وَعِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ عِدَّةُ الأَمَةِ، وَعِدَّةُ الْمُعْتَقِ بَعْضُهَا بِالْحِسَابِ مِنْ عِدَّةِ حُرَةٍ وَأَمةٍ.
ــ
تَنْصِيفُها، فكانت على النِّصْفِ مِن عِدَّةِ الحُرَّةِ، كعِدَّةِ الوَفاةِ. والثالثةُ، أنَّ عليها ثلاثةَ أشْهُرٍ. رُوِيَ ذلك عن الحسنِ، ومُجاهِدٍ، وعمرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، ويَحْيى الأنْصَارِيِّ، ورَبِيعةَ، ومالكٍ. وهو القوْلُ الثالثُ للشافعيِّ؛ لِعُمُومِ قولِه تعالى: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾. ولأنَّ اعْتِبارَ الشُّهُورِ ههُنا للعِلْمِ ببَرَاءَةِ رَحِمِها، ولا يَحْصُلُ هذا بدُونِ ثَلاثةِ أشْهُرٍ في الحُرَّةِ والأمَةِ جميعًا؛ لأنَّ الحَمْل يكونُ نُطْفَةً أرْبَعِينَ يومًا، وعَلَقَةً أرْبَعِين يومًا، ثم يَصِيرُ مُضْغَةً، ثم يتَحَرَّكُ، ويَعْلُو بَطْنُ المرأةِ، فيَظْهَرُ الحَمْلُ، وهذا مَعْنى لا يخْتلِفُ بالرِّقِّ والحُرِّيَّةِ. ومَن رَدَّ هذه الرِّوايةَ قال: هي مُخالِفةٌ لإجْماعِ الصَّحابةِ؛ لأنَّهم اخْتَلَفوا على القَوْلَين الأوَّلَينِ، ومتى اخْتَلَفَ الصَّحابةُ على قَوْلَين، لم يَجُزْ إحْداثُ قولٍ ثالِثٍ؛ لأنَّه يُفْضِي إلى تَخْطِئتِهِم، وخُرُوجِ الحَقِّ عن قولِ جَمِيعِهم، ولا يجوزُ ذلك، ولأنَّها مُعْتَدَّةٌ بغيرِ الحَمْلِ، فكانت دونَ عِدَّةِ الحُرَّةِ، كذاتِ القُرُوءِ المُتَوَفَّى عنها زَوْجُها.
٣٨٥٦ - مسألة: (وعِدَّةُ أُمِّ الوَلَدِ عِدَّةُ الأمَةِ) لأنَّها أمَة مَمْلُوكةٌ (وعِدَّةُ المُعْتَقِ بَعْضُها بالحِسابِ مِن عِدَّةِ حُرَّةٍ وأمَةٍ) أمَّا إذَا اعْتَدَّتْ
стр. 11622
وَحَدُّ الإياسِ خَمْسُونَ سَنَةً. وَعَنْهُ، أنَّ ذَلِكَ حَدُّهُ في نساءِ الْعَجَمِ، وَحَدُّهُ في نِسَاءِ الْعَرَبِ سِتُّونَ سَنَةً.
ــ
بالحَمْلِ أو بالقُروءِ، فعِدَّتُهَا كعِدَّةِ الحُرَّةِ؛ لأنَّ عِدَّةَ الحاملٍ لا تَخْتَلِفُ بالرِّقِّ والحُرِّيَّةِ، وعِدَّةُ الأمَةِ بالقُروء قَرْءان، فأدْنى ما يكونُ فيها مِن الحُرِّيَّةِ يُوجِبُ قَرْءًا ثالِثًا؛ لأنَّه لا يَتَبَعَّضُ، وإن كانت عِدَّتُها بالشُّهُورِ للوَفاةِ، وكان بَعْضُها (١) حُرًّا، اعْتَدَّتْ بثلاثةِ شُهُورٍ وثمانيةِ أيام، وإذا كان نِصْفُها حُرًّا، فعِدَّتُها ثلاثةُ أرْباعِ عِدَّةِ الحُرَّةِ. فإن قُلْنا: عِدَّةُ الأمَةِ شَهْران. فعِدَّتُها شَهْران ونِصْفٌ. وإن قُلْنا: شَهْرٌ ونِصْفُ. فعِدَّتُها شَهْران وسَبْعَةُ أيام ونِصْفٌ. وإن قُلْنا: عِدَّتُها ثلاثةُ أشْهُرٍ. فهي كالحُرَّةِ.
٣٨٥٧ - مسألة: (وحَدُّ الإِياسِ خَمْسُون سَنَةً. وعنه، أنَّ ذلك حَدُّه في نِساءِ العَجَمِ، وحَدُّه في نِساءِ العَرَبِ سِتُّون سَنَةً) اخْتُلِفَ عن أحمدَ في السِّنِّ الذي تَصِيرُ به المرأةُ مِن الآيِساتِ، فعنه، أوَّلُه خَمْسُون سنةً؛ لأنَّ عائشةَ، ﵂، قالتْ: لن تَرَى المرأةُ في بَطْنِها ولدًا بعدَ خمسين
стр. 11623
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سنةً. وعنه، إن كانت مِن نِساءِ العَجَم فخمْسُون سنةً، وإن كانت مِن نِساءِ العَرَبِ فسِتُّون؛ لأنَّهُنَّ أقْوَى جِبِلًّةً وطَبيعَةً. وقد ذَكَرَ الزُّبَيرُ بنُ بَكَّارٍ، في كتابِ «النَّسَبِ»، أنَّ هندًا بنتَ أَبي عُبَيدَةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ زَمْعةَ، ولَدَتْ مُوسَى بنٍ عبدِ اللهِ بنِ حسنِ [بنِ حسنِ] (١) بنِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ ولها سِتُّون سنة. وقال: يقالُ: إَّنه لن تَلِدَ بعدَ خمسين سنةً إلَّا عَرَبِيَّةٌ، ولا تَلِد لِستِّين إلَّا قُرَشِيَّةٌ. وللشافعيِّ قَوْلان؛ أحَدُهما، يُعْتَبَرُ السِّنُّ الذي يُتَيَقَّنُ أنَّها إذا بَلَغَتْه لم تَحِضْ. قال بعضُهم: هو اثْنَان وسِتُّون سنةً. والثاني، يُعْتَبَرُ السِّنُّ الذي يَيأسُ فيه نِساءُ عَشِيرَتِها؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّ نَشْأها
стр. 11624
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كنَشْئِهِنَّ، وطَبْعَها كطَبْعِهِنَّ. وقال شيخُنا (١): الصَّحِيحُ، إن شاءَ الله تعالى، أنَّه متى بلغَتِ المرأةُ خَمْسِين سنةً، فانْقَطَعَ حَيضُها عن عادَتِها مَرّاتٍ لغيرِ سَبَبٍ، فقد صارَتْ آيِسَةً؛ لأنَّ وُجُودَ الحَيضِ في حَقِّ هذه نادِرٌ، بدَلِيلِ قولِ عائشةَ، وقِلَّةِ وُجُودِه، فإذا انْضَمَّ إلى هذا انْقِطاعُه عن العاداتِ مَرَّاتٍ، حَصَلَ اليَأْسُ مِن وُجُودِه، فلها حِينَئِذٍ أن تَعْتَدَّ بالأشْهُرِ، وإنِ انْقَطَعَ قبلَ ذلك، فحُكْمُها حُكْمُ مَن ارْتَفَعَ حَيضُها لا تَدْرِي ما رَفَعَه، على ما نَذْكُرُه إن شاءَ الله تَعالى. وإن رأتِ الدَّمَ بعدَ الخَمْسِين، على العادَةِ التي كانت [تَراه فيها، فهو حَيضٌ، في الصَّحِيحِ؛ لأنّ دلِيلَ الحَيضِ الوُجودُ في زَمَنِ الإمْكانِ، وهذا يُمْكِنُ وُجُودُ الحَيضِ فيه وإن كان] (٢) نادِرًا. وإن رَأَته بعدَ السِّتِّين، فقد تُيُقِّنَ أنَّه ليس بِحَيضٍ، فعندَ ذلك لا
стр. 11625
وَإنْ حَاضَتِ الصَّغِيرَةُ في عِدَّتِهَا، انْتَقَلَتْ إِلَى الْقُرُوءِ، وَيَلْزَمُهَا إِكْمَالُهَا. وَهَلْ يَحْسِبُ مَا قَبْلَ الحَيضِ قَرْءًا إِذَا قُلْنَا: الْقُرُوءُ الْأطْهَارُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
ــ
تَعْتَدُّ به، وتعْتَدُّ بالأشْهُرِ، كالتي لا تَرَى دَمًا. وأمَّا أقَل سِنٍّ تَحِيضُ له المرأةُ، فقد ذَكَرْناهُ في بابِ الحَيضِ، وذَكَرْنا دَلِيلَه (١). فإن رَأَته قبلَ ذلك، اعْتَدَّتْ بالأشْهُرِ، وإن رَأَته بعدَ ذلك، فالمُعْتَبَرُ مِن ذلك ما تَكَرَّرَ ثلاثَ مَرَّاتِ في حالِ الصِّحَّةِ، وإن لم يُوجَدْ ذلك لم تَعْتَدَّ به.
