← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إلى القِبْلَةِ؟ على روِايَتَيْن إحداهما، يَلْزَمُه؛ لِما روَى أنَس، أن رسولَ الله ﷺ كان إذا سافر، فأراد أن يتَطَوَّعَ، اسْتَقْبَلَ بناقَته (١) القِبْلَة، فكبر، ثم صَلى حيث كان وِجْهَةُ رِكابِه. رَواه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ (٢). ولأنه أمْكَنَه ابتداءُ الصلاةِ إلى القِبْلَةِ فلَزِمَه، كالصلاةِ كُلها. وهذا اخْتِيارُ

стр. 1192

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الخِرَقِي. والثانيةُ، لا يَلْزَمُه، لحدِيثِ ابنِ عُمَرَ (١). اخْتارَه أبو بكرٍ. ولأنَّه جُزْء مِن أجْزاءِ الصلاةِ، أشْبهَ بَقِيَّةَ أجْزائِها، ولأنَّ ذلك لا يَخْلُو مِن مَشَقَّةٍ، فسَقَطَ، وخبرُ النَّبِيّ ﷺ يُحْمَلُ على الفَضِيلَةِ والندْبِ. والله أعلم.

стр. 1193

وَالْفَرْضُ فِي الْقِبْلَةِ إِصَابَةُ الْعَيْنِ لِمَنْ قرُبَ مِنْهَا، وإصَابَةُ الْجِهَةِ لِمَنْ بَعُدَ عَنْهَا. ــ ٣٤٨ - مسألة: (والفَرْضُ في القِبْلَةِ إصابةُ العَيْنِ لمن قَرب منها، إصابة، الجِهةِ لمن بَعُد عنها النَّاسُ في القِبْلَةِ على ضَرْبَيْن؛ أحَدُهما، [مَن تَلْزَمُه] (١) إصابَةُ عَيْنِ الكعبةِ، وهو مَن كان مُعايِنًا لها، ومَن كان يُمْكِنُه مِن أهلِها، أو نَشأ فيها، أو أكْثَرُ مُقامِه فيها، أو كان قَريبًا منها

стр. 1194

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مِن وراءِ حائِل مُحْدث (١) كالحِيطانِ والبُيوتِ، ففَرْضُه التَّوَجُّه إلى عَيْنِ الكَعْبَةِ. وهكذا إن كان بمَسْجِدِ النَّبِيّ ﷺ ؛ لأنه مُتَيَقِّن صِحَّةَ قِبْلَتِه، فإن النَّبِيّ ﷺ لا يُقَرُّ على الخَطَأ، وقد روَى أسامَةُ، أنَّ النَّبِيّ ﷺ رَكَع رَكعَتَيْن قُبُل القِبْلَةِ، وقال: «هَذِهِ الْقِبْلةُ» (٢). كذلك ذَكَرَه أصحابُنا. وفي ذلك نَظر؛ لأنه صلاة الصَّف المسْتَطِيلِ في مسجدِ النَّبِيّ ﷺ صحِيحَة مع خُرُوجِ بَعضِهم عن استقبالِ عَيْنِ الكعْبَةِ، لكَوْنِ (٣) الصَّفِّ أطْولَ منها. وقولُهم: إنه ﵇ لا يُقَرُّ على الخطَأِ.

стр. 1195

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ صَحِيحٌ، لكنْ إنَّما الواجِبُ عليه اسْتِقْبالُ الجِهَةِ، وقد فعَلَه، وهذا الجَوابُ عن الخبَرِ المَذْكُورِ. وإن كان أعْمَى مِن أهلِ مَكَةَ، أو كان غَرِيبًا، وهو غائِب عن الكَعْبَةِ، ففَرضُه الخَبَرُ عن يقينٍ أو شُاهَدَةٍ، مِثْلَ أن يكونَ مِن وَراءِ حائِل وعلى الحائِلِ مَن يُخْبِرُه، أو أخْبَرَه أهلُ الدارِ أنَّه مُتَوَجِّهٌ إلى عَيْنِ (١) الكَعْبَةِ، فيَلْزَمُه الرجُوعُ إلى قَوْلِهم، وليس له الاجْتِهادُ، كالحاكِمِ إذا وَجَد الثمنَ. قال ابنُ عَقِيلٍ: لو خَرَج ببَعْض بَدَنِه (٢) عن مُسامَتَةِ الكَعْبَةِ، لم تَصِح صَلاتُه. الثاني، مَن فَرْضُه إصابَةُ الجِهَةِ، وهو البَعِيدُ عن الكَعْبَةِ. فليس عليه إصابَةُ العَيْنِ. قال أحمدُ: ما بينَ المَشْرقِ والمَغْرِبِ قِبْلةٌ، فإنِ انْحَرَفَ عن القِبْلَةِ قلِيلا

стр. 1196

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لم يُعِدْ، ولكنْ يَتَحَرى الوَسَطَ. وهذا قولُ أبي حنيفةَ، وأحَدُ قَوْليِ الشَّافعيِّ، وقال في الآخَرِ: تَلزَمُه إصابَةُ العَيْنِ؛ لقولِ الله: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ وقِياسًا على القَرِيبِ، وقد رُوِيَ ذلك عن أحمدَ، وهو اخْتِيارُ أبي الخَطابِ. ولَنا، قولُه ﵇: «مَا بَيْن الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قبْلَة». رَواه الترمِذِيُّ (١)، وقال: حديث حسن صحيح. ولأنا أجْمَعْنا على صِحةِ صلاةِ الاثنَيْن المُتَباعِدَيْن يَسْتَقْبِلان قبْلَةً واحِدة، وعلى صِحةِ صَلاةِ الصَّف الطَّوِيل على خَطٍّ مُسْتَوٍ لا يُمْكِنُ أن يُصِيبَ عَيْنَ الكَعْبَةِ إلَّا مَن كان بِقَدْرِها. فإن قِيل: مع البُعْدِ يَتَّسِع المحاذِي (٢). قُلْنا: إنّما يَتَسِعُ مع التَّقوُّسِ، وأمّا مع عَدَمِه فلا. والله أعلمُ.

стр. 1197

فَإنْ أمْكَنَهُ ذلِكَ بِخَبَرِ ثِقَةٍ عَنْ يَقِينٍ أوِ اسْتِدْلَالٍ بِمَحَارِيبِ الْمُسْلِمِينَ، لَزِمَهُ الْعَمَلُ بِهِ. وَإنْ وَجَدَ مَحَارِيبَ لَا يَعْلَمُ هَل هِيَ لِلْمُسْلِمِينَ أوْ لَا، لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهَا. ــ ٣٤٩ - مسألة: (فإن أمْكَنَه ذلك بخَبَرِ ثِقَةٍ عن يَقِينٍ أو اسْتِدْلالٍ بمَحاريبِ المُسْلِمِين، لَزِمَه العَمَلُ به، وإن وَجَد مَحاريبَ لا يَعْلَم؛ هل هي للمُسْلِمِين، أولا؟ لم يَلْتَفِتْ إليها) متى أخْبَرَه ثقَة عن يَقِينٍ، لَزِمَه قَبُولُ خبَرِه؛ لِما ذَكَرْنا. وإن كان في مِصْرٍ، أو قَرْيَةٍ مِن قُرَى المُسْلِمِين، ففَرْضُه التِّوَجُّهُ إلى مَحارِيبِهم؛ لأنَّ هذه القِبْلَةَ يَنْصِبُها أهلُ

