماء الصوفية سقط من درج البريد فانقطع نخاعه وجرى الدم فحمل إلى الخانقاه فمات بعد الظهر فدفن من الغد يوم الثلاثاء وكان يقول أنه جاوز الثمانين ودفن بمقبرة الصوفية. ويوم الثلاثاء تاسع عشريه وهو أول أمشير ضربت البشائر على القلعة ضحاً وبعد العصر بسبب قدوم جماعة من أجناد أمراء المصريين إلى غزة وصل الخبر بذلك. ويومئذ توفيت الشيخة ملكة (٢) بنت شرف الدين عبد الله بن العز إبراهيم بن عبد الله بن أبي عمر وصلي عليها العصر بالجامع المظفري ودفنت بتربة الشيخ أبي عمر وحضرت في الرابعة سنة اثنين وعشرين على ابن الشحنة، وفي الرابعة على أبيها وعمها عبد الرحمن وغيرهما جزء ابن عرفة وسمعت على زينب بنت الكمال وجماعة وأجازها جماعة كثيرون سنة إحدى وعشرين.

стр. 401

جمادى الآخرة أوله الأربعاء ثامن عشري كانون الثاني ثاني أمشير سابع عشر برج الدلو. وفي أوائله وصل جماعة الأمراء المصريين الذين جاء خبرهم من غزة أنهم كانوا وصلوا إليها واستأذنوا في القدوم على أستاذيهم فأُذن لهم ووصلوا طائفة بعد طائفة وكانوا تخلفوا بمصر عقيب الوقعة وأخبروا برحيل المصريين في العساكر الشامية، وجاء مع طائفة منهم والي بلبيس وحرض على المبادرة إلى الخروج. وجاءت الأخبار في أوائله أيضًا بأن نائب حلب اجتمع الحاجب وغيره من الأمراء المذكورين وغيرهم على القيام عليه ومنعه من موافقة الشاميين، وكان قد برز إلى خارج البلد وأمر الحاجب بالخروج فرام الحاجب أن يكون نائب الغيبة فجعل ذلك إلى غيره وألزمه بالخروج فرجع ليتهيأ للخروج فلبس هو ومن وافقه لأمة الحرب وتصدوا للنائب فركب عليهم وكسرهم بعد ما كان نائب القلعة رمى عليهم منها ثم قصدوا الحاجب في الموضع الذي اختفى فيه فأخرج منه وقبض عليه وعلى غيره ثم أخذ النائب في التوجه إلى دمشق وصحبته الذين قاموا عليه متحفظاً عليهم. ويوم الخميس ثانيه وليلة الجمعة وقع مطر نافع كان حواظر دمشق بهم حاجة إليه. ويوم الأحد خامسه أول شباط وهو في العام تسعة وعشرين يوماً، ووقع من الغد مطر جيد كثير.

стр. 402

ويوم الأربعاء ثامنه بعد العصر توفي (١) محمد بن محمد ابن الغلفي يعرف بابن الشيخ المعظمية بالصالحية ودفن من الغد هناك، سمع من الحجار وغيره وحدث. ووقع مطر جيد جداً يوم السبت عاشره من طلوع الفجر أو قبله إلى أثناء النهار ودام الغيم وتكرر وقوع المطر ثم وقع ليلة الأحد من أوائل الليل مطر كثير غزير جداً وفيه رعد شديد وبرق ودام عامة الليل لم يقع بهذا الشتاء مطر مثله كثرة وقوة وطول مدة وكانت ليلة مباركة إن شاء الله وجاء سيل من آخر النهار ففاض بردى ولم يزل يتزايد حتى الليلة المستقبلة. وفي هذه الأيام خرجت أثقال الأمراء المتقدمون من الجيش، وخرج الأمراء يوم الأحد وهم الأمير أرغون شاه والأمير فارس ويعقوب شاه من المصريين، ومن الشاميين صرُوق ويلبغا الأشقتمري وابن منجك أمير فرج. ويوم الاثنين ثالث عشره دخل نائب حماة ليتوجه مع العسكر إلى مصر ونزل شرقي الميدان بدار النائب المعروفة ببلّوا. وآخر ساعة من يوم الثلاثاء رابع عشره نقلت الشمس إلى برج الحوت وهو عاشر شباط وسادس عشر أمشير، ووقع يومئذ مطر كثير جدًا نظير ما وقع ليلة الأحد ثم وقع أيضًا ليلة الأربعاء كذلك ويومه وليلة الخميس كثيراً جداً متواتراً، وجاء ليلة الخميس أيضاً سيل فاض به النهر حتى ملأ الميدان ووعره، وكان هذا المطر في هذه الجمعة عامّاً جرت منه أودية حوران كلها ثم تزايد إلى آخر النهار واستمر إلى الغد ثم وقع المطر يوم السبت أيضاً. ويوم الخميس المذكور سادس عشره وصل أقبغا نائب حلب ومعه جماعة من الأمراء المقدمين وغيرهم وخرجوا ليلاً لتلقيه فنزل القصر الرابعة

