← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فإن عَلِم بالنَّجاسةِ في أثْناءِ الصلاةِ، فإن قُلْنا: لا يُعْذَرُ بالجَهْلِ والنِّسْيان. فصَلاته باطِلَةٌ. وإن قُلْنَا: يُعْذَرُ. فهي صَحِيحَةٌ. ثم إن أمْكَنَه إزالَةُ النجاسَةِ مِن غير زَمَن طَوِيل، ولا عَمَل كِثير، أزالَها، وبَنَى، كما خَلع النبيُّ ﷺ نَعْلَيْه. وإنِ احْتاجَ إلى أحَدِ هَذَيْن، بَطَلَتْ صَلَاتُه؛ لإفضائِه إلى أحَدِ أمْرَيْن؛ إمَّا اسْتِصْحابِ النَّجاسَةِ في الصلاةِ زَمنًا طَوِيلًا، أو أن يَعْمَلَ فيها عَمَلًا كَثِيرًا، فصار كالعُرْيانِ يَجِدُ السُّترَةَ بَعِيدَةً منه.

стр. 1157

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وإذا سقَطَتْ عليه نجاسَةٌ، ثم زالَتْ عنه، أو أزالَها في الحالِ، لم تَبْطُلْ صلاتُه؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ أبي سعيدٍ، ولأن النجاسَةَ يُعْفَى عن يَسِيرها، فعُفِيَ عن يَسِيرِ زَمَنِها، ككَشْفِ العَوْرَةِ. وهذا مَذهَبُ الشافعيِّ.

стр. 1158

وإذَا جَبَرَ سَاقَهُ بِعَظْمٍ نَجِس فَجَبَرَ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَلْعُهُ إذَا خَافَ الضَّرر، وَأجْزأته صَلَاُتهُ، وإنْ لَمْ يَخَفْ لَزِمَهُ قَلْعُهُ. ــ ٣٣٨ - مسألة: (وإذا جَبَر ساقَه بعَظْم نَجِسٍ فجَبَرَ، لم يَلْزَمْه قلْعُه إذا خاف الضَّررَ، وتَصِحُّ صَلَاتُه) لأنه يُباحُ له تركُ الطَّهارةِ مِن الحَدَثِ بذلك، وهي آكَدُ (وإن لم يَخفْ، لَزمَه قَلْعُه) فإن صَلَّى معه، لم تَصِحَّ صَلَاتُه، لأنه صَلَّى مع النجاسَةِ وهو قادِرٌ على إزالَتِها مِن غيرِ ضَرَرٍ. ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَه قَلْعُه إذا لم يَخفِ التَّلَفَ؛ لأنه غيرُ خائفٍ للتَّلَفِ، أشْبَهَ إذا لم يَخفِ الضرر. والأولُ أوْلَى.

стр. 1159

وَإنْ سَقَطَتْ سِنُّهُ، فَأعَادَهَا بِحَرَارَتهَا فَثَبَتَتْ، فَهِيَ طَاهِرَةٌ. وَعَنْهُ، أنَّهَا نَجِسَةٌ، حُكْمُهَا حُكْمُ العظمِ النَّجِس إذَا جَبَرَ بِهِ سَاقَهُ. ــ ٣٣٩ - مسألة (١): (وإن سَقَطَتْ سِنُّهُ (٢) فأعادَها بحَرارَتِها، فثَبَتَتْ، فهي طاهِرَةٌ) لأن (٣) حُكْمَ أبعاض الآدَمِي حُكْمُ جُمْلَتِه، سَواءٌ انْفَصَلَتْ في حَياتِه أو بعدَ مَوْتِه؛ لأنها أجْزاءٌ مِن جُمْلَةٍ. فَكان حُكْمُها كسائِرِ الحَيَواناتِ الطاهِرَةِ والنَّجِسَةِ. (وعنه، أنها نَجِسَةٌ) اخْتارَه القاضي؛ لأنها لا حُرْمَةَ لها، بدَلِيلِ أنَّه لا يُصَلَّى عليها. فعلى هذا يَكُونُ (حُكمُها حُكْمَ العَظْمَ النجِسِ) على ما بَيَّنا.

стр. 1160

وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِي الْمَقْبَرَةِ، وَالْحَمامِ، وَالْحُشِّ، وَأعطانِ الإبِلِ الَّتِي تُقِيمُ فِيهَا وَتَأوِي إلَيْها، وَالْمَوْضِع الْمَغْصُوب. وَعَنْهُ، تَصِحُّ مَعَ التحْرِيمِ. ــ ٣٤٠ - مسألة: (ولا تصِحُّ الصلاةُ في المَقْبَرة والحَمّامِ والحُشِّ وأعْطانِ الإبِلِ التى تُقِيمُ فيها وتَأوِي إليها والمَوْضِع المَغْصُوبِ. وعنه، تَصِحُّ مع التحْرِيمِ) اخْتَلَفَتِ الروايَةُ عن أحمدَ، ﵀، في الصلاةِ في هذه المَواضِع؛ فرُوِيَ عنه أن الصلاةَ لا تَصِح فيها بحالٍ. رُوِيَتْ كَراهَةُ الصلاةِ في المَقْبَرَةِ عن عليٍّ، وابنِ عباسٍ، وابنِ عُمَرَ، وعَطاءٍ، والنخَعِي، وابنِ المُنْذِرِ. ومِمن قال: لا يُصَلى في مَبارِكِ الإبِلِ. ابنُ

