← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 10851–10890 · переход к 10856.

стр. 10851

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ابنُ يحيى، والفَضْلُ بنُ زِيادٍ القَطَّانُ، فبذلك أقولُ. وَوجْهُه أنَّ الرُّوحَ ليستْ عُضْوًا، ولا شَيْئًا يُسْتَمْتَعُ به.

стр. 10852

فَصْلٌ فِيمَا تُخَالِفُ بِهِ الْمَدْخُولُ بِهَا غَيْرَهَا إِذَا قَالَ لمَدْخُولٍ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ. طَلُقَتْ طَلْقَتَيْنِ، إِلَّا أَنْ يَنْوِىَ بِالثَّانِيَةِ التَّأْكِيدَ أَوْ إِفِهَامَهَا. ــ فصل فيما تُخالِفُ به المَدْخولُ بها غيرَها ٣٤٩٦ - مسألة: (إذا قال لمَدْخُولٍ بِها: أنتِ طالِقٌ، أنْتِ طَالِقٌ. طَلُقَتْ طَلْقَتَيْنِ، إلَّا أَنْ يَنْوِىَ بالثَّانِيَةِ التَّأْكِيدَ أَوْ إفْهَامَهَا) إذا قال لامرأتِه المدْخولِ بها: أنْتِ طالقٌ. مَرَّتَيْنِ. ونَوَى بالثَّانيةِ إيِقاعَ طَلْقةٍ ثانيةٍ، وقَعَتْ بها طَلْقَتانِ بلا خلافٍ، وإن نَوَى بها إفْهامَها أنَّ الأُولَى قد وَقَعَت بها، أو التَّأْكِيدَ، لم تَطْلُقْ إلَّا واحدةً، وإن لم تَكُنْ له نيَّةٌ وقعَتْ طَلْقتانِ. وبه قال أبو حنيفةَ، ومالكٌ. وهو الصَّحيحُ مِن قَوْلَى (١) الشافعىِّ. وقال في الآخَرِ: تَطْلُقُ واحدةً؛ لأَنَّ التَّكْرارَ يكونُ للتَّأْكِيدِ والإِفْهامِ، ويَحْتَمِلُ الإِيقاعَ، فلا نُوقِعُ طَلْقةً بالشَّكِّ. ولَنا، أنَّ هذا اللَّفْظَ للإِيقاعِ، ويَقْتَضِى الوُقوعَ، بدليلِ ما لو لم (٢) يَتَقدَّمْه مثلُه، وإنَّما يَنْصَرِفُ عن ذلك بنيَّةِ

стр. 10853

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ التَّأْكِيدِ والإِفْهامِ، فإذا لم يُوجَدْ ذلك وقَعَ مُقْتضاهُ, كما يجبُ العَمَلُ (١) بالعُمومِ في العامِّ إذا لم يُوجَدِ المُخَصِّصُ، وبالإِطْلاقِ في المُطْلَقِ إذا لم يُوجَدِ المُقَيِّدُ. فأمَّا غيرُ المدْخولِ بها، فلا تَطْلُقُ إلَّا واحدةً، سَواءٌ نَوَى الإِيقاعَ أو غيرَه، وسَواءٌ قال ذلك مُنْفَصِلًا أو مُتَّصِلًا. وهذا قولُ عِكْرِمَةَ، والنَّخَعِىِّ، وحَمَّادِ بنِ أبى سليمانَ، والحَكَمِ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وأصْحابِ الرَّأْى، وأبى عُبَيْدٍ، وابنِ المُنْذِرِ. وذكَرَه الحَكَمُ (٢) عن علىٍّ، وزيدِ بنِ ثابتٍ، وابنِ مسعودٍ. وقال مالكٍ، والأوْزاعِىُّ، واللَّيْثُ: يقَعُ بها طَلْقَتانِ، وإن قال ذلك ثلاثًا، طَلُقَتْ ثلاثًا، إذا كان مُتَّصِلًا؛ لأنَّه طَلَّقَ ثلاثًا بكَلامٍ مُتَّصِلٍ، أشْبَهَ قولَه: أنتِ طالقٌ ثلاثًا. ولَنا، أنَّه طَلاقٌ مُفَرَّقٌ في غيرِ المدْخولِ بها، فلم يَقَعْ إلَّا

стр. 10854

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الأُولَى, كما لو فَرَّقَ كلامَه، ولأَنَّ غيرَ المدْخُولِ بها تَبينُ بطَلْقَةٍ؛ لأنَّه لا عِدَّةَ عليها، فتُصادِفُها الطَّلْقَةُ الثَّانيةُ بائنًا، فلا يَقَعُ الطَّلاقُ بها؛ لأنَّها غيرُ زَوْجةٍ، ولأنَّه قولُ مَن سَمَّيْنا مِن الصَّحابةِ، ولا نَعْلَمُ لهم مُخالفًا في عَصْرِهم، فيكونُ إجْماعًا. فصل: فأمَّا إن قال: أنتِ طالقٌ. ثم مَضَى زمنٌ طويلٌ، ثم أعادَ ذلك للمَدْخولِ بها، طَلُقَتْ ثانيةً، ولم يُقْبَلْ قولُه: نوَيْتُ التَّوْكِيدَ. لأَنَّ التَّوْكِيدَ تابعٌ للكلامِ، فشَرْطُه أن يكونَ مُتَّصِلًا به، كسائرِ التَّوابعِ؛ مِن العطْفِ والصِّفَةِ والبَدَلِ.

стр. 10855

وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فَطَالِقٌ. أَوْ: ثُمَّ طَالِقٌ. أَوْ: بَلْ طَالِقٌ. أَوْ: طَالِقٌ طَلْقَةً بَلْ طَلْقَتَيْنِ. أَوْ: بَلْ طَلْقَةً. أَوْ: طَالِقٌ طَلْقَةً بَعْدَهَا طَلْقَةٌ. أَوْ: قَبْلَ طَلْقَةٍ. طَلُقَتْ طَلْقَتَيْنِ. وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدخُولٍ بِهَا، بَانَتْ بِالأُولَى، وَلَمْ يَلْزَمْهَا مَا بَعْدَهَا. ــ ٣٤٩٧ - مسألة: (وإن قال: أنْتِ طالِقٌ فطالِقٌ. أو: ثم طَالِقٌ. أو: طَالِقٌ طَلْقَةً بل طَلْقَتَيْنِ. أو: بل طَلْقَةً. أو: طَالِقٌ طَلْقَةً بَعْدَها طَلْقَةٌ. أو: قَبْلَ طَلْقَةٍ. طَلُقَتْ طَلْقَتَين) إن كانت مَدْخُولًا بها (وإن كانت غيرَ مَدْخُولٍ بها، بانَتْ بالأُولَى، ولم يَلْزَمْهَا ما بعدَها) وعنه فيما إذَا قَالَ:

стр. 10856

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً بل طَلْقَةً. أَوْ: طالِقٌ بل طالِقٌ. أنَّه لا يَقَعُ بالمَدْخُولِ بِها إلَّا طَلْقَةٌ، بِناءً على ما إذا قال: له عَلَىَّ دِرْهَمٌ بل دِرْهَمٌ. ذَكَرَه في «المُحَرَّرِ». كُلُّ طلاقٍ مُرَتَّبٍ في الوُقوعِ يَأتى بعْضُه بعدَ بعضٍ، لا يقَعُ بغيرِ المدْخولِ بها منه أكْثَرُ مِن واحدةٍ؛ لِما ذَكَرْناه. ويقَعُ بالمدْخولِ بها ثلاثٌ إذا أوْقَعَها، كقولِه: أنْتِ طالقٌ، فطالِقٌ، فطالقٌ (١). أو: أنْتِ طالقٌ، ثم طالِقٌ، [ثم طالقٌ] (٢). أو: أنتِ طالقٌ، [ثم طالقٌ، وطالقٌ] (٢).