стр. 403

من النهار ثم تحول بعد الظهر إلى بيت صُرُوق وكان استقدم معه الأمراء الذين ركبوا عليه وهم ثلاث مقدمين وطبلخانة فقتلهم في الطريق إلا الحاجب فوصل معه إلى دمشق ثم قتل بالقلعة قيل لي أن دوادار النائب فارس ضربه بنمجا فحمل فمات. ويوم السبت ثامن عشره وصل من بيروت ذهب كثير كان المصريين أرسلوه في مركب إلى نائب حلب ليستعين يه على الشاميين وعندهم أنه مخالف لهم فحملتهم الريح قيل إلى عكا وعرف بهم نائب صفد وراسلوه فعرفهم أن نائب حلب قد صار مع نائب الشام، فسألوا مكاتبته إلى نائب الشام وأن يرسل لهم أميراً من الشام سموه ليجتمعوا به ببيروت فوصلت المكاتبة وتوجه الأمير المذكور ومعه أمان لهم فاجتمع بهم وحاء بالذهب. ويوم الخميس ثالث عشريه وصل نائب طرابلس يونس في الساعة الخامسة وخرج العسكر لتلقيه فنزل بدار ..... غربي دمشق ..... خروج العساكر الشامية إلى الديار المصرية طائفة بعد طائفة سوى من تقدم من الأمراء المصريين والشاميين مع المقدمين الخمسة. ويوم السبت خامس عشريه سافر نائب حماة دمرداش متوجهاً إلى الديار المصرية ووقع ليلتئذ بعد العشاء مطر جيد كثير وكذلك بعد العصر من يومئذ وفي ليلة الأحد. ويوم الاثنين سابع عشريه سافر الأمير طغري بردي لاحقاً من سبقه من المذكورين. وفيه توفي زين الدين عبد القادر (١) بن شجرة نازلاً من عدن بالبحر وكان توجه في سنة إحدى ... ومعه أهله للحج وترك أهله بمكة وتوجه في تجارة إلى عدن فباع وربح وقدم معه بتجارة فأدركه أجله هناك وأوصى واستولى على ماله أصحاب تلك النواحي وصاحب مكة وأخذ منه كثير،

стр. 404

وكان معه ابن أخيه فربما أعانهم وزوجته ضعيفة لا تستطيع دفعاً وأُوذيت وهي أخت شهاب الدين الرمثاوي والد شرف الدين موسى. وفيه بلغنا ما وقع ببيت المقدس ومدينة الكرك بين نائبها وبين أهلها، فأما القدس الشريف فإن نائبها ..... وأما الكرك فإن عبد الرحمن المهتار جاء من الديار المصرية إليها ومعه ذهب يضعه في قلعة الكرك وينفق بعضه وبيده كتاب إلى شيوخ النواحي بأمور تتعلق بالقيام مع السلطان على من يخالفه، وقيل أنه بلغهم أن نائب الكرك مناظِرٌ لنائب الشام، وقيل أن عبد الرحمن جاء في الباطن ليتحيل على القبض عليه، وحاصل الأمر أنهم تحزبوا حزبين قيسية ويمنية ووقع القتال بين الفريقين، فريق النائب وعبد الرحمن فظهر النائب عليهم وهرب عبد الرحمن، ويقال أن القاضي قتل معهم فالله أعلم، ثم بان الأمر أنه وأخاه قتلا جميعاً قتلهما النائب. وفيه أو مما قبله توفي القاضي (١) شهاب (*) الدين أحمد بن قاضي القضاة شهاب الدين أبي البقاء السبكي بالقاهرة وكان ناظر بيت المال وعنده عيال، ولما مات والده بدمشق أُعطي تدريس الظاهرية البرانية ومدرسة أم الصالح وكانتا بيد أخيه القاضي ولي الدين مدرس فدرّس بالظاهرية درساً واحداً ولم تطب له دمشق فتوجه إلى مصر فأقام بها إلى أن مات وقد جاوز الأربعين بسنوات لأنه أسن من شقيقه قاضي القضاة علاء الدين. ومات أيضاً شهاب (٢) الدين (**) المنوفي إمام المدرسة الصالحية وكان له اشتغال بالعلم ويؤثر عنه نوادر ويتهم بزندقة.

стр. 405

ويوم الخميس آخره أول أيام العجوز وجاء في كل يوم منها الهواء البارد العاصف وفي بعض لياليها أيضاً. وفي آخره كان الفراغ من عمارة التربة والمسجد وأوقافه التي جوار القبر أنشأ ذلك فارس دوادار النائب استولى على هذه الأرض وكانت أوقافاً باستئجار بعضها من أصحابها وبناها من أقل من ثلاثة أشهر وأما المسجد والتربة ففي أقل من شهر (*).

стр. 406

رجب أوله الجمعة سابع عشري شباط ثاني برمهات في الثامن عشر من شباط وكان الشهر الماضي قد أرخوا أوله الخميس لأنه ليلة الأربعاء حال دون رؤية الهلال غيم فبنوا الأمر على أن ليلة الجمعة ليلة الثلاثين فجاء غيم كثيف عند مطلع الهلال، ويوم الجمعة أوله ثاني أيام العجوز وثار بها الهواء العاصف المعتاد فيها من أول يوم منها الخميس وبرد شديد. وطلب من القاضي من مال الأيتام وغيره فسعى في تحصيله وأرسل منه جملة يوم السبت نسأل الله العافية. ويوم السبت ثانيه توجه نائب حلب وجماعته وخرج النائب والأمير إيتمش وسائر العساكر لتوديعهم. ويوم الاثنين رابعه أول آذار وصادف ذلك ابتداء صوم النصارى وتأخر في هذا العام جداً. ويومئذ خرج السلطان من القاهرة قاصداً الشام، ويومئذ طيف بالمحمل حول البلد على العادة وتقدموا به عن الوقت المعتاد لأجل سفر النائب والعساكر. وبكرة يوم السبت تاسعه سافر النائب والأمير إيتمش وبقية العسكر الشامي ونزل بخامة (١) بالقبة ثم خرجت الأطلاب بعدهم يتلو بعضها البعض

