. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بالإِنْفاقِ عليها. وقال أكثرُ فُقَهاءِ العِراقِ: لها السُّكْنَى والنَّفَقةُ. وبه قال ابنُ شُبْرُمَةَ، وابنُ أبى لَيْلَى، والثَّوْرِىُّ، والحسَنُ بنُ صالحٍ، وأبو حنيفةَ، وأصْحابُه، والبَتِّىُّ، والعَنْبَرِىُّ. ويُرْوَى ذلك عن عمرَ، وابنِ مسعودٍ؛ لأنَّها مُطَلَّقَةٌ، فوَجَبَتْ لها النَّفَقةُ والسُّكْنَى، كالرَّجْعِيَّةِ. ورَدُّوا خَبَرَ فاطمةَ بنتِ قيسٍ بما رُوِى عن عمرَ، أنَّه قال: لا نَدَعُ كِتابَ رَبِّنا، وسُنَّةَ نَبِيِّنا، لقولِ امرأةٍ (١). وأنْكَرَتْه عائشةُ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وتأوَّلُوه. قال عُرْوَةُ: لقد عابَتْ عائشةُ ذلك أشَدَّ العَيْبِ، وقالت: إنَّها كانت في مكانٍ وحشٍ، فخِيفَ على ناحِيَتِها (٢). وقال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ: تلك امرأةٌ
стр. 11867
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فتَنَتِ الناسَ بلِسانِها، كانت لَسِنَةً، فوُضِعَتْ على يَدَىِ ابنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الأعْمَى (١). ولَنا، ما رَوَتْ فاطمةُ بنتُ قيسٍ، أنَّ زَوْجَها طَلَّقَها البَتَّةَ وهو غائبٌ، فأرْسَلَ إليها وَكِيلَه بشَعِيرٍ، فسَخِطَتْه (٢)، فقال: واللَّهِ مالكِ علينا مِن شئٍ. فجاءت رسولَ اللَّهِ ﷺ ، فذكرتْ ذلك له، فقال: «لَيْسَ لَكِ عليه نَفَقَةٌ ولا سُكْنَى». فأَمَرَها أن تَعْتَدَّ في بَيْتِ أُمِّ شريكٍ. مُتَّفَقٌ عليه (٣). وفى لفظٍ: فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : «انْظُرِى يَا ابْنَةَ قَيْسٍ، إنَّما النَّفَقةُ للمَرْأةِ عَلَى زَوْجِهَا مَا كانَتْ له عليها الرَّجْعَةُ، فإذا لم يَكُنْ له عليها الرَّجْعَةُ، فلا نَفَقَةَ ولا سُكْنَى». روَاه الإِمامُ أحمدُ، والأَثْرَمُ، والحُمَيْدِىُّ (٤). قال ابنُ عبدِ البَرِّ (٥): مِن طَرِيقِ الحُجَّةِ وما يَلْزَمُ منها، قولُ أحمدَ ابنِ حَنْبلٍ ومَن تابَعَه أصَحُّ [وأحَجُّ] (٦). لأنَّه ثَبَتَ عن النبىِّ ﷺ نَصًّا صَرِيحًا، فأىُّ شئٍ يُعارِضُ هذا إلَّا بمثلِه (٧) عن النبىِّ
стр. 11868
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ﷺ ، الذى هو المُبَيِّنُ عن اللَّه تعالى مُرادَه، ولا شئَ يَدْفَعُ ذلك، ومَعْلومٌ أنَّه أعْلَمُ بتأْويلِ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾. وأمَّا قولُ عمرَ (١) ومَن وافَقَه، فقد خالَفَه علىٌّ وابنُ عباسٍ وجابرٌ ومَن وافَقَهُم، والحُجَّةُ معهم، ولو لم يُخالِفْه أحَدٌ منهم، لَمَا قُبِلَ قولُه المُخالِفُ لقولِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فإنَّ قولَ رسولِ اللَّهِ ﷺ حُجَّةٌ على عمرَ وغيرِه، ولم يَصِحَّ عن عمرَ أنَّه قال: لا نَدَعُ كتابَ رَبِّنا، وسُنَّةَ نَبِيِّنَا لقولِ امرأةٍ. فإنَّ أحمدَ أنْكَرَه، وقال: أمَّا هذا فلا، فإنَّه قال: لا نَقْبَلُ في دِينِنا قولَ امرأةٍ. وهذا يَرُدُّه الإِجْماعُ على قبولِ قَولِ المرأةِ في الرِّوايةِ، فقد أُخِذَ بقَولِ فُرَيْعَةَ، وهى امرأةٌ، وبِخَبَرِ عائشةَ، وأزْواجِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وصارَ خَبَرُ فاطمةَ إذا لم تكنْ حامِلًا، مثلَ نظرِ المرأةِ إلى الرِّجالِ، وخِطْبةِ الرجُلِ على خِطْبَةِ أخِيه، إذا لم تكنْ سَكَنَتْ إلى الأَوَّلِ، وأمَّا تأْوِيلُ مَن تأوَّلَ حَدِيثَها، فليس بشئٍ؛ فإنَّها تخالِفُهم في ذلك، وهى أعْلَمُ بحالِها، ولم يَتَّفِقِ المُتأوِّلُون على شئٍ، وقد رُدَّ على مَن رَدَّ عليها، فقال مَيْمونُ بنُ مِهْرانَ لسَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، لمَّا قال: تلك امرأةٌ فَتَنَتِ النَّاسَ بلِسانِها: لَئِنْ كانت إنَّما أخَذَتْ بما أفْتاها رسولُ اللَّهِ ﷺ ما فَتَنَتِ الناسَ، وإنَّ لنا في رسولِ اللَّهِ ﷺ أُسْوَةً حَسَنةً، مع أنَّها أحْرَمُ
стр. 11869
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الناسِ عليه، ليس [له عليها] (١) رَجْعَةٌ، ولا بينَهما ميراثٌ (٢). وقولُ عائشةَ: إنَّها كانت في مكانٍ وَحْشٍ. لا يَصِحُّ؛ فإنَّ النبىَّ ﷺ علَّلَ بغيرِ ذلك، فقال: «يا ابْنَةَ آلِ قيسٍ، إنَّما النَّفَقةُ والسُّكْنَى ما كان لِزَوْجِكِ عَلَيْكِ الرَّجْعَةُ». هكذا رواه الحُمَيْدِىُّ، والأَثْرَمُ. ولو صَحَّ ما قالَتْه عائشةُ لما احْتاجَ عمرُ في رَدِّه إلى أن يَعْتَذِرَ بأنَّه قولُ امرأةٍ، وهى أعْرَفُ بنَفْسِها وبِحالِها. وأمَّا قولُ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: لا نَدَعُ كِتابَ رَبِّنا. فقد قال إسماعيلُ بنُ إسحاقَ: نحنُ نَعْلَمُ أنَّ عمرَ لا يَقُولُ: لا نَدَعُ كِتابَ رَبِّنا. إلَّا لِما هو مَوْجودٌ في كِتابِ اللَّهِ تعالى، والذي في الكِتابِ أنَّ لها النَّفَقَةَ إذا كانت حامِلًا، بقَوْلِه سبحانه: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٣). وأمَّا غيرُ ذواتِ الحَمْلِ، فلا يَدُلُّ الكِتابُ إلَّا على أنَّهُنَّ لا نَفَقةَ لَهُنَّ؛ لاشْتِراطِه الحَمْلَ في الأمْرِ بالإِنْفاقِ. وقد روَى أبو داودَ وغيرُه، بإسْنادِهم، عن ابنِ عباسٍ، في حَدِيثِ المُتَلاعِنَيْن، قال: ففَرَّقَ رسولُ اللَّهِ ﷺ بينَهما، وقَضَى أن لا بَيْتَ لها ولا قُوتَ (٤). ولأَنَّ هذه مُحَرَّمَةٌ عليه تَحْريمًا لا تُزِيلُه الرَّجْعَةُ، فلم يَكُنْ لها سُكْنَى ولا نفقةٌ، كالمُلاعِنَةِ، وتُفارِقُ الرَّجْعِيَّةَ، فإنَّها
стр. 11870
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زَوْجَتُه (١) يلْحَقُها طَلاقُه وظِهارُه وإيلاؤُه، بخِلافِ البائِنِ.
