← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 11586–11625 · переход к 11591.

стр. 11586

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قولُ مالِكٍ، والشافعيِّ، وأصْحابِ الرَّأي، وغيرِهم. وغالِبُه تِسْعَةُ أشْهُرٍ؛ لأن غالِبَ النِّساءِ كذلك، وهذا أمْرٌ مَعْرُوفٌ بينَ الناسِ. وأكْثَرُ مُدَّةِ الحَمْلِ أرْبَعُ سِنِينَ. هذا ظاهِرُ المذهبِ. وبه قال الشافعيُّ، وهو المَشْهُورُ عن مالِكٍ. ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّ أقْصَى مُدَّتِه سَنَتانِ. رُوِيَ ذلك عن عائشةَ. وهو مذهبُ. الثَّوْرِيِّ، وأبي حنيفةَ؛ لِمَا رَوَتْ جَميلةُ بنت سَعْدٍ، عن عائشةَ: لا تَزِيدُ المرأةُ على السَّنَتَين في الحَمْل (١). ولأنَّ التَّقْديرَ إنَّما يُعْلَمُ بتَوْقِيفٍ (٢) أو اتِّفاقٍ، ولا تَوْقِيفَ ههُنا، والاتِّفاقُ إنَّما هو على ما ذكَرْنا. وقد وُجِدَ ذلك، فإنَّ الضَّحَّاكَ بنَ مُزَاحِم (٣)، وهَرِمَ بنَ حَيَّانَ (٤)، حَمَلَتْ أُمُّ كلِّ واحدٍ منهما به سَنَتَين. وقال اللَّيثُ: أقْصاهُ ثَلاثُ (٥) سِنِينَ، حَمَلَتْ مَوْلاةٌ لعمرَ بنِ [عبدِ الله] (٦) ثَلاثَ سِنِينَ. وقال عَبَّادُ بنُ العَوَّامِ: خَمْسُ سِنِينَ. وعن الزُّهْرِيِّ قال: قد تَحْمِلُ المرأةُ ستَّ سِنِينَ، وسَبْعَ سِنِينَ. وقال أبو عُبَيدٍ: ليس لأقْصاه وَقْتٌ يُوقَف عليه.

стр. 11587

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولَنا، أنَّ ما لَا نَصَّ فيه يُرْجَعُ فيه إلى الوُجُودِ، وقد وُجِدَ الحَمْلُ أرْبَعَ سِنِينَ، فروَى الوَلِيدُ بنُ سلِم، قال: قلتُ لمالِكٍ: حَدِيثُ جَميلةَ بنتِ سَعْدٍ، عن عائشةَ: لا تَزِيدُ المرأةُ على السَّنَتَين في الحَمْلِ. قال مالكٌ: سُبْحانَ اللهِ، مَن يقولُ هذا؟ هذه جارَتُنا امرأةُ محمدِ بنِ عَجْلانَ تَحْمِلُ أرْبعَ سِنِينَ قبلَ أن (١) تَلِدَ (٢). وقال الشافعيُّ: بَقِيَ محمدُ بنُ عَجْلانَ في بَطْنِ أُمِّه أرْبَعَ سِنِينَ (٣). قال أحمدُ: نِساءُ بني عَجْلانَ يَحْمِلْنَ أرْبَعَ سِنِينَ، وامرأةُ عَجْلانَ حَمَلَتْ ثَلاثَ بُطُونٍ، كلَّ دَفْعَةٍ أرْبَعَ سِنِينَ. وبَقِيَ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ الحسنِ بنِ [الحَسنِ بنِ] (٤) عليٍّ في بَطْنِ أُمِّه أرْبَعَ سِنِينَ. وهكذا إبْراهيمُ بنُ نَجِيح العُقَيليُّ. حَكَى ذلك أبو الخَطَّابِ. وإذا تَقَرَّرَ وُجُودُه، وجَبَ أن يُحْكَمَ به، ولا يُزادَ عليه؛ لأنَّه ما وُجِدَ، ولأنَّ عمرَ ضَرَبَ لامْرأةِ المَفْقُودِ أرْبَعَ سِنِينَ، ولم يَكُنْ ذلك إلَّا لأنَّه غايةُ (٥) الحَمْلِ. ورُوِيَ ذلك عن عثمانَ، وعلي، وغيرِهما. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ

стр. 11588

وَأقَلُّ مَا يَتَبَيَّنُ بِهِ الْوَلَدُ أَحَدٌ وَثَمانُونَ يَوْمًا. ــ المرأةَ إذا وَلَدَتْ لأرْبَعِ سِنِينَ فما دُونَ (١)، مِن يَوْم موتِ الزَّوْج أو طَلاقِه، ولم تكنْ تَزَوَّجَتْ، ولا وُطِئَتْ، ولا انْقَضَت عِدَّتُها بالقُرُوءِ، ولا بوَضْعِ الحَمْلِ، فإنَّ الوَلَدَ لاحِقٌ بالزَّوْجِ، وعِدَّتُها تَنْقَضِي به (٢). ٣٨٤٥ - مسألة: (وأقَلُّ ما يَتَبَيَّنُ به الوَلَدُ أحَدٌ وثَمانُونَ يَوْمًا) وهو أقَلُّ ما تَنْقَضِي بهِ العِدَّةُ مِن الحَمْلِ، وهو أن تَضَعَه بعدَ ثَمانِينَ يَوْمًا مُنْذ أمْكَنَه وَطْؤُها؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إنَّ خَلْقَ أحَدِكُمْ يُجْمَعُ (٣) في بَطْنِ أُمِّه، فَيَكُونُ نُطْفَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يكُونُ عَلَقَة مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ» (٤). ولا تَنْقَضِي العِدَّةُ بما دُونَ المُضْغَةِ، فوَجَبَ أن يكونَ بعدَ الثمانِينَ، فأمَّا بعدَ أرْبَعةِ أشْهُرٍ، فليس فيه إشْكالٌ؛ لأنَّه

стр. 11589

فَصلٌ: الثَّانِي، الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، عِدَّتُهَا أرْبَعَةُ أشْهُرٍ وَعَشْرٌ إِنْ كَانَتْ حُرَّةً، وَشَهْرَانِ وَخَمْسَةُ أَيَّام إِنْ كَانَتْ أمَةً، وَسَوَاءٌ مَا قَبْلَ الدُّخُولِ وبَعْدَهُ. ــ [يُنَكَّسُ في الخَلْقِ الرَّابع] (١). فصل: الضربُ (الثاني، المُتَوَفَّى عنها زَوْجُها، فعِدَّتُها أرْبَعةُ أشْهُرٍ وعشرٌ إن كانت حُرَّةً، وشَهْران وخَمْسةُ أيام إن كانت أمَةً، وسواءٌ ما قبلَ الدُّخُولِ وبعدَه) أجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ عِدَّةَ الحُرَّةِ المُسْلِمةِ غيرِ ذاتِ الحَمْلِ مِن وفاةِ زَوْجِها أرْبَعةُ أشْهُرٍ وعَشْرٌ، مَدْخُولًا بها أو غيرَ مَدْخُولٍ بها، سواء كانت بَالِغَةً أو لم تَبْلُغْ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (٢). وقال النبيُّ ﷺ : «لَا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ باللهِ والْيَوْمِ الآخِرِ أنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ، إلَّا عَلَى زَوْج، أرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وعَشْرًا». مُتَّفَقٌ عليه (٣). فإن

стр. 11590

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قيل: ألا حَمَلْتُم الآيةَ على المَدْخُولِ بها، كما قُلْتُمْ في قولِه تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (١). قُلْنا: إنَّما خَصَصنا هذه بقولِه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ (٢). ولم يَرِدْ تَخْصِيصُ عِدَّةِ الوَفاةِ، ولا أمْكَنَ قِياسُها على المُطَلَّقةِ في التَّخْصِيصِ لوَجْهَين؛ أحدُهُما (٣)، أنَّ النِّكاحَ عَقْدُ عُمْرٍ، فإذا مات انْتَهَى، والشيءُ إذا انْتَهَى تقرَّرَتْ أحْكامُه، كتَقَرُّرِ أحْكامِ الصِّيامِ بدُخُولِ اللَّيلِ، وأحْكامِ الإجارَةِ بانْقِضائِها، والعِدَّةُ مِن أحْكامِه. الثاني، أنَّ المُطَلَّقةَ إذا أتَتْ بولَدٍ يُمْكِنُ الزَّوْجَ تَكْذِيبُها ونَفْيُه باللِّعانِ، وهذا مُمْتَنِعٌ في حَقِّ المَيِّتِ، فلا يُؤمَنُ أن تَأتِيَ بولَدٍ، فيَلْحَقَ المَيِّتَ نَسَبُه، وما له مَن يَنْفِيه، فاحْتَطْنا بإيجابِ العِدَّةِ عليها لحِفْظِها عن التَّصَرُّفِ والمَبِيتِ في غيرِ مَنْزِلِها، حِفْظًا لها. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه لا يُعْتَبَرُ وُجُودُ الحَيضِ في عِدَّةِ الوَفاةِ، في قَوْلِ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ. وحُكِيَ عن