стр. 10857

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أو: فطالقٌ. وأشْباهُ ذلك؛ لأَنَّ هذه حروفٌ تَقْتَضِى التَّرْتِيبَ، فتَقَعُ بها الأُولَى فتُبِينُها، فتَأتِى الثَّانيةُ فتُصادِفُها بائنًا غيرَ زَوْجةٍ، فلا تَقَعُ بها. وأمَّا المدْخولُ جمها فتأْتِى الثَّانيةُ فتصادِفُ (١) محِلَّ النِّكاحِ، فتَقَعُ، وكذلك الثَّالثةُ. وكذلك لو قال: أنتِ طالقٌ، بل طالقٌ، وطالقٌ. ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ. وإن قال: أنتِ طالقٌ طلقةً قبلَ طَلْقةٍ. أو: بعدَ طَلْقةٍ. أو:

стр. 10858

وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً قَبْلَهَا طَلْقَةٌ. فَكَذَلِكَ عِنْدَ الْقَاضِى. وَعِنْدَ أَبِى الْخَطَّابِ, تَطْلُقُ طَلْقَتَيْنِ. ــ بعدَها طَلْقةٌ. أو: طلقةً فطلقةً. أو: طَلْقةً ثم طَلْقةً. وقَعَ بغيرِ المدْخولِ بها طَلْقَةٌ، وبالمدْخولِ بها اثْنَتانِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن أنَّ هذا يَقْتَضِى طَلْقةً بعدَ طَلْقةٍ. ٣٤٩٨ - مسألة: (وَإن قالَ: أنتِ طَالِقٌ طَلْقَةً قبلَها طَلْقَةٌ. فكذلِكَ عندَ القَاضِى) وهو ظاهِرُ مذهبِ الشافعىِّ. وقال بعضُهم: لا

стр. 10859

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يقعُ بغيرِ المدْخولِ بها شئٌ. بِنَاءً على قوْلِهم في السُّرَيْجِيَّةِ (١). وقال أبو بكرٍ، وأبو الخَطَّابِ: يقَعُ اثْنَتانِ. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه اسْتحالَ (٢) وُقوعُ الطَّلْقَةِ الأُخْرَى قَبْلَ الطَّلْقَةِ المُوقَعَةِ، فوقَعَتْ معها؛ لأنَّها لَمَّا تأَخَّرَت عن الزَّمنِ الذى قَصَد إيقاعَها فيه لكَوْنِه زمنًا ماضِيًا، وَجَبَ إيقاعُها في أقْرَبِ الأزْمِنَةِ، وهو معها، ولا يَلْزَمُ تأَخُّرُها إلى ما بعدَها؛ لأَنَّ قبلَه زمَنًا يُمْكِنُ الوُقوعُ فيه، وهو زَمنٌ قَرِيبٌ، فلا يُؤَخَّرُ إلى البَعيدِ. ولَنا، أنَّ هِذا طَلاقٌ بعْضُه قبلَ بعضٍ، فلم يقَعْ بغيرِ المدْخولِ بها جَميعُه, كما لو قال: طَلْقةً بعدَ طلقةٍ. أو قال: أنتِ طالقٌ طلقةً غدًا وطَلْقةً اليومَ. ولو قال: جاءَ زيدٌ بعدَ عمرٍو، أو: جاء زيدٌ وقبلَه عمرٌو. أو: أعْطِ زيدًا بعدَ عمرٍو. كان كلامُه صحيحًا، يُفِيدُ تأخيرَ المُتقدِّمِ لفظًا عن المذْكُورِ بعدَه، وليس هذا طَلاقًا في زَمَنٍ ماضٍ، وإنَّما يقَعُ إيقاعُه في المُسْتَقْبَلَ على الوَجْهِ الذى رَتَّبَه، ولو قُدِّرَ أنَّ إحْداهما مُوقَعَةٌ

стр. 10860

وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً مَعَهَا طَلْقَةٌ. أَوْ: مَعَ طَلْقَةٍ. أَوْ: طَالِقٌ وَطَالِقٌ. طَلُقَتْ طَلْقَتَيْنِ. ــ في زمنٍ ماضٍ، لامْتَنَعَ وُقوعُها وحدَها (١) وَوَقَعَتِ الأُخْرَى، وهذا تعليلُ القاضى؛ لكَوْنِه لا يَقَعُ إلَّا واحدةٌ. قال شيْخُنا (٢): والأَوَّلُ مِن التَّعْلِيلِ (٣) أصَحُّ، إن شاءَ اللَّه تعالى. ٣٤٩٩ - مسألة: (وإن قال: أنْتِ طالِقٌ طَلْقَةً معها طَلْقَةٌ. أو: مع طَلْقَةٍ. أو: طَالِقٌ وطالِقٌ. طَلُقَتْ طَلْقَتَيْنِ) إذا قال: أنتِ طالقٌ طَلْقَةً معها طلقةٌ. وقعَ بها طَلقَتانِ، سواءٌ في ذلك المدْخولُ بها أو غيرُها. وإن قال: معها اثْنَتانِ. وقَعَ بها ثلاثٌ، في قياسِ المذهبِ. وهو أحَدُ الوَجْهَيْنِ لأصْحابِ الشافعىِّ. وقال أبو يُوسفَ: تقَعُ واحدةٌ؛ لأَنَّ الطَّلْقَةَ إذا وَقَعَت مُفْرَدَةً، لم يُمْكِنْ أن يكونَ معها شئٌ. ولَنا، أنَّه أوْقَعَ ثَلاثَ طَلَقاتٍ بلَفْظٍ يَقْتَضِى وُقُوعَهُنَّ معًا، فوقَعْنَ كلُّهُنَّ, كما لو قال: أنتِ طالقٌ، ثلاثًا. ولا نُسَلِّمُ أنَّ الطَّلْقَةَ تَقَعُ مُفْرَدَةً، فإنَّ الطَّلاقَ لا يَقَعُ بمُجَرَّدِ اللَّفْظِ به، إذْ لو وقَعَ بذلك، لَما صَحَّ تَعْلِيقُه بشَرْطٍ، ولا صَحَّ وَصْفُه بالثَّلاثِ ولا بغيرِها.

стр. 10861

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: إذا قال لغيرِ مَدْخولٍ بها: أنتِ طالقٌ وطالقٌ. وقَعَتْ بها (١) طَلقَتانِ. وإن قال: أنتِ طَالقٌ وطَالِقٌ وطالقٌ. طَلُقَتْ ثلاثًا. وبه قال مالكٌ، والأوْزاعِىُّ، واللَّيْثُ، ورَبِيعةُ، وابنُ أبى لَيلَى. وحُكِىَ عن الشافعىِّ في القديمِ ما يَدُلُّ عليه. وقال الثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ: لا يقَعُ إلَّا واحدةٌ؛ لأنَّه أوْقَعَ الأُولَى قبلَ الثَّانيةِ، فلم يَقَعْ عليها شئٌ آخَرُ, كما لو فَرَّقَها. وذكَرَه ابنُ أبى موسى، في «الإِرْشادِ» وَجْهًا في المذهبِ. ولَنا، أنَّ الواوَ تَقْتضِى الجَمْعَ، ولا تَرْتِيبَ فيها، فيكونُ مُوقِعًا للثَّلاثِ جَمِيعًا، فيَقَعْنَ عليها، كقولِه: أنتِ طالقٌ ثلاثًا. أو: طَلْقَةً معها طَلْقتانِ. ويُفارِقُ ما إذا فَرَّقَها، [فإنَّها لا تَقَعُ] (٢) جميعًا، وكذلك إذا عَطَفَ بعْضَها على بعضٍ بحرفٍ يَقْتَضِى التَّرْتِيبَ، فإنَّ الأُولَى تَقَعُ قبلَ الثَّانيةِ بمُقتَضَى إيقاعِه، وههُنا لا تَقَعُ الأُولَى حينَ نُطْقِه بها حتى يَتِمَّ كلامُه، بدَليلِ أنَّه لو ألْحَقَه اسْتِثْناءً أو شرْطًا، لَحِقَ به، ولم يَقَعِ الأَوَّلُ مُطْلَقًا، ولو كان يقَعُ حينَ نُطْقِه، لم يَلْحَقْه شئٌ مِن ذلك، وإذا ثَبَتَ أنَّه يَقِفُ وُقوعُه على

