← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 10501–10540 · переход к 10506.

стр. 10501

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بالمنْعِ فكان له ضَرْبُها، كما لو أصَرَّتْ، ولأَنَّ عُقوباتِ المعاصى لا تَخْتَلِفُ بالتَّكْرارِ وعدَمِه، كالحُدودِ. ووَجْهُ قولِ الْخِرَقِىِّ، أنَّ المقْصودَ زَجْرُها عن المعْصِيَةِ في المُسْتَقْبَلِ، وما هذا سَبِيلُه يُبْدأُ فيه بالأسْهَلِ فالأسْهَلِ، كمَنْ هُجِمَ مَنْزِلُه فأرادَ إخْراجَه. وأمَّا قولُه: ﴿وَاللَّاتَي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾. الآية. ففيها إضْمارٌ تَقْديرُه: واللَّاتِى تَخَافُون نُشُوزَهُنَّ فعِظُوهنَّ، فإن نَشَزْنَ فاهْجُروهُنَّ في المَضاجِعِ، فإن أصْرَرْنَ فاضْرِبُوهُنَّ، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (١). والذي يَدُلُّ على هذا أنَّه رَتَّبَ هذه العُقوباتِ على خَوْفِ النُّشُوزِ، ولا خِلافَ أنَّه لا يَضْرِبُها لخَوْفِ النُّشُوزِ قبلَ إِظْهارِه. وللشافعىِّ قَوْلانِ كهذَيْنِ. فإذا لم تَرْتَدِعْ بالهجْرِ والوَعْظِ، فله ضَرْبُها؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾. وقال النَّبِىُّ ﷺ : «إنَّ لكُمْ عَلَيْهِنَّ أن لا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أحَدًا تَكْرَهُونه، فإن فَعَلْنَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ». روَاه مسلمٌ (٢). ومعنى «غيرَ مُبَرِّحٍ». أي ليس

стр. 10502

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بالشَّديدِ. قال الخَّلالُ: سألْتُ أحمدَ بنَ يحيى ثَعْلبًا (١) عن قولِه: «ضَرْبًا غيرَ مُبَرِّحٍ». قال: غير شديدٍ. وعليه أن يَجْتَنِبَ الوَجْهَ والمواضِعَ المَخُوفَةَ، لأَنَّ المقْصودَ التَّأْديبُ لا الإِتْلافُ. وقد روَى أبو داودَ (٢)، عن حَكِيمِ بن مُعاوِيةَ القُشَيْرِىِّ، عن أبِيه، قال: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، ما حقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنا عليه؟ قال: «أَنْ تُطْعِمَها إِذَا طَعِمْتَ، وتَكْسُوَها إذا اكْتَسَيْتَ، ولَا تُقَبِّحْ، ولَا تَهْجُرْ إلَّا في الْبَيْتِ». ورَوَى عبدُ اللَّهِ بنُ زَمْعَةَ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، قال: «لا يَجْلِدُ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَه جَلْدَ العبدِ، ثم يُضاجعُها في آخِرِ اليومِ» (٣). ولا يَزِيدُ في ضَرْبِها على عشَرَةِ

стр. 10503

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أسْواطٍ؛ لقولِ رسولِ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَجْلِدُ أحَدٌ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ، إلَّا في حَدٍّ مِن حُدودِ اللَّهِ». مُتَّفَقٌ عليه (١).

стр. 10504

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وله تأْدِيبُها على تَرْكِ فَرائضِ اللَّهِ تعالى. [وسَأَل إِسْماعِيلُ ابنُ سَعِيدٍ أحمدَ عمَّا يَجوزُ ضَرْبُ المرْأةِ عليه، قال: على فَرائضِ اللَّهِ] (١). وقال في الرَّجُلِ له امرأةٌ لا تُصَلِّى: يضْرِبُها ضَرْبًا رَفِيقًا غيرَ مُبَرِّحٍ. وقال علىٌّ في (٢) تفْسيرِ قولِه تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (٣). قال: عَلِّمُوهُم أدِّبُوهم (٤). ورَوَى الخَلَّالُ، بإسْنادِه، عن جابرٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : «رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا عَلَّقَ في بَيْتِهِ سَوْطًا يُؤْدِّبُ أَهَلَهُ» (٥). فإن لم تُصَلِّ، فقد قال أحمدُ: أخْشَى أن لا يَحِلَّ للرَّجُلِ أن يُقِيمَ مع امرأةٍ

стр. 10505

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لا تصَلِّى، ولا تَغْتَسِلُ مِن الجَنابَةِ، ولا تتَعَلَّمُ القرآنَ. قال أحمدُ، في الرَّجُلِ يَضْرِبُ امْرأتَه: لا يَنْبَغِى لأحَدٍ أن يَسْألَه ولا أبوها، لِمَ ضَرَبْتَها؟ والأَصْلُ في هذا ما روَى الأشْعَثُ، عن عمرَ، أنَّه قال: يا أشْعَثُ، احْفَظْ عنِّى شيئًا سَمِعْتُه مِن رسولِ اللَّهِ ﷺ : «لا تَسْأَلَنَّ رَجُلًا فيما ضَرَب امْرَأَتَه». روَاه أبو داودَ (١). لأنَّه قد يَضْرِ بُها لأجلِ الفِراشِ، فإن أخْبَرَ بذلك اسْتَحْيا، وإن أخْبرَ بغيرِه كَذَب. فصل: وإن خافَتِ المرأةُ نُشوزَ زَوْجِها وإعْراضَه عنها، لرَغْبَتِه عنها، لمرَضٍ بها، أو كِبَرٍ، أو دَمامَةٍ، فلا بأْسَ أن تضَعَ عنه بعضَ حُقُوقِها تَسْتَرْضِيه بذلك؛ لقولِه تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا (٢) بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ (٣). ورَوَى البُخارِىُّ (٤)، عن عائشةَ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾. قالت: هى المرأةُ تكونُ عندَ الرَّجُلِ، لا يَسْتَكْثِرُ منها، فيُرِيدُ طَلاقَها، ويتزَوَّجُ عليها، تقولُ له: أمْسِكْنِى ولا تُطَلِّقْنِى، ثم تزَوَّجْ غيرِى، فأنتَ في حِلٍّ مِنَ النفقَةِ علىَّ، والقِسْمَةِ لى. وعن عائشةَ، أنَّ

стр. 10506

فَإِنِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ ظُلْمَ صَاحِبِهِ لَهُ، أَسْكَنَهُمَا الْحَاكِمُ إِلَى جَانِبِ ثِقَةٍ، يُشْرِفُ عَلَيْهِمَا، وَيُلزِمُهُمَا الإِنْصَافَ، ــ سَوْدَةَ بنتَ زَمْعةَ، حينَ أسَنَّتْ، وفَرِقَتْ أن يُفارِقَها رسولُ اللَّهِ ﷺ ، قالتْ: يا رسولَ اللَّهِ، يَوْمِى لعائشةَ. فقَبِلَ ذلكَ (١) رسولُ اللَّهِ ﷺ منها. قالت: ففى ذلك أنْزلَ اللَّهُ جلَّ ثناؤه وفى أشْباهِها أُرَاه قال: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾. روَاه أبو داودَ (٢). ومتى صَالَحَتْ على تَرْكِ شئٍ مِن قَسْمِها أو نفَقَتِها أو على ذلك كلِّه، جازَ. فإن رَجَعتْ، فلها ذلك. قال أحمدُ. في الرَّجُلِ يَغِيبُ على امْرأتِه، فيَقُولُ لها: إن رَضِيتِ على هذا، وإلَّا فأنتِ أعلمُ. فتقولُ: قد رَضِيتُ: فهو جائزٌ، فإن شاءَتْ رجعَتْ. ٣٣٧٤ - مسألة: (فَإنِ ادَّعَى كُلُّ واحدٍ مِنْهما ظُلْمَ صاحبِه لَهُ، أسْكَنَهُما الْحَاكِمُ إلى جانِبِ ثِقَةٍ، يُشْرِفُ عليهما، ويُلْزِمُهُما الإِنْصَافَ) وجملةُ ذلك، أنَّ الزَّوْجَيْنِ إذا وقعَ بينَهما شِقاقٌ، نَظَر الحاكمُ، فإن كان مِن المرأةِ، فهو نُشُوزٌ، وقد ذكَرْناه، وإن بانَ أنَّه مِن الرَّجُلِ، أسْكَنَهُما إلى جانبِ ثِقَةٍ، يَمْنَعُه مِن الإِضْرَارِ بها، والتَّعَدِّى