стр. 407

إلى الغد ثم توجه من الغد جماعة كثيرة ممن تأخر وباشر نيابة الغيبة الأمير جركس المعروف بأبي النائب. ويوم الاثنين حادي عشره سافر القضاة الثلاثة الحنبلي ثم الحنفي والشافعي كلاهما معاً مسافرين صحبة العسكر فنزلوا عند الكسوة وكان النائب قد توجه بكرة النهار من القبة إلى هناك، وتوجه القاضي المالكي من الغد واستخلف القاضي الشافعي في أموره نوابه قسمها بينهم وجعل أمر التقرير والولايات بينهم نُوباً وجعل أمر قضاء البر إليّ. ويوم الاثنين هذا استناب قاضي القضاة قبل سفره الشيخ سعد الدين النواوي في الحكم رابعاً كما استخلفه في النوبة الأولى في أثناء ولايته قريباً من ستة أشهر. وفي هذا اليوم توجه القضاة وطائفة ممن تأخر من الأمراء، وكان ابن مفلح قد استناب ولده في الحكم في هذه الأيام فيما بلغني وهو أمرد مضافاً إلى أخيه وابن منجا وسافر أحد ولديه معِه وبقي الآخر وعمل الميعاد موضع أبيه بالجامع في السبت الآتي بعد سفر أبيه وهذا من المصائب، وقبيل سفر النائب عزل ابن السري من ولاية البلد ووليها ابن الحارمي. ويوم الثلاثاء ثاني عشره بلغني أن نائب طرابلس سافر وتوجه ثقله ليلاً وجعلوه ساقة يحط حيث شالوا. ويوم الأربعاء عشره توفي عز الدين (١) حمزة ابن ..... أحد شهود الجرايد وكان أيضاً من عدول تحت الساعات. فصل الربيع وليلة الجمعة نصفه نقلت الشمس إلى برج الحمل الثاني عشر من آذار وسابع عشر برمهات وذلك في الساعة الخامسة مضي أربع ساعات وربع، وربع خمس وجملته سدس. ويوم السبت سادس عشره وقع مطر كثير جداً وبرد بعد العصر ثم وقع

стр. 408

مثله بين المغرب والعشاء ثم وقع بعد العشاء كذلك، وكذلك وقع أمس بعد الصلاة وبعد ذلك لكن يسير جداً وذلك في ثالث عشر آذار، وهو أول مطر وقع في فصل الربيع. ويوم الاثنين ثامن عشره كانت الوقعة بين عسكر السلطان وبين اللكاش. ويوم السبت ثالث عشريه توجهت إلى زيارة القدس الشريف ومعي أهلي وجماعة في ركب فيه ناس كثير فلما وصلنا إلى خان ابن ذي النون ونزلنا به وصل بعد الظهر سواق ومعه كتاب إليّ كاتبه من نائب الغيبة جركسى صورته يقبل الأرض وينهي بعد رفع دعائه وإخلاصه في ولائه وشوقه إلى لقائه، أنه بلغ المملوك أن مولانا توجه لزيارة القدس الشريف وتعجب المملوك من مولانا كيف قوي عزمه المبارك على هذا القصد الجميل ولم يحضر عند المملوك يعرفه بسفره وما قصده من ذلك ليكون الخاطر مستقراً من جهة هذا الأمر، فإن مولانا أسبغ الله ظلاله ليس هو من أصاغر الناس ولا من أحادهم ومولانا عين القضاة وشيخ العلماء بالشام المحروس وخليفة الحكم العزيز وكان ينبغي أن يعرف المملوك بما قوي عليه عزمه من ذلك حتى يضاعف له الإكرام والرغبة ويمكنه من قصده على أكمل وجهٍ وقد اقتضت المصلحة عود مولانا عند المملوك ليحصل الاجتماع بخدمته والإنس ببركته والاتفاق على ما فيه المصلحة والمسؤول من تفضله الكريم أنه حال وصول معرضنا بيده إلى خدمته يعود إلى عند المملوك من غير تأخير فإنه لا بد من حضوره والله تعالى يمتع بحياته ويزيد في نعمه بمنه وكرمه، وكتب في ثالث عشرين رجب. فلما رجعت اجتمعت به ولم أكن اجتمعت به قبل ذلك فبالغ في الإكرام وسأل المقام في هذه الأيام بالشام لمصلحة المسلمين وكان جركس قد قيل له إن كاتبه إنما توجه لما ينسب إليه من افتيائه على الحكام بالشرع ونحو ذلك، وكان جرى له مع ناس أمور من هذا النوع فتحيل في ذلك وفعل ما فعل.

стр. 409

ولعله في الرجوع خيراً فقد جاءت الأخبار بأمور وقعت في العسكر توجب زوال أمن الطريق. ويومئذ عند الظهر وصل بريدي من الرملة من عند النائب فأخبر بأمور وكنا لقيناه بالطريق وأخبر بأشياء، وأن العسكر المصري وصل إلى غزة وأن النائب بالرملة، ولم يخبر بحقيقة ما وقع ولكن قال المصلحة إنكم ترجعون ولا تسافرون وأخبر بمجيء قاضي قضاة مصر صدر الدين المناوي إلى النائب في الصلح، وضربت البشائر على القلعة، وقيل أن السلطان أرسل إلى النائب في الصلح في تقرير أمور وأن القاضي، فلما كان من الغد أُمر بسد أبواب البلد خلا باب النصر وباب الفرج وأحد بابي الجابية فسُدت سوى باب توما فإن ابن سويدان الحاجب سعى في إبقائه لأجل الرفق بأهل تلك الناحية وبيته هناك فبقي. ويوم الاثنين ثامن عشره وصل السلطان والعسكر المصري إلى القرب من ..... ووقعت وقعةٌ بين طائفة من عسكره وبين اللكاش وطائفة ممن معه بغزة فكسرهم المصريون ونزلوا بخيامهم ودخل السلطان غزة وهرب اللكاش ومن معه إلى النائب إلى الرملة وجاءت طائفة ممن كان معه طائعين إلى السلطان منهم نائب حماة دمرداش ونائب صفد الطنبغا العثماني والأمير فرج بن منجك. ويوم الاثنين خامس عشريه بين الظهر والعصر وقع برد يسير وحصل رعد وبرق إلى أثناء ليلة الثلاثاء ووقع ليلتئذ مطر. وضربت البشائر على القلعة آخر النهار وأشاعوا أنهم اصطلحوا. فلما كان يوم الثلاثاء سادس عشره وصل أول النهار بريدي وأخبر بأن النائب قبض عليه وعلى غيره ونزل عند نائب الغيبة فانتقل من دار السعادة وبقي وحده وضربت البشائر وأمن الناس وسروا بذلك.