стр. 10862

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَمامِ الكَلامِ، فإنَّه يقعُ عندَ تَمامِ كلامِه على الوَجْهِ الذى اقْتَضاه لَفْظُه، ولَفْظُه يَقْتَضِى وُقوعَ الطَّلَقاتِ الثلاثِ مُجْتَمِعاتٍ. فإن قيلَ: إنَّما وقَفْنَا (١) أوَّلَ، الكلامِ على آخرهِ مع الشَّرْطِ والاسْتِثْناءِ؛ لأنَّه مُغَيِّرٌ (٢) له، والعَطْفُ لا يُغَيِّرُ (٣)، فلا يتَوَقَّفُ عليه، ونَتَبَيَّنُ أنَّه وقَعَ أوَّلَ ما لَفَظَ به، ولذلك (٤) لو قال لها: أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ. لم يَقَعْ إلَّا واحدةٌ. قُلْنا: ما لم يَتِمَّ الكلامُ فهو عُرْضةٌ للتَّغْييرِ، إمَّا بما يَخُصُّه بزَمنٍ، أو يُقَيِّدُه بقيدٍ كالشَّرْطِ، وإمَّا بما يَمْنَعُ بعضَه كالاسْتِثْناءِ، وإمَّا بما يُبَيِّنُ عددَ الواقعِ، كالصِّفَةِ بالعَدَدِ، وأشْباهِ هذا، فيَجِبُ أن يكونَ واقعًا، ولولا ذلك لَما وقَعَ بغيرِ المدْخولِ بها ثلاثٌ بحالٍ؛ لأنَّه لو قال لها: أنت طالقٌ ثلاثًا. فوقعَتْ بها طَلقَةٌ قبل قولِه: ثلاثًا. لم يُمْكِنْ أن يقعَ شئٌ آخَرُ. وأمَّا إذا قال: أنتِ طالقٌ، أنتِ طالقٌ (٥). فهاتانِ جُمْلَتانِ لا تَتعلَّقُ إحْداهما بالأُخْرَى، ولو تَعَقَّبَ إحْداهما شرطٌ أو اسْتِثْناءٌ أو صِفَةٌ، لم يَتناوَلِ الأُخْرَى، فلا وَجْهَ لوُقوفِ إحْداهما على الأُخْرَى، والمعطوفُ مع المعطوفِ عليه شئٌ واحدٌ، لو تَعَقَّبَه شَرْط لَعادَ إلى الجميعِ، ولأَنَّ

стр. 10863

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المعْطوفَ لا يَسْتَقِلُّ بنَفْسِه، ولا يُفِيدُ بمُفْردِه، بخلافِ قولِه: أنتِ طالقٌ. فإنَّها جُمْلَةٌ مُفيدَةٌ لا تَعَلُّقَ. لها بالأُخْرَى، فلا يَصِحُّ قياسُها عليها. فصل: فإن قال: أنتِ طالقٌ طَلْقَتين ونِصْفًا. فهى عندَنا كالتى قبلَها، تَقَعُ الثَّلاثُ. وقال مُخالِفُونا: تَقَعُ طَلْقتانِ. فصل: وإذا قال: أنتِ طالقٌ طَلْقَةً بعدَها طلْقةٌ. ثم قال: أرَدْتُ أن أُوقِعَ بعدَها طلقةً. دُيِّنَ. وهل يُقْبَلُ في الحُكْمِ؟ يُخَرَّجُ على رِوايَتَيْن. وإن قال: أنتِ طالقٌ طَلْقَةً قبلَها طَلْقةٌ. وقال: أرَدْتُ أنِّى طَلَّقتُها قبلَ هذا في نِكاحٍ آخَرَ. أو: أنَّ زَوْجًا قَبْلِى طَلَّقَها. دُيِّنَ. وهل يُقْبَلُ في الحُكْمِ؟ فيه ثلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحدُها، يُقْبَلُ. والثانى، لا يُقْبَلُ. والثالثُ، يُقْبَلُ إن كان وُجِدَ. والصَّحِيحُ أنَّه لا يُقْبَلُ إذا لم يَكُنْ وُجِدَ؛ لأنَّه لا يَحْتَمِلُ ما قالَه. فصل: فإن قال: أنتِ طالقٌ طالقٌ طالقٌ. وقال: أرَدْتُ التَّوْكِيدَ. قُبِلَ منه؛ لأَنَّ الكلامَ يُكَرَّرُ للتَّأْكيدِ، كقولِه ﵇: «فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ» (١). وإن قَصَدَ الإِيقاعَ وتَكَرُّرَ اللَّفَظَاتِ (٢) طَلُقَتْ ثلاثًا. وإن لم يَنْوِ شيئًا، لم يَقَعْ إلَّا واحدةٌ؛ لأنَّه لم يَأْتِ بينَهما بحرفٍ يَقْتَضِى المُغايَرَةَ، فلا تَكُنَّ مُتَغايرَاتٍ. وإن قال: أنتِ طالقٌ وطالقٌ وطالقٌ. وقال: أرَدْتُ بالثَّانيةِ التَّأْكيدَ. لم يُقْبَلْ؛ لأنَّه غايرَ بينَها وبينَ الأُولَى بحرفٍ يَقْتَضِى العطفَ والمُغايرَةَ، وهذا يَمْنَعُ. وأمَّا الثَّالثةُ، فهى

стр. 10864

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كالثَّانيةِ في لَفْظِها. فإن قال: أردتُ بها التَّوْكيدَ. دُيِّنَ، وهَلْ يُقْبَلُ في الحُكْمِ؟ على رِوايَتيْنِ؛ إحْداهما، يُقْبلُ. وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه كَرَّرَ لفظَ الطَّلاقِ مثلَ الأَوَّلِ، فقُبِلَ تَفْسِيرُه بالتَّأْكيدِ، كما لو قال: أنتِ طالقٌ، أنتِ طالقٌ. والثَّانيةُ، لا يُقْبَلُ؛ لأَنَّ حوفَ العَطْفِ للمُغايَرَةِ، فلا يُقْبَلُ منه ما يُخالِفُ ذلك, كما لا يُقْبَلُ في الثَّانيةِ. ولو قال: أنتِ طالقٌ فطالقٌ فطالقٌ. أو: أنتِ طالقٌ، ثم طالقٌ، ثم طالقٌ. فالحُكْمُ فيها كالتى عَطَفَها بالواوِ. فإن غايرَ بينَ الحروفِ فقال: أنتِ طالقٌ وطالقٌ، ثم طالقٌ. [أو: طالقٌ، ثم طالقٌ وطالقٌ. أو] (١): طالقٌ [وطالقٌ] (٢) فطالقٌ. ونحو ذلك، لم يُقْبَلْ في شئٍ منها إرادةُ التَّوْكيدِ؛ لأَنَّ كُلَّ كلمةٍ مُغايِرَةٌ لِما قبلَها، مُخالِفةٌ لها في لَفْظِها، والتَّوْكيدُ إنَّما يكونُ بتَكْريرِ الأَوَّلِ بصُورَتِه (٣). فصل: فإن قال: أنتِ مُطَلَّقةٌ، أنتِ مُسَرَّحَةٌ، أنتِ مُفارَقَةٌ. وقال: أردتُ التَّوْكيدَ بالثَّانيةِ والثَّالثةِ. قُبِلَ؛ لأنَّه لم يُغايِرْ بينَهما بالحروفِ الموْضوعَةِ للمُغايرَةِ بينَ الألْفاظِ، بل أعادَ اللَّفْظَةَ بمَعْناها، ومثلُ هذا يُعادُ تَوْكيدًا. وإن قال: أنتِ مُطلَّقةٌ (٤) ومُسَرَّحَةٌ ومُفارَقَةٌ. وقال: أردْتُ التَّوْكيدَ. احْتَمَلَ أن يُقْبَلَ منه؛ لأَنَّ اللَّفْظَ المُخْتَلِفَ يُعْطَفُ بعضُه على

стр. 10865

وَالْمُعَلَّقُ كَالْمُنْجَزِ في هَذَا، ــ بعضٍ تَوْكيدًا، كقولِه (١): * فأَلْفَى (٢) قَوْلَها كذِبًا وَمَيْنَا * ويَحْتَمِلُ أن لا يُقْبَلَ؛ لأَنَّ الواوَ تَقْتَضِى المُغايرةَ، فأشْبَهَ ما لو كان بلفظٍ واحدٍ. ٣٥٠٠ - مسألة: (وَالمعَلَّقُ كالمُنْجَزِ) في حُكْمِ المَدْخُولِ بِهَا وغيرِها، فلو قال: إن دَخَلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالقٌ وطالقٌ [وطالقٌ] (٣). فدخَلتِ الدَّارَ، طَلُقَتْ ثلاثًا. وبه قال أبو يُوسفَ، ومحمدٌ، وأصحابُ الشافعىِّ، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ. وقال أبو حنيفةَ: يقَعُ واحدةٌ؛ لأَنَّ الطَّلاقَ المُعَلَّقَ (٤) إذا وُجِدَتِ الصِّفَةُ، يكونُ كأنَّه أوْقَعه في الحالِ على تلك الصِّفَةِ، ولو أوْقَعَه كذلك لم يقَعْ إلَّا واحدةٌ. ولَنا، أنَّه وُجِدَ شَرْطُ وُقوعِ ثلاثِ طَلَقاتٍ غيرِ مُرَتَّباتٍ، فوقَع الثَّلاثُ, كما لو قال: إن دَخلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالقٌ. وكَرَّرَ ذلك ثلاثًا، فدَخَلَتْ، فإنَّها تَطْلُقُ ثلاثًا في قولِ الجميعِ.