فصل: ولا سُكْنَى للملاعِنَةِ، ولا نَفَقةَ، إن كانتْ حائِلًا، للخَبَرِ. وكذلك إن كانتْ حامِلًا فنَفَى حَمْلَها، وقُلْنا: إنَّه يَنْتَفِى عنه. أو قُلْنا: إنَّه يَنْتَفِى بزَوالِ الفِراشِ. وإن قُلْنا: لا يَنْتَفِى بنَفْيِه. أو لم يَنْفِه. وقُلْنا: إنَّه يَلْحَقُه نَسَبُه. فلها السُّكْنَى والنَّفَقةُ؛ لأَنَّ ذلك للحَمْلِ، أو لها بسَبَبِه، وهو مَوْجُودٌ، فأشْبَهَتِ المُطَلَّقَةَ البائِنَ. فإن نَفَى الحَمْلَ، فأنْفَقَتْ أُمُّه، وسَكَنَتْ مِن غيرِ الزَّوْجِ، وأرْضَعَتْ، ثمَّ اسْتَلْحَقَه المُلاعِنُ، لَحِقَه، ولَزِمَتْه النَّفَقةُ وأجْرُ المَسْكَنِ والرَّضاعِ؛ لأنَّها فعَلَتْ ذلك على أنَّه لا أبَ له، فإذا ثَبَتَ له أبٌ، لَزِمَه ذلك، ورُجِعَ به عليه. فإن قيلَ: النَّفقةُ لأجْلِ الحَمْلِ نَفَقةُ الأقارِبِ، وهى تَسْقُطُ بمُضِىِّ الزَّمانِ، فكيفَ يُرْجَعُ عليه بما يَسْقُطُ عنه؟ قُلْنا: بل النَّفقةُ للحامِلِ [مِن أجْلِ] (٢) الحَمْلِ، فلا تَسْقُطُ، كنَفَقَتِها في الحياةِ، وإن سَلَّمْنا أنَّها للحَمْلِ، [إلَّا أنَّها] (٣) مصْرُوفَةٌ إليها، ويتَعَلَّقُ بها حَقُّها، فلا تَسْقُطُ بمُضِىِّ الزَّمانِ، كنَفَقَتِها (٤).
стр. 11871
فَإِنْ لَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهَا يَظُنُّهَا حَائِلًا، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا حَامِلٌ، فَعَلَيْهِ نَفَقَةُ مَا مَضَى، وَإِنْ أَنْفَقَ عَلَيْهَا يَظُنُّهَا حَامِلًا فَبَانَتْ حَائِلًا، فَهَلْ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِالنَّفَقَةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
ــ
٣٩٥٧ - مسألة: (فإن) طَلَّقَ زَوْجَتَه و (لم يُنْفِقْ عليها، يَظُنُّها حائِلًا، ثمَّ تَبَيَّنَ أنَّها) كانت (حاملًا، فعليه نَفَقَةُ ما مَضَى) لأنَّنا تَبَيَّنَّا اسْتِحْقاقَها له، فرَجَعَتْ به عليه، كالدَّيْنِ.
٣٩٥٨ - مسألة: (وإن أنْفَقَ عليها يَظُنُّها حامِلًا وبانَتْ حائِلًا) مثلَ مَنِ ادَّعَتِ الحَمْلَ لِتَكُونَ لها النَّفَقَةُ، أَنْفَقَ عليها ثَلَاثةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ أُرِيَت القَوابِلَ بَعْدَ ذلك؛ لأَنَّ الحَمْلَ يَبِينُ (١) بعدَ ثلاثةِ أشْهُرٍ، إلَّا أَنْ تَظْهَرَ بَراءَتُها مِن الحَمْلِ بالحَيْضِ أو بغيرِه، فتَنْقَطِعُ نفقَتُها، كما تَنْقَطِعُ إذا قال القَوابِلُ: ليستْ حامِلًا. رَجعَ عليها بما أنْفَقَ؛ لأنَّها أخَذَتْ منه ما لا
стр. 11872
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَسْتَحِقُّهُ، فرَجَعَ عليها، كما لو ادَّعَتْ عليه دَيْنًا وأخَذَتْه منه، ثمَّ تَبَيَّنَ كَذِبُها. وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخْرَى، لا يَرْجِعُ بشئٍ؛ لأنَّه أنْفَقَ عليها بحُكْمِ آثارِ (١) النِّكاحِ، فلم يَرْجِعْ به، كالنَّفَقةِ في النِّكاحِ الفاسِدِ إذا تَبَيَّنَ فَسادُه. وإن عَلِمَتْ بَراءَتَها مِن الحملِ بالحَيْضِ، فكَتَمَتْه، فيَنْبَغِى أن يَرْجِعَ عليها، قَوْلًا واحدًا؛ لأنَّها أَخَذَتِ النَّفَقةَ مع عِلْمِها ببَراءَتِه منها، كما لو أخَذَتْها مِن مالِه بغيرِ عِلْمِه. وإنِ ادَّعَتِ الرَّجْعِيَّةُ الحَمْلَ، فأنْفَقَ عليها أكْثَرَ مِن مُدَّةِ عِدَّتِها، رَجَعَ عليها بالزِّيادَةِ، ويُرْجَعُ في مُدَّةِ العِدَّةِ إليها؛ لأنَّها أعْلَمُ بها، فالقولُ قوْلُها فيها مع يَمِينِها. فإن قالت: قد ارْتَفَعَ حَيْضِى، ولم أدْرِ ما رَفَعَه. فعِدَّتُها سَنَةٌ، إن كانت حُرَّةً. وإن قالت: قد انْقَضَتْ بثلاثةِ قُروءٍ. وذكرتْ آخِرَها، فلها النَّفقَةُ إلى ذلك،
стр. 11873