стр. 10507

فَإِنْ خَرَجَا إِلَى الشِّقَاقِ وَالْعَدَاوَةِ، بَعَثَ الْحَاكِمُ حَكَمَيْنِ حُرَّيْن مُسْلِمَيْنِ عَدْلَيْنِ -وَالْأوْلَى أَنْ يَكُونَا مِنْ أهْلِهِمَا- بِرِضَاهُمَا ــ عليها. وكذلك إن بانَ مِن كلِّ واحدٍ منهما [تَعَدِّ، أوِ ادَّعَى كلُّ واحدٍ منهما] (١) أنَّ الآخَرَ ظَلَمَه، أسْكَنَهما إلى جانبِ مَن يُشرِفُ عليهما ويُلْزِمُهما الإِنْصافَ؛ لأَنَّ ذلك طريقٌ إلى (٢) الإِنْصافِ، فتَعَيَّن فِعْلُه، كالحُكْمَ بالحقِّ. ٣٣٧٥ - مسألة: (فَإِنْ خَرَجَا إِلَى الشِّقَاقِ وَالْعَدَاوَةِ، بَعَثَ الْحَاكِمُ حَكَمَيْنِ حُرَّيْن مُسْلِمَيْنِ عَدْلَيْنِ -وَالْأوْلَى أَنْ يَكُونَا

стр. 10508

وَتَوْكِيلِهِمَا، فَيَكْشِفَانِ عَنْ حَالِهِمَا، وَيَفْعَلَانِ مَا يَرَيَانِهِ مِنْ جَمْعٍ بَيْنَهُمَا، أَوْ تَفْرِيقٍ بِطَلَاقٍ أَوْ خُلْعٍ، ــ أهْلِهما) للآيةِ (بتَوْكِيلِهِمَا، فَيَكْشِفَانِ عَنْ حَالِهِمَا، وَيَفْعَلَانِ مَا يَرَيَانِهِ مِنْ جَمْعٍ بَيْنَهُمَا، أَوْ تَفْرِيقٍ بِطَلَاقٍ أَوْ خُلْعٍ) فما فعلَا مِن ذلك لَزِمَهما. والأَصْلُ في ذلك قولُه سبحانَه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ (١).

стр. 10509

فَإِنِ امْتَنَعَا مِنَ التَّوْكِيلٍ لَمْ يُجْبَرَا. وَعَنْهُ، أَنَّ الزَّوْجَ إنْ وَكَّلَ في الطَّلَاقِ بِعِوَضٍ أَوْ غيْرِهِ، وَوَكَّلَتِ الْمَرْأَةُ في بَذْلِ الْعِوَضِ بِرِضَاهُمَا، وَإلَّا جَعَلَ الْحَاكِمُ إِلَيْهِمَا ذَلِكَ. ــ ٣٣٧٦ - مسألة: (فإِنِ امْتَنَعا مِن ذلك، لم يُجْبَرا) عليه (وَعَنْهُ، أَنَّ الزَّوْجَ إنْ وَكَّلَ في الطَّلَاقِ بِعِوَضٍ أَوْ غيْرِهِ، وَوَكَّلَتِ الْمَرْأَةُ في بَذْلِ الْعِوَضِ، وَإِلَّا جَعَلَ الْحَاكِمُ إِلَيْهِمَا ذَلِكَ) اخْتلفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، ﵀، في الحَكَمَيْنِ، ففى إحدَى الرِّوايتَيْنِ عنه، أنَّهما وَكِيلانِ لهما، ولا

стр. 10510

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَمْلِكانِ التَّفْرِيقَ إلَّا بإذْنِهما. وهذا مذهبُ عَطاءٍ، وأحدُ قَوْلَى الشَّافعىِّ. وحُكِىَ ذلك (١) عن الحسَنِ، وأبى حنيفةَ؛ لأَنَّ البُضْعَ حَقُّه، والمالَ حقُّها، وهما رَشِيدانِ، فلا يجوزُ لغيرِهما التَّصرُّفُ فيه إلَّا بوَكالَةٍ منهما، أو وِلَايةٍ عليهما. والثانيةُ، أنَّهما حاكِمانِ، ولهما أن يَفْعَلا ما يَريانِ مِن جَمْعٍ وتَفْريقٍ، بعِوَضٍ وغيرِ عِوَضٍ، ولا يَحْتاجانِ إلى تَوْكيلِ الزَّوْجَيْنِ ولا رِضاهُمَا. رُوِى نحوُ ذلك عن علىٍّ، وابنِ عبَّاسٍ، وأبى سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، ومالكٍ، والأوْزاعِىِّ، وإسْحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾. فسَمَّاهُما حَكَمَيْنِ، ولم يَعْتَبِرْ رِضَا الزَّوْجَيْنِ، ثم قال: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا﴾. فخاطبَ الحَكَمَيْنِ بذلك. ورَوَى أبو بكرٍ، بإسْنادِه، عن عَبِيدَةَ السَّلْمَانِىِّ، أنَّ رجلًا وامرأةً أتَيا عليًّا، مع كلِّ واحدٍ منهما فِئَامٌ (٢) مِنَ النَّاسِ، فقال

стр. 10511

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ علىٌّ: ابْعَثُوا حَكَمًا مِن أهْلِه وحكمًا مِن أهْلِها. فبَعَثُوا حَكَمَيْنِ، ثم قال علىٌّ للحَكَمَيْنِ: هل تَدْرِيانِ ما عليكُما مِنَ الحقِّ؟ عليكُما مِن الحقِّ إن رَأَيتُما أَنْ تَجْمَعا جَمعْتُما، وإن رأْيتُما أن تُفَرِّقا فَرَّقْتُما. فقالتِ المرأةُ: رَضِيتُ بكتَابِ اللَّهِ عَلَيَّ ولِى. فقال الرَّجلُ: أمَّا الفُرْقَةُ فلا. فقال علىٌّ: كَذَبْتَ حَتَّى تَرْضَى بما رَضِيَتْ به (١). وهذا يدُلُّ علِى أنَّه أجْبَرَه على ذلك. ويُرْوَى أَنَّ، عَقِيلًا تزَوَّجَ فاطمةَ بنت عُتْبَة (٢) فتَخاصَما، فجمَعتْ، ثِيابَها، ومضَتْ إلى عثمانَ، فبعثَ حَكَمًا مِن أهْلِه عبدَ اللَّهِ بنَ عبَّاسٍ، وحَكَمًا مِن أهْلِها مُعاوِيةَ، فقال ابنُ عبَّاسٍ: لأُفَرِّقَنَّ بينَهما. وقال معاويةُ: ما كُنْتُ لأُفَرِّقَ بينَ شَيْخَيْن (٣) مِن بنى عَبْدِ مَنافٍ. فلمَّا بلَغا البابَ كانا قد أغْلَقَا البابَ واصْطَلحا (٤). ولا يَمْتَنِعُ أن تَثْبُتَ الوِلايةُ على الرَّشيدِ عندَ امْتِناعِه مِن أداءِ الحقِّ، كما يُقْضَى الدَّيْنُ عنه مِن مالِه إذا امْتنَعَ، ويُطَلِّقُ الحاكمُ على المُولِى إذا امْتَنَعَ.