стр. 410

صورة الوقعة بين الرملة وغزة بين العسكر المصري والشامي كان ذلك يوم السبت ثالث عشريه لما رجع القاضي ومن معه من عند نائب الشام وقد أدوا إليه الرسالة وهي تخيّره بين أن يصير إلى مصر أميراً كبيراً وبين أن يرجع إلى الشام نائباً كما كان بعد أن يرسل الأمراء الذين عيّنوهم إلى القدس فأجاب بما مضمونه عدم الموافقة، بعد أن قال "أنا مملوك السلطان وفي طاعته". ركب السلطان والعسكر، خرجوا من غزة وكان العسكر الشامي قد ركبوا في أثر الرسول فالتقوا بين بيدراس وبين غزة ووقع القتال، وقاتل نائب الشام وطائفة من الأمراء كنائب طرابلس وجلبان قتالاً شديداً وثبتوا فحمل المصريون على مسيرتهم فكسروها وكان النصر، فولى جمهور العسكر ولم يتأخر سوى النائب وطائفة قليلة فمالوا عليهم وقبضوا على النائب ونائب حلب ونائب طرابلس وجماعة من الأمراء، وهرب بغير قتال إيتمش وطغري بردي وطائفة واختفى جلبان وابن الشيخ علي وغيرهما في بعض بيوت بنواحي الرملة، ثم جاءوا بالأمان وأخذ أمان لطغري بردي وطلب فلم يوجد لأنه ممن هرب نحو الشام. يوم الأربعاء سابع عشريه وصل الخبر بأن أربعة أُمراء عند شقحب ومعهم جماعة من الذين هربوا فتوجه إليهم العسكر الذين نزلوا بدمشق وهم قرابغا الحاجب والأمير محمد بن منجك والأمير محمد بن الأمير إبراهيم بن

стр. 411

منجك وابن سودون العلائي لابسين آلة الحرب فوجدوهم عند خان ابن ذي النون وهم إيتمش وطغري بردي وطيفور الحاجب ويلبغا اللكاش فلم يزالوا بهم حتى أذعنوا إلى الطاعة والعود محتفظاً عليهم فقدموا بهم فأدخلوهم إلى دار السعادة فأُودعوا هناك ولم يمكنهم متولي القلعة من دخولها. ويوم الخميس ثامن عشريه اشتهر بدمشق أن قاضي القضاة بدر الدين بن أبي البقاء كان مع العسكر وأنه خلع عليه بقضاء دمشق عقيب الوقعة، وأن الأمير ناصر الدين ابن الصارم أخذ نظر الأسرى والأسوار. ويوم السبت آخره وصل الأمير ناصر الدين ابن الصارم على البريد وشرع في تحصيل شعير وأمور تتعلق بالدولة وسلّمت عليه وأخبرنا بالأمور وبأن ما ذكر من أمر قاضي القضاة بدر الدين لا أصل له. ويوم السبت ثالث عشريه توفي شيخ (١) العربية بالديار المصرية شمس الدين (*) الغماري. ويومئذ وهو الثلاثون منه أول برمودة. وفيه بعد خروج السلطان خرج يلبغا المجنون الذي كان استاددار مخدومه الظاهر وكان قد سجن في أول دولة السلطان الناصر في عدة من الأمراء كما أرّخنا ثم أطلقوا بعد ذلك وتركوا بدمياط، فلما توجه السلطان إلى الشام أرسل ليقبض عليهم فسجنهم كيلا يحدث منهم شر فلم يطيعوا وقام يلبغا هذا وعاث ببلاد مصر فساداً ونهب الأموال وصادر ذوي الثروة حتى قيل أنه أخذ من بعض أعيان تلك البلاد ألف ألف درهم، فجرد إليه جيش فكسرهم وأسر أعيانهم فسبق وغيره ووصل إلى المطرزية على باب

стр. 412

القاهرة فخرج بيبرس وغيره من الأمراء فكسروه وخلصوا المأسورون وأقلب هو وهرب، وقيل أن هذه الوقعة كانت يوم السبت في اليوم الذي كانت فيه الوقعة بالشام. وفي العشر الأخير توفي شمس الدين محمد بن أحمد (١) بن أبي الفتح بن إدريس الدمشقي ابن السراج أخو المحدث عماد الدين، سمع من ابن الشحنة صحيح البخاري ومن محمد بن أيوب نقيب الشامية وأحمد بن الجزري والحافظ البرزالي.

стр. 413

الأمراء الذين قتلوا بالوقعة - الأمير الكبير أتابك العساكر المصرية الأمير سيف الدين إيتمش (١) البجاسي، أصله من مماليك جرجي وتنقل في الولايات إلى أن صار أكبر الأمراء بالديار المصرية، وفي شوال سنة خمس وثمانين أرسل الملك الظاهر برقوق إلى دمشق إلى ورثة الأمير جرجي ليشتري منهم الأمير إيتمش فإنه ذكر للسلطان أنه باق على الرق لم يعتقه جرجي ويخشى من فساد تصرفه ويريد الحج، فأرسل السلطان وكيلاً في شراءه ليعتقه وأرسل معه ذهباً، فأحضر الأمير أحمد بن جرجي فوقع عقد البيع. على الأمير إيتمش وما معه من المال بصورة ..... وأرسل إلى مصر. وهذا من أعجب ما وقع فإن هذا الأمير يتصرف تصرف الأحرار منذ مدة متطاولة، وقد توفي أستاذه جرجي في صفر سنة اثنين وسبعين، وفي ذي الحجة سنة تسع وسبعين استقر أمير آخور كبير عوضاً عن برقوق لما صار أتابك العساكر، وكان هو السبب في رمي الفتنة بين برقوق وبركة وقاتل في وقعة بركة قتالاً كبيراَ وكان أمير آخور وأعطى رأس نوبة في ربيع الأول سنة اثنين وثمانين وأنشأ مدرسة بالقرب من جامع أقسنقر في سنة خمس وثمانين وأنشأ البرج المشهور بطرابلس ثم لما تسلطن برقوق جعله أتابك العساكر ورأس نوبة كبير ثم خرج في سنة إحدى وتسعين مع العسكر إلى

