. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فقال: «وَكَيفَ، وقَدْ زَعَمَتْ ذَلِكَ!». مُتَّفَقٌ عليه (١). وفي لَفْظٍ رواه النَّسَائِيُّ، قال: فأتَيتُه مِن قِبَلِ وَجْهِه، فقلتُ: إنَّها كاذِبةٌ. فقال: «وَكَيفَ، وَقَدْ زعَمَتْ أَنَّهَا قَدْ أَرْضَعَتْكُما؟ خَلِّ سَبِيلَهَا». وهذا يَدُلُّ على الاكْتِفاءٍ بالمَرْأةِ الواحدةِ. وقال الزُّهْرِيُّ: فُرِّقَ بينَ أهْلِ أبياتٍ في زَمَنِ عُثْمان بشَهادةِ امْرَأةٍ في الرَّضاعِ (٢). وقال الشَّعْبِيُّ: كانتِ القُضاةُ يُفَرِّقُونَ بينَ الرَّجُلِ والمرأةِ بشَهادَةِ امْرأَةٍ واحدةٍ في الرَّضاعِ (٣). ولأنَّ هذه شَهادَة على عَوْرَةٍ، فتُقْبَلُ فيه شَهادَةُ [المُنْفَرِداتِ، كالولادَةِ. وعلى الشافعيِّ، أنَّه مَعْنًى يُقْبَلُ فيه قولُ النِّساءِ المُنْفَرداتِ، فيُقْبَلُ فيه] (٤) شهادةُ (٥) امْرأَةٍ مُنْفَرِدَةٍ، كالخَبَرِ.
فصل: وتُقْبَلُ فيه شَهادةُ المرْضِعَةِ على فِعْلِ نَفْسِها؛ لِما ذكَرْنا مِن حَدِيثِ عُقْبَةَ، مِن أنَّ الأمَةَ السَّوْداءَ قالت: قد أرْضَعْتُكُما. فقَبِلِ النبيُّ ﷺ شَهادَتَها. ولأنَّه فِعْلٌ لا يَحْصُلُ لها به نَفْعٌ مَقْصُودٌ، ولا تَدْفعُ عنها به ضَرَرًا، فقُبِلَتْ شَهادَتُها به (٦)، كفِعْلِ غيرِها. فإن قِيلَ: فإنَّها تَسْتَبِيحُ الخَلْوَةَ به، والسَّفَرَ معه، وتَصِيرُ مَحْرَمًا له. قُلْنا: ليس هذا مِن
стр. 11832
وَإِذَا تَزَوَّجَ امْرأةً، ثُمَّ قَال قَبْلَ الدُّخُولِ: هِيَ أُخْتِي مِنَ الرَّضَاعِ. انْفَسَخَ النِّكَاحُ، فَإِنْ صَدَّقَتْهُ، فَلَا مَهْرَ، وَإنْ أَكْذَبَتْهُ، فَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ.
ــ
الأُمُورِ المَقْصُوَدَةِ التي تُرَدُّ بها الشَّهادَةُ، ألَا تَرَى أنَّ رَجُلَين لو شَهِدا أنَّ فُلَانًا طَلَّقَ زَوْجَتَه، أو أعْتَقَ أمَتَه، قُبِلَتْ شَهادَتُهما، وإن حَلَّ لهما نِكاحُها بذلك.
٣٩٤٠ - مسألة: (وإن تَزَوَّجَ امْرَأةً، ثم قال قبلَ الدُّخُولِ: هي أُخْتِي مِن الرَّضاعِ. انْفَسَخَ النِّكَاحُ، فإن صَدَّقَتْه، فلا مَهْرَ) لها (وإن كَذَّبَتْه، فلها نِصْفُ المَهْرِ) وجملتُه، أنَّ الزَّوْجَ إذا أقَرَّ أنَّ زَوْجَتَه أُخْتُه مِن الرَّضاعَةِ (١)، انْفَسَخَ نِكاحُهْ، ويُفَرِّقُ بينَهما. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفةَ: إذا قال: وَهِمْتُ. أو أخْطَأتُ. قُبِلَ قَوْلُه؛ لأنَّ قَوْلَه ذلك يتَضَمَّنُ أنَّه لم يكنْ بينَهما نِكاحٌ، ولو جَحَدَ النِّكاحَ ثم أقَرَّ به، قُبِلَ، كذلك ههُنا. ولَنا، أنَّه أقَرَّ بما يَتَضَمَّنُ تَحْرِيمَها عليه، فلم يُقْبَلْ رُجُوعُه عنه، كما لو أقَرَّ بالطَّلاقِ ثم رَجَعَ، أو أقَرَّ أنَّ أَمَتَه أخْتُه مِن النَّسَبِ، وما قاسُوا عليه مَمْنُوعٌ. وهذا الكلامُ في الحُكْمِ، فأمَّا فيما بَينَه وبينَ اللهِ تعالى، فيَنْبَنِي ذلك على عِلْمِه بصِدْقِه، فإن عَلِمَ أنَّ الأَمْرَ كما قال، فهي
стр. 11833
وَإِنْ قَال ذَلِكُ بَعْدَ الدُّخُولِ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ. وَلَهَا الْمَهْرُ بِكُل حَالٍ.
ــ
مُحَرَّمَة عليه، ولا نِكاحَ بينَهما، وإن عَلِمَ كَذِبَ نَفْسِه، فالنِّكاحُ باقٍ بحالِه، وقولُه كَذِبٌ لا يُحَرِّمُها عليه؛ لأنّ المُحَرِّمَ حَقِيقَةُ الرَّضاعِ، لا القَوْلُ. وإن شَكَّ في ذلك، لم يَزُلْ عن اليَقينِ بالشَّكِّ. وقِيلَ: في حِلِّها له إذا عَلِمَ كَذِبَ نَفْسِه رِوايَتان والصَّحِيحُ ما قُلْناه؛ لأنَّ قوْلَه ذلك إذا كان كَذِبًا، لم يُثْبِتِ التَّحْريمَ، كما لو قال لها وهي أكْبَرُ منه: هي ابْنَتِي مِن الرَّضاعَةِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إن كان قبلَ الدُّخولِ، وصَدَّقَتْه المرأةُ، فلا شيءَ لها؛ لأنَّهما اتَّفَقا على أنَّ النِّكاحَ باطِلٌ مِن أصْلِه، لا تَسْتَحِقُّ فيه مَهْرًا، فأشْبَهَ ما لو ثَبَتَ ذلك بِبَيِّنَةٍ، وإن أكْذَبَتْه، فالقولُ قَوْلُها؛ لأنَّ قَوْلَه غيرُ مَقْبُولٍ عليها في إسْقاطِ حُقُوقِها، فلَزِمَه إقْرارُه فيما هو حَقٌّ له، وهو تَحْريمُها (١) عليه، وفَسْخُ نِكاحِه، ولم يُقْبَلْ قَوْلُه فيما عليه مِن المَهْرِ.
٣٩٤١ - مسألة: (وإن قال ذلك بعدَ الدُّخولِ، انْفَسَخَ النِّكاحُ) لِمَا ذكَرْنا (ولها المَهْرُ بكُلِّ حالٍ) لأنَّ المَهْرَ يَسْتَقِرُّ بالدُّخُولِ.
стр. 11834
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن قال: هي عَمَّتِي. أو: خالتِي. أو: ابْنَةُ أخِي. أو: أُخْتِي. أو: أمِّي مِن الرضاع. وأمْكَنَ صِدْقُه، فالحكمُ فيه كما لو قال: هي أُخْتِي. وإن لم يُمْكِنْ صِدْقه، مثلَ أن يقولَ لمَن هي مِثْلُه: هذه أُمِّي. أو لأكْبَرَ منه أو لمِثْلِه: هذه ابْنَتِي. لم تَحْرُمْ عليه. وبهذا قال الشافعيُّ. وقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ: تَحْرُمُ عليه؛ لأنَّه أقَرَّ بما يُحَرِّمُها عليه (١)، فقُبِلَ، كما لو أمْكَنَ. ولَنا، أنَّه أقَرَّ بما يتَحَقَّقُ كَذِبُه فيه (١)، فأشْبَهَ ما لو قال: أرْضَعَتْنِي وإيَّاها حَوَّاءُ. أو كما لو (١) قال: هذه حَوَّاءُ. وما ذكَرُوه مُنْتَقِضٌ بهذه الصُّوَرِ، ويُفارِقُ ما إذا أمْكَنَ، فإنَّه لا يتَحَقَّقُ كَذِبُه. والحُكمُ في الإِقْرارِ بقَرابَةٍ مِنَ النَّسَبِ تُحَرِّمُها عليه، كالحُكْمِ في الإِقْرارِ بالرَّضاعِ؛ لأنَّه في مَعْناه.