стр. 10512

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ولا يكونُ الحكَمانِ إلَّا عاقِلَيْنِ بالغَيْنِ عَدْلَيْنِ مُسْلِمَيْنِ؛ لأَنَّ هذِه مِن شُروطِ العَدالةِ، سَواءٌ قُلْنا: هما حَكَمانِ أو وَكيلانِ؛ لأَنَّ الوكيلَ إذا كان مُتَعَلِّقًا بنظَرِ الحاكمِ، لم يَجُزْ أن يكونَ إلَّا عَدْلًا، كما لو نُصِبَ وَكيلًا لصَبِىٍّ أو مُفْلِسٍ. ويكونان ذَكَرَيْنِ؛ لأنَّه يَفْتَقِرُ إلى الرَّأْى والنَّظَرِ. قال القاضى: ويُشْتَرَطُ كوْنُهما حُرَّيْنِ. وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأَنَّ العبدَ عندَه لا تُقْبَلُ شَهادَتُه، فتكونُ الحُرِّيَّةُ مِن شروطِ العدالةِ. قال شيْخُنا (١): والأَوْلَى أن يُقالَ: إنْ كانا وَكِيلَيْنِ، لم تُعْتَبَرِ الحُرِّيَّةُ؛ لأَنَّ تَوْكِيلَ العبدِ جائزٌ، وإن كانا حَكَمَيْنِ، اعْتُبِرَتِ الحُرِّيَّةُ؛ لأَنَّ الحاكمَ لا يجوزُ أن يكونَ عبدًا. ويُعْتَبَرُ أن يكونا عالِمَيْنِ بالجَمْعِ والتَّفْرِيقِ؛ لأنُّهما يتصَرَّفَانِ في ذلك، فيُعْتبَرُ عِلْمُهما له. والأَوْلَى أن يكُونا مِن أهْلِهما؛ لأمرِ اللَّهِ تعالى بذلك، ولأنَّهما أشْفَقُ وأعلمُ بالحالِ، فإن كانا مِن غيرِ أهْلِهما، جازَ؛ لأَنَّ القَرابةَ ليستْ شَرْطًا في الحُكْمِ ولا الوَكالةِ، فكان الأمْرُ بذلك إرْشادًا واسْتِحْبابًا. فإن قُلْنا: هما وَكيلانِ. فلا يَفْعلانِ شيئًا حتَّى يَأْذَنَ الرَّجُلُ لوَكيلِهِ فيما يراهُ مِن طَلاقٍ أو صُلْحٍ، وتَأْذَنَ المرأةُ لوَكيلِها في الخُلْعِ والصُّلْحِ على ما يَراهُ، فإنِ امْتنَعا مِن التَّوْكيلِ، لم

стр. 10513

فَإِنْ غَابَ الزَّوْجَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا، لَمْ يَنْقَطِعْ نَظَرُ الْحَكَمَيْنِ عَلَى الرِّوَايَةِ الأُولَى، وَيَنْقَطِعُ عَلَى الثَّانِيَةِ. وَإِنْ جُنَّا انْقَطَعَ نَظَرُهُمَا عَلَى الأُولَى، وَلَمْ يَنْقَطِعْ عَلَى الثَّانِيَةِ. ــ يُجْبَرا. وإن قُلْنا: إنَّهما حَكمانِ. فإنَّهما يُمْضِيانِ ما يَريَانِه مِن طلاقٍ وخُلْعٍ، فيَنْفُذُ حُكْمُهما عليهما (١)، رَضِيَاهُ أو أَبَيَاهُ. ٣٣٧٧ - مسألة: (فَإِنْ غَابَ الزَّوْجَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا، لَمْ يَنْقَطِعْ نَظَرُ الْحَكَمَيْنِ عَلَى الرِّوَايَةِ الأُولَى، وَيَنْقَطِعُ عَلَى الثَّانِيَةِ. وَإِنْ جُنَّا انْقَطَعَ نَظَرُهُمَا عَلَى) الروايةِ (الأُولَى، وَلَمْ يَنْقَطِعْ عَلَى الثَّانِيَةِ) إذا غابَ الزَّوْجانِ أو أحدُهما بعدَ بَعْثِ الحَكَمَيْنِ، جازَ لهما إمْضاءُ رَأْيِهما إن قُلْنا: إنَّهما وَكيلانِ. لأَنَّ الوَكالةَ لا تَبْطُلُ بالغَيْبَةِ. وإن قُلْنا: إنَّهما حاكِمان (٢). لم يَجُزْ لهما إمْضاءُ الحُكْمِ؛ لأَنَّ كلَّ واحدٍ مِن الزَّوْجَيْنِ مَحْكومٌ له وعليه، والقَضاءُ للغائبِ لا يَجوزُ، إلَّا أن يكُونا قد وَكَّلاهُما،

стр. 10514

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فيفْعَلانِ ذلك بحُكْمِ التَّوْكيلِ، لا بالحُكْمِ. وإن كان أحدُهما قد وَكَّلَ، جازَ لوَكِيلِه فِعْلُ ما وَكَّلَه فيه مع غَيْبَتِه. وإن جُنَّ أحَدُهما، بَطَل حُكْمُ وَكِيلِه، لأَنَّ الوَكالةَ تَبْطُلُ بجُنونِ المُوَكِّلِ. ولا تَبْطُلُ إذا قُلْنا: إنَّهما حاكِمانِ. لأَنَّ الحاكمَ يحْكُمُ على المجْنُونٍ. وذكرَ شيْخُنا في كتابِ «المُغْنِى» (١) أنَّه لا يجوزُ له الحكمُ أيضًا، لأن مِن شَرْطِ ذلك بقاءَ الشِّقاقِ وحُضورَ المُتَداعِيَيْنِ، ولا يتَحَقَّقُ ذلك مع الجُنُونِ. فصل: فإن شَرَطَ الحَكمانِ شَرْطًا، أو شَرَطَه الزَّوْجانِ، لم يَلْزَمْ، مثلَ أن يَشْرِطا تَرْكَ بعضِ النَّفَقةِ والقَسْمِ، لم يَلْزَمِ الوَفاءُ به، لأنَّه إذا لم يَلْزَمْ بِرِضَا المُوَكِّلَيْنِ، فبِرِضَا الوَكِيليْنِ أَوْلَى. فإن أَبْرَأَ وَكِيلُ المرأةِ مِن الصَّداقِ أو دينٍ لها، لم يَبْرَأَ الزَّوْجُ إلَّا في الخُلْع. وإن أَبْرَأ وَكيلُ الزَّوْجِ مِن دَيْنٍ له، أو مِن الرَّجُلَ، [لم تَبْرَأ] (٢) الزَّوْجَةُ، لأنَّهما وكيلانِ فيما يتَعَلَّقُ بالإِصْلاحِ، لا في إسْقاطِ الحُقوقِ.