стр. 11591

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مالكٍ، أنَّها إذا كانت مَدْخولًا بها، وجَبَت أرْبَعة أشْهُرٍ وعَشْرٌ فيها حَيضَةٌ. واتِّباعُ الكِتابِ والسُّنَّةِ أوْلَى، ولأنَّه لو اعْتبِرَ الحَيضُ في حَقِّها، لَاعْتبِرَ ثَلاثَةَ قُروءٍ، كالمُطَلَّقَةِ. وهذا الخِلافُ مخْتَصٌّ بذاتِ القروءِ، فأمَّا الآيِسَة والصَّغِيرة، فلا خِلافَ فيهما. وأمَّا الأمَة المُتَوَفَّى عنها، فعِدَّتها شَهْران وخَمْسَة أيَّام، في قَوْلِ عامَّةِ أهْلِ العلمِ؛ منهم سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، وسليمان بنُ يَسارٍ، والزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ، ومالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْي، وغيرُهم، إلَّا ابنَ سِيرِينَ فإنَّه قال: ما أرَى عِدَّةَ الأمَةِ إلَّا كعِدَّةِ الحُرَّةِ، إلَّا أن تكونَ قد مَضَتْ في ذلك سُنَّةٌ، فإنَّ السُّنَّةَ أحَقُّ أن تُتَّبَعَ. وأخَذَ بظاهِرِ اللَّفْظِ وعُمُومِه. ولَنا، اتِّفاقُ الصَّحابةِ، ﵃، على أنَّ عِدَّةَ الأمَةِ المُطَلَّقَةِ على النِّصْف مِن عِدَّةِ الحُرَّةِ، فكذلك عِدَّةُ الوَفاةِ. فصل: والعَشْرُ المُعْتَبَرَةُ (١) في العِدَّةِ هي عشْرُ لَيالٍ، فيَجِبُ عشَرةُ أيَّام مع اللَّيالِي. وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو عُبَيدٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصْحابُ الرَّأي. وقال الأوْزاعِيُّ: يَجِبُ عَشْرُ لَيالٍ وتِسْعةُ أيام؛ لأنَّ العَشْرَ تسْتَعْمَلُ في اللَّيالِي دُونَ الأيَّامِ، وإنَّما دَخَلَتِ الأيامُ اللَّاتِي في أثْناءِ اللَّيالِي تَبَعًا. قُلْنا: العَرَبُ تُغَلِّبُ حُكْمَ التَّأْنِيثِ في العَدَدِ خاصَّةً على

стр. 11592

فَإِنْ مَاتَ زَوْجُ الرَّجْعِيَّةِ، اسْتَأْنَفَتْ عِدَّةَ الوَفَاةِ مِنْ حِينِ مَوْتِهِ، وَسَقَطَتْ عِدَّةُ الطَّلَاقِ، ــ المُذَكَّرِ، فتُطْلِقُ لَفْظَ اللَّيالِي وتُرِيدُ الليالِيَ بأيَّامِها، كما قال الله تَعالى لزَكَرِيَّا: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَويًّا﴾ (١). يريدُ بأيَّامِها، بدليلِ أنَّه قال في موضع آخَرَ: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلا رَمْزًا﴾ (٢). ولو نَذَرَ اعْتِكافَ العَشْرِ الأخيرِ مِن رمضانَ، لَزِمَه اللَّيالِي والأَيَّامُ. ويقولُ القائِلُ: سِرْنا عَشْرًا. يُرِيدُ اللَّيالِيَ بأيَّامِها. فلم يَجُزْ نَقْلُها عن العِدَّةِ إلى الإِباحَةِ بالشَّكِّ. ٣٨٤٦ - مسألة: (وإن مات زَوْجُ الرَّجْعِيَّةِ) في عِدَّتِها (اسْتأنَفَتْ عِدَّةَ الوَفاةِ مِن حِينِ مَوْتِه، وسَقَطَتْ عِدَّةُ الطَّلاقِ) وهذا لا خِلَافَ فيه. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ على ذلك؛

стр. 11593

وإنْ طَلقَهَا في الصِّحَّةِ طَلَاقًا بَائِنًا، ثُمَّ مَاتَ في عِدَّتِهَا، لَمْ تَنْتَقِلْ عَنْ عِدَّتهَا، ــ لأنَّ الرَّجْعِيَّةَ زَوْجَةٌ يَلْحَقُها طَلاقُه، ويَنالُها مِيراثُه، فاعْتَدَّتْ للوَفاةِ، كغيرِ المُطَلَّقَةِ. [وحَكَى في «المُحَرَّرِ» أنَّها تَعْتَدُّ أطْوَلَ الأجَلَين، وهو بَعِيدٌ] (١). ٣٨٤٧ - مسألة: (وإن طَلَّقَها في الصِّحَّةِ طَلَاقًا بَائِنًا، ثُمَّ مات في عِدَّتِهَا، لم تَنْتَقِلْ عَن عِدَّتِهَا) وتَبْنِي على عِدَّةِ الطَّلاقِ، [ولَا تَعْتَدُّ لِلوَفاةِ. وهذا قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأبي عُبَيدٍ، وابنِ المُنْذِرِ. وقال الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ: عليها أطْوَلُ الأجَلَين، كما لو طَلّقَها في مَرَضِ مَوْتِه. ولَنا، قولُه سُبْحانَه: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾. ولأنَّها أجْنَبِيَّةٌ منه في نِكاحِه، ومِيراثِه، والحِلِّ له، ووُقوعِ طلاقِه وظِهارِه، وتَحِلُّ له أخْتُها، وأرْبَعٌ سِوَاها، فلم تَعْتَدَّ لوفاتِه، كما لو انْقَضَتْ] (٢)

стр. 11594

وَإِنْ كَانَ الطَّلاقُ في مَرَضِ مَوْتِه، اعْتَدَّتْ أطْوَلَ الْأجَلَينِ؛ مِنْ عِدَّةِ الطَّلَاقِ وَعِدَّةِ الْوَفَاةِ. ــ [عِدَّتُها. وذكَر القاضي، في المُطَلَّقَةِ في المرضِ، أنَّها إذا كانتْ حامِلًا، تَعْتَدُّ أطْوَلَ الأجَلَينِ. وليس بشيءٍ، فإنّ الحَمْلَ تَنْقَضِي بوَضْعِه كلُّ عِدَّةٍ، ولا يجوزُ أن يَجِبَ عليها الاعْتِدادُ بغيرِ الحَمْلِ، لِما ذكَرْناه] (١). والله أعلمُ. ٣٨٤٨ - مسألة: (وإن كان الطَّلاقُ في مَرَضَ مَوْتِه، اعْتَدَّتَ أطْوَلَ الأجْلَين؛ مِن عِدَّةِ الطَّلاقِ وعِدَّةِ الوَفاةِ) نَصَّ على هذا أحمدُ. وبه قال الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ، ومحمدُ بنُ الحسنِ. وقال مالِكٌ، والشافعيُّ، وأبو عُبَيدٍ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: تَبْنِي على عِدَّةِ الطَّلاقِ؛ لأنَّه مات وليست زَوْجةً له، لأنَّها بائنٌ مِن النِّكاحِ، فلا تكونُ مَنْكوحَةً. وعن أحمدَ مثلُ ذلك. وعنه روايةٌ ثالِثَةٌ، أنَّها تَعْتَدُّ عِدَّةَ الوَفاةِ فقط. ذَكَرَ هاتَين في «المُحَرّرِ»؛ لأنَّها تَرِثُه، أشْبَهَتِ الرَّجْعِيَّةَ.

стр. 11595

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والأُولَى ظاهِرُ المذهبِ. ووَجْهُ ذلك، أنَّها وارِثَةٌ، فتَجِبُ عليها عِدَّةُ الوَفاةِ كالرُّجْعِيَّةِ، ويَلْزَمُها عِدَّةُ الطَّلاقِ، لِما ذكَرُوه في دَلِيلهم. فصل: وإن مات المريضُ المُطَلِّقُ بعدَ انْقِضاءِ عِدَّتِها بالحِيَضِ، أو بالشُّهورِ، أو بوَضْعِ الحَمْلِ، أو كان طَلاقُه قيلَ الدُّخولِ، فليس عليها عِدَّةٌ لمَوْتِه. وقال القاضي: عليهنَّ (١) عِدَّةُ الوَفاةِ إذا قُلْنا: [يَرِثْنَه؛ لأنَّهنَّ يَرِثْنَه بالزوجيةِ] (٢)، فتَجِبُ عليهنَّ (١) عِدَّةُ الوَفاةِ، كما لو مات بعدَ الدُّخُولِ قبلَ قَضاءِ العِدَّةِ. ورواه أبو طالبٍ عن أحمدَ، في التي انْقَضَتْ عِدَّتُها. وذكَر ابنُ أبي موسى فيها رِوايتَين. والصَّحِيحُ أنَّها لا عِدَّةَ عليها؛

стр. 11596

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾.وقال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾. وقال: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ (١). فلا يجوزُ تَخْصِيصُ هذه النُّصوصِ بالتَّحَكمِ، ولأنَّها أجْنَبِيَّة تَحِلُّ للأزْواجِ، ويَحِلُّ للمُطَلِّقِ نِكاحُ أُخْتِها وأرْبَع سِوَاها، فلم تَجِبْ عليها عِدَّةٌ لمَوْتِه، كما لو تَزَوَّجَتْ، وتُخالِفُ التي مات زَوْجُها في عِدَّتِها، فإنَّها لا تَحِلُّ لغيرِه في هذه الحالِ، ولم تَنْقَضِ عِدَّتُها، ونَمْنَعُ أنَّها تَرِثُه؛ لأنَّها لو وَرِثَتْه لأَفْضَى إلى أن يَرِثَ الرَّجُلَ ثَمانِيَ زَوْجاتٍ. فأمَّا إن تَزَوَّجَتْ إحْدَى هؤلاءِ، فلا عِدَّةَ عليها، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه، ولا تَرِثُه. فإن كانتِ المُطَلَّقَةُ البائِنُ لا تَرِثُ، كالأمَةِ، أو الحُرةِ يُطَلِّقُها العَبْدُ، أو الذِّمِّيَّةِ يُطَلِّقُها المُسْلِمُ، والمُخْتَلِعَةِ أو فاعلةِ ما يَفْسَخُ نِكاحَها، لم يَلْزَمْها عِدَّةٌ، سَواءٌ مات زَوْجُها في عِدَّتِها أو بعدَها، على قياسِ قَوْلِ أصْحابِنا؛ لأنَّهم عَللُوا نَقْلَها إلى عِدَّةِ الوَفاةِ بإرْثِها، وهذه ليست وارِثَةً، فأشْبَهَتِ المطَلَّقَةَ في الصِّحَّةِ.