стр. 1161

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عُمَرَ، وجابِرُ بنُ سَمرَةَ، والحسنُ، ومالكٌ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. وعن أحمدَ، أنَّ الصلاةَ في هذه صَحِيحَة، ما لم تَكنْ نَجِسَةً. وهو مَذْهَبُ الشَّافعيّ، وأبي حنيفةَ؛ لقولِه ﷺ : «جُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا». وفي لَفْظٍ: «فَحَيْثُمَا أدْرَكَتْكَ الصلَاة فَصَلِّ؛ فَإنهُ مَسْجِدٌ». مُتِّفَق عليه (١). ولأنه مَوْضِع طاهِرٌ، فصَحَّتِ الصَّلاةُ فيه، كالصحْراءِ. والأوْلَى ظاهِر المَذْهَبِ؛ لقَوْلِ النَّبِيّ ﷺ : «الأرْضُ كُلهَا مَسْجدٌ إلَّا الحَمَّامَ والمَقْبَرَةَ». رَواه أبو داودَ (٢). وعن جابِرِ بنِ سَمرَةَ، أن رجلًا سال رسولَ اللهِ ﷺ : أنصَلِّي في مَرابِض الغنَمِ؟ قال: «نَعَمْ». قال: أنصَلى في مَباركِ الإبِلِ؟ قال: «لَا». رَواه مسلم (٣). وهذه الأحادِيث خاصةٌ مُقَدَّمَةٌ على عُمُوم أحادِيثِهم.

стр. 1162

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فأمَّا الحُشُّ فثَبَتَ الحُكْمُ فيه بالتنبِيهِ؛ لأنه إذا مُنِع مِن الصلاةِ في هذه المَواضِعِ، لكَوْنِها مَظانَّ النجاسَةِ، فالحُشُّ أوْلَى، لكَوْنِه مُعدًّا للنَّجاسَةِ ومَقْصُودًا لها، ولأنه قد مُنِع مِن ذِكْرِ اللهِ تعالى والكلامِ فيه، فمَنْعُ الصلاةِ فيه أوْلَى. قال شيخُنا (١): ولا أعْلَمُ فيه نَصًّا. وقال بَعْضُ أصحابِنا: إن كان المُصَلِّي عالِمًا بالنَّهْىٍ، لم تَصِح صَلَاتُه فيها؛ لأنه عاصٍ بالصلاةِ فيها، والمَعْصِيَةُ لا تكونُ قُرْبَة ولا طاعَةً. وإن كان جاهِلًا، ففيه رِوايَتان؛ إحْداهما، لا تَصِحُّ؛ لأنَّها لا تَصِحُّ مع العِلْمِ، فلم تَصِحَّ مع الجَهْلِ، كالصلاة في مَحَل نَجِسٍ. والثانيةُ، تَصِحُّ؛ لأنه مَعْذُورٌ.

стр. 1163

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ذَكَر القاضي أنَّ المَنْعَ مِن الصلاةِ في هذه المَواضِع تَعَبُّدٌ، فعلى هذا يَتَناوَلُ النَّهْىُ كل ما يَقع عليه الاسْمُ، فلا فرْقَ في المَقبَرَةِ بينَ الحَدِيثَةِ والقَدِيمَة، وما تَقَلَّبَتْ أترِبتها أو لم تتَقلِّبْ. فأمَّا إن كان فيها قَبْرٌ أو قبْران، لم يُمْنعْ مِن الصلاةِ فيها، لأنه لا يَتَناوَلها الاسْمُ. [ويَحْتَمِل إلْحاقُها بما فيها أكْثَرُ مِن قَبْرَيْن؛ لأنها إنَّما سُمِّيَتْ مَقْبَرَةً لكَوْنِها قد قُبِر فيها، وهذا مَوْجُودٌ في القبريْن، ولأن قَوْلَ النَّبِيّ ﷺ : «لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أنبِيَائِهِمْ مسَاجِد» (١). يَتَناوَلُ ما فيه قبْرٌ واحدٌ، كذلك هذا. وعلى هذا، لو حَلَف لا يَدْخُلُ مَقْبَرةً، حَنِث بدُخُولِ ما فيه قبْران. والله أعلمُ] (٢). وإن نُقِلَتِ القُبُورُ ما، حازَت الصلاةُ فيها؛

стр. 1164

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لزَوالِ الاسْمِ، ولأن مَسْجِدَ رسوِلِ اللهِ ﷺ كانت فيه قبُورُ المُشْرِكِين، فنُبِشَتْ. مُتَّفَق عليه (١). ولا فرْقَ في الحَمامِ بينَ مَكانِ الغَسْلِ، والمَسْلَخِ، والأتُونِ، وكل ما يُغْلَقُ عليه بابُ الحَمّامِ؛ لتَناوُلِ الاسْمِ له. وأعْطانُ الإبِلِ هي التى تُقِيمُ فيها وتأوِي إليها. وقيل: هي المَواضِعُ التى تُناخُ فيها إذا وَرَدَتْ. والأولُ أجْوَدُ؛ لأنه جَعَلَه في مُقابَلَةِ مُراحِ الغنَمِ. والحُشُّ الذى يُتَّخَذ للغائِطِ والبَوْلِ. فيُمْنَعُ مِن الصلاةِ فيما هو داخِلُ بابِه. قال شيخُنا (٢): ويَحْتَمِلُ أنَّ المنْعَ مِن الصلاةِ في هذه المَواضِع مُعَلل بكَوْنِها مَظان للنجاساتِ؛ فإن المَقْبَرَةَ تُنبَشُ، ويَظْهَرُ التُّرابُ الذى فيه دِماءُ المَوْتَى وصَدِيدهم، ومَعاطِنُ الإبِلِ يُبالُ فيها، فإنَّ البَعِيرَ البارِكَ كالجِدار؛ يستتِرُ به ويَبول، كما رُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ، ولا يَتَحَقِّقُ هذا في غيرِها. والحَمّامُ مَوْضِعُ الأوْساخِ والبَوْلِ. فنُهِيَ عن الصلاةِ فيها لذلك وإن كانت طاهِرَةً؛ لأن المَظنَّة يَتَعَلَّقُ الحُكْمُ بها وإن خَفِيَتِ