٣٨٥٨ - مسألة: (وإن حاضَتِ الصَّغِيرَةُ في عِدَّتِها، انْتَقَلَتْ إلى القُروءِ، ويَلْزَمُها إكْمالُها) وجملةُ ذلك، أن الصَّغيرةَ التي لم تَحِضْ إذا اعْتَدَّتْ بالشهُورِ فحاضَتْ قبلَ انْقِضاء عِدَّتِها ولو بساعةٍ، لَزِمَها استئنافُ العِدَّةِ بالأقْراءِ في قولِ عامَّةِ فُقهاءِ الأَمْصارِ؛ منهم سعيدُ بن المُسَيَّبِ،
стр. 11626
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والحسنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادةُ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والزُّهْرِيُّ، والثَّوْرِيُّ، ومالِكٌ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيدٍ، وأصْحابُ الرَّأْي، وأهلُ المدِينَةِ، وأهلُ البَصْرَةِ؛ وذلك لأنَّ [الشُّهورَ بَدَلٌ عن الحِيَضِ، فإذا] (١) وُجِدَ المُبْدَلُ بَطَلَ حُكْمُ البَدَلِ، كالتَّيَمُّم مع الماءِ، ويَلْزَمُها أن تَعْتَدَّ بثلاثِ حِيَض إن قُلْنا. القُروءُ الحِيَضُ. وإن قُلنا: القُروءُ الأطْهارُ. فهل تَعْتَدُّ بما مَضَى مِن الطُّهْرِ قَبلَ الحَيضِ قَرْءًا؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، تَعْتَدُّ به؛ لأنَّه طُهْرٌ انْتَقَلَتْ منه إلى حَيضٍ، فأشْبَهَ الطُّهْرَ بينَ الحَيضَتَين. والثاني، لا تَعْتَدُّ به. وهو ظاهِرُ كلامِ الشافعيِّ؛ لأنَّ القَرْءَ هو الطُّهْرُ بينَ حَيضَتَين، وهذا لم يَتَقَدَّمْه حَيضٌ. فأمَّا إن حاضَتْ بعدَ انْقِضاءِ عِدَّتِها بالشُّهُورِ ولو بلَحْظَةٍ، لم يَلْزَمْها اسْتِئْنافُ العِدَّةِ؛ لأنَّه حَدَثَ بعدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ، فأشْبَهَ ما لو حَدَثَ بعدَ طُولِ الفَصْلِ، ولا يُمْكِنُ منعُ هذا الأصْلِ؛ لأنَّه لو صَحَّ مَنْعُه، لم يَحْصُلْ للصَّغرةِ الاعْتِدادُ بالشهورِ بحالٍ.
стр. 11627
وَإنْ يَئِسَتْ ذَاتُ الْقُرُوءِ في عِدَّتِهَا، انْتَقَلَتْ إِلَى عِدَّةِ الْآيِسَاتِ، وَإنْ عَتَقَتِ الأمَةُ الرَّجْعِيَّةُ في عِدَّتِهَا، بَنَتْ عَلَى عِدَّةِ حُرَّةٍ، وَإنْ
ــ
٣٨٥٩ - مسألة: (وإن يَئسَتْ ذاتُ القُروءِ في عِدَّتِها، انْتَقَلَتْ إلى عِدَّةِ الآيِساتِ) ثَلاثةِ أشْهُرٍ؛ لأنَّ العِدَّةَ لا تُلَفَّقُ مِن جِنْسَين، وقد تَعَذَّرَ إتْمامُها بالحِيَضِ، فوَجَبَ تَكْمِيلُها بالأشْهُرِ؛ لأنَّها عجَزَتْ عن الأصْلِ، فانْتَقَلَتْ إلى البَدَلِ، كمَن عَجَزَ عن الماءِ، يَنْتَقِلُ إلى التُّراب. فإن ظَهَرَ بها حَمْلٌ مِن الزَّوْجِ، سَقَطَ حُكْمُ ما مَضَى، وبانَ لنا أنَّ ما رَأتْه مِن الدَّمِ لم يَكُنْ حَيضًا؛ لأنَّ الحامِلَ لا تَحِيضُ. ولو حاضَتْ ثَلاثَ حِيَض، ثم ظَهَرَ بها حَمْلٌ، فوَلَدَتْ لأقَلَّ مِن سِتَّةِ أشْهُر منذُ انْقَضَتِ الحَيضَةُ الثالثةُ تبَيَّنَّا أنَّ الدَّمَ ليس بحَيضٍ؛ لأنَّها كانتْ حامِلًا مع رُؤْيَةِ الدَّم، والحامِلُ لا تَحِيضُ. فأمَّا إن حاضَتْ ثَلاثَ حِيَض، ثم ظَهَر بها حَمْل يُمْكِنُ حُدُوثُه بعدَ العِدَّةِ، بأن تَلِدَ لِسِتَّةِ أشْهُر منذُ انْقَضَتْ عِدَّتُها، لم يَلْحَقِ الزوْجَ، وحَكَمْنا بصِحَّةِ الاعْتِدادِ، وكان هذا الولدُ حادِثًا.
٣٨٦٠ - مسألة: (وإن عَتَقَتِ الأمَةُ الرَّجْعِيَّةُ في عِدَّتِها، بَنَتْ على
стр. 11628
كَانَتْ بَائِنًا، بَنَتْ عَلَى عِدَّةِ أَمَةٍ.
ــ
عِدَّةِ حُرَّةٍ، وإن كانت بائِنًا، بَنَتْ على عِدَّةِ أمَةٍ) هذا قولُ الحسنِ، والشَّعْبِيِّ، والضَّحَّاكِ، وإسْحاقَ، وأصْحابِ الرَّأْي. وهو أحدُ أقْوالِ الشافعيِّ. والقولُ الثاني، تُكْمِلُ عِدَّةَ أمَةٍ، سَواءٌ كانت بائِنًا أو رَجْعِيَّةً. وهو قوْلُ مالكٍ، وأبي ثَوْرٍ، لأنَّ الحُرِّيَّةَ طَرَأتْ بعدَ وُجُوبِ العِدَّةِ عليها، فلا يُعْتَبَرُ (١) حُكْمُها، كما لو كانت بائِنًا، أو كما لو طَرَأتْ بعدَ وُجُوبِ الاسْتِبْراءِ، ولأنَّه مَعْنًى يخْتَلِفُ بالرِّقِّ والحُرِّيَّةِ، فكان الاعْتِبارُ بحالةِ الوُجُوبِ، كالحَدِّ. وقال عَطاءٌ، والزُّهْرِيُّ، وقَتادةُ: تَبْنِي على عِدَّةِ حُرَّةٍ بكلِّ حالٍ. وهو القَوْلُ الثالثُ للشافعيِّ؛ لأنَّ سبَبَ العِدَّةِ الكاملةِ إذا وُجِدَ في أثْناءِ العِدَّةِ، انْتَقَلَتْ إليها وإن كانت بائِنًا، كما لو اعْتَدَّتْ بالشُّهُورِ ثم حاضَتْ. ولَنا، أنَّها إذا اعْتِقَتْ وهي رَجْعِيَّةٌ، فقد وُجِدَتِ الحُريَّةُ، وهي زَوْجَةٌ تَعْتَدُّ عِدَّةَ الوَفاةِ لو مات، فوَجَبَ أن تَعْتَدَّ عِدَّةَ الحرِّائرِ، لو أُعْتِقَتْ قبلَ الطَّلاقِ. وإن أُعْتِقَتْ وهي بائنٌ، فلم تُوجَدِ الحُرِّيَّةُ في الزَّوْجِيَّةِ، فلم تَجِبْ عليها عِدَّةُ الحرائرِ، كما لو أُعْتِقَتْ بعدَ مُضِيِّ القَرأَين، ولأنَّ الرَّجْعِيَّةَ تَنْتَقِلُ إلى عِدُّةِ الوَفاةِ لو مات، فتَنْتَقِلُ إلى عِدَّةِ الحرائرِ. والبائِنُ لا تَنْتَقِلُ إلى عِدَّةِ الوَفاةِ، فلا تَنْتَقِلُ إلى عِدَّةِ الحرائرِ، كما لو انْقَضَتْ عِدَّتُها. وما [ذَكَرْناه لمالِكٍ] (٢) يَبْطُلُ بما إذا مات زَوْجُ الرَّجْعِيَّةِ،
стр. 11629
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإنَّها تَنْتَقِل إلى عِدَّةِ الوَفاةِ، والفَرْقُ بينَ ما نحن فيه وبينَ ما إذا حاضَتِ الصَّغيرةُ، أنَّ الشهورَ بَدَلٌ عن الحِيَضِ، فإذا وُجِدَ المُبْدَلُ زال حُكْمُ البَدَلِ، كالمُتَيَمِّمِ يجِدُ الماءَ، وليس كذلك ههُنا، فإن عِدَّةَ الأمَةِ ليست بِبَدَلٍ، ولذلك تَبْنِي الأمَة على ما مَضَى مِن عِدَّتِها اتِّفاقًا، وإذا حاضَتِ الصَّغِيرةُ اسْتَأْنفَتِ العِدَّةَ، فافْتَرَقا. وتخالِفُ الاسْتِبْراءَ؛ فإنَّ الحُرِّيَّةَ لو قارَبَتْ سَبَبَ وُجُوبِه، لم يَكْمُلْ، ألا تَرَى أنَّ أُمَّ الولَدِ إذا مات سَيِّدُها عَتَقَتْ لمَوْتِه، ووَجَب الاسْتِبْراءُ، كما يجبُ على التي لم تَعْتِقْ، ولأنَّ الاسْتِبْراءَ لا يَخْتَلِفُ بالرِّقِّ والحُرِّيَّةِ، بخلافِ مَسْألتِنا.
فصل: إذا عَتَقَتِ الأمَةُ تحتَ العَبْدِ فاخْتَارَتْ نَفْسَها، اعْتَدَّتْ عِدَّةَ الحُرَّةِ؛ لأنَّها بانَتْ مِن زَوْجها وهي حرَّة. وروَى الحسن، أنَّ النبي ﷺ أمَرَ بَرِيرَةَ أن تَعْتَدَّ عِدَّةَ الحُرَّةِ (١). وإن طَلَّقَها العَبْدُ طَلاقًا رَجْعِيًّا، فأعْتَقَها سَيِّدُها، بَنَتْ على عِدَّةِ حُرةٍ، سَواءٌ فَسَخَتْ أو أقامَتْ على النِّكاحِ؛ لأنَّها عَتَقَتْ في عِدَّةِ رَجْعيَّةٍ. وإن لم تَفْسَخْ، فراجَعَها في عِدَّتِها، فلها الخيارُ بعدَ رَجْعتها، فإنِ اخْتارَتِ الفَسْخَ قبلَ المَسِيسِ، فهل تَسْتَأْنِفُ العِدَّةَ أو تَبْنِي على ما مَضَى مِن عِدَّتِها؟ على وجْهَين. فإن قُلْنا: تَسْتأنِفُ. فإنَّها تَسْتأنِفُ عِدَّةَ حُرَّةٍ. وإن قُلْنا: تَبْنِي. بَنَتْ على عِدةِ حُرَّةٍ.