стр. 11597

وَإنِ ارْتَابَتِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا لِظُهُورِ أَمَارَاتِ الْحَمْلِ؛ مِنَ الْحَرَكَةِ، وانْتِفَاخِ الْبَطْنِ، وانْقِطَاعِ الحَيضِ قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ، لَمْ تَزَلْ في عِدَّةٍ حَتَّى تَزُولَ الرِّيبَةُ، وإنْ تَزَوَّجتَ قَبْلَ زَوَالِهَا لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ، وَإنْ ظَهَرَ بِهَا ذَلِكَ بَعْدَ نِكَاحِهَا، لَمْ يَفْسُدْ بِهِ، لكنْ إنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ لِأقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أشْهُرٍ مُنْذُ نَكَحَهَا، فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِلَّا فَلَا. ــ ٣٨٤٩ - مسألة: (وإنِ ارْتابَتِ المُتَوَفَّى عنها لظُهُورِ أماراتِ الحَمْلِ، مِن الحَرَكَةِ، وانْتِفاخِ البَطْنِ، وانْقِطاعِ الحَيضِ قَبْلَ أن تَنْكِحَ، لم تَزَلْ في عِدَّتِهَا حَتَّى تَزُولَ الرِّيبَةُ، وإن تَزَوَّجَتْ قبلَ زَوالِها لم يَصِحَّ النِّكَاحُ، وإن ظَهَرَ بها ذَلِكَ بعدَ نِكاحِها، لم يَفْسُدْ به، لَكنْ إن أتَتْ بوَلَدٍ لأقَلَّ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ مُنْذُ نَكَحَها، فهو باطِلٌ، وإلَّا فلا) وجملةُ ذلك، أنَّ المُعْتَدَّةَ إذا ارْتابَتْ في عِدَّتِها، بأن تَرَى أماراتِ الحَمْلِ؛ مِن حَرَكَةٍ،

стр. 11598

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أو نَفْخَةٍ، أو نَحْوهما، وشَكت هل هو حَمْلٌ أم لا؟ لم تَخْلُ مِن ثَلاثَةِ أحْوالٍ؛ أحَدُها، أن تَحْدُثَ بها الرِّيبةُ قبلَ انْقِضاءِ عِدَّتِها، فإنَّها تَبْقَى في حُكْمِ الاعْتِدادِ حتى تَزُولَ الرِّيبَةُ، فإن بان حَمْلًا، انْقَضَتْ عِدَّتُها بوَضْعِه، فإن زالت، وبان أنَّه ليس بحَمْل، تَبَينا أنَّ عِدَّتَها انْقَضَتْ بالشهُورِ أو بالأقْراءِ، إن كان فارَقَها في الحياةِ. فإن تَزَوَّجَت قبلَ زَوالِ الريبةِ، فالنِّكاحُ بَاطِلٌ؟ لأنَّها تَزَوَّجَتْ: وهي في حُكْمِ المُعْتَدَّاتِ في الظاهِرِ. ويَحْتَمِلُ أنَّه إذا تَبَيَّنَ عَدَمُ الحَمْلِ، أنَّه يَصِحُّ النِّكاحُ إذا كان بعدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ. الثاني، أن تَطهَرَ الرِّيبةُ بعدَ قَضاءِ عِدَّتِها والتَّزَوُّجِ، فالنِّكاحُ صَحِيحٌ؛ لأنَّه وُجِدَ بعدَ قَضاءِ العِدَّةِ ظاهِرًا، والحملُ مع الرِّيبةِ مَشْكُوكٌ فيه، فلا يَزُولُ به (١) ما حَكَمْنا بصِحَّتِه، لكن لا يَحلُّ لزَوْجِها وَطْؤُها؛ لأنَّنا شَكَكْنا في صِحَّةِ النِّكاحِ، ولأنَّه لا يَحِلُّ لمَن يُؤْمِنُ بالله واليومِ الآخِرِ أن يَسْقِيَ ماءَه زَرْعَ غيرِه، ثم يُنْظَرُ؛ فإن وضَعَتِ الولَدَ لأقَلَّ مِن سِتَّةِ أشْهُر منذُ تَزَوَّجَها الثاني ووَطِئَها، فنِكاحُه باطِلٌ؛ لأنَّه نَكَحَها وهي حامِلٌ، وإن أتَتْ به لأكثرَ مِن ذلك، فالولَدُ لَاحِقٌ به.

стр. 11599

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الثالثُ، ظهَرَتِ الرِّيبَةُ بعدَ قَضاءِ العِدَّةِ وقبلَ النِّكاح، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَحِلُّ لها أن تَتَزَوَّجَ، وإن فَعَلَتْ، لم يَصِحَّ النِّكاحُ؛ لأنَّها تَتَزَوَّجُ مع الشَّكِّ في انْقِضاءِ العِدَّةِ، فلم يَصِحَّ، كما لو وُجِدَتِ الرِّيبَةُ في العِدَّةِ، ولأنَّنا لو صَحَّحْنا النِّكاحَ، لَوَقَعَ مَوْقُوفًا، ولا يجوزُ كَوْنُ النِّكاحِ مَوْقُوفًا، ولهذا لو أسْلَمَ وتَخَلَّفَتِ امرأتُه في الشِّرْكِ، لم يَجُزْ أن يَتَزَوَّجَ أُخْتَها؛ لأنَّ نِكاحَها يكونُ مَوْقُوفًا على إسْلامِ الأُولَى. والثاني، يَحِلُّ لها النِّكاحُ، ويَصِحُّ؛ لأنَّا حَكَمنا بانْقِضاءِ العِدَّةِ، وحِلِّ النِّكاحِ، وسُقُوطِ النَّفَقَةِ والسُّكْنَى، فلا يجوزُ زَوالُ ما حَكَمْنا به بالشَّكِّ الطَّارِئ، ولهذا لا يَنْقُضُ الحاكمُ ما حكَم به بتَغَيُّرِ اجْتِهادِه ورُجُوعِ الشُّهُودِ. فصل: وإذا طلَّقَ واحِدَةً مِن نِسائِه لا بِعَينِها، أُخْرِجَتْ بالقُرْعَةِ، وعليها العِدَّةُ دُونَ غيرِها، وتُحْسَبُ عِدَّتُها مِن حينَ [طَلَّقَ، لا مِن حينَ] (١) خَرَجَتِ القُرْعَةُ. وإن طَلَّقَ واحدةً بعَينِها وأُنْسِيَها، ففي قَوْلِ أصْحابِنا، الحكمُ فيها كذلك. والصَّحِيحُ أنَّه يَحْرُمُ عليه الجميعُ. وهو

стр. 11600

وَإذَا مَاتَ عَنِ امْرأةٍ نِكَاحُهُا فَاسِدٌ، فَقَال الْقَاضِي: عَلَيهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ. نَصَّ عَلَيهِ. وَقَال ابْنُ حَامِدٍ: لَا عِدَّةَ عَلَيهَا لِلْوَفَاةِ في ــ اخْتيارُ شيخِنا، وقد ذَكَرْناه في بابِ الشَّكِّ في الطَّلاقِ (١). فإن مات، فعلَى الجميعِ الاعْتِدادُ بأقْصَى الأجَلَين مِن عِدَّةِ الطَّلاقِ أو الوَفاةِ؛ لأنَّ النِّكاحَ كان ثَابِتًا (٢) بيَقِينٍ، وكلُّ واحدةٍ مِنْهُنَّ يجوزُ أن تكونَ المُطَلَّقَةَ، ويجوزُ أن تكونَ زوجةً، فوجَبَ أقْصَى الأجَلَين إن كان الطَّلاقُ بائِنًا (٣)، ليَسْقُطَ الفَرضُ بيَقِينٍ، كمَن نَسِيَ صَلاةً مِن يومٍ لا يَعْلَمُ عَينَها، لَزِمَه أن يُصَلِّيَ خمْسَ صلواتٍ، لكنَّ ابْتِداءَ القَرْءِ مِن حينَ طَلَّقَ، وابْتِداءَ عِدَّةِ الوَفاةِ مِن حينِ الموْتِ. وهذا مذهبُ الشافعيِّ. وإن طَلَّقَ الجميعَ ثَلاثًا بعدَ ذلك، فعليهِنَّ كلِّهنَّ تَكْمِيلُ عِدَّةِ الطَّلاقِ مِن حينَ طَلَّقَهُنَّ. وإن طَلَّقَ ثَلاثًا وأُنْسِيَهُنَّ، فهو، كما لو طَلَّقَ واحدَةً. ٣٨٥٠ - مسألة: (وإذا مات عن امْرَأةٍ نِكاحُها فَاسِدٌ، فقال القاضي: عليها عِدَّةُ الوَفاةِ. نَصَّ عليه. وقال ابنُ حامِدٍ: لا عِدَّةَ عليها

стр. 11601

ذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ النِّكَاحُ مُجْمَعًا عَلَى بُطْلَانِهِ، لَمْ تَعْتَدَّ لِلْوَفَاةِ مِنْ أجْلِهِ، وَجْهًا وَاحِدًا. ــ للوَفَاةِ لذلكَ. فإن كان النِّكاحُ مُجْمَعًا على بُطْلانِه، لم تَعْتَدَّ للوَفاةِ مِن أجْلِه، وَجْهًا واحِدًا) أمَّا إذا كان النِّكاحُ مُجْمَعًا على بُطْلانِه، مثلَ أن يَنْكِحَ ذاتَ مَحْرَمِه، أو مُعْتَدَّةً يَعْلَمُ حالها وتَحْرِيمَها، فلا حُكْمَ لعَقْدِها، والخَلْوَةُ بها كالخلْوَةِ بالأجْنَبِيَّةِ، لا تُوجِبُ عِدَّةً، وكذلك الموتُ عنها لا يُوجِبُ عِدَّةَ الوَفاةِ. وإن وَطِئَها، اعْتَدَّتْ لِوَطْئِها بثلاثةِ قُرُوءٍ منذُ وَطِئَها، سَواءٌ فارَقَها أو ماتَ عنها، كالمَزْنِيِّ بها مِن غيرِ عَقْدٍ. فأمَّا إن نَكَحَها نِكاحًا مُخْتَلَفًا فيه، فهو فاسِدٌ، فإن مات عنها، فنَقَلَ جَعْفرُ بنُ محمدٍ، أنَّ عليها عِدَّةَ الوَفاةِ. وهو اخْتيارُ أبي بكرٍ. وقال أبو عبدِ اللهِ ابنُ حامدٍ: ليس عليها عِدَّةُ الوَفاةِ. وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه نِكاحٌ لا يَثْبُتُ، فأشْبَهَ الباطِلَ. فعلى هذا، إن كان قبلَ الدُّخولِ، فلا عِدَّةَ عليها، وإن كان بعدَه، اعْتَدَّتْ بثلاثةِ قُرُوءٍ. ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه نِكاحٌ يَلْحَقُ به النَّسَبُ، فوَجَبَتْ به العِدَّةُ، كالنِّكاحِ الصَّحِيحِ، بخِلافِ الباطِلِ، فإنَّه لا يَلْحَقُ به النَّسَبُ. وإن فارَقَها في الحياةِ بعدَ الإصابةِ، اعْتَدَّتْ بعدَ فُرْقَتِه