стр. 10515

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م المكتب: ٤ ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: ٣٤٥٢٥٧٩ - فاكس: ٣٤٥١٧٥٦ المطبعة: ٢، ٦ ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: ٣٤٥٢٩٦٣ ص. ب: ٦٣ إمبابة

стр. 10516

يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته

стр. 10517

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الْخُلْعِ وَإِذَا كَانَتِ الْمَرأةُ مُبْغِضَةً لِلرَّجُلِ، وَتَخْشَى أَنْ لَا تُقِيمَ حُدُودَ اللَّهِ فِى حَقِّهِ، فَلَا بَأْسَ أَنْ تَفْتَدِىَ نَفْسَهَا مِنْهُ. ــ كِتَابُ الْخُلْعِ ٣٣٧٨ - مسألة: (وَإذَا كَانَتِ الْمَرأةُ مُبْغِضَةً لِلرَّجُلِ، وَتَخْشَى أَنْ لَا تُقِيمَ حُدُودَ اللَّهِ فِي حَقِّهِ، فَلَا بَأْسَ أَنْ تَفْتَدِىَ نَفْسَهَا مِنْهُ) وجملةُ ذلك، أنَّ المرأةَ إذا كرِهتْ زَوْجَها، لخَلْقِه، أو خُلُقِه، أو دِينِه، أو كِبَرِه، أو ضَعْفِه، أوْ نحوِ ذلك، وخَشِيَتْ أن لا تُؤدِّىَ حقَّ اللَّهِ في طْاعتِه، جازَ لها أن تُخالِعَه على عِوَضٍ تَفْتَدِى به نَفْسَها منه؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ﴾ (١). ورُوِىَ أنَّ

стр. 10518

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رسولَ اللَّهِ ﷺ خَرَج إلى الصُّبْحِ، فَوجدَ حَبِيبَةَ بنتَ سَهْلٍ عندَ بابِه في الغَلَسِ، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : «ما شَأْنُكِ؟». قالت: لا أنا ولا ثابِتٌ. لزَوجِها (١)، فلمَّا جاءَ ثابتٌ، قال له رسولُ اللَّهِ ﷺ : «هذِه حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْل، [قدْ ذكَرَتْ] (٢) ما شاءَ اللَّهُ أن تَذْكُرَ». وقالت حبيبةُ: يارسولَ اللَّهِ، كلُّ ما أعْطانِى عندِى. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ لثابتِ ابنِ قَيْسٍ: «خُذْ مِنها». فأخذَ منها، وجلَسَتْ في أهْلِها. وهذا حديثٌ صحيحٌ، ثابتُ الإِسْنادِ، روَاه الأئِمَّةُ مالكٌ وأحمدُ وغيرُهُما (٣)، وفى رِوايةٍ للبُخَارِىِّ (٤)، قال: جاءتِ امرأةُ ثابتِ بنِ قيسٍ إلى النَّبِىِّ ﷺ فقالت: يا رسولَ اللَّهِ، ما أنْقِمُ على ثابتٍ في دينٍ ولا خُلُقٍ، إلَّا أنِّى أخافُ الكُفْرَ. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : «أتَرُدِّينَ عليه حَدِيقَتَهُ؟». قالت:

стр. 10519

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نعم. فرَدَّتْ عليه، وأمرَه ففارَقَها. وفى رِوايةٍ، فقال له: «اقْبَلِ الحَدِيقَةَ وَطَلِّقْها تَطْلِيقَةً» (١). ولأَنَّ حاجتَها داعيةٌ إلى فُرْقَتِه، ولا تَصِلُ إليها إلَّا ببَذْلِ العِوَضِ، فأُبِيحَ لها ذلك، كشِرَاءِ المتاعِ. وبهذا قال جميعُ الفُقَهاءِ بالشَّامِ والحِجازِ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ (٢): لا نعلمُ أحدًا خالفَه، إلَّا بكرَ (٣) بنَ عبدِ اللَّهِ المُزَنِىَّ، فإنَّه لم يُجِزْه، وزَعَم أنَّ آيةَ الخُلْعِ مَنْسُوخَةٌ بقولِه سبحانه: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ (٤) الآية. ورُوِىَ عن ابنِ سِيرِينَ وأبى قِلَابَةَ أنَّه لا يَحِلُّ الخُلْعُ حَتى يَجِدَ على بَطْنِها رَجُلًا؛ لقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (٥). ولَنا، الآيةُ التى تلوناها والخبرُ، ولأنَّه قولُ عمرَ، وعثمانَ، وعلى، وغيرِهم مِنَ الصَّحابةِ، ولم يُعْرَفْ لهم في عَصْرِهم مُخالِفٌ، فيكونُ إجْماعًا، ودَعْوَى النَّسْخِ لا تُسْمَعُ حتَّى يَثْبُتَ تعَذُّرُ الجَمْعِ وأنَّ الآيةَ النَّاسخةَ مُتَأخِّرَةٌ، ولم يَثْبُتْ شىئٌ مِن ذلك. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُسَمَّى خُلْعًا؛ لأَنَّ المرأةَ تَنْخَلِعُ مِن لباسِ زَوْجِها، قال اللَّهُ تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لهُنَّ﴾ (٦).

стр. 10520

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ويُسَمَّى افْتِداءً؛ لأنَّها تَفْتَدِى نفْسَها بمالٍ (١) تَبْذُلُه، قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾. فصل: ولا يَفْتَقِرُ الخُلْعُ إلى حاكم. نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: يجوزُ الخُلْعُ دونَ السُّلطانِ. ورَوَى البُخَارِىُّ (٢) ذلك عن عمرَ. وعثمانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما. وبه قال شُرَيْحٌ، والزُّهْرِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأهلُ الرَّأْى. وعن الحسَنِ، وابنِ سِيرينَ: لا يَجوزُ إلَّا عنْدَ السُّلطانِ. ولَنا، قولُ عمرَ وعثمانَ، ولأنَّه مُعاوَضَةٌ، فلم يَفْتَقِرْ إلى السُّلطانِ، كالبيعِ والنِّكاحِ، ولأنَّه قَطْعُ عَقْدٍ بالتَّراضِى، أشْبَهَ الإِقالةَ. فصل: ولا بَأْسَ به في الحَيْضِ والطُّهْرِ الَّذى أصابَها فيه (٣)؛ لأَنَّ المنعَ مِنَ الطَّلاقِ في الحَيْضِ مِن أجْلِ الضَّرَرِ الَّذى يَلْحَقُها بطُولِ العِدَّةِ، والخُلْعُ لإِزالةِ الضَّرَرِ الَّذى يلْحَقُها بسُوءِ العِشْرَةِ والمُقَامِ مع مَن (٤)

стр. 10521

وَإِنْ خَالَعَتْهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ، كُرِهَ، وَوَقَعَ الْخُلْعُ. وَعَنْهُ، لَا يَجُوزُ. ــ تَكْرَهُه وتُبْغِضُه، وذلك أعْظَمُ مِن ضَرَرِ طُولِ العِدَّةِ، فجازَ دَفْعُ أعْلاهما بأدْناهما، ولذلك لم يسْألِ النَّبِىُّ ﷺ المُخْتَلِعَةَ عن حالِها، ولأَنَّ ضرَرَ تَطْويلِ العِدَّةِ عليها، والخُلْعُ بسُؤالِها، فيكونُ ذلك رِضًا منها به، ودليلًا على رُجْحانِ مصْلَحَتِها فيه. ٣٣٧٩ - مسألة: (وإن خالَعَتْه لغيرِ ذلك، كُرِهَ، وَوَقَع الخُلْعُ. وعنه، لا يجوزُ) أي إن خالَعَتْه مع اسْتِقامَةِ الحالِ، كُرِهَ لها ذلك، ويَصِحُّ الخُلْعُ في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم أبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ، ومالكٌ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ. وعن أحمدَ ما يدُلُّ على تَحْرِيمِه؛ فإنَّه قال: الخُلْعُ مثلُ حديثِ سَهْلَةَ، تَكْرَهُ الرَّجُلَ فتُعْطِيه المَهْرَ، فهذا الخُلْعُ. وهذا يدُلُّ على أنَّه لا يكونُ الخُلْعُ صحيحًا إلَّا في هذه الحالِ. وهذا قولُ ابنِ المُنْذِرِ وداودَ. قال ابنُ المُنْذِرِ: رُوِى معْنى ذلك عن ابنِ عبَّاسٍ وكثيرٍ مِن أهلِ العلمِ؛ وذلك لأَنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾. وهذا صَرِيحٌ في التَّحْرِيمِ إذا لم يخافا ألَّا يُقيمَا حُدودَ اللَّهِ، ثم قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فِلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾. فَدَلَّ بمفْهُومِه