стр. 11630
فَصْلٌ: الْخَامِسُ، مَنِ ارْتَفَعَ حَيضُهَا لَا تَدْرِي مَا رَفَعَهُ، اعْتَدَّتْ سَنَةً؛ تِسْعَةَ أشْهُرٍ لِلْحَمْلِ، وَثَلَاثَةً لِلْعِدَّةِ،
ــ
فصل: (الخامسُ، مَن ارْتَفَعَ حَيضُها لا تَدْرِي ما رَفَعَه، اعْتَدَّتْ سنةً؛ تِسْعَةَ أشْهُرٍ للحَمْلِ، وثَلَاثَةً للعِدَّةِ) وجملةُ ذلك، أنَّ الرَّجُلَ إذا طَلَّقَ زوْجَتَه، وهي مِن ذواتِ الأقْراءِ، فلم تَرَ الحَيضَ في عادَتِها، ولم تَدْرِ ما رَفَعه، فإنَّها تَعْتَدُّ سنةً؛ تِسْعَةَ أشْهُرٍ منها تَتَرَبَّصُ فيها لتَعْلَمَ بَراءَةَ رَحِمِها؛ لأنَّ هذه غالبُ مُدَّةِ الحَمْلِ، فإذا لم يَبِنِ الحَمْلُ فيها، عُلِمَ بَراءَةُ الرَّحِمِ ظاهِرًا، فتَعْتَدُّ بعدَ ذلك عِدَّةَ الآيِسات، ثَلاثةَ أشْهُرٍ. هذا قولُ عمرَ، ﵁. قال الشافعيُّ: هذا قضاءُ عمرَ بينَ المُهاجِرين والأنْصارِ، لا يُنْكِرُه منهم مُنْكِر عَلِمْناه. وبه قال مالكٌ، والشافعي في أحَدِ قَوْلَيه. ورُوِيَ ذلك عن الحسنِ. وقال الشافعي في قولٍ آخرَ: تَتَرَبَّصُ أرْبَعَ سِنِينَ، أكثرَ مُدَّةِ الحَمْلِ، ثم ثَعْتَد بثلاثةِ أشْهُرٍ؛ لأنَّ هذه المُدَّةَ هي التي يُتَيَقَّنُ بها بَراءَةُ رَحِمِها، فوَجَبَ اعْتِبارُها احْتِياطًا. وحَكَى
стр. 11631
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شيخُنا مثلَ ذلك في المذهبِ. وقال الشافعيُّ في الجديدِ: تكونُ في عِدَّةٍ أُبدًا حتى تَحِيضَ، أو تَبْلُغَ سِنَّ الإِياسِ، فتَعْتَدُّ حِينَئِذٍ بثَلاثةِ أشْهُرٍ. وهذا قولُ جابرِ بنِ زيدٍ، وعَطاءٍ، وطاوسٍ، والشَّعْبيِّ، والنَّخَعِيِّ، والزُّهْرِيِّ، والثَّوْرِيِّ، وأبي عُبَيدٍ، وأهْلِ العِرَاقِ؛ لأنَّ الاعْتِدادَ بالأشْهُرِ جُعِلَ بعدَ الإياسِ، فلم يَجُزْ قبلَه، وهذه ليست آيِسَةً، ولأنَّها تَرْجُو عَوْدَ الدَّمِ، فلم تَعْتَدَّ بالشُّهُورِ، كما لو تَباعَدَ حَيضُها لعارِضٍ. ولَنا، الإجْماعُ الذي (١) حكَاهُ الشافعيُّ، ولأنَّ الغَرَضَ بالاعْتِدادِ مَعْرِفةُ بَراءَةِ رَحِمِها، وهذا يَحْصُلُ به براءَةُ رَحِمِها، فاكْتُفِيَ به، [ولهذا اكْتُفِيَ] (٢) في حَقِّ ذاتِ القُرُوءِ بثلاثةِ قُرُوءٍ، وفي حَقِّ الآيسَةِ بثلاثةِ أشْهُرٍ، ولو رُوعِيَ اليَقِينُ لاعْتُبِرَ أقْصَى مُدَّةِ الحَمْلِ، ولأنَّ عليها في تَطْويلِ العِدَّةِ (٣)
стр. 11632
وَإنْ كَانَتْ أمَةً، اعْتَدَّتْ بِأَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا. وَيَحْتَمِلُ أنْ تَقْعُدَ لِلْحَمْلِ أرْبَعَ سِنِينَ.
ــ
ضَرَرًا، فإنَّها تُمْنَعُ مِن الأزْواجِ، وتُحْبَسُ (١) دائِمًا، ويتَضَرَّرُ الزَّوْجُ بإيجابِ السُّكْنَى والنَّفَقَةِ عليه. وقد قال ابنُ عبّاسٍ: لا تُطَوِّلُوا عليها الشُّقَّةَ، كَفَاها تِسْعَةُ أشْهُرٍ. فإن قِيلَ: فإذا مَضَت تِسْعَةُ أشْهُرٍ، فقد عُلِمَ بَراءَةُ رَحِمِها ظاهِرًا، فلِمَ اعْتَبَرْتُم بثلاثةِ أشْهُرٍ بعدَها؟ قُلْنا: الاعْتِدادُ بالقُرُوءِ والأشْهُرِ إنَّما يكونُ عندَ عَدَمِ الحَمْلِ، وقد تَجِبُ العِدَّةُ مع العِلْمِ ببَراءَةِ الرَّحِمِ، بدَلِيلِ ما لو عَلَّقَ طَلَاقَها بوَضْعِ الحَمْلِ، فوَضَعَتْه، وقَعَ الطَّلاقُ، ولَزِمَتْها العِدَّةُ.
٣٨٦١ - مسألة: (وإن كانت أمَةً، اعْتَدَّتْ أحَدَ عَشَرَ شَهْرًا) تِسْعَةَ أشْهُرٍ للحَمْلِ وشَهْرَين للعِدَّةِ. وهذا مَبْنِيٌّ على أنَّ الحُرَّةَ تَعْتَدُّ بتِسْعَةِ أشْهُرٍ للحَمْلِ، وثلاثةٍ للعِدَّةِ، على ما ذكَرْنا في المَسْأَلةِ قبلَها، وأنَّ عِدَّةَ الأمَةِ شَهْران؛ لأنَّ مُدَّةَ الحملِ تَتَساوَى فيها الحُرَّةُ والأمَةُ؛ لكَوْنِه أمْرًا حَقِيقِيًّا، فإذا يَئسَتْ مِن الحَمْلِ، اعْتَدَّتْ عِدَّةَ آيِسَةٍ شَهْرَين. وعلى قوْلِنا: إنَّ عِدَّةَ الأمَةِ شَهْرٌ ونِصْفٌ. تكونُ عِدَّتُها عَشَرَةَ أشْهُرٍ ونِصْفًا. ومَن جَعَل عِدَّتَها ثلاثةَ أشْهُرٍ، فهي كالحُرَّةِ سَوَاءً.
стр. 11633
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن عاد الحَيضُ إليها في السَّنَةِ، ولو في آخِرِها، أو عادَ إلى الأمَةِ قبلَ انْقِضاءِ عِدَّتِها، على ما فيها مِن الاخْتِلافِ، لَزِمَها الانْتِقَالُ إلى القُروءِ؛ لأنَّها الأصْلُ، فبَطَلَ بها حُكْمُ البَدَلِ، وإن عادَ بعدَ مُضِيِّها ونِكاحِها، لم تَعُدْ إلى القُرُوءِ؛ لأنَّ عِدَّتَها انْقَضَتْ، وحَكَمْنا بصِحَّةِ نِكاحِها، فلم تَبْطُلْ، كما لو اعْتَدَّتِ الصَّغيرَةُ بثَلاثةِ أشْهُرٍ، وتَزَوَّجَتْ، ثم حاضَتْ. وإن حاضَتْ بعدَ السَّنَةِ وقبلَ نِكاحِها، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا تَعُودُ؛ لأنَّ العِدَّةَ انْقَضَتْ بالشُّهُورِ، فلم تَعُدْ (١)، كالصَّغِيرةِ. والثاني، تَعُودُ؛ لأنَّها مِن ذَواتِ القُروءِ، وقد قَدَرَتْ على المُبْدَلِ قبلَ تَعَلُّقِ حَقِّ زَوْجٍ بها، فَلَزِمَها العَوْدُ، كما لو حاضَتْ في السَّنَةِ.
فصل: فإن حاضَتْ حَيضَةً، ثم ارْتَفَعَ حَيضُها لا تَدْرِي ما رَفَعَه، فهي كالمَسْأَلةِ التي قبلَها، تَعْتَدُّ سَنَةً مِن وقتِ انْقِطاعِ الحَيضِ؛ وذلك لِما رُوِيَ عن عمرَ، ﵁، أنَّه قال في رَجُلٍ طَلَّقَ امرأتَه، فحاضَتْ حَيضَةً أو حَيضَتَين، فارْتَفَعَ حَيضُها، لا تَدْرِي ما رَفَعَه: تَجْلِسُ تِسْعَةَ أشْهُرٍ، فإن لم يَسْتَبِنْ بها حَمْلٌ، تَعْتَدُّ بثلاثةِ أشْهُرٍ (٢). فذلك سَنَةٌ. ولا
стр. 11634
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نَعْلَمُ له مُخالِفًا. قال ابنُ المُنْذِرِ: قَضَى به عمرُ بينَ المُهاجِرين والأنْصار، لا يُنْكِرُه مُنْكِرٌ. وقال الأثْرَمُ: سمعتُ أبا عبدِ اللهِ يُسْئَلُ عن الرجلِ يُطَلِّقُ امرأتَه، فتَحِيضُ حَيضَةً، ثم [يَرْتَفِعُ حَيضُها] (١)؟ قال: أذْهَبُ إلى حَديثِ عمرَ: إذا رُفِعَتْ (٢) حَيضَتُها فلم تَدْرِ بما ارْتَفَعَتْ، فإنَّها تَنْتَظِرُ سَنَةً. قِيلَ له: فحاضَتْ دُونَ السَّنَةِ؟ فقال: تَرْجِعُ إلى الحَيضِ. قِيلَ له: فإنِ ارْتَفعَتْ حَيضَتُها أيضًا (٣) لا تَدْرِي ممَّا ارْتَفَعَتْ؟ قال: تقْعُدُ سَنَةً أُخْرَى. وهذا قولُ كلِّ مَن وافَقَنا في المَسْأَلةِ قبلَها؛ وذلك لأنَّها لمَّا ارْتَفعَتْ حَيضَتُها، حَصَلَتْ مُرْتَابةً، فوَجَبَ أن تَنْتَقِلَ إلى الاعْتِدادِ بسَنَةٍ، كما لو ارْتَفَعَ حَيضُها حينَ طَلَّقَها، ووَجَبَ عليها سَنَةٌ كاملةٌ؛ لأنَّ العِدَّةَ لا تُبْنَى على عِدَّةٍ أُخْرَى، ولذلك لو حاضَتْ حَيضَةً أو حَيضَتَينِ، ثم يَئسَتْ، انْتَقَلَتْ إلى ثلاثَةِ أشْهُرٍ كاملةٍ، ولو اعْتَدَّتِ الصغيرةُ شَهْرًا أو شَهْرَين، ثم حاضَتْ، انْتَقَلَتْ إلى ثلاثةِ قُروءٍ.
