← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 11201–11240 · переход к 11206.

стр. 11201

فَإِنْ كَانَ مَجْبُوَبًا بَقِيَ مِنْ ذَكَرِهِ قَدْرُ الْحَشَفَةِ، فَأَوْلَجَهُ، أَوْ وَطِئَهَا زَوْجٌ مُرَاهِقٌ، ــ كقَوْلِ النبيِّ ﷺ : «ما آمَنَ بالقُرْآنِ مَنِ اسْتَحَلَّ مَحَارِمَهُ» (١). وقال اللهُ تعالى: ﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ (٢). ولأنَّه وَطْءٌ في غيرِ نِكاحٍ صَحِيحٍ، أشْبَه وَطءَ الشُّبْهَةِ. وعلى هذا، لو وَطِئَها بشُبْهَةٍ، لم تُبَحْ؛ لأنَّه (٣) غيرُ نِكاحٍ. الشَّرْطُ الثَّالِثُ، أن يَطَأها في الفَرْجِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن حَدِيثِ عائشةَ. فعلى هذا، إن وَطِئَها دُونَ الفَرْجِ، أو في الدُّبُرِ، لم يُحِلَّها؛ لأنَّه عَلَّقَ الحِلَّ على ذَواقِ (٤) العُسَيلَةِ، ولا يَحْصُلُ إلَّا بالوَطءِ في الفَرْجِ، وأدْناهُ تَغْيِيبُ الحَشَفَةِ في الفَرْجِ وإن لم يُنْزِل؛ لأنَّ أحْكامَ الوَطْءِ تَتَعلَّقُ [به، ولو أوْلَجَ الحَشَفَةَ مِن غيرِ انْتِشارٍ لم تَحِلَّ؛ لأنَّ الحُكْمَ يَتَعَلَّقُ] (٥) بذَواقِ العُسَيلَةِ، ولا يَحْصُلُ مِن غيرِ انْتِشَارٍ. ٣٦٦٤ - مسألة: (فإن كان مَجْبُوبًا) قَدْ (بَقِيَ مِن ذَكَرِه قَدْرُ الحَشَفَةِ، فأوْلَجَه) أحَلَّها، وإلَّا فلا (وإن وَطِئَها زَوْجٌ مُراهِقٌ، أحَلَّها) في قَوْلِهم، إلَّا مالِكًا، وأبا عُبَيدٍ، فإنَّهُما قالا: لا يُحِلُّهَا. وَيُرْوَى ذلك

стр. 11202

أَوْ ذِمِّيٌّ وهِيَ ذِمِّيَّةٌ، أَحَلَّهَا، ــ عن الحسنِ؛ لأنَّه وَطْءٌ مِن غَيرِ بالِغٍ، فأشْبَهَ وَطْءَ الصَّغِيرِ. ولَنا، ظاهِرُ النَّصِّ، وأنَّه وَطْءٌ مِن زَوْجٍ في نِكاحٍ صَحِيحٍ، فأشْبَهَ البالِغ، ويُخالِفُ الصَّغِيرَ؛ فإنَّه لا يُمْكِنُ الوَطْءُ منه، ولا تُذاقُ عُسَيلته. قال القاضي: يُشْتَرَطُ أن يكونَ له اثْنَتا عَشْرَةَ سَنَةً؛ لأنَّ مَن دُونَ ذلك لا يُمْكِنُه المُجامَعَة. ولا مَعْنى لهذا؛ فإنَّ الخِلافَ في المُجَامِعِ (١)، ومتى أمْكَنَه الجِماعُ، فقد وُجِدَ منه المقْصُودُ، فلا مَعْنَى لاعْتِبارِ سِنٍّ ما ورَد (٢) الشَّرْعُ باعْتِبارِها، وتَقْدِيرٍ بمُجَرَّدِ الرَّأْي والتَّحَكُّمِ. ٣٦٦٥ - مسألة: فإن كانت ذِمِّيَّةً، فوَطِئَها زَوْجُها الذِّمِّيُّ، أحَلَّها لمُطَلِّقِها المُسلمِ . نَصَّ عليه أحمدُ. وقال: هو زَوْجٌ، وبه تَجِبُ المُلاعَنَةُ والقَسَمُ. وبه قال الحسَنُ، والزُّهْرِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأبو عُبَيدٍ، وأصحابُ الرَّأْي، وابنُ المُنْذِرِ. وقال رَبِيعَةُ، ومالكٌ: لا يُحِلُّها. ولَنا، ظاهِرُ الآيَةِ، ولأنَّه وَطْءٌ مِن زَوْجٍ في نِكاحٍ صَحِيحٍ تَامٍّ، أشْبَهَ وَطْءَ المُسْلِمِ.

стр. 11203

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فإن كانا مَجْنُونَين، أو أحَدُهما، فوَطِئها، أحَلَّها. وقال أبو عبدِ الله بنُ حامِدٍ: لا يُحِلُّها؛ لأنَّه لا يَذُوقُ العُسَيلَةَ. ولَنا، ظاهِرُ الآيَةِ، ولأنَّه وَطْءٌ مُباحٌ في نِكاحٍ صَحِيحٍ، أشْبَهَ العاقِلَ. وقَوْلُه: لا يَذوقُ العُسَيلَةَ. لا يَصِحُّ، فإنَّ الجُنُونَ إنَّما هو تَغْطِيَةُ العَقْلِ، وليس العَقْلُ شَرْطًا في الشَّهْوَةِ وحُصُولِ اللَّذَّةِ، بدَلِيلِ [البَهائِمِ، لكن إن كان المجْنُونُ ذاهِبَ الحِسِّ، كالمصْرُوعِ والمُغْمَى عليه، لم يَحْصُلِ الحِلُّ بوَطْئِه، ولا بوَطْءِ مَجْنُونَةٍ في هذه] (١) الحَالِ؛ لأنَّها لا تَذُوقُ العُسيلَةَ، ولا تَحْصُلُ لها لَذَّةٌ. ولعلَّ ابنَ حامِدٍ إنَّما أَرادَ المجْنُونَ الذي هذا حالُه، فلا يكونُ ههُنا اخْتِلافٌ. [ولو وَطِئَ] (٢) مُغْمًى عليها، أو نائِمَةً لا تُحِسُّ بوَطْئِه، فيَنْبَغِي أن لا تَحِلَّ بهذا؛ لِما ذَكَرْنا. وحَكاه ابنُ المُنْذِرِ. ويَحْتَمِلُ حُصُولُ الحِلِّ في ذلك كُلِّه؛ لعُمُومِ النَّصِّ. فإن وَجَدَ على فِراشِه امْرَأةً، فَظَنَّها أجْنَبِيَّةً، أو ظَنَّها جارِيَتَه، فوَطِئَها، فإذا هي امْرَأتُه، أحلَّها؛ لأنَّه صادَفَ نِكاحًا صَحِيحًا. ولو وَطِئها فأفْضاها، أو وَطِئَها وهي مَرِيضَةٌ تَتَضَرَّرُ بوَطْئِه، أحَلَّها؛ لأنَّ التَّحْرِيمَ ههُنا لِحَقِّها. وإنِ اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرَه وهو نَائِمٌ، أو مُغْمًى عليه، لم تَحِلَّ؛ لأنَّه لم يَذُقْ عُسَيلَتَها. ويَحْتَمِلُ أن تَحِلَّ؛ لعُمُومَ الآيَةِ.

стр. 11204

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فإن كان خَصِيًّا، أو مَسْلُولًا، أو مَوْجُوءًا، حَلَّتْ بوَطْئِه؛ لأنَّه يَطَأ كالفَحْلِ، ولم يَفْقِدْ إلَّا الإِنْزال، وهو غَيرُ مُعْتَبَرٍ في الإِحْلالِ. وهذا قَوْلُ الشافعيِّ. قال أبو بكرٍ: وقد رُوِيَ عن أحمدَ في الخَصِيِّ، أنّه لا يُحِلُّها؛ فإنَّ أَبا طالِبٍ سألَه عن المرْأةِ تَتَزَوَّجُ الخَصِيَّ، تُسْتَحَلُّ به؟ قال: لا [خَصِيَّ يَذُوقُ] (١) العُسَيلَةَ. قال أبو بكرٍ: والعَمَلُ على ما رَواه مُهَنَّا، أنَّها تَحِلُّ. ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ الخَصِيَّ لا يَحْصُلُ منه الإِنْزالُ، فلا تَنالُ لَذَّةَ الوَطْءِ، فلا تَذُوقُ العُسَيلَةَ. ويَحْتَمِلُ أنَّ أحمدَ قال ذلك؛ لأنَّ الخَصِيَّ في الغَالِبِ لا يَحْصُلُ منه الوَطْءُ، أو ليس مَظِنَّةَ الإِنْزالِ، فلا يَحْصُلُ الإِحْلالُ بوَطْئِه، كالوَطْءِ مِن غيرِ انْتِشارٍ. والأولى، إن شاءَ اللهُ، حُصُولُ الإِحْلالِ به؛ لأنَّه يَحْصُلُ بوَطْءِ المُراهِقِ الذي لا يَحْصُلُ منه الإِنْزالُ، ولذلك تَحِلُّ المُرَاهِقَةُ التي لا يُتَصَوَّرُ منها الإِنْزَالُ قبلَ البُلُوغِ، كذلك هذا. وعلى هذا، يُمْنَعُ أنَّه (٢) لا يَذُوقُ (٣) العُسَيلَةَ إذا حَصَلَ منه الانْتِشارُ كغيرِ البالغِ، ولدُخُولِه في عُمُومِ الآيَةِ.