стр. 10522

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ على أنَّ الجُناحَ لاحِقٌ بهما [إذا افتدت به] (١) مِن غيرِ خوفٍ، ثم غَلَّظَ بالوعيدِ، فقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. ورَوَى ثَوْبانُ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : «أَيَّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَها الطَّلاقَ مِن غيرِ ما بَأْس، فحرامٌ عليها رَائِحَةُ الْجَنَّةِ». روَاه أبو داود (٢). وعن أبى هريرةَ عن النَّبِىِّ ﷺ قال: «الْمُخْتَلِعَات والمتَبَرِّجات (٣) هُنَّ المُنافِقات». روَاه أبو حفص، وأحمدُ في «المُسْنَدِ» (٤)، وذكَرَه مُحْتَجًّا به. وهذا يدلُّ على تحْريمِ المُخالعَةِ

стр. 10523

فَأَمَّا إِنْ عَضَلَهَا لِتَفْتَدِىَ نَفْسَهَا مِنْهُ، فَفَعَلَتْ، فَالْخُلْعُ بَاطِلٌ، وَالْعِوَضُ مَرْدُودٌ، وَالزَّوْجِيَّةُ بِحَالِهَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ طَلَاقًا، فَيَكُونُ ــ لغيرِ حاجةٍ، ولأنَّه إضْرارٌ [بها وبزَوْجِها، وإزالةٌ لمصالحِ النِّكاحِ مِن غيرِ حاجَةٍ، فحَرُمَ؛ لقولِه ﵇: «لا ضَرَرَ ولا إضْرَارَ] (١). واحْتَجَّ مَن أجازَه بقولِه سبحانه: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيَئًا مَّريَئًا﴾ (٢). قال ابنُ المُنْذِرِ: لا يَلْزَمُ مِن الجوازِ في غيرِ عَقْدٍ، الجوازُ في المُعاوَضَةِ، بدليلِ الرِّبا، حَرَّمَه اللَّه في العَقْدِ وأجازَه في الهِبَةِ. قال شَيْخُنَا (٣): والحُجَّةُ مع مَن حَرَّمَه، وخُصوصُ الآيةِ في التَّحْرِيمِ يَجِبُ تَقْديمُها على (٤) عُمُومِ آيةِ الجوازِ، مع ما عَضَدَها مِن الأخْبارِ. ٣٣٨٠ - مسألة: (فَأمَّا إِنْ عَضَلَهَا لِتَفْتَدِىَ نَفْسَهَا مِنْهُ، فَفَعَلَتْ، فَالْخُلْعُ بَاطِلٌ، وَالْعِوَضُ مَرْدُودٌ، وَالزَّوْجِيَّةُ بِحَالِهَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ طَلَاقًا ،

стр. 10524

رَجْعِيًّا. ــ فيَكونُ رَجْعِيًّا) يعنى [بعَضْلِها مُضارًّا] (١) بها بالضَّرْبِ والتَّضْيِيقِ عليها، أو مَنْعِها حُقُوقَها مِن النَّفَقةِ والقَسْمِ ونحوِ ذلك، لتَفْتَدِىَ نَفْسَها، فإن فعَلَتْ، فالخُلْعُ باطلٌ، والعِوَضُ مرْدودٌ. رُوِى نحوُ ذلك عن ابنِ عبَّاسٍ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، والقاسمِ بنِ محمدٍ، وعُرْوَة، وعمرِو بنِ شُعَيْبٍ، وحُمَيْدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، والزُّهْرِىِّ. وبه قال مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ. وقال أبو حنيفةَ: العَقْدُ صحيحٌ، والعِوَضُ لازِمٌ، وهو آثِمٌ عاصٍ. ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾. وقال اللَّهُ تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ (٢). ولأنَّه عِوَضٌ أُكْرِهَتْ على بَذْلِه بغيرِ حقٍّ، فلم يُسْتَحَقَّ، كالثَّمَنِ في البيعِ، والأجْرِ في الإِجارةِ.

стр. 10525

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وإذا لم يَمْلِكِ العِوَضَ وقُلْنا: الخُلْعُ طَلاقٌ. وَقَع (١) الطَّلاقُ بغيرِ عِوَضٍ، فإن كان أقلَّ مِن ثلاثٍ، فله رَجْعَتُها؛ لأَنَّ الرَّجْعةَ إنَّما سَقطَتْ بالعِوَض، فإذا سقَطَ العِوَضُ، ثَبَتتِ الرَّجْعةُ. وإن قُلْنا: هو فَسْخٌ. ولم يَنْوِ به الطَّلاقَ، لم يقَعْ شئٌ؛ لأَنَّ الخُلْعَ بغيرِ عِوَضٍ لا يقَعُ على إِحْدَى الرِّوايتَيْنِ، وعلى الرِّوايةِ الأُخْرَى، إنَّما رَضِىَ بالفَسْخِ ههُنا بالعِوَضِ، فإذا لم يحْصُلِ العِوَضُ [لا يَحْصُلُ المُعَوَّضُ] (٢). وقال مالكٌ: إن أَخَذَ منها شيئًا على هذا الوَجْهِ، ردَّه، ومَضَى الخُلْعُ عليه. ويتَخَرَّجُ لنا مثلُ ذلك إذا قُلْنا: يَصِحُّ الخُلْعُ بغيرِ عِوَضٍ. فأمَّا إن ضَرَبَها على نُشُوزِها، أو مَنَعَها حقَّها، لم يَحْرُمْ خُلْعُها لذلك؛ لأَنَّ ذلك لا يَمْنَعُهما أن لا يخافا أن لا يُقيما حُدودَ اللَّهِ. وفى بعضِ حديثِ حَبِيبَةَ، أنَّها كانت تحتَ ثابتِ بنِ قَيْسٍ، فضرَبَها، فكَسَر ضِلَعَها، فأتَتِ النَّبِىَّ ﷺ ، فدَعَا النَّبِىُّ ﷺ ثابِتًا، فقال: «خُذْ بعضَ مَالِها وفارِقْها». فَفعَلَ. رَواه أبو داودَ (٣). وهكذا لو ضربَها ظُلْمًا؛ لسُوءِ خُلُقِه أو غيرِه، لا يُرِيدُ بذلك أن تَفْتَدِىَ نفْسَها، لم يَحْرُمْ عليه مُخالَعَتُها؛ لأنَّه لم يَعْضُلْها ليَذْهَبَ ببعضِ (٤) الَّذى آتاها، ولكنْ عليه إثمُ الظُّلْمِ.