فصل: إذا ادَّعَى أنَّ زَوْجَتَه أَخْتُه مِن الرَّضاع، فأنْكَرَتْه، فشَهِدَتْ بذلك أُمُّه أو ابْنَتُه (٢)، لم تُقْبَلْ شَهادَتُهما (٣)؛ لأنَّ شَهادةَ الوالدِ لوَلَدِه،
стр. 11835
وَإنْ كَانَتْ هِيَ الَّتِي قَالتْ: هُوَ أَخِي مِنَ الرَّضَاعِ. فَأَكْذَبَهَا، فَهِيَ زَوْجَتُهُ في الْحُكْمِ.
ــ
والوَلَدِ لوالِدِه، لا تُقْبَلُ. وإن شَهِدَتْ بذلك (١) أُمُّها أو ابْنَتُها، قُبِلَتْ. وعنه، لا تُقْبَلُ؛ بِناءً على شَهادةِ الوالدِ على وَلَدِه والولدِ على والدِه، وهي مَقْبولَةٌ في أصَحِّ الرِّوايتَينِ. وإنِ ادَّعَتْ ذلك المرأةُ، وأنْكَرَ الزَّوْجُ، فشَهِدَتْ لها أُمُّها أو ابْنَتُها، لم تُقْبَلْ، وإن شَهِدَتْ لها أُمُّ الزَّوْجِ أو ابْنَتُه، قُبِلَ في أصَحِّ الرِّوايتَين.
٣٩٤٢ - مسألة: (وإن كانت هي التي قالت: هو أخِي مِن الرَّضاعِ. فأكْذَبَهَا، فهي زَوْجَتُه في الحُكْمِ) [ وجملُة ذلك، أنَّ المرأةَ إذا أقَرَّتْ أنَّ زَوْجَها أخوها مِن الرَّضاعةِ، فأكْذَبَها، لم يُقْبَلْ قولُها في فسْخِ النكاحِ] (٢)؛ لأنَّهْ حَقٌّ عليها، فإن كان قبلَ الدُّخولِ، فلا مَهْرَ لها؛ لأنَّها تُقِرُّ بأنها لا تَسْتَحِقُّه، وإن كانت قد (١) قَبَضَتْه، لم يَكُنْ للزَّوْجِ أخْذُه
стр. 11836
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
منها؛ لأنَّه يُقِرُّ بأنَّه حَقٌّ لها، وإن كان بعدَ الدُّخول، فأقَرَّتْ أنَّها كانت عالِمةً بأنَّها أُختُه، وبتَحْرِيمِها عليه، وطاوَعَتْه في الوَطءِ، فلا مَهْرَ لها عليه (١) أيضًا؛ لإقرارِها بأنَّها زانِيَةٌ مُطاوعَةٌ، وإن أنكَرَت شيئًا مِن ذلك، فلها المَهْرُ؛ لأنَّه وَطْءٌ بشُبْهَةٍ، وهي زَوْجَتُه في ظاهِرِ الحُكْمِ؛ لأنَّ قَوْلَها غيرُ مَقْبُولٍ عليه (١)، فأمَّا فيما بينَها وبينَ اللهِ تعالى، فإن عَلِمَتْ صِحَّةَ ما أقَرَّتْ به، لم يَحِلَّ لها مُساكَنَتُه وتَمْكِينُه مِن وَطْئِها، وعليها أن تَفِرَّ منه، وتَفْتَدِيَ نَفْسَها بما أمْكَنَها؛ لأنَّ وَطْأَة لها زنًى، فعليها التَّخَلُّصُ منه مَهْما أمْكَنَها، كما قُلْنا في التي عَلِمَتْ أنَّ زَوْجَها طَلَّقَها ثلاثًا، وأنْكَرَ. ويَنْبَغِي أن يكونَ الواجِبُ لها مِن المَهْرِ بعدَ الدُّخولِ أقَلَّ الأمْرَين؛ مِن المُسَمَّى أو مَهْرِ المِثْلِ؛ لأنَّه إن كان المُسَمَّى أقَلَّ، فلا يُقْبَلُ قَوْلُها في وُجُوبِ زائِدٍ عليه، وإن كان الأقَلُّ (٢) مَهْرَ المِثْلِ، لم تَسْتَحِقَّ (٣) أكثرَ منه؛ لاعْتِرافِها بأنَّ اسْتِحْقاقَها له بِوَطْئِها لا بالعَقْدِ، فلا تَسْتَحِقُّ أكْثَرَ منه. وإن كان إقْرارُها بأُخُوَّتِه قبلَ النِّكَاحِ، لم يَجُزْ لها نِكاحُه، ولا يُقْبَلُ
стр. 11837
وَلَوْ قَال الزَّوْجُ: هِيَ ابْنَتِي مِنَ الرَّضَاعِ. وَهِيَ في سِنِّهِ أَوْ أَكْبَرُ مِنْهُ، لَمْ تَحْرُمْ؛ لِتَحَقُّقِنَا كَذِبَهُ.
ــ
رُجُوعُها عن إقْرارِها في ظاهِرِ الحُكْمِ؛ لأنَّ إقْرارَها لم يُصادِفْ زَوْجِيَّةً عليها يُبْطِلُها، فقُبِلَ إقْرارُها على نَفْسِها (١) [بتَحْريمِه عليها] (٢). وكذلك لو أقَرَّ الرَّجُلُ أنَّ هذه أُخْتُه مِن الرَّضاعِ، أو مُحَرَّمَةٌ عليه برَضاع أو غيرِه، وأمْكَنَ صِدْقُه، لم يَحِلَّ له تَزَوُّجُها فيما (٣) بعدَ ذلك في ظاهِرِ الحُكْمِ، وأمَّا فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى، فيَنْبَنِي على عِلْمِه بحَقِيقَةِ الحالِ، على ما ذكَرناه.
٣٩٤٣ - مسألة: (ولو قال الزَّوْجُ: هي ابْنَتِي مِن الرَّضاعِ. وهي في سِنِّه أو أكْبَرُ منه، لم تَحْرُمْ؛ لِتَحَقُّقِنا كَذِبَه) وقد [ذكَرْنا ذلك] (٤).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أحَدُها، أن يَبْقَى لَبَنُ (١) الأوَّلِ بحالِه، لم يَزِدْ ولم يَنْقُصْ، ولم تَلِدْ مِن الثانِي، فهو للأوَّلِ، سَواءٌ حَمَلَتْ مِن الثاني أو لم تَحْمِلْ. لا نعلمُ فيه خِلافًا، لأنَّ [اللَّبَنَ كان] (٢) للأوَّلِ، ولم يتَجَدَّدْ ما يَجْعَلُه مِن الثاني، فبَقِيَ للأوَّلِ.
الثاني، أن لا تَحْمِلَ مِن الثاني، فهو للأوَّلِ، سواءٌ زادَ أو لم يَزِدْ، أو انْقَطَعَ ثم عاد أو لم يَنْقَطِعْ.
الثالثُ، أن تَلِدَ مِن الثاني، فاللَّبَنُ له خاصَّةً. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ على هذا كلُّ مَن أحْفَظُ عنه [مِن أهْلِ العِلْمِ] (٣)، وهو قولُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ. سَواءٌ زادَ أو [لم يَزِدْ] (٤)، انْقَطَعَ أو لم يَنْقَطِعْ، لأنَّ لَبَنَ الأوَّلِ يَنْقَطِعُ بالولادَةِ مِن الثاني، فإنَّ حاجةَ الموْلودِ تَمْنَعُ كَوْنَه لغيرِه.