فصل: فإن كانت عادَةُ المرأةِ أن يَتَباعَدَ ما بينَ حَيضَتَيها، لم تَنْقَضِ عِدَّتُها إلَّا بثلاثِ حيضاتٍ وإن طالتْ؛ لأنَّ هذه لم يَرْتَفِعْ حَيضُها، ولم يَتَأخَّرْ عن عادَتِها، فهي مِن ذَواتِ القُروءِ، باقِيَةٌ على عادَتِها، فأشْبَهَتْ
стр. 11635
وَعِدَّة الْجَارِيَةِ الَّتِي أَدرَكَتْ فَلَمْ تَحِضْ، وَالْمُسْتَحَاضَةِ النَّاسِيَةِ، ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ. وَعَنْهُ، سَنَةٌ.
ــ
مَن لم يَتَباعَدْ حَيضُها. ولا نَعْلَمُ [في هذا] (١) مُخالِفًا.
٣٨٦٢ - مسألة: (وعِدَّةُ الجارِيَةِ التي أدْرَكَتْ فلم تَحِضْ، والمُسْتَحاضَةِ النَّاسِيَةِ، ثَلاثَةُ أشْهُرٍ. وعنه، سَنَةٌ) إذا بلغَتِ الجاريةُ سِنًّا تحيضُ فيه النِّساءُ في الغالبِ، فلم تَحِضْ، كخَمسَ عشْرةَ سنةً، فعِدَّتُها ثلاثةُ أشْهُرٍ، وهذا ظاهِرُ قولِ الخِرَقِيِّ، وقولُ أبي بكرٍ. وهو مذهبُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ، والشافعيِّ. وضَعَّفَ أبو بكرٍ الرِّوايةَ المُخالِفةَ لهذا، وقال: رواها أبو طالبٍ، فخالفَ فيها أصْحابَه، فروَى أبو طالبٍ عن أحمدَ، أنَّها تَعْتَدُّ سنةً. قال القاضي: هذه الرِّوايةُ أصَحُّ؛ لأنَّه متى أتَى
стр. 11636
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عليها زمانُ الحَيضِ فلم تَحِضْ، حصَلَتْ مُرْتابةً، يجوزُ أن يكونَ بها حَمْلٌ مَنَعَ حَيضَها، فيجبُ أن تَعْتَدَّ بسَنةٍ، كالتي ارْتَفَعَ حَيضُها بعدَ وُجُودِه. ولَنا، قولُ الله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾. وهذه مِن اللَّائِي لم يَحِضْنَ، ولأنَّ الاعْتِبارَ بحالِ المُعْتَدَّةِ لا بحالِ غيرِها، ولهذا لو حاضَتْ قبلَ بُلُوغِ سِنٍّ تَحِيضُ لمِثْلِه النِّساءُ في الغالبِ، مثل أن تَحِيضَ لعَشْرِ سِنِينَ، اعْتَدَّت بالحِيَضِ، وفارَقَ مَن ارْتَفَعَ حَيضُها، فإنَّها مِن ذَواتِ القُروءِ.
٣٨٦٣ - مسألة: وهكذا حُكْمُ المُسْتَحاضَةِ النَّاسِيَةِ. وجملةُ القولِ في عِدَّةِ (١) المُسْتَحاضَةِ، وهي لا تَخْلُو إمَّا أن تكونَ لها حَيضٌ مَحْكُومٌ به (١) بعادةٍ أو تَمْيِيزٍ أو لا؛ فإن كان لها حَيضٌ (١) مَحْكُومٌ به، فحكمُها فيه حُكْمُ غيرِ المُسْتحاضَةِ، إذا مَرَّتْ لها ثلاثةُ قُرُوءٍ، فقد انْقَضَتْ عِدَّتُها. قال أحمدُ: المُسْتحاضَةُ تَعْتَدُّ أيامَ أقْرائِها التي كانَتْ (١) تَعْرِفُ. فإن عَلِمَتْ أنَّ لها في كلِّ شَهْر حَيضةً، ولم تَعْلَمْ مَوْضِعَها، فعِدَّتُها ثلاثةُ أشْهُرٍ. وإن شَكَّتْ في شيء، تَرَبَّصَتْ حتى تَسْتَيقِنَ أنَّ القُروءَ الثلاثَ قد انْقَضَتْ.
стр. 11637
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإن كانتْ مُبْتَدَأةً لا تَمْيِيزَ لها، أو ناسِيَةً لا تَعْرِفُ لها وَقْتًا ولا تميِيزًا، فعن أحمدَ فيها روايتان؛ إحداهما، أنَّ عِدَّتَها ثلاثةُ أشْهُرٍ. وهو قولُ عِكْرِمَةَ، وقَتادةَ، وأبي عُبَيدٍ؛ لأنَّ النبي ﷺ أمَرَ حَمْنَةَ [بنتَ جَحْش] (١) أن تَجْلِسَ في كلِّ شَهْرٍ سِتَّةَ أيام أو سَبْعَةً (٢). فجَعلَ لها حَيضَةً كلَّ شَهْرٍ، ولأنَّنا نَحْكُمُ لها بحَيضَةٍ في كلِّ شَهْر تَتْرُكُ فيها الصَّلاةَ والصِّيامَ، ويَثْبُتُ فيها سائرُ أحْكام الحَيضِ، فيَجِبُ أن تَنْقَضِيَ بها العِدَّةُ؛ لأنَّ ذلك مِن أحْكَامِ الحَيضِ. والروايةُ الثانيةُ، تَعْتَدُّ سَنَةً بِمَنْزِلَةِ مَن ارْتَفَعَ حَيضُها لا تَدْرِي ما رَفَعَه. قال أحمدُ: إذا كانت قد اختَلَطَتْ، ولم تَعْلَمْ إقْبال الدَّمِ وإدْبارَه، اعْتَدَّتْ سَنَةً؛ لحديثِ عمرَ؛ لأنَّ به يَتَبَيَّنُ الحَمْلُ. وهو قولُ مالكٍ، وإسْحاقَ؛ لأنَّها لم تَتَيَقَّنْ لها حَيضًا، مع أنَّها مِن ذَواتِ القُرُوءِ، فكانت عِدَّتُها سَنَةً، كالتي ارْتَفَعَ حَيضُها. وعلى الرِّوايةِ الأولَى، يَنْبَغِي أن يُقال: إنَّنا متى حَكَمْنا بأنَّ حَيضَها سَبْعَةُ أيام مِن كلِّ شَهْر، فمَضَى لها شَهْرانِ بالهِلال وسَبْعَةُ أيام مِن أوَّلِ الثالثِ، فقد انْقَضتْ عِدَّتُها. وإن قُلْنا: القُرُوءُ الأَطْهارُ. فطَلَّقَها في آخرِ شَهْرٍ، ثم مَضَى لها شَهْران وهَلَّ الثالثُ، انْقَضَتْ عِدَّتُها. وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
стр. 11638
فَأَمَّا الَّتِي عَرَفَتْ مَا رَفَعَ الْحَيض؛ مِنْ مَرَضٍ أَوْ رَضَاعٍ وَنَحْوهِ، فَلَا تَزَالُ في عِدَّةٍ حَتَّى يَعُودَ الْحَيضُ، فَتَعْتَدُّ بِهِ، إلا أنْ تَصِيرَ آيِسَةً، فَتَعْتَدُّ عِدَّةَ آيِسَةٍ حِينَئِذٍ.
ــ
٣٨٦٤ - مسألة: (فأمَّا التي عَرَفَتْ ما رَفَعَ الحَيضَ؛ مِن مَرَض أو رَضاعٍ ونحْوه، فلا تَزالُ في عِدَّةٍ حتى يَعُودَ الحَيضُ، فَتَعْتَدُّ به) أمَّا إذا عَرَفَتْ أنَّ (١) ارْتِفاعَ الحَيضِ بِعارِضٍ مِن مَرَض، أو نِفاسٍ، أو رَضاع، فإنَّها تَنْتَظِرُ زَوال العارِضِ، وَعْودَ الدَّمِ وإن طال، إلَّا أن تَصِيرَ في سِنِّ الإياسِ، وقد ذَكَرْناه، فتَعْتَدُّ حِينَئِذٍ عِدَّةَ الآيِساتِ. وقد روَى الشافعيُّ في «مُسْنَدِه» (٢) بإسْنادِه، عن حَبَّان بنِ مُنْقِذٍ، أنَّه طَلَّقَ امرأتَه طَلْقَةً واحدَةً، وكان لها منه بُنَيَّةٌ تُرْضِعُها، فتباعَدَ حَيضُها، ومَرِضَ حَبَّان، فقيل له: إنَّك إن مِتَّ وَرِثَتْكَ. فمَضَى إلى عُثمانَ، وعندَه عليٌّ وزيدُ بنُ ثابتٍ، فسأله عن ذلك، فقال عثمانُ لعليٍّ وزيدٍ: ما تَرَيان؟ فقالا: نَرَى
стр. 11639
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أنَّها إن ماتَتْ وَرِثَها، وإن مات وَرِثَتْه؛ لأنها ليست مِن القَواعِدِ اللَّا ئى يئسْنَ مِن المَحِيضِ، ولا مِن الأبكارِ اللَّائى لم [يبْلُغْنَ المَحِيضَ] (١). فرَجَعَ حَبَّان (٢) إلى أهْلِه، فانتَزَعَ البِنْتَ منها، فعاد إليها الحَيضُ، فحاضَتْ حَيضَتَين، ومات حَبَّان قبلَ انْقِضاءِ الثالثةِ، فوَرَّثَها عثمانُ، ﵁. وروَى الأثْرَمُ بإسْنادِه (٣)، عن محمدِ بنِ يَحْيَى بنِ حَيان، أنه كان عندَ جَدِّهِ امْرأتان؛ هاشِمِيَّة، وأنْصارِية، فطَلَّقَ الأنْصارِيَّةَ وهي مُرْضِع، فمرَّتْ بها سَنَة، ثم هَلَكَ ولم تَحِضْ، فقالتِ الأنْصارِيةُ (٢): لم أحِضْ. فاخْتَصَمُوا إلى عثمانَ، ﵁، فقَضَى لها بالمِيراثِ، فلامَتِ الهاشِمِيَّةُ عثمانَ، فقال: هذا عَمَلُ ابنِ عَمِّكِ، هو أشارَ علينا بهذا. يَعْنِي عليَّ بنَ أبي طالب، ﵁.