стр. 10526

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فإن أتَتْ بفاحِشَةٍ، فعَضَلَها لتفْتَدِىَ نفْسَها منه، ففَعَلَتْ، صَحَّ الخُلْعُ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. والاسْتِثْناءُ مِنَ النَّهْى إباحةٌ. ولأنَّها متى زَنَتْ، لم يأْمَنْ أن تُلْحِقَ به ولدًا مِن غيرِه، وتُفْسِدَ فِراشَه، فلا تُقِيمَ حُدودَ اللَّهِ في حقِّه، فتَدخلُ في قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾. وهذا أحدُ قَوْلَى الشافعىِّ. والقولُ الآخَرُ، لا يجوزُ؛ لأنَّه عِوَضٌ أُكْرِهَتْ عليه، أشْبَهَ ما لو لم تَزْنِ. والعمَلُ بالنَّصِّ أوْلَى.

стр. 10527

وَيَجُوز الْخلْعُ مِنْ كلِّ زَوْجٍ يَصِحُّ طَلَاقُهُ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا، فَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ، دُفِعَ الْمَالُ إِلَى وَلِيِّهِ، ــ ٣٣٨١ - مسألة-: (ويَصِحُّ الخُلْعُ مِن كُلِّ زَوْجٍ يَصِحُّ طَلاقُهُ، مُسْلِمًا كان أو ذِمِّيًّا) لأنَّه إذا مَلَك الطَّلاق، وهو مُجَردُ إِسْقَاطٍ مِن غيرِ تَحْصِيلِ شئٍ، فَلَأَن يَمْلِكَه مُحَصِّلًا للعِوَضِ أولَى. ٣٣٨٢ - مسألة: (فإن كان مَحْجُورًا عليه، دُفِعَ المالُ إلى وَلِيِّهِ) لأَنَّ وَلِىَّ المَحْجُورِ عليه هو الَّذى يَقْبِضُ حُقُوقَه وأموَالَه، وهذا مِن حُقُوقِه.

стр. 10528

وَإِنْ كَانَ عَبْدًا، دُفِعَ إِلَى سَيِّدِهِ. وَقَالَ الْقَاضِى: يَصِحُّ الْقَبْضُ مِنْ كُلِّ مَنْ يَصِحُّ خُلْعُهُ. ــ ٣٣٨٣ - مسألة: (وإن كان عَبْدًا، دُفِعَ إلى سَيِّدِه) لأنَّهُ للسَّيِّدِ؛ لكَوْنِه مِن أكسَاب عَبْدِه، وأكْسَابُهُ له. وإن كان مُكاتَبًا، دُفِعَ العِوَضُ إليه؛ لأنَّه يَمْلِكُ أكْسَابَه، وهو الَّذى يتَصَرَّفُ لنفْسِه (وقال القاضى: يصِحُّ القَبْضُ مِن كلِّ مَن يَصِحُّ خُلْعُه) فعلى قولِه: يَصِحُّ قَبْضُ العَبْدِ والمَحْجُورِ عليه؛ لأنَّ مَن صَحَّ خُلْعُه صَحَّ قَبْضُه للعِوَضِ، كالمحْجُورِ عليه لفَلَسٍ. واحْتَجَّ بقولِ أحمدَ: ما مَلَكَه العَبْدُ مِن خُلْعٍ فهو لسَيِّدِه، وإنِ اسْتَهْلَكَه لم يَرْجِعْ على الواهبِ والمُخْتَلِعةِ بشئٍ. والمحْجورُ عليه في معنى العبدِ. والأَولَى أنَّه لا يجوزُ؛ لأَنَّ العِوَضَ في الخُلْعِ لسَيِّدِ العبدِ،

стр. 10529

وَهَلْ لِلأَبِ خُلْعُ زَوْجَةِ ابْنِهِ الصَّغِيرِ أَوْ طَلَاقُهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. ــ فلا يجوزُ دَفْعُه إلى غيرِ مَن هو له بغيرِ (١) إذْنِ مالِكِه، والعِوَضُ في خُلْعِ المَحْجورِ عليه مِلْكٌ له، إِلَّا أنَّه لا يجوزُ تَسْلِيمُه إليه؛ لأَنَّ الحَجْرَ أفادَ مَنْعَه مِن التَّصَرُّفِ، وكلامُ أحمدَ محْمولٌ على ما أَتْلَفَه العبدُ قبلَ تَسْليمِه، وعلى أنَّ عَدَمَ الرُّجوعِ عليها لا يَلْزَمُ منه جوازُ الدَّفْعِ إليه، فإنَّه لو رجَعَ عليها لرجَعتْ على العبدِ، وتعلَّقَ حقُّها برقبَتِه، وهى مِلْكٌ للسَّيِّدِ، فلا فائدةَ في الرُّجوعِ عليها بما يُرْجَعُ به [في مالِه] (٢). وإن سلَّمَتِ العِوَضَ إلى المَحْجورِ عليه، لم تَبْرَأْ (٣)، فإن أخَذَه الوَلِىُّ منه، بَرِئَتْ، وإن أتْلفَه أو تَلِفَ، كان لوَلِيِّه الرُّجوعُ عليها به. ٣٣٨٤ - مسألة: (وهل للأبِ خُلْعُ زَوْجةِ ابْنِه الصَّغيرِ أو طَلاقُها ؟

стр. 10530

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ على رِوايَتَيْنِ) إحْداهما، له ذلك. قال أحمدُ في رَجُلَين زوَّجَ أحدُهما ابْنَه بابنَةِ الآخَرِ، وهما صَغِيرانِ، ثم إنَّ الأبوَيْنِ كَرِها، هل لهما أن يَفْسَخا؟ قال: قد اخْتُلِفَ في ذلك. وكأنَّه رآه. قال أبو بكرٍ: لم يَبْلُغْنى عن أبى عبدِ اللَّهِ في هذه المسألةِ إلَّا هذه الرِّوايةُ. فتُخَرَّجُ على قوْلَيْنِ؛ أحدُهما، يَمْلِكُ ذلك. وهو قولُ عَطاءٍ، وقَتادَةَ؛ لأنَّها وِلاية يَسْتَفِيدُ بها تَمْلِيكَ البُضْعِ، فجازَ أن يَمْلِكَ بها إزالَتَه إذا لم يَكُنْ مُتَّهَمًا، كالحاكمِ يَمْلِكُ الطَّلاقَ على الصَّغيرِ والمَجْنونِ بالإِعْسارِ، وتَزْوِيجَ الصَّغيرِ. والقولُ الآخَرُ، لا يَمْلِكُ ذلك. وهو قولُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ، ومالكٍ؛ لقولِ

стр. 10531

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النَّبِىِّ ﷺ : «إنَّما الطَّلاقُ لمَن أخذَ بالسَّاقِ». روَاه ابنُ ماجه (١). وعن عمرَ أنَّه قال: إنَّما الطَّلاقُ [بيَدِ الَّذى] (٢) يَحِلُّ له الفَرْجُ (٣). ولأنَّه إسْقاطٌ لحقِّه، فلم يَمْلِكْه، كالإِبراءِ مِن الدَّيْنِ وإسْقاطِ القِصاصِ، ولأَنَّ طَرِيقَه الشَّهْوَةُ، فلم يدْخُلْ في الولايةِ (٤). والقولُ في زَوْجَةِ عبدِه الصَّغيرِ، كالقولِ في زوجةِ ابنِه الصَّغْيرِ؛ لأنَّه في مَعْناه. فأمَّا غيرُ الأبِ، فليس له (٥) تَطْليقُ امرأةِ المُوَلَّى عليه، سواءٌ كان ممَّن يَمْلِكُ التَّزْويجَ،