الرابعُ، أن يكونَ لَبَنُ الأوَّلِ باقِيًا، وزادَ بالحَمْلِ مِن الثاني، فاللَّبَنُ
стр. 11840
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
منهما جميعًا، في قولِ أصْحابِنا. وقال أبو حنيفةَ: هو للأوَّلِ، ما لم تَلِدْ مِن الثاني. وقال الشافعيُّ: إن لم يَنتَهِ الحَمْلُ إلى حالٍ يَنْزِلُ (١) منه (٢) اللَّبنُ، فهو للأوَّلِ، وإن بَلَغَ إلى حالٍ يَنْزِلُ به اللَّبَنُ، فزادَ به، ففيه قَوْلان؛ أحَدُهما، هو للأوَّلِ. والثاني، هو لهما. ولَنا، أنَّ زِيادَتَه عندَ حُدوثِ الحَمْلِ ظاهِرٌ في أنَّها (٣) منه، وبَقاءُ لَبَنِ الأوَّلِ يَقْتَضِي كَوْنَ أصْلِه منه، فيَجِبُ أن يُضافَ إليهما، كما لو كان الوَلَدُ منهما.
الحالُ الخامسُ، انْقَطَعَ مِن الأولِ، ثم ثَابَ بالحَمْلِ مِن الثاني. فقال أبو بكرٍ: هو منهما. وهو أحَدُ أقْوالِ الشافعيِّ، إذا انْتَهَى الحَمْلُ إلى حالٍ يَنْزِلُ به اللَّبَنُ؛ وذلك لأنَّ اللَّبَنَ كان للأوَّلِ، فلمَّا عادَ بحُدُوثِ الحَمْلِ، فالظاهِرُ أنَّ لَبَنَ الأوَّلِ ثابَ بسَبَبِ الحَمْلِ الثاني، فكان مُضافًا إليهما، كما لو لم يَنْقَطِعْ. واخْتارَ أبو الخَطَّابِ أنَّه مِن الثاني. وهو القولُ الثاني للشافعيِّ (٤)؛ لأنَّ لَبَنَ الأولِ انْقَطَع، فزال حُكْمُه بانِقْطاعِه، وحَدَثَ بالحَمْلِ مِن الثاني، فكان له، كما لو لم يكنْ لها لَبَنٌ مِن الأوَّلِ. وقال أبو حنيفةَ: هو للأوَّلِ ما لم تَلِدْ مِن الثانِي. وهو القولُ الثالثُ للشافعيِّ؛ لأنَّ الحَمْلَ لا (٤) يَقْتَضِي اللَّبَنَ، وإنَّما يَخْلُقُه اللهُ تعالى للوَلَدِ عندَ وُجُودِه
стр. 11841
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لحاجَتِه إليه. وقد سَبَقَ الكلامُ عليه.
فصل: وإذا ادَّعَى أحَدُ الزَّوْجَين على الآخَرِ، أنَّه أقَرَّ أنَّه أخُو صاحِبِه مِن الرَّضاعِ، فأنْكَرَ، لم يُقْبَلْ في ذلك شَهادَةُ النِّساءِ المُنْفَرِداتِ؛ لأنَّها شَهادَةٌ على الإِقْرارِ، والإِقْرارُ ممَّا يَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ، فلم يحْتَج فيه إلى شَهادَةِ النِّساءِ المُنْفَرِداتِ، فلم يُقْبَلْ ذلك، بخِلافِ الرَّضاعِ نفْسِه.
فصل: كَرِهَ أبو عبدِ الله الارْتِضاعَ بلَبَنِ الفُجُورِ والمُشرِكاتِ. وقال عمرُ بنُ الخطابِ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، ﵄: اللَّبَنُ يُشْبِهُ (١)، فلا تَسْقِ (٢) مِن يَهُودِيَّةٍ ولا نَصْرانِيَّةٍ ولا زانِيَةٍ، ولا يَقْبَلُ (٣) أهْلُ الذِّمَّةِ المُسْلِمَةَ، ولا يَرَى شُعُورَهُنَّ (٤). ولأنَّ لَبَنَ الفَاجِرَةِ رُبَّما أفْضَى إلى شَبَهِ المُرْضِعةِ في الفُجُورِ، ويَجْعَلُها أُمًّا لِوَلَدِه، [فيَتَعَيَّرُ بها، ويتَضَرَّرُ] (٥) طَبْعًا وتَعَيُّرًا، والارْتِضاعُ مِن المُشْرِكَةِ يجْعَلُها أُمًّا، لها حُرْمَةُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رواه مُسْلِمٌ (١)، ورواه التِّرْمِذِيُّ (٢)، بإسْنادِه عن عمرو بنِ الأحْوَصِ، قال: «ألَا إنَّ لَكُمْ على نِسائِكُمْ حَقًّا، ولِنِسَائِكُمْ عَلَيكُمْ حَقًّا؛ فأمَّا حَقُّكُمْ على نِسائِكُمْ، فَلَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ، ولَا يَأْذَنَّ في بُيُوتِكُمْ لمَنْ تَكْرَهُونَ، ألَا (٣) وحَقُّهُنَّ عَلَيكُمْ أنْ تُحْسِنُوا إلَيهِنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ وطَعِامِهِنَّ». وقال: هذا (٤) حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وجاءتْ هِنْدٌ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فقالت: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أبا سُفْيانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وليس يُعْطِينِي مِن النَّفَقَةِ ما يَكْفِينِي ووَلَدِي. فقال: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بالمَعْرُوفِ». مُتَّفَقٌ عليه (٥). وفيه دَلالةٌ على وُجُوبِ النَّفَقَةِ لها على زَوْجِها، وأنَّ ذلك مُقَدَّرٌ بكِفايَتِها، وأنَّ نَفَقةَ وَلَدِه عليه
стр. 11845
وَلَيسَ ذَلِكَ مُقَدَّرًا، لَكِنَّهُ مُعْتَبَرٌ بِحَالِ الزَّوْجَينِ،
ــ
دُونَها مُقَدَّرٌ بكِفايَتِهِم، وأنَّ ذلك بالمَعْرُوفِ، وأنَّ لها أن تأْخُذَ ذلك بنَفْسِها مِن غيرِ عِلْمِه إذا لم يُعْطِها إيَّاه. واتَّفَقَ أهْلُ العِلْمِ على وُجُوبِ نَفَقاتِ الزَّوجاتِ على أزْواجِهِنَّ، إذا كانوا بالِغِين، إلَّا النَّاشِزَ مِنْهُنَّ. ذكَرَه ابنُ المُنْذِرِ (١)، وغيرُه. [وفيه] (٢) ضَرْبٌ مِن العِبْرَةِ، وهو أنَّ المرْأةَ مَحْبُوسَةٌ على الزَّوْجِ، يَمْنَعُها مِن التَّصَرُّفِ والاكْتِسابِ، فلابُدَّ مِن أن يُنْفِقَ عليها، كالعَبْدِ مع سَيِّدِه، فمتى سَلَّمَتْ نَفْسَها إلى الزَّوْجِ على الوَجْهِ الواجِبِ عليها، فلَها عليه جميعُ حاجَتِها مِن مأْكُولٍ [ومَشْروبٍ] (٣) ومَلْبُوسٍ ومَسْكَنٍ.