стр. 1198

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الخِبْرَةِ والمَعْرِفَةِ، [فجَرَى ذلك مَجْرَى الخَبَرِ، فأغْنَى عن الاجْتِهادِ، وإن أخْبَرَهُ مُخْبِرٌ مِن أهلِ المَعْرِفَةِ] (١) بالقِبْلَةِ مِن أهل البَلَدِ، أو مِن غيرِه، صار إلى خَبَرِه، وليس له الاجْتِهادُ، كالحاكِمِ يَقْبَلُ النَّصَّ مِن الثِّقَةِ، ولا يَجْتَهِدُ. ويَحْتَمِلُ أنَّه إنَّما يَلْزَمُه الرُّجُوعُ إلى الخَبَرِ وإلى المَحَارِيبِ في حَقِّ القَرِيبِ الَّذي يُخْبَرُ عن التَّوَجُّهِ إلى عَيْنِ الكَعْبَةِ، أمّا في حَقِّ مَن يَلْزَمُه قَصْدُ الجِهَةِ، فإن كان أعْمَى، أو مَن فَرْضُه التَّقْلِيدُ، لَزِمَه الرُّجُوعُ إلى ذلك، وإن كان مُجْتَهِدًا، جاز له الرُّجُوعُ؛ [لِما ذَكَرْنا، كما يَجُوزُ له الرُّجُوعُ] (١)، في الوَقْتِ إلى قَوْلِ المُؤذِّنِ، ولا يَلْزَمُه ذلك، بل يَجُوزُ له الاجْتِهادُ، إن شاء، إذا كانتِ الأدِلَّةُ على القِبْلَةِ ظاهِرَةً، لأنَّ المُخْبرَ والذي نَصَب المَحارِيبَ إِنما يَبْنِي على الأدِلَّةِ. وقد ذَكَر ابنُ الزّاغُونِيِّ في كتابِ

стр. 1199

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ «الإِقْناعِ»، قال: إذا دَخَل رجلٌ إلى مَسْجِدٍ قَدِيم مَشْهُورٍ في بَلَدٍ مَعْرُوفٍ، كبَغْدادَ، فهل يَلْزَمُه الاجْتِهادُ، أم يُجْزِئُه التَّوَجُّهُ إلى القِبْلَةِ؛ فيه رِوايَتان عن أحمدَ؛ إحْداهما، يَلْزَمُه الاجْتِهادُ؛ لأنَّ المُجْتَهِدَ لا يَجُوزُ له أن يُقَلِّدَ في مَسائِلِ الفِقْهِ. والثانيةُ، لا يَلْزَمُه؛ لأنَّ اتِّفاقَهم عليها مع تَكرُّرِ الأعْصارِ إجْماعٌ عليها، ولا يَجُوزُ مُخالَفَتُها باجْتِهادِه. فإذا قُلْنا: يَجِبُ الاجْتِهادُ في سائِرِ البلادِ. ففي مَدِينَة النبيِّ ﷺ رِوايَتان؛ إحْداهما، يَتَوجَّهُ إليها بلا اجْتِهادٍ؛ لأنَّه ﵊ لا يُداوِمُ عليها إلَّا وهي مَقْطوعٌ بصِحَّتِها، فهو كما لو كان مُشاهِدًا للبَيْتِ. والثانية، هي كسائِرِ البِلادِ، يلْزَمُه الاجْتِهادُ فيها؛ لأنَّها نازِحَةٌ عن مَكَّةَ، فهي كغيرِها.

стр. 1200

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ولا يَجُوزُ له (١) الاسْتِدْلالُ بمَحارِيبِ الكُفّارِ، لأنَّ قَوْلَهم لا يجُوزُ الرُّجُوعُ إليه، فمَحارِيبُهم أوْلَى، إلَّا أن نَعْلَمَ قِبْلَتَهم، كالنَّصارَى، فإذا رَأى مَحارِيبَهم في كَنائِسِهم عَلِم (٢) أنَّها مُسْتَقْبِلَةٌ المَشْرِقَ. فإن وَجَد مَحارِيبَ لا يَعْلَمُ هل هي للمُسْلِمِين أو للكُفَّارِ، لم يَجُزِ الاسْتِدْلالُ بها؛ لكوْنِها لا دَلالَةَ فيها، وكذلك لو رَأى على المِحْرابِ آثارَ الإسلامِ؛ لجَوازِ أن يكُونَ البانِي مُشْرِكًا، عَمِلَه ليَغُرَّ به المُسْلِمِين، إلَّا أن يكونَ مِمّا لا يَتَطرَّقُ إليه هذا الاحْتِمالُ، ويَحْصُلَ له العِلْمُ أنَّه مِن (٣) مَحارِيب المُسْلِمِين فيَسْتَقْبِلَه. فصل: وإذا صَلَّى على مَوْضِع عالٍ يَخْرُجُ عن مُسامَتَةِ الكَعْبَةِ، أو في مكانٍ يَنْزِلُ عن مُسامَتَتِها، صَحَّتْ صَلاتُه؛ لأنَّ الواجِبَ اسْتِقْبالُها وما حاذاها مِن فَوْقِها وتَحْتِها؛ لأنَّها لو زالَتْ صَحَّتِ الصلاةُ إلى مَوْضِع جِدارِها. واللهُ أعلمُ.

стр. 1201

وَإنِ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ في السَّفَرِ، اجْتَهَدَ في طَلَبِهَا بِالدَّلَائِلِ، وَأثْبَتُهَا الْقُطْبُ اذَا جَعَلَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، كَانَ مُسْتَقْبِلًا الْقِبْلَةَ. ــ ٣٥٠ - مسألة: (وإِنِ اشْتَبَهَتْ عليه في السَّفَرِ، اجْتَهَدَ في طَلَبِها بالدَّلائِلِ، وأثْبَتُها القُطْبُ؛ إذا جَعَلَه وراءَ ظَهْرِه كانَ مُسْتَقْبِلًا القِبْلَةَ (١) متى اشتَبَهَتِ القِبْلَةُ في السَّفَرِ، وكان مُجْتَهِدًا، وَجَب عليه الاجْتِهادُ في طَلَبِها بالأدِلَّةِ؛ لأنَّ ما وَجَبَ عليه اتِّباعُه عندَ وُجُودِه، وَجَب الاسْتِدْلالُ عليه عندَ خَفائِه، كالحُكْمِ في الحادِثَةِ. والمُجْتَهِدُ هو العالِمُ بأدِلَّةِ القِبْلَةِ وإن جَهِل أحْكامَ الشَّرْعِ؛ لأنَّ كلَّ مَن عَلِم أدِلَّةَ شئٍ، كان مُجْتهِدًا فيه؛ لأنَّه يَتَمَكَّنُ مِن اسْتِقْبالِها بدَلِيلِه. والجاهِلُ الَّذي لا يَعْرِفُ أدِلَّةَ القِبْلَةِ وإن كان فَقِيهًا، وكذلك الأعْمَى، فهذان فَرْضُهما التَّقْلِيدُ. وأوثَقُ أدِلَّتِها النُّجُومُ؛ قال اللهُ تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (٢). وقال: ﴿لِتَهْتَدُوا بِهَا في ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (٣). وآكَدُها القُطْبُ، وهو نَجْمٌ خَفِيٌّ شَمالِيٌّ،

стр. 1202

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حَوْلَه أنْجُمٌ دائِرَةٌ، في أحَدِ طَرَفَيها الجَدْىُ، وفي الآخَرِ الفَرْقدان، وبين ذلك ثَلاثَةُ أنْجُم مِن فَوْقَ وثَلاثَةٌ مِن أسْفَلَ، تدُورُ هذه الفَراشَةُ حَوْلَ الفطْبِ كدَورانِ الرَّحا حولَ سَفُّودِها (١)، في كلِّ يومٍ ولَيْلَةٍ، دَوْرَةً، وقَرِيبٌ منها بَناتُ نَعْشٍ مِمَّا يَلِي الفرْقَدَيْن تَدُورُ حَوْلَهما (٢)، والقُطْبُ لا يَتَغَيَّرُ مِن مَكانِه في جَمِيع الأزْمانِ، وقِيل: إنَّه يَتَغَيَّرُ تَغيُّرًا يَسِيرًا لا يُؤثِّرُ. وهو خَفِيٌّ يَظْهَرُ لحَدِيدِ النَّظَرِ في غيرِ لَيالِي القَمَرِ، متى اسْتَدْبَرْتَه في الأرْضِ الشَّامِيَّةِ، كُنْتَ مُسْتَقْبِلًا للكَعْبَةِ. وقِيلَ: إنَّه يَنْحَرفُ في دِمَشْقَ وما قارَبَها إلى المَشْرِقِ قَلِيلًا، وكُلَّما قَرُب إلى المَغْرِبِ كان انْحِرافُه أكْثَرَ. وإن كان بحَرّانَ (٣) أو قَرِيبًا منها جَعَل القُطْبَ خَلْفَ ظَهْرِه مُعْتَدِلًا، وإن كان بالعِراقي جَعَل القُطْبَ حِذاءَ أُذُنِه اليُمْنَى على عُلُوِّها، ومتى اسْتَدْبَرَ الفَرْقَدَيْن أو الجَدْىَ (٤)، في حالِ عُلُوِّ أحَدِهما ونُزُولِ الآخَرِ، على