стр. 11640
فَصْلٌ: السَّادِس، امْرأةُ الْمَفْقُودِ الَّذِي انْقَطَعَ خَبَرُهُ لِغَيبَةٍ ظَاهِرُهَا الْهَلَاكُ؛ كَالَّذِي يُفْقَدُ مِنْ بَينِ أهْلِهِ، أوْ فِي مَفَازَةٍ، أوْ بَينَ الصَّفَّينِ إذَا قُتِلَ قَوْمٌ، أوْ مَنْ غَرِقَ مَرْكَبُهُ، وَنَحو ذَلِكَ، فَإِنَّهَا تَتَرَبَّصُ أرْبَعَ سِنِينَ، ثُمَّ تَعْتَدُّ لِلْوَفَاةِ.
ــ
فصل: (السادسُ، امرأةُ المَفْقُودِ الذي انْقَطَعَ خبرُه لغيبَةٍ ظاهِرُها الهلاكُ، كالذي يفْقَدُ مِن بينِ أهْلِه، أو في مَفازَةٍ) مُهْلِكَة (أو بينَ الصَّفين إذا قُتِلَ قوم، أو مَن غَرِق مَرْكَبُه، ونحو ذلك، فإنَّها تَتَرَبَّصُ أرْبعَ سنين، ثم تَعْتدُّ للوَفاةِ) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا غاب الرجلُ عن امرأته لم يَخْلُ مِن حالينِ؛ أحَدُهما، أن تكونَ غَيبَتُه ظاهِرُها الهلاكُ، كالذي يُفْقَدُ مِن بينِ أهْلِه ليلًا أو نهارًا، أو يَخْرُجُ إلى الصَّلاةِ فلا يَرْجِعُ، أو يَمْضِي إلى مكانٍ قريبٍ ليَقْضِيَ حاجة ويَرْجِعَ، فلا يَظْهَرُ له خَبَر، أو يُفْقَدُ بينَ (١) الصَّفَّين، أو مَن انْكَسَرَ مَرْكَبُه فيَغْرَقُ بعضُ رُفْقَتِه، أو يُفْقَدُ في مَهْلَكَهَ،
стр. 11641
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كَبَرِّيةِ الحِجَازِ ونحوها، فمذهبُ أحمدَ الظاهِرُ عنه، أنَّ زَوْجَتَه تَتَرَبَّصُ أرْبَعَ سنينَ، أكثرَ مُدةِ الحملِ، ثم تَعْتَدُّ للوَفاةِ أرْبَعَةَ أشْهُر وعَشْرًا، وتَحِل للأزْواجِ. قال الأثْرَمُ: قيل لأبي عبدِ اللهِ: تذْهَبُ إلى حَديثِ عمرَ؟ قال: هو أحْسَنُها، يُرْوَى عن عمرَ مِن ثمانيةِ وُجُوهٍ. ثم قال: زَعَمُوا أن عمرَ رَجَع عن هذا، هؤلاء الكَذَّابِين (١). قلتُ: فرُوِيَ مِن وجْهٍ ضعيف أن عمرَ قال بخلافِ هذا؟ قال: لا، إلَّا أن يكونَ إنسان يَكْذِبُ. وقلتُ له مرةً: إن إنْسانًا قال لي: إنَّ أبا عبدِ اللهِ قد تَرَكَ قولَه في المَفْقُودِ بعدَك. فضَحِكَ، ثم قال: مَن تَرَكَ هذا القولَ، أي شيءٍ يقولُ! وهذا قولُ عمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وابنِ عباس، وابنِ الزُّبَيرِ. قال أحمدُ: خمسة مِن أصْحابِ النبيِّ ﷺ . وبه قال عطاء، وعمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ، والحسنُ، والزُّهْرِي، وقَتادةُ، والليثُ، وعَلِيُّ بنُ المَدِيني، وعبدُ العَزِيزِ بنُ أبي سَلَمَةَ. وبه قال (٢) مالِك، والشافعي في القدِيمِ، إلا أن مالِكًا قال: ليس في انْتِظارِ مَن يُفْقَدُ في القِتالِ وقْت. ليقال سعيدُ. بنُ المُسَيبِ في امرأةِ المَفْقُودِ بينَ الصفين: تَتَرَبصُ سنةً؛ لأن غَلَبَةَ هَلاكِه ههُنا (٣) أكثرُ مِن غلَبَةِ غيرِه، لوُجُودِ سَبَبِه. وقد نُقِلَ عن أحمدَ أنه قال:
стр. 11642
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كنتُ أقولُ: إذا تَرَبَّصَتْ أرْبَعَ سنين، ثم اعْتَدَّتْ أرْبَعَةَ أشْهُر وعَشْرًا، تَزَوَّجَتْ، وقد ارْتَبْتُ فيها، وهِبْتُ الجوابَ فيها، لمَّا اخْتَلَفَ الناسُ فيها، فكأنِّي أحِبُّ السَّلامةَ. وهذا تَوَقف يَحْتَمِلُ الرُّجُوعَ عمَّا قاله، وتَتَرَبَّصُ أبدًا، ويَحْتَمِلُ التَّوَرُّعَ، ويكونُ المذهبُ ما قاله أوَّلًا. قال القاضي: أكثرُ أصْحابِنا على أنَّ المذْهَبَ رواية واحدةٌ، وعندِي أنَّ المَسْألةَ على روايتَين. وقال أبو بكر: الذي أقولُ به إن صَحَّ الاخْتِلافُ في المَسْألةِ، أن لا [يُحْكَمَ بحكم ثانٍ] (١) إلَّا بدَلِيل على الانْتِقالِ، وإن ثَبَتَ الإجْماعُ، فالحُكْمُ فيه على ما نصَّ عليه. وظاهِرُ المذْهَبِ على ما حَكَيناه (٢) أوَّلًا. نقَلَه عن أحمدَ الجماعةُ، وقد أنْكَرَ أحمدُ روايةَ مَن روَى عنه الرُّجُوعَ على ما حَكَيناه مِن رِوايةِ الأثْرَمِ. وقال أبو قِلابةَ، والنَّخَعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، وابنُ أبي لَيلَى،
стр. 11643
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأصْحابُ الرَّأي، والشافعيُّ في الجَدِيدِ: لا تَتَزَوَّجُ امرأةُ المفْقُودِ حتى تَتَيَقنَ موْتَه أو فِراقَه؛ لِما روَى المُغِيرَةُ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «امْرَأةُ المَفْقُودِ امْرَأتهُ حَتَّى يَأتِيَهَا زَوْجُهَا (١)» (٢). وروَى الحَكَمُ (٣)، وحَمَّاد، عن علي: لا تَتَزَوَّجُ امرأةُ المفْقُودِ حتى يَأتِيَ مَوْتُه أو طَلاقُه (٤). ولأنَّه شَك في زَوالِ الزَّوْجِيَّةِ، فلم تَثْبُتْ به الفُرْقَة، كما لو كان [ظاهِرُ غَيْبَتِه] (٥) السَّلامَةَ. ولَنا، ما روَى الأثْرَمُ والجُوزْجانِيُّ بإسْنادِهما، عن عُبَيدِ بنِ عُمَير، قال: فُقِدَ رَجُل في عَهْدِ عمرَ، فجاءتِ امرأتُه إلى عمرَ، فذَكَرَتْ ذلك له، فقال: انْطَلِقِي فَتَرَبَّصِي أرْبَعَ سنين. ففَعَلَتْ، ثم أتَتْه، فقال: انْطَلِقي فاعْتَدِّي أرْبَعَةَ أشْهُر وعَشرًا. ففَعَلَتْ، ثم أتَتْه، فقال: أينَ وَلِيُّ هذا الرجلِ؟ فجاء وَلِيُّهُ، فقال: طَلِّقْها. ففَعَلَ، فقال لها عمرُ:
стр. 11644
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
انْطَلِقِي، فتَزَوجِي مَن شِئْتِ. فتَزَوجَتْ، ثم جاء زَوْجُها الأوَّلُ، فقال له عمرُ: أينَ كنتَ؟ فقال: يا أميرَ المؤمنين، استَهْوَتْنِي الشَّياطِين (١)، فواللهِ ما أدْرِي في أيِّ أرْضِ اللهِ، كنتُ عندَ قَوْم يَسْتَعْبِدُونَنِي، حتى [اغْتَزَاهُم منهم] (٢) قوم مُسْلِمونُ، فكنتُ في ما غَنِمُوه، فقالوا لي: أتْتَ رَجُل مِن الإنْسِ، وهؤلاءِ الجنُّ، فما لك وما (٣) لهم؟ فأخْبَرْتُهم خَبَرِي، فقالوا: بأيِّ (٤) أرْضِ اللهِ تُحِبُّ أن تُصْبِحَ؟ قلتُ: المَدِينةُ هي أرْضِي، فأصْبَحْتُ وأنا أنظرُ إلى الحَرَّةِ. فخَيَّرَه عمرُ؛ إن شاء امْرأتَه، وإن شاء الصَّداقَ. فاخْتارَ الصَّداقَ، وقال: قد حَبِلَتْ، لا حاجَةَ لي فيها (٥). قال. أحمدُ: يُرْوَى عن عمرَ مِن ثمانيةِ وُجُوهٍ، ولم يُعْرَفْ في الصحابةِ له مُخالِف. وروَى الجُوزْجاني وغيرُه بإسْنادِهم (٦)، عن علي في امرأةِ المفْقُودِ: تَعْتَدُّ أرْبَعَ سِنِين، ثم يُطَلِّقُها وَلِيُّ زَوْجِها، وتَعْتَدُّ بعدَ ذلك أرْبَعَةَ أشْهُر وعَشْرًا، فإن جاء زَوْجُها المفْقُودُ
стр. 11645
وَهَلْ تَفْتَقِرُ إِلَى رَفْعِ الأمْرِ إلَى الْحَاكِمِ لِيَحْكُمَ بِضَرْبِ الْمُدَّةِ وَعِدَّةِ
ــ
بعدَ ذلك، خُيرَ بينَ الصَّدَاقِ وبينَ امْرأتِه. وقَضَى به عثمانُ أيضًا. وقَضَى به ابنُ الزُّبَيرِ في مَوْلَاةٍ لهم. وهذه قَضَايا انْتَشَرَتْ في الصَّحابةِ، فلم تُنْكَرْ، فكانت إجْماعًا. فأمَّا الحدِيثُ الذي رَوَوْه عن النبي ﷺ فلم يَثْبُتْ، ولم يَذْكُرْه أصْحابُ السُّنَنِ. وما رَوَوْه عن علي، فيَرْويه الحَكَمُ وحَمَّاد مُرْسَلًا، والمُسْندُ عنه مثلُ قَوْلِنا، ثم يُحْمَلُ ما رَوَوْه على المفْقُودِ الذي ظاهِرُ غَيبتِه السَّلامَةُ، جَمْعًا بينَه وبينَ ما رَوَيناه. وقولُهم: إنَّه شَك في زَوالِ الزَّوْجِيَّةِ. مَمْنُوعٌ؛ فإنَّ الشَّكّ ما يَتَساوَى فيه الأمْرانِ، والظاهِرُ في مَسْألتِنا الهَلاكُ.