٣٩٤٥ - مسألة: (وليس ذلك مُقَدَّرًا، لَكِنَّه مُعْتَبَرٌ بِحالِ الزَّوْجَين) جَمِيعًا. هكذا ذكَرَه أصْحابُنا؛ فإن كانا مُوسِرَين، فعليه لها نَفَقةُ المُوسِرِين، وإن كانا مُعْسِرَين، فعليه نَفَقةُ [المُعْسِرِين، وإن كانا مُتَوَسِّطَين، فلها نَفَقَةُ] (٣) المُتَوَسِّطِين، وإن كان أحَدُهما مُوسِرًا، والآخَرُ مُعْسِرًا، فعليه نفقةُ المُتَوَسِّطِينَ، أيُّهما كان المُوسِرَ. وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: تُعْتَبَرُ حالُ المرأةِ على قَدْرِ كِفايَتِها؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٤). والمَعْرُوفُ الكِفايَةُ،
стр. 11846
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولأنَّه سَوَّى بينَ النَّفَقةِ والكُسْوَةِ على قَدْرِ حالِها، فكذلك النَّفَقةُ، وقال النبيُّ ﷺ لهِنْدٍ: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ ووَلَدَكِ بالْمَعْرُوفِ». فاعْتَبَرَ كِفايَتَها دُونَ حالِ زَوْجِها، ولأنَّ نَفَقَتَها واجِبَةٌ لدَفْعِ حاجَتِها، فكان الاعْتِبارُ بما تَنْدَفِعُ به حاجَتُها، دُونَ حالِ مَنْ وجَبَتْ عليه، كنَفَقَةِ المَمالِيكِ، ولأنَّه واجِبٌ للمرأةِ على زَوْجِها بحُكْمِ الزَّوْجِيَّةِ لم يُقَدَّرْ، فكان مُعْتَبَرًا بها، كَمَهْرِها. وقال الشافعيُّ: الاعْتِبارُ بحالِ الزَّوْجِ وحدَه؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧]. ولَنا، أنَّ فيما ذكَرْناه جَمْعًا بينَ الدَّلِيلَين، وعَمَلًا بكِلا النَّصَّين، ورِعايَةً لِكِلا الجَانِبَين، فكان أَوْلَى.
فصل: والنَّفَقةُ مُقَدَّرَةٌ بالكِفايَةِ، وتَخْتَلِفُ باخْتِلافِ مَن تَجِبُ له النَّفَقةُ في مِقْدارِها. وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومالكٌ. وقال القاضي: هي مُقَدَّرَةٌ بمِقْدارٍ لا يَخْتَلِفُ في الكَثْرَةِ والقِلَّةِ، والواجِبُ رَطْلان مِن الخُبْزِ في كلِّ يَوْمٍ، في حَقِّ المُوسِرِ والمُعْسِرِ، اعْتِبارًا بالكَفَّاراتِ، وإنَّما يَخْتَلِفانِ في صِفَتِه وجَوْدَتِه؛ لأنَّ المُوسِرَ والمُعْسِرَ سَواءٌ في قَدْرِ المأْكُولِ، ومَا تَقُومُ به البِنْيَةُ، وإنَّما يَخْتَلِفانِ في جَوْدَتِه، فكذلك النَّفَقةُ الواجِبَةُ. وقال الشافعيُّ: نَفَقةُ المُقْتِرِ مُدٌّ بمُدِّ النبيِّ ﷺ ؛ لأنَّ أقَلَّ ما يُدْفَعُ في الكَفَّارَةِ مُدٌّ، واللهُ سُبْحانه اعْتَبَرَ الكَفَّارَةَ بالنَّفَقةِ على الأهْلِ، فقال
стр. 11847
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سبحانه: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ (١). وعلى المُوسِرِ مُدَّان؛ لأنَّ أكثرَ ما أوْجَبَ اللهُ سبحانه للواحدِ مُدَّينِ في فِدْيَةِ الأذَى، وعلى المُتَوَسِّطِ مُدٌّ ونِصْفٌ، نِصْفُ نَفَقةِ الفَقِيرِ ونِصْفُ نَفَقةِ المُوسِرِ. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ لهِنْدٍ: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ». فأمَرَها بأَخْذِ ما يَكْفِيها مِن غيرِ تَقْدِيرٍ، ورَدَّ الاجْتِهادَ في ذلك إليها، ومِن المَعْلُومِ أنَّ قَدْرَ كِفايَتِها لا يَنْحَصِرُ في المُدَّين، بحيثُ لا يَزِيدُ عنهما (٢) ولا يَنْقُصُ، ولأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. وقال النبيُّ ﷺ : «وَلَهُنَّ عَلَيكُمْ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ». وإيجابُ أقَلَّ مِن الكِفايَةِ مِن الرِّزْقِ تَرْكٌ للمَعْرُوفِ، وإيجابُ قَدْرِ الكِفايَةِ، وإن كان أقَلَّ مِن مُدٍّ أو رَطْلَيْ خُبْزٍ، إنْفاقٌ بالمَعْرُوفِ، فيكونُ ذلك واجِبًا بالكِتابِ والسُّنَّةِ. واعْتِبارُ النَّفَقةِ بالكَفَّارَةِ في القَدْرِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الكفَّارَةَ لا تَخْتَلِفُ باليَسارِ والإِعْسارِ، ولا هي مُقَدَّرَةٌ بالكِفايَةِ، وإنَّما اعْتَبَرَها الشَّرْعُ بها (٣) في الجنْسِ دُونَ القَدْرِ، ولهذا لا يَجِبُ فيها الأُدْمُ (٤).
فصل: ولا يجبُ فيها الحَبُّ. وقال الشافعيُّ: يجبُ فيها الحَبُّ، اعْتِبارًا بالإِيجابِ في الكَفَّارَةِ حتى لو دَفَعَ إليها دَقِيقًا أو سَويقًا أو خُبْزًا، لم
стр. 11848
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَلْزَمْها قَبُولُه، كما لا يَلْزَمُ المِسْكِينَ في الكَفَّارَةِ. وقال بعْضُهم: يَجِئُ على قولِ أصْحابِنا؛ أنَّه لا يجوزُ وإن تَراضَيا عليه؛ لأنَّه بَيعُ حِنْطَةٍ بجِنْسِها مُتَفاضِلًا. ولَنا، قولُ ابنِ عباسٍ، في قولِ اللهِ تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]. قال: الخُبْزُ والزَّيتُ. وعن ابنِ عمرَ: الخُبْزُ والسَّمْنُ، والخُبْزُ والزَّيتُ، والخُبْزُ والتَّمْرُ، وأفْضَلُ ما تُطْعِمُونَهُنَّ الخبزُ واللَّحْمُ (١). ففَسَّرَ إطْعامَ [الأهْلِ بالخُبْزِ مع غيرِه] (٢) مِن الأُدْمِ. ولأنَّ الشَّرْعَ ورَدَ بالإِيجابِ مُطْلَقًا مِن غيرِ تَقْدِيرٍ ولا تَقْيِيدٍ، فوَجَبَ أنْ يُرَدَّ إلى العُرْفِ، كما في القَبْضِ والإِحْرازِ، وأهْلُ العُرْفِ إنَّما يتَعارَفُونَ فيما بينَهم في الإِنْفاق على أهْلِيهم الخبزَ والأُدْمَ، دونَ الحَبِّ، والنبيُّ ﷺ وصَحابَتُه إنَّما كانوا يُنْفِقُونَ ذلك، دُونَ ما ذكَرُوه، فكانَ ذلك هو الواجبَ، ولأنَّها نَفَقَةٌ قَدَّرَها الشَّرْعُ بالكِفايَةِ، فكان الواجِبُ الخُبْزَ، كنَفَقةِ العَبِيدِ، ولأنَّ الحَبَّ تَحْتاجُ فيه إلى طَحْنِه وخَبْزِه، فمتى احْتاجَتْ إلى تَكَلُّفِ ذلك مِن مالِها لم تَحْصُلِ الكفايةُ بنَفَقَتِه، وفارَقَ الإِطعامَ [في الكَفَّارةِ] (٣)، فإنَّها لا تَتَقَدَّرُ بالكِفايَةِ، ولا يجبُ فيها الأُدْمُ. فعلى هذا، لو طَلَبَتْ مكانَ الخُبْزِ حَبًّا، أو دَراهِمَ، أو دَقِيقًا، أو غيرَ ذلك، لم يَلْزَمْه بَذْلُه، ولو عَرَضَ عليها بَدَلَ (٤) الواجِبِ لها، لم يَلْزَمْها قَبُولُه؛ لأنَّها مُعاوَضَةٌ، فلا
стр. 11849
فَإِذا تَنازَعا فِيها، رَجَعَ الْأمْرُ إلَى الْحاكِمِ، فَيَفْرِضُ لِلْمُوسِرَةِ تَحتَ الْمُوسِرِ قَذرَ كِفايَتها مِنْ أرفَعِ خُبْزِ الْبَلَدِ وأُدْمِهِ الَّذِي جَرَتْ عادَةُ أمْثالِها بِأكْلِهِ،
ــ
يُجْبَرُ واحِدٌ منهما على قَبُولِها، كالبَيعِ. وإن تَراضَيا على ذلك، جازَ؛ لأنَّه طَعامٌ وجَبَ في الذِّمَّةِ لآدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ، فجازَتِ المُعاوَضَةُ عنه، كالطَّعامِ في القَرْضِ، ويُفارِقُ الطَّعامَ في الكَفَّارَةِ؛ فإنَّه حَقٌّ للهِ تَعالى، وليس هو لآدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ (١)، فيَرْضَى بالعِوَضِ عنه. وإن أعْطَاها مكانَ الخُبْزِ حَبًّا، أو دَقِيقًا، جازَ إذا تَراضَيا عليه؛ لأنَّ هذا ليس بمُعاوَضَةٍ حَقِيقَةً، فإنَّ الشَّارِعَ لم يُعَيِّنِ الواجِبَ بأكثرَ مِن الكِفايَةِ، فبأيِّ شيءٍ حَصَلَتِ الكِفايَةُ، كان ذلك هو الواجبَ، وإنَّما صِرْنَا إلى إيجابِ الخُبْزِ عندَ الاخْتِلافِ لِتَرَجُّحِه بكَوْنِه القُوتَ المُعْتادَ.