стр. 414

قتال الناصري وهو كبير الأمراء بمصر قال بعضهم: ومعه أخباز ثلاث مقدمين ويقال عنه أنه قسيم الملك. فلما انكسر العسكر رجع ودخل إلى القلعة وأشار على نائب القلعة بتسليمها إلى الناصري واستمر مقيماً بالقلعة من غير حبس إلى أن عاد الظاهر إلى الملك فتوجه إلى مصر في ربيع الآخر سنة ثلاث وتسعين وصحبتهم المحبوسين مثل جنتمر وابن القرشي وابن الشهيد. وقدم مع الظاهر سنة ثلاث وتسعين وقد نزلت مرتبته وكان يصلي الجمعة تحت نائب الشام، ثم جاء معه أيضاً في سنة ست وتسعين وهو حامل الشتر، ولما مات أينال ثم قبض على كمشبغا عاد إلى مرتبته الأولى. ولما مات السلطان أوصى إليه وكان هو المشار إليه فقام عليه مماليك السلطان مع أشبك وأخرجوه من مصر فقدم دمشق فأكرمه نائب الشام تينبك وكان يصدر عن رأيه وخرجوا إلى لقاء المصريين وانكسروا وعاد هو إلى القلعة ظاناً أن يتفق له ما اتفق في النوبة الأولى فكان حتفه. وكان شكلاً حسناً قد أنقى وكان من أصلح أمراء الأتراك سامحه الله تعالى. - الأمير سيف الدين فارس (١) الصرغتمشي. كان ممن حضر مع الأمراء لقتال الناصري وخامر إلى الناصري وكان إذ ذاك أمير طبلخانة، ولما وقع بين منطاش والناصري قبض عليه منطاش ثم تنقلت به الأحوال إلى أن صار حاجب مصر ثم خرج مع إيتمش والأمراء فلما انكسروا عاد إلى دمشق فقتل مع الأمراء. - وأما أرغون (٢) شاه ويعقوب (٣) شاه فلا أحفظ لهم ترجمة غير أنهما كانا من المقدمين بمصر وخرجا مع إيتمش لما انكسر وقتلا معه.

стр. 415

- الأمير شهاب الدين أحمد (١) بن يلبغا الخاسكي قتل والده وهو صغير ونشأ وتنقل في الولايات إلى أن صار أمير مائة مقدم ألف وأمير مجلس وقدم مع العسكر في أوائل سنة إحدى وتسعين لقتال الناصري فخامر إليه وكان سبب كسرة العسكر، ثم إنه قبض عليه منطاش مع الأمراء وحبسه معهم. فلما عاد الظاهر إلى الملك وأطلق الأمراء أطلقه معهم ثم أعطاه طبلخانة وأعطي بعد ذلك تقدمة، وكان ظالماً شرس الأخلاق. وقدم مع الظاهر إلى دمشق في سلطنته الثانية ثم أخرج إلى طرابلس في جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين ثم أعطى طبلخانة ثم أعيد إلى مصر. ثم بعد موت الظاهر خرج مع إيتمش والأمراء من مصر وقتل معهم بقلعة دمشق. - الأمير سيف الدين بيقجا (٢) بن طيفور الظاهري حاجب الحجاب بدمشق من مماليك الظاهر برقوق وصار أمير آخور صغير ثم أعطى نيابة غزة في أوائل سنة ثمان مائة ثم نقل إلى دمشق حاجباً في رجب سنة إحدى وثمان مائة وأعطاه النائب تينبك الدورة في سنة إحدى وثمان مائة فأخذ أموالاً كثيرة على وجه منكر، ثم مالأ تينبك على ما دخل فيه فآل أمره إلى أن قتل بالقلعة مع الأمراء. - الأمير سيف الدين جلبان (٣) العلائي الكمشبغاوي. كان حاجباً صغيراً بمصر في سنة إحدى وتسعين وله ذكر في أوائلها فتحرره في جماده وأظنه أعطى طبلخاناة عند زوال دولة برقوق. ولما رجع الظاهر إلى الملك تقدم عنده وصار رأس نوبة كبير ثم ولاّه نيابة حلب في ذي القعدة سنة ثلاث وتسعين عوضاً عن قرا دمرداش فباشر

стр. 416

ثلاث سنين إلى أن عزل في ذي القعدة سنة ست وتسعين وقبض عليه وسجن بالإسكندرية ثم في ربيع الآخر سنة تسع وتسعين جعل أتابك الشام وكان إخراجه من السجن بساعية نائب الشام تينبك، ثم قبض عليه في رجب سنة إحدى وثمان مائة وسجن بقلعة دمشق ومات السلطان وهو بالسجن، ثم أطلقه تينبك من القلعة في المحرم سنة اثنين وثمان مائة هذه ودخل معه فيما أراده إلى أن انكسروا فقبض عليه مع الأمراء وقتل معهم. وكان شكلاً حسناً ساكناَ عاملاً محبباً للرعية. سامحهم الله تعالى. - الأمير سيف الدين أقبغا (١) اللكاش أطلقه تينبك من الصبيبة، أرغون شاه الأقبغاوي، ويعقوب شاه الكمشبغاوي، بيغوت (٢) اليحياوي، مبارك (٣) المجنون بهادر العثماني (٤) نائب البيرة.