стр. 11602

فصْلٌ: الثَّالِثُ: ذَاتُ الْقُرُوءِ الَّتِي فَارَقَهَا فِي الْحَيَاةِ بَعْدَ دُخُولِهِ بِهَا، وَعِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ إِنْ كَانَتْ حُرَّةً، وَقَرْءَانِ إِنْ كَانَتْ أَمَةً. ــ بثَلاثةِ قُرُوءٍ، إن كانت مِن ذَواتِ الأقْراءِ، أو بثَلاثةِ أشْهُرٍ إن لم تَكُنْ، ولا خِلافَ في ذلك. وإن كان قبلَ الخَلْوَةِ، فلا عِدَّةَ عليها، بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ المفارِقَةَ في الحياةِ في النِّكاحَ الصَّحيحِ لا عِدَّةَ عليها، ففي الفاسِدِ أوْلَى. وإن كان بعدَ الخَلْوَةِ قبلَ الإِصابَةِ، فالمَنْصُوصُ عن أحمدَ، ﵀، أنَّ عليها العِدَّةَ؛ لأنَّه أُجْرِىَ مُجْزَى النِّكاحِ الصَّحِيحِ في لُحُوقِ النَّسَبِ، فكذلك في العِدَّةِ. وقال الشافعيُّ: لا عِدَّةَ عليها؛ لِوَجْهَين؛ أحَدُهما، أنَّها خَلْوَةٌ في غيرِ نِكاحٍ صَحِيحٍ، أشْبَهَتِ التي نِكاحُها باطِلٌ. والثاني، أنَّ الخَلْوَةَ عندَه في النِّكاحِ الصَّحيحِ لاتُوجِبُ العِدَّةَ، ففي الفاسِدِ أوْلَى. وهذا مُقْتَضَى قولِ ابنِ حامِدٍ. ٣٨٥١ - مسألة؛ قال، ﵁: (الثالثُ، ذاتُ القُروءِ التي فارَقَها في الحياةِ بعدَ دُخُولِه بها، عِدَّتُها ثَلاثة قُروءٍ إن كانت حُرَّةً، وقَرْءانِ إن كانت أمَةً) أمَّا الحُرَّةُ مِن ذَواتِ القُروءِ فعِدَّتُها ثَلاثةُ قُرُوءٍ، بغيرِ خِلافٍ بينَ أهلِ العلمِ؛ لِقَوْلِ الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾. وأمَّا الأمَةُ فعِدَّتُها بالقَرءِ قَرْءانِ، في قولِ أكثرِ

стр. 11603

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أهلِ العلمِ؛ منهم عمرُ، وعليٌّ، [وابنُ عمرَ] (١)، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، وعبدُ اللهِ بنُ عُتْبةَ، والقاسمُ، وسالمٌ، والزُّهْرِيُّ، وقَتادةُ، ومالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْي. وعن ابنِ سِيرِينَ، عِدَّتُها عِدَّةُ الحُرَّةِ، إلَّا أن تكونَ قد مَضَتْ بذلك سُنَّةٌ. وهو قولُ داودَ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : «قَرْءُ الأمَةِ حَيضَتانِ» (٢). ولأنَّه قولُ [عمرَ، وعليٍّ، وابنِ عمرَ] (٣)، ولم نَعْرِفْ لهِم مُحْالِفًا في الصَّحابةِ، فكان إجْماعًا، وهذا يَخُصُّ عُمُومَ الآيةِ. ولأنَّه مَعْنًى ذو عَدَدٍ، بُنِيَ على التَّفاضُلِ، فلا تُساوي الأمَةُ فيه الحُرَّةَ، كالحَدِّ. وكان القِياسُ يَقْتَضِي أن تكونَ حيضةً ونِصْفًا، كما كان حَدُّها على النِّصْفِ مِن حَدِّ الحُرَّةِ، إلَّا أنَّ الحَيضَ لا يَتَبَعَّضُ، فكَمَلَ حَيضَتَين، وٍ لهذا قال عمرُ، رَضِيَ الله عن عنه: لو اسْتَطَعْتُ (٤) أن أجْعَلَ العِدَّةَ حَيضَةً ونِصْفًا لَفَعَلْتُ (٥).

стр. 11604

وَالْقُرُوءُ الحِيَضُ، في أَصَحِّ الرِّوَايَتَينِ. ــ ٣٨٥٢ - مسألة: (والقُروءُ الحِيَضُ، في أصَحِّ الرِّوايَتَين) والثانيةُ، هي الأطْهارُ. القَرْءُ في كلامِ العربِ يَقَعُ على الحَيضِ والطُّهْرِ جميعًا، فهو مِن الأسْماءِ المُشْتَرَكَةِ. قال أحمدُ بنُ يَحْيَى ثَعْلَبٌ: القُروءُ الأوْقاتُ، الواحدُ قَرْءٌ، وقد يكونُ حَيضًا وقد يكونُ طُهْرًا؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يأتِي لِوَقْتٍ. قال الشاعرُ (١): كَرِهْتُ العَقْرَ عَقْرَ بَنِي تَمِيمٍ ... إذا هَبَّتْ لِقارِئِها الرِّياحُ (٢) يعني: لوَقْتِها. وقال الخليلُ بنُ أحمدَ: يُقالُ: أقْرَأتِ (٣) المرأةُ. إذا دَنَا حَيضُها، وأقْرَأتْ: إذا دَنَا طُهْرُها، وفي الحديثِ عن النبيِّ ﷺ : «دَعِي الصَّلَاةَ أيَّامَ أقْرائِكِ» (٤). فهذا الحيضُ. وقال الشاعرُ (٥): مُوَرِّثَة عزًّا وفي الحَيِّ رِفْعَةً ... لِمَا ضَاعَ فيها مِنْ قُرُوءِ نِسَائِكَا

стр. 11605

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فهذا الطُّهْرُ. واخْتَلَف أهلُ العلمِ في المُرادِ بقولِه (١) تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾. واختلفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ في ذلك، فرُوِيَ أنَّها الحِيَضُ. رُوِيَ ذلك عن عمرَ، وعليٍّ، وابنِ عباس، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والثَّوْرِيِّ، والأوزاعِيِّ، والعَنْبَرِيِّ، وإسْحاقَ، وأبي عُبَيدٍ، وأصْحابِ الرَّأي. ورُوِيَ أيضًا عن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ، وعثمانَ بنِ عَفَّانَ، وأبي موسى، وعُبادةَ بنِ الصَّامتِ، وأبي الدَّرْداءِ. قال القاضي: الصَّحِيحُ عن أحمدَ أنَّ الأقْراءَ الحِيَضُ. وإليه ذهبَ أصْحابُنا، ورَجَعَ عن قوْلِه بالأطْهارِ، فقال في روايةِ النَّيسابُورِيِّ: كنتُ أقولُ: إنَّه الأطْهارُ، وأنا أذهبُ اليومَ إلى أنَّ الأقْراءَ الحِيَضُ. وقال في رِوايةِ الأثْرَمِ: كنتُ أقولُ (٢): الأطْهارُ، ثم وَقَفْتُ (٣) لقولِ الأكابِرِ. والرِّوايةُ الثانيةُ عن أحمدَ، أنَّ القُرُوءَ الأطْهارُ. وهو قولُ زيدٍ، وابنِ عمرَ، وعائشةَ، وسُلَيمانَ بنِ يَسارٍ، والقاسمِ بنِ محمدٍ، وسالمِ بنِ عبدِ اللهِ، وعمرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، والزُّهْرِيِّ، ومالِكٍ، والشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ. وقال أبو بكرِ بنُ عبدِ الرحمن: ما أدْرَكْتُ أحدًا مِن فُقَهائِنا إلَّا وهو يقولُ ذلك.