стр. 10532

وَلَيْسَ لَهُ خُلْعُ ابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ بِشَىْءٍ مِنْ مَالِهَا. ــ كَوَصِىِّ (١) الأبِ والحاكِمِ، على قولِ ابنِ حامِدٍ، أو لا يَمْلِكُه. لا نَعْلَمُ في هذا خلافًا. ٣٣٨٥ - مسألة: (وليس له خُلْعُ ابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ بشئٍ مِن مالِها) لأنَّه إنَّما يَمْلِكُ التصرُّفَ بما لَها فيه الحَظُّ، وليس في هذا حَظٌّ، بل فيه إسْقاطُ نفَقَتِها وكُسْوَتِها وبَذْلُ مالِها. ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَ ذلك إذا رأى الحظَّ فيه، فإنَّه يجوزُ أن يكونَ لها الحظُّ فيه بتَخْلِيصِها ممَّن يُتْلِفُ مالَها، وتَخافُ منه على نفْسِها وعَقْلِها، ولذلك لم يُعَدَّ بذْلُ (٢) المالِ في الخُلْعِ

стр. 10533

وَيَصِحُّ الْخُلْعُ مَعَ الزَّوْجَةِ وَمَعَ الأَجْنَبِىِّ، ــ تَبْذِيرًا ولا سَفَهًا، فيجوزُ له بَذْلُ مالِها لتَحْصيلِ حَظِّها ولحِفْظِ (١) نفْسِها ومالِها، كما (٢) يجوزُ له (٣) بذْلُه في مُداواتِها وفَكِّها مِن الأسْرِ. وهذا مذهبُ مالكٍ. والأبُ وغيرُه مِن أوْليائِها [في هذا] (٤) سواءٌ، إذا خالَعوا في حَقِّ المجْنونةِ والمَحْجُورِ عليها للسَّفَهِ والصِّغَرِ. فأمَّا إن خالعَ بشئٍ مِن مالِه، جازَ؛ لأنَّه يَجوزُ مِن الأجْنَبِىِّ، فمِن الوَلِىِّ أوْلَى. ٣٣٨٦ - مسألة: (وَيَصِحُّ الخُلْعُ مع الزَّوْجَةِ) وقد ذكَرْناه (و) يَصِحُّ (مع الأجْنَبِىِّ) بغيرِ إذْنِ المرأةِ، مثلَ أن يقولَ الأجْنَبِىُّ للزَّوْجِ: طَلِّقِ امْرأتَكَ بألْفٍ علَىَّ. وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ. وقال أبو ثَوْرٍ:

стр. 10534

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لا يَصِحُّ، لأنَّه سَفَهٌ، فإنَّه يبْذُلُ عِوَضًا في مُقابلَةِ ما لَا مَنْفَعَةَ له فيه، فإنَّ المِلْكَ لا يَحْصُلُ له، فأَشْبَهَ ما لو قال: بعْ عَبْدَكَ لزيدٍ بألْفٍ علىَّ. ولَنا، أنَّه بذْلُ مالٍ (١) في إسْقاطِ حَقٍّ عن غيرِه، فصَحَّ، كما لو قال: أعْتِقْ عَبْدَكَ وعلىَّ ثَمَنُه. ولأنَّه لو قال: ألْقِ مَتاعَكَ في البَحْرِ وعلىَّ ثَمَنُه. صَحَّ ولَزِمَه ثَمَنُه، مع أنَّه لا يُسْقِطُ حَقًّا عن أحَدٍ، فههُنا أوْلَى، ولأنَّه حَقٌّ على المرأةِ، يجوزُ أن يُسْقِطَه عنها بعِوَض، فجازَ لغيرِها، كالدَّيْنِ، وفارَقَ البيعَ؛ فإنَّه تَمْلِيكٌ، فلا يجوزُ بغيرِ رِضَا مَنْ يَثْبُت (٢) له المِلْكُ. وإن قال: طَلِّقِ امْرأَتَكَ بمَهْرِها وأنا ضَامِنٌ له. صَحَّ، ويَرْجِعُ (٣) عليه بمَهْرِها.

стр. 10535

وَيَصِحُّ بَذْلُ الْعِوَضِ فِيهِ مِنْ كُلِّ جَائِزِ التَّصَرُّفِ. ــ ٣٣٨٧ - مسألة: (ويَصِحُّ بذلُ العِوَضِ فيه مِن كلِّ جائزِ التَّصَرُّفِ) لأنَّه بذلُ عِوَضٍ في عَقْدِ (١) مُعاوَضَةٍ، أشْبَهَ الْبَيْعَ. فصل: إذا قالتْ له امرأتُه: طَلِّقْنِى وضَرَّتِى بأَلْفٍ. وطَلَّقَهما، وقعَ الطَّلاقُ بهما بائنًا، واسْتَحَقَّ الألْفَ على باذِلَتِه؛ لأَنَّ الخُلْعَ مِن الأجْنَبِىِّ جائزٌ. وإن طَلَّقَ إحْداهما، فقال القاضى: تَطْلُقُ طلاقًا بائِنًا، ويَلْزَمُ الباذِلَةَ بحِصَّتِها مِن الألْفِ. وهذا مذهبُ الشافعىِّ، إلَّا أنَّ بعضَهم قال: يَلْزَمُها مَهْرُ مِثلِ المُطَلَّقَةِ. وقياسُ قولِ أصْحابِنا فيما إذا قالت: طَلِّقْنِى ثلاثًا بألْفٍ. فطَلَّقَها واحدةً، لم يَلْزَمْها شئٌ، ووَقَعَتْ بها التَّطْليقَةُ، أن (٢) لا يَلْزَمَ الباذلةَ ههُنا شئٌ؛ لأنَّه لم يُجِبْها إلى ما سألتْ، فلم يَجِبْ عليها ما بذَلَتْ، ولأنَّه قد يكونُ غَرَضُها في بَيْنُونَتِهما حميعًا منه، فإذا طَلَّق إحْداهما لم يحْصُلْ غَرَضُها، فلا يَلْزَمُها عِوَضُها. فصل: فإن قالت: طلِّقْنِى بألْفٍ على أنَّ تُطَلِّقَ ضَرَّتِى -[أو- على أن لا تُطَلِّقَ ضَرَّتى] (٣). فالخُلْعُ صحيحٌ، والشَّرطُ والبَذْلُ لازِمٌ. وقال الشافعىُّ: الشَّرطُ والعِوَضُ باطلانِ، ويَرْجِعُ إلى مَهْرِ المِثْلِ؛ لأَنَّ الشَّرطَ

стр. 10536

وَإِنْ خَالَعَتِ الْأَمَةُ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهَا عَلَى شَىْءٍ مَعْلُومٍ، كَانَ فِى ذِمَّتِهَا تُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ. ــ سَلَفٌ في الطَّلاقِ، والعِوَضُ بعضه (١) في مُقابَلَةِ الشَّرطِ الباطلِ، فيكونُ الباقى مجهولًا. وقال أبو حنيفةَ: الشَّرطُ باطلٌ والعِوَضُ صحيحٌ؛ لأَنَّ العَقْدَ يسْتَقِلُّ بذلك العِوَضِ. ولَنا، أنَّها بذَلَتْ عِوَضًا في طَلاقِها وطَلاقِ ضَرَّتِها، فصَحَّ، كما لو قالت: طَلِّقْنِى وضَرَّتِى بألْفٍ. فإن لم يَفِ لها بشَرْطِها، فعليه الأَقَلُّ مِنَ المُسَمَّى أو الألْفِ الذى شَرَطَتْه. ويَحْتَمِلُ أن لا يَسْتَحِقَّ شيئًا مِن العِوَضِ؛ لأنَّها إنَّما بَذَلَتْه بِشَرْطٍ لم يُوجَدْ، فلم يسْتَحِقَّه، كما لو طَلَّقَها بغيرِ عِوَضٍ. ٣٣٨٨ - مسألة: (فإن خَالَعَتِ الأمَةُ على شئٍ معْلُوم بغيرِ إذْنِ سَيِّدِها، كان فِى ذِمَّتِها، تُتْبَعُ به بعدَ الْعِتْقِ) الخُلْعُ مع الأمَةِ صحيحٌ، سواءٌ كان بإذْنِ سَيِّدِها أو بغيرِ إذْنِه؛ لأَنَّ الخُلْعَ يَصِحُّ مع الأجْنَبِى، فمع الزَّوْجَةِ أَوْلَى، ويكونُ طلاقُها على عِوَضٍ بائنًا، والخُلْعُ معها كالخُلْعِ مع الحُرَّةِ سَواءً. فإن كان الخُلْعُ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِها على شئٍ في ذِمَّتِها،