стр. 1203

وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَمَنَازِلُهُمَا، وَمَا يَقْتَرِنُ بهِمَا وَيُقَارِبُهُمَا، ــ الاعْتِدالِ، فهو كاسْتِدْبارِ القُطْبِ، وإنِ اسْتَدْبَره في غيرِ هذه الحالِ، كان مُسْتَقْبِلًا للجِهَةِ، فإنِ اسْتَدْبَرَ الغَرْبِيَّ، كان مُنْحَرِفًا إلى الشِّرْقِ، وبالعَكْسِ، وإنِ اسْتَدْبَرَ بَناتَ نَعْشٍ، فكذلك، إلَّا أنَّ انْحِرافَه أكْثَرُ. ٣٥١ - مسألة (١): (والشَّمْسِ والقَمَرُ ومَنازِلُهما) وهي ثمانِيَةٌ وعِشْرُون مَنْزِلًا، السَّرَطانُ، والبُطَيْنُ، والثُّرَيَّا، والدَّبَرانُ، والهَقْعَةُ، والهَنْعَة، والذَّراعُ، والنَّثرَةُ، والطَّرْفُ، والجَبْهَةُ، والزُّبْرَةُ، والصَّرْفَةُ، والعَوّاءُ، والسِّماكُ، والغَفْرُ، والزُّبانَى، والإِكْلِيلُ، والقَلْبُ، والشَّوْلَةُ، والنَّعائِمُ، والبَلْدَة، وسَعْدُ الذّابِحِ، وسعذ بُلَعْ، وسعدُ السُّعودِ، وسعدُ الأحْبِيَةِ، والفَرْعُ المُقَدَّمُ، والفَرْغ المُؤخَّرُ، وبَطْنُ الحُوتِ. منها أرْبَعَةَ عَشَرَ شامِيَّةً تطْلُعُ مِن وَسَط المَشْرِقِ، مائِلَةً عنه (٢) إِلى الشمالِ قليلًا، أوَّلُها السَّرَطانُ، وآخِرُها السِّماكُ. والباقِي يَمانِيَةٌ تَطلُعُ مِن المَشْرِقِ مائِلَةً إلى التَّيامُنِ (٣)، أوَّلُها الغَفْرُ، وآخِرُها بَطْنُ الحُوتِ. ويَنْزِل القَمَرُ كلَّ لَيْلَةٍ بمَنْزِلٍ منه (٢) أو قَرِيبًا منه، ثم ينْتَقِلُ اللَّيْلَةَ الثَّانِيَةَ إلى

стр. 1204

كُلُّهَا تَطْلُعُ مِنَ الْمَشْرِقِ، وَتَغْرُبُ في الْمَغْرِبِ عَنْ يَمِينِ المُصَلَّى. ــ الَّذي يَلِيه. والشَّمْسِ تَنْزِلُ بكلِّ مَنْزِلٍ منها ثَلاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فيَكُونُ عَوْدُها إلى المَنْزِلِ الَّذي نَزلَتْ به عندَ تَمامِ سَنَةٍ شَمْسِيةٍ. وهذه المَنازِلُ يكون منها فيها بينَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها أرْبَعَةَ عَشَرَ مَنْزِلًا، ومِثْلُها مِن غُرُوبِها إلى طُلُوعِهِا (١)، وَقْتُ الفَجْرِ منها مَنْزِلان، ووقْتُ المَغْرِبِ مَنْزِلٌ، وهو نِصْفُ سُدْسِ سَوادِ اللَّيْلِ، و (كلُّها تَطْلُعُ مِنِ المَشْرِقِ) عن يُسْرَةِ المُصَلِّي (وتَغْرُبُ عن يَمِينِه في المَغْرِبِ) إلَّا أنَّ أوائِلَ الشَّامِيَّةِ وأواخِرَ اليَمانِيَّةِ، وأوَّلَ اليَمانِيَّةِ وآخِرَ الشَّامِيَّةِ، تَطْلُعُ مِن وَسَطِ المَشْرِقِ أو قَرِيبًا منه، بحيث إذا جَعَل الطَّالِعَ منها مجاذِيًا لكَتِفِه الأيْسَرِ كان مُسْتَقْبِلا للكَعْبَةِ. والمُتَوَسِّطُ مِن الشَّامِيَّةِ، وهو الذِّراعُ وما يَلِيه مِن الجانِبَيْن يَمِيلُ (٢) مَطْلَعُه إلى ناحِيَة الشَّمالِ، والمُتَوَسِّطُ مِن اليَمانِيَّةِ كالبَلْدَةِ وما هو مِن جانِبَيْها يَمِيلُ مَطْلَعُه إلى التَّيامُنِ، فاليَمانِيُّ منها يَجْعَلُه أمامَ كَتِفِه اليُسْرَى، والشَّامِيُّ يَجْعَلُه خَلْف كَتِفِه، وكذلك الغاربُ عندَ الكتِفِ الأيمَنِ. وإن عَرَف المُتَوَسِّطَ منها بأن يَرَى بينَه وبينَ أُفُقِ السماءِ سَبْعَةً مِن الجانِبَيْن اسْتَقْبَلَه (٢)، ولكلِّ نَجْمٍ مِن هذه المَنازِلِ نُجُومٌ تُقارِبُه وتُقارِنُه، حُكمُها حُكْمُه، ويُسْتَدَلُّ بها عليه، كالنَّسْرَيْن، والشَّعْرَيَيْن، والسِّماكِ الرَّامِحِ، وغيرِ ذلك. وسُهَيْلٌ نَجْمٌ كبيرٌ، [من نَحْوِ] (٣) مَهَبِّ الجَنُوبِ، ثم يَسِيرُ

стр. 1205

وَالرِّيَاحُ الْجَنُوبُ تَهُبُّ مُسْتَقْبِلَةً لِبَطنِ كَتِفِ الْمُصَلِّي الْيُسْرَى، مَارَّةً إِلَى يَمِينِهِ، ــ حتَّى يَصِيرَ في قِبْلَةِ المُصَلِّي، ويَتَجاوَزها، ثم يَغْرُبُ قَرِيبًا مِن مَهَبِّ الدَّبُورِ، والنَّاقَةُ تَطْلُعُ في المَجَرَّةِ (١) مِن مَهَبِّ الصَّبا، وتَغِيبُ في مَهَبِّ الشَّمَالِ. فصل: والشَّمْسُ تَخْتَلِفُ مَطالِعُها ومَغارِبُها، على حَسَبِ اخْتِلافِ مَنازِلها، تَطْلُعُ مِن المَشْرِقِ، وتَغْرُبُ في المَغْرِبِ. والقَمَرُ يَبْدَأ أوَّلَ لَيْلَةٍ في المَغْرِبِ، ثم يَتَأخَّرُ كل لَيْلَةٍ مَنْزِلًا، حتَّى يكُونَ في السَّابِعِ وَقْتَ المَغْرِبِ في قِبْلَةِ المُصَلِّي، مائِلًا عنها قَلِيلًا إلى الغَرْبِ، ثم يَطْلُعُ لَيْلَةَ الرَّابعَ عَشَرَ مِن المَشْرِقِ، وليلةَ إحْدَى وعِشرِين يكُونُ في قِبْلَةِ المُصَلَّى، أو قَرِيبًا مِنها، وَقْتَ الفَجْرِ، وتَخْتَلِفُ مَطالِعُه باخْتِلافِ مَنازِلِه. ٣٥٢ - مسألة: (والرِّياحُ الجَنُوبُ تَهُبُّ مُسْتَقبِلَةٌ لبَطْنِ كتِفِ المُصَلِّي اليُسْرَى، مارَّةٌ إلى يَمِينِه) مِن الزَّاوِيَةِ التي بينَ القِبْلَةِ والمَشْرِقِ