стр. 417

شعبان أوله الأحد ثامن عشرين آذار ثاني برمودة سادس عشر الحمل، ويوم الأحد أوله وصل أحد رؤوس النوب فنزل بدار السعادة وبيده كتاب السلطان بالأمان ونودي بذلك في البلد وأن لا يزعج أحد من موضعه، لا يشوش أحد على أحد وفرح الناس بذلك، وأمر بالأمراء المقبوض عليهم فأودعوا سجن القلعة وأدخلوا من الباب القبلي. ويومئذ بين الظهر والعصر وقع مطر كثيرٌ جداً وبرد كأفواه القرب ودام بعد الحصر بنحو ساعة أو أكثر وكان رعد شديد ثم طلعت الشمس قبل الغروب بنحو ثلث ساعة وطلع قوس قزح من الشمال إلى الجنوب واستمر إلى ما بعد غروب الشمس عند الأذان للمغرب وحصل في الأفق الغربي صفرة صار على الجدران منها شفق أحمر واستمر بعد أذان المغرب مدة بحيث يظن أن الشمس طالعة.

стр. 418

دخول السلطان الملك الناصر بن الظاهر وبعد طلوع الشمس من يوم الاثنين ثانيه ضربت البشائر على القلعة لدخول السلطان الملك الناصر فرج بن الملك الظاهر برقوق القلعة، وصل إلى باب السر على غفلة جريدة وسبق الأطلاب (١) لشدة الوحل بسبب المطر الواقع بالأمس ومعه من الأمراء نيروز الحافظي ويشبك ونائب صفد العثماني ونائب حماة دمرداش وغيرهم فوقف هنيهة حتى نصب الجسر ودخل ضحوة وانجرت الأثقال بعده وأصابهم شدة بسبب الوحل مع وقوع المطر يومئذ فيما بين قبة يلبغا والكسوة وتلك الأراضي وجاء الليل والأثقال تنجر. ووصل قبل السلطان القاضي شرف الدين مسعود قاضي طرابلس متولياً قضاء دمشق كُتب توقيعه لما وصل إلى مصر في البحر من طرابلس عقيب الوقعة فنزل بالعادلية ورأيت توقيعه وهو مؤرخ برابع عشر جمادى الأولى، وقال أن السلطان شافهه بالولاية قبل ذلك بأزيد من شهر حال وصوله إلى مصر في ثاني عشر ربيع الأول ولكن تأخرت كتابة التوقيع إلى هذا التاريخ لأنه لم يحرص على ذلك لاستيلاء نائب الشام عليها. ودخل في الليل القاضي شمس الدين النابلسي وقد لبس بقضاء الحنابلة بالخُربة وعزل ابن مفلح وكذلك عين القاضي محيي الدين ابن

стр. 419

القاضي عز الدين لقضاء الحنفية عوضاً عن القدسي، وخلع بالخُربة أيضاً على القاضي ناصر الدين ابن أبي الطيب باستمراره في كتابة السر. وليلة الثلاثاء ثالثه بين المغرب والعشاء وصل قضاة مصر وكنت لاقيت قاضي القضاة صدر الدين المناوي إلى خان العقبة وأصابنا هناك مطر بعد العصر، ودخل معه قاضي القضاة جمال الدين الملطي الحنفي وقاضي القضاة ولي الدين ابن خلدون المالكي وهما شيخان كبيران مرافقهم أيضاً قاضي القضاة برهان الدين التاذلي المالكي قاضي الشام وصحبتهم أمين الدين قاضي العسكر الحنفي ابن قاضي قضاة الحنفية بمصر كان شمس الدين الطرابلسي، فنزل قاضي القضاة صدر الدين بدار الحديث الظاهرية وقاضي القضاة جمال الدين الحنفي بالقليجية جوار الجامع والقاضي المالكي بقاعة ابن الأعرج بالقرب من الباب الصغير والحنبلي وهو رجل يقال له ابن الحكري كان أحد من يعمل مواعيد بالقاهرة بآخره فسعى على ابن القاضي ناصر الدين المتولي بعد أخيه برهان الدين وولي في جمادى الآخرة بمال دفعه إليهم كأنه نزل عند ابن خضر الحنفي. ويوم الخميس خامسه أول نيسان ووقع مطر جيد يوم السبت، وغلا الشعير حتى صار يباع بسعر القمح وأزيد لأن غالبه في البر وارتفع سعر القمح أيضاً لهذا حتى بلغ نحو المائة بعد ما كان أبيع في البيدر بنحو النصف من ذلك والشعير بنحو الثلث وأقل. ويوم الخميس خامسه خلع السلطان على جماعة وولي ولايات ووظائف فخلع على سودون الدوادار ابن اخت السلطان الظاهر نيابة الشام وعلى نائب حماة دمرداش الظاهري نيابة حلب وعلى أمير يقال له شيخ الظاهري بنيابة طرابلس وعلى الأمير دقماق الذي كان نائب ملطية بنيابة حماة واستمر نائب صفد الطنبغا العثماني وعلى الأمير أشباني بحجوبية الحجاب، وخلع على القاضي شمس الدين الأخنائي بقضاء الشام على عادته وانفصل عنه القاضي شرف الدين مسعود بعد أن وليه ثلاثة أشهر إلا تسعة أيام ولكنه لم يباشر، ولي عليه ..... من قضاة النواحي، وخلع على القاضي تقي الدين ابن الكفري بقضاء الحنفية وحضر بالخلعتين بمقصورة الجامع، وحضر