٣٩٤٦ - مسألة: (فإن تَنازَعَا فيها، رَجَعَ الأمْرُ إلى الحاكَمِ) وجملةُ ذلك، أنَّ الأمْرَ يَرْجِعُ في تَقْدِيرِ الواجِبِ للزَّوْجَةِ إلى اجْتِهادِ الحاكمِ أو نائِبِه، إن (٢) لم يَتَراضَيا على شيءٍ، فيَفْرِضُ للمرأةِ قَدْرَ كِفايَتِها مِن الخُبْزِ والأُدْمِ (فيَفْرِضُ للمُوسِرَةِ تحت المُوسِرِ قَدْرَ حاجَتِها، مِن أرْفَعِ خُبْزِ البلدِ الذي يأْكُلُه أمْثالُها) وللمُعْسِرَةِ تحت المُعْسِرِ قَدْرَ كِفايَتِها مِن
стр. 11850
وَمَا تَحْتَاجُ إِلَيهِ مِنَ الدُّهْنِ،
ــ
أدْنَى خُبْزِ البَلَدِ، وللمُتَوَسِّطَةِ تحت المُتَوَسِّطِ مِن أوْسَطِه، لكلِّ أحَدٍ على حَسَبِ حالِه، على ما جَرَتِ العادَةُ في حَقِّ أمْثالِه، وكذلك الأُدْمُ، للمُوسِرَةِ تحت المُوسِرِ قَدْرُ كِفايَتِها مِن أرْفَعِ الأُدْمِ، مِن الأُرْزِ واللَّحْمِ واللَّبَنِ، وما يُطْبَخُ به اللَّحْمُ، والدُّهْنُ على اخْتِلافِ أنْواعِه في بُلْدانِه؛ السَّمْنُ في مَوْضِعٍ، والزَّيتُ [في آخَرَ] (١)، والشَّحْمُ في آخَرَ، والشَّيرَجُ في آخَرَ. وللمُعْسِرَةِ تحتَ المُعْسِرِ مِن الأُدْمِ أدْوَنُه؛ كالباقِلَّاءِ، والخَلِّ، والبَقْلِ، والكامَخِ (٢)، وما جَرَتْ به عادَةُ أمْثالِهم (وما تَحْتاجُ إليه مِن الدُّهْنِ) وللمُتَوَسِّطَةِ تحت المتَوَسِّطِ أوْسَطُ ذلك، مِن الخُبْزِ والأُدْمِ، على حَسبِ عادَتِه. وقال الشافعيُّ: الواجبُ مِن جِنْسِ قُوتِ البَلَدِ، لا يَخْتَلِفُ باليَسارِ والإِعْسارِ سِوَى المِقْدارِ، والأُدْمُ هو الدُّهْنُ خاصَّةً؛ لأنَّه أصْلَحُ للأبْدانِ، وأجْوَدُ في المُؤْنةِ؛ لأنَّه لا يَحْتاجُ إلى طَبْخٍ وكُلْفَةٍ، ويُعْتَبَرُ
стр. 11851
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأُدْمُ بغالِبِ عادَةِ أهْلِ البَلَدِ، كالزَّيتِ بالشَّامِ، والشَّيرَجِ بالعِراقِ، والسَّمْنِ بخُرَاسانَ، ويُعْتَبَرُ قَدْرُ الأُدْمِ بالقُوتِ، فإذا قِيلَ: إنَّ الرَّطْلَ يَكْفِيه الأُوقِيَّةُ مِن الدُّهْنِ. فُرِضَ ذلك. وفي كُلِّ يومِ جُمُعةٍ رَطْلُ لَحْمٍ، فإن كان في مَوْضِعٍ يَرْخُصُ فيه (١) اللَّحْمُ، زادها على الرَّطْلِ شيئًا. وذَكَرَ القاضي مثلَ هذا في الأُدْمِ. وهذا مُخالِفٌ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧]. ولقولِ النبيِّ ﷺ : «وَلَهُنَّ عَلَيكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ» (٢). ومتى أنْفَقَ المُوسِرُ نَفَقَةَ المُعْسِرِ، فما أنْفَقَ مِن سَعَتِه، ولا رَزَقَها بالمَعْرُوفِ، وقد فَرَّقَ اللهُ تَعالى بينَ المُوسِرِ والمُعْسِرِ في الإِنْفاقِ، وفي هذا جَمْعٌ بينَ ما فَرَّقَه اللهُ تَعالى، وتَقْدِيرُ الأُدْمِ بما ذكَرُوه تَحَكُّمٌ (٣) لا دَلِيلَ عليه، وخِلافُ العادةِ والعُرْفِ بينَ الناسِ في إنْفاقِهِم، فلا يُعَرَّجُ على مِثْلِ هذا. وقد قال ابنُ عمرَ: مِن أفْضَلِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ، الخُبْزُ واللَّحْمُ. والصَّحيحُ ما ذكَرْناه مِن رَدِّ النَّفَقةِ المُطْلَقَةِ في الشَّرْعِ إلى العُرْفِ فيما بينَ الناسِ في نَفَقاتِهم، في حَقِّ المُوسِرِ والمُعْسِرِ والمُتَوَسِّطِ، كما
стр. 11852
وَمَا يَكْتَسِي مِثْلُهَا مِنْ جَيِّدِ الْكَتَّانِ وَالْقُطْنِ وَالْخَزِّ
ــ
رَدَدْناهُم في الكُسْوَةِ إلى ذلك، ولأنَّ النَّفَقةِ مِن مُؤْنَةِ المرأةِ على الزَّوْجِ، فاخْتَلَفَ جِنْسُها باليَسارِ والإِعْسارِ، كالكُسْوَةِ.
وحُكْمُ المُكاتَبِ والعَبْدِ [حُكْمُ المُعْسِرِ] (١)؛ لأنَّهما ليسا بأحْسَنَ حالًا منه. ومَن نِصْفُه حُرٌّ، إن كان مُوسِرًا، فحُكْمُه حُكْمُ المُتَوَسِّطِ؛ لأنَّه مُتَوَسِّطٌ، نِصْفُه مُوسِرٌ، ونِصْفُه مُعْسِرٌ.