стр. 1206

والشَّمَالُ مُقَابِلَتُهَا تَهُبُّ إلَى مَهَبِّ الْجَنُوبِ، وَالدَّبُورُ تَهُبُّ مُسْتَقْبِلَةٌ شَطر وَجْهِ الْمُصَلِّي الْأَيْمَنَ، وَالصَّبَا مُقَابِلَتُهَا تَهُبُّ إلَى مَهَبِّهَا. ــ (والشَّمال مُقابِلَتُها، تَهُبُّ إلى مَهَبِّ الجَنُوبِ. والدَّبُورُ تَهُبُّ) مِن الزَّاوِيَةِ التي بينَ القِبْلَةِ والمَغْرِبِ، (مُسْتَقْبلَةً شَطْرَ وَجْهِ المُصَلِّي الأيمَن، والصَّبا مُقابِلَتُها تَهُبُّ إلى مَهَبِّها) فهذه الرِّياحُ التي يُسْتَدَلُّ بها، وتُعْرَف بصِفاتِها وخَصائِصِها، ورُبَّما هَبَّتْ هذه الرِّياحُ بينَ الحِيطانِ والجِبالِ فتَدُورُ، فلا اعْتِبار بها. وبينَ كلِّ رِيحَيْن منها رِيحٌ تُسَمَّى النَّكباءَ؛ لتَنَكُّبِها طَرِيقَ الرِّياحِ المَعْرُوفَةِ، فهذا أَصَحُّ ما يُسْتَدَلُّ به على القِبْلَةِ. وقد يَسْتَدِلُّ (١) أهل كلِّ بَلْدَةٍ على القِبْلَةِ بأدِلَّةٍ تَخْتَصُّ بها؛ مِن جِبالِها

стр. 1207

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأنْهارِها، وغيرِ ذلك. وذَكَر أصحابُنا الاسْتِدْلالَ بالأنْهارِ الكِبارِ، وقالوا: كلُّها تَجْرِى عن يَمْنَةِ المُصَلِّى إلى يَسْرَتِه، على انْحَرافٍ قَلِيلٍ، كَدِجْلةَ والفُراتِ والنَّهْروانِ، ولا اعْتِبار بالأنْهارِ الصِّغارِ ولا المُحْدَثَةِ؛ لأنَّها تَحْدُثُ (١) بحَسَبِ الحاجاتِ ما خلا نَهْرَيْن؛ أحَدُهما، العاصِى بالشّامِ. والآخَرُ، سَيْحُونُ بالمَشْرِقِ. قال شيخُنا (٢): وهذا لا يَنْضَبط؛ فإنَّ الأرْدُنَّ بالشَّامِ يجْرى (١) نَحْوَ القِبْلَةِ، وكَثِيرٌ ما يَجْرِى نَحْوَ البَحرِ، يَصُبُّ فيه. واللهُ أعلمُ. فصل: فإن خَفِيَتِ الأدِلَّةُ على المُجْتَهِدِ؛ لغَيْم أو ظُلْمَةٍ، تَحَرَّى وصَلَّى، وصَحَّتْ صَلاتُه، لأَنَّه بَذَل وُسْعَه في مَعْرِفَةِ الحَقِّ، مع عِلْمِه بأدلَّتِه، أشْبَهَ الحاكِمَ إذا خَفِيَتْ عليه عِلَّةُ (١) النُّصُوصِ. وقد روَى عبدُ أدلَّةِ بنُ عامِرِ بنِ رَبِيعَةَ، عن أبِيه، قال: كُنّا مع النبيِّ ﷺ في سَفَير في لَيْلَةٍ

стр. 1208

وَإِذَا اخْتَلَفَ اجْتِهَادُ رَجُلَيْنِ، لَمْ يَتْبَعْ أحَدُهُمَا صَاحِبَهُ. وَيَتْبَعُ الْجَاهِلُ وَالْأَعْمَى أوْثَقَهُمَا في نَفْسِهِ. ــ مُظْلِمَةٍ، فلم نَدْرِ أين القِبْلَة، فصَلَّى كلُّ (١) رجلٍ منَّا حِيالَه، فلَمَّا أصْبَحْنا ذَكَرْنا ذلك للنبيِّ ﷺ ، فنَزَلَ: ﴿فَأيْنَمَا تُولُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ (٢). رواه ابنُ ماجَه، والتِّرمِذِيُّ (٣)، وقال: حديثٌ حسنٌ، إلَّا أنَّه مِن حديثِ أشْعَثَ السَّمَّانِ (٤)، وفيه ضَعْفٌ. ٣٥٣ - مسألة: (وإذا اختَلَفَ اجْتِهادُ رَجُلَيْن، لم يتْبَعْ أحَدُهما صاحِبَه. ويَتْبَعُ الجاهِلُ والأَعْمَى أوْثَقَهما في نَفْسِه) متى اخْتَلَفَ

стр. 1209

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مُجْتهِدان، ففَرْضُ كلِّ واحِدٍ منهما الصلاةُ إلى الجِهَةِ التي يُؤدِّيه إليها اجْتِهادُه، فلا يَسَعُه تَرْكُها، ولا تَقْلِيدُ صاحِبه، وإن كان أعْلَمَ منه، كالعالِمَيْن يَخْتَلِفان في الحادِثَةِ. فإنِ اجْتَهَدَ أحَدُهما دُونَ الآخَرِ، لم يَجُزْ له تَقْلِيدُ مَن اجْتَهَدَ، حتَّى يَجْتَهِدَ بنَفْسِه وإن ضاقْ الوَقْتُ، كالحاكِم لا يَسَعُه تَقْلِيدُ غيرِه. وقال القاضي: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ في المُجْتَهِدِ، أنَّه يَسَعُه تَقْلِيدُ غيرِه إذا ضاق الوَقْتُ عن اجْتِهادِه. قال: لأنَّ أحمدَ قال، في مَن هو في مَدِينَةٍ، فتَحَرَّى، فصَلَّى لغيرِ القِبْلَةِ في بَيْتٍ: يُعِيدُ؛ لأنَّ عليه أن يَسْألَ. قال شيْخُنا (١): وما اسْتَدَلَّ به لا دَلِيلَ فيه، وكَلامُ أحمدَ إنَّما دَلَّ على أنَّه ليس لمَن في المِصْيرِ الاجْتِهادُ، لأنِّه يُمْكِنُه التَّوَصُّلُ إلى مَعْرِفَةِ القِبْلَةِ بالخَبرِ، وكذلك (٢) لم يُفرِّقْ بينَ ضِيق الوَقْتُ وسَعَتِه، مع الاتِّفاقِ على أنَّه لا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ مع سَعَة الوَقْتِ.