стр. 10866

فَلَوْ قَالَ لَهَا: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ. أو: طَالِقٌ طَلْقَةً مَعَهَا طَلْقَةٌ. أَوْ: مَعَ طَلْقَةٍ. فَدَخَلَتْ، طَلُقَتْ طَلْقَتَيْنِ. ــ ٣٥٠١ - مسألة: (وإن قال: إن دَخلْتِ الدَّارَ فَأنْتِ طالقٌ طَلْقَةً معها طَلْقَةٌ. فَدَخَلَت، طَلُقَتْ طَلْقَتَيْنِ) وذَكَرَ مِثْلَ هذَا بَعْضُ أصحابِ الشافعىِّ، ولم يحْك عنهم فيه خِلافًا. وكذلِك إذا قال: طَلْقَةً مع طَلْقَةٍ. فَدَخَلَتْ.

стр. 10867

وَإِنْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَطَالِقٌ، أَوْ: ثُمَّ طَالِقٌ. فَدَخَلَتْ، طَلُقَتْ طَلْقَةً وَاحِدَةً، إِنْ كَانَتْ غَيْئرَ مَدْخُولٍ بِهَا. وَاثْنَتَيْنِ إِنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا. ــ ٣٥٠٢ - مسألة: وإن قَالَ لِغَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا: أنْتِ طالقٌ ثم طالقٌ ثُمَّ طالقٌ، إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ. أو (١): إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فأنْتِ طالقٌ فطالقٌ فطالقٌ. فَدَخَلَتْ، طَلُقَتْ واحِدَةً، فَبَانَتْ بِهَا، ولَمْ تَطْلُقْ غَيْرَهَا. وبهذا قال الشافعىُّ. وذهَبِ القاضى إلى أنَّها تَطْلُقُ في الحالِ واحدةً، تَبِينُ بها. وهو قولُ أبى حنيفةَ في الصُّورَةِ الأُولَى، لأَنَّ «ثُمَّ» تَقْطَعُ الأُولَى عمَّا بعدَها؛ لأنَّها (٢) للمُهْلَةِ، فتكونُ الأُولَى واقِعَةً، والثانيةُ مُعَلَّقَةً بالشَّرْطِ. وقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ: لا يقعُ حتى تَدْخُلَ الدَّارَ، فيقَعُ بها ثلاثٌ؛ لأَنَّ دُخولَ الدَّارِ شَرْطٌ للثَّلاثِ، فوقَعَتْ, كما لو قال: إن دخَلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالقٌ وطالقٌ وطالقٌ. ولَنا، أنَّ «ثُمَّ» للعَطْفِ، وفيها تَرْتيبٌ، فَتَعلَّقَتِ التَّطْليقاتُ كلُّها بالدُّخولِ، لأَنَّ العَطْفَ لا يَمْنَعُ تَعَلُّقَ الشَّرْطِ بالمعْطوفِ عليه، ويجبُ التَّرْتِيبُ فيها, كما يجبُ لو لم يُعَلِّقْه بالشَّرْطِ، وفى هذا انْفِصالٌ عمَّا ذكَرُوه، ولأَنَّ الأُولَى تَلِى

стр. 10868

وَإِنْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، إِنْ دَخَلْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ. فَدَخَلَتْ، طَلُقَتِ اثْنَتَيْنِ بِكُلِّ حَالٍ. ــ الشَّرْطَ، فلم يَجُزْ وُقوعُها بدُونِه، كما لو لم يعْطِفْ عليها، ولأنَّه جَعلَ الأُولَى جزاءً (١) للشَّرْطِ، وعقَّبَه إيَّاها بفاءِ التَّعْقِيبِ الموْضُوعةِ للجزاءِ، فلم يَجُزْ تَقْديمُها عليه، كسائِرِ نَظائِرِه، ولأنَّه لو قال: إن دخلَ زَيدٌ دارِى، فأعْطِه دِرْهمًا ثُمَّ دِرْهَمًا. لم يَجُزْ أن يُعْطِيَه قبلَ دُخولِه. فكذا ههنا. وما ذكَرُوه تحَكُّمٌ، ليس له شاهِدٌ في اللُّغَةِ، ولا أصْلٌ في الشَّرْعِ. فأمَّا إن قال لمدْخولٍ بها: إن دخَلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالقٌ ثم طالقٌ ثم طالقٌ. لم يقَعْ بها شئٌ حتى تَدْخُلَ الدَّارَ، فتَقَعُ بها الثَّلاثُ. وبهذا قال الشافعىُّ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ. وذهب القاضى إلى وُقوعِ طَلْقَتَيْن في الحالِ، وتَبْقَى الثَّالثةُ مُعَلَّقَةً بالدُّخولِ. وهو ظاهِرُ الفَسادِ، فإنَّه يجْعلُ الشَّرْطَ المُتَقَدِّمَ للمعْطوفِ دُونَ المعطوفِ عليه، ويُعَلِّقُ به ما يَبْعُدُ عنه، دُونَ ما يَلِيه، ويجعلُ جَزِاءَه ما لم تُوجَدْ فيه الفاءُ التى يُجازَى بها، دُونَ ما وُجِدَتْ فيه، تحَكُّمًا، لا نعْرِفُ عليه دليلًا، ولا نَعْلمُ له نَظِيرًا. وإن قال لها: إن دخَلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالقٌ فطالقٌ فطالقٌ. فدَخَلَتْ، طَلُقَتْ ثلاثًا في قولِهم جميعًا. ٣٥٠٣ - مسألة: (وإن قال: إن دَخَلْتِ فأنتِ طالقٌ، إن دَخَلْتِ فأنتِ طَالِقٌ. فَدَخَلَتْ، طَلُقَتِ اثْنَتَيْنِ بكُلِّ حَالٍ) وإن كَرَّرَ ذلك ثلاثًا،

стр. 10869

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طَلُقتْ ثلاثًا] (١) في قولِ الجميعِ؛ لأَنَّ الصِّفَةَ وُجِدَتْ، فاقْتَضَى وقُوعَ الثَّلاثِ (٢) دَفْعةً واحدةً. واللَّه أعلمُ.