стр. 11205

وَإنْ وَطِئَهَا في الدُّبُرِ، أوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ، أوْ بِمِلْكِ يَمِينٍ، لَمْ تَحِلَّ، وَإنْ وُطِئَتْ في نِكَاحٍ فَاسِدٍ، لَمْ تَحِلَّ في أصَحِّ الْوَجْهَينِ. ــ ٣٦٦٦ - مسألة: (وإن وَطِئها في الدُّبُرِ، أو وُطِئَتْ بشُبْهَةٍ، أو بمِلْكِ يَمِين، لمْ تَحِلَّ) لأنَّ الوَطْءَ في الدُّبُرِ لا تَذُوقُ به العُسَيلَةَ، والوَطْءُ بالشبْهَةِ وبمِلْكِ اليَمِينِ وَطْءٌ مِن غيرِ زَوْجٍ، فلا يدخلُ في عُمُومِ قولِه تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَهُ﴾. فتَبْقَى على المَنْعِ. فصل: فإن وَطِئَها في رِدَّتِه، أو رِدَّتِها, لم يُحِلَّها؛ لأنَّه إن عاد إلى الإسْلامِ، فقد وَقَعَ الوَطْءُ في نِكاحِ غيرِ تامٍّ؛ لانْعِقادِ سبَبِ البَينُونَةِ، وإنْ لم يُسْلِمْ (١) في العِدَّةِ، فلم يُصادِفِ الوَطْءُ نِكاحًا. وهكذا لو أسْلَمَ أحَدُ الزَّوْجَين، فوَطِئَها (٢) الزَّوْجُ قبلَ إسْلامِ الآخَرِ، لم يُحِلَّها لذلك.

стр. 11206

وَإنْ وَطِئَهَا زَوْجُهَا في حَيضٍ، أَوْ نِفَاسٍ، أوْ إِحْرَامٍ، أَحَلَّهَا. وَقَال أَصْحَابُنَا: لَا يُحِلُّهَا. ــ ٣٦٦٧ - مسألة: (وإن وَطِئَها زَوْجُها في حَيضٍ، أو نِفَاسٍ، أو إحْرامٍ، أحَلَّها. وقال أصْحابُنا: لا يُحِلُّها) اشْتَرَطَ أصْحابُنا أن يكونَ الوَطْءُ حلالًا. فعلى قَوْلِهم، [إن وَطِئَها] (١) في حَيضٍ، أو نِفَاسٍ، أو إحْرامٍ، أو صِيَامِ فرْضٍ مِن أحَدِهما، أو مِنْهما، لم تَحِلَّ. وهو قَوْلُ مالكٍ؛ لأنَّه وَطْءٌ حرامٌ لحَقِّ الله تعالى، فلم يحْصُلْ به الإِحْلالُ، كوَطْءِ المُرْتَدَّةِ. وظاهِرُ النَّصِّ حِلُّها، وهو قولُه تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَهُ﴾. وهذه قَد نَكَحَتْ زَوْجًا غيرَه، وأيضًا قولُه ﵇: «حَتَّى تَذُوقِي عُسَيلَتَهُ، ويَذُوقَ عُسَيلَتَكِ» (٢). وقد وُجِدَ، ولأنَّه وَطْءٌ في

стр. 11207

وَإنْ كَانَتْ أمَةً فَاشْتَرَاهَا مُطَلِّقُهَا، لَمْ تَحِلَّ. وَيَحْتَمِلُ أنْ تَحِلَّ. ــ نِكاحٍ صحيحٍ في محَلِّ الوَطْءِ على سَبِيلِ التَّمامِ، فأحَلَّها، كالوَطْءِ المُباحِ، وكما لو وَطِئَها وقد ضاقَ وَقْتُ الصَّلاةِ، أوَ وَطِئَها مَرِيضَةً يَضُرُّها الوَطْءُ. وهذا أَصَحُّ إن شاءَ اللهُ تَعالى. وهو قولُ أبي حنيفةَ، ومذهبُ الشافعيِّ. فأمَّا وَطْءُ المُرْتَدَّةِ، فقد ذَكَرْناه، وأشَرْنا إلى الفَرْقِ. فصل: فإن تَزَوَّجَها مَمْلُوكٌ، ووَطِئَها، أحَلَّها. وبذلك قال عَطاءٌ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي. ولا نَعْلَمُ لهم مُخالِفًا؛ لأنَّه دخَلَ في عُمُوم النَّصِّ، ووَطْؤُه كوَطْءِ الحُرِّ. ٣٦٦٨ - مسألة: (ولو كانت أمَةً فاشْتَراها مُطَلِّقُها, لم يِحِلَّ) له وَطْؤُها، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ (ويحتَمِلُ أن تَحِلَّ) وقال بعضُ أصحابِ الشافعيِّ: تَحِلُّ له؛ لأنَّ الطلاقَ يَخْتَصُّ الزَّوْجِيَّةَ، فأَثَّرَ في

стр. 11208

وَإنْ طَلَّقَ الْعَبْدُ امْرَأتَهُ طَلْقَتَينِ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَهُ، سَوَاءٌ عَتَقَا أَوْ بَقِيَا عَلَى الرِّقِّ. ــ التَّحريمِ بها. وقولُ اللهِ : ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَهُ﴾. صَرِيحٌ في تَحْرِيمِها، فلا نُعَوِّلُ على ما خالفَه، ولأنَّ الفَرْجَ لا يجوزُ أن يكونَ مُحَرَّمًا مُباحًا، فسقَطَ هذا. ٣٦٦٩ - مسألة: (وإن طَلَّقَ العَبْدُ زَوْجَتَه اثْنَتَين، لم تَحِلَّ له حتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَه، سواءٌ عَتَقا أو بَقِيا على الرِّقِّ) وجملةُ ذلك، أنَّ الطَّلاقَ مُعْتَبَرٌ بالرِّجَالِ، فإذا كان الزَّوْجُ حُرًّا، فطَلاقُه ثلاثٌ، حُرَّةً كانتِ الزَّوْجَةُ أو أمَةً، وإن كان عَبْدًا، فطَلاقُه اثْنَتان، حُرَّةً كانت زَوْجَتُه أو أمَةً. فإذا طَلَّقَ اثْنَتَين، حَرُمَتْ عليه حتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غيرَه. رُوِيَ ذلك عن عمرَ، وزيدٍ، وابنِ عباسٍ. وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ. وفيه رِوايَةٌ أخْرَى، أنَّ الطَّلاقَ بالنِّسَاءِ. وقد ذَكَرْنا ذلك في كتابِ الطَّلاقِ (١). والمُخْتارُ أنَّ الطَّلاقَ بالرِّجالِ، والتَّفْرِيعُ عليه. فعلى هذا، إذا طَلَّقَها اثْنَتَين، حَرُمَتْ عليه بالطَّلاقِ تَحْرِيمًا لا ينْحَلُّ إلَّا بزَوْجٍ وإصابَةٍ، ولم يُوجَدْ ذلك، فلا يَزُولُ التَّحْرِيمُ. هذا ظاهِرُ المذْهَبِ. وقد رُوِيَ عن أحمدَ أنَّه يَحِلُّ له أن يَتَزَوَّجَهَا،

стр. 11209

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وتَبْقَى عندَه على واحدةٍ. وذَكَرَ حدِيثَ ابنِ عباسٍ في الممْلُوكَينْ: «إذَا طَلَّقَها تَطْليقَتَين، ثم عَتَقَا (١)، فله أن يَتَزَوَّجَهَا» (٢). وقال: لا أرَى شيئًا يَدْفَعُه، وغيرُ واحدٍ يقولُ به، أبو سَلَمَةَ، وجابِرٌ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ. رَواه الإمامُ أحمدُ في «المُسْنَدِ» (٣). وأكْثَرُ الرِّواياتِ عن أحمدَ على (٤) الأوَّلِ. وقال في حديثِ عثمانَ وزيدٍ (٥) في تَحْرِيمِها عليه: جَيِّدٌ، وحَدِيثُ ابنِ عباسٍ يَرْويه [عمرُ بنُ مُعَتِّبٍ] (٦)، ولا أعْرِفُه. وقال ابنُ المُبَارَكِ: مَن أبو حَسَنٍ (٧) هذا؟ لقد حَمَلَ صَخْرَةً عظيمةً. مُنْكِرًا لهذا الحديثِ. قال أحمدُ: أمَّا أبو حَسَنٍ فهو عندِي معْرُوفٌ، ولكن لا أعْرِفُ [عمرَ بنَ مُعَتِّبٍ] (٨). قال أبو بكرٍ: إن صَحَّ الحديثُ، فالعَمَلُ عليه، وإن لم

стр. 11210

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَصِحَّ، فالعَمَلُ على حَدِيثِ عثمانَ وزيدٍ، وبه أقولُ. قال أحمدُ: ولو طَلَّقَ عبدٌ زوْجَتَه الأمَةَ تَطْلِيقَتَين، ثم عَتَقَ واشْتَرَاها, لم تَحِلَّ له. ولو تَزَوَّجَ وهو عبدٌ، فلم يُطَلِّقْها، أو طَلَّقَها واحدةً، ثم عَتَقَ، فله عليها ثلاثُ تَطْلِيقَاتٍ، أو طَلْقَتان إن كان طَلَّقَها واحدةً؛ لأنَّه في حالِ الطَّلاقِ حُرٌّ، فاعْتُبِرَ حالُه حِينَئذٍ، كما يُعْتَبَرُ حالُ المرْأةِ في العِدَّةِ حِينَ وُجُودِها. ولو تَزَوَّجَها وهو حُرٌّ كافرٌ، فسُبِيَ واسْتُرِقَّ، ثُمَّ أسْلَما جميعًا، لم يَمْلِكْ إلَّا طلاقَ العَبِيدِ، اعْتِبارًا بحالِه حينَ الطَّلاقِ. ولو طَلَّقَها في كُفْرِه واحدةً ورَاجَعَها، ثم سُبِيَ واسْتُرِقَّ، لم يَمْلِكْ إلَّا طَلْقَةً واحدةً. ولو طَلَّقَها في كُفْرِه طَلْقَتَين، ثم اسْتُرِقَّ، فأرادَ التَّزَوجَ بها، جازَ، وله طَلْقَةٌ واحدةٌ؛ لأنَّ الطَّلْقَتَين وقَعَتا غير مُحَرِّمَتَين، فلا يُعْتَبَرُ (١) حُكْمُهُما بما يَطْرأُ بعدَهما، كما أنَّ الطَّلْقَتَين مِن العبدِ لمَّا وقَعَتا مُحَرِّمَتَين، لم يُعْتَبَرْ (١) ذلك بالعِتقِ بعدَهما.