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويَرْجِعُ عليها بالزَّائدِ. وإن قالتْ: لا أدْرِى متى آخِرُها. رَجَعْنا إلى عادَتِها، فحَسَبْنا لها بها. وإن قالتْ: عادَتِى تَخْتَلِفُ فتَطُولُ وتَقْصُرُ. انْقَضَتِ العِدَّةُ بالأقْصَرِ؛ لأنَّه اليَقِينُ. وإن قالتْ: عادَتِى تَخْتَلِفُ، ولا أعْلَمُ. رَدَدْنَاها إلى غالِبِ عاداتِ النِّساءِ، في كلِّ شَهْرٍ قَرْءٌ، كما رَدَدْنا المُتَحَيِّرَةَ إلى ذلك في أحْكامِها، كذلك هذه، فإن بانَ أنَّها حامِلٌ مِن غيرِه، مثلَ أن تَلِدَه لأكثرَ مِن أرْبَعِ سِنِينَ، فلا نَفَقةَ عليه لمُدَّةِ (١) حَمْلِها؛ لأنَّه مِن غيرِه. وإن كانتْ رَجْعِيَّةً، فلها النَّفَقةُ في مُدَّةِ عِدَّتِها، فإن كانتِ انْقَضَتْ قبلَ حَمْلِها، فلها النَّفَقةُ إلى انْقِضائِها. وإن حَمَلَتْ في أثْناءِ عِدَّتِها، فلها النَّفَقةُ إلى الوَطْءِ الذى حَمَلَتْ منه، ثمَّ لا نَفَقةَ لها
стр. 11874
وَهَلْ تَجِبُ النَّفَقَةُ لِلْحَامِلِ لِحَمْلِهَا، أَوْ لَهَا مِنْ أَجْلِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ؛ إِحْدَاهُمَا، أَنَّهَا لَهَا، فَتَجِبُ لَهَا إِذَا كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ رَقِيقًا. وَلَا تَجِبُ لِلنَّاشِزِ، وَلَا لِلْحَامِلِ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ. وَالثَّانِيَةُ، أَنَّهَا لِلْحَمْلِ، فَتَجِبُ لِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثِ،
ــ
حتى تَضَعَ حَمْلَها، ثمَّ تكونُ لها النَّفَقةُ في تَمامِ عِدَّتِها. وإن وَطِئَها زَوْجُها في العِدَّةِ الرَّجْعِيَّةِ، حَصَلَتِ الرَّجْعَةُ. وإن قُلْنا: لا تَحْصُلُ. فالنَّسَبُ لاحِقٌ به، وعليه النَّفَقةُ لمُدَّةِ حَمْلِها. وإن وَطِئَها بعدَ انْقِضاءِ عِدَّتِها، أو وَطِئَ البائِنَ عالِمًا بذلك وبتَحْرِيمِه، فهو زِنًى، لا يَلْحَقُه نَسَبُ الوَلَدِ، ولا نَفَقَةَ (١) عليه مِن أجْلِه. وإن جَهِلَ بَيْنُونَتَها، أو (٢) انْقِضاءَ عِدَّةِ الرَّجْعِيَّةِ، أو بتَحْرِيمِ ذلك، وهو ممَّن يَجْهَلُه، لَحِقَه النَّسَبُ. وفى وُجُوبِ النَّفَقةِ عليه (٣) رِوايتان.
٣٩٥٩ - مسألة: (وهل تَجِبُ النَّفَقَةُ للحامِلِ لِحَمْلِها، أو لها مِن أجْلِه؟ على رِوايَتَيْن) إحداهما تجبُ للحَمْلِ. اخْتارَها أبو بكرٍ؛ لأنَّها تجبُ (٤) بوُجُودِه، وتَسْقُطُ عندَ انْقِضائِه، فدَلَّ على أنَّها له. والثانيةُ، تجبُ لها مِن أجْلِه؛ لأنَّها تجبُ مع اليَسارِ والإِعْسارِ، فكانتْ لها، كنَفَقةِ
стр. 11875
وَلَا تَجِبُ لَهَا إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا رَقِيقًا.
ــ
الزَّوْجاتِ، ولأنَّها لا تَسْقُطُ بمُضِىِّ الزَّمانِ، فأشْبَهَتْ نَفَقَتَها في حَياتِه. وللشَّافعىِّ قَوْلان كالرِّوايتَيْن. ويَنْبَنِى على هذا الاخْتِلافِ فُرُوعٌ؛ منها، أنَّها إذا كانتِ المُطَلَّقةُ الحامِلُ أمَةً، وقُلْنا: النَّفقةُ للحَمْلِ. فنَفَقَتُها على سَيِّدِها؛ لأنَّه مِلْكُه. وإن قُلْنا: لها. فعلى الزَّوْجِ؛ لأَنَّ نَفَقَتَها عليه. وإن كان الزَّوْجُ عَبْدًا، وقُلْنا: هى للحَمْلِ. فليس عليه نَفَقَةٌ؛ لأنَّه لا يَلْزَمُه نَفَقةُ وَلَدِه. وإن قُلْنا: لها. فالنَّفقةُ عليه؛ لِمَا ذكَرْنا. وإن كانت حامِلًا مِن نِكاحٍ فاسدٍ، أو وَطْءِ شُبْهَةٍ، وقُلْنا: النَّفقةُ للحَمْلِ. فعلى الزَّوْجِ والوَاطِئِ؛ لأنَّه ولَدُه، فلَزِمَتْه نفقَتُه كما بعدَ الوَضْعِ. وإن قُلْنا: للحامِلِ. فلا نَفَقةَ عليه؛ لأنَّها ليستْ زَوْجةً يَجِبُ الإِنْفاق عليها. وإن نَشَزَتِ امرأةُ إنْسانٍ وهى حامِلٌ، وقُلْنا: النَّفقةُ للحَمْلِ. لم تَسْقُطْ نَفَقَتُها؛ لأَنَّ نَفقةَ ولَدِه لا تَسْقُطُ بنُشُوزِ أُمِّه. وإن قُلْنا: لها. فلا نَفَقةَ لها؛ لأنَّها ناشِزٌ.