٣٩٤٧ - مسألة: ويَجِبُ عليه كُسْوَتُها، بإجْماعِ أهْلِ العِلْمِ (٢)؛ لِما ذكَرْنا مِن النُّصوصِ، ولأنَّها لابُدَّ لها منها على الدَّوامِ، فلَزِمَتْه، كالنَّفَقَةِ، وهي مُعْتَبَرَةٌ بكِفايَتِها، وليستْ مُقَدَّرَةً بالشَّرْعِ، كما قُلْنا في النَّفَقَةِ. وهو قولُ أصْحابِ الشافعيِّ. ويُرْجَعُ في ذلك إلى اجْتِهادِ الحاكمِ، فيَفْرِضُ لها قَدْرَ كِفايَتِها، على قَدْرِ (٣) يُسْرِهما وعُسْرِهما، وما جَرَتْ عادَةُ أمْثالِهما به مِن الكُسْوَةِ، فيَجْتَهِدُ الحاكمُ في ذلك نحوَ اجْتِهادِه في المُتْعَةِ للمُطَلَّقَةِ، كما قُلْنا في النَّفَقةِ، فيَفْرِضُ للمُوسِرَةِ تحتَ المُوسِرِ مِن أرْفَعِ ثِيابِ البَلَدِ، مِن الكَتَّانِ والقُطْنِ والخَزِّ والإِبْرِيسَمِ، وللمُعْسِرَةِ تحتَ المُعْسِرِ، غَلِيظَ القُطْنِ والكَتَّانِ، وللمُتَوَسِّطَةِ تحتَ المُتَوَسِّطِ،
стр. 11853
وَالْإِبْرِيسَمِ؛ وَأَقَلُّهُ قَمِيصٌ، وَسَرَاويلُ، وَوقَايَةٌ، وَمِقْنَعَةٌ، وَمَدَاسٌ، وَجُبَّةٌ فِي الشِّتَاءِ، وَلِلنَّوْمِ الْفِرَاشُ وَاللِّحَافُ والْمِخَدَّةُ،
ــ
[مِن بينِ] (١) ذلك، وأقَلُّ ما يجبُ [مِن ذلك] (٢) (قَمِيصٌ، وسَراويلُ، ومِقْنَعَةٌ (٣)، ومَداسٌ، وجُبَّةٌ للشِّتاءِ) ويَزِيدُ مِن عَدَدِ الثِّيابِ ما جَرَتِ العادةُ بِلُبْسِه، ممَّا لا غِنىً (٤) عنه، دُونَ ما للتَّجَمُّلِ والزِّينَةِ، وذلك لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. والكُسْوَةُ بالمعْرُوفِ هي الكُسْوَةُ التي جَرَتْ عادَةُ أمْثالِها بلُبْسِه.
وعليه (٥) ما تَحْتاجُ إليه للنَّوْمِ، مِن الفِرَاشِ واللِّحافِ والوسَادَةِ، كلٌّ على حَسَبِ عادَتِه؛ فإن كانتْ ممَّن عادَتُه النَّوْمُ في الأكْسِيَةِ والبُسُطِ، فعليه لها لنَوْمِها ما جَرَتْ عادَتُهم به، ولجُلُوسِها بالنَّهارِ البِساطُ
وَعَلَيهِ مَا يَعُودُ بِنَظَافَةِ الْمَرْأَةِ مِنَ الدُّهْنِ، وَالسِّدْرِ، وَثَمَنِ الْمَاءِ،
ــ
٣٩٤٨ - مسألة: (وعليه ما يَعُودُ بِنَظافَةِ المَرْأةِ، مِن الدُّهْنِ، والسِّدْرِ، وثَمَنِ الماءِ) ممَّا تَغْسِلُ به رَأْسَها، وما يَعُودُ بِنَظافَتِها؛ لأنَّ ذلك يُرادُ للتَّنْظِيفِ، فكانَ عليه، كما أنَّ على المُسْتَأْجِرِ كَنْسَ الدَّارِ
стр. 11856
وَلَا تَجِبُ الْأَدْويَةُ وَأُجْرَةُ الطَّبِيبِ. فَأَمَّا الطِّيبُ وَالْحِنَّاءُ وَالْخِضَابُ وَنَحْوُهُ، فَلَا يَلْزَمُهُ، إلا أَنْ يُرِيدَ مِنْهَا التَّزَيُّنَ بِهِ.
ــ
وتَنْظِيفَها (ولا تَجِبُ) عليه (الأدْويَةُ وأُجْرَةُ الطَّبِيبِ) لأنَّه يُرادُ لإِصْلاحِ الجِسْمِ، فلا يَلْزَمُه، كما لا يَلْزَمُ المُسْتَأْجِرَ بِناءُ ما يَقَعُ مِن الدَّارِ، وحِفْظُ أُصُولِها، وكذلك أُجْرَةُ الحَجَّامِ والفاصِدِ.
٣٩٤٩ - مسألة: (فأمَّا الطِّيبُ والخِضابُ والحِنَّاءُ ونَحْوُه، فلا يَلْزَمُه، إلَّا أن يُرِيدَ منها التَّزَيُّنَ به) أمَّا الخِضَابُ، فإنَّه إن لم يَطْلُبْه الزَّوْجُ منها، لم يَلْزَمْه، وإن طَلَبَه منها، فهو عليه. وأمَّا الطِّيبُ، فما يُرادُ منه (١)
стр. 11857
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لقَطْعِ السهُوكَةِ (١)، كدَواءِ العَرَقِ، يَلْزَمُه؛ لأنَّه يُرادُ للتَّنْظِيفِ، وما يُرادُ للتَّلَذُّذِ أو الاسْتِمْتاعِ، لا يَلْزَمُه؛ لأنَّ الاسْتِمْتاعَ حَقٌّ له، فلا يَجِبُ عليه ما يَدْعُوه إليه.
فصل: ويجبُ لها مَسْكَنٌ، بدَليلِ قولِه تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ (٢). فإذا وَجَبَتِ السُّكْنَى للمُطَلَّقةِ، فللَّتِي في صُلْبِ النِّكاحِ أَوْلَى، [فإنَّ اللهَ تعالى قال] (٣): ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٤). ومِن المعْرُوفِ أن يُسْكِنَها في مَسْكَنٍ، ولأنَّها لا تَسْتَغْنِي عن المَسْكَنِ للسُّتْرَةِ عن العُيونِ في التَّصَرُّفِ والاسْتِمْتاعِ، وحِفْظِ المَتاعِ، ويكونُ المَسْكَنُ على قَدْرِ يَسارِهِما وإعْسارِهما؛ لقولِ
стр. 11858
وَإِنِ احْتَاجَتْ إِلَى مَنْ يَخْدِمُهَا؛ لِكَوْنِ مِثْلِهَا لَا تَخْدِمُ نَفْسَهَا، أَوْ لِمَرَضِهَا، لَزِمَهُ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ لَهَا خَادِمٌ، وَإِلَّا أَقَامَ لَهَا خَادِمًا، إِمَّا بِشِرَاءٍ، أَوْ كِرَاءٍ، أَوْ عَارِيَّةٍ،
ــ
اللهِ تعالى: ﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]. ولأنَّه واجبٌ لها لمَصْلَحَتِها في الدَّوامِ، فجَرَى مَجْرَى النَّفَقَةِ والكُسْوَةِ.
٣٩٥٠ - مسألة: (وإنِ احْتاجَتْ إلى مَن يَخْدِمُها؛ لِكَوْنِ مِثْلِها لا تَخْدِمُ نَفْسَها، أو لمَرَضِها، لَزِمَه ذلك) لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]. ومِنَ المعاشَرَةِ (١) بالمَعْرُوفِ أن يُقِيمَ لها خَادِمًا؛ لأنَّه ممَّا يُحْتاجُ إليه في الدَّوامِ، فأشْبَهَ النَّفَقةَ.
٣٩٥١ - مسألة: (فإن كان لها خادِمٌ، وإلَّا أقامَ لها خادِمًا، إمَّا بشِراءٍ أو كِراءٍ أو عارِيَّةٍ) ولا يَلْزَمُ الزَّوْجَ أن يُمَلِّكَها خادِمًا؛ لأنَّ المقْصُودَ
стр. 11859
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الخِدْمَةُ، فإذا حَصَلَتْ مِن غيرِ تَمْلِيكٍ، جازَ، كما أنَّه إذا أسْكَنَها دارًا بأُجْرَةٍ، جازَ، ولا يَلْزَمُه تَمْلِيكُها مَسْكَنًا، فإن مَلَّكَها الخادِمَ، فقد زادَ خَيرًا، وإن أخْدَمَها مَن يُلازِمُ خِدْمَتَها مِن غيرِ تَمْليكٍ، جازَ، سَواءٌ كان له أو اسْتأْجَرَه، حُرًّا كان أو عَبْدًا. فإن كان الخادِمُ لها فرَضِيَتْ بخِدْمَتِه لها، ونَفَقَتُه على الزَّوْجِ، جازَ، وإن طَلَبَتْ منه أجْرَ خَادِمِها فوافَقَها، جازَ، وإن أبَى، وقال: أنا آتِيكِ بخادِمٍ سِواه. فله ذلك إذا أتاها بِمَن يَصْلُحُ لها. ولا يكونُ الخادِمُ إلَّا ممَّن يَحِلُّ له النَّظَرُ إليها، إمَّا امرأةٌ، وإمَّا ذو رَحِمٍ مَحْرَمٍ؛ لأنَّ الخادِمَ يَلْزَمُ المَخْدُومَ في غالِبِ أحْوالِه، فلا يَسْلَمُ مِن النَّظَرِ. وهل يجوزُ أن يكونَ خادِمُ المُسْلِمَةِ مِن أَهلِ الكتابِ؟ فيه وَجْهانِ، أصَحُّهما جَوازُه؛ لأنَّ اسْتِخْدامَهُم مُبَاحٌ، ولأنَّ الصَّحيحَ إباحَةُ
стр. 11860
وَتَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ بِقَدْرِ نَفَقَةِ الْفَقِيرَينِ، إلا فِي النَّظَافَةِ،
ــ
النَّظَرِ لهم. والثاني، لا يجوزُ؛ لأنَّ في إباحَةِ نَظَرِهم اخْتِلافًا، وتَعافُهُم النَّفْسُ، ولا يَتَنَظَّفُونَ مِن النَّجاسَةِ.