стр. 11211

وَإذَا غَابَ عَنْ مُطَلَّقَتِهِ، فَأَتَتْهُ فَذَكَرَتْ أنَّهَا نَكَحَتْ مَنْ أَصَابَهَا وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا، وَكَانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا، فَلَهُ نِكَاحُهَا، إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهَا، وَإلَّا فَلَا. ــ ٣٦٧٠ - مسألة: (وإذا غاب عن مُطَلَّقَتِه، فأتَتْه فذَكَرَتْ أنَّها نَكَحَتْ مَن أصابَها وانْقَضَتْ عِدَّتُها) منه (وكان ذلك مُمْكِنًا، فله نكاحُها، إذَا غَلَبَ على ظَنِّه صِدْقُها، وَإلَّا فلا) وجملةُ ذلك، أنَّ المُطَلَّقَةَ المَبْتُوتَةَ إذا مَضَى بعدَ طَلاقِها زَمَنٌ يُمْكِنُ فيه انْقِضاءُ عِدَّتَين بينَهما نِكاحٌ ووَطْءٌ، فأخْبَرَتْه بذلك، وغَلَبَ على ظَنِّه صِدْقُها؛ إمَّا بأمانَتِها، أو بخَبَرِ غيرِها ممَّن يَعْرِفُ حالها، فله أن يَتَزَوَّجَها، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم الحسَنُ، والأوْزاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأبو عُبَيدٍ، وأصْحابُ الرأْي؛ وذلك لأنَّ المرأةَ مُؤْتَمَنَةٌ على نَفْسِها وعلى ما أخْبَرَتْ به عنها, ولا سَبيلَ إلى مَعْرِفةِ هذه الحالِ على الحَقيقةِ إلَّا مِن جهَتِها، فيَجبُ الرُّجوعُ إلى قولِها، كما لو (١) أخْبَرَتْ بانْقِضاءِ عِدَّتِها، فأمَّا إن لم يَعْرِفْ ما يغلبُ على ظَنِّه صِدْقها, لم يَحِلَّ له نِكاحُها. وقال الشَّافعيُّ: له نِكاحُها؛ لِما ذَكَرْنا أوَّلًا، والوَرَعُ أن لا يَنْكِحَها. ولَنا، أنَّ الأصْلَ التَّحْريمُ، ولم يُوجَدْ غَلبةُ ظَنٍّ تنقُلُ عنه، فَوجبَ البَقاءُ عليه، كما لو أخْبرَه

стр. 11212

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فاسِقٌ عنها. فصل: إذا أخْبَرَتْ أنَّ الزَّوجَ أصابَها، فأنْكَرَها، فالقولُ قولُها في حِلِّها للأوَّلِ، والقولُ قولُ الزَّوجِ في المَهْرِ، ولا يَلْزَمُه إلَّا نِصْفُه إذا لم يُقِرَّ بالخَلْوَةِ بها. فإن قال الزَّوجُ الأوَّلُ: أنا أعْلَمُ أنَّه ما أصابَها. لم يَحِلَّ له نِكاحُها؛ لأنَّه يُقِرُّ على نفْسِه بتَحْرِيمِها عليه (١). فإن عاد فأكْذَبَ نفْسَه، وقال: قد عَلِمْتُ صِدْقَها. دُيِّنَ فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى، فإذا عَلِمَ حِلَّها لم تَحْرُمْ بكَذِبهِ. وهذا مذهبُ الشافعيِّ. ولأنَّه قد يَعْلَمُ ما لم يكُنْ عَلِمَه. ولو قال: ما أعْلَمُ أنَّه أصابَها. لم تَحْرُمْ عليه بهذا؛ لأنَّ المُعْتَبَرَ في حِلِّها له خَبَرٌ يَغْلِبُ على ظَنِّه صِدْقُها (٢)، لا حقيقةُ العِلْمِ. فصل: إذا طَلَّقَها طلاقًا رَجْعِيًّا، وغابَ، فقَضَتْ عِدَّتَها وأرادَتِ التَّزوُّجَ، فقال وكِيلُه: تَوَقَّفِي كيلا يكونَ راجَعَكِ. لم يَجِبْ عليها التَّوَقفُ؛ لأنَّ الأصلَ عَدَمُ الرَّجْعَةِ، وحِلُّ النِّكاحِ، فلا يَجِبُ الزَّوالُ عنه بأمْرٍ مشْكوكٍ فيه، ولأنَّه لو وَجَبَ عليها التَّوَقُّفُ في هذه الحالِ، لَوجبَ

стр. 11213

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عليها التَّوَقُّفُ قبلَ قولِه؛ لأنَّ احْتِمال الرّجْعةِ موْجودٌ، سَواءٌ قال أو لم يَقُلْ، فيُفْضِي إلى تَحْرِيمِ النِّكاحِ على كلِّ رَجْعِيّةٍ غابَ زوْجُها أبدًا. فصل: فإذا قالت: قد تَزَوَّجْتُ مَن أصابَنِي. ثم رجَعتْ عن ذلك قبلَ أن يعْقِدَ عليها, لم يَجُزِ العَقْدُ؛ لأنَّ الخَبَرَ المُبِيحَ للعَقدِ قد زال، فزَالتِ الإِباحةُ. وإن كان ذلك بعدَ العَقْدِ عليها, لم يُقْبَلْ؛ لأنَّ ذلك إبطالٌ للعَقْدِ الذي لَزِمَها بقولِها، فلم يُقْبَلْ، كما لو ادَّعَى زَوْجِيَّةَ امرأةٍ، فأقَرَّتْ له بذلك، ثم رَجعتْ عَنِ الإقْرارِ.

стр. 11214

كِتابُ الإِيلَاءِ وَهُوَ الْحَلِفُ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ. ــ كتابُ الإِيلاءِ (١) الإِيلاءُ في اللُّغةِ: الحَلِفُ. يُقالُ: آلَى يُولِي إيلاءً وألِيَّةً. وجَمْعُ الألِيَّةِ: ألايا. قال الشاعرُ (٢): قليلُ الألايا حافِظٌ لِيَمينِه ... إذا صَدَرَتْ منه الألِيَّةُ بَرَّتِ. ويُقالُ: تألَّى يَتَألَّى (٣). وفي الخَبَرِ: «مَنْ يَتَأَلَّ عَلَى اللهِ يُكَذِّبْهُ» (٤). ٣٦٧١ - مسألة: (وهو الحَلِفُ على تَرْكِ الوَطْءِ) في مَوْضِعِ (٥)

стр. 11215

وَيُشْتَرَطُ لَهُ أرْبَعَةُ شُرُوطٍ؛ أحَدُهَا، الْحَلِفُ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ في الْقُبُلِ. ــ الشَّرْعِ. والأصْلُ فيه قَوْلُ الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ (١). وكان أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ وابنُ عَبَّاسٍ يَقْرَآنِ: (يُقْسِمُونَ) (٢). ٣٦٧٢ - مسألة: (ويُشْتَرَطُ له أرْبَعَةُ شُرُوطٍ؛ أحَدُها، الحَلِفُ على تَرْكِ الوَطْءِ في القُبُلِ) لأنَّه الذي يَحْصُلُ الضَّرَرُ به (فإن تَرَكَه بغيرِ يَمِينٍ، لم يَكُنْ مُولِيًا) لأنَّ الإِيلاءَ الحَلِفُ.

стр. 11216

فَإِنْ تَرَكَهُ بِغَيرِ يَمِينٍ، لَمْ يَكُن مُولِيًا، لَكِنْ إِنْ تَرَكَهُ مُضِرًّا بِهَا مِنْ غَيرِ عُذْرٍ، فَهَلْ تُضْرَبُ لَهُ مُدَّةُ الْإِيلَاءِ، وَيُحْكَمُ عَلَيهِ بِحُكْمِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ. ــ ٣٦٧٣ - مسألة: (فإن تَرَكَه مُضِرًّا بها مِن غيرِ عُذْرٍ، فهل تُضْرَبُ لَهُ مُدَّةُ الإِيلاءِ، ويُحْكَمُ عليه بحُكْمِه؟ على رِوايَتَين) أمَّا إذا تَرَكَه لعُذْرٍ، مِن مَرَضٍ، أو غَيبَةٍ، أو نحوه، لم تُضْرَبْ له مُدَّةٌ، وإلَّا ففيه رِوايتان؛ إحْداهما، تُضْربُ له مُدَّةُ أرْبعةِ أشْهُرٍ، فإن وَطِئَها، وإلَّا دُعِيَ بعدَها إلى الوَطْءِ، فإنِ امْتَنَعَ منه، أُمِرَ بالطَّلاقِ، كما يُفْعَلُ في الإِيلاءِ سواءً؛ لأنَّه أضَرَّ بها بتَرْكِ الوَطْءِ في مُدَّةِ الايلاءِ، فيَلْزَمُ حُكْمُه، كما لو حَلَفَ، ولأنَّ ما وَجبَ أداؤُه إذا حَلَفَ على تَرْكِه، وجبَ أداؤُه إذا لم يَحْلِفْ، كالنَّفقَةِ وسائِرِ الواجباتِ، يُحَقِّقُه أنَّ اليَمِينَ لا تَجْعلُ غيرَ الواجبِ واجِبًا إذا حَلَفَ على تَرْكِه، فوُجوبُه معها يَدُلُّ على وُجوبِه قبلَها, ولأَنَّ وُجوبَه في الإيلاءِ إنَّما كان لدَفْعِ حاجةِ المرأةِ، وإزالةِ الضَّرَرِ عنها، وضَرَرُها لا يخْتَلِفُ بالإيلاءِ وعدَمِه، فلا يَخْتلِفُ الوُجوبُ. فإن قيل: فلا يَبْقَى للإيلاءِ أثَرٌ،