стр. 10870

بَابُ الِاستِثْنَاءِ في الطَّلَاقِ حُكِىَ عَنْ أَبِى بَكْرٍ، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ في الطَّلَاقِ. وَالمَذْهَبُ عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ مَا دُون النِّصْفِ، وَلا يَصِحُّ فِيمَا زَادَ عَلَيْهِ، وَفِى النِّصْفِ وَجْهَانِ، فَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا وَاحِدَةً. طَلُقَتِ اثْنَتَيْنِ، ــ بابُ الاسْتِثْناءِ في الطَّلاقِ (حُكِىَ عن أبى بكرٍ، أنَّه لا يَصِحُّ الاسْتِثْناءُ في الطَّلاقِ. والمذهبُ على أنَّه يَصِحُّ اسْتِثْناءُ ما دُونَ النِّصْفِ، ولا يَصِحُّ فيما زادَ عليه، وفى النِّصْفِ وَجْهانِ) إذا اسْتَثْنَى في الطَّلاقِ بلسانِه صَحَّ اسْتِثْناؤُه. وهو قولُ جُمْلَةِ أهلِ العلمِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَنْ نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ، على أنَّ الرَّجُلَ (إذا قال) لامْرأتِه: (أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلَّا واحدةً. أنَّها تَطْلُقُ طَلْقَتَيْن) منهم الثَّورِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى. وحُكِىَ عن أبى بكرٍ، أنَّ الاسْتِثْناءَ لا يُؤَثِّرُ في عَددِ الطَّلَقاتِ، ويَجوزُ في المُطَلَّقاتِ،

стр. 10871

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فلو قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلَّا واحدةً. وقَعَ الثَّلاثُ، ولو قال: نِسائِى طَوالِقُ إلَّا فُلانةَ. لم تَطْلُقْ؛ لأَنَّ الطَّلاقَ لا يُمْكِنُ رَفْعُه بعدَ إيقاعِه، والاسْتِثْناءُ يَرْفَعُه لو صَحَّ. وما ذكَرَه مِن التَّعْليلِ (١) باطِلٌ بما سلَّمَه مِن الاسْتِثْناءِ في المُطلَّقاتِ، وليس الاسْتِثْناءُ رَفْعًا لِما وقعَ، إذ لو كان كذلك، لَمَا صَحَّ في المُطَلَّقاتِ والإِعْتاقِ، ولا في الإِقْرارِ ولا الإِخْبارِ، وإنَّما هو مُبَيِّن أنَّ المُسْتَثْنَى (٢) غيرُ مُرادٍ في الكلامِ، فهو يَمْنَعُ أن يَدْخُلَ فيه ما لَوْلاهُ لَدخلَ، فقولُه: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ (٣). عبارةٌ عن تِسْعِمائَةٍ وخَمْسِينَ عامًا. وقولُه: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ (٤). [تَبَرُّؤٌ مِن غيرِ] (٥) اللَّهِ، فكذلك

стр. 10872

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قولُه: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلَّا واحدةً. عبارةٌ عن اثْنَتَيْن لا غيرُ. وحرفُ الاسْتِثْناءِ المُسْتَوْلِى عليه «إلَّا»، ويشَبَّهُ به أسْماءٌ وأفْعالٌ وحروفٌ؛ فالأسْماءُ غيرُ وسِوَى، والأفعالُ ليس [ولا يكونُ] (١) وعدَا، والحروفُ حَاشَا وخَلَا، فبأىِّ كلمةٍ اسْتَثْنَى بها صَحَّ الاسْتِثْناءُ.

стр. 10873

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ولا يَصِحُّ اسْتِثْناءُ الأكْثرِ. نَصَّ عليه أحمدُ. فلو قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلَّا اثْنَتَيْنِ. وقَعَ ثلاثٌ. والأكْثَرونَ على أنَّ ذلك جائزٌ، إلَّا أنَّ أهلَ العربيةِ إنَّما أجازُوه في القليلِ مِن الكثيرِ. حُكِىَ ذلك عن جماعةٍ مِن أئِمَّةِ اللُّغةِ، فإذا قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلَّا واحدةً. وقعَ اثْنَتانِ. ولو قال: إلَّا اثْنَتَيْنِ. وقعَ ثلاثٌ. وإن قال: طَلْقَتَيْنِ إلَّا طَلْقَةً. ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، يَقَعُ طَلْقَةٌ. والثانى، طَلْقتانِ. بِناءً على صِحَّةِ استِثْناءِ النِّصْفِ، هل يَصِحُّ أَوْ لا؟ على وَجْهَيْنِ.

стр. 10874

فَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا ثَلَاثًا. أَوْ: ثَلَاثًا إِلَّا اثْنَتَيْنِ. أَوْ: خَمْسًا إِلَّا ثَلَاثًا. أَوْ: ثَلَاثًا إِلَّا رُبْعَ طَلْقَةٍ. طَلُقَتْ ثَلَاثًا. ــ ٣٥٠٤ - مسألة: (وإن قال: أنْتِ طَالقٌ ثَلاثًا إلَّا ثَلاثًا. أو: ثلاثًا إلَّا اثْنَتَينِ. أو: خَمْسًا إلَّا ثلاثًا. أو: ثَلاثًا إلَّا رُبْعَ طَلْقَةٍ. طَلُقَتْ ثَلاثًا) إذا قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلَّا ثلاثًا. وقَعَ ثلاثٌ بغيرِ خلافٍ؛ لأَنَّ الاسْتِثْناءَ لِرَفْعِ بَعضِ (١) المُسْتَثْنَى منه، فلا يَصِحُّ أن يُرْفَعَ جَمِيعُه. وإن قال: ثلاثًا إلَّا اثْنَتَيْنِ. فعندنا يَقَعُ ثلاثٌ، بِناءً على أنَّه لا يَصِحُّ اسْتِثْناءُ الأكْثرِ. وسنذْكُرُ ذلك، والخِلاف فيه ودَليلَ كُلِّ واحدٍ مِن القَوْلَيْنِ في كتابِ الإِقْرارِ (٢)، إن شاء اللَّهُ تعالى. وإن قال: أنتِ طالقٌ خَمْسًا إلَّا ثلاثًا. وقعَ

стр. 10875

وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ إِلَّا وَاحِدَةً. فَعَلَى وَجْهَيْنِ. ــ ثلاثٌ؛ لأَنَّ الاسْتِثْناءَ إن عادَ إلى الخمْسِ، فقد اسْتَثْنَى الأكْثرَ، وإن عادَ إلى الثَّلاثِ التى يَمْلِكُها، فقد رَفَعَ جَمِيعَها، وكِلاهُما لا يَصِحُّ. وإن قال: خمسًا إلَّا طَلْقةً. ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، يقَعُ ثلاثٌ؛ لأَنَّ الكلامَ مع الاسْتِثْناءِ كأنَّه نَطَقَ بما عَدا المُسْتَثْنَى، فكَأنَّه قال: أنتِ طالقٌ أرْبعًا. والثانى، يقَعُ اثْنَتَانِ. ذكَرَه القاضى؛ لأَنَّ الاسْتِثْناءَ يَرْجِعُ إلى ما مَلَكَه مِن الطَّلَقاتِ، وما زادَ عليهَا يَلْغُو، وقد اسْتَثْنَى واحدةً مِن الثَّلاثِ، فيَصِحُّ ويقَعُ طَلْقَتانِ. وإن قال: (ثلاثٌ إلَّا رُبْعَ طَلْقَةٍ. طَلُقَتْ ثلاثًا) لأَنَّ الطَّلْقَةَ النَّاقِصةَ تُكَمَّلُ فتَصِيرُ ثلاثًا. ٣٥٠٥ - مسألة: (وإن قال: أنتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْن إلَّا واحدةً. فعلى وَجْهَيْن) ذَكَرْناهما، وَذلكَ مَبْنِىٌّ عَلَى صِحَّةِ اسْتِثْنَاءِ النِّصْفِ. وإن قال: أنتِ طالقٌ أرْبعًا إلَّا اثْنَتَيْن. فعلى أحدِ (١) الوَجْهَيْنِ، يَصِحُّ

стр. 10876

وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا اثْنَتَيْنِ إِلَّا وَاحِدَةً. فَهَلْ تَطْلُقُ ثَلَاثًا أَوِ اثْنَتَيْنِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، ــ الاسْتِثْناءُ ويقَعُ طَلْقتانِ. وعلى قولِ القاضى، يَنْبَغِى أن لا يَصِحَّ الاسْتِثْناءُ، ويقَعُ ثلاثٌ؛ لأَنَّ الاسْتِثْناءَ يَرْجِعُ إلى الثَّلاثِ، فيكونُ اسْتِثْناءَ الأكثرِ. ٣٥٠٦ - مسألة: (وإن قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلَّا اثْنَتَيْنِ إلَّا واحدةً. فهل تَطْلُقُ ثلاثًا أو اثْنَتَيْن؟ على وَجْهَيْنِ) وجملةُ ذلك، أنَّ الاسْتِثْناءَ مِن الاسْتِثْناءِ لا يَصِحُّ منه في الطَّلاقِ إلَّا هذه المسألةُ، فإنَّه يَصِحُّ إذا أجَزْنا اسْتِثْناءَ النِّصْفِ، فيقَعُ به طَلْقتانِ. فإن قِيلَ: فكيف أجَزْتُم اسْتِثْناءَ الثِّنْتَيْنِ مِن الثَّلاثِ، وهى أكْثَرُها (١)؟ قُلْنا: لأنَّه لم يَسْكُتْ