стр. 11606

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال ابنُ عبدِ البَرِّ (١): رجَعَ أحمدُ إلى [أنَّ القُروءَ الأطْهارُ] (٢)، قال في رِوايةِ الأثْرَمِ: رأيتُ الأحادِيثَ عَمَّن قال: القُروءُ الحِيَضُ. تختلفُ، والأحادِيثُ عَمَّن قال: إنَّه أحَقُّ بها حتى تَدْخُلَ في الحَيضَةِ الثالثةِ. أحادِيثُها صِحاحٌ قَويَّةٌ (٣). واحْتَجَّ مَن قال ذلك بقولِ اللهِ تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٤). أي، في عِدَّتِهِنَّ، كقولِه تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (٥). أي، في يومِ القِيامةِ. وإنَّما أمَرَ بالطَّلاقِ في الطُّهْرِ لا في الحَيضِ. ويَدُلُّ على ذلك قولُ النبيِّ ﷺ في حديثِ ابنِ عمرَ: «فَلْيُرَاجِعْهَا حتى تَطْهُرَ، ثم تَحِيضَ، ثم تَطهُرَ، فإن شاء. طَلَّقَ، وإنْ شاءَ أمْسَكَ، فَتِلْكَ العِدَّةُ التي أمَرَ الله أن تُطَلَّقَ لها النِّسَاءُ». مُتَّفَق عليه (٦). وفي رِوايةِ ابنِ عمرَ: (فَطَلِّقُوهُن في قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ) (٧). ولأنَّها عِدَّةٌ عن طَلاقٍ مُجَرَّدٍ مُباح، فوَجَبَ أن تُعْتَبَرَ عَقِيبَ الطَّلاقِ، كعِدَّةِ الآيِسَةِ والصَّغِيرةِ. ووَجْهُ الرِّوايةِ الأولَى قولُ الله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ

стр. 11607

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَحِضْنَ﴾. فنقَلَهُنَّ عندَ عَدَمِ الحَيضِ إلى الاعْتِدادِ بالأشْهُرِ، فيدُلُّ ذلك على أنَّ الأصْلَ الحَيضُ، كما قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (١). ولأنَّ المَعْهودَ في لِسانِ الشَّرْعِ اسْتِعْمالُ القَرْءِ بمعنى الحَيضِ، فقال النبيُّ ﷺ : «تَدَعُ الصَّلاةَ أيَّامَ أقْرَائِها». رواه أبو داودَ (٢). وقال لفاطمةَ بنتِ أبي حُبَيش: «انْظُرِي فَإذَا أتَى قَرْؤُكِ، فلا تُصَلِّي، وإذَا مَرَّ قَرْؤُكِ، فتَطَهَّرِى، ثم صَلِّي ما بَينَ القَرْءِ إلى القَرْءِ». رواه النَّسائِيُّ (٣). ولم يُعْهَدْ في لِسانِه اسْتِعْمالُه بمعنى الطُّهْرِ في مَوْضِعٍ، فوَجَبَ أن يُحْمَلَ كلامُه على المَعْهُودِ في لِسانِه. ورُوِيَ عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: «طَلاقُ الأمَةِ طَلْقَتانِ، وقَرْؤهَا حَيضَتَانِ». رواه أبو داودَ (٤)، وغيرُه. فإن قالوا: هذا يَرْويه مُظاهِرُ بنُ أسْلَمَ، وهو مُنْكَرُ الحديثِ. قُلْنا: قد رواه عبدُ اللهِ بنُ عيسى، عن عَطِيَّةَ العَوْفيِّ (٥)، عن ابنَ عمرَ، كذلك أخْرَجَه ابنُ ماجه، في «سُنَنِه»، وأبو بكرٍ الخَلَّالُ، في «جامِعِه»، وهو نَصٌّ في عِدَّةِ الأمَةِ، فكذلك عِدَّةُ الحُرَّةِ. ولأنَّ ظاهِرٍ قولِه تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾. وجُوبُ التَّرَبُّصِ ثَلاثةً

стр. 11608

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كاملةً، ومَن جَعَلَ القُرُوءَ الأطهارَ، لم يُوجِبْ ثلاثةً، بل يَكْتَفِي بطُهْرَين وبعضِ الثالثِ، فيُخالِفُ ظاهرَ النَّصِّ، ومَن جَعَلَه الحِيَضَ، أوْجَبَ ثلاثةً كاملةً، فيُوافِقُ ظاهِرَ النَّصِّ، فيكونُ أوْلَى مِن مُخالفتِه، ولأنَّ العِدَّةَ اسْتِبْراء، فكانت بالحَيضِ، كاسْتِبْراءِ الأمَةِ، وذلك لأن الاسْتِبْراءَ لمَعْرِفَةِ بَراءَةِ الرَّحِمِ مِن الحَمْلِ، والذي يَدُلُّ عليه الحَيضُ (١)، فوَجَبَ أن يكونَ الاسْتِبْراءُ به. فإن قِيلَ: لا نُسلِّمُ أنَّ اسْتِبْراءَ الأمَةِ بالحَيضِ (٢). كذلك قال ابنُ عبدِ البَرِّ (٣). وإنَّما هو بالطُّهْرِ الذي قبلَ الحَيضَةِ. وقال: قوْلُهم: إنَّ اسْتِبْراءَ الأمَةِ حَيضَة بإجْماعٍ. ليس كما ظَنُّوا، بل جائِز لها عندَنا أن تَنْكِحَ إذا دَخَلَتْ في (٤) الحَيضَةِ، واسْتَيقَنَتْ أنَّ دَمَها دَمُ حَيضٍ، كذلك قال إسماعيلُ بنُ إسحاقَ لِيَحْيى بنِ أكثمَ حينَ دخلَ عليه في مُناظَرَتِه إيَّاه. قُلْنا:. هذا يَرُدُّه قولُ النبيِّ ﷺ : «لَا تُوطَأُ حَامِل حتى تَضَعَ، ولَا حَائِلٌ حتى تُسْتَبْرَأ بِحَيضَةٍ» (٥). ولأنَّ الاسْتِبْراءَ يُعَرِّفُ (٦) بَراءةَ الرَّحِمِ، وإنَّما يَحْصُلُ بالحَيضَةِ، لا بالطُّهْرِ الذي قبلَها، ولأنَّ العِدَّةَ تَتَعَلَّقُ بخُرُوجِ خارجٍ مِن الرَّحِمِ، فوَجَبَ أن تتعلَّقَ بالحَيضِ (٧)،

стр. 11609

وَلَا تَعْتَدُّ بِالْحَيضَةِ الَّتِي طَلَّقَهَا فِيهَا حَتَّى تَأْتِيَ بِثَلَاثٍ كَامِلَةٍ بَعْدَهَا، فَإِذا انْقَطَعَ دَمُهَا مِنَ الثَّالثَةِ، حَلَّتْ في إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ. ــ كوَضْعِ الحَمْلِ، يُحَقِّقُه أنَّ العِدَّةَ مقْصُودُها براءَةُ الرَّحِمِ مِن الحَمْلِ، فتارَةً تَحْصُلُ بوَضْعِه، وتارَةً تَحْصُلُ (١) بما يُنافِيه، وهو الحَيضُ الذي لا يُتَصَوَّرُ وُجُودُه معه. فأمَّا قولُه تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾. فيجوزُ أنَّه أراد قبْلَ عِدَّتِهِنَّ (٢)، إذ لا يُمْكِنُ حَمْلُه على الطَّلاقِ في العِدَّةِ، ضَرُورةَ أنَّ الطلاقَ يَسْبِقُ العِدَّةَ، لكَوْنِه سَبَبَها، والسَّبَبُ يتقَدَّمُ الحُكْمَ، ولا يُوجَدُ (٣) الحُكْمُ قبلَه، والطَّلاقُ في الطُّهْرِ تَطْلِيقٌ قبْلَ العِدَّةِ إذا كانتِ الأقْراءُ بالحِيَضِ. ٣٨٥٣ - مسألة: (ولا تَعْتَدُّ بالحَيضَةِ التي طَلَّقَها فيها حتى تَأْتِيَ بِثَلاثٍ كامِلَةٍ بعدَها) لا نعلمُ في ذلك خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى أمَرَ بثلاثةِ قُروءٍ، فيَتَناوَلُ ثَلاثةً كاملةً، والتي طَلَّقَ فيها لم يَبْقَ منها (٤) ما تَتِمُّ به مع اثْنَتَين ثلاثةٌ كاملة، فلا يُعْتَدُّ بها، ولأنَّ الطَّلاقَ إنَّما حَرُمَ في الحَيضِ؛ لِما فيه مِن تَطْويلِ العِدَّةِ عليها، فلو احْتُسِبَ بتلك الحَيضَةِ قَرْءًا، كان أقْصَرَ لِعِدَّتِها، وأنْفَعَ لها، فلم يكنْ مُحَرَّمًا. ٣٨٥٤ - مسألة (٥): فَإذا طَهُرَتْ مِن الحَيضَةِ الثالثةِ (حَلَّتْ في إحْدَى

стр. 11610

وَالأُخْرَى، لَا تَحِلُّ حَتَّى تَغْتَسِلَ. ــ الرِّوَايَتَين. والأُخْرَى، لَا تَحِلُّ حتى تَغْتَسِلَ) حكَى هاتين الرِّوايتَين أبو عبدِ اللهِ بنُ حامدٍ؛ إحداهما، أنَّها في العِدَّةِ ما لم تَغْتَسِلْ، يُباحُ لزَوْجِها ارْتِجاعُها، ولا يَحِلُّ لغيرِه نِكاحُها. قال أحمدُ: عمرُ، وعليٌّ، وابنُ مسعودٍ، يقولون: قبلَ أن تَغْتَسِلَ مِن الحَيضَةِ الثالثةِ. رُوِيَ ذلك عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والثَّوْرِيِّ، وإسْحاقَ. ورُوِيَ ذلك عن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ، وعثمانَ بنِ عَفَّانَ؛ وأبي مُوسَى، وعُبادَةَ، وأبي الدَّرْداءِ، ﵃. قال شَرِيكٌ: له الرَّجْعَةُ وإن فَرَّطَتْ في الغُسْلِ عِشْرِينَ سنةً. قال أبو بكرٍ: ورُوِيَ عن أبي عبدِ اللهِ، أنَّها في عِدَّتِها، ولزَوْجِها رَجْعَتُها حتى يَمْضِيَ وقْتُ الصَّلاةِ التي طَهُرَتْ في وَقْتِها. وهذا قولُ الثَّوْرِيِّ. وبه (١) قال أبو حنيفةَ إذا انْقَطَعَ الدَّمُ لدُونِ أكثرِ الحَيض، وإنِ انْقَطَعَ لأكْثَرِه، انْقَضَتِ العِدَّةُ بانْقِطاعِه. ووَجْهُ اعتبارِ الغُسْلِ أَنَّه قولُ الأكابرِ مِن أصْحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، ولا مُخالفِ لهم في عَصْرِهم، فيكونُ إجْماعًا. ولأنَّها مَمْنُوعةٌ مِن الصَّلاةِ بحُكْمِ حَدَثِ الحَيضِ، فأشْبَهَتِ الحائِضَ. والروايةُ الثانيةُ، أنَّ العِدَّةَ تَنْقَضِي بطُهْرِها مِن الحَيضَةِ الثالثةِ، وانْقِطاعِ دَمِها. اخْتاره أبو الخَطَّابِ. وهو قولُ سَعِيدِ بنِ جُبَير، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ في القَديمِ، لقولِ الله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾. وقد كَمَلَتِ القُرُوءُ بوُجُوبِ الغُسْلِ عليها، ووُجُوبِ