стр. 11217

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فلِمَ أفْرَدْتُمْ له بابًا؟ قُلْنا: بل له أثَرٌ، فإنّه يَدُلُّ على قَصْدِ الإِضْرارِ، فيَتَعلَّقُ الحكمُ به، وإن لم يَظْهَرْ منه قَصْدُ الإضْرارِ، اكْتَفَينا بدَلالتِه، وإذا لم يُوجَدِ الإِيلاءُ، احْتَجْنا إلى دَليلٍ سواه يَدُلُّ على المُضَارَّةِ، فيُعْتَبَر الإِيلاءُ لدلالتِه على المُقْتَضى لا لعَينِه. والثَّانيةُ، لا تُضْرَبُ له مُدَّةٌ. وهو مَذْهَبُ (١) أبي حنيفةَ، والشافعيِّ؛ لأنَّه ليس بمُولٍ، فلم تُضْرَبْ له مدةٌ، كما لو لم يَقْصِدِ الإِضْرارَ، ولأنَّ تَعْليقَ الحكْمِ بالإِيلاءِ يدُلُّ على انْتِفائِه عندَ عَدمِه، إذ لو ثَبَتَ هذا الحُكْمُ بدُونِه لم يكنْ له أثَرٌ، ولأنَّ (٢) امْتِناعَه باليَمِينِ أقْوَى مِن امْتِناعِه بقصْدِ الضَّرَرِ؛ لأنَّه يَمْتَنِعُ بقَصْدِ الضَّرَرِ، وبلزُومِه الكَفَّارةَ، فلا يَصِحُّ الإلْحاقُ إذا لم يَحْلِفْ بما إذا حَلَفَ لقوَّةِ المانعِ. والله أعلمُ.

стр. 11218

وَإنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ في الدُّبُرِ، أَوْ دُونَ الْفَرْجِ. لَمْ يَكُنْ مُولِيًا. وَإِنْ حَلَفَ أنْ لَا يُجَامِعَهَا إلَّا جِمَاعَ سَوْءٍ، يُرِيدُ جِمَاعًا ضَعِيفًا، لَا يَزِيدُ عَلَى الْتِقَاءِ الْخِتَانَينِ، لَمْ يَكُنْ مُولِيًا. ــ ٣٦٧٤ - مسألة: (وإن حَلَفَ على تَرْكِ الوَطْءِ في الدُّبُرِ، أو دُونَ الفَرْجِ، لم يَكنْ مُولِيًا) لأنَّه إذا حَلَفَ على تَرْكِ الوَطْءِ في الدُّبُرِ، لم يَتْرُكِ الوَطْءَ الواجِبَ عليه، ولا تَتَضَرَّرُ المرأةُ بتَرْكِه؛ لأنَّه وَطْءٌ محَرَّمٌ، وقد أكَّدَ منعَ نَفْسِه منه (١) بيَمِينِه، وكذلك إن حَلَف على تَرْكِ الوَطْءِ دُونَ الفَرْجِ؛ لأنَّه لم يَحْلِفْ على الوَطْءِ الذي يُطالبُ به في الفَيئَةِ، ولا ضَرَرَ على المرأةِ في تَرْكِه. ٣٦٧٥ - مسألة: (وإنْ حَلَفَ أن لا يُجامِعَها إلَّا جِماعَ سَوءٍ، يُرِيدُ جِماعًا ضَعِيفًا، لا يَزِيد على الْتِقاءِ الخِتانَين، لَمْ يَكُنْ مُولِيًا) لأنَّه

стр. 11219

وَإِنْ أَرَادَ بِهِ الْوَطْءَ في الدُّبُرِ، أوْ دُونَ الْفَرْجِ، صَارَ مُولِيًا. وَإِذَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ في الْفَرْجِ بِلَفْظٍ لَا يَحْتَمِلُ غَيرَهُ، كَلَفْظِهِ الصَّرِيحِ، وَقَوْلِهِ: لَا أدْخَلْتُ ذَكَرِي في فَرْجِكِ. وَلِلْبِكْرِ خَاصَّةً: لَا افْتَضَضْتُكِ. لَمْ يُدَيَّنْ فِيهِ. ــ يُمْكِنُه (١) الوَطْءُ الواجِبُ عليه مِن غيرِ حِنْثٍ. وإن قال: أرَدْتُ وَطْأً لا يَبْلُغُ الْتِقاءَ الخِتَانَين. فهو مُولٍ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه الوَطْءُ الواجِبُ عليه في الفَيئَةِ بغيرِ حِنْثٍ، وكذلك (إن أراد به الوَطْءَ في الدُّبُرِ، أو دُونَ الفَرْجِ) فكذلك. وإن لم يكُنْ له نِيَّةٌ، فليس بمُولٍ؛ لأنَّه مُحْتَمِلٌ، فلا يتَعَيَّنُ ما يكونُ به مُولِيًا. وإن قال: واللهِ لا جامعتُكِ جِماعَ سَوءٍ. لم يكُنْ مُوليًا بحالٍ؛ لأنَّه لم يَحْلِفْ على تَرْكِ الوَطْءِ، إنَّما حَلَفَ على تَرْكِ صِفَتِه المَكْروهةِ. ٣٦٧٦ - مسألة: (وإذا حَلَفَ على تَرْكِ الوَطْءِ بلَفْظٍ لا يَحْتَمِلُ غيرَه، كلَفْظِهِ الصَّرِيحِ، وقَوْلِه: لا أدْخَلْتُ ذَكَرِي في فَرْجِكِ. وللبِكْرِ خَاصَّةً: لا افْتَضَضْتُكِ (٢). لم يُدَيَّنْ فيه) وجملَتُه، أنَّ الألْفاظَ التي يكونُ بها مُولِيًا تَنْقِسمُ ثلاثةَ أقْسامٍ؛ أجدُها، ما هو صَرِيحٌ في الحُكْمِ والباطِنِ

стр. 11220

وَإِنْ قَال: وَالله لا وَطِئْتُكِ وَلَا جَامَعْتُكِ. أوْ: لَا بَاضَعْتُكِ. أَوْ: لَا بَاشَرْتُكِ. أوْ: لَا بَاعَلْتُكِ. أوْ: لَا قَرِبْتُكِ. أَوْ: لَا مَسَسْتُكِ. أَوْ: لَا أَتَيتُكِ. أَوْ: لَا اغْتَسَلْتُ مِنْكِ. فَهُو صَرِيحٌ في الْحُكْمِ، ــ جميعًا، كقولِه: واللهِ لا أنِيكُكِ، ولا أُدْخِلُ. أو: أُغَيِّبُ -أو- أُولِجُ ذَكَرِي في فَرْجِكِ. و: لا افْتَضَضْتُكِ. للبِكْرِ خاصَّةً. فهذه صَرِيحَةٌ لا يُدَيَّنُ فيها؛ لأنَّها لا تَحْتَمِلُ غيرَ الإِيلاءِ. القِسمُ الثَّاني، صَرِيحٌ في الحُكْمِ، ويُدَيَّنُ فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى، وهي عشَرةُ ألْفاظٍ: (لا وَطِئْتُكِ. و: لا جامَعْتُكِ. و: لا باضَعْتُكِ. و: لا باعَلْتُكِ. و: لا باشَرْتُكِ. و: لا قَرِبْتُكِ) و: لا أصَبْتُكِ. و (لا أتَيتُكِ. و: لا مَسَسْتُكِ. و: لا اغْتَسَلْتُ مِنْكِ. فهذه صَرِيحَةٌ في الحُكْمِ) لأنَّها تُسْتَعْمَلُ في العُرْفِ في الوَطْءِ. وقد وَرَدَ القُرْآنُ ببَعْضِها فقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ (١). وقال: ﴿وَلَا

стр. 11221

وَيُدَيَّنُ فِيمَا بَينَهُ وَبَينَ اللهِ تَعَالى. وَسَائِرُ الأَلْفَاظِ لَا يَكُونُ مُولِيًا فِيهَا إلا بِالنِّيَّةِ. ــ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (١). وقال: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ (٢). وأمَّا الجِماعُ والوَطْءُ، مهما أشْهَرُ الألْفاظِ في الاسْتِعْمالِ، فلو قال: أرَدْتُ بالوَطْءِ الوَطْءَ بالقَدَمِ، وبالجِماعِ اجْتِماعَ الأجْسامِ، وبالإِصابَةِ الإِصابَةَ باليَدِ (دُيِّنَ فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى) ولم يُقْبَلْ في الحُكْمِ؛ لأنَّه خِلافُ الظَّاهِرِ والعُرْفِ. وقد اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافعيِّ فيما عدا الوَطْءَ والجِماعَ مِن هذه الألْفاظِ، فقال في مَوْضِعٍ: ليس بصَرِيحٍ في الحُكْمِ؛ لأنَّه حَقِيقَةٌ في غَيرِ الجِماعِ. وقال في: لا