стр. 1165

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الحِكْمَةُ، ومتى أمْكَنَ تَعْلِيلُ الحُكْمِ، كان أوْلَى مِن قَهْرِ التَّعَبدِ. ويَدُلُّ على هذا تَعْدِيَةُ الحُكْمِ إلى الحُشِّ المسْكوتِ عنه بالتَّنْبِيه، ولابدَّ في التنبِيهِ مِن وُجُودِ مَعْنَى المَنْطوقِ، وإلَّا لم يَكُن تَنْبِيهًا. فعلى هذا يُمْكِنُ قَصْرُ الحُكْمِ على ما هو مَظِنة منها. فلا يَثْبُتُ الحُكْمُ في مَوْضِع المَسْلَخِ مِن الحَمّامِ، ولا في سَطْحِه؛ لعَدَمِ المَظنةِ فيه، وكذلك ما أشْبَهَه. والله أعلمُ. فصل: ولا تَصِحُّ الصلاةُ في المَوْضِع المَغْصُوبِ في أظْهِرِ الروايَتَيْن، وأحَدِ قَوْلَى الشافعيّ. والروايَةُ الثانيةُ، تَصِحُّ. وهو مَذْهَبُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ، والقولُ الثاني للشافعي؛ لأن النهْىَ لا يَعُودُ إلى الصلاةِ، فلم يَمْنع صِحتَها، كما لو صَلَّى وهو يَرَى غَرِيقًا يُمْكنُه إنْقاذُه، فلم يُنْقِذْه، أو مَطَل غريمَه الذى يُمْكنُه إيفاؤه وصَلَّى.

стр. 1166

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ووَجْهُ الأولَى، أنَّ الصلاةَ عِبادَةٌ، أتى بهِا على الوَجْهِ المَنْهِيِّ عنه، فلم تَصِحَّ، كصلاةِ الحائض؛ فإنْ حَرَكاتِه مِن القِيامِ والركُوعِ والسجُودِ أفْعالٌ اخْتِيارِية، هو مَنْهِي عنها عاص بها، فكيف يكُونُ مُطِيعًا بما هو عاص به. فأمّا مَن رَأى الغَرِيقَ فليس بمَنْهي عن الصلاةِ، إنما هو مَأمُورٌ بالصلاةِ وإنْقاذِ الغرِيقِ، وأحَدُهما آكَدُ مِن الآخَرِ. أمَّا في مسألتِنا، فإن أفْعالَ الصلاةِ في نَفْسِها مَنْهِيّ عنها. إذا ثَبَت هذا, فلا فَرْقَ بينَ غَصْبِه لرَقبة الأرْض، أو دَعْواه (١) مِلْكيتها، وبينَ غَصْبِه مَنافِعَها، بأن يَدعِيَ إجارَتَها ظُلْمًا (٢)، أو يَضَعَ يَدَه عليها مُدة ويُخْرِجَ ساباطًا (٣) في مَوْضع لا يَحِل له، أو يَغْضبِ راحِلَةً ويُصَلىَ عليها، أو سَفِينَة ويصلِّيَ فيها، أو لَوْحًا فيَجْعَلَه سَفِينَةً ويُصَلِّيَ عليه، كل ذلك حُكمُه في الصلاةِ حُكْمُ الدار المَغْصُوبَةِ على ما بَيَّناه.

стр. 1167

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: قال أحمدُ: يُصَلى الجُمُعَةَ في مَوْضِعِ الغَصْبِ. يَعْنِي إذا كان الجامع أو بَعْضُه مَغْصُوبًا، صَحتِ الصلاةُ فيه؛ لأنَّ الجُمُعَةَ تَخْتَصُّ ببُقْعَةٍ، فإذا صَلّاها الإمامُ في المَوْضِعِ المَغْصُوبِ، فامْتَنَع النّاسُ مِن الصلاةِ فيه، فاتَتْهم الجُمُعَةُ، وكذلك مَن امْتَنَع فاتَتْه، ولذلك أبِيحَتْ خلفَ الخَوارِجِ والمُبْتَدِعَةِ، وصَحَّتْ في الطُّرقِ لدُعاءِ الحاجَةِ إليها، وكذلك الأعْيادُ والجِنازَةُ. فصل: وتُكْرَه في مَوْضِعَ الخَسْفِ. قالَه أحمدُ: لأنه مَوْ ضِعٌ مَسْخوطٌ عليه، وقد قال النَّبِيّ ﷺ لأصحابِه يومَ مَرَّ بالحِجْرِ (١): «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤلَاءِ المُعَذبِينَ، إلَّا أنْ تَكُونُوا بَاكِينَ أنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أصَابَهُمْ» (٢).

стр. 1168

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولا بَأسَ بالصلاةِ في الكَنِيسَةِ النظِيفَةِ. رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ، وأبي موسى؛ وهو قول الحسنِ، وعُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ، والشعْبِي، والأوْزاعِي. وكَرِه ابنُ عباس ومالكٌ الكنائِسَ؛ لأجْلِ الصُّوَرِ. وقال ابنُ عَقِيل: تُكْره الصلاةُ فيها؛ لأنه كالتَّعْظِيمِ والتبجِيلِ لها، وقِيل: لأنه يُضِر بهم. ولَنا، أن النَّبِيّ ﷺ صلَّى في الكَعْبَةِ وفيها صُوَر (١)، ثم قد دَخَلتْ في عُمُومِ قولِه ﷺ : «فَأيْنَمَا أدْرَكتكَ (٢) المملَاةُ فَصَل، فَإنهُ مَسْجِدٌ». مُتَّفق عليه (٣).