стр. 10877

وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا ثَلاثًا إِلَّا وَاحِدَةً. ــ عَليْها، بل وصَلَها بأنِ اسْتَثْنَى منها (١) طَلْقةً، فصارتا (٢) عبارةً عن واحدةٍ (٣). وإن قُلْنا: لا يَصِحُّ اسْتِثْناءُ النِّصْفِ. وقعَ الثَّلاثُ. ٣٥٠٧ - مسألة: (وإن قال: أنْتِ طَالقٌ ثلاثًا إلَّا ثَلاثًا إلَّا واحدةً) لم يَصِحَّ، ووَقَع ثلاثٌ؛ لأنَّه إذا اسْتَثْنَى واحدةً مِن ثلاثٍ، بَقِىَ اثْنَتانِ، لا يَصِحُّ اسْتِثْناؤُهما مِن الثَّلاثِ الأُولَى، فيَقَعُ الثَّلاثُ. وذكرَ أبو الخَطَّابِ فيها وَجْهًا آخَرَ، أنَّه يَصِحُّ؛ لأَنَّ الاسْتِثْناءَ الأوَّلَ يَلْغُو، لكَوْنِه اسْتَثْنَى الجميعَ، فيَرْجِعُ قولُه: إلَّا واحدةً. إلى الثَّلاثِ المُثْبَتَةِ، فيَقَعُ منها طَلْقتانِ. والأَوَّلُ أوْلَى؛ لأَنَّ الاسْتِثْناءَ من الإِثْباتِ نَفْىٌ، ومِن النَّفْى إثْباتٌ (٤)، فإذا اسْتَثْنَى مِن الثَّلاثِ المَنْفِيَّةِ طَلْقةً، كان مُثْبِتًا لها، فلا يَجوزُ جَعْلُها مِنَ الثَّلاثِ المثْبَتَةِ؛ لأنَّه يكونُ إثْباتًا مِن إثْباتٍ.

стр. 10878

أَوْ: طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ إِلَّا وَاحِدَةً. أَوْ: طَلْقَتَيْنِ وَوَاحِدَةً إِلَّا وَاحِدَةً. أَوْ: طَلْقَتَيْنِ وَنِصْفًا إِلَّا وَاحِدَةً. طَلُقَتْ ثَلَاثًا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَقَعَ طَلْقَتَانِ. ــ ٣٥٠٨ - مسألة: (وإن قَالَ: أنْتِ طالقٌ وطَالقٌ وطَالقٌ إلَّا واحدةً. أو: طَلْقَتَيْنِ وَوَاحدةً إلّا وَاحدةً. أو: طَلْقَتَيْنِ وَنِصْفًا إلَّا واحدةً. طَلُقَتْ ثلاثًا. ويَحْتَمِلُ أَنْ تَقَعَ طَلْقَتَانِ) في هذه المسائِلِ الثَّلاثِ وجْهان؛ أحدُهما، لا يَصِحُّ الاسْتِثْناءُ؛ لأَنَّ الاسْتِثْناءَ يَرْفَعُ الجُمْلَةَ الأخيرةَ بكَمالِها، مِن غيرِ زِيادةٍ عليها، فيَصِيرُ [ذِكْرُها واسْتِثْناؤُها] (١) لَغوًا، وكلُّ اسْتِثْناءٍ أفْضَى تَصْحِيحُه إلى إِلْغائِه وإلْغاءِ المُسْتَثْنَى منه بَطَلَ، كاسْتِثْناءِ الجميعِ، ولأَنَّ إلْغاءَه وحدَه أوْلَى مِن إلْغائِه وإلْغاءِ غيرِه، ولأَنَّ الاسْتِثْناءَ يعودُ إلى الجُمْلةِ الأخيرةِ في أحَدِ الوَجْهَيْنِ، فيكونُ اسْتِثْناءً للجميعِ. الوجْهُ الثَّانى، يَصِحُّ الاسْتِثْناءُ، ويقَعُ طَلْقَتانِ؛ لأَنَّ العَطْفَ بالواوِ يَجْعلُ

стр. 10879

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الجُمْلَتَيْنِ كالجُمْلَةِ الواحدةِ، فيَصِير مُسْتَثْنِيًا واحدةً مِن ثلاثٍ،

стр. 10880

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولذلك (١) لو قال: له علىَّ مِائةٌ وعِشرونَ إلَّا خَمْسِينَ. صَحَّ. والأَوَّلُ مذهبُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ. فصل: وَإن قال: أنتِ طَالقٌ واحدةً واثْنَتَيْنِ إلَّا وَاحدةً. فعلى الوَجْهِ الثَّانِى، يَصِحُّ الاسْتِثْناءُ، وعلى الوَجْهِ الأَوَّلِ يُخرَّجُ في صحَّتِه وَجْهانِ، بِناءً على اسْتِثْناءِ النِّصْفِ. فإن كان العطفُ بغيرِ واوٍ كقولِه: أنتِ طالقٌ فطالقٌ فطالقٌ (٢) -أو- طالقٌ ثم طالقٌ ثم طالقٌ (٣)، إلَّا طَلْقةً. لم يَصِحَّ الاسْتِثْناءُ؛ لأَنَّ هذا حرفٌ يَقْتَضِى التَّرْتِيبَ، وكَوْنَ الطَّلْقَةِ (٤) الأخيرةِ مُفْرَدَةً عمَّا قبلَها، فيَعودُ الاسْتِثْناءُ إليها وحدَها، فلا يَصِحُّ. وإن قال: أنتِ طالقٌ اثْنَتَيْنِ واثْنَتَيْن إلَّا اثْنَتَيْنِ. لم يَصِحَّ؛ لأنَّه إن عادَ إلى الجُمْلَةِ الأخيرةِ فهو (٥) رَفْعٌ لجميعِها، وإن عادَ إلى الثَّلاثِ التى يَمْلِكُها، فهو رَفْعٌ لأكثَرِها، وكلاهما لا يَصِحُّ. ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ؛ بِناءً

стр. 10881

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ على أنَّ العَطفَ بالواوِ يجْعلُ الجُمْلَتَيْن جملةً واحدةً، وأنَّ اسْتِثْناءَ النِّصْفِ يَصِحُّ، فكأنَّه قال: أربعًا إلَّا اثْنَتيْنِ. فإن قال: أنتِ طالقٌ اثْنَتَيْن واثْنَتَيْن إلَّا واحدةً. احْتَمَلَ أن يَصِحَّ؛ لأنَّه اسْتَثْنَى واحدةً مِن ثلاثٍ. واحْتَمَلَ أن لا يَصِحَّ؛ لأنَّه إنْ (١) عاد إلى الرَّابعةِ، فقد بَقِىَ بعدَها ثلاثٌ، وإن عادَ إلى الواحدةِ الباقِيَةِ مِنَ الاثْنَتَيْنِ، فهو استثناءُ الجميعِ. فصل: وإن قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلَّا طَلْقةً وطلقةً وطلقةً. ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، يَلْغُو الاسْتِثْناءُ، وَيَقعُ ثلاثٌ؛ لأَنَّ العطفَ يُوجِبُ اشْتراكَ المعطوفِ مع المعْطوفِ عليه، فيَصِيرُ مُسْتَثْنِيًا ثلاثًا مِن ثلاثٍ. وهذا وَجْه لأصْحابِ الشافعىِّ، [وقولُ أبى حنيفةَ. والثانى] (٢)، يَصِحُّ الاسْتِثْناءُ في طَلْقةٍ؛ لأَنَّ اسْتِثْناءَ الأقَلِّ جائزٌ، وإنَّما لا يَصِحُّ اسْتِثْناءُ الثَّانيةِ والثَّالثةِ، فَيَلْغُو وحدَه. وقال أبو يُوسفَ، ومحمدٌ: يَصِحُّ اسْتِثْناءُ الثِّنْتَيْنِ، ويَلْغُو في (١) الثَّالثةِ. بِناءً على أصْلِهم في أنَّ اسْتِثْناءَ الأكثرِ جائزٌ. وهو الوَجْهُ الثَّانى لأصْحابِ الشافعىِّ. وإن قال: أنتِ طالقٌ طَلْقَتَيْنِ إلَّا طلقةً وطلقةً.