٣٩٥٢ - مسألة: (وعليه نَفَقَتُه بقَدْرِ نَفَقَةِ الفَقِيرَينِ، إلَّا في النَّظافَةِ) يجبُ على الزَّوْجِ نَفَقةُ الخادِمِ وكُسْوَتُه، مثلَ ما لامْرأةِ المُعْسِرِ، إلَّا أنَّه لا يجبُ لها المُشْطُ، والدُّهْنُ والسِّدْرُ لرأْسِها؛ لأنَّ ذلك مما (١) يُرادُ للزِّينَةِ والتَّنْظِيفِ، ولا يُرادُ ذلك مِن الخادِمِ. فإنِ احْتاجَتْ إلى خُفٍّ لتَخْرُجَ إلى شِراءِ الحَوائِجِ، لَزِمَه ذلك.
стр. 11861
وَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ نَفَقَةِ خَادِمٍ وَاحِدٍ.
ــ
٣٩٥٣ - مسألة: (ولا يَلْزَمُه أكْثَرُ مِن نَفَقَةِ خادِمٍ واحِدٍ) لأنَّ المُسْتَحَقَّ خِدْمَتُها في (١) نَفْسِها، ويَحْصُلُ ذلك بواحِدٍ. وهذا قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأصْحابِ الرَّأْي. وقال مالِكٌ: إن كان لا يُصْلِحُ المرأةَ إلَّا أكثرُ مِن خادِمٍ، فعليه أن يُنْفِقَ على أكثرَ مِن (٢) واحدٍ. ونحوَه قال أبو ثَوْرٍ، إذا احْتَمَلَ الزَّوْجُ ذلك، فَرَضَ لخادِمَين. ولَنا، أنَّ الخادِمَ الواحِدَ يَكْفِيها لنَفْسِها، والزِّيادَةُ تُرادُ لحِفْظِ مِلْكِها، وللتَّجَمُّلِ، وليس عليه ذلك.
стр. 11862
فَإِنْ قالَتْ: أَنَا أَخْدِمُ نَفْسِى، وَآخُذُ ما يَلْزَمُكَ لِخَادِمِى. لَمْ يَكُنْ لَهَا ذَلِكَ. وَإِنْ قَالَ: أَنَا أَخْدِمُكِ. فَهَلْ يَلْزَمُها قَبُولُ ذَلِكَ؟ عَلَى وَجْهَيْنَ.
ــ
٣٩٥٤ - مسألة: (فإن قالت: أنا أخْدِمُ نَفْسِى، وآخُذُ ما يَلْزَمُكَ لخادِمِى. لم يَكُنْ لها ذلك) ولم يَلْزَمْه؛ لأَنَّ الأجْرَ عليه، فتَعْيِينُ الخادِمِ إليه، ولأَنَّ في خِدْمَةِ غيرِها إيَّاها تَوْفِيرَها على حُقُوقِه، وتَرْفِيهَها، ورَفْعَ قَدْرِها، وذلك يَفُوتُ بخِدْمَتِها لنَفْسِها.
٣٩٥٥ - مسألة: (وإن قال) الزَّوْجُ: (أنا أخْدِمُكِ) بنَفْسِى. لم يَلْزَمْها؛ لأنَّها تَحْتَشِمُه، وفيه غَضاضَةٌ عليها، لكَوْنِ زَوْجِها خَادِمًا. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يَلْزَمُها الرِّضَا به؛ لأَنَّ الكِفايَةَ تَحْصُلُ به.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بنتِ قيسٍ: «لَا نَفَقَةَ لَكِ، إلَّا أن تَكُونِى حامِلًا» (١). ولأَنَّ الحَمْلَ ولَدُه، فيَلْزَمُه الإِنْفاقُ عليه، ولا يُمْكِنُه النَّفَقةُ عليه إلَّا بالإِنْفاقِ عليها، فوَجَبَ، كما وَجَبَتْ أُجْرَةُ الرَّضاعِ. وإن كانت حائِلًا، فلا نَفَقةَ لها. وفى السُّكْنَى رِوَايتان؛ إحداهما، لا يجبُ لها (٢) ذلك. وهو قولُ علىٍّ، وابنِ عباسٍ، وجابرٍ. وبه قال عطاءٌ، وطاوسٌ، والحسنُ، وعمرُو (٣) ابنُ مَيْمُونٍ، وعِكْرِمَةُ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وداودُ. والثانيةُ، يجبُ لها. وهو قولُ عمرَ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عمرَ، وعائشةَ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والقاسمِ، وسالمٍ، والفُقَهاءِ السَّبْعَةِ، ومالكٍ، والشافعىِّ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. فأوْجَبَ لهُنَّ السُّكْنَى مُطْلَقًا، ثمَّ (٢) خَصَّ الحامِلَ
стр. 11866
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بالإِنْفاقِ عليها. وقال أكثرُ فُقَهاءِ العِراقِ: لها السُّكْنَى والنَّفَقةُ. وبه قال ابنُ شُبْرُمَةَ، وابنُ أبى لَيْلَى، والثَّوْرِىُّ، والحسَنُ بنُ صالحٍ، وأبو حنيفةَ، وأصْحابُه، والبَتِّىُّ، والعَنْبَرِىُّ. ويُرْوَى ذلك عن عمرَ، وابنِ مسعودٍ؛ لأنَّها مُطَلَّقَةٌ، فوَجَبَتْ لها النَّفَقةُ والسُّكْنَى، كالرَّجْعِيَّةِ. ورَدُّوا خَبَرَ فاطمةَ بنتِ قيسٍ بما رُوِى عن عمرَ، أنَّه قال: لا نَدَعُ كِتابَ رَبِّنا، وسُنَّةَ نَبِيِّنا، لقولِ امرأةٍ (١). وأنْكَرَتْه عائشةُ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وتأوَّلُوه. قال عُرْوَةُ: لقد عابَتْ عائشةُ ذلك أشَدَّ العَيْبِ، وقالت: إنَّها كانت في مكانٍ وحشٍ، فخِيفَ على ناحِيَتِها (٢). وقال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ: تلك امرأةٌ
стр. 11867
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فتَنَتِ الناسَ بلِسانِها، كانت لَسِنَةً، فوُضِعَتْ على يَدَىِ ابنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الأعْمَى (١). ولَنا، ما رَوَتْ فاطمةُ بنتُ قيسٍ، أنَّ زَوْجَها طَلَّقَها البَتَّةَ وهو غائبٌ، فأرْسَلَ إليها وَكِيلَه بشَعِيرٍ، فسَخِطَتْه (٢)، فقال: واللَّهِ مالكِ علينا مِن شئٍ. فجاءت رسولَ اللَّهِ ﷺ ، فذكرتْ ذلك له، فقال: «لَيْسَ لَكِ عليه نَفَقَةٌ ولا سُكْنَى». فأَمَرَها أن تَعْتَدَّ في بَيْتِ أُمِّ شريكٍ. مُتَّفَقٌ عليه (٣). وفى لفظٍ: فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : «انْظُرِى يَا ابْنَةَ قَيْسٍ، إنَّما النَّفَقةُ للمَرْأةِ عَلَى زَوْجِهَا مَا كانَتْ له عليها الرَّجْعَةُ، فإذا لم يَكُنْ له عليها الرَّجْعَةُ، فلا نَفَقَةَ ولا سُكْنَى». روَاه الإِمامُ أحمدُ، والأَثْرَمُ، والحُمَيْدِىُّ (٤). قال ابنُ عبدِ البَرِّ (٥): مِن طَرِيقِ الحُجَّةِ وما يَلْزَمُ منها، قولُ أحمدَ ابنِ حَنْبلٍ ومَن تابَعَه أصَحُّ [وأحَجُّ] (٦). لأنَّه ثَبَتَ عن النبىِّ ﷺ نَصًّا صَرِيحًا، فأىُّ شئٍ يُعارِضُ هذا إلَّا بمثلِه (٧) عن النبىِّ