стр. 11611

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الصَّلاةِ، وفِعْلِ الصِّيامِ، وصِحَّتِه منها، ولأنَّه لم (١) يَبْقَ حُكْمُ العِدَّةِ في المِيراثِ، ووُقُوعِ الطَّلاقِ بها، واللِّعانِ، والنَّفَقَةِ، وكذلك فيما نحن فيه. قال القاضي: إذا شَرَطْنَا الغُسْلَ، أفادَ عَدَمُه إباحةَ (٢) الرَّجْعةِ وتَحْرِيمَها على الأزْواجِ، فأمَّا سائِرُ الأحْكامِ، فإنَّها تَنْقَطِعُ بانْقِطاعِ دَمِها. فصل: ومَن قال: القُرُوءُ الأطْهارُ. احْتَسَبَ لها بالطهْرِ الذي طَلَّقَها فيه قَرْءًا، وإن بَقِيَ منه لَحْظَة حَسَبَها قَرْءًا. هذا قولُ كلِّ مَن قال: إنَّ القُروءَ الأطْهارُ. إلَّا الزُّهْرِيَّ، فإنَّه قال: تَعْتَدُّ بثَلاثة قُرُوءٍ سِوَى الطُّهْرِ الذي طَلَّقَها فيه. وحُكِيَ عن أبي عُبَيدٍ، أنَّه إن كان (٣) جَامَعَها في الطُّهْرِ، لم تَحْتَسِبْ بِبَقِيَّته؛ لأنَّه زَمَن حَرُمَ فيه الطلاقُ، فلم تَحْتَسِبْ به مِن العِدَّةِ،

стр. 11612

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كزَمَنِ الحيضِ. ولَنا، أنَّ الطَّلاقَ حَرُمَ في زَمَنِ الحَيضِ دَفْعًا لضَرَرِ تَطْويلِ العِدَّةِ عليها، فلو لم تَحْتَسِبْ بِبَقِيَّةِ الطُّهْرِ قَرْءًا، كان الطَّلاقُ في الطُّهْرِ أضَرَّ بها وأطْوَلَ عليها، وما ذُكِرَ عن أبي عُبَيدٍ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ تَحْرِيمَ الطَّلاقِ في الحَيضِ لِكَوْنِها لا تَحْتَسِبُ بِبَقِيَّتهِ، فلا يجوزُ أن تُجْعَلَ العِلَّة في عَدَمِ [الاحْتِسابِ تَحْرِيمَ] (١) الطَّلاقِ، فتَصِيرَ العِلَّةُ مَعْلُولًا، وإنَّما تَحْرِيمُ الطلاقِ في الطُّهْرِ الذي أصابها فيه لكَوْنِها مُرْتابَةً، ولكَوْنِه لا يأْمَنُ النَّدَمَ بظُهورِ حَمْلِها (٢)، فأمَّا إنِ انْقَضَتْ حُرُوفُ الطَّلاقِ مع انْقِضاءِ الطُّهْرِ، فإنَّ الطَّلاقَ يَقَعُ في أوَّلِ الحَيضَةِ، ويكونُ مُحَرَّمًا، ولا تَحْتَسِبُ بتلك الحَيضَةِ مِن عِدَّتِها، وتَحْتاجُ أن تَعْتَدَّ بثَلاثِ حِيَضٍ، أو ثَلاثةِ أطْهارٍ

стр. 11613

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ على الرِّوايةِ الأُخْرَى. ولو قال لها: أنْتِ طالقٌ في آخرِ طُهْرِكِ. أو: في آخِرِ جُزْءٍ مِن طُهْرِكِ. فإنَّها لا تَحْتَسِبُ الذي وقَعَ فيه الطَّلاقُ؛ لأنَّ العِدَّةَ لا تكونُ إلَّا بعدَ وُقُوعِ الطَّلاقِ، وليس بعدَه طُهْرٌ تَعْتَدُّ به، ولا يجوزُ الاعْتِدَادُ بما قبلَه، ولا بما قارَنَه، ومن جَعَلَ القَرْءَ الحَيضَ، اعْتَدَّ لها بالحَيضَةِ التي تَلِي الطَّلاقَ؛ لأنَّها حَيضَة كاملةٌ لم يَقَعْ فيها طلاقٌ، فوَجَبَ أن تَعْتَدَّ بها قَرْءًا. فإنِ اخْتَلَفَا فقال الزوجُ: وقَعَ الطَّلاقُ في أوَّلِ الحَيضِ. وقالت: بل في آخرِ الطُّهْرِ. أو قال: انْقَضَتْ حُرُوفُ الطَّلاقِ مع انْقِضاءِ الطُّهْرِ. وقالت: بل قد بَقِيَ منه بَقِيَّة. فالقولُ قولُها؛ لأنَّ قولَها مقْبولٌ في الحَيضِ وفي انْقِضاءِ العِدَّةِ.

стр. 11614

وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، الْقُرُوءُ الأطْهَارُ. وتَعْتَدُّ بِالطُّهْرِ الَّذي طَلَّقَهَا فِيهِ قَرْءًا، ثُمَّ إِذَا طَعَنَتْ في الْحَيضَةِ الثَّالِثَةِ، حَلَّتْ. ــ ٣٨٥٥ - مسألة: (والرِّوايَةُ الثَّانِيَةُ، القُرُوءُ الأطْهَارُ، وتَعْتَدُّ بِالطُّهْرِ الذِي طَلَّقَها فِيه قَرْءًا، فإذا طَعَنَتْ في الحَيضَةِ، الثَّالِثَةِ، حَلَّتْ) إذا طَلَّقَها وهي طاهِرٌ، انْقَضَتْ عِدَّتُها برُويةِ الدَّمِ مِن الحَيضَةِ. الثالثةِ، وإن طَلَّقَها حائِضًا، انْقَضَتْ برُويةِ الدَّمِ مِن الحَيضَةِ الرَّابعةِ. وهذا قولُ زَيدِ بنِ ثابِتٍ، وابنِ عمرَ، وعائشةَ، والقاسمِ بنِ محمدٍ، وسالمِ بنِ عبدِ اللهِ، وأبانَ بنِ عُثمانَ، ومالِكٍ، وأبي ثَوْرٍ. وهو ظاهِرُ مذهبِ الشافعيِّ. وحُكِيَ عنه قولٌ آخَرُ، لا تَنْقَضِي العِدَّةُ حتى يَمْضِيَ مِن الدَّمِ يومٌ وليلةٌ؛ لجَوَازِ (١) أن يكونَ الدَّمُ دَمَ فَسادٍ، فلا يُحْكَمُ بانْقِضاء العِدَّةِ حتى يَزُولَ الاحْتِمالُ. وحَكَى القاضي هذا احْتِمالًا في مذْهَبِنا أَيضًا. ولَنا، أنَّ الله تَعالى جعلَ العِدَّةَ ثَلاثةَ قُروءٍ، فالزِّيادةُ عليها مُخالفةٌ للنَّصِّ، فلا يُعَوَّلُ عليه، ولأنَّه قولُ مَن سَمَّينا مِن الصَّحابةِ، رواه الأثْرَمُ عنهم

стр. 11615

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بإسْنادِه، ولَفْظُ حديثِ زَيدِ بنٍ ثابِتٍ: إذا دَخَلَتْ في الدَّمِ مِن الحَيضةِ الثالثةِ، فقد بَرِئَتْ منه، وبَرِء منها، ولا تَرِثُه ولا يَرِثُها (١). وقولُهم: إنَّ الدَّمَ يجوزُ أن يكونَ دَمَ فسادٍ. قُلْنا: قد حُكِمَ بكَوْنِه حَيضًا في تَرْكِ الصَّلاةِ، وتَحْرِيمِها على الزَّوْجِ، وسائِرِ أحْكامِ الحَيضِ، فكذلك في انْقِضاءِ العِدَّةِ. ثم إن كان التَّوَقُّفُ عن الحُكْمِ بانْقِضاءِ العِدَّةِ للاحْتِمالِ، فإذا تَبَيَّنَ أنَّه حَيضٌ، عَلِمْنا أنَّ العِدَّةَ قد انْقَضَتْ حينَ رأتِ الدَّمَ، كما لو قال لها: إن حِضْتِ فأنْتِ طالِقٌ. واخْتَلَفَ القائلُون بهذا القولِ، فمنهم مَن قال: اليومُ والليلةُ مِن العِدَّةِ؛ لأنَّه دَم تَكْمُلُ به العِدّةُ، فكان منها، كالذي في أثْناء الأطْهارِ. ومنهم مَن قال: ليس منها، إنَّما يتَبَيَّنُ به انْقِضاؤُها؛ لأنَّنا لو جَعَلْناه منها، أوْجَبْنا الزِّيادَةَ على ثَلاثةِ قُروءٍ، ولكِنَّا نَمْنَعُها مِن النِّكاحِ حتى يَمْضِيَ يومٌ وليلةٌ، ولو راجَعَها زَوْجُها فيها، لم تَصِحَّ الرَّجْعةُ. وهذا أصَحُّ الوَجْهَين. فصل: وكلُّ فُرْقَةٍ بينَ زَوْجَين في الحياةِ بعدَ الدُّخُولِ، فَعِدَّةُ المرأةِ منها عِدَّةُ الطَّلاقِ، سواءٌ كانت بخُلْعٍ، أو لِعانٍ، أو رَضاعٍ، أو فَسْخٍ بعَيبٍ، أو إعْسارٍ، أو إعْتاقٍ، أو اخْتِلافِ دِينٍ، أو غيرِه، في قولِ أكثرِ