стр. 10882

وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِق ثَلاثًا. وَاسْتَثْنَى بِقَلْبِهِ: إِلَّا وَاحِدَةً. وَقَعَتِ ــ ففيه الوَجْهانِ. وإن قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلَّا طلقةً ونِصْفًا. احْتَمَلَ وَجْهَيْن أيضًا؛ أحدُهما، يَلْغُو الاسْتِثْناءُ؛ لأَنَّ النِّصْفَ يُكَمَّلُ، فيَكُونُ مُسْتَثْنِيًا للأكْثرِ، فيَلْغُو. والثانى، يَصِحُّ في طلقةٍ، فتَقعُ طَلْقتانِ؛ لِما ذَكَرْنا في التى قبلَها. وإن قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلَّا واحدةً وإلَّا واحدةً. كان عاطِفًا لاسْتِثْناء على اسْتِثْناء، فيَصِحُّ الأَوَّلُ، ويَلْغُو الثَّانى؛ لأنَّنا لو صَحَّحْناه لَكان مُسْتَثْنِيًا للأكثرِ، فيَقَعُ به طَلْقتانِ. ويَجِئُ على قولِ مَن أجازَ اسْتِثْناءَ الأكْثرِ أنَّه يَصِحُّ فيهما (١)، فيَقَعُ طلقةٌ واحدةٌ. وإن قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلَّا واحدْةً إلَّا واحدةً. كان مُسْتَثْنِيًا مِنَ الواحدةِ المُسْتَثْناةِ واحدةً، فيَحْتَمِلُ أن يَلْغُوَ الاسْتثناءُ الثَّانِى، ويَصِحَّ الأَوَّلُ، فيَقَعَ به طَلْقتانِ. ويَحْتَمِلُ أن يَقَعَ به الثَّلاثُ؛ لأَنَّ الاسْتثْناءَ الثَّانِى معْناه إثْباتُ طلقةٍ في حَقِّها، لكَوْنِ الاستثْناءِ مِنَ النَّفْى إثْباتًا، فيُقْبلُ (٢) ذلك في إيقاعِ طلاقِه وإن لم يُقْبَلْ في نَفْيِه, كما لو قال (٣): طَلْقَتَيْنِ ونِصْفًا. وقَعَ به ثلاثٌ. ٣٥٠٩ - مسألة: (وإن قال: أنْتِ طالقٌ ثلاثًا. واسْتَثْنَى بقَلْبِه:

стр. 10883

الثَّلَاثُ، وَإِنْ قَالَ: نِسَائِى طَوَالِقُ. واسْتَثْنَى وَاحِدَةً بِقَلْبِهِ لَمْ تَطْلُقْ. ــ إلَّا واحدةً. وَقَعَتِ الثَّلاثُ. وإن قال: نِسَائِى طَوَالِقُ. واسْتَثْنَى واحدةً بقَلْبِه لم تَطْلُقْ) وجملةُ ذلك، أنَّ ما يتَّصِلُ باللَّفْظِ مِنٍ قَرِينةٍ أو اسْتِثْناءٍ، على ثلاثةِ أضْرُبٍ؛ أحدُها، ما لا يَصِحُّ نُطْقًا ولا نِيَّة، وذلك نَوْعانِ؛ أحدُهما، ما يَرْفَعُ حُكْمَ اللَّفْظِ كلَّه، مثلَ أن يقولَ: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلَّا ثلاثًا. أو: أنتِ طالقٌ طلقةً لا تَلْزَمُكِ -أو- لا تَقَعُ عليك. فهذا لا يَصِحُّ بلَفْظِه [ولا] (١) نِيَّتِه؛ لأنَّه يَرْفَعُ حُكْمَ اللَّفْظِ كلَّه، فيَصِيرُ الجميعُ لَغْوًا، فلا يَصِحُّ هذا في اللُّغَةِ بالاتِّفاقِ، وإذا كان كذلك سَقَطَ الاسْتِثْناءُ والصِّفَةُ، وَوقعَ الطَّلاقُ. الضَّرْبُ الثَّانِى، ما يُقْبَلُ لَفْظًا ولا يُقْبَلُ نِيَّةً، لا في الحُكْمِ ولا فيما ينَه وبينَ اللَّهِ تعالى، وهو اسْتِثْناءُ الأقَلِّ، فهذا يَصِحُّ لَفْظًا؛ لأنَّه مِن لسانِ العربِ، ولا يَصِحُّ بالنِّيَّةِ، مثلَ أن يقولَ: أنتِ طالقٌ ثلاثًا. ويَسْتَثْنِىَ بقَلْبِه: إلَّا واحدةً. أو أكثرَ. فهذا لا يَصِحُّ؛ لأَنَّ العَدَدَ نَصٌّ فيما يَتناوَلُه، لا يَحْتَمِلُ غيرَه، فلا يَرْتَفِعُ بالنِّيَّةِ ما ثبَتَ بنَصِّ اللَّفْظِ، فإنَّ اللَّفْظَ أقْوَى مِن النِّيَّةِ، ولو نَوَى بالثَّلاثِ اثْنَتَيْن، كان مُسْتَعْمِلًا لِلَّفْظِ في غيرِ ما يَصْلُحُ له، فوقعَ مُقْتَضَى اللَّفْظِ، وَلَغَتْ نِيَّتُه. وحُكِى

стр. 10884

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عن بعضِ الشافعيَّةِ، أنَّه يُقْبَلُ فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى، كما لو قال: نِسائِى طَوَالِقُ. واسْتَثْنَى بقَلْبِه: إلَّا فُلانَة. والفرقُ بينَهما أنَّ نِسائِى اسمٌ عامٌّ يَجوزُ التَّعْبِيرُ به عن بعضِ ما وُضِعَ له، وقد اسْتُعْمِلَ العُمومُ بإزاءِ الخُصوصِ كثيرًا، فإذا أرادَ به البَعْضَ صَحَّ. وقولُه: ثلاثًا. اسمُ عدَدٍ للثَّلاثِ، لا يَجوزُ التَّعْبيرُ به عن عَدَدِ غيرِها، ولا يَحْتَمِلُ سِوَاها بوَجْهٍ، فإذا أرادَ بذلك اثْنَتَيْن، فقد أرادَ باللَّفْظِ ما لا يَحْتَمِلُه، وإنَّما تَعْمَلُ النِّيَّةُ في صَرْفِ اللَّفْظِ المُحْتَمِلِ إلى أحدِ مُحْتَمِلاِته، فأمَّا ما لا يَحْتَمِلُ فلا، فإنَّه لو عَمِلْنا به (١) فيما لا يَحْتَمِلُ، كان عملًا بمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، ومُجَرَّدُ النِّيَّةِ لا تَعْمَلُ في نِكاحٍ،

стр. 10885

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولا طَلاقٍ، ولا بَيْعٍ. ولو قال: نِسائِى الأرْبَعُ طَوالِقُ. أو قال لهنَّ: أرْبَعَتُكُنَّ طَوالقُ. واسْتَثْنَى بَعْضَهنَّ بالنِّيَّةِ. لم يُقْبَلْ، على قياسِ ما ذَكَرْناه، ولا يُدَيَّنُ فيه؛ لأنَّه عَنَى باللَّفْظِ ما لا يَحْتَمِلُه. الضَّربُ الثَّالثُ،