стр. 11876
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ويَلْزَمُ الزَّوْجَ دَفْعُ نَفَقةِ الحاملِ المُطَلَّقةِ إليها يومًا فيومًا، كما يَلْزَمُه دَفْعُ نَفَقةِ الرَّجْعِيَّةِ. وقال الشافعىُّ في أحَدِ قَوْلَيْه: لا يَلْزَمُه دَفْعُها إليها حتى تَضَعَ؛ لأَنَّ الحَمْلَ غيرُ مُتَحَقِّقٍ، ولهذا أوْقَفْنا المِيراثَ. وهذا خِلافُ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. ولأنَّها مَحْكُومٌ لها بالنَّفَقةِ، فوَجَبَ دَفْعُها إليها، كالرَّجْعِيَّةِ. وما ذكَرَه (١) لا يَصِحُّ؛ فإنَّ الحَمْلَ يَثْبُتُ بالأماراتِ، وتَثْبُتُ أحكامُه في مَنْعِ النِّكاحِ، والحَدِّ، والقِصاصِ، وفَسْخِ البَيْعِ في الجاريةِ المَبِيعَةِ، والمَنْعِ مِن الأخْذِ في الزَّكاةِ، ووُجُوبِ الدَّفْعِ في الدِّيَةِ، فهو كالمُتَحَقِّقِ، ولا يُشْبِهُ هذا المِيراثَ؛ فإنَّ الميراثَ [لا يَثْبُتُ] (٢) بمُجَرَّدِ الحَمْلِ، فإنَّه يُشْتَرطُ له الوَضْعُ والاسْتِهْلالُ بعدَ الوَضْعِ، ولا يُوجَدُ دلك قبلَه، ولأنَّنا لا نَعْلَمُ صِفَةَ الحَمْلِ ووُجُودَ شَرْطِ تَوْرِيثِه، بخِلافِ مَسْأَلَتِنا، فإنَّ النَّفقةَ تَجِبُ بمُجَرَّدِ الحَمْلِ، ولا تَخْتَلِفُ
стр. 11877
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
باخْتِلافِه. وإذا ثَبَتَ هذا، فمتى ادَّعَتِ الحَمْلَ فصَدَّقَها، دَفَعَ إليها، فإنْ [كانت حامِلًا] (١)، فقد اسْتَوْفَتْ حَقَّها، وإن بانَ أنَّها ليستْ حامِلًا، رَجَعَ عليها، سَواءٌ دَفَعَ إليها بحُكْمِ الحاكِمِ أو بغيرِه، وسَواءٌ شَرَطَ أنَّها نَفقَةٌ أو لم يَشْتَرِطْ. وعنه، لا يَرْجِعُ. والصَّحيحُ الأَوَّلُ؛ لأنَّه دَفَعَه على أنَّه واجِبٌ، فإذا بانَ أنَّه ليس بواجبٍ، اسْتَرْجَعَه، كما لو قَضاها دَيْنًا فبانَ أنَّه لم يَكُنْ عليه دَيْنٌ. وإن أنْكَرَ حَمْلَها، نَظَرَ النِّساءُ الثِّقاتُ، فَرُجِعَ إلى قَوْلِهِنَّ، ويُقْبَلُ قولُ المرأةِ الواحدةِ إذا كانتْ مِن أَهْلِ الخِبْرَةِ والعَدالةِ؛
وَأَمَّا الْمُتَوَفَّى عَنْهَا؛ فَإِنْ كَانَتْ حَائِلًا، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا سُكْنَى، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا، فَهَلْ لَهَا ذَلِكَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
ــ
٣٩٦٠ - مسألة: (وأمَّا المُتَوَفَّى عنها) زَوْجُها (فإن كانت حَائِلًا، فلا سُكْنَى لها ولا نَفَقةَ) في مُدَّةِ العِدَّةِ؛ لأَنَّ النِّكاحَ قد زالَ بالمَوْتِ (وإن كَانت حامِلًا) ففيها رِوَايتان؛ إحداهما، لها السُّكْنَى والنَّفقةُ؛ لأنَّها حامِلٌ مِن زَوْجِها، فكانتْ لها السُّكْنَى والنَّفقَةُ، كالمُفارِقَةِ في الحياةِ.
стр. 11880
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والثانيةُ، لا سُكْنَى لها ولا نَفَقةَ؛ لأنَّه قد صارَ للوَرَثَةِ، ونَفَقةُ الحامِلِ وسُكْناها إنَّما هو للحَمْلِ، أو مِن أجْلِه، ولا يَلْزَمُ ذلك الوَرَثَةَ؛ لأنَّه إن كان للمَيِّتِ مِيراثٌ، فنَفَقةُ الحَمْلِ مِن نَصِيبِه، وإن لم يكنْ له مِيراثٌ، لم يَلْزَمْ وارِثَ المَيِّتِ الإِنْفاقُ على حَمْلِ امرأتِه، كما بعدَ الوِلادَةِ. قال القاضى: وهذه الرِّوايةُ أصَحُّ.
فصل: ولا تَجِبُ النَّفَقةُ على الزَّوْجِ في النِّكاحِ الفاسدِ؛ لأنَّه ليس بينَهما نِكاحٌ صحيحٌ، فإن طَلَّقَها أو فُرِّقَ بينَهما قبلَ الوَطْءِ، فلا عِدَّةَ عليها، وإن كان بعدَه، فعليها العِدَّةُ، ولا نَفَقةَ لها ولا سُكْنَى إن كانت حائِلًا؛ لأنَّه إذا لم يَجِبْ ذلك قبلَ التَّفْرِيقِ فبعدَه أَوْلَى، وإن كانت حامِلًا، فعلى ما ذكَرْنا؛ فإن قُلْنا: لها النَّفَقةُ إذا كانتْ حامِلًا. فلها ذلك قبلَ التَّفْريقِ؛ لأنَّه إذا وَجَبَ بعدَ التَّفْريقِ فقَبْلَه أَوْلَى. ومتى أنْفقَ عليها قبلَ مُفارَقَتِها أو بعدَها، لم يَرْجِعْ عليها بشئٍ؛ لأنَّه إن كان عالِمًا بعدَمِ الوُجُوبِ، فهو مُتَطَوِّعٌ به، وإن لم يَكُنْ عالِمًا، فهو مُفَرِّطٌ، فلم يَرْجِعْ
стр. 11881
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
به (١)، كما لو أنْفَقَ على أجْنَبِيَّةٍ. وكلُّ مُعْتَدَّةٍ مِن وَطْءٍ في (٢) غيرِ نِكاحٍ صَحيحٍ، كالمَوْطُوءَةِ بشُبْهَةٍ وغيرِها، إن كان يَلْحَقُ الواطِئَ نَسَبُ وَلَدِها، فهى كالمَوْطُوءَةِ في النِّكاحِ الفاسدِ، وإن كان لا يَلْحَقُه نَسَبُ وَلَدِها، كالزَّانِى، فليس عليه نَفَقَتُها، حامِلًا كانت أَوْ لا؛ لأنَّه لا نِكاحَ بيْنَهما، ولا بينَهما وَلَدٌ يُنْسَبُ إليه (٣).