стр. 11868
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ﷺ ، الذى هو المُبَيِّنُ عن اللَّه تعالى مُرادَه، ولا شئَ يَدْفَعُ ذلك، ومَعْلومٌ أنَّه أعْلَمُ بتأْويلِ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾. وأمَّا قولُ عمرَ (١) ومَن وافَقَه، فقد خالَفَه علىٌّ وابنُ عباسٍ وجابرٌ ومَن وافَقَهُم، والحُجَّةُ معهم، ولو لم يُخالِفْه أحَدٌ منهم، لَمَا قُبِلَ قولُه المُخالِفُ لقولِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فإنَّ قولَ رسولِ اللَّهِ ﷺ حُجَّةٌ على عمرَ وغيرِه، ولم يَصِحَّ عن عمرَ أنَّه قال: لا نَدَعُ كتابَ رَبِّنا، وسُنَّةَ نَبِيِّنَا لقولِ امرأةٍ. فإنَّ أحمدَ أنْكَرَه، وقال: أمَّا هذا فلا، فإنَّه قال: لا نَقْبَلُ في دِينِنا قولَ امرأةٍ. وهذا يَرُدُّه الإِجْماعُ على قبولِ قَولِ المرأةِ في الرِّوايةِ، فقد أُخِذَ بقَولِ فُرَيْعَةَ، وهى امرأةٌ، وبِخَبَرِ عائشةَ، وأزْواجِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وصارَ خَبَرُ فاطمةَ إذا لم تكنْ حامِلًا، مثلَ نظرِ المرأةِ إلى الرِّجالِ، وخِطْبةِ الرجُلِ على خِطْبَةِ أخِيه، إذا لم تكنْ سَكَنَتْ إلى الأَوَّلِ، وأمَّا تأْوِيلُ مَن تأوَّلَ حَدِيثَها، فليس بشئٍ؛ فإنَّها تخالِفُهم في ذلك، وهى أعْلَمُ بحالِها، ولم يَتَّفِقِ المُتأوِّلُون على شئٍ، وقد رُدَّ على مَن رَدَّ عليها، فقال مَيْمونُ بنُ مِهْرانَ لسَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، لمَّا قال: تلك امرأةٌ فَتَنَتِ النَّاسَ بلِسانِها: لَئِنْ كانت إنَّما أخَذَتْ بما أفْتاها رسولُ اللَّهِ ﷺ ما فَتَنَتِ الناسَ، وإنَّ لنا في رسولِ اللَّهِ ﷺ أُسْوَةً حَسَنةً، مع أنَّها أحْرَمُ
стр. 11869
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الناسِ عليه، ليس [له عليها] (١) رَجْعَةٌ، ولا بينَهما ميراثٌ (٢). وقولُ عائشةَ: إنَّها كانت في مكانٍ وَحْشٍ. لا يَصِحُّ؛ فإنَّ النبىَّ ﷺ علَّلَ بغيرِ ذلك، فقال: «يا ابْنَةَ آلِ قيسٍ، إنَّما النَّفَقةُ والسُّكْنَى ما كان لِزَوْجِكِ عَلَيْكِ الرَّجْعَةُ». هكذا رواه الحُمَيْدِىُّ، والأَثْرَمُ. ولو صَحَّ ما قالَتْه عائشةُ لما احْتاجَ عمرُ في رَدِّه إلى أن يَعْتَذِرَ بأنَّه قولُ امرأةٍ، وهى أعْرَفُ بنَفْسِها وبِحالِها. وأمَّا قولُ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: لا نَدَعُ كِتابَ رَبِّنا. فقد قال إسماعيلُ بنُ إسحاقَ: نحنُ نَعْلَمُ أنَّ عمرَ لا يَقُولُ: لا نَدَعُ كِتابَ رَبِّنا. إلَّا لِما هو مَوْجودٌ في كِتابِ اللَّهِ تعالى، والذي في الكِتابِ أنَّ لها النَّفَقَةَ إذا كانت حامِلًا، بقَوْلِه سبحانه: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٣). وأمَّا غيرُ ذواتِ الحَمْلِ، فلا يَدُلُّ الكِتابُ إلَّا على أنَّهُنَّ لا نَفَقةَ لَهُنَّ؛ لاشْتِراطِه الحَمْلَ في الأمْرِ بالإِنْفاقِ. وقد روَى أبو داودَ وغيرُه، بإسْنادِهم، عن ابنِ عباسٍ، في حَدِيثِ المُتَلاعِنَيْن، قال: ففَرَّقَ رسولُ اللَّهِ ﷺ بينَهما، وقَضَى أن لا بَيْتَ لها ولا قُوتَ (٤). ولأَنَّ هذه مُحَرَّمَةٌ عليه تَحْريمًا لا تُزِيلُه الرَّجْعَةُ، فلم يَكُنْ لها سُكْنَى ولا نفقةٌ، كالمُلاعِنَةِ، وتُفارِقُ الرَّجْعِيَّةَ، فإنَّها
стр. 11870
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زَوْجَتُه (١) يلْحَقُها طَلاقُه وظِهارُه وإيلاؤُه، بخِلافِ البائِنِ.
فصل: ولا سُكْنَى للملاعِنَةِ، ولا نَفَقةَ، إن كانتْ حائِلًا، للخَبَرِ. وكذلك إن كانتْ حامِلًا فنَفَى حَمْلَها، وقُلْنا: إنَّه يَنْتَفِى عنه. أو قُلْنا: إنَّه يَنْتَفِى بزَوالِ الفِراشِ. وإن قُلْنا: لا يَنْتَفِى بنَفْيِه. أو لم يَنْفِه. وقُلْنا: إنَّه يَلْحَقُه نَسَبُه. فلها السُّكْنَى والنَّفَقةُ؛ لأَنَّ ذلك للحَمْلِ، أو لها بسَبَبِه، وهو مَوْجُودٌ، فأشْبَهَتِ المُطَلَّقَةَ البائِنَ. فإن نَفَى الحَمْلَ، فأنْفَقَتْ أُمُّه، وسَكَنَتْ مِن غيرِ الزَّوْجِ، وأرْضَعَتْ، ثمَّ اسْتَلْحَقَه المُلاعِنُ، لَحِقَه، ولَزِمَتْه النَّفَقةُ وأجْرُ المَسْكَنِ والرَّضاعِ؛ لأنَّها فعَلَتْ ذلك على أنَّه لا أبَ له، فإذا ثَبَتَ له أبٌ، لَزِمَه ذلك، ورُجِعَ به عليه. فإن قيلَ: النَّفقةُ لأجْلِ الحَمْلِ نَفَقةُ الأقارِبِ، وهى تَسْقُطُ بمُضِىِّ الزَّمانِ، فكيفَ يُرْجَعُ عليه بما يَسْقُطُ عنه؟ قُلْنا: بل النَّفقةُ للحامِلِ [مِن أجْلِ] (٢) الحَمْلِ، فلا تَسْقُطُ، كنَفَقَتِها في الحياةِ، وإن سَلَّمْنا أنَّها للحَمْلِ، [إلَّا أنَّها] (٣) مصْرُوفَةٌ إليها، ويتَعَلَّقُ بها حَقُّها، فلا تَسْقُطُ بمُضِىِّ الزَّمانِ، كنَفَقَتِها (٤).