стр. 1169

وَقَالَ بَعْضُ أصْحَابنَا: حُكْمُ الْمَجْزَرَةِ، وَالْمَزْبَلَةِ، وَقَارِعَةِ الطرِيقِ، وَأَسْطِحَتِها كَذَلِكَ. ــ ٣٤١ - مسألة: (وقال بَعْضُ أصحابِنا: حُكْمُ المَجْزَرَةِ، والمَزْبَلَةِ، وقارِعَةِ الطريقِ وأسْطِحَتِها، كذلك) لِما روَى ابنُ عُمَرَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: «سَبْعُ مَوَاطِنَ لَا تَجُوزُ فِيها، الصلَاةُ؛ ظَهْرُ بَيْتِ الله، وَالْمَقْبَرَةُ، وَالْمَزْبَلَةُ، وَالمَجْزَرَةُ، وَالْحَمَّامُ، وعَطنُ (١) الإبِلِ، وَمَحَجَّةُ الطريقِ». رَواه ابن ماجَه (٢). وقالوا (٣): الحُكْمُ في هذه المَواضِع الثلاثة كالحُكْمِ في الأرْبعةِ. ولأن هذه المَواضِعَ مَظَانُّ

стр. 1170

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ للنَّجاساتِ، فعُلق الحُكْمُ عليها وإن لم تُوجَدِ الحَقِيقَة، كما انتقَضتَ (١) الطهارة بالنوْمِ، ووَجَب الغُسْلُ بالْتِقاءِ الخِتانَيْن. قال شيخُنا (٢): والصحِيحُ جَواز الصلاةِ فيها. وهو قول أكثر أهل العلمِ، ويَحْتَمِلُه اخْتِيارُ الخِرَقِيّ؛ لأنّه لم يَذْكرْها، لعُمُومَ قَولِه ﷺ : «جُعِلَتْ لِيَ الأرضُ مَسْجِدًا». مُتَّفَق عليه (٣). واسْتثنِيَ منه المَقْبَرَةُ، والحَمَّامُ، ومَعاطِنُ الإبِلِ، بأحادِيثَ صَحِيحَةٍ، ففيما عَدا ذلك يَبْقَى على العُمُومِ. وحديث ابنِ عُمَرَ يَرْويه العُمَرِي، وزَيْدُ بنُ جَبِيرَةَ (٤)؛ وقد تكلِّمَ فيهما مِن قِبَلِ حِفْظِهما، فلا يُتْرَكُ به الحديثُ الصحِيحُ. وأكثر أصحابنا على القَوْلِ الأولِ. ومَعنَى مَحَجَّةِ الطرِيقِ، الجادةُ المَسْلُوكَةُ في السفر. وقارِعَة

стр. 1171

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الطَّريقِ، التى تَقْرَعُها الأقْدامُ، مِثْلَ الأسْواقِ والمشارِعِ (١). ولا بَأسَ بالصلاةِ فيما عَلا منها يَمنةً ويَسْرَةً، وكذلك الصلاةُ في الطرِيقِ التى يقِل سالِكُها، كطَرِيقِ الأبياتِ اليَسِيرَةِ. فإن بني مَسْجد في طَرِيق، وكان الطرِيقُ ضَيقًا بحيث يَسْتَضِرُّ المارةُ ببِنائه، لم يَجُزْ بِناؤُه، ولا الصَّلاةُ فيه، وإن كان واسِعًا لا يُضِرُّ بالمارةِ، جاز. وهل يُشترَطُ إذْنُ الإمامِ؟ على رِوايَتَيْن. ذَكَرَه القاضي. والمَجزَرَةُ: التى يَذبَحُ فيها النَّاسُ، المُعَدةُ لذلك، ولا فَرْقَ في هذه المَواضِع بينَ الطاهِرِ والنجِس، ولا في المَعاطِنِ بينَ أن يكُونَ فيها إبلٌ في ذاك الوَقتِ أولا، فأما المواضِعُ التى تبِيتُ فيها الإبِلُ في مَسِيرِها، أو تُناخُ فها لِعلْفِها أو وُرُودِها، فلا تُمْنَعُ الصلاةُ فيها. قال الأثرَمُ: سُئِل أبو عبدِ الله عِن الصلاةِ في مَوْضِع فيه أبعارُ الإبِلِ، فرخَّصَ فيه، ثم قال: إذا لم تَكُنْ مِن مَعاطِنِ الإبِلِ، التى نُهِيَ عن الصلاةِ فيها، التى تَأوِي إليها.

стр. 1172

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فأما أسْطِحَةُ هذه المَواضِع، فقال القاضي، وابنُ عَقِيل: حُكْمُها حُكْمُ السفْلِ؛ لأنَّ الهواءَ تابعٌ للقَرار، ولذلك لو حَلف لا يَدْخُلُ دارًا، فدَخَلَ سَطْحَها، حَنِث. والصَّحِيحُ، إن شاء الله، قَصْرُ النهْي على ما تَناوَلَه النَّص، وأنَّ الحُكْمَ لا يُعَدى إلى غيرِه. ذَكَرَه شيخُنا (١)؛ لأن الحُكْمَ إن كان تَعَبُّدًا، لم يُقَسْ عليه، وإن عُلل فإنَّما يُعَلل بمظنةِ النجاسَةِ، ولا يُتَخيلُ (٢) هذا في أسْطِحَتِها. فأما إن بَنَى على طَرِيقٍ ساباطًا أو جَناحًا وكان ذلك مُباحًا له، مِثْلَ أن يكون في دَرْبٍ غيرِ نافِذٍ بإذْنِ أَهْلِه، أو مُسْتَحَقًّا له، فلاْ بَأسَ بالصلاةِ عليه. وإن كان على طَرِيقٍ نافِذٍ فالمُصَلى فيه كالمُصَلَّى في المَوْضِع المَغْصُوبِ. وإن كان الساباطُ

стр. 1173

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ على نَهْرٍ، تَجْرِي فيه السُّفُنُ، فهو كالسَاباطِ على الطَّرِيقِ. وهذا فيما إذا كان السطْحُ حادِثًا على مَوْضِع النهْيِ، فإن كان المَسْجِدُ سابِقًا، فحَدَثَ تحته طَرِيق، أو عَطَنٌ، أو غيرُهما مِن مَواضَع النهْيِ، أو حَدَثَتِ المقْبَرَةُ حَوْلَه، لم تُمْنَع الصلاةُ فيه، بغيرِ خِلاف؛ لأنه لم (١) يتْبَعْ ما حَدَث بعدَه (٢). وذَكَر القاضي فيما إذا حَدَث تحتَ المَسْجِدِ طَرِيق وَجْهًا في كَراهَةِ (١) الصلاةِ فيه. والأولُ أوْلَى. فأما إن بُنِىَ مَسْجِدٌ في مقبَرَةٍ بينَ القُبُورِ، فحُكمُه حُكْمُها؛ لأنَّه لا يَخْرُجُ بذلك عن أن يكُونَ في المَقْبَرَةِ، وقد روَى قَتادَةُ أنَّ أنَسًا مَرّ على مَقْبَرة، وهم يبْنُونَ فيها مَسْجِدًا، فقال: كان يُكْرَهُ أن يُبْنَى مسجدٌ في وَسَطِ القبُورِ.