стр. 11616

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أهلِ العلمِ. ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّ عِدَّةَ المُلاعِنَةِ تِسْعَةُ أشْهُرٍ. وأبي ذلك سائِرُ أهْلِ العلمِ، وقالوا: عِدَّتُها عدَّةُ الطَّلاقِ، لأنَّها مُفارِقَةٌ في الحياةِ، أشْبَهَتِ المُطَلَّقَةَ. وأكثرُ أهلِ العلمِ يقُولُون: عِدَّةُ المُخْتَلِعَةِ عدَّةُ المُطَلَّقةِ؛ منهم سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وسالمُ بنُ عبدِ اللهِ، وسُليمانُ بنُ يَسارٍ، وعمرُ بنُ عبدِ العزِيزِ، والحسنُ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والزُّهْرِيُّ، وقَتادةُ، وخِلاسُ بنُ عمرٍو، وأبو عِيَاض، ومالكٌ، [واللَّيثُ] (١)، والأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ. ورُوِيَ عن عُثمانَ بنِ عَفَّانَ، وابنِ عمرَ، وابنِ عَبَّاس، وأبانَ بنِ عثمانَ، وإسْحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ، أنَّ عِدَّةَ المُخْتَلِعَةِ حَيضَةٌ. ورواه ابنُ القاسمِ عن أحمدَ؛ لِمَا روَى ابنُ عباس، أنَّ امرأةَ ثابتِ بنِ قَيسٍ اخْتَلَعَتْ منه، فجَعَلَ النبيُّ ﷺ عِدَّتَها حَيضَةً. روَاهُ النَّسَائِيُّ (٢). وعن رُبَيِّع بنتِ مُعَوِّذٍ مثلُ ذلك، ولأنَّ عُثمانَ قَضَى به. رواه النَّسائِيُّ، وابنُ ماجَه (٣). ولَنا، قولُ اللهِ تعالي: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾. ولأنَّها فُرْقَةٌ بعدَ الدُّخولِ في الحياةِ، فكانت ثلاثةَ قُرُوءٍ، كغيرِ الخُلْعِ، وقولُ النبيِّ ﷺ : «قَرْءُ الأمَةِ حَيضَتَانِ» (٤). عامٌّ، وحَدِيثُهم يَرْويه عِكْرِمَةُ مُرْسَلًا. قال

стр. 11617

فصْلٌ: الرَّابع، اللَّائِي يَئسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ، وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ، فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أشْهُرٍ إِنْ كُنَّ حَرَائِر، وَإنْ كُنَّ إِمَاءً فَشَهْرَانِ. وَعَنْهُ، ثَلَاثَة. وَعَنْهُ، شَهْرٌ وَنِصْفٌ. ــ أبو بكرٍ: هو ضَعِيفٌ مُرْسَلٌ. وقولُ عُثمانَ وابنِ عَباسٍ، قد خالفَه قولُ عمرَ وعليٍّ، فإنَّهما قالا: عِدَّتُها ثلاثُ حِيَض. وقَوْلُهما أَوْلَى. وأمَّا ابنُ عمرَ، فقد روَى مالِكٌ (١)، عن نافعٍ، عنه، أنَّه قال: عِدَّةُ المُخْتَلِعَةِ عِدَّةُ المُطَلَّقَةِ. وهو أصَحُّ عنه. فصل: (الرَّابعُ، اللَّائي يَئسْنَ مِن المَحِيضِ، واللَّائِي لم يَحِضْنَ، فعِدَّتُهُنَّ ثلاثةُ أشْهُر إن كُنَّ حَرائِرَ، وإن كُنَّ إماءً فَشَهْران. وعنه، ثلاثةٌ. وعنه، شَهْرٌ ونِصْفٌ) أجْمَعَ أهْلُ العلمِ على أنَّ عِدَّةَ الحُرَّة الآيِسَةِ والصَّغِيرَةِ التي لم تَحِضْ ثلاثُةُ أشْهُرٍ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ﴾

стр. 11618

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ (١). فإن كان الطَّلاقُ في أوَّلِ الشَّهْرِ، اعْتُبِرَ ثلاثةُ أشْهُر بالأهِلَّةِ؛ لقولِ الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ (٢). وقال سبحانه: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ (٣). ولم يخْتلفِ الناسُ في أنَّ الأشْهُرَ الحُرُمَ مُعْتَبَرة بالأهِلَّةِ. وإن وقَعَ الطَّلاقُ في أثْناءِ شَهْرٍ، اعْتَدَّتْ بقِيَّتَه، ثم اعْتَدَّتْ شهْرَين بالأهِلَّةِ، ثم. اعْتَدَّتْ مِن الشَّهْرِ الثالِثِ تَمامَ ثلاثِين يَوْمًا. وهذا مذهبُ مالكٍ، والشافعيِّ. وقال أبو حنيفةَ: تَحْسِبُ بَقِيَّةَ الأوَّلِ، وتَعْتَدُّ مِن الرَّابعِ بقَدْرِ ما فَاتَها مِن الأوَّلِ، تامًّا كان أو ناقِصًا؛ لأنَّه لو كان مِن أوَّلِ الهِلالِ، كانت العِدَّةُ بالأهِلَّةِ، فإذا كان مِن بعضِ الشَّهْر، وجَبَ فَضاءُ ما فاتَ منه: وخَرَّجَ أصْحابُنا وجْهًا ثانيًا، أنَّ جميعَ الشُّهورِ مَحْسُوبَة بالعَدَدِ. وهو قول ابنِ بنتِ الشافعيِّ؛ لأنَّه إذا حُسِبَ الأوَّلُ بالعَدَدِ، كان ابْتِداءُ الثاني مِن نِصْف

стр. 11619

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الشَّهْرِ، وكذلك الثالثُ. ولَنا، أنَّ الشَّهْرَ يقعُ على ما بينَ الهِلَالين وعلى الثَّلاثِين، ولذلك إذا غُمَّ الشَّهْرُ كُمِّلَ ثَلاثين، والأصْلُ الهِلالُ، فإذا أمْكَنَ اعْتِبارُ الهِلَالِ اعْتُبِرَ، وإذا تَعَذَّرَ رُجِعَ إلى العَدَدِ. وفي هذا انْفِصالٌ عمَّا ذُكِرَ لأبي حنيفةَ. وأمَّا التَّخْرِيجُ الذي ذُكِرَ لأصْحابِنَا، فإنه لا يَلْزَمُ إتْمامُ الشَّهْرِ الأوَّلِ مِن الثاني، ويجوزُ أن يكونَ تَمامُه مِن الرَّابعِ. فصل: وتُحْسَبُ العِدَّةُ مِن السَّاعةِ التي فارَقَها زَوْجُها فيها، فلو فارَقَها نِصْفَ النَّهارِ، أو نِصْفَ اللَّيلِ، اعْتَدَّتْ مِن ذلك الوقتِ إلى مِثْلِه. في (١) قولِ أكثرَ [أهلِ العلمِ] (٢). وقال [أبو عبدِ الله] (٣) ابنُ حامدٍ: لا تَحْتَسبُ بالسَّاعاتِ، وإنَّما تَحْتَسِبُ بأوَّلِ اللَّيلِ والنَّهارِ، فإذا طَلقَها نَهارًا، احْتَسَبَتْ مِن أوَّلِ اللَّيلِ الذي يليه، وإن طَلَّقَها ليلًا، احْتَسَبَتْ مِن أوَّلِ النهارِ الذي يليه. وهذا قولُ مالكٍ؛ لأنَّ حِسابَ السَّاعاتِ يَشُقُّ، فسَقَطَ اعْتِبارُه. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾. فلا تجوزُ الزيادةُ عليها بغيرِ دَلِيلٍ، وحِسابُ السَّاعاتِ مُمْكِن، إما يَقِينًا وإمَّا اسْتِظْهارًا، فلا وَجْهَ للزِّيادَةِ على ما أوْجَبَه اللهُ تعالى. واخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ في عِدَّةِ الأمَةِ، فأكثَرُ الرِّواياتِ عنه، أنَّها شَهْران،

стр. 11620

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهو الذي ذَكَرَه الخِرَقِيُّ. رواه عنه جماعةٌ مِن أصْحابِه، واحْتَجَّ فيه بقولِ عمرَ، ﵁: عِدَّةُ أُمِّ الوَلَدِ حَيضَتان، ولو لم تَحِضْ كانت عِدَّتُها شَهْرَينِ. رواه الأثْرَمُ عنه بإسْنادِه (١). وهذا قولُ (٢) عَطاءٍ، والزُّهْرِيِّ، وإسْحاقَ، وأحَدُ أقْوالِ الشافعيِّ؛ لأنَّ الأشْهُرَ بَدَلٌ مِن القُرُوءِ، وعِدَّةُ ذاتِ القروءِ قَرْءانِ، فبَدَلُهما شَهْران، ولأنَّها مُعْتَدَّة بالشُّهورِ مِن غيرِ الوَفاةِ، فكان عدَدُها كعَدَدِ القُروءِ، لو كانت ذاتَ قُرُوءٍ، كالحُرَّةِ. والرِّوايةُ الثانيةُ، أنَّ عِدَّتَها شَهْر ونِصْف. نقَلَها المَيمُونِيُّ، والأثْرَمُ، واخْتارَها أبو بكرٍ. وهذا قولُ عليٍّ، ﵁. ورُويَ ذلك عن ابنِ عمرَ، وابنِ المُسَيَّبِ، وسالم، والشَّعْبِيِّ، والثَّوْرِيِّ، وأصْحابِ الرَّأْي. وهو قولٌ ثانٍ (٢) للشافعيِّ؛ لأنَّ عِدَّةَ الأمَةِ نِصْفُ عِدَّةِ الحُرَّةِ، وعِدَّةُ الحُرَّةِ ثَلاثةُ أشْهُرٍ، فنِصْفُها شَهْرٌ ونِصْفٌ، وإنَّما كَمَّلْنا لذاتِ الحَيضِ حيضَتَين؛ لتَعَذُّرِ تَبْعِيضِ الحَيضَةِ، فإذا صِرْنا إلى الشُّهورِ، أمْكَنَ التَّنصِيفُ، فوَجَبَ المَصِيرُ إليه، كما في عِدَّةِ الوَفاةِ، ويصيرُ هذا كالمُحْرِمِ، إذا وَجَبَ عليه في جَزاءِ الصَّيدِ نِصْفُ مُدٍّ، [أمْكَنَه إخْراجُه] (٣)، فإن أراد الصِّيامَ مَكانَه، صامَ يَوْمًا كاملًا. ولأنَّها عِدَّةٌ أمْكَنَ