стр. 11222

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ باضَعْتُكِ: ليس بصَريحٍ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ مِن (١) الْتِقاءِ البَضْعَتَينِ، البَضْعَةُ مِن البَدَنِ بالبَضْعَةِ منه؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ قال: «فاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي» (٢). ولَنا، أنَّه مُسْتَعْمَلٌ في الوَطْءِ عُرْفًا، وقد وَرَدَ بِبعْضِه القُرْآنُ والسُّنَّةُ، فكان صَرِيحًا، كلَفْظِ الوَطْءِ والجِماعِ، وكَوْنُه حقِيقَةً في غيرِ الجِماعِ يَبْطُلُ (٣) بلَفْظِ الوَطْءِ والجِماعِ، وكذلك قوْلُه: فارَقْتُكِ. و: سَرَّحْتُكِ. في ألْفاظِ الطَّلاقِ، فإنَّهم قالُوا: هي صَرِيحَةٌ في ألْفاظِ الطَّلاقِ. مع كَوْنِها حَقِيقَةً في غيرِه. وأمَّا (٤) قوْلُه: باضَعْتُكِ. فهو مُشْتَقٌّ مِنَ البُضْعِ، ولا يُسْتَعْمَلُ هذا اللَّفْظُ في غيرِ الوَطْءِ، فهو أوْلَى

стр. 11223

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أن يكونَ صَرِيحًا مِن سائِرِ الألْفاظِ؛ لأنَّها تُسْتَعْمَلُ في غيرِه. وبه قال أبو حنيفةَ. القِسْمُ الثَّالِثُ، ما لا يكونُ مُولِيًا فيها إلَّا بالنِّيَّةِ، وهو ما عدا هذه الألْفاظَ، ممَّا يَحْتَمِلُ الجِماعَ، كقولِه: واللهِ لا يَجْمَعُ رَأْسِي ورَأْسَكِ شيءٌ. لا ساقَفَ رَأْسِي رَأْسَكِ. لأسُوأَنَّكِ. لأغِيظَنَّكِ. لتَطُولَنَّ غَيبَتِي عنْكِ. لا مَسَّ جِلْدِى جِلْدَكِ. لا قَرَبْتُ فِراشَكِ. لا آوَيتُ معكِ. لا نِمْتُ عندَكِ. فهذه إن أَرادَ بها الجِماعَ، واعْتَرَفَ بذلك، كان مُولِيًا، وإلَّا فلا؛ لأنَّ هذه الألْفاظَ ليستْ ظاهرةً في الجِماعِ، كظُهُورِ (١) التي قبْلَها، ولم يَرِدِ النَّصُّ باسْتِعْمالِها (٢) فيه، إلَّا أنَّ هذه الألْفاظَ مُنْقَسِمَةٌ إلى ما يَفْتَقِرُ إلى نِيَّةِ الجِماعِ والمُدَّةِ معًا، وهي قوْلُه: لأسُوأَنَّكِ. أو: لأغِيظَنَّكِ. أو: لَتَطُولَنَّ غَيبَتِي عنكِ. فلا يكونُ مُولِيًا حتَّى يَنْويَ تَرْكَ الجِماعِ في مُدَّةٍ تَزِيدُ على أرْبَعَةِ أشْهُرٍ؛ لأنّ غَيظَها يُوجَدُ بتَرْكِ الجِماعِ فيما دُونَ ذلك، وسائِرُ الألْفاظِ يكونُ مُولِيًا بنِيَّةِ الجِماعِ فقط. فإن قال: واللهِ لا أدْخَلْتُ جميعَ ذَكَرِي في فَرْجِكِ. لم يَكُنْ مُولِيًا؛ لأنَّ الوَطْءَ الذي تَحْصُلُ به الفَيئَةُ يَحْصُلُ بدونِ إيلاجِ جميعِ الذَّكَرِ. فإنْ قال: واللهِ لا

стр. 11224

فَصْل: الشَّرْطُ الثَّانِي، أَنْ يَحْلِفَ بِاللهِ تَعَالى، أوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ. وَإنْ حَلَفَ بِنَذْرٍ، أَوْ عِتْقٍ، أوْ طَلَاق، لَمْ يَصِرْ مُولِيًا فِي الظَّاهِرِ عَنْهُ وَعَنْهُ، يَكُونُ مُولِيًا. ــ أوْلَجْتُ حَشَفَتي في فرجِكِ. كانْ مُولِيًا؛ لأنَّ الفَيئَةَ لا تحْصُلُ بدُونِ ذلك. (الشَّرْطُ الثَّانِي، أنَّ يَحْلِفَ باللهِ تعالى، أو بصِفَةٍ مِن صِفاتِه) ولا خِلافَ بينَ (١) أهلِ العلمِ في أنَّ الحَلِفَ بذلك إيلاءٌ. ٣٦٧٧ - مسألة: (فإن حَلَفَ بنَذْرٍ، أو عِتْقٍ، أو طَلاقٍ، لم يَصِرْ مُولِيًا فِي الظَّاهِرِ عنه. وعنه، يَكُونُ مُولِيًا) إذا حَلَفَ على تَرْكِ الوَطْءِ بغيرِ

стр. 11225

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اسمِ اللهِ تعالى أو صِفَةٍ مِن صِفاتِه، مثلَ أنَّ حَلَفَ بطَلاقٍ، أو عَتاقٍ، أو صَدَقَةِ المالِ، أو الحَجِّ، أو الظِّهارِ، ففيه رِوايَتان؛ إحْدَاهما، لا يكونُ مُولِيًا. وهو قَوْلُ الشافعيِّ القَدِيمُ. والرِّوايةُ الثَّانِيةُ، هو مُولٍ. ورُوِيَ عن ابنِ عباس أنَّه قال: كُل يَمِين مَنَعَتْ جِماعًا (١)، فهي إيلاءٌ (٢). وبذلك قال الشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِي، ومالكٌ، وأهْلُ الحِجَازِ، والثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ، وأهْلُ العِرَاقِ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو عُبَيدٍ، وغيرُهم؛ لأنَّها يَمِين مَنَعَتْ جِماعَها، فكانَتْ إيلاءً، كالحَلِفِ باللهِ تعالى، ولأنَّ تَعْلِيقَ الطَّلاق والعَتاقِ [على وَطْئِها] (٣) حَلِفٌ، بدَليلِ أنَّه لو قال: متى حَلَفْتُ بطَلاقِكِ فأنْتِ طَالِقٌ. ثم قال: إن وَطِئْتُكِ فأنْتِ طالِقٌ. طَلُقَتْ في الحالِ. وقال أبو بكر: كُلُّ يَمِين مِن حَرام أو غيرِها، تَجِبُ بها كَفَّارَةٌ، يكونُ الحالِفُ بها مُولِيًا. وأمَّا الطَّلاقُ والعَتاقُ، فليسَ الحَلِفُ به إيلاءً، لأنَّه يَتَعَلَّقُ به حَقُّ آدَمِيٍّ، وما أوْجَبَ كَفَّارَةً تَعَلَّقَ به حَقُّ اللهِ تعالى. والرِّوايةُ الأولَى هي المَشْهُورَةُ، لأن الإِيلاءَ المُطْلَقَ إنَّما هو القَسَمُ، ولهذا قَرَأ أبَيٌّ وابنُ عباس (يُقْسِمُونَ) بدَلَ ﴿يُوَلُّونَ﴾ (٤).

стр. 11226

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ورُوِيَ عن ابنِ عباس في تَفْسِيرِ: ﴿يُوَلُّونَ﴾ قال: يحْلِفُونَ بالله (١) ذكَرَه الإمامُ أحمدُ. والتَّعْليقُ بشَرْطٍ ليس بقَسَم، ولهذا لا يُؤْتَى فيه بحَرْفِ القَسَمِ، ولا يُجَابُ بجَوابه، ولا ذَكَرَه أفصلُ العَرَبِيَّةِ في بابِ القَسَمِ، فلا يكونُ إيلاءً، وإنَّما يُسَمًّى حَلِفًا تَجَوُّزًا، لمُشَارَكَتِه القَسَمَ في المَعْنَى المَشْهُورِ فيه، وهو الحَثُّ على الفِعْلِ أو المَنْعُ منه، أو تَوْكِيدُ الخَبَرِ، والكَلامُ عندَ إطْلاقِه لحَقِيقَتِه؛ ويَدُلُّ على هذا قَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢). وإنَّما يَدْخُلُ الغُفْرانُ في اليَمِينِ باللهِ، وأيضًا قَوْلُ النبيِّ ﷺ : «إنَّ الله يَنْهاكُمْ أنْ تَحْلِفُوأ بِآبَائِكُمْ». مُتَّفَق عليه (٣). وإنْ سَلَّمْنا أنَّ غيرَ القَسَمِ حَلِفٌ، لَكِنَّ الحَلِفَ بإطْلاقِه

стр. 11227

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إنَّما يَنْصَرِفُ إلى القَسَمِ، وإنَّما يُصْرَفُ إلى غيره بدَلِيل، ولا خِلافَ في أنَّ القَسَمَ بغيرِ اللهِ وصِفَاتِه لا يكونُ إيلاءً؛ لأنَّه لا يُوجِبُ كفارَةً ولا شيئًا يَمْنَعُ مِن الوَطْءِ، فلا يكونُ إيلاءً، كالخَبَرِ بغيرِ قَسَم. وإذا قُلْنا بالرِّوايَةِ الثَّانِيَةِ، فلا يكون مُولِيًا إلَّا أنَّ يَحْلِفَ بما يَلْزَفُه بالحِنْثِ فيه حَق، كقَوْلِه: إن وَطِئْتُكِ فعَبْدِي حُرٌّ. أو: فأنْتِ طالِقٌ. أو: فأنْتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي. أو: فأنْتِ حَرامٌ. أو: فلِلَّهِ عليَّ صَوْمُ سَنَةٍ أو الحَجُّ أو صَدَقَةٌ.