فصل: وهل يُعْتَبَرُ أن يُطَلقَها وَلِيُّ زَوْجِها، ثم تَعْتَدَّ بعدَ ذلك بثلاثةِ قُروءٍ؟ فيه روايتان؛ إحداهما، يُعْتَبَرُ ذلك؛ لأنَّه في حَدِيثِ عمرَ الذي رَوَيناهُ، وقد قال أحمدُ: هو أحْسَنُها. وذُكِرَ في حديثِ علي، أنَّه يُطَلِّقُها وَلِيُّ زَوْجِها. والثانيةُ، لا يُعْتَبَرُ. كذلك قال (١) ابنُ عمرَ، وابنُ عباس. وهو القِياسُ؛ فإنَّ وَلِيَّ الرجلِ لا ولايةَ له في طَلاقِ امرأتِه، ولأنَّنا حَكَمْنا عليها بعِدَّةِ الوَفاةِ، فلا يَجِبُ عليها مع ذلك عِدَّةُ الطَلاقِ، كما لو تَيَقَّنَتْ وَفاتَه، ولأنه قد وُجِدَ دَلِيلُ هَلاكِه على وَجْهٍ أباحَ التَّزْويجَ لها، وأوْجَبَ عليها عِدةَ الوَفاةِ، فأشْبَهَ ما لو شَهدَ به شاهدان.
٣٨٦٥ - مسألة: (وهل تَفْتَقِرُ إلى رَفْعِ الأمْرِ إلى الحاكِمِ ليَحْكُمَ
стр. 11646
الْوَفَاةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
ــ
بضَرْب المُدَّةِ وعِدَّةِ الوَفاةِ؟ على رِوايَتَين) إحداهما، تَفْتَقِرُ؛ لأنَّها مُدة مُخْتَلَف فيها، فافْتَقَرَتْ إلى ضَرْبِ الحاكمِ، كمُدَّةِ العُنَّةِ. فعلى هذا، يكونُ ابْتِداءُ المُدَّةِ مِن حينَ (١) ضَرَبَها الحاكمُ. والثانيةُ، لا تَفْتَقِرُ؛ لأنَّها مُدَّة تُعْتَبَرُ لإباحةِ النِّكاحِ، فلم تَفْتَقِرْ إلى الحاكمِ، كمُدةِ مَن ارْتَفَعَ حَيضُها لا تَدْرِي ما رَفَعَه، فيكونُ ابْتِداءُ المدَّةِ مِن حينَ انْقَطَعَ خبرُه، وبَعُدَ أثَرُه، ولأنَّ هذا ظاهِر في مَوْتِه، فكان ابْتِداءُ المدَّةِ منه، كما لو شَهِدَ به شاهِدان. وللشّافعيَّةِ (٢) وَجْهان، كالرِّوايَتَين.
стр. 11647
وَإذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ بِالْفُرْقَةِ، نَفَذَ حُكْمُهُ فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ، فَلَوْ طَلَّقَ الأوَّلُ، صَحَّ طَلَاقهُ. وَيَتَخَرَّجُ أنْ يَنْفُذَ حُكْمُهُ بَاطِنًا، فيَنْفَسِخَ نِكَاحُ الْأوَّلِ، وَلَا يَقَعَ طَلَاقُهُ.
ــ
٣٨٦٦ - مسألة: (وإذا حَكَم الحاكِمُ بالفُرْقَةِ، نَفَذَ حُكْمُه في الظَّاهِرِ دونَ الباطِنِ، فلو طلَّق الأوَّلُ، صحَّ طلاقُه) لأنَّنا حَكَمْنا بالفُرْقَةِ بِناء (١) على أنَّ الظاهِرَ هَلاكُه، فإذا ثَبَتَتْ حياتُه، انْتَقَضَ ذلك الظاهِرُ، ولم يَبْطُلْ طَلاقُه، كما لو شَهِدَتْ به بَينة كاذِبة، ولذلك خُيِّرَ في أخْذِها، وكذلك إن ظاهَرَ، أو آلى، أو قَذَفَ؛ لأنَّ نِكاحَه باقٍ، بدَلِيلِ تَخْيِيرِه
стр. 11648
وَإذَا فَعَلَتْ ذَلِكَ، ثُمَّ تَزَوَّجَتْ، ثُمَّ قَدِمَ زَوْجُهَا الأوَّلُ، رُدَّتْ إِلَيهِ
ــ
في أخْذِها. وقال أبو الخَطَّابِ: القِياسُ أنَّنا إذا حَكَمْنا بالفُرْقَةِ نَفَذَ ظاهِرًا وباطِنًا، فتكونُ امرأةَ الثاني، ولا خِيارَ للأوَّلِ؛ لأنها بانَتْ منه بفرْقَةِ الحاكمِ في مَحَل مُخْتَلَفٍ فيه، فنَفَذَ حُكْمُه في الباطِنِ، كما لو فَسَخَ نِكاحها لعُسْرَتِه أو عَيبِه، فلهذا لم يَقَعْ طَلاقُه، وإن لم يَحْكُمْ بفُرْقَتِه باطِنًا، فهي امرأةُ الأولِ، ولا خِيارَ له.
٣٨٦٧ - مسألة: (فإذا فَعَلَتْ ذلك) يَعْنِي تَرَبَّصَتْ أرْبَعَ سنين،
стр. 11649
إِنْ كَانَ قَبْلَ دُخُولِ الثَّانِي بِهَا،
ــ
واعْتَدتَ عِدَّةَ الوَفَاةِ (ثم تَزَوجَتْ، ثم قَدِمَ زَوْجُها الأوَّلُ) فإن كان (١) قبلَ أن تَتَزَوجَ، فهي امْرَأتُه. وقال بعضُ أصْحابِ الشافعيِّ: إذا ضُربَتْ لها المُدةُ، فانْقَضَتْ، بَطَلَ نِكاحُ الأوَّلِ. والذي ذَكَرْنا أوْلَى؛ لأننا إنما (١) أربحْنا لها التَّزْويجَ لأن الظاهِرَ مَوْتُه، [فإذا بانَ حَيًّا، انْخَرَمَ ذلك الظاهِرُ، وكان النِّكاحُ بحالِه، كما لو شَهِدَتِ البَيِّنةُ بمَوْتِه] (٢)، فبانَ حَيًّا، ولأنَّه أحَدُ المِلْكَين (٣)، فأشْبَهَ مِلْكَ (٤) المالِ. فإن قَدِمَ بعدَ التزْويجِ، وكان قبلَ دُخُولِ الثاني بها (١)، فكذلك تُرَدُّ إليه، وليس على الثاني صَداق؛ لأنَّنا تَبَينا أن النِّكاحَ باطِل ولم يَتَّصِلْ به دُخُول. قال أحمدُ: أما قبلَ الدُّخُولِ، فهي امرأتُه، وإنما يُخَيرُ بعدَ الدُّخُولِ. وهذا قولُ عطاء، والحسنِ، وخِلاسِ بنِ عَمْرو، والنَّخَعِيِّ، وقَتادةَ، ومالِكٍ، وإسْحاقَ. وقال القاضي: فيه رواية أخْرَى، أنَّه يُخَيرُ. أخَذَه
стр. 11650
وَإنْ كَانَ بَعْدَهُ، خُيِّرَ الأوَّلُ بَينَ أخْذِهَا وَبَينَ تَرْكِهَا مَعَ الثَّانِي.
ــ
مِن عُمُومِ قولِ أحمدَ: إذا تَزَوَّجَتِ امرأتُه فجاء، خُيِّرَ بينَ الصَّداقِ وبينَ امرأتِه. والصَّحِيحُ أنَّ عُمُومَ كلامِ أحمدَ يُحْمَل على خَاصِّه (١) في روايةِ الأثْرَمِ، وأنَّه لا يُخَيَّرُ إلَّا بعدَ الدُّخُولِ، فتكونُ زَوْجَةَ الأولِ، روايةً واحدةً؛ لأنَّ النِّكاحَ إنَّما صَحَّ في الظاهِرِ دُونَ الباطِنِ، فإذا قَدِمَ تَبَينا أنَّ النِّكاحَ كان باطِلًا؛ لأنَّه صادفَ امرأةً ذَاتَ زَوْجٍ، فكان باطِلًا، كما لو شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بمَوْتِه، وتعودُ إلى الزَّوْجِ بالعَقْدِ الأوَّلِ، كما لو لم تَتَزَوَّجْ.