стр. 1210

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ومتى اخْتَلَفَ اجْتِهادُهما، لم يَجُزْ لأحَدِهما أن يَؤْمَّ صاحِبَه؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يَعْتَقِدُ خَطَأ الآخرِ، فلم يَجُزْ له الائْتِمامُ به؛ لو خَرَجَتْ مِن أحَدِهما رِيحٌ، واعْتَقَدَ كلُّ واحِدٍ منهما أنَّها مِن الآخَرِ. قال شَيْخُنا (١): وقِياسُ المَذْهَبِ جَوازُ ذلك. وهو مَذْهَبُ أبي ثَوْرٍ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يَعْتَقِدُ صِحَّةَ صلاةِ الآخَرِ، وأنَّ فَرْضَه التَّوَجُّهُ إلى ما تَوَجَّهَ إليه، فلم يَمْنَعْ الاقْتِداءَ به اخْتِلافُ الجِهَةِ، كالمُصَلِّين حَوْلَ الكَعْبَةِ. وقد نَصَّ أحمدُ على صِحَّةِ الصلاةِ خلفَ المُصَلِّي في جُلُودِ الثَّعالِبِ، إذا كان يَعْتَقِدُ صِحَّةَ الصلاةِ فيها، وفارَق ما إذا اعْتَقَدَ كلُّ واحِدٍ منهما حَدَثَ صاحِبِه، لأنَّه يَعْتَقِدُ بُطْلانَ صَلاِته، بحيث لو بأن له يَقِينًا حَدَثُ نَفْسِه، أعاد الصلاةَ، بخِلافِ هذا. وهذا هو الصَّحِيحُ، إن شاء اللهُ تعالى. فأمّا إن مال أحَدُهما يَمِينًا، والآخَرُ شِمالًا، مع اتِّفاقِهما في الجِهَةِ، فلا يَخلِفُ المَذْهَبُ في صِحَّةِ ائْتِمامِ أحَدِهما بالآخَرِ، لاتِّفاقِهما في الجهَةِ الواجِبِ اسْتِقْبالُها.

стр. 1211

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٣٥٤ - مسألة: (ويَتْبَعُ الجاهِلُ والأعْمَى أوْثَقَهما في نَفْسِه) (١) متى اخْتَلَفَ مُجْتَهِدان، وكان معهما أعْمى، أو جاهِلٌ لا يَقْدِرُ على تَعَلُّمِ الأدِلَّةِ قَبلَ خُروجِ الوَقْتِ، ففَرْضُه تَقْلِيدُ أوْثَقِهما في نَفْسِه، وأعْلَمِهما، وأكْثَرِهُما تَحَرِّيًا؛ لأنَّ الصَّوابَ إليه أقْرَبُ. فإن قَلَّدَ المَفْضُولَ، فظاهِرُ كلامِه هاهنا، أنَّه لا تَصِحُّ صَلاتُه؛ لأنَّه ترَك ما يَغْلِبُ على ظَنِّه أنَّه الصَّوابُ، فلم يَجُزْ له ذلك، كالمُجْتَهِدِ يَتْرُكُ اجْتِهادَه. والأوْلَى صِحَّتُها، وهو مَذْهَب الشافعيِّ؛ لأنَّه أَخَذَ بدَلِيلٍ له الأخْذُ به لو انْفرَدَ، فكذلك إذا كان معه غيرُه، كما لو اسْتوَيا، ولا عِبْرَة بِظَنِّه، فإنَّه لو غَلَب على ظَنِّه إصابَة المَفْضُولِ، لم يَمْنعْ ذلك تقليدَ الأفْضَل. فإنِ اسْتَوَيا قَلَّدَ مَن شاء منهما، كالعامِّيِّ مع العُلمَاءِ في بَقِيَّةِ الأحْكامِ.

стр. 1212

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: والمُقَلدُ مَن لا يُمْكِنه الصلاةُ باجْتِهادِ نَفْسِه؛ إمّا لعَدَمِ بَصَره أو بَصِيرَتِه، بحيث لا يُمْكِنُه التَّعَلُّمُ قبلَ خُرُوجِ وَقْتِ الصلاةِ، فإن أمْكنَه التَّعلُّمُ قبل خروجِ الوَقْتِ لَزِمَه، فإن صَلَّى قبلَ ذلك لم يَصِحَّ؛ لأنَّه قَدَر على الصلاةِ باجْتِهادِه، فلم يَجُزْ له التَّقْلِيد، كالمُجْتَهِدِ. ولا يلْزَمُ [هذا على] (١) العامِّيِّ؛ حيث لم يَلْزَمْه تَعَلُّمُ الفِقْهِ لوَجْهَيْن؛ أحَدُهما، أنَّ الفِقْهَ ليس بشَرْطٍ في صحةِ الصلاةِ. الثاني، أنَّه يَشُقُّ، ومُدِّتُه تَطولُ. فإن أخَّرَ هذا التَّعَلُّمَ والصلاةَ حتَّى، ضاق الوَقْتُ عن التَّعَلُّمِ والاجْتِهادِ، أو عن أحدُهما، صَحَّتْ صَلاتُه بالتَّقْلِيدِ، كالذى يَقْدِرُ على تَعَلُّمِ الفاتِحَةِ، فيَضِيقُ الوَقْتُ عن تَعَلُّمِها. وإن كان بالمُجْتَهِدِ ما يَمْنَعُه رُويَةَ الأدِلَّةَ؛ كالرَّمَدِ، والمَحْبُوسِ في مكانٍ لا يَرَى فيه الأدِلَّةَ، ولا يَجِدُ مُخْبِرًا إلَّا مُجْتهِدًا، فهو كالأعْمَى في جَوازِ تَقْلِيدِه. فصل: فإذا شَرَع في الصلاةِ بتَقْييدِ مُجْتَهِدٍ، فقال له قائِلٌ: قد أخْطَأْتَ القِبْلَةَ. وكان يُخْبِرُ عن يَقِينٍ، كمَن يقُول: قد رَأَيتُ الشَّمْسَ، ونَحْوَها، وتَيَقَنْتُ خَطَأك. لَزِمَه الرُّجُوعُ إلى قَوْلِه، لأنَّه لو أخْبَرَ بذلك المُجْتَهِدَ الَّذي قَلَّدَه الأعْمى، لَزِمَهُ قَبُولُ خَبَرِه، فالأعْمَى أوْلَى، وإن أخْبَرَه عن

стр. 1213

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اجْتِهادِه، [أو لم يُبَيِّنْ له، ولم] (١) يَكُنْ في نَفْسِه أوْثَقَ مِن الأوَّلِ، مَضَى على ما هو عليه؛ لأنَّه شَرَع في الصلاةِ بدَلِيل يَقِينًا، فلا يَزُول عنه بالشَّكِّ. وإن كان أوْثَقَ مِن الأوَّلِ في نَفْسِه، وقلْنا: لا يَلْزَمُه تَقْلِيدُ الأفْضَلِ. فكذلك، وإلَّا رجَع إلى قَوْلِه، كالمُجْتَهِدِ إذا تَغَيَّرَ اجْتِهادُه في أثْناءِ صَلاتِه. فصل: ولو شَرَع مُجتَهِدٌ في الصلاةِ باجْتِهادِه، فعَمِيَ فيها، بَنَى على ما مَضَى مِن صَلاتِه، لأنَّه إنَّما (٢) يُمْكنُه البِناءُ على اجْتِهادِ غيرِه، فاجْتِهادُ نَفْسِه أوْلَى، فإنِ اسْتَدارَ عن تلك الجِهَةِ، بَطَلَتْ صَلاتُه. وإن أخْبَرَه مُخْبِرٌ بخَطَئِه عن يَقين، رَجَع إليه. وإن كان عن اجْتِهادِه (٣) لم يَرْجِعْ إليه؛ لِما ذكَرْنا. وإن شَرَع فيها وهو أعْمَى، فأبصَرَ في أثْنائِها، فشاهَدَ ما يَسْتَدِلُّ به على صَوابِ نفْسِه مِن العَلاماتِ، مَضَى عليه، لأنَّ الاجْتِهادَيْن قد اتِّفقَا. وإن بان له خَطَؤُه، اسْتَدارَ إلى الجِهَةِ التي أدَّاه اجْتِهادُه إليها، وبَنَى كالمُجْتَهِدِ إذا تَغيَّر اجْتِهادُه في أثْناءِ الصلاةِ. وإن لم يَتَبَيَّنْ له صَوابٌ ولا خطَأٌ، بَطَلَتْ صَلاتُه، واجْتهَدَ؛ لأنَّ فَرْضَه الاجْتِهادُ، فلم يَجُزْ له أداءُ فَرْضِه بالتَّقْلِيدِ؛ كما لو كان بَصِيرًا في ابْتِدائِها. وإن كان مُقَلِّدًا، مَضَى في صَلاتِه؛ لأنَّه ليس في وَسْعِه إلَّا الدَّلِيلُ الَّذي بَدَأ به فيها (٤).