стр. 11228

وَإنْ قَال: إِنْ وَطِئْتُكِ فَأنْتِ زَانِيَة. أوْ: فَلِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ هَذَا الشَّهْرِ. لَمْ يَكُنْ مُولِيًا. ــ فهذا يكون إيلاءً؛ لأنَّه يَلْزَمه بوَطْئِها حَق يَمْنَعُه مِن وَطْئِها خَوْفه مِن وُجُوبِه. ٣٦٧٨ - مسألة: (وإن قال: إن وَطِئْتُكِ فأنْتِ زانِيَةٌ. أو: فلِلَّهِ عليَّ صَوْمُ هذا الشَّهْرِ. لم يَكُنْ مُولِيًا) لأنَّه لو وَطِئَها، لم يَلْزَمْه حَق، ولا

стр. 11229

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَصِيرُ قَاذِفًا بِالوَطْءِ؛ لأنَّ القَذْفَ لا يَتَعَلَّقُ بِالشَّرْطِ؛ ولا يَجُوزُ أنَّ تَصِيرَ زَانِيَةً بوَطْئِه لها، كما لا تَصِيرُ زانِيَةً بطُلُوعِ الشمْس. وأمَّا قوْلُه: إن وَطِئْتُكِ فلِلَّهِ عليَّ صَوْمُ هذا الشَّهْرِ. لم يَكُنْ مُولِيًا؛ لأنَّه لو وَطِئَها بعدَ مُضِيِّه، لم يَلْزَمْه حَقٌّ، فإنَّ صَوْمَ هذا الشَّهْرِ لا يُتَصَوَّرُ بعدَ مُضِيِّ بَعْضِه، فلا يُلْزَمُ بالنَّذْرِ، كما لو قال: إن وَطِئْتُكِ فِلله عليَّ صَوْمُ أمْسِ. فلو قال: إن وَطِئْتُكِ فلِلَّه عليَّ أنَّ أُصَلِّيَ عشْرِين رَكْعَةً. كان مُولِيًا. وقال أبو حنيفةَ: لا (١) يكونُ مُولِيًا؛ لأنَّ الصَّلاةَ لا يتَعَلَّقُ بها مالٌ، ولا تَتَعَلَّقُ (٢) بمالٍ، فلا يكونُ الحالِفُ بها مُولِيًا، كما لو قال: إن وَطِئْتُكِ فلِلَّه عليَّ أنَّ أمْشِيَ في السُّوقِ. ولَنا، أنَّ الصلاةَ تَجِبُ بالنَّذْرِ، فكانَ الحالِفُ بها مُولِيًا، كالصَّوْمِ والحَجِّ، وما ذَكَرَه لا يَصِحُّ؛ فإنَّ الصلاةَ تَحْتاجُ إلى الماء والسُّتْرَةِ. وأمّا المَشْيُ في السُّوقِ، فقياس المذْهَبِ على هذه الرِّوايةِ، أنَّه يكونُ مُولِيًا؛ لأنَّه يَلْزَمُه بالحِنْثِ في هذا النَّذْرِ (٣) أحَدُ شَيئَينِ؛ إمَّا الكَفَّارَةُ، وإمَّا المَشْيُ، فقد صارَ الحِنْثُ مُوجِبًا لحَقٍّ عليه، فعلى هذا يَكُونُ مُولِيًا بنَذْرِ فِعْلِ المُباحاتِ والمَعاصِي، فإنَّ نَذْرَ المَعْصِيَةِ مُوجِبٌ للكَفَّارَةِ في ظاهِرِ المذْهَبِ، وإن سَلَّمْنا، فالفَرْقُ بينَهما أنَّ المَشْيَ لا يَجِبُ بالنَّذْرِ، بخِلافِ مَسْألتِنا. وإذا اسْتَثْنَى في يَمِينه، لم يَكُنْ مُولِيًا في قَوْلِ الجَمِيعِ؛ لأنَّه لا يَلْزَمُه كَفارَةٌ بالحِنْثِ، فلم يَكُنِ الحِنْثُ مُوجِبًا لحَقٍّ

стр. 11230

فَصْل: الشَّرْطُ الثَّالِثُ، أنْ يَحْلِفَ عَلَى أكْثَرَ مِنْ أرْبَعَةِ أشْهُر. ــ عليه. وهذا إذا كانَتِ اليَمِينُ باللهِ تعالى، أو كانت يَمِينًا مُكَفَّرَةً، فأمَّا الطلاقُ والعَتاقُ، فمَن جعَلَ الاسْتِثْناءَ فيهما غيرَ مُؤَثِّرٍ، فوُجُودُه كعَدَمِه، ويكونُ مُولِيًا بهما، سواءٌ اسْتَثْنَى أو لم يَسْتَثْنِ. (الشَّرْطُ الثَّالِثُ، أنَّ يَحْلِفَ على أكْثَرَ مِن أربَعةِ أشْهُرٍ) وهذا قَوْلُ ابنِ عباس، وسعيدِ بنِ جُبَير، وطاوُس، ومالكٍ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأبي عُبَيدٍ. وقال عَطَاءٌ، والثَّوْرِيُّ، وأصحابُ الرَّأْي: إذا حَلَفَ على أرْبَعَةِ أشْهُر فما زادَ، كان مُولِيًا. وحَكَى ذلك القاضي أبو الحسينِ رِوايَةً عن أحمدَ؛ لأنَّه مُمْتَنِعٌ عَن الوَطْءِ باليَمِينِ أرْبَعَةَ أشْهُر، فكانَ مُولِيًا، كما لو حَلَفَ على ما زاد. وقال النَّخَعِي، وقَتادَةُ، وحَمَّادٌ، وابنُ أبي لَيلَى، وإسْحاقُ: مَن حَلَفَ على تَرْكِ الوَطْءِ في قَلِيل مِن الأوْقاتِ أو كَثِيرٍ، فتَرَكَها أرْبَعَةَ أشْهُر، فهو مُولٍ؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ (١). وهذا مُولٍ؛ لأنَّ الإيلاءَ الحَلِفُ، وهذا حالِفٌ. ولَمْا، أنَّه لم يَمْنَعْ نفْسَه مِنَ الوَطْءِ باليَمِينِ

стр. 11231

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أكْثَرَ مِن أرْبَعَةِ أشْهُر، [فلم يَكُنْ مُولِيًا، كما لو حَلَف على تَرْكِ قُبْلَتِها، والآيةُ حُجَّةٌ لنا؛ لأنَّه جَعَلَ له تَرَبُّصَ أربعةِ أشْهُرٍ] (١)، فإذا حَلَفَ على أرْبَعَةٍ فما دُونَها، فلا مَعْنَى للتَّرَبُّصِ؛ لأنَّ مُدَّةَ الإِيلاءِ تَنْقَضِي قبلَ ذلك أو مع انْقِضَائِه، وتَقْدِيرُ التَّرَبُّصِ بأرْبَعَةِ أشْهُر يَقْتَضِي كَوْنَه في مُدَّةٍ تَناوَلَها الإيلاءُ، ولأنَّ المُطالبَةَ إنَّما تكونُ بعدَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، فإذا انْقَضَتِ المُدَّةُ بأرْبَعَةٍ فما دونَ، لم تَصِحَّ المُطالبَةُ مِن غيرِ إيلاءٍ، وأبو حنيفةَ ومَن وافَقَه (٢) بَنَوْا ذلك على قَوْلِهم في الفَيئةِ (٣): إنَّها تكونُ في مُدَّةِ أرْبَعةِ الأشْهُرِ. وظاهِرُ الآيَةِ خِلافُه؛ فإنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا﴾. فعَقَّبَ الفَيئَةَ عَقِيبَ التَّرَبُّص بفاءِ التَّعْقِيبِ، فيَدُلُّ على تأَخُّرِها عنه. إذا ثَبَتَ هذا، فقد حُكِيَ عن ابنِ عباس أنَّ المُولِيَ مَن يَحْلِفُ على تَرْكِ الوَطْءِ أَبدًا أو مُطْلَقًا؛ لأنَّه إذا حَلَفَ على ما دُونَ ذلك، فقد (٤) أمْكَنَه التَّخَلُّصُ بغيرِ الحِنْثِ، فلم يَكُنْ مُولِيًا، كما لو حَلَفَ لا وَطِئَها في مَدِينَةٍ بعَينِها. ولَنا، أنَّه لا يُمْكِنُه التَّخَلُّصُ بعدَ التَّربصِ مِن يَمِينه بغيرِ حِنْثٍ، فأشْبَهَ المُطْلَقَةَ، بخِلافِ اليَمِينِ علي مَدِينَةٍ مُعَيَّنةٍ، فإنَّه يُمْكِنُ التَّخَلصُ بغيرِ الحِنْثِ، ولأن الأرْبَعَةَ الأشْهُرَ مُدَّة تَتَضَرَّرُ المرْأةُ بتأخِيرِ الوَطْءِ عنها، فإذا حَلَفَ على أكْثَرَ منها، كان مُولِيًا كالأبَدِ.