فصل: ولا تجبُ على الزَّوْجِ نَفَقةُ النَّاشِزِ، فإن كان لها منه وَلَدٌ، أعْطاها نَفَقةَ وَلَدِها. والنُّشُوزُ مَعْصِيَتُها إيَّاه فيما يجبُ عليها، ممَّا أوْجَبَه الشَّرْعُ بسَبَبِ النِّكاحِ، فمتى امْتَنَعَتْ مِن فِراشِه، أو مِن الانْتِقالِ معه إلى مَسْكَنِ مِثْلِها، أو خَرَجَتْ مِن مَنْزِلِه بغيرِ إذْنِه، أو أبَتِ السَّفَرَ معه إذا لم تَشْتَرِطْ بَلَدَها، فلا نَفَقَةَ لها ولا سُكْنَى، في قَوْلِ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛
стр. 11882
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
منهم الشَّعْبِىُّ، وحَمَّادٌ، ومالِكٌ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى، وأبو ثَوْرٍ. وقال الحَكَمُ: لها النَّفَقةُ. قال ابنُ المُنْذِرِ (١): ولا أعْلَمُ أحدًا خالَفَ هؤلاءِ إلَّا الحَكَمَ. ولعَلَّه يَحْتَجُّ بأنَّ نُشُوزَها لا يُسْقِطُ مَهْرَها، فكذلك نَفَقَتُها. ولَنا، أنَّ النَّفَقَةَ إنَّما تجبُ في مُقابَلَةِ تَمْكِينِها، بدَلِيلِ أنَّها لا تجبُ قبلَ تَسْلِيمِها إليه، ولأنَّه إذا مَنَعَها النَّفَقةَ كان لها مَنْعُه التَّمْكِينَ، فكذلك إذا مَنَعَتْه التَّمْكِينَ كان له مَنْعُها النَّفَقةَ، كما قبلَ الدُّخولِ. ويُخالِفُ المَهْرَ؛ فإنَّه يجبُ بمُجَرَّدِ العَقْدِ، ولذلك (٢) لو مات أحَدُهما قبلَ الدُّخُولِ، وجَبَ المَهْرُ دُونَ النَّفَقةِ. فأمَّا نَفَقَةُ وَلَدِها منه، فهى واجِبَةٌ عليه، فلا يَسْقُطُ حَقُّه بمَعْصِيَتِها، كالكَبِيرِ. وعليه دَفْعُها إليها إذا كانتْ هى الحاضِنَةَ له (٣)، أو المُرْضِعَةَ، وكذلك أجْرُ رَضاعِها، يَلْزَمُه تَسْلِيمُه إليها؛ لأنَّه أجْرٌ مَلَكَتْه عليه بالإِرْضاعِ (٤)، لا في مُقابَلَةِ الاسْتِمْتاعِ، فلا يَزُولُ بزَوالِه.
فصل: وإذا سَقَطَتْ نَفَقَتُها بالنُّشُوزِ، فعادت عن النُّشُوزِ والزَّوْجُ
стр. 11883
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حاضِرٌ، عادتْ نَفَقَتُها؛ لزَوالِ المُسْقِطِ لها، ووُجُودِ التَّمْكِينِ المُقْتَضِى لها. وإن كان غائِبًا، لم تَعُدْ نَفَقَتُها حتى يَعُودَ التَّسْلِيمُ بحُضُورِه، أو حُضُورِ وَكِيلِه، أو حُكْمِ الحاكمِ بالوُجُوبِ إذا مَضَى زَمَنُ الإِمْكانِ. ولو ارْتَدَّتْ، سَقَطَتْ نَفَقَتُها، [فإن عادت إلى الإِسلامِ، عادت نَفَقَتُها (١) بمُجَرَّدِ عَوْدِها؛ لأَنَّ المُرْتَدَّةَ إنَّما سَقَطَتْ نَفَقَتُها] (٢) لخُرُوجِها عن الإِسلامِ، فإذا عادت إليه، زالَ المَعْنى المُسْقِطُ، فعادتِ النَّفَقةُ، وفى النُّشُوزِ سَقَطَتِ النَّفقةُ بخُرُوجِها عن يَدِه، أو مَنْعِها له مِن التَّمْكِينِ المُسْتَحَقِّ عليها، ولا يَزُولُ ذلك إلَّا بعَوْدِها إلى يَدِه، وتَمْكِينِه منها، ولا يَحْصُلُ ذلك في غَيْبَتِه، ولذلك (٣) لو بذَلَتْ تَسْلِيمَ نَفْسِها قبلَ دُخُولِه بها وهو غائِبٌ، لم تَسْتَحِقَّ النَّفقةَ بمُجَرَّدِ البَذْلِ، كذا ههُنا.
فصل: إذا خالَعَتِ المرأةُ زَوْجَها وهى حامِلٌ، ولم تُبْرِئْه مِن حَمْلِها، فلها النَّفقةُ، كالمُطَلَّقَةِ ثلاثًا وهى حامِلٌ؛ لأَنَّ الحَمْلَ وَلَدُه، فعليه نَفَقَتُه، وإن أبْرأتْه من الحَمْلِ عِوَضًا في الخُلْعِ، صَحَّ، سواءٌ كان العِوَضُ كلَّه أو بعضَه، وقد ذكَرْناه في الخُلْعِ، وذكَرْنا الخِلافَ فيه. ولا يَبْرأُ (٤) حتى تَفْطِمَه، إذا كانت قد أبْرأتْه مِن نَفَقَةِ الحَمْلِ وكفالَةِ
стр. 11884
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الوَلَدِ إلى ذلك، أو أطْلَقَتِ البَراءَةَ مِن نَفَقةِ الحَمْلِ وكَفالتِه؛ لأَنَّ البَراءَةَ المُطْلَقَةَ تَنْصَرِفُ إلى المُدَّةِ التى تَسْتَحِقُّ المرأةُ العِوَضَ عليه فيها، وهى مُدَّةُ الحَمْلِ والرَّضاعِ؛ لأَنَّ المُطْلَقَ إذا كان له عُرْفٌ، انْصَرَفَ [إلى العُرْفِ] (١)، وإنِ اخْتَلَفا في مُدَّةِ الرَّضاعِ، انْصَرَف إلى حَوْلَيْن؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (٣). ثمَّ قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ (٣). فدَلَّ على أنَّه لا يجوزُ فِصالُه قبلَ الحَوْلَيْن [إلَّا بتَراضٍ] (٤) منهما وتَشاوُرٍ.
стр. 11885
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإن قَدَّرا مُدَّةَ البَراءَةِ بزَمَنِ الحَمْلِ، أو بعامٍ، أو نحوِ ذلك، فهو على ما قَدَّراه، وهو أَوْلَى؛ لأنَّه أقْطَعُ للنِّزاعِ، وأبْعَدُ مِن اللَّبْسِ والاشْتِباهِ. ولو أبْرأتْه مِن نَفَقةِ الحَمْلِ، انْصَرَفَ ذلك إلى زَمَن (١) الحَمْلِ قبلَ وَضْعِه. قال القاضى: إنَّما صَحَّ مُخالَعَتُها على نَفَقةِ الوَلَدِ وهى للوَلَدِ دُونَها؛ لأنَّها في حُكْمِ المالِكَةِ لها، لأنَّها التى تَقْبِضُها، وتَسْتَحِقُّها، وتَتَصَرَّفُ فيها، فإنَّها في مُدَّةِ الحملِ هى الآكِلَةُ لها، المُنْتَفِعَةُ بها، وبعدَ الوِلادَةِ هى أجْرُ رَضاعِها إيَّاه، وهى الآخِذَةُ لها، المُتَصَرِّفَةُ فيها، فصارت كمِلْكٍ مِن أمْلاكِها، [فصَحَّ جَعْلُها] (٢) عِوَضًا. فأمَّا النَّفَقةُ الزائدةُ على هذا، مِن كُسْوَةِ الطِّفلِ ودُهْنِه، ونحوِ ذلك، فلا يَصِحُّ أن تُعاوِضَ به في (٣) الخُلْعِ؛ لأنَّه ليس هو لها، ولا في حُكْمِ ما هو لها.