стр. 1214

وَإذَا صَلَّى الْبَصِيرُ في حَضَرٍ فَأخْطَأ، أوْ صلَّى الْأَعْمَى بِلَا دَلِيل، أَعادَا. ــ ٣٥٥ - مسألة: (وإذا صَلَّى البَصِيرُ في حَضَير، فأخْطَأ، أو صَلَّى الأعْمَى بلا دَلِيلٍ، أعادا (١) متى صَلَّى البَصِيرُ في الحَضَرِ، ثم بان له الخَطَأُ، أعاد، سَواءٌ صَلَّى باجْتِهادِه أو غيرِه؛ لأنَّ الخضَرَ ليس بمَحَلٍّ للاجْتِهادِ، لقُدْرَةِ مَن فيه على الاسْتِدْلالِ بالمَحارِيبِ ونَحْوِها، ولأنَّه يَجِدُ مَن يُخْبِرُه في يَقِين غالِبًا، فلم يَكُنْ له الاجْتِهادُ، كواجِدِ النَّصِّ في سائِرِ الأحْكامِ. وإنْ صَلَّى مِن غيرِ دَلِيلٍ أخْطَأ؛ لتَفْرِيطه، وإن أخْبَرَه مُخْبِر، فأخْطَأ، فقد تَبَيَّنَ أنَّ خَبَرَه ليس بدَلِيلٍ. فإن كان مَحْبُوسًا، لا يَجدُ مَن يُخْبِرُه، فقال أبو الحسنِ التَّمِيمِيُّ: يُصَلِّي بالتَّحَرِّي ولا يُعِيدُ؛ لأَنَّه عاجِزٌ عن الاسْتِدْلالِ بالخَبرِ والمَحارِيبِ، [أشْبَهَ المُسافِرَ. وأمّا الأعْمَى، فهو في الحَضَرِ كالبَصِيرِ بقُدْرَته على الاسْتِدْلالِ بالخَبَرِ والمَحارِيبِ] (٢) فإنَّه يَعْرِفُ المِحْرابَ باللَّمْسِ، وذلك يَعْلَمُ أنَّ بابَ المَسْجِدِ إلى الشَّمالِ أو غيرِها، فيُمْكِنُه الاستدْلالُ به، فمتى أخْطَأ أعاد، وكذلك حُكْمُ المُقَلِّدِ في هذا.

стр. 1215

فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْأَعْمَى مَنْ يُقَلِّدُهُ، صَلَّى، وَفِي الْإعَادَةِ وَجْهَانِ. ــ ٣٥٦ - مسألة: (فإن لم يَجدِ الأعْمَى مَن يُقَلِّدُه، صَلَّى، وفي الإِعادَةِ رِوايَتان. وقال ابنُ حامِدٍ: إن أَخْطَأ، أعاد، وإن أصاب، فعلى وَجْهَيْن) وإذا كان الأعْمَى أو المُقَلِّدُ في السَّفَرِ، ولم يجِدْ مُخْبِرًا ولا مُجْتَهِدًا يُقَلِّدُه، فقال أبو بكرٍ: يُصَلِّي على حَسَبِ حالِه. وفي الإعادَةِ رِوايَتان؛ إحْداهما، يُعِيدُ بكلِّ حالٍ. وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه صَلَّى مِن غيرِ دَلِيلٍ،

стр. 1216

وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ أخْطَأ أعَادَ، وَإِنْ أصَابَ فَعَلَى وَجْهَيْنِ. ــ فلَزِمَته الإِعادَةُ وإن أصاب، كالمُجْتَهِدِ إذا صَلَّى بغيرِ اجْتِهادٍ. والثانيةُ، [لا إعادَةَ] (١) عليه؛ لأنَّه أتَى بما أُمِرَ به، أشْبَهَ المُجْتَهِدَ، ولأنَّه عاجِزٌ عن غيرِ ما أتَى به، فَسَقَطَ عنه، كسائِرِ العاجِزِين عن الاسْتِقْبالِ، ولأنَّه عادِمٌ للدَّلِيلِ، أشْبَهَ المُجْتَهِدَ في الغَيْمِ. وقال ابنُ حامِدٍ: (إن أخْطَأ أعاد)؛ لفَواتِ. الشَّرْطِ، (وإن أصاب فعلى وَجْهَيْن) وَجْهُهما مَا (٢) ذَكَرْنا. [وقد ذَكَرْنا] (٣) أنَّ هذا حُكْمُ المُقَلِّدِ، فأمّا إن وَجَد مَن يُخْبِرُه أو يُقلِّدُه فلم يَفْعَلْ، أو خالَفَ المُخْبرَ أو المجْتَهِدَ وصَلَّى، بَطَلَتْ صَلاتُه بكلِّ حالٍ. وكذلك المجْتَهِدُ إذا صَلِّى بن غيرِ اجْتِهادٍ، أو أدّاه (٤) اجْتِهادُه إلى جِهَةٍ فخالَفَها؛ لأنَّه تَرَك ما أُمِرَ به، أشْبَهَ تارِك التَّوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ مع عِلْمِه بها.

стр. 1217

وَمَنْ صَلَّى بالِاجْتِهَادِ، ثُمَّ عَلِمَ أنَّهُ أخْطَأَ الْقِبْلَةَ، فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ. ــ ٣٥٧ - مسألة: (ومَن صَلَّى بالاجْتِهادِ [إلى جِهَةٍ] (١)، ثم عَلِم أنَّه أخْطَأ القِبْلَةَ، فلا إعادَةَ عليه) وكذلك حُكمُ المُقَلِّدِ الَّذي صَلَّى بتقْلِيدِه. وبه قال مالكٌ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ في أحَدِ قَوْلَيْه، وقال في الآخَرِ: تَلْزَمُه الإعادَةُ، لأنَّه أخْطَأ في شَرْطٍ مِن شُرُوطِ الصلاةِ، فلَزِمَتْه الإِعادَةُ، كما لو صَلَّى ثم بان أنَّه أخْطأ في الوَقْتِ، أو بغيرِ طهارةٍ. ولَنَا، حديثُ عامِرِ بنِ رَبِيعةَ (٢) الَّذي ذَكَرْناه، [ولأنَّه أتَى بما أُمِرَ، فخَرَجَ عن العُهْدَةِ، كالمُصِيبِ، ولأنَّه صَلَّى إلى غيرِ الكَعْبَةِ للعُذْرِ، أشْبَهَ الخائِفَ] (١)، ولأَنَّه شَرْطٌ عَجَز عنه، أشْبهَ سائِرَ الشُّرُوطِ. وأمَّا المُصَلِّي