стр. 11232

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ودَلِيلُ الوَصْفِ ما رُوِيَ عن (١) عمرَ، ﵁، أنَّه (٢) كان يَطُوفُ لَيلَةً في المدِينَةِ، فسَمِعَ امْرَأةً تقولُ: تَطاوَلَ هذا اللَّيلُ وازْوَرَّ جانِبُه ... وليس إلى جَنْبِي خَلِيلٌ أُلاعِبُهْ فواللهِ لولا اللهُ لا رَبَّ غَيرُه ... لَزُعْزِعَ مِن هذا السَّرِيرِ جَوانبُهْ مَخافَةُ رَبِّي والحَياءُ يَكُفُّنِي ... وأُكْرِمُ (٣) بَعْلِي أنْ تُنال مَراكِبُهْ فسأل عمر نِساءً: كم تَصْبِر المرأةُ عن الزَّوْجِ؟ فقُلْنَ: شَهْرَين، وفي الثَّالِثِ يقِل الصَّبْرُ، وفي الرَّابعِ يَنْفَذ الصَّبْرُ. فكتَبَ إلى أُمَراءِ الأجْنادِ، أنَّ لا تَحْبِسُوا رَجُلًا عن امْرأتِه أكْثَرَ مِن أرْبَعَةِ أشْهُر (٤). فصل: إذا عَلَّقَ الإيلاءَ بشَرْطٍ (٥) مُسْتَحيل، كقَوْلِه: واللهِ لا وَطِئْتك حتى تَصْعَدِي السَّماءَ. أو: تَقْلِبِي الحَجَرَ ذَهَبًا. أو: يَشِيبَ الغرَابُ. فهو مُولٍ؛ لأنَّ مَعْنى ذلك تَرْكُ وَطْئِها، فإنَّ ما يُراد إحالة وُجُودِه يُعَلَّق على المُسْتَحِيلاتِ، قال اللهُ تعالى في الكفَّارِ: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ (٦). مَعْناه لا يَدْخلونَ الجَنَّةَ أُبدًا. وقال بعْضهم (٧):

стр. 11233

أوْ يُعَلِّقَهُ عَلَى شَرْطٍ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي أقَلَّ مِنْهَا، مِثْلَ أنْ يَقُولَ: وَاللهِ لَا وَطِئْتُكِ حَتَّى يَنْزِلَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ. أوْ: يَخْرُجَ الدَّجَّالُ. أوْ: مَا عِشْتُ. ــ إذا شاب الغُرابُ أتَيتُ أهْلِي ... وصارَ القارُ كاللَّبَنِ الحَلِيبِ ٣٦٧٩ - مسألة: (أو يُعَلِّقَه على شَرْطٍ يَغْلِبُ على الظَّنِّ أنَّه لا يُوجَدُ في أقَلَّ) مِن أرْبَعَةِ أشْهُر، كقَوْلِه: (واللهِ لا وَطِئْتُكِ حتى يَنْزِلَ عِيسى بنُ مريمَ. أو: يَخْرُجَ الدَّجَّالُ) أو الدَّابَّةُ. أو غير ذلك مِن أشْرَاطِ الساعَةِ (أو: ما عِشْتُ) أو: حتى أمُوتَ. أو: تَمُوتِي. أو: يَمُوتَ وَلَدُكِ. أو: زَيدٌ. أو: حتى يَقْدَمَ زَيدٌ مِن مَكَّةَ. والعادَةُ أنَّه لا يَقْدَمُ في أرْبَعَةِ أشْهُر، فإَّنه يكونُ مُولِيًا؛ لأنَّ الغالِبَ أنَّ ذلك لا يُوجَدُ في أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، فأشْبَهَ ما لو قال: والله لِا وَطِئْتُكِ في نِكاحِي هذا. وكذلك لو عَلَّقَ الطَّلاقَ على مَرَضِها أو مَرَضِ إنسانٍ (١) بعَينِه. وإن قال: واللهِ لا وَطِئْتُكِ إلى قِيامِ السَّاعةِ. أو: حتى آتِيَ الهِنْدَ. أو نحوَه، فهو مُولٍ؛ لأنَّه مَعْلُومٌ أنَّه لا يُوجَدُ ذلك في أرْبعَةِ أشْهُرٍ؛ لأنَّ قِيامَ الساعَةِ له عَلاماتٌ تَسْبِقُه، فقد علمَ أنَّه لا يُوجَدُ في المُدَّةِ المَذْكُورَةِ.

стр. 11234

أَوْ: حَتَّى تَحْبَلِي؛ لأنَّهَا لَا تَحْبَلُ إِذَا لَمْ يَطَأْهَا. وَقَال الْقَاضِي: اذَا قَال: حَتَّى تَحْبَلِي. وَهِيَ مِمَّنْ يَحْبَلُ مِثْلُهَا، لَمْ يَكُنْ مُولِيًا. ــ ٣٦٨٠ - مسألة: وإن قال: واللهِ لا وَطِئْتُكِ (حتى تَحْبَلِي) فهو مُولٍ، لأنَّ حَبَلَها بغيرِ (١) وَطْءٍ مُسْتَحِيلٌ عادةً، فهو كصُعُودِ السَّماءِ. وقال القاضي، وأبو الخَطَّاب، وأصحابُ الشافعيِّ: ليس بمُولٍ، إلَّا أن تكونَ صَغِيرةً يَغْلِبُ على الظَّنِّ أنَّها لا تَحْمِلُ في أرْبَعةِ أشْهُرٍ، أو تكونَ آيِسَةً، فأمَّا إن كانت مِن ذواتِ الأقْراءِ، لم يَكُنْ مُولِيًا؛ لأنَّ حَمْلَها مُمْكِن. [قال القاضي: إذا كانتِ الصغيرةُ بنتَ تِسْعٍ، لم يكُنْ موليًا؛ لأنَّ حَمْلَها مُمْكِن] (٢). ولَنا، أنَّ الحَمْلَ بدُونِ الوَطْءِ مُسْتَحِيل عادةً، فكان تَعْلِيقُ اليَمِينِ عليه إيلاءً، كصُعُودِ السَّماءِ، ودَلِيلُ اسْتِحالتِه قَوْلُ مَرْيَمَ: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ (٣). ولولا اسْتِحالتُه لَمَا نَسَبَتْ نَفْسَها إلى البِغاءِ لوُجُودِ الوَلَدِ. وأيضًا قولُ عمرَ، ﵁: الرَّجْمُ حَقٌّ على مَن زَنَى وقد أحْصَنَ،

стр. 11235

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إذا قامَتْ به البَيِّنَةُ، أو كان الحَبَل، أو الاعْتِرافُ (١). ولأنَّ العادَةَ أنَّ الحَبَلَ لا يُوجَدُ مِن غيرِ وَطْء. فإن قالوا: يُمْكِن حَبَلُها مِن وَطْءِ غيرِه، أو باسْتِدْخَالِ مَنِيِّه. قُلْنا: أمَّا الأوَّلُ فلا؛ فإنَّه لو صَرَّحَ به، فقال: لا وَطِئْتُك حتى تَحْبَلِي مِن غيري. أو: ما دُمْتِ في نِكاحِي. أو: حتى تَزْنِي. كان مولِيًا، ولو صَحَّ ما ذَكَرُوه لم يكُنْ مولِيًا. وأما الثَّاني، فهو مِن المُسْتَحِيلاتِ عادَةً، إن وُجِدَ كان مِن خَوارِقِ العَاداتِ، بدَليلِ ما ذَكَرْناه. وقد قال أهْلُ الطِّبِّ: إنَّ المَنِيَّ إذا بَرَدَ لم يُخَلَّقْ منه وَلَدٌ. وصَحَّحَ قَوْلَهم قِيامُ الأدِلَّةِ التي ذَكَرْنا بعْضَها، وجَرَيانُ العادَةِ على وَفْقِ ما قالُوه. وإذا كان تَعْلِيقُه على مَوْتِها أو مَوْتِه إيلاءً، فتَعْلِيقُه على حَبَلِها مِن غيرِ وَطْء أوْلَى. فإن قال: أرَدْتُ بقَوْلِي: حتى تَحْبَلِي. السَّبَبِيَّةَ، ولم أُرِدِ الغَايَةَ.

стр. 11236

وَإنْ قَال: وَاللهِ لَا وَطِئْتُكِ مُدَّةً. أوْ: لَيَطُولَنَّ تَرْكِي لِجِمَاعِكِ. لَمْ يَكُنْ مُولِيًا حَتَّى يَنْويَ أَرْبَعَةَ أشْهُرٍ. وإنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ الْوَطْء حَتَّى يَقْدَمَ زَيدٌ، أَوْ نَحْوهِ مِمَّا لَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ عَدَمُهُ فِي أرْبَعَةِ أَشْهُرٍ. أوْ: لَا وَطِئْتُكِ فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ. لَمْ يَكُنْ مُولِيًا. ــ ومعْناه لا أطَؤُكِ لتَحْبَلِي. قُبِلَ منه، ولم يكُنْ مُولِيًا؛ لأنَّه ليس بحالِفٍ على تَرْكِ الوَطْءِ، وإنَّما حَلَفَ على تَرْكِ قَصْدِ الحَبَلِ به، فإنَّ «حتى» تُسْتَعْمَلُ بمَعْنَى السَّبَبِيَّةِ. ٣٦٨١ - مسألة: (وإن قال: واللهِ لا وَطِئْتُكِ مُدَّةً. أو: ليَطُولَنَّ تَرْكِي لجِماعِكِ. لم يَكُنْ مُولِيًا حتى يَنْويَ) أكْثَرَ من (أرْبَعَةِ أشْهُر) لأنَّ ذلك يَقَعُ على القَلِيلِ والكَثِيرِ، فلا يَصِيرُ مُولِيًا به. فإن نَوَى أكْثَرَ مِن أرْبَعَةِ أشْهُر صار مُولِيًا. ٣٦٨٢ - مسألة: (وإن حَلَفَ على تَرْكِ الوَطْءِ حتى يَقْدَمَ زَيدٌ، أو نَحْوه مِمَّا لا يَغْلِبُ على الظنِّ عَدَمُه في أرْبعَةِ أشْهُرٍ. أو: لا وَطِئْتُكِ