стр. 420

معهما القاضي الحنبلي الجديد شمس الدين النابلسي ولم يحضر المالكي لأنه لم يتعين بعد وأذن الظهر وهم بالجامع فصلى القاضي بالناس الظهر بعد الإمام الأول ثم ذهبا بمن معهما إلى الظاهرية فسلما على قاضي القضاة صدر الدين المناوي ثم ذهب كل واحد منهما إلى مدرسته واستمر الشافعي بنوابه سوى النواوي فيما بلغني، فلما بلغني ذلك لم أقبل وأرجو أن لا أعود أبداً، وأما القاضي الحنفي فبلغني أنه يوم الجمعة من الغد استناب ابن الآدمي صدر الدين علي بن أمين الدين وأما القاضي المالكي والتاذلي فإنه استمر في القضاء بعد خلعه وكان ابن القفصي سعى فلم يجب لأنه لم يعط ما يرضونه وخلع علي أمام السلطان أيضًا حتى بوكالة بيت المال بدمشق واستنيب فيها وباشر ابن الشهاب محمود الذي كان وكيلاً لنظر الجامع فيما بلغني نيابة. وضرب شخص كان ينجم للنائب يقال له إسحاق وكان قد ادعى أن النائب ينتصر فضرب ضرباً مبرحاً وطيف به البلد، وقيل أن الباعوني أيضاً كان وعده بذلك وكتب له أحرفاً وكذلك ابن أبي مدين. ويوم السبت سابعه عُقد عقد القاضي شرف الدين مسعود على بي خاتون بنت القاضي علاء الدين ابن أبي البقاء، وكان القاضي شرف الدين قد ولي قضاء الشام وهو بمصر كما ذكرنا وجاء وهو قاضٍ فأخذ القاضي علاء الدين والقاضي شمس الدين ابن الأخنائي فرجح ابن الأخنائي فاتفق الآخران واصطلحا وتصاهرا وصارا يدًا واحدة، ودخل ليلة الأحد، ويوم الاثنين تاسعه خلع عليه بقضاء طرابلس مستمراً على عادته بعد أن ولي دمشق المدة التي ذكرناها، وخلع معه أيضاً على قاضي آخر. ويومئذ خلع على جماعة من الأمراء بإقطاعات تقدمات وطبلخانات. ويومئذٍ ويوم الثلاثاء وقع قبل العصر مطر كثير جداً وطالت مدته إلى اثناء الليل مستمراً بكثرة كأنه مطر كانون وصار يقع في بقية الليل يسيراً وذلك في سادس نيسان ثم وقع يوم الأربعاء وكثيراً ليلة الخميس وزاد النهر بسبب المطر من الغد واستمر يوم الجمعة أيضاً ووقع يومئذ أيضًا مطرٌ.

стр. 421

ويوم السبت رابع عشره أصبح الناس يتحدثون بقتل الأمراء المسجونين بالقلعة واشتهر ذلك وقطعت رؤوس أعيانهم وأرسلت إلى مصر وهم إيتمش وأرغون شاه وفارس الذين جاءوا من مصر وطيفور حاجب الشام وجلبان الذي كان نائب حلب ثم الآن أتابك الأمراء بالشام وابن يلبغا، ثم اقتصروا على إرسال ثلاث رؤوس إيتمش وطيفور وجلبان إلى ..... وعدد المقتولين سبع عشر نفساً قتل أولاً إيتمش واخراً جلبان. ويوم الأحد نصفه نقلت الشمس إلى برج الثور في الساعة الثانية عشر وصادف ذلك يوم عيد الفطر لليهود وكانت هذه الأيام من نيسان في هذا العام شديدة البرد للهواء البارد وكثرة الأمطار جداً بحيث أنها كانت فيه أكثر من كانون والماء لا يكاد يتمكن الإنسان من الإطالة في شربه لشدة برده. ويومئذ توجه نائب حماة دقماق وقبل بيوم توجه نائب حلب. ويوم الاثنين سادس عشره توجه نائب طرابلس الأمير شيخ ومعه القضاة الجدد سوى الشافعي فسافر يوم السبت (٢١)، وولي صاحبنا القاضي محيي الدين يحيى بن الكوماني إفتاء دار العدل بها. ويومئذ وصل الخبر عند نائب الرحبة إلى السلطان أن السلطان أحمد صاحب بغداد في عدد قليل خرج هارباً وأنه وصل إلى الفرات وأراد التعدية فمنعه حتى يشاور في أمره، واختلف في سبب ذلك فقيل قصده تمرلنك وقيل بل خرج عليه أقاربه وجماعته لإساءته إليهم، ثم سمعت القضية على وجهها وهي أن السلطان أحمد كان جاء إليه فاراً من مرو وكان يأتيه فاستمر عنده مدة ثم سأله أن يرسل معه عسكراً ليأخذ تبريز فأمده برجال ومال وخرج. وجاء أيضاً في هذا الخبر أن قرا يوسف أراد أيضاً قطع الفرات في جمع كثير فمنع النائب إلا بمراجعة. ويومئذ اجتمع الناس تحت القلعة وقد طلب ابن العلاني وابن الطبلاوي واشتهر أنهم يصلبون ويسمرون ثم أخرجا على حمارين إلى دار وزير الديار المصرية.