стр. 11886
فَصْلٌ: وَعَلَيْهِ دَفْعُ النَّفَقَةِ إِلَيْهَا فِي صَدْرِ نَهَارِ كُلِّ يَوْمٍ، إِلَّا أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى تَأْخِيرِهَا أَوْ تَعْجِيلِهَا لِمُدَّةٍ قَلِيلَةٍ أَوْ كَثِيرَةٍ، فَيَجُوزُ.
ــ
فصل: قال الشَّيْخُ، ﵀: (ويجبُ دَفْعُ النَّفقةِ إليها في صَدْرِ نَهارِ كلِّ يَوْمٍ) وذلك إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ؛ لأنَّه أوَّلُ وقتِ الحاجةِ، فإنِ اتَّفَقا على تأْخِيرِها أو تَعْجِيلِها لمُدَّةٍ قَليلَةٍ أو كَثِيرَةٍ، جازَ؛ لأَنَّ الحَقَّ لهما، لا يَخْرُجُ عنهما، فجازَ مِن تَعْجِيلِه وتَأْخيرِه ما اتَّفَقَا عليه، كالدَّيْنِ، ولا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ في هذا فيما عَلِمْناه.
فصل (١): فإن سَلَّمَ إليها نَفَقَةَ يَوْمٍ، ثمَّ ماتت، لم يَرْجِعْ عليها بها؛ لأنَّه دَفَعَ إليها ما وَجَبَ عليه دَفْعُه إليها. وإن أبانها بعدَ وُجوبِ الدفْعِ إليها،
стр. 11887
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لم تَسْقُطْ نَفَقَتُها فيه، ولها مُطالَبَتُه بها؛ لأنَّها قد وَجَبَت، فلم تَسْقُطْ بالطلاقِ، كالدَّيْنِ. فإن عَجَّلَ لها نَفَقَةَ شَهْرٍ أو عامٍ، ثمَّ طَلَّقَها، أو ماتت قبل انقِضائِه، أو بانت بفَسْخٍ، أو إسلامِ أحَدِهما، أو رِدَّتِه، فله أن يَسْتَرْجِعَ نَفَقَةَ سائرِ الشَّهرِ. وبه قال الشافعىُّ، ومحمدُ بنُ الحسنِ. وقال أبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ: لا يَسْتَرجِعُها؛ لأنَّها صِلَةٌ، فإذا قَبَضَتْها، لم يَكُنْ له الرجوعُ فيها، كصَدَقةِ التَّطوعِ. ولَنا، أنَّه سَلَّمَ إليها النَّفَقَةَ سَلَفًا عما يَجِبُ، فإذا وُجِدَ ما يَمْنَعُ الوجوبَ، ثَبَتَ الرجوعُ، كما لو أسْلَفَها إيَّاها فنَشَزَت، أو عَجَّلَ الزَّكَاةَ إلى الساعِى، فتَلِفَ مالُه قبلَ الحَوْلِ. وقولُهم: إنَّها صِلَةٌ. قلنا: بل هى عِوَضٌ عن التمكينِ، وقد فات التمكينُ. وذكر القاضى أنَّ زوجَ الوثنيةِ والمجوسيةِ إذا دَفَعَ إليها نَفَقةَ سَنَتَيْن ثمَّ بانَتْ بإسلامِه، فإن لم يكنْ أعْلَمَها أنَّها نَفَقةٌ عَجَّلَها لها، لم يَرْجِعْ عليها؛ لأَنَّ الظاهِرَ أنَّه تَطَوَّعَ بها، وإن أعْلَمَها ذلك انْبَنَى على مُعَجِّلِ الزَّكاةِ إذا عَلَّمَ الفَقِيرَ أنَّها زكاةٌ مُعَجَّلَةٌ ثمَّ تَلِفَ المالُ، وفى الرجوعِ بها وجهان، كذا ههُنا. وكذلك يَنْبَغِى أن يكونَ في سائرِ الصُّورِ مثلُ هذا؛ لأنَّه تَبَرَّعَ بدَفْعِ ما لا يلْزَمُه مِن غيرِ إعلامِ الآخِذِ بتَعْجِيلِه، فلم يَرْجِعْ به كمُعَجِّلِ الزَّكاةِ. ولو سَلَّمَ إليها نفقةَ اليومِ، فتَلِفَتْ أو سُرِقَتْ، لم يَلْزَمْه عِوَضُهَا؛ لأنَّه بَرِئَ مِن الواجبِ بدَفْعِه، فأشْبَهَ ما لو تَلِفَتِ الزكاةُ بعدَ قَبْضِ الساعِى لها، أو الدينُ بعدَ أخْذِ صاحبِه له. واللَّهُ أعلمُ.
стр. 11888
وَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا دَفْعَ الْقِيمَةِ، لَمْ يَلْزَمِ الْآخَرَ ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ كُسْوَتُهَا فِي كُلِّ عَامٍ،
ــ
٣٩٦١ - مسألة: (فإن طَلَبَ أحَدُهما دَفْعَ القِيمَةِ، لم يَلْزَمِ الآخَرَ) لأنَّه طَلَبَ غيرَ الواجبِ، فلم يَلْزَمِ الآخَرَ؛ لأنَّها مُعاوَضَةٌ، فلا يُجْبَرُ [واحِدٌ على قَبُولِها منهما] (١)، كالبَيْعِ، وإن تراضَيا على ذلك جازَ؛ لأنَّه طَعامٌ وجَبَ في الذِّمَّةِ لآدَمِىٍّ مُعَيَّنٍ، فجازَتِ المُعاوَضَةُ عنه، كالطَّعامِ في القَرْضِ.
٣٩٦٢ - مسألة: (وعليه كُسْوَتُها في كلِّ عامٍ) مَرَّةً؛ لأنَّه العادةُ، ويكونُ الدَّفْعُ إليها في أوَّلِه، لأنَّه أوَّلُ وقتِ الوُجُوبِ.
стр. 11889
فَإِذَا قَبَضَتْهَا فَسُرِقَتْ أَوْ تَلِفَتْ، لَمْ يَلْزَمْهُ عِوَضُهَا،
ــ
٣٩٦٣ - مسألة: (فإذا قَبَضَتْها فسُرِقَتْ أو تَلِفَتْ، لم يَلْزَمْه عِوَضُها) إذا تَلِفَتِ الكُسْوَةُ، أو سُرِقَتْ بعدَ قَبْضِها، لم يَلْزَمْه عِوَضُها؛ لأنَّها قَبَضَتْ حَقَّها، فلم يَلْزَمْه غيرُه، كالدَّيْنِ إذا وَفَّاها إيَّاه، ثمَّ ضاعَ منها.
стр. 11890
وَإِنِ انْقَضَتِ السَّنَةُ وَهِىَ صَحِيحَةٌ، فَعَلَيْهِ كُسْوَةُ السَّنَةِ الْأُخْرَى. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ.