стр. 1218

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قبلَ الوَقْتِ. فإنَّه لم يَأتِ بما أُمِرَ به، إنما أُمِرَ بالصلاةِ في الوقتِ، بخِلافِ مَسْألَتِنا، فإنَّه مَأمُورٌ بالصلاةِ بغيرِ شَكٍّ، ولم يُؤْمَرْ إلَّا بهذه الصلاةِ، لأنَّ غيرَها مُحَرَّمَة عليه إجْماعًا، وسائِرُ الشُّروطِ إذا عَجَز عنها سَقَطتْ، كذا هاهنا. ولا فَرْقَ بينَ كوْنِ الأدِلَّةِ. ظاهِرَةً فاشْتَبهتْ عليه، أو مَسْتُورَةً بِغَيْمٍ أو ما يَسْتُرُها عنه؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحديثِ، فإنَّ الأدِلَّةَ اسْتَتَرَتْ عنهم بالغَيْمِ، ولأنَّه أتَى بما أُمِرَ به (١) في الحالَيْن، وعَجَز عن اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ في المَوْضِعَيْن، فاسْتَوَيا في عَدَمِ الإعادَةِ. فصل: وإن بان له يَقِينُ الخَطَأِ وهو في الصلاةِ، اسْتَدارَ إلى جِهَةِ الكَعْبَةِ، وبَنَى على ما مَضَى مِن صَلاتِه؛ لأنَّ ما مَضَى منها (٢) كان صَحِيحًا، فجازَ البِناءُ عليه؛ لو لم يَبِنْ له الخَطَأ. وإن كانوا جَماعَةٌ، قد قَدَّمُوا أحَدَهم، ثم بان لهم الخَطَأ في حالٍ واحِدَةٍ، اسْتَدارُوا إلى الجِهَةِ التي بان لهم فيها الصَّوابُ، لأنَّ أهْلَ قُبَاءَ بلَغهم (٣) تَحْوِيلُ القِبْلَةِ وهم في الصلاةِ، فاسْتَدارُوا إلى جهَةِ الكَعْبَةِ، وأتَمُّوا صَلَاتَهم. وإن بان للإِمامِ وَحْدَه، أو للمَأمُومِين، أَو لبَعْضِهم، اسْتَدارَ مَن بان له الصَّوابُ، ونَوَى بَعْضُهم مُفارَقَةَ بعضٍ، إلَّا على الوَجْهِ الَّذي قُلْنا، إنَّ لبَعْضِهم الائْتِمامَ

стр. 1219

وَإنْ أرَادَ صَلَاةً أُخْرَى اجْتَهَدَ لَهَا، فَإنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ عَمِلَ بِالثَّانِي، وَلَمْ يُعِدْ مَا صَلَّى بِالْأَوَّلِ. ــ ببَعْضٍ، مع اخْتِلافِ الجِهَةِ. وإن كان فيهم مُقلِّدٌ، تَبع مَن قَلَّدَه، وانْحَرَفَ بانْحِرافِه. وإن قَلَّدَ الجَمِيعَ، لم يَنْحَرِفْ إلَّا بانْحِرافِ الجميعِ؛ لأنَّه شَرَع بدَلِيلٍ يَقِينِيٍّ، فلا يَنْحَرِفُ بالشَّكِّ إلَّا مَن يَلْزَمُه تَقْلِيدُ الأوْثَقِ، فإنَّه يَنْحَرِفُ بانْحِرافِه. ٣٥٨ - مسألة: (فإن أراد صلاةً أُخْرَى، اجْتَهَدَ لها، فإن تَغَيَّرَ اجْتِهادُه عَمِل بالثاني، ولم يُعِدْ ما صَلَّى بالأَوَّلِ) وجُمْلَتُه أنَّ المُجْتَهِدَ متى صَلَّى بالاجْتهادِ التي جِهَةٍ صلاةً، ثم أراد صلاةً أُخْرَى، اجْتَهَدَ لها، كالحاكِمِ إذا اجْتَهَدَ في حادِثَه، ثم حَدَث مِثْلُها. وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.

стр. 1220

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فإن تَغَيَّرَ اجْتِهادُه، عَمِلَ بالثاني، ولم يُعِدْ ما صَلَّى بالأوَّلِ، كالحاكِمِ، لو تَغَيَّرَ اجْتهادُه في الحادِثَةِ الثانِيةِ عَمِل به، ولم يَنْقُضْ حُكْمَه الأوَّلَ. وهذا لا نَعْلَمُ فيه خلافًا. فإن تَغَيَّرَ اجْتِهادُه في الصلاةِ، اسْتَدارَ، وبَنَى على ما مَضَى. نَصَّ عليه أحمدُ. وقال ابنُ أبي موسى والآمِدِيُّ: لا يَنْتَقِل؛ لِئَلَّا يَنْقضَ الاجْتِهادُ بالاجْتِهادِ. ولَنا، أنَّه مُجْتَهِدٌ أدَّاهُ اجْتِهادُه إلى جِهَةٍ، فلم تَجُزْ له الصلاة إلى غيرِها، كما لو أراد صلاةً أُخْرَى، وليس هذا نَقْضًا للاجْتِهادِ، إنَّما عَمِل به في المُسْتَقْبَلِ كما في الصلاةِ الأُخْرَى، وإنَّما يكونُ نَقْضًا للاجْتِهادِ إذا ألْزَمْناه إعادَةَ ما مَضَى مِن صلاتِه، فإن لم يَبْقَ اجْتِهادُه وظَنُّه إلى الجهَةِ الأُولَى، ولم يُؤْدِّه اجْتِهادُه إلى جِهَةٍ أُخْرَى، بَنَى على ما مَضَى؛ لأنَّه لم يَظهَرْ له جِهَةً أُخْرَى يتَوَجهُ إليها. وإن شَكَّ

стр. 1221

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في اجْتِهادِه، لم يَزُلْ عن (١) جِهَتِه؛ لأنَّ الاجْتِهادَ ظاهِرٌ، فلا يَزُولُ عنه بالشَّكِّ. وإن بان له الخَطَأُ، ولم يَعْرِفْ جِهَة القِبْلَةِ، كمَن كان يُصَلِّي إلى جِهَةٍ، فرَأى بعضَ مَنازِلِ القَمَرِ في قِبْلَتِه، ولم يَدْرِ أهو الشَّرْقِ أم في الغَرْبِ، واحْتاجَ إلى الاجْتِهاد، بَطَلَتْ صَلاتُه؛ لأنَّه لا يُمْكنُه اسْتِدامَتُها إلى غيرِ القِبْلَةِ، وليست له جِهَةٌ يَتَوَجَّهُ إليها، فبَطَلَتْ؛ لتَعَذُّرِ إتْمامِها. والله أعلمُ.

стр. 1222

بَابُ النِّيَّةِ وَهِيَ الشَّرْطُ السَّادِسُ لِلصَّلَاةِ، عَلَى كُلِّ حَالٍ. ــ بابُ النِّيَّةِ (وهي الشَّرْطُ السَّادِسُ للصلاةِ، على كلِّ حالٍ) النِّيَّةُ هي القَصْدُ. يُقال: نَواكَ (١) اللهُ بَخَيْرِ. أي: قَصَدَك. ومَحَلُّها القَلْبُ، فإن لَفَظ بما نَواه كان تَأَكِيدًا، وإن سَبَقَ لِسانُه إلى غيرِ ما نَواه، لم تَفْسُدْ صلاتُه، وإن لم يَنْطِقْ بلِسانِه أجْزأ. وهي واجبَةٌ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، ولا تَنْعَقِدُ الصلاةُ إلَّا بها، ولا تسْقطُ بحالٍ، لقوْلِ الله تَعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٢). والإخْلاصُ عَملُ القَلْب، وهو أن يَقْصِدَ بعَمَلِه اللهَ تعالى وَحْدَه دُون غيرِه؛ ولقولِ النبيِّ ﷺ «إنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نوَى». مُتَّفَقٌ عليه (٣).

стр. 1223

وَيَجِبُ أنْ يَنْوِيَ الصَّلَاةَ بعَيْنِهَا إِنْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً، وَإِلَّا أجْزَأتْهُ نِيَّةُ الصَّلَاةِ. ــ ٣٥٩ - مسألة: (وَيَجِبُ أنْ يَنْوِيَ الصَّلَاةَ بعَيْنِهَا إِنْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً، وَإِلَّا أجْزَأتْهُ نِيَّةُ الصَّلَاةِ .) متى كانتِ الصلاةُ مُعَيَّنَةَ، لَزِمَه شَيْئانِ؛ نِيَّةُ الفِعلِ، والتَّعْيِينُ، فإن كانت فَرْضًا؛ ظُهْرًا أو عَصْرًا أو غيرَهما، لَزِمَه تَعْيِينُها. وكذلك إن كانت نَفْلًا مُعَيَّنةَ؛ كالوَتْرِ وصلاةِ الكُسُوفِ والاسْتِسْقاءِ والسُّنَنِ الرَّواتِب، لَزِمَه التَّعْيينُ أَيضًا؛ لعُمُومِ الحديثِ، وإن كانت نافِلةً مُطْلَقةً، كصلاةِ اللَّيْلِ أجْزَأتْه نِيَّةُ مُطْلَقِ الصلاةِ لا غيرُ، لعَدَمِ التَّعيِينِ فيها.