стр. 1174

وَتَصِحُّ الصلَاةُ إلَيْهَا، إلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحُشَّ، فِي قوْلِ ابْنِ حَامِدٍ. ــ ٣٤٢ - مسألة: (وتَصِحُّ الصلاة إليها، إلَّا المَقْبَرةَ والحُشَّ، في قَوْلِ ابنِ حامدٍ) تُكره الصلاةُ إلى هذه المَواضِع، فإن فَعَل صَحتْ صَلَاتُه. نَصَّ عليه أحمدُ في رِواية أبي طالِبٍ. وقال أبو بكرٍ: يَتَوَجَّهُ في الإعادِةِ قَوْلان؛ أحَدُهما، يُعِيدُ؛ لموْضِع النَّهْيِ، وبه أقُولُ. والثاني، يَصحُّ؛ لعدَمِ تَناوُلِ النهْيِ له. قال ابنُ حامدٍ: إن صَلَّى إلى المَقْبَرَةِ

стр. 1175

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والحُشِّ، فهو كالمُصَلى فيهما إذا لم يَكُنْ بينَه وبَيْنَهما حائِلٌ، لِما روي أبو مَرْثَد الغنَوِيُّ، أنَّه سَمِع رسولَ الله ﷺ يقولُ: «لَا تُصَلُّوا إلي القبُورِ (١) وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا (٢)». مُتَّفَق عليه (٣). قال القاضي: وفي هذا تَنْبِيه على المواضِعِ التى نُهىَ عن الصلاةِ فيها. وذَكر القاضي في «المُجَرَّدِ»، قال: إن صَلَّى إلى العَطَنِ فصَلاتُه صَحِيحَة، بخِلافِ ما

стр. 1176

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قُلْناه في الصلاةِ إلى المقْبَرَةِ والحُشِّ. قال شخُنا (١): والصحِيحُ أنَّه لا بَأسَ بالصلاةِ إلى شيء مِنْ هذه المواضِعِ إلَّا المقْبَرَةَ، لوُرُودِ النَّهْيِ فيها، وذلك العمُومِ قولِه ﵇: «جُعِلَتْ لِي الأرضُ مَسْجِدًا وَطَهُورا» (٢). فإنَّه يَتَناولُ الذى يُصَلى فيه إلى هذه المَواضِع، وقياسُ ذلك على المقْبَرَةِ لا يصحُّ إن كان النَّهْىُ عن الصلاةِ

стр. 1177

وَلَا تَصِحُّ الْفَرِيضَةُ فِي الْكعْبَةِ وَلَا عَلَى ظَهْرِهَا، ــ إليها تَعَبُّدًا، وكذلك إن كان لمَعْنًى اخْتَص بها، وهو اتخاذُ القُبُور مَسْجِدًا، تَشَبُّهًا بمَن يُعَظمُها، وكذلك قال ﵇: «لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أنبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ». يُحَذِّرُ مِثْلَ ما صَنَعُوا. مُتَّفَق عليه (١). واللهُ أعلمُ. ٣٤٣ - مسألة: (ولا تَصِحُّ الفَريضَةُ في الكعْبَةِ، ولا على ظَهْرِها) وقال الشافعيُّ، وأبو حنيفةَ: تَصِحُّ؛ لأنه مَسْجِد، ولأنه مَحَلٌّ لصلاةِ النفْلِ، فكان مَحَلًّا للفَرْض، كخارِجها. ولَنا، قولُه تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوُّلواْ وُجُوهَكمْ شَطْرَه﴾ (٢). والمصَلَّى فيها أو على سَطحِها غيرُ

стр. 1178

وَتَصِحُّ النَّافِلَةُ إذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا. ــ مُسْتَقْبِل لجِهَتِها، فأمّا النّافِلَةُ فمَبْناها على التَّخْفِيفِ والمُسامَحَةِ؛ بدَلِيلِ صِحَّتِها قاعِدًا، وإلى غيرِ القِبْلَةِ في السفَرِ على الراحِلَةِ. ٣٤٤ - مسألة: (وتَصِحُّ النَّافِلَةُ إذا كان بينَ يَدَيْه شيء منها) لا نَعْلمُ في ذلك خِلافًا؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ في البيْتِ ركْعَتَيْن (١). إلَّا أنَّه إن توجَّه إلي

стр. 1179

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ البابِ أو على ظَهْرِها، وكان (١) بينَ يَدَيْه شيءٌ مِن بِناءِ (٢) الكعْبَةِ مُتَّصِل بها صحَّتْ صَلاتُه، وإن لم يَكُنْ بينَ يَدَيْه شيء شاخِص منها، أو كان بينَ يَدَيْه آخر مُعَبًّا غيرُ مَبْنِيٍّ، أو خَشَب غيرُ مسمَّر فيها (٢)، فقال أصحابُنا: لا

стр. 1180

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَصِحُّ صَلَاتُه، لأنه غيرُ مُسْتَقْبِل لشئٍ منها. قال شيخُنا (١): والأوْلَى أنَّه لا يُشْتَرَطُ كَوْنُ شئٍ منها بينَ يَدَيْه؛ لأن الواجِبَ اسْتِقْبالُ مَوْضِعِها

стр. 1181

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَهوائِها، دُونَ حِيطانِها؛ بدَلِيل ما لو انْهَدَمَتْ، وكذلك لو صلَّى على جَبَلٍ عالٍ يَخْرُجُ عن مُسامَتَةِ البُنْيانِ، صَحتْ صَلاتُه إلى هَوائِها، كذلك هاهُنا.