стр. 10886

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ما يَصِحُّ نُطْقًا، وإذا نَوَاه دُيِّنَ فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى، وذلك مثلُ تَخْصيصِ اللَّفظِ (١) العامِّ، أَوْ اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في مَجازِه، مثلَ قولِه: نِسائِى طَوالقُ. يُرِيدُ بعْضَهُنَّ، أو يَنْوِى بقَوْلِه: طالقٌ. أى مِن وَثَاقى (٢)، فهذا يُقْبَل إذا كان لَفْظًا. [وَجْهًا] (٣) واحدًا؛ لأنَّه وَصَلَ كلامَه بما بَيَّنَ به مُرادَه، وإن كان بنِيَّتِه (٤)، قُبِلَ منه فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى؛ لأنَّه أرادَ تَخْصيصَ اللَّفْظِ العامِّ، واسْتِعْمالَه في الخصوصِ، وهذا سائغٌ في الكلام، فلا يُمْنَعُ مِن اسْتِعْمالِه والتَّكَلُّمِ به، ويكونُ اللَّفْظ بنِيَّتِه مُنْصرِفًا إلى ما أرَادَه، دُون ما لم يُرِدْه. وهل يُقْبَلُ ذلك في الحُكْمَ؟ يُخَرَّجُ على رِوايَتَيْنِ؛ إحداهما، يُقْبَلُ؛ لأنَّه فَسَّرَ كلامَه بما يَحْتَمِلُه (٥)، فصَحَّ، كما لو قال: أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ. وأرادَ بالثَّانِيةِ إفْهامَها. والثَّانيةُ، لا يُقْبَلُ؛ لأنَّه خلافُ الظَّاهِرِ. وهو مذهبُ الشافعىِّ. والأَوَّلُ أوْلَى، إن شاءَ اللَّه تعالى؛ لأَنَّ (٦) أكْثرَ نُصوصِ القُرآنِ العامَّةِ أُرِيدَ بها الخُصوصُ. ومِن

стр. 10887

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ شَرْطِ هذا أَنْ تكونَ النِّيَّةُ مُقارِنةً للَّفْظِ، وهو أن يقولَ: نِسائِى طَوالِقُ. يَقْصِدُ بهذا اللَّفْظِ بعْضَهُنَّ، فأمَّا إن كانتْ مُتَأَخِّرَةً عن اللَّفْظِ، مثلَ أن قال: نِساِئى طَوالِقُ. ثم بعدَ فَراغِه نَوَى بقَلْبِه (١) بعْضَهِنَّ، لم تَنْفعْه النِّيَّةُ، وَوقَعَ الطَّلاقُ بجمِيعِهنَّ. وكذلك لو طلَّقَ نِساءَه، ونوَى بعدَ طَلاقِهِنَّ، أىْ مِن وَثاقِى، لَزِمَه الطَّلاقُ؛ لأنَّه مُقْتَضَى اللَّفْظِ، والنِّيَّةُ الأخيرةُ (٢) نِيَّةٌ مُجرَّدةٌ (٣)، لا لَفْظَ معها، فلا تَعْمَلُ. ومِن هذا الضَّرْبِ تَخْصِيصُ حالٍ دُونَ حالٍ، مثلَ أن يقولَ: أنتِ طالقٌ. ثم يَصِلَه بشَرْطٍ أو صِفَةٍ، مثلَ قوْلِه: إن دَخَلْتِ الدَّارَ. أو: بعدَ شَهْرٍ. أو قال: إن دخلْتِ الدَّارَ بعدَ شَهْرٍ. فهذا يَصِحُّ إذا كان نُطْقًا، بغيرِ خلافٍ. وإن نَوَاه، ولم يَلْفِظْ به، دُيِّنَ. وهل يُقْبَلُ في الحُكْمِ؟ على رِوايَتَيْن. قال أحمدُ، في روايةِ إسْحاقَ بنِ إبْراهيمَ، في مَن حَلَفَ لا تدْخُلُ الدَّارَ، وقال: نَوَيْتُ شهرًا: يُقْبَلُ منه. أو قال: إذا دَخَلْتِ دارَ فُلانٍ فأنتِ طالقٌ. ونَوَى تلك السَّاعةَ، وذلك اليومَ: قُبِلَتْ نِيَّتُه. والرِّوايةُ الأُخْرَى، لا يُقْبَلُ؛ فإنَّه قال: إذا قال لامرأتِه: أنتِ طالقٌ. ونوى في قلبِه إلى سَنَةٍ، تَطْلُقُ، ليس يُنْظَرُ إلى نِيَّتِه. وقال: إذا قال: أنتِ طالق. وقال: نَوَيْتُ إن دَخَلَتِ الدَّارَ. لا يُصدَّقُ. ويُمْكِنُ الجَمْعُ بين هاتَيْنِ الرِّوايَتَيْن، بأن يُحْمَلَ قولُه

стр. 10888

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في [القَبُولِ على أنَّه يُدَيَّنُ فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى، وقولُه في] (١) عَدَمِ القَبُولِ، على الحُكْمِ، فلا يكونُ بينَهما اخْتِلافٌ، والفَرْقُ بين هذه الصُّورةِ والتى قبلَها، أنَّ إرادَةَ الخاصِّ بالعامِّ شائعٌ (٢) كثيرٌ، وإرادةَ الشَّرْطِ مِن غيرِ ذِكْرِه غيرُ سائِغٍ (٣)، فهو قريبٌ مِن الاسْتِثْناءِ. ويُمْكِنُ أن يُقالَ: هذا كلُّه مِن جُمْلَةِ التَّخْصِيصِ. فصل: إذا قالتْ له امرأةٌ من نِسائِه: طَلِّقْنِى. فقال: نِسائِى طَوالِقُ. ولا نِيَّةَ له، طَلُقْنَ كلُّهنَّ. بغيرِ خلافٍ؛ لأَنَّ لَفْظَه عامُّ. وإن قالتْ له: طَلِّقْ نِساءَكَ. فقال: نِسائِى طَوالِقُ. فكذلك. وحُكِىَ عن مالكٍ، أنَّ السَّائِلَةَ لا تَطْلُقُ في هذه الصُّورةِ؛ لأَنَّ الخِطابَ العامَّ (٤) يُقْصَرُ على سَبَبِه الخاصِّ، وسَبَبُه سؤالُ طَلاقِ مَنْ سِوَاها. ولَنا، أنَّ اللَّفْظَ عامٌّ فيها، ولم يُرِدْ به غيرَ مُقْتَضاهُ، فوَجَبَ العَمَلُ بعُمومِه، كالصُّورةِ الأُولَى، والعَملُ بعُمومِ اللَّفْظِ أوْلَى مِن خُصوصِ السَّبَبِ؛ لأَنَّ دليلَ (٥) الحُكْمِ هو اللَّفظُ (٦)، فيَجِبُ اتِّباعُه والعملُ بمُقْتَضاهُ في خُصوصِه وعُمومِه، ولِذلك (٧) لو كان أخَصَّ مِن السَّببِ، لَوجَبَ قَصْرُه على خُصوصِه،

стр. 10889

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ واتِّباعُ صِفَةِ اللَّفْظِ دُونَ صِفَةِ السَّببِ، فأمَّا إن أخرجَ السَّائلةَ بنِيَّتِه، دُيِّنَ فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى في الصُّورَتَيْنِ، [وقُبِلَ] (١) في الحُكْم (٢) في الصُّورةِ الثَّانيةِ؛ لأَنَّ خُصوصَ السَّبَبِ دليلٌ على نِيَّتِه، ولم يُقْبَلْ في الصُّورةِ الأَولَى. قاله ابنُ حامدٍ؛ لأَنَّ طَلاقَه جوابٌ لسُؤالِها الطَّلاقَ لنَفْسِها، فلا يُصَدَّقُ في صَرْفِه عنها؛ لأنَّه يُخالفُ الظَّاهِرَ من وَجْهَيْن، ولأنَّها سَبَبُ الطَّلاقِ، وسَبَبُ الحُكْمِ لا يَجوزُ إخْراجُه من العُمومِ بالتَّخْصيصِ. وقال القاضى: يَحْتَمِلُ أن لا تَطْلُقَ؛ لأَنَّ لفْظَه عامٌّ، والعامُّ يَحْتَمِلُ التَّخْصيصَ (٣).

стр. 10890

بَابُ الطَّلَاقِ فِى الْمَاضِى وَالْمُسْتَقْبَلِ إِذَا قَالَ لِامْرأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ. أَوْ: قَبْلَ أَنْ أَنْكِحَكِ. يَنْوِى الْإِيقَاعَ، وَقَعَ. ــ (١) بابُ الطَّلاقِ في الماضِى والمُسْتَقْبَلِ ٣٥١٠ - مسألة: (إذَا قال لِزَوْجَتِه: أنتِ طالقٌ أمْسِ. أو: قبلَ أن أَنْكِحَكِ. يَنْوِى الإيقَاعَ، وَقَعَ) في الحالِ؛ لأنَّه يُقِرُّ على نفْسِه بما هو أغْلَظُ.
следующие страницы →