ــ
٣٩٦٤ - مسألة: (وإنِ انْقَضَتِ السَّنَةُ وهى صَحِيحَةٌ، فعليه كُسْوَةُ السَّنَةِ الأُخْرَى، ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَه) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا دَفَعَ إليها كُسْوَةَ العامِ بَرِئَ منها، كما إذا دَفَعَ إليها نَفَقةَ اليومِ، فإن بَلِيَتْ (١) قبلَ ذلك، لكثرةِ خُرُوجِها ودُخُولِها أو اسْتِعْمالِها، لم يَلْزَمْه إبْدالُها؛ لأنَّه ليس بوقتِ الحاجةِ إلى الكُسْوَةِ في العُرْفِ. وإن مَضَى الزَّمانُ الذى يَبْلَى في مثلِه بالاسْتِعْمالِ المُعْتادِ (٢) ولم تَبْلَ، فهل يَلْزَمُه بَدَلُها؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهُما، لا يَلْزَمُه؛ لأنَّها غيرُ مُحتاجةٍ إلى الكُسْوَةِ. والثانى، يَلْزَمُه؛
стр. 11891
وَإِنْ مَاتَتْ أَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ مُضِىِّ السَّنَةِ، فَهَلْ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِقِسْطِ بَقِيَّةِ السَّنَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
ــ
لأَنَّ الاعْتِبَارَ بمُضِىِّ الزَّمانِ دُونَ حَقِيقَةِ الحاجةِ، بدَلِيلِ أنَّها لو بَلِيَتْ قبلَ ذلك لم يَلْزَمْه بَدَلُها. ولو أُهْدِىَ إليها كُسْوَةٌ، لم تَسْقُطْ كُسْوَتُها، وكذلك لو أُهْدِىَ إليها طَعامٌ فأكَلَتْه، وبَقِىَ قُوتُها إلى الغدِ، لم يَسْقُطْ قُوتُها فيه.
٣٩٦٥ - مسألة: (وإن ماتَتْ أو طَلَّقَها قَبْلَ مُضِىِّ السَّنَةِ، فهل يَرْجِعُ عليها بقِسْطِ بَقِيَّةِ السَّنَةِ؟ على وَجْهَيْن) أحَدُهما، له الرُّجُوعُ؛ لأنَّه دَفَعها للزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ، فإذا طَلَّقَها قبلَ مُضِيِّهِ، كان له اسْتِرْجاعُها، كما لو دَفَعَ إليها نَفَقَةَ مُدَّةٍ، ثمَّ طَلَّقَها قبلَ انْقِضائِها. والثانى، ليس له
стр. 11892
وَإِذَا قَبَضَتِ النَّفَقَةَ، فَلَهَا التَّصَرُّفُ فِيهَا عَلَى وَجْهٍ لَا يَضُرُّ بِهَا، وَلَا يَنْهَكُ بَدَنَهَا،
ــ
الاسْتِرْجاعُ؛ لأنَّه دَفَعَ إليها الكُسْوَةَ بعدَ وُجُوبِها عليه، فلم يكنْ له الرُّجُوعُ فيها، كما لو دَفَعَ إليها النَّفقةَ بعدَ وُجُوبِها ثمَّ طَلَّقَها قبلَ أكْلِها، بخِلافِ النَّفَقةِ المُسْتَقْبَلَةِ.
٣٩٦٦ - مسألة: (وإذا قَبَضَتِ النَّفَقَةَ، فلها التَّصَرُّفُ فيها على وَجْهٍ لا يَضُرُّ بها، ولا يَنْهَكُ بَدَنَها) فيَجُوزُ لها بَيْعُها، وهِبَتُها، والصَّدَقَةُ
стр. 11893
وَإِنْ غَابَ مُدَّةً وَلَمْ يُنْفِقْ، فَعَلَيْهِ نَفَقَةُ مَا مَضَى. وَعَنْهُ، لَا نَفَقَةَ لَهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَاكِمُ قَدْ فَرَضَهَا لَهَا.
ــ
بها، وغيرُ ذلك؛ لأنَّها حَقُّها، فمَلَكَتِ التَّصَرُّفَ فيه (١)، كسائرِ مالِها، فإن عادَ ذلك عليها بضَرَرٍ في بَدَنِها، ونَقْصٍ في اسْتِمْتاعِها، فلا تَمْلِكُه؛ لأنَّها تُفَوِّتُ حَقَّه بذلك، وكذلك الحكمُ في الكُسْوَةِ، في أحَدِ الوَجْهَيْن، قِياسًا على النَّفَقةِ، واحْتَمَلَ المَنْعُ؛ لأَنَّ له اسْتِرْجاعَها لو طَلَّقَها في أحَدِ الوَجْهَيْن، بخِلافِ النَّفقَةِ.
٣٩٦٧ - مسألة: (وإن غابَ مُدَّةً ولم يُنْفِقْ، فعليه نَفَقَةُ ما مَضَى) [ إذا تَرَكَ الإِنْفاقَ الواجبَ لامرأتِه مدةً، لم يَسْقُطْ بذلك، وكانتِ النَّفَقةُ دَيْنًا في ذِمَّتِه] (٢)، سَواءٌ تَرَكَها لِعُذْرٍ أو غَيْرِ عُذْرٍ، في أظْهَرِ الرِّوايَتَيْن. وبه قال الحسنُ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ. والرِّوايةُ الأُخْرَى، تَسْقُطُ ما لم يكنِ الحاكمُ قد (٣) فَرَضَها لها. وهو مذهبُ أبى حنيفةَ؛
стр. 11894
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لأنَّها نَفَقَةٌ تَجِبُ يومًا فيومًا، فتَسْقُطُ بتأْخِيرِها إذا لم يَفْرِضْها الحاكمُ، كنَفَقةِ الأقارِبِ، ولأَنَّ نَفَقةَ الماضِى قد اسْتُغْنِىَ عنها بمُضِىِّ وَقْتِها، أشْبَهَتْ نَفَقةَ الأقارِبِ. ولَنا، أنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، كَتَبَ إلى أُمَراءِ الأجْنادِ، في رِجالٍ غابُوا عن نِسائِهم، يأْمُرُهُم بأن يُنْفِقُوا أو يُطَلِّقوا، فإن طَلَّقُوا بَعَثُوا بنَفَقةِ ما مَضَى (١). ولأنَّها حَقٌّ يجبُ مع اليَسارِ والإِعْسارِ، فلم يَسْقُطْ بمُضِىِّ الزَّمانِ، كأُجْرَةِ العَقارِ والدُّيونِ. قال ابنُ المُنْذِرِ (٢): هذه نفقةٌ وجَبَتْ بالكِتابِ والسُّنَّةِ والإِجْماعِ، ولا يَزُولُ ما وَجَبَ [بهذه الحُجَجِ إلَّا بمِثْلِها] (٣). [ولأنَّها عِوَضٌ وَاجِبٌ، فأشْبَهَتِ الأُجْرَةَ] (٤)، وفارَقَ نَفَقةَ الأقارِبِ، فإنَّها صِلَةٌ يُعْتَبَرُ فيها اليَسارُ مِن المُنْفِقِ والإِعْسارُ ممَّن تَجِبُ له، وَجَبَتْ لِتَزْجِيَةِ الحالِ، فإذا مَضَى (٥) زَمَنُها اسْتَغْنَى عنها، فأشْبَهَ ما لو اسْتَغْنَى عنها بِيَسارِه، وهذا بخِلافِ ذلك. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إن تَرَكَ النَّفقةَ عليها مع يَسارِه، فعليه النَّفقةُ بكَمالِها، وإن تَرَكَها لإِعْسارِه، لم يَلْزَمْه إلَّا نَفَقةُ المُعْسِرِ؛ لأَنَّ الزَّائِدَ سَقَطَ بالإِعْسارِ.