стр. 1182

بَابُ استِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَهُوَ الشرطُ الْخَامس لِصِحَّةِ الصَّلاة، إلَّا فِي حَالِ الْعَجْزِ عَنْهُ، ــ بابُ اسْتِقْبالِ القبْلَةِ (وهو الشرطُ الخامِس لصِحةِ الصلاةِ) لقَوْلِ الله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (١). أي نحْوَه. وقال عليٌّ، رَضىَ الله عنه: شَطْره قِبَلَه. ورُوِيَ عن البَراء، قال: قَدِم رسولُ اللهِ ﷺ فصَلى نَحْوَ بيتِ المَقْدِس ستَةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثم إنه وُجهَ إلى الكَعبَةِ، فمَر رجلٌ صَلَّى مع النَّبِيّ ﷺ على قوم من الأنْصارِ، فقال: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قد وُجِّهَ إلى الكعبَةِ. فانْحَرَفُوا إلى الكعبةِ. أخْرَجَه النَّسائِيُّ (٢). ٣٤٥ - مسألة؛ قال: (إلَّا في حالِ العَجْزِ عنه ،

стр. 1183

وَالنَّافِلَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السفَرِ الطوِيلِ وَالْقَصِيرِ. ــ والنّافِلَةِ على الراحِلَةِ في السفَرِ الطَّوِيلِ والقَصِيرِ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الاسْتِقْبالَ يَسْقُطُ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ؛ أحَدُها، في حالِ العَجْزِ عنه، لكَوْنه مَرْبوطا إلى غيرِ القبْلَةِ، ونَحْوَه، فيُصَلى على حَسَب حالِه؛ لأنه شَرْط لصِحةِ الصلاةِ عَجَز عنه، أشْبَهَ القيامَ. الثاني، إذا اشْتَد الخَوْفُ، كحال الْتِحامِ الحَرْبِ، وسنَذْكُرُه في مَوْضِعِه، إن شاء الله. الثالث، في النّافِلةِ على الرّاحِلةِ، ولا نَعْلَمُ في إباحَةِ التطوُّعِ على الرّاحِلَةِ إلى غيرِ القبْلَةِ في السفَرِ الطوِيلِ خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ. قال ابنُ عبدِ البَرّ: أجْمَعُوا على أنَّه جائِزٌ لكل مَن سافَرَ سَفَرا تُقْصَرُ فيه الصلاةُ أن يَتَطَوعَ على دابتِه حَيْثُما تَوَجهَتْ به، يُومِئُ بالركُوعِ والسجُودِ، ويَجْعَلُ السُّجُودَ أخْفَضَ مِن الرُّكُوع. وحُكْمُ (١) السفَرِ القَصِيرِ حُكْمُ الطَّوِيلِ في ذلك. وهو قولُ الأوْزاعيِّ،

стр. 1184

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والشافعيِّ، وأصحابِ الرأيِ. وقال مالك: لا يُباحُ؛ لأنَّه رُخْصَةُ سَفَرٍ، فاخْتَصَّ بالطَّوِيلِ كالقَصْرِ (١). ولَنا، قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ (٢). قال ابنُ عُمَرَ: نَزَلَتْ هذه الآيَةُ في التَّطَوُّعِ خاصة، حيثُ تَوَجَّهَ بك بَعِيرُك (٣). وعن ابنِ عُمَرَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يُسَبِّحُ على ظَهْرِ راحِلَتِه حيث كان وَجْهه، يُومِئُ

стр. 1185

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بِرأسه. مُتَّفَقٌ عليه (١). وللبُخارِي: إلَّا الفَرائِضَ (٢). ولم يُفَرقْ بينَ قصِيرٍ السفَرِ وطَوِيله، ولأن إباحَةَ التطَوعِ على الرّاحِلَةِ تَخْفِيف (٣)، كَيْلا يُؤدِّى إلى تَقْلِيله وقَطْعِه، وهذا يَسْتَوِي فيه الطوِيلُ والقَصِيرُ، والفِطْرُ والقَصْرُ تُراعَى فيه المَشَقةُ، وإنما تُوجَدُ غالِبًا في الطَّوِيلِ. قال القاضي: الأحْكامُ التى يَسْتَوِي فيها السَّفَرُ الطَّوِيلُ والقَصِيرُ ثَلاثة؛ التيمُّمُ، وأكلُ المَيتةِ في المخْمَصَةِ، والتَّطَوعُ على الراحِلَةِ، وبَقِيةُ الرُّخَص تَخْتَصُّ الطَّوِيلَ؛ وهي القَصر (٤)، والجَمْعُ، والمسْحُ ثلاثًا.