стр. 1224

وَهَلْ تُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْقَضَاءِ في الْفَائِتَةِ، وَنِيِّةُ الْفَرْضِيَّةِ في الْفَرْضِ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ. ــ ٣٦٠ - مسألة: (وهل تُشْتَرَط نِيَّةُ القَضاءِ في الفائِتَةِ، ونِيَّةُ الفرْضِيَّةِ في الفَرْضِ؟ على وَجْهَيْن) اخْتَلَف أصحابُنا في نِيَّةِ الفَرْضِيَّة في الفرْضِ؛ فقال بعضُهم: لا تجِبُ؛ لأنَّ التَّعْيِينَ يُغْنِي عنها؛ لكَوْنِ الظُّهْرِ لا تكُونُ مِن المُكَلَّفِ إلَّا فَرْضًا. وقال ابنُ حامِدٍ: لابُدَّ منها؛ لأنَّ المُعَيَّنَةَ قد تكُونُ نَفْلًا، كظُهْرِ الصَّبِيِّ والمُعادَةِ، فعلى هذا يحْتاجُ إلى نِيَّةِ الفِعْلِ والتَّعْيِينِ والفَرْضِيَّةِ.

стр. 1225

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ويَنْوِي الأداءَ في الحاضِرَة والقضاءَ في الفائِتَةِ، وهل يجِبُ ذلك؟ على وَجْهَيْن، أحَدُهما، يَجِبُ؛ لقولِه: «وَإنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى». والثاني، لا يَجِبُ. وهو أوْلَى؛ لأنَّه لا يَخْتَلِفُ المَذْهَبُ أنَّه لو صَلَّى يَنْوِيها أداءً، فبان أنَّ وَقْتَها قد خَرَج، أنَّ صَلَاتَهُ صَحِيحَةٌ، وتَقَعُ قَضاءً. وكذلك لو نَواها قَضاءٌ ظَنًّا أن الوَقْت قد خَرَج، فبانَ فِعْلُها في وَقْتِهَا، وقَعَتْ أداءً مِن غيرِ نِيَّتِه، كالأسِيرِ إذا تَحَرَّى وصام، فبان أنَّه وافَقَ الشَّهْرَ، أو ما بعدَه، أجْزأه. فأمّا إن ظَنَّ أنَّ عليه ظُهْرًا فائِتَة، فقَضاها في وَقتِ

стр. 1226

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ظُهْر اليَوْم، ثم بان أنَّه لا قَضاءَ عليه، أجْزأتْه في أحَدِ الوَجْهَيْن؛ لأنِّ الصلاةَ مُعَيَّنَةٌ، وإنما أخْطَأُ في نِيَّةِ الوَقْتِ، فلم يُوثِّرْ كما إذا اعْتَقَدَ أنَّ الوَقْتَ قد خَرَج، فبان أنَّه لم يَخْرُجْ، أو كما لو نَوَى ظُهْرَ أمس، وعليه ظُهرُ يَوْمٍ قبلَه. والثاني، لا يُجْزِئُه، لأنَّه لم يَنْوِ عَيْنَ الصلاةِ، أشْبَهَ ما لو نَوَى قَضاءَ

стр. 1227

وَيَأتِي بِالنِّيَّةِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإحْرَامِ، ــ عَصْرٍ، فإنَّها لا تُجْزِئُه عن الظُّهْرِ. ولو نَوَى ظُهْرَ اليَوْم في وَقتِها، وعليه فائِتَةٌ، لم تُجْزِئْه عنها، ويَتَخَرَّجُ فيها كالتى قبلَها. فأَمَّا إن كانت عليه فَوائِتُ، فنَوَى صلاةً غيرَ مُعَيَّنَةٍ، لم تجْزِئْه عن واحِدَةٍ منها؛ لعَدَمِ التَّعْيِينِ. ٣٦١ - مسألة: (وَيَأتِي بِالنِّيَّةِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإحْرَامِ) لأَنَّه أوَّلُ الصلاةِ، لتكونَ النِّيَّةُ مُقارِنَةً (١) للعِبادَةِ.

стр. 1228

فَإن تَقَدَّمَتْ قَبْلَ ذَلِكَ بِالزَّمَنِ الْيَسِيرِ جَازَ. ــ ٣٦٢ - مسألة: (فَإن تَقَدَّمَتْ قَبْلَ ذَلِكَ بِالزَّمَنِ الْيَسِيرِ جَازَ) ذَكَرَه أصحابُنا، ما لم يَفْسَخْها. واشْترَطَ الخَرقِيُّ أن يكونَ بعدَ دُخُولِ الوَقْتُ، فإن قَطَع النِّيَّةَ، أو طال الفَصْلُ، لم يُجْزِئْه. وهذا مَذْهبُ أبي حنيفةَ. وقال الشَّافعيُّ، وابنُ المُنْذِر: تُشْتَرَط مُقارَنَةُ النِّيَّةِ للتَّكبِيرِ، لقَوْلِه تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. فقَوْلُه:

стр. 1229

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﴿مُخْلِصِينَ﴾. حالٌ لهم في وَقْتِ العِبادَةِ، أي: مُخْلِصِين حالَ العِبادَةِ. والإخْلاصُ هو النِّيَّةُ، ولأنَّ النِّيَّةَ شرْطٌ، فلم يَجُزْ أن تَخْلُوَ العِبادَةُ عنها، كسائِرِ شُرُوطِها. ولَنا، أَنَّها عِبادَةٌ، فجار تَقْدِيمُ نِيَّتِها عليها، كالصومِ، وتَقْدِيمُ (١) النِّيَّةِ على الفِعْلِ لا يُخْرِجُه عن كَوْنِه مَنْوِيًّا، ولا يُخْرجُ الفاعِلَ عن كَوْنِه مُخْلِصًا، كالصومِ، ولأنَّه جُزْءٌ مِن الصلاةِ، أشْبَهَ سائِر أجْزائِها.

стр. 1230

وَيَجِبُ أنْ يَسْتَصْحِبَ حُكْمَهَا إلَى آخِرِ الصَّلَاةِ، ــ ٣٦٣ - مسألة: (وَيَجِبُ أنْ يَسْتَصْحِبَ حُكْمَهَا إلَى آخِرِ الصَّلَاةِ) مَعْنَى اسْتِصْحابِ حُكمِها، أن لا يَقْطَعَها، فلو ذَهَل عنها أو عَزَبَتْ عنه في أثْناءِ الصلاةِ، لم يُبْطِلْها؛ لأنَّ التَّحَرُّزَ مِن هذا غيرُ مُمْكِن، وقِياسًا على الصومِ وغيرِه، وقد روَى مالكٌ في «المُوَطَّإِ» (١)، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، أدْبَرَ الشَّيْطانُ وله حُصَاصٌ (٢)، فإذَا قُضِيَ التَّثوِيبُ أقْبَلَ حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ المَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقولُ: اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كذا. حَتَّى يَظلَّ أحَدُكُمْ أنّ يَدْرِي كَمْ صَلَّى». ورُوِي أنَّ عُمَرَ صَلَّى صلاةً لم يَقْرَأْ فيها، فقِيلَ له: إنَّك لم تَقْرَأ. فقال: إنِّي جَهَّزْتُ جَيْشًا للمُسْلِمِين، حتَّى بَلَغْت بهم وادِي القُرَى (٣). وإن أمْكَنَه اسْتِصْحابُ ذِكْرِها، فهو أفْضَلُ، لأنَّه أبْلغُ في الإخْلاصِ.
следующие страницы →