стр. 10537

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فإنَّه يَتْبَعُها إذا عتَقَتْ؛ لأنَّه رَضِىَ بذِمَّتِها. وإن كان على عَيْنٍ، فقال الخِرَقِىُّ: إنَّه يَثْبُتُ في ذِمَّتِها مِثْلُه، أو قِيمتُه إن لم يكُنْ مِثْلِيًّا؛ لأنَّها لا تَمْلِكُ العَيْنَ، وما في يَدِها مِن شئٍ فهو لسَيِّدِها، فيَلْزَمُها بَدَلُه (١)، كما لو خالَعَها على عبدٍ فخرجَ حُرًّا أو مُستَحَقًّا. وقياسُ المذهبِ أنَّه لا شئَ له؛ لأنَّه إذا خالَعَها على عَيْنٍ وهو يَعْلَمُ أنَّها أمَةٌ، فقد عَلِمَ أنَّها لا تَمْلِكُ العَيْنَ، فيكونُ راضِيًا بغيرِ عِوَضٍ، فلا يكونُ له شئٌ، كما لو قال: خالَعْتُكِ على هذا المغْصُوبِ -أو- هذا الحُرِّ. وكذلك ذَكَر القاضى في «المُجَرَّدِ»، قال: هو كالخُلْعِ على المغْصوبِ؛ لأنَّها لا تَمْلِكُها. وهذا قولُ مالكٍ. وقال الشافعىُّ: يَرْجِعُ عليها بمَهْرِ المِثْلِ. كقولِه في الخُلْعِ على الحُرِّ والمغْصوبِ. ويُمْكِنُ حملُ كلامِ الْخِرَقِىِّ على أنَّها ذَكرَت

стр. 10538

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لزَوْجِها أنَّ سَيِّدَها أَذِنَ لها في ذلك، ولم تكُنْ صادِقَةً، أو جَهِلَ أنَّها لا تَمْلِكُ العَيْنَ، أو يكونُ اخْتِيارُه فيما إذا خالَعَها على مغْصوبٍ؛ أنَّه يَرْجِعُ عليها بقِيمَتِه. ويكونُ الرُّجوعُ عليها في حالِ عِتْقِها؛ لأنَّه الوقتُ الذى تَمْلِكُ فيه، فهى (١) كالمُعْسِرِ يُرْجَعُ عليه في حالِ يَسارِه، ويُرْجَعُ بقِيمَتِه أو مِثْلِه؛ لأنَّه مُسْتَحَقٌّ تَعَذَّرَ (٢) تَسْليمُه مع بقاءِ سَبَبِ الاسْتِحْقاقِ، فَوجبَ الرُّجوعُ بمِثْلِه أو قِيمَتِه، كالمغْصُوبِ. فصل: فإن كان الخُلْعُ بإذْنِ السَّيِّدِ، تعَلَّقَ العِوَضُ بذِمَّتِه، في قياسِ المذهبِ، كما لو أذِنَ لعَبْدِه في أنَّ يَسْتَدِينَ. ويَحْتَمِلُ أنَّ يتعَلَّقَ برَقَبَةِ الأمَةِ، بِناءً على اسْتِدانَتِها (٣) بإذْنِ سَيِّدِها. وإن خالَعَتْ على مُعَيَّنٍ بإذْنِ السَّيِّدِ

стр. 10539

وَإِنْ خَالَعَتْهُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهَا، لَمْ يَصِحَّ الْخُلْعُ، وَوَقَعَ طَلَاقُهُ رَجْعِيًّا. ــ فيه، مَلَكَه. وإن أَذِنَ في قَدْرٍ مِن المالِ فخالَعَتْ بأكثرَ منه، فالزِّيادةُ في ذِمَّتِها. وإن أطْلَقَ الإِذْنَ، اقْتَضَى الخُلْعَ بالمُسَمَّى لها، فإن خالعَتْ به أو بما دُونَه، لَزِمَ السَّيِّدَ (١)، وإن كان بأكثرَ منه تعلَّقَتِ الزِّيادةُ بذِمَّتِها، كما لو عَيَّنَ لها قَدْرًا فخالَعَتْ بأكثرَ منه. وإن كانت مأْذونًا لها في التِّجارةِ، سَلَّمَتِ العِوَضَ ممَّا في يَدِها. فصل: والحُكْمُ في المُكاتَبةِ (٢)، كالحُكْمِ في الأمَةِ القِنِّ سَواءً؛ لأنَّها لا تَمْلِكُ التَّصرُّفَ فيما في يَدِها بتَبَرُّع وما لا حَظَّ فيه، وبَذْلُ المالِ في الخُلْعِ لا فائدةَ فيه مِن حيثُ تحْصيلُ المالِ، بل فيه ضَرَرٌ بسُقوطِ نَفَقَتِها، وبعْضِ مَهْرِها إن كانت غيرَ مَدْخُولٍ بها. وإذا كان الخُلْعُ بغيرِ إذْنِ السَّيِّدِ، فالعِوَضُ في ذِمَّتِها، يَتْبَعُها به بعدَ العِتْقِ، وإن كان بإذْنِ السَّيِّدِ، سَلَّمَتْه ممّا (٣) في يَدِها، وإن لم يَكُنْ في يَدِها شئٌ، فهو على سَيِّدِها. ٣٣٨٩ - مسألة: (وإن خالَعَتْه المَحْجُورُ عليها، لم يَصِحَّ الخُلْعُ، ووَقَع طَلاقُه رَجْعِيًّا) أمَّا المَحْجُورُ عليها للفَلَسِ، فَيَصِحُّ خُلْعُها وَبَذْلُها

стр. 10540

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ للعِوَضِ؛ لأَنَّ لها ذِمَّةً يَصِحُّ تَصرُّفُها فيها، ويَرْجِعُ عليها بالعِوَضِ إذا أيْسرَتْ وفُكَّ الحَجْرُ عنها، وليس له مُطالبَتُها في حالِ حَجْرِها، كما لو اسْتَدانَتْ منه، أو باعَها شيئًا في ذِمَّتِها. وأمَّا المَحْجُورُ عليها لِسَفَهٍ أو صِغَر أو جُنُونٍ، فلا يَصِحُّ بَذْلُ العِوَضِ منها في الخُلْعِ؛ لأنَّه تَصرُّفٌ في المالِ، وليس هى مِن أهلِه، وسواءٌ أَذِنَ فيه الوَلِى أو لم يَأْذَنْ؛ لأنَّه ليس له الإِذْنُ في التَّبَرُّعاتِ، وهذا كالتَّبَرُّعِ. وفَارقَ الأمةَ؛
следующие страницы →