стр. 11621

وَعِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ عِدَّةُ الأَمَةِ، وَعِدَّةُ الْمُعْتَقِ بَعْضُهَا بِالْحِسَابِ مِنْ عِدَّةِ حُرَةٍ وَأَمةٍ. ــ تَنْصِيفُها، فكانت على النِّصْفِ مِن عِدَّةِ الحُرَّةِ، كعِدَّةِ الوَفاةِ. والثالثةُ، أنَّ عليها ثلاثةَ أشْهُرٍ. رُوِيَ ذلك عن الحسنِ، ومُجاهِدٍ، وعمرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، ويَحْيى الأنْصَارِيِّ، ورَبِيعةَ، ومالكٍ. وهو القوْلُ الثالثُ للشافعيِّ؛ لِعُمُومِ قولِه تعالى: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾. ولأنَّ اعْتِبارَ الشُّهُورِ ههُنا للعِلْمِ ببَرَاءَةِ رَحِمِها، ولا يَحْصُلُ هذا بدُونِ ثَلاثةِ أشْهُرٍ في الحُرَّةِ والأمَةِ جميعًا؛ لأنَّ الحَمْل يكونُ نُطْفَةً أرْبَعِينَ يومًا، وعَلَقَةً أرْبَعِين يومًا، ثم يَصِيرُ مُضْغَةً، ثم يتَحَرَّكُ، ويَعْلُو بَطْنُ المرأةِ، فيَظْهَرُ الحَمْلُ، وهذا مَعْنى لا يخْتلِفُ بالرِّقِّ والحُرِّيَّةِ. ومَن رَدَّ هذه الرِّوايةَ قال: هي مُخالِفةٌ لإجْماعِ الصَّحابةِ؛ لأنَّهم اخْتَلَفوا على القَوْلَين الأوَّلَينِ، ومتى اخْتَلَفَ الصَّحابةُ على قَوْلَين، لم يَجُزْ إحْداثُ قولٍ ثالِثٍ؛ لأنَّه يُفْضِي إلى تَخْطِئتِهِم، وخُرُوجِ الحَقِّ عن قولِ جَمِيعِهم، ولا يجوزُ ذلك، ولأنَّها مُعْتَدَّةٌ بغيرِ الحَمْلِ، فكانت دونَ عِدَّةِ الحُرَّةِ، كذاتِ القُرُوءِ المُتَوَفَّى عنها زَوْجُها. ٣٨٥٦ - مسألة: (وعِدَّةُ أُمِّ الوَلَدِ عِدَّةُ الأمَةِ) لأنَّها أمَة مَمْلُوكةٌ (وعِدَّةُ المُعْتَقِ بَعْضُها بالحِسابِ مِن عِدَّةِ حُرَّةٍ وأمَةٍ) أمَّا إذَا اعْتَدَّتْ

стр. 11622

وَحَدُّ الإياسِ خَمْسُونَ سَنَةً. وَعَنْهُ، أنَّ ذَلِكَ حَدُّهُ في نساءِ الْعَجَمِ، وَحَدُّهُ في نِسَاءِ الْعَرَبِ سِتُّونَ سَنَةً. ــ بالحَمْلِ أو بالقُروءِ، فعِدَّتُهَا كعِدَّةِ الحُرَّةِ؛ لأنَّ عِدَّةَ الحاملٍ لا تَخْتَلِفُ بالرِّقِّ والحُرِّيَّةِ، وعِدَّةُ الأمَةِ بالقُروء قَرْءان، فأدْنى ما يكونُ فيها مِن الحُرِّيَّةِ يُوجِبُ قَرْءًا ثالِثًا؛ لأنَّه لا يَتَبَعَّضُ، وإن كانت عِدَّتُها بالشُّهُورِ للوَفاةِ، وكان بَعْضُها (١) حُرًّا، اعْتَدَّتْ بثلاثةِ شُهُورٍ وثمانيةِ أيام، وإذا كان نِصْفُها حُرًّا، فعِدَّتُها ثلاثةُ أرْباعِ عِدَّةِ الحُرَّةِ. فإن قُلْنا: عِدَّةُ الأمَةِ شَهْران. فعِدَّتُها شَهْران ونِصْفٌ. وإن قُلْنا: شَهْرٌ ونِصْفُ. فعِدَّتُها شَهْران وسَبْعَةُ أيام ونِصْفٌ. وإن قُلْنا: عِدَّتُها ثلاثةُ أشْهُرٍ. فهي كالحُرَّةِ. ٣٨٥٧ - مسألة: (وحَدُّ الإِياسِ خَمْسُون سَنَةً. وعنه، أنَّ ذلك حَدُّه في نِساءِ العَجَمِ، وحَدُّه في نِساءِ العَرَبِ سِتُّون سَنَةً) اخْتُلِفَ عن أحمدَ في السِّنِّ الذي تَصِيرُ به المرأةُ مِن الآيِساتِ، فعنه، أوَّلُه خَمْسُون سنةً؛ لأنَّ عائشةَ، ﵂، قالتْ: لن تَرَى المرأةُ في بَطْنِها ولدًا بعدَ خمسين

стр. 11623

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ سنةً. وعنه، إن كانت مِن نِساءِ العَجَم فخمْسُون سنةً، وإن كانت مِن نِساءِ العَرَبِ فسِتُّون؛ لأنَّهُنَّ أقْوَى جِبِلًّةً وطَبيعَةً. وقد ذَكَرَ الزُّبَيرُ بنُ بَكَّارٍ، في كتابِ «النَّسَبِ»، أنَّ هندًا بنتَ أَبي عُبَيدَةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ زَمْعةَ، ولَدَتْ مُوسَى بنٍ عبدِ اللهِ بنِ حسنِ [بنِ حسنِ] (١) بنِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ ولها سِتُّون سنة. وقال: يقالُ: إَّنه لن تَلِدَ بعدَ خمسين سنةً إلَّا عَرَبِيَّةٌ، ولا تَلِد لِستِّين إلَّا قُرَشِيَّةٌ. وللشافعيِّ قَوْلان؛ أحَدُهما، يُعْتَبَرُ السِّنُّ الذي يُتَيَقَّنُ أنَّها إذا بَلَغَتْه لم تَحِضْ. قال بعضُهم: هو اثْنَان وسِتُّون سنةً. والثاني، يُعْتَبَرُ السِّنُّ الذي يَيأسُ فيه نِساءُ عَشِيرَتِها؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّ نَشْأها

стр. 11624

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كنَشْئِهِنَّ، وطَبْعَها كطَبْعِهِنَّ. وقال شيخُنا (١): الصَّحِيحُ، إن شاءَ الله تعالى، أنَّه متى بلغَتِ المرأةُ خَمْسِين سنةً، فانْقَطَعَ حَيضُها عن عادَتِها مَرّاتٍ لغيرِ سَبَبٍ، فقد صارَتْ آيِسَةً؛ لأنَّ وُجُودَ الحَيضِ في حَقِّ هذه نادِرٌ، بدَلِيلِ قولِ عائشةَ، وقِلَّةِ وُجُودِه، فإذا انْضَمَّ إلى هذا انْقِطاعُه عن العاداتِ مَرَّاتٍ، حَصَلَ اليَأْسُ مِن وُجُودِه، فلها حِينَئِذٍ أن تَعْتَدَّ بالأشْهُرِ، وإنِ انْقَطَعَ قبلَ ذلك، فحُكْمُها حُكْمُ مَن ارْتَفَعَ حَيضُها لا تَدْرِي ما رَفَعَه، على ما نَذْكُرُه إن شاءَ الله تَعالى. وإن رأتِ الدَّمَ بعدَ الخَمْسِين، على العادَةِ التي كانت [تَراه فيها، فهو حَيضٌ، في الصَّحِيحِ؛ لأنّ دلِيلَ الحَيضِ الوُجودُ في زَمَنِ الإمْكانِ، وهذا يُمْكِنُ وُجُودُ الحَيضِ فيه وإن كان] (٢) نادِرًا. وإن رَأَته بعدَ السِّتِّين، فقد تُيُقِّنَ أنَّه ليس بِحَيضٍ، فعندَ ذلك لا

стр. 11625

وَإنْ حَاضَتِ الصَّغِيرَةُ في عِدَّتِهَا، انْتَقَلَتْ إِلَى الْقُرُوءِ، وَيَلْزَمُهَا إِكْمَالُهَا. وَهَلْ يَحْسِبُ مَا قَبْلَ الحَيضِ قَرْءًا إِذَا قُلْنَا: الْقُرُوءُ الْأطْهَارُ؟ عَلَى وَجْهَينِ. ــ تَعْتَدُّ به، وتعْتَدُّ بالأشْهُرِ، كالتي لا تَرَى دَمًا. وأمَّا أقَل سِنٍّ تَحِيضُ له المرأةُ، فقد ذَكَرْناهُ في بابِ الحَيضِ، وذَكَرْنا دَلِيلَه (١). فإن رَأَته قبلَ ذلك، اعْتَدَّتْ بالأشْهُرِ، وإن رَأَته بعدَ ذلك، فالمُعْتَبَرُ مِن ذلك ما تَكَرَّرَ ثلاثَ مَرَّاتِ في حالِ الصِّحَّةِ، وإن لم يُوجَدْ ذلك لم تَعْتَدَّ به. ٣٨٥٨ - مسألة: (وإن حاضَتِ الصَّغِيرَةُ في عِدَّتِها، انْتَقَلَتْ إلى القُروءِ، ويَلْزَمُها إكْمالُها) وجملةُ ذلك، أن الصَّغيرةَ التي لم تَحِضْ إذا اعْتَدَّتْ بالشهُورِ فحاضَتْ قبلَ انْقِضاء عِدَّتِها ولو بساعةٍ، لَزِمَها استئنافُ العِدَّةِ بالأقْراءِ في قولِ عامَّةِ فُقهاءِ الأَمْصارِ؛ منهم سعيدُ بن المُسَيَّبِ،
следующие страницы →