стр. 422

ويوم الاثنين سادس عشره خلع على الأمير يشبك الخزندار بالدوادارية مع الخزندارية عوضاً عن الأمير سودون الدوادار بحكم انتقاله إلى نيابة الشام ويشبك هو المشار إليه في الأمور. ويومئذ طلب ناظر الجيش وهو ناظر ديوان احنائب واستادداره ابن العلاني وابن الطبلاوي وطلب منهم ما استولى عليه النائب من الأمور السلطانية وأُركب ابن العلاني وابن الطبلاوي على حمير والعوام ينالون من ابن العلاني شتماً وسباً. ويومئذ طلب كاتب السر ابن أبي الطيب إلى دار ناظر الخاص بسبب أن الهدباني عاقبه الوزير على تسليم القلعة فقال كاتب السر: أراني كتابًا وقال أنه كتاب السلطان بتوليته النيابة للذي عيّنه النائب فطلب فاعترف فأُهين كثيراً قولاً وفعلاً وشدد عليه في طلب ما كتب به خطه فشرع في بيع أملاكه، وقيل له: أنت كتبت خطك لما وليت بمبلغ لم تقم به للسلطان الظاهر فطلب منه ووقع في الهلاك. ويوم الخميس تاسع عشره خلع على تاج الدين ناظر الجيش باستمراره في وظيفته ووزن ما حصل الاتفاق عليه وباشر الديوان بين يدي النائب بتوقيعه لما كان دوادار علاء الدين عصفور. ويومئذ صادف خميس النصارى وصادف ذلك في هذه السنة خامس عشر نيسان مع أن البرد لم ينكسر أكثر من حينئذ ولم يدخل الورد إلا يسيراً. ويوم السبت حادي عشريه توجه القاضي شرف الدين مسعود إلى طرابلس مستمراً في قضائها مع الخطابة. ويوم الأحد ثاني عشريه أخبرني قاضي القضاة صدر الدين المناوي قاضي الديار المصرية أنه جاءه كتاب فيه وفاة صاحبنا نجم الدين محمد بن محمد بن عبد الدائم الباهي الحنبلي في هذا الشهر وبلغني من وجه آخر أنه

стр. 423

ليلة الجمعة ثالث عشره ثم جاءني كتاب أنه توفي في ثاني عشر الشهر، وأنه خلف ولداً خيراً من طلبة العلم وكان أفضل الحنابلة بالديار المصرية يشارك في الفقه والحديث والأصول، وكان يقرأ كثيراً على الشيخ سراج الدين الحديث وغيره، اجتمعت به وأضافني ببيته بالمنصورية وقرأت أنا وإياه وابن القرشي مناوبة كتاب الرسالة للشافعي على الملوكي في سنة تسعين، وكان صار هو المعين لقضاء الحنابلة من حيث الاستحقاق وكان في عشر الستين، والباهي نسبة إلى باهي قرية من قرى مصر من الوجه القبلي. ويوم الاثنين ثالث عشره طلب مماليك السلطان النفقة من الأمير يشبك الخازندار والدوادار يومئذ وهو المشار إليه بالكلام في الدولة فراوغهم فهموا به وهو راكب في أثناء الطريق جاءٍ إلى منزله بيت بتخاص فأشاروا إليه بالضرب بالدبابيس (١) وربما ..... بعضهم كلوتته (٢) فعطف من عند باب الجامع الشرقي ودخل من الزقاق الذي عند الفقاعين إلى منزله، ثم بعد أيام قبض على بعض أولئك وضرب. ويومئذ وقع مطر قبل الظهر يسيراً وفي الساعة الأخيرة منه وطلع قوس قزح من ناحية الشمال إلى الجنوب اثنان متقاربان الشرقي منهما أبين وأوضح وفي الليل وقع أيضاً فأصبحت الأرض ..... فلما كان عند الظهر قبل وبعد وقع مطر كثير جداً وبرد ورعد قوي جرت الميازيب مدة وذلك في العشرين من نيسان، وفيه جاء الخبر بوقوع مطر في شعبان جرى منه سيل. ويوم الأربعاء خامس عشريه نزل القاضي شهاب الدين الحسباني لولده تاج الدين عن تدريس الإقبالية والجاروخية بعد ما حفظ الحاوي وغيره وخطب بجامع التوبة ودرس من الغد وحضر قضاة مصر الثلاثة

стр. 424

القاضي صدر الدين المناوي وقاضي القضاة جمال الدين الملطي وقاضي القضاة ولي الدين أبن خلدون المالكي وقضاة الشام وأُجلس على السجادة بين قاضي القضاة وأدى الخطبة أداءاً فصيحاً صحيحاً وشرع في الدرس في تفسير أول سورة الكهف وكان درساً حسناً إلا أنهم عجلوا عليه وطلبوا التخفيف. ويومئذ تهيأ ابن الآدمي صدر الدين ليخلع عليه بوظيفة كتابة السر وشاع أنه يلبس وربما خلع عليه فلم يتفق وكان فيما قيل كتب خطه أو وقع الاتفاق معه يضمن على ثمانية آلاف مثقال ثم وقع كلام من كاتب السر أوجب العدول عنه إلى السيد نقيب الأشراف. ويوم الخميس سادس عشريه توفي شاهين (١) الطواشي زمام دار نائب الشام تينبك طُلب وعصر على أموال النائب ثم أُحضر بين يدي الأمير يشبك فخاطبه بكلام أغضبه فضربه بشيء في يده فمات وكان رجلاً جيداً فوض إليه النائب نظر جامع يلبغا فعمّره وبيّضه وعمّر قرية للوقف كانت خراباً وبذرها في ذلك العام وكان لا بأس به يحب أهل الخير. ويوم السبت ثامن عشريه وقع في أوائل النهار مطر كثير جيد قوي ثم كذلك بعد الظهر بين الصلاتين وبالجملة فوقع في شهري آذار ونيسان ما لم يقع في الكانونين وحصل مع ذلك رعد شديد وجاء قبل العصر سيل فاض به بردى فيضاً ودخل الميدانين. ويوم الاثنين آخره كتب توقيع الباعوني بخطابة القدس بعد ما كانوا كتبوا بها لابن السائح قاضي الرملة وباشر وأخذوا منه في الطريق بعدما كان غرم من قبل. وتراءى الناس الهلال ليلة الاثنين فلم يروه وكانت رؤيته ممكنة فإن نوره كان ثلاثة أرباع أصبع وبعده أزيد من إحدى عشرة ومكثه نحو اثني

стр. 425

عشر درجة لكن لم يكن الأفق صافياً، واجتمع بمحراب الحنابلة قاضي قضاة مصر القاضي صدر الدين والقاضي الحنفي جمال الدين الملطي وقضاة الشام سوى المالكي وقعد أكثرهم إلى العشاء.
следующие страницы →