стр. 1186

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ويَجْعَلُ سُجُودَه أخْفَضَ مِن رُكُوعِه. قال جابِر: بَعَثَنِي رسولُ الله ﷺ في حاجَةٍ، فجِئْت وهو يُصَلى على راحِلَتِه نَحْوَ المَشْرِقِ، والسجُودُ أخْفضُ عِن الركُوعِ. رَواه أبو داودَ (١). و [يجوزُ أن] (٢) يُصَلىَ على البَعِيرِ والحِمارِ وغيرِهما. قال ابنُ عُمَرَ: رَأيتُ رسولَ الله ﷺ يُصَلى على حِمار، وهو مُتَوَجِّه إلى خَيْبَرَ. رَواه أبو داودَ، والنَّسائيُّ (٣). لكن إذا قُلْنا بنَجاسةِ الحِمارِ، فلا بُدَّ أن يكُونَ تحتَه سُترة طاهِرَةٌ. فصل (٤): فإن كان على الرّاحِلَةِ في مَكانٍ واسِع، كالمُنْفَرِدِ في العَمَّاريَّة يَدُورُ فيها كيف شاء، ويَتَمكَّنُ مِن الصلاةِ إلى القِبْلَةِ والرُّكُوعِ والسجُودِ بالأرْض، لَزِمَه ذلك، كراكِب السفِينَةِ. وإن قَدَر على الاستِقْبالِ دُونَ الرُّكُوعِ والسجُودِ، لَزِمَه الاستِقْبالُ، وأوْمَأَ بهما. نصَّ عليه. وقال أبو الحسنِ الآمِدِي: يَحتَمِلُ أن لا يَلْزَمَه شئٌ مِن ذلك، كغيرِه؛ لأن الرُّخْصَةَ العامَّةَ يَسْتَوِي فيها مَن وُجِدَتْ فيه المَشَقَّةُ وغيرُه،

стр. 1187

وَهَلْ يَجُوزُ التَنَفُّلُ لِلْمَاشِي؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. ــ كالقَصْرِ والجَمْعِ. وإن عَجَز عن ذلك، سَقَط بغيرِ خِلافٍ. فصل: وقبْلَةُ هذا المصلى حيث كانت وِجْهته، فإن عَدَل عنها إلى جِهَةِ الكعْبَةِ، جاز؛ لأَنها الأصْلُ، وإنَّما سَقَط للعُذْرِ، وإن عَدل إلى غيرِها عَمْدًا، فَسَدَتْ صَلَاتُه؛ لأنه تَرَك قِبْلَتَه عَمْدًا. وإن كان مغْلُوبًا، أو نائِمًا، أو ظَنا منه أنَّها جِهَةُ سَيْرِه، فهو كل صَلاتِه، ويَرْجِعُ إلى جِهَةِ سَيْرِه إذا أمْكنَه. فإن تَمادَى به ذلك بعدَ زَوالِ عُذْرِه، فسدَتْ صَلَاتُه؛ لترْكِه الاستِقْبالَ عمْدًا. ولا فَرْقَ بينَ جَمِيعِ التَّطَوعاتِ في هذا؛ النَّوافِلِ المُطْلَقَةِ، والسنن الرواتِب، والوِتْرِ، وسُجُودِ التلاوَةِ، وقد كان النَّبِيّ ﷺ يُوتِرُ على بَعِيرِه. مُتَّفَق عليه (١). ٣٤٦ - مسألة: (وهل يَجُوزُ للماشِي؟ على رِوايَتَيْن) إحْداهما، لا يَجُوزُ. وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقيِّ، ومَذْهَبُ أبِي حنيفةَ؛ لعُمُوم قَوْلِه تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَولُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾. والنَّصُّ إنما وَرَد

стр. 1188

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في الرّاكِبِ، ولا يَصِحُّ قياس الماشِي عليه؛ لأنه يَحْتاجُ إلي عمَل كَثِيرٍ، ومَشْى مُتَتابع يُنافِي الصلاةَ، فلم يصِح الإلْحاقُ. والثانية، يَجُوزُ ذلك للماشِي. نَقَلَها عنه المُثَنَّى بنُ جامِع (١)، واخْتارَه القاضي. فعلى هذا يَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ لافْتِتاحِ الصلاةِ، ثم يَنْحَرِفُ إلى جِهَةِ سَيْرِه، ويَقْرأ وهو ماشٍ، ويَرْكَعُ ثم يَسْجُد بالأرض. وهذا قول عَطاء، والشافعي؛ لأن الرّكُوعَ والسُّجُودَ مُمْكِن مِن غيرِ انْقِطاعِه عن جِهَةِ (٢) سيْرِه، فلَزِمَه، كالواقِفِ. وقال الآمدى: يُومِئُ بالركُوعِ والسجُودِ، كالراكِبِ، قِياسًا عليه. ووَجْهُ هذه الرواية أن الصلاةَ أبِيحَتْ للراكِبِ كَيْلا يَنْقَطِعَ عن القافِلَةِ في السفَرِ، وهو مَوْجُودٌ في الماشِي، ولأنها إحْدَى حالتيِ السفَرِ، أشبَهَ الراكِبَ.

стр. 1189

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وإذا دَخَل المصَلى بَلدًا ناويًا الإقامَةَ (١) فيه، لم يصَلِّ بعدَ دخوله إليه إلَّا صلاةَ المُقِيمِ. وإن كان مُجْتازًا غيرَ ناوٍ للإقامَةِ، أو نَوَى الإقامَةَ مُدةً لا يَلْزمُه فيها إتْمامُ الصلاةِ، اسْتَدامَ (٢) الصلاةَ ما دامَ سائِرا، فإذا نزل فيه، صَلى إلى القِبْلَةِ، وبَنَى على ما مَضَى مِن صَلَاتِه، كالخائِفِ إذا أمِن في أثْناءِ صَلاتِه. ولو ابْتَدَأها (٣)، وهو نازِل إلى القِبْلَةِ، ثم أراد الركوبَ، أتمَّ صَلاتَه، ثم يَرْكَبُ. وقِيل: يَرْكَبُ في الصلاة، ويتمُّها إلى جِهةِ سَيْرِه، كالآمِنِ إذا خاف في صَلاتِه، والأولُ أوْلَى. والفَرْقُ بينَهما أنَّ حالَةَ الخَوْفِ حالَةُ ضَرُورَةٍ، أبِيحَ فيها ما يَحْتاجُ إليه مِن العَمَلِ، وهذه رُخْصَة مِن غيرِ ضَرورَةٍ (٤)، فلا يُباحُ فيها غير ما نُقِل، ولم يَرِدْ بإباحَةِ الرُّكُوبِ الذى يَحْتاجُ إلى عَمَل وتَوَجُّهٍ إلى غيرِ جِهَةِ القِبْلَةِ ولا جِهَةِ سَيْرِهِ سُنَّة، فيَبْقَى على الأصْلِ. والله أعلم.