стр. 11237

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في هذه البَلْدَةِ. لم يَكُنْ مُولِيًا) لأنَّه لا يُعْلَمُ قَدْرُه، فهذا ليس بإيلاءٍ؛ لكَوْنِه لا يُعْلَمُ حَلِفُه على أكْثَرَ مِن أرْبَعةِ أشْهُرٍ، ولأنَّه يُمْكِنُه وَطْؤُها في غيرِ البَلْدَةِ المَحْلُوفِ عليها. وهذا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ، وأبي حنيفةَ وصاحِبَيه. وقال ابنُ أبي لَيلَى، وإسْحاقُ: هو مُولٍ؛ لأنَّه حالِف على تَرْكِ وَطْئِها. ولَنا، أنَّه يُمْكِنُ وَطْؤُها بغيرِ حِنْثٍ، فلم يَكُنْ مُولِيًا، كما لو اسْتَثْنَى في يَمِينه. فإن عَلَّقَه على ما يُعْلَمُ أنَّه يُوجَدُ في أقَلَّ مِن أرْبَعةِ أشْهُرٍ، أو يُظَنُّ ذلك، كذُبُولِ بَقْلٍ، وجَفافِ ثَوْبٍ، ونُزُولِ المَطرَ في أوانِه، وقُدُومِ الحاجِّ في زمانِه. فهذا لا يَكُونُ مُولِيًا؛ لِما ذَكَرْناه، ولأنَّه لم يَقْصِدِ الإضْرارَ بتَرْكِ وَطْئِها أكْثَرَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، أشْبَهَ ما لو قال: واللهِ لا وَطِئْتُكِ شَهْرًا. فصل: فإن عَلَّقَه على فِعْل منها، هي قادِرة عليه، أو فِعْل مِن غَيرِها، فهو مُنْقَسِمٌ ثَلاثةَ أقْسام؛ أحدها، أنَّ يُعَلِّقَه على فِعْل مُباح لا مَشَقَّةَ فيه، كقَوْلِه: واللهِ لا أطَؤُكِ حتى تَدْخُلِي الدَّارَ. أو: تَلْبَسي هذا الثَّوْبَ. أو: حتى أتَنَفَّلَ بصَوْمِ يَوْمٍ. أو: حتى أكْسُوَكِ. فهذا ليس بإيلاءٍ؛ لأنَّه مُمْكنُ الوُجُودِ بغيرِ ضَرَرٍ عليها فيه. الثَّاني، أنَّ يُعَلِّقَه على مُحَرَّم، كقَوْل: واللهِ لا أطَؤُكِ حتى تشْرَبِي الخَمْرَ. أو: تَزْنِي. أو: تُسْقِطِي وَلَدَكِ. أو: تَتْرُكِي صَلاةَ الفَرْضِ. أو: حتى أقْتُلَ زَيدًا. أو: نحوه. فهذا إيلاءٌ لأنَّه عَلَّقَه بمُمْتَنِعٍ (١) شَرْعًا، فأشْبَهَ المُمْتَنِعَ حِسًّا.

стр. 11238

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الثَّالِثُ، أنَّ يُعَلِّقَه على ما على فاعِلِه فيه مَضَرَّة، كقَوْلِه: واللهِ لا أطَؤُكِ حتى تُسْقِطِي صَداقَكِ عنِّي (١). أو: دَينَكِ (٢). أو: حتى تَكْفُلِي وَلَدِي. أو: حتى تَهَبيني دارَكِ. أو: حتى يَبِيعَنِي أبُوكِ دارَه. أو: نحو ذلك. فهذا إيلاءٌ؛ لأَنَّ أخْذَه لمالِها أو مالِ غيرِها عن غيرِ رضا صاحِبِه مُحرَّمٌ، فجرى مَجْرى شُرب الخَمْرِ. فإنْ قال: واللهِ لا أطَؤُكِ حتى أُعْطِيَكِ مالًا. أو: أفْعَلَ في حَقِّكِ جَمِيلًا. لم يَكُنْ إيلاءً؛ لأنَّ فِعْلَه ذلك ليسَ بمُحَرَّم ولا مُمْتَنِعٍ، فَجَرَى مَجْرَى قَوْلِه: حتى أصُومَ يَوْمًا. فصل: فإن قال: واللهِ لا وَطِئْتُكِ إلَّا برِضَاكِ. لم يكُنْ مُولِيًا؛ لإِمْكانِ وَطْئِهَا بغيرِ حِنْثٍ، ولأنَّه مُحْسِنٌ في كَوْنِه ألْزَمَ نَفْسَه اجْتِنابَ سَخَطِها. وعلى قِياسِ ذلك كُلُّ حالٍ يُمْكِنُهْ الوَطْءُ فيها بغيرِ حِنْثٍ، كقَوْلِه: واللهِ لا وَطِئْتُكِ مُكْرَهَةً، أو مَحْزُونَةً. ونحوَ ذلك. فإن قال: واللهِ لا وَطِئْتُكِ مَرِيضَةً. لم يَكُنْ مُولِيًا، إلَّا أنْ يكونَ بها مَرَضٌ لا يُرْجَى بُرْؤُه، أو لا يَزُولُ في أرْبَعَةِ أشْهُر، فيَنْبَغِي أنَّ يكونَ مُولِيًا؛ لأنَّه حالِف على تَرْكِ وَطْئِها أرْبعَةَ أشْهُرٍ. فإن قال ذلك لها وهي صَحِيحَةٌ، فمَرِضَتْ مَرَضًا يُمْكِنُ بُرْؤُه قبلَ أرْبَعةِ أشْهُر، لم يَصِرْ مُولِيًا، وإن لم يُرْجَ بُرْؤُه فيها، صارَ مُولِيًا، وكذلك إن كان الغالِبُ أنَّه لا يَزُولُ في أرْبَعةِ أشْهُر؛ لأنَّ ذلك بمَنْزِلَةِ ما لا يُرْجَى زَوالُه. وإن قال: واللهِ لا وَطِئْتُكِ حائِضًا. أو: نُفَساءَ. أو: مُحْرِمَةً.

стр. 11239

وَإنْ قَال: إِنْ وَطِئْتُكِ فَوَالله لا وَطِئْتُكِ. أوْ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَوَ اللهِ لَا وَطِئْتُكِ. لَمْ يَصِرْ مُولِيًا حَتَّى يُوجَدَ الشَّرْطُ. وَيَحْتَمِلُ أنْ يَصِيرَ مُولِيًا فِي الْحَالِ. ــ أو: صائِمةً فَرْضًا. لم يَكُنْ مُولِيًا؛ لأنَّ ذلك مَمْنُوعٌ منه شَرْعًا. فقد أكَّدَ مَنْعَ نَفْسِه بيَمِينِه. وإن قال: واللهِ لا وَطِئْتُكِ طاهِرًا. أو: لا وَطِئْتُكِ وَطْأ مُباحًا. صارَ مُولِيًا؛ لأنَّه حالِفٌ على تَرْكِ الوَطْءِ الذي يُطالبُ به في الفَيئَةِ، فكانَ مُولِيًا، كما لو قال: واللهِ لا وَطِئْتُكِ (١) في قُبُلِكِ. وإن قال: واللهِ لا وَطِئْتُكِ لَيلًا. أو: واللهِ لا وَطِئْتُكِ نَهارًا. لم يكُنْ مُولِيًا؛ لأنَّ الوَطْءَ مُمْكِنٌ بدُونِ الحِنْثِ. ٣٦٨٣ - مسألة: (وإن قال: إن وَطِئْتُكِ فو اللهِ لا وَطِئْتُكِ. أو: إن دَخَلْتِ الدَّارَ فواللهِ لا وَطِئْتُكِ. لم يَكُنْ مُولِيًا) في الحالِ؛ لأنَّه لا يَلْزَمُه بالوَطْءِ حَق، لكن إن وَطِئَها، أو دَخَلَتِ الدَّارَ، صار مُولِيًا؛ لأنَّها تَبْقَى يَمِينًا تَمْنَعُ الوَطْءَ على التَّأْبِيدِ. وهذا الصَّحِيحُ عن الشافعيِّ (ويَحْتَمِلُ أنَّ يكونَ مُولِيًا) وحُكِيَ عنه قَوْلٌ قَدِيمٌ، أنَّه يكونُ مُولِيًا مِن الأوَّلِ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه الوَطْءُ إلَّا بأن يَصِيرَ مُولِيًا، فيَلْحَقُه بالوَطْءِ ضَرَرٌ،

стр. 11240

وَإنْ قَال: وَاللهِ لَا وَطِئْتُكِ في هَذِهِ السَّنَةِ إلا مَرَّةً. لَمْ يَصِرْ مُولِيًا حَتَّى يَطَأَها وَقَدْ بَقِيَ مِنْهَا أَكْثَرُ مِنْ أَربَعَةِ اشْهُر. ــ ولأنَّه عَلَّقَه على شيءٍ إذا وُجِدَ صار مُولِيًا، فيَصِيرُ مُولِيًا في الحالِ، [كما إذا قال: إن وَطِئْتُكِ، لا دَخَلْتِ الدارَ. فإنَّه يَصِيرُ مُولِيًا في الحالِ] (١)، كذلك ها هنا. ولَنا، أنَّ يَمِينَه مُعَلَّقَة على شَرْطٍ، ففِيمَا قبلَه ليس بحالِفٍ، فلا يكونُ مُولِيًا، ولأنَّه يُمْكِنُه الوَطْءُ مِن غيرِ حِنْثٍ، فلم يَكُنْ مُولِيًا، كما لو لم يَقُلْ شيئًا. ٣٦٨٤ - مسألة: (وإن قال: واللهِ لا وَطِئْتُكِ في السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً. لم يَصِرْ مُولِيًا) في الحَالِ؛ لأنَّه يُمْكِنُه الوَطءُ بغيرِ حِنْثٍ، فلم يَكنْ مَمْنُوعًا مِن الوَطْءِ بحُكْمِ يَمِينه. فإن وَطِئَها وقد بَقِيَ مِن السَّنَةِ أكثرُ مِن أرْبَعةِ أشهُر، صار مُولِيًا. وهذا قَوْلُ أبي ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْي، وظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ. وقال الشافعيُّ في القَدِيمِ: يكونُ مُولِيًا في الحالِ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه الوَطْءُ إلَّا بأن يَصِيرَ مُولِيًا، فيَلْحَقُه بالوَطْءِ ضَرَرٌ. ولَنا، أنَّ يَمِينَه مُعَلَّقَةٌ بالإصابَةِ، فَقبْلَها لا يكونُ حالِفًا؛ لأنَّه لا يَلْزَمُه بالوَطْءِ شيءٌ، وكَوْنُه يَصِيرُ مُولِيًا لا يَلْزَمُه (٢) شيءٌ إنَّما يَلْزَمُه بالحِنْثِ. وقَوْلُه: لا يُمْكِنُه الوَطْءُ
следующие страницы →