٣٨٦٨ - مسألة: وإن قَدِمَ بعدَ دُخُولِ الثَّانِي بها (خُيِّرَ الأوَّلُ بينَ أخْذِها) فتَكُونُ امْرَأتَه بالعَقْدِ الأوَّلِ، وبينَ أخْذِ (٢) صَداقِها، وتَكُونُ زَوْجَةَ الثَّانِي. وهذا قولُ مالِكٍ؛ لإجْماعِ الصَّحابةِ عليه، فروَى مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، أنّ عمرَ وعثمانَ قالا: إن جاء زَوْجُها الأولُ، خُيِّرَ بينَ المرأةِ وبينَ الصَّداقِ الذي ساق هو. رواه الجُوزْجانِيُّ، والأثْرَمُ (٣). وقَضَى به ابنُ الزُّبَيرِ في مَوْلاةٍ لهم. وقال على ذلك في الحديثِ الذي رَوَيناه. ولم يُعْرَفْ لهم مُخالِف في عصرِهم، فكان إجْماعًا. فعلى
стр. 11651
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هذا، إن أمْسَكَها الأوَّلُ، فهي زَوْجَتُه بالعَقْدِ الأوَّلِ. والمَنْصُوصُ عن أحمدَ، أنَّ الثاني لا يَحْتاجُ إلى طَلاقٍ؛ لأنَّ نِكاحَه كان باطِلًا في الباطِنِ. وقال القاضي: قِياسُ قولِه، أنَّه يَحْتاجُ إلى طَلاقٍ؛ لأنَّ هذا نِكاح مُخْتَلَف في صِحَّتِه، فكان مَأمُورًا بالطلاقِ ليَقْطَعَ (١) حُكْمَ العَقْدِ الثاني، كسائرِ الأنْكِحَةِ الفاسِدَةِ، ويجبُ على الأوّلِ اعْتِزالُها حتى تَقْضِيَ عِدَّتَها مِن الثاني. وإن لم يَخْتَرْها الأوَّلُ، فإنَّها تكونُ مع الثاني، ولم يَذْكُرُوا لها عَقْدًا جديدًا. قال شَيخُنا (٢): والصَّحِيحُ أنَّه يجبُ أن يَسْتَأنِف لها عَقْدًا؛ لأنَّنَا تَبَيَّنَّا بُطْلانَ عَقْدِهِ بمَجِئِ الأوَّلِ، ويُحْمَلُ قولُ الصحابةِ على هذا؛ لقِيامِ الدَّليلِ عليه، فإنَّ زَوْجَةَ الإنسانِ لا تَصِيرُ زوجة لغيرِه بمُجَرَّدِ تَرْكِه لها.
стр. 11652
وَيَأخُذُ صَدَاقَهَا مِنْهُ. وَهَلْ يَأخُذُ صَدَاقَها الَّذِي أعطَاهَا أو الَّذِي أعْطَاهَا الثَّانِي؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
ــ
٣٨٦٩ - مسألة: (ويأخُذُ منه صَداقَها) أي يأخُذُ الزوجُ الأوَّلُ مِن الزوج الثاني -إذا تَرَكَها له- صَداقَها؛ لقَضاء الصحابةِ بذلك. (وهل يأخُذُ) مِنه (صَداقَها الذي أعطاها أو الذي أَعطاها الثاني؟ على
стр. 11653
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رِوايَتَين) اخْتُلِفَ عن أحمدَ فيما يَرْجِعُ به؛ فرُوِيَ عنه، أنَّه يرْجِعُ بالصَّداقِ الذي أصْدَقَها هو. وهو اخْتيارُ أبي بكر، وقولُ الحسنِ، والزُّهْرِيِّ، وقَتادةَ، وعليِّ بنِ المَدِينيِّ؛ لقَضاءِ عليّ (١) وعُثمانَ أنَّه يُخَيَّرُ بينَها وبينَ الصَّداقِ الذي ساقَ إليها هو. ولأنَّه أتْلَفَ عليه المُعَوضَ، فرَجَعَ عليه بالعِوَضِ، كشهُودِ الطلاقِ إذا رَجَعُوا عن الشَّهادةِ. فعلى هذا، إن كان لم يَدْفَعْ إليها الصَّداقَ، لم يَرْجِعْ بشيءٍ، وإن كان دفَعَ بَعْضَه، رجَعَ بما دَفعَ. ويَحْتَمِلُ أن يَرْجِعَ عليه بالصَّداقِ، وتَرْجِعَ المرأة عليه بما بَقِيَ عليه مِن صَداقِها. وعن أحمدَ أنَّه يَرْجِعُ عليه بالمَهْرِ الذي أصْدَقَها الثاني؛ لأن الإتْلافَ مِن جِهَتِه، والرُّجُوعُ عليه بقِيمَتِه، والبُضْعُ لا يتَقَومُ إلَّا على زَوْج أو مَن جَرَى مَجْراه، فيَجِبُ الرُّجُوعُ عليه بالمُسَمَّى الثاني دُونَ الأوَّلِ. وهل يَرْجِعُ الزَّوْج الثاني على الزَّوْجةِ بما أخِذَ (٢) منه؟ فيه روايتان. ذكَرَ ذلك أبو عبدِ الله بنُ حامدٍ؛ إحداهما، يَرْجِعُ به؛ لأنَّها غَرامة لزِمَتِ الزَّوْجَ بسبَبِ وَطْئِه لها، فرَجَعَ بها، كالمَغْرُورِ، ولأنَّ ذلك يُفْضِي إلى أن يَلْزَمَه مَهْرانِ بوَطْءٍ واحدٍ. والثانيةُ، لا يَرْجِعُ؛ لأنَّ الصَّحابةَ، ﵃،
стр. 11654
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لم يَقْضُوا بالرُّجُوعِ، فإنّ سعيدَ بنَ المُسَيَّبِ روَى أنَّ عليًّا وعثمانَ قَضَيَا في المرأةِ التي لا تَدْرِي ما مَهْلِكُ زَوْجِها، أن تَتَرَبَّصَ أرْبَعَ سنين، ثُمَّ تَعْتَدَّ عدَّةَ المُتَوَفَّى عنها زَوْجُها أرْبَعَةَ أشْهُر وعَشْرا، ثم تَتَزَوَّجَ إن بدَا لها، فإن جاء زَوْجُها خُيِّرَ؛ إمَّا امرأتُه وإمَّا الصَّداقُ، فإنِ اخْتارَ الصَّداقَ، فالصَّداقُ على زَوْجِها الآخِرِ، وتَثْبُتُ عندَه وإنِ اخْتارَ امرأتَه، عُزِلَتْ عن زَوْجِها الآخِرِ حتى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها، وإن قَدِمَ زَوْجُها وقد تُوُفِّيَ زَوْجُها الآخِرُ، وَرِثَتْ، واعْتدَّتْ عِدَّةَ [المُتَوَفَّى عنها زَوْجُها] (١)، وتَرْجِعُ إلى الأوَّلِ. رواه الجُوزْجَانِي. ولأنَّ المَرْأةَ لا تَغْرِيرَ منها، فلم يَرْجِعْ عليها بشيء، كغَيرِها. وإن قُلْنا: يرْجِعُ عليها. فإن كان قد دَفَعَ إليها الصَّداقَ، رَجَعَ به، وإن كان لم يَدْفَعْه إليها، دَفَعَه إلى الأوَّلِ، ولم يَرْجِعْ عليها بشيءٍ، وإن كان قد دَفَعَ بعضَه، رجَعَ بما دَفَعَ. وإن قُلْنا: لا يَرْجِعُ عليها. وكان قد دفَعَ إليها الصَّداقَ، لم يرْجِعْ به، وإن لم يكنْ دَفَعَه إليها، لَزِمَه دَفْعُه (٢)، ويَدْفَعُ إلى الأوَّلِ صَداقًا آخَرَ.
стр. 11655
وَالْقِيَاسُ أن تُرَدَّ إِلَى الأوَّلِ وَلَا خِيَارَ، إلا أنْ يُفَرِّقَ الْحَاكِمُ بَينَهُمَا، وَنَقُولَ بِوُقُوعِ الْفُرْقَةِ بَاطِنًا، فَتَكُونُ زَوْجَةَ الثَّانِي بِكُلِّ حَالٍ. وَعَنْهُ التَّوَقُّفُ فِي أمرِهِ. وَالْمَذْهَبُ الأوَّلُ.
ــ
فصل: قال شيخُنا: (والقِياسُ أن تُرَدَّ إلى الأوَّلِ ولا خِيارَ) لأنَّ زَوْجَها لم يُطَلِّقْها، ولم يَنْفَسِخْ نِكاحُه، فرُدَّتْ إليه، كما لو تَزَوَّجَتْ لبينةٍ قامت بوَفاتِه، ثم تَبَيَّنَ كَذِبُها بقُدومِه (إلَّا أن يُفَرِّقَ الحاكمُ بينَهما، ونقُولَ بوقوعِ الفُرْقَةِ باطِنًا) فينفسِخُ نِكاحُ الأوَّلِ؛ لأنَّ نِكاحَه انْفَسَخَ بحُكْمِ [الحاكِمِ، ووَقَعَ] (١) نِكاحُ الثاني بعدَ بُطْلانِ نِكاحِ الأوَّلِ وقَضاءِ عِدَّتِها، فأشْبَهَ ما لو طَلَّقَها الأوَّلُ (فتكونُ زوْجَةَ الثاني بكلِّ حالٍ) لذلك (وعن أحمدَ التَّوَقُّف في أمْرِه) وقد ذَكَرْناه فيما مَضَى (والمذهَبُ الأوَّلُ) [لقضاءِ الصَّحابةِ، ﵃] (٢).