стр. 1190

فَإنْ أمكَنَهُ افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ إلَى الْقِبْلَةِ، فَهَلْ يلزمه ذَلِكَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. ــ ٣٤٧ - مسألة: (فإن أمْكنه افْتِتاحُ الصلاةِ إلى القِبْلَةِ، فهل يَلْزَمُه ذلك؟ على رِوايَتَيْن) متى عَجَز عن اسْتقْبالِ القِبْلَةِ في ابْتِداءِ صَلاِته، كراكِبِ راحِلَةٍ لا تُطِيعُه، أو جَمَل مقْطُورٍ (١)، لم يَلْزَمْه؛ لأنه عاجِزٌ عنه، أشْبَهَ الخائِفَ إذا عَجَز عن ذلك. وقال القاضي: يَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَه. وإن أمكنه ذلك كراكِبِ راحِلَةٍ مُنْفَرِدَةٍ تُطيعُه، فهل يَلْزَمُه افْتِتاحُ الصلاةِ

стр. 1191

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إلى القِبْلَةِ؟ على روِايَتَيْن إحداهما، يَلْزَمُه؛ لِما روَى أنَس، أن رسولَ الله ﷺ كان إذا سافر، فأراد أن يتَطَوَّعَ، اسْتَقْبَلَ بناقَته (١) القِبْلَة، فكبر، ثم صَلى حيث كان وِجْهَةُ رِكابِه. رَواه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ (٢). ولأنه أمْكَنَه ابتداءُ الصلاةِ إلى القِبْلَةِ فلَزِمَه، كالصلاةِ كُلها. وهذا اخْتِيارُ

стр. 1192

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الخِرَقِي. والثانيةُ، لا يَلْزَمُه، لحدِيثِ ابنِ عُمَرَ (١). اخْتارَه أبو بكرٍ. ولأنَّه جُزْء مِن أجْزاءِ الصلاةِ، أشْبهَ بَقِيَّةَ أجْزائِها، ولأنَّ ذلك لا يَخْلُو مِن مَشَقَّةٍ، فسَقَطَ، وخبرُ النَّبِيّ ﷺ يُحْمَلُ على الفَضِيلَةِ والندْبِ. والله أعلم.

стр. 1193

وَالْفَرْضُ فِي الْقِبْلَةِ إِصَابَةُ الْعَيْنِ لِمَنْ قرُبَ مِنْهَا، وإصَابَةُ الْجِهَةِ لِمَنْ بَعُدَ عَنْهَا. ــ ٣٤٨ - مسألة: (والفَرْضُ في القِبْلَةِ إصابةُ العَيْنِ لمن قَرب منها، إصابة، الجِهةِ لمن بَعُد عنها النَّاسُ في القِبْلَةِ على ضَرْبَيْن؛ أحَدُهما، [مَن تَلْزَمُه] (١) إصابَةُ عَيْنِ الكعبةِ، وهو مَن كان مُعايِنًا لها، ومَن كان يُمْكِنُه مِن أهلِها، أو نَشأ فيها، أو أكْثَرُ مُقامِه فيها، أو كان قَريبًا منها

стр. 1194

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مِن وراءِ حائِل مُحْدث (١) كالحِيطانِ والبُيوتِ، ففَرْضُه التَّوَجُّه إلى عَيْنِ الكَعْبَةِ. وهكذا إن كان بمَسْجِدِ النَّبِيّ ﷺ ؛ لأنه مُتَيَقِّن صِحَّةَ قِبْلَتِه، فإن النَّبِيّ ﷺ لا يُقَرُّ على الخَطَأ، وقد روَى أسامَةُ، أنَّ النَّبِيّ ﷺ رَكَع رَكعَتَيْن قُبُل القِبْلَةِ، وقال: «هَذِهِ الْقِبْلةُ» (٢). كذلك ذَكَرَه أصحابُنا. وفي ذلك نَظر؛ لأنه صلاة الصَّف المسْتَطِيلِ في مسجدِ النَّبِيّ ﷺ صحِيحَة مع خُرُوجِ بَعضِهم عن استقبالِ عَيْنِ الكعْبَةِ، لكَوْنِ (٣) الصَّفِّ أطْولَ منها. وقولُهم: إنه ﵇ لا يُقَرُّ على الخطَأِ.

стр. 1195

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ صَحِيحٌ، لكنْ إنَّما الواجِبُ عليه اسْتِقْبالُ الجِهَةِ، وقد فعَلَه، وهذا الجَوابُ عن الخبَرِ المَذْكُورِ. وإن كان أعْمَى مِن أهلِ مَكَةَ، أو كان غَرِيبًا، وهو غائِب عن الكَعْبَةِ، ففَرضُه الخَبَرُ عن يقينٍ أو شُاهَدَةٍ، مِثْلَ أن يكونَ مِن وَراءِ حائِل وعلى الحائِلِ مَن يُخْبِرُه، أو أخْبَرَه أهلُ الدارِ أنَّه مُتَوَجِّهٌ إلى عَيْنِ (١) الكَعْبَةِ، فيَلْزَمُه الرجُوعُ إلى قَوْلِهم، وليس له الاجْتِهادُ، كالحاكِمِ إذا وَجَد الثمنَ. قال ابنُ عَقِيلٍ: لو خَرَج ببَعْض بَدَنِه (٢) عن مُسامَتَةِ الكَعْبَةِ، لم تَصِح صَلاتُه. الثاني، مَن فَرْضُه إصابَةُ الجِهَةِ، وهو البَعِيدُ عن الكَعْبَةِ. فليس عليه إصابَةُ العَيْنِ. قال أحمدُ: ما بينَ المَشْرقِ والمَغْرِبِ قِبْلةٌ، فإنِ انْحَرَفَ عن القِبْلَةِ قلِيلا
следующие страницы →