فصل: إذا فَقَدَتِ الأمةُ زَوْجَها لِغَيبَةٍ ظاهِرُها الهَلاكُ، تَرَبَّصَتْ أرْبَعَ
стр. 11656
فَأمَّا مَنِ انْقَطَعَ خَبَرُهُ لِغَيبَةٍ ظَاهِرُهَا السَّلَامَةُ، كَالتَّاجِرِ
ــ
سنين، ثم اعْتَدَّتَ للوَفاةِ شَهْرَين وخمسةَ أيام. وهذا اخْتيارُ أبي بكر. وقال القاضي: تَتَرَبَّصُ نِصْفَ تَرَبُّصِ الحُرَّةِ. ورواه أبو طالبٍ عن أحمدَ. وهو قولُ الأوْزاعِيِّ، واللَّيثِ؛ لأنَّها مُدَّة مضْروبةٌ للمرأةِ لعَدَمِ زَوْجِها، فكانتِ الأمَةُ فيه على النِّصْفِ مِن الحُرَّةِ، كعِدَّةِ الوَفاةِ. ولَنا، أنَّ الأرْبَعَ السنين مَضْرُوبَة لِكَوْنِها أكْثَرَ مُدَّةِ الحَمْلِ، [ومُدَّةُ الحَمْلِ] (١) في الأمَةِ والحُرَّةِ سواءٌ، فاسْتَوَيا في التَّرَبُّصِ لها، كالتِّسْعَةِ الأشْهُرِ في حَقِّ مَن ارْتَفَعَ حَيضُها لا تَدْرِي ما رَفَعَه، وكالحَمْلِ نَفْسِه (٢)، وبهذا (٣) يَنْتَقِضُ قِياسُهم. فأمَّا العَبْدُ، فإن كانت زَوْجَتُه حُرَّةً فتَرَبُّصُها كتَرَبُّص الحُرَّةِ [تحت الحُرِّ] (٤). وإن كانت أمَةً، فهي كالأمَةِ تحت الحُرِّ (٥)؛ لأنَّ العِدَّةَ مُعْتَبَرَة بالنِّساءِ دُونَ الرِّجالِ، وكذلك مُدَّةُ التَّرَبُّصِ. وحُكِيَ عن الزُّهْرِيِّ، ومالِك، أنَّه يُضْرَبُ له نِصْفُ أجَلِ الحُرِّ (٦). والأوْلَى ما قُلْناه؛ لأنه تَرَبُّص مَشْرُوع في حَقِّ المرأةِ لفُرْقَةِ زَوْجِها، فأشْبَهَتِ العِدَّةَ.
الثاني (مَن انْقَطَعَ خَبَرُه لغَيبَةٍ ظاهِرُها السَّلامَةُ) كسَفَرِ التِّجارَةِ في غيرِ
стр. 11657
وَالسَّائِحِ، فَإِنَّ امْرَاتَهُ تَبْقَى أبَدًا إِلَى أنْ يُتَيَقَّنَ مَوْتُهُ. وَعَنْهُ؛ أنَّهَا تَتَرَبَّصُ تِسْعِينَ عَامًا مَعَ سِنِّهِ يَوْمَ وُلِدَ، ثُمَّ تَحِلُّ.
ــ
مَهْلَكَةٍ، وإباقِ العَبْدِ، وطَلَبِ العِلْمَ والسياحةِ (فإنَّ امْرأتَه تَبْقَى أبدًا، حتى يُتَيَقَّنَ موْته) رُوِيَ ذلك عن علي. وإليه ذهبَ ابنُ شبْرُمَةَ، وابنُ أبي لَيلَى، [والثَّوْرِيُّ] (١)، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ في الجَديدِ. ورُوِيَ ذلك عن أبي قِلابَةَ، [والنَّخَعِيِّ] (٢)، وأبي عُبَيدٍ. وقال مالِكٌ، والشافعيُّ في القديمِ: تَتَرَبَّصُ أرْبَعَ سِنِينَ، وتَعْتَدُّ للوَفاةِ أرْبَعَةَ أشْهُر وعَشْرًا، وتَحِل للأزْواجِ؛ لأنَّه إذا جاز الفَسْخ لِتَعَذُّرِ الوَطْءِ بالعُنَّةِ، وتَعَذر النَّفَقَةِ. بالإِعْسارِ، فلَأن يجوزَ ههُنا لتَعَذُّرِ الجميعِ أولَى. واحْتَجُّوا بحديثِ عمرَ الذي ذَكَرْناه في [المفْقُودِ، مع مُوافَقَةِ الصَّحابةِ، وتَرْكِهم إنْكارَه. ونَقَلَ أحمدُ بنُ أصْرَمَ، عن أحمدَ: إذا مَضَى عليه] (٢) تِسْعُونَ (٣) سنةً، قُسِمَ مالُه. وهذا يَقْتَضِي أنَّ زَوْجَتَه تَعْتَدُّ عِدَّةَ الوَفاةِ ثم تتزوَّجُ. قال أصحابُنا: إنَّما اعْتَبَرَ تِسْعِينَ سنةً مِن يومِ ولادَتِه؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّه لا يعيشُ أكثرَ منها،
стр. 11658
وَكَذَلِكَ امْرَأةُ الْأسِيرِ.
ــ
فإذا اقْتَرَنَ به انْقطاعُ خَبَرِه، وجَبَ الحُكْمُ بمَوْتِه، كما لو كان فَقْدُه لِغَيبَةٍ ظاهِرُها الهَلاكُ. والمذْهَبُ الأوَّلُ؛ لأنَّ هذه غَيبَةٌ ظاهِرُها السَّلامَةُ، فلم يُحْكَمْ بمَوْتِه، كما قبلَ أرْبَعِ سِنِينَ، أو كما قبلَ التِّسْعِين (١)، ولأنَّ هذا التَّقْديرَ بغيرِ تَوْقِيفٍ، فلا يَنْبَغِي أنْ يُصارَ إليه إلَّا بالتَّوْقِيفِ، ولأنَّ تَقْدِيرَ هذا بتِسْعين سنةً مِنِ يومِ ولادَتِه، يُفْضِي إلى اخْتِلافِ العِدَّةِ في حَقِّ المرأةِ، ولا نَظِيرَ لهذا، وخبَرُ عمرَ وَرَدَ في مَن ظاهِرُ غَيبَتِه الهَلاكُ، فلا يُقَاسُ عليه غيرُه.
فصل: فإن كافت غيبَتُه غيرَ مُنْقَطِعةٍ، يُعْرَفُ خَبَرُه، ويأتِي كِتابُه، فهذا ليس لامْرَأتِه أن تَتَزَوَّجَ في قولِ أهلِ العلمِ أجْمَعِينَ (٢)، إلَّا أن يَتَعَذَّرَ
стр. 11659
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الإِنْفاقُ عليها مِن مالِه، فلها أن تَطْلُبَ فَسْخَ النِّكاحِ، فيُفْسَخَ نِكاحُه. وأجْمَعُوا أنَّ امرأةَ الأسِيرِ لا تَنْكِحُ حتىَ تَعْلَمَ يَقِينَ وَفاتِه. هذا قولُ النَّخَعِيِّ، والزُّهْرِيِّ، ويَحْيى الأنْصارِي، ومَكْحُولٍ، والشافعيِّ، وأبي عُبَيدٍ، وأبي ثَوْر، وإسْحاقَ، وأصحابِ الرَّأي. وإن أبقَ العبدُ، فزَوْجَتُه على الزَّوْجِيَّةِ، حتى تَعْلَمَ مَوْتَه أو رِدَّتَه. وبه قال الأوْزاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ. وقال الحسنُ: إباقُه طَلاقُه. ولَنا، أله ليس بمَفْقُودٍ، فلم يَنْفسِخْ نِكاحُه، كالحُر. ومَن تَعَذَّرَ الانْفاقُ مِن مالِه على زَوْجَتِه، فحُكْمُه في الفَسْخِ حُكْمُ ما ذَكَرْنا، إلَّا أنَّ العَبْدَ نَفَقَةُ زَوْجَتِه على سَيِّدِه، أو (١) في كَسْبِه، فيُعْتَبَرُ تَعَذُّرُ الإِنْفاقِ مِن (٢) مَحِلِّ الوُجُوبِ.
فصل: إذا تَزَوَّجَ الرجلُ امرأةً لها وَلَا مِنٍ غيرِه، فمات ولدُها، فإنَّ أحمدَ قال: يَعْتَزِلُ امرأتَه حتى تَحِيضَ حَيضَة. وهذا يُرْوَى عن عليِّ بنِ أبي طالب، والحسنِ ابْنِه، ونحوُه عن عمرَ بنِ الخَطَّابِ، ﵃، وعن الحسينَ بنَ علي، والصَّعْبِ بنَ جَثَّامةَ (٣). وبه قال عطاء، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، والنَّخَعِيُّ، ومالِكٌ، وإسْحاقُ، وأبو عُبيدٍ. قال عمرُ
стр. 11660
وَمَنْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، أوْ مَاتَ عَنْهَا وَهُوَ غَائِب عَنْهَا، فَعِدَّتُهَا مِنْ يَوْمِ مَاتَ أو طَلَّقَ، وإنْ لَمْ تَجْتَنِبْ مَا تَجْتَنِبُهُ الْمُعْتَدَّةُ. وَعَنْهُ، إِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِبَينةٍ فَكَذَلِكَ، وَإلَّا فَعِدَّتُهَا مِنْ يَوْمِ بَلَغَهَا الْخَبَرُ.
ــ
ابنُ عبدِ العَزيزِ: حتى يَنْظُرَ بها حَمْلٌ أو لا. وإنَّما قالوا ذلك لأنَّها إن كانت حامِلًا حينَ مَوْتِه، وَرِثَه حَمْلُها، وإن حَدَثَ الحملُ بعدَ الموْتِ، لم يَرِثْه (١). وإن كان للمَيتِ ولَد أو أب أو جَد، لم يَحْتَجْ إلى اسْتِبْرائِها؛ لأنَّ الحملَ لا مِيراثَ له، وإن كانت حامِلًا قد تبَيَّنَ حَمْلها، لم يَحْتَجْ إلى اسْتِبْرائِها؛ لأنَّ الحملَ معلوم، وإن كانتْ آيِسَةً، لم يَحْتَجْ إلى اسْتِبْرائِها؛ لليَأسِ مِن حَمْلِها. وإن كانت ممن يُمْكِنُ حَمْلُها، ولم يَتَبَيَّنْ بها حَمْل، ولم يَعْتَزِلْها زَوْجُها، فأتَتْ بوَلَدٍ قبلَ سِتَّةِ أشْهُر، وَرِثَ، وإن أتَتْ به بعدَ سِتّةِ أشْهُر مِن حين وَطِئَها بعدَ مَوْتِ وَلَدِها، لم يَرِثْ؛ لأنَّا لا نَتَيَقَّنُ وُجُودَه حال مَوْتِه. هذا يُرْوَى عن سُفْيانَ، وهو قِياسُ قولِ الشافعيِّ.
٣٨٧٠ - مسألة: (ومَن مات عنها زَوْجُها، أو طَلَّقَها وهو غائِب، فَعِدَّتُها مِن يومِ مات أو طَلَّقَ، وإن لم تَجْتَنِبْ ما تَجْتَنِبُه المُعْتَدَّاتُ. وعنه، إن ثَبَتَ ذلك ببَينةٍ فكذلك، وإلَّا فَعِدَّتُها مِن يومِ بَلَغَها الخَبَرُ) المشهورُ