مِثْلُهَا، أَوْ يَتَعَذَّرُ وَطْؤُهَا لِمَرَضٍ، أَوْ حَيْضٍ، أَوْ رَتْقٍ، وَنَحْوِهِ، لَزِمَ زَوْجَهَا نَفَقَتُهَا، سَوَاءٌ كَانَ الزَّوْجُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا، يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ أَوْ لَا يُمْكِنُهُ، كَالْعِنِّينِ، وَالْمَجْبُوبِ، وَالْمَرِيضِ،
ــ
وهى ممَّن يُوطَأُ مِثْلُها، أو يَتَعَذَّرُ وَطْؤُها لمرَضٍ، أو حَيْضٍ، أو رَتْقٍ، أو نحوِه، لَزِمَ زَوْجَها نَفَقَتُها، سواءٌ كان الزَّوْجُ صَغِيرًا أو كَبِيرًا، يُمْكِنُه الوَطْءُ أو لا يُمْكِنُه، كالمَجْبُوبِ والعِنِّينِ والمَريضِ) [وجُملةُ ذلك] (١)، أنَّ المرأةَ إذا بذَلَتْ تَسْلِيمَ نَفْسِها، وهى ممَّن يُوطَأُ مِثْلُها، لَزِمَ زَوْجَها نَفَقَتُها؛ لِمَا روَى جابرٌ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: «اتَّقُوا اللَّهَ في النِّساءِ، فإنَّهُنَّ عَوانٍ عِنْدَكُمْ، أخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانةِ اللَّهِ، واسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بكَلِمَةِ اللَّهِ، ولَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بالمَعْرُوفِ». رواه مُسْلِمٌ (٢).
стр. 11897
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٣٩٦٨ - مسألة: وإن سَلَّمَتْ نَفْسَها، وهى ممَّن يَتَعَذَّرُ وَطْؤُها، لرَتْقٍ، أو حَيْضٍ، أو نِفاسٍ، أو لِكَوْنِها نِضْوَةَ الخَلْقِ لَا يُمْكِنُه وَطْؤُها لذلك، أو لمَرَضِها، لَزِمَتْه نَفَقَتُها أيضًا ، وإن حَدَثَ بها شَىْءٌ مِن ذلك، لم تَسْقُطْ نَفَقَتُها؛ لأَنَّ الاسْتِمْتاعَ مُمْكِنٌ، ولا تَفْريطَ مِن جِهَتِها وإن مَنَعَ مِن الوَطْءِ. فإن قِيلَ: فالصَّغِيرةُ التى لا يُمْكِنُ وَطْؤُها إذا سَلَّمَتْ نَفْسَها لا تَجِبُ نَفَقَتُها. قُلْنا: الصَّغِيرةُ لها حالٌ يَتَمَكَّنُ مِن الاسْتِمْتاعِ بها فيها (١) اسْتِمْتاعًا تامًّا، والظَّاهِرُ أنَّه تزَوَّجَها انْتِظارًا لتلك الحالِ، بخِلافِ هؤلاءِ، ولذلك (٢) لو طَلَبَ تَسْلِيمَ هؤلاءِ وَجَبَ تَسْلِيمُهُنَّ، ولا يَجِبُ تَسْلِيمُ الصَّغِيرةِ إذا طَلَبَها. فإن قِيلَ: فلو بذَلَتِ الصَّحِيحَةُ (٣) الاسْتِمْتاعَ بما دُونَ الوَطْءِ، لم تَجِبْ نَفَقَتُها، فكذلك هؤلاءِ. قُلْنا: تلك مَنَعَتْه (٤) ممَّا يَجِبُ عليها، وهؤلاءِ لا يجبُ عليهنَّ التَّمْكِينُ ممَّا فيه ضَرَرٌ. فإنِ ادَّعَتْ أنَّ. عليها ضَرَرًا في وَطْئِه (٥)؛ لِضِيقِ
стр. 11898
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَرْجِها، أو قُرُوحٍ به، أو نحوِ ذلك، وأنْكَرَه، أُرِيَتِ امرأةً ثِقَةً، وعُمِلَ بقَوْلِها. وإنِ ادَّعَتْ عَبالةَ ذَكَرِه وعِظَمَه، جازَ أن تَنْظُرَ المرأةُ إليهما حالَ اجْتِماعِهِما؛ لأنَّه مَوْضِعُ حاجةٍ، ويجوزُ النَّظَرُ إلى العَوْرَةِ للحاجةِ والشَّهادةِ.
٣٩٦٩ - مسألة: وإن أسْلَمَتْ نَفْسَها [وهو صَغِيرٌ] (١)، وجَبَتْ عليه نَفَقَتُها إذا كانَتْ كَبِيرَةً يُمْكِنُ وَطْؤُها. وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومحمدُ ابنُ الحسنِ، والشافعىُّ في أحدِ قَوْلَيْه. وقال في الآخَرِ: لا نَفَقةَ لها. وهو قولُ مالكٍ؛ لأَنَّ الزَّوْجَ لا يتَمَكَّنُ مِن الاسْتِمْتاعِ بها، فلم تَلْزَمْه نَفَقَتُها، كما لو كانت صَغِيرةً. ولَنا، أنَّها سَلَّمَتْ نَفْسَها تَسْلِيمًا صَحِيحًا، فوجَبَتْ لها النَّفَقةُ، كما لو كان الزَّوْجُ كَبِيرًا؛ ولأَنَّ الاسْتِمْتاعَ بها مُمْكِنٌ، وإنَّما تَعَذَّرَ مِن جِهَةِ الزَّوْجِ، فهو كما لو تَعَذَّرَ لغَيْبَتِه، بخِلافِ ما إذا كانت صَغِيرَةً، فإنَّها لم تُسَلِّمْ نَفْسَها (٢) تَسْلِيمًا صَحِيحًا، ولم تَبْذُلْ ذلك، وكذلك إذا كان يَتَعَذَّرُ عليه الوَطْءُ؛ لكونِه (٣) مَريضًا أو مَجْبُوبًا أو عِنِّينًا؛ لأَنَّ التَّمْكِينَ وُجِدَ مِن جِهَتِها، وإنَّما تَعَذَّرَ مِن جِهَتِه، فوجَبَتِ النَّفقَةُ، كما لو سَلَّمَتْ إليه نَفْسَها وهو كَبيرٌ فهَرَبَ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ الوَلِىَّ يُجْبَرُ
стр. 11899
وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا، لَمْ تَجِبْ نَفَقَتُهَا، وَلَا تَسْلِيمُهَا إِلَيْهِ إِذَا طَلَبَهَا،
ــ
على نَفَقَتِها مِن مالِ الصَّبِىِّ؛ لأَنَّ النَّفقَةَ عليه، وإنَّما الوَلِىُّ يَنُوبُ عنه في أداءِ الواجِباتِ عليه، كما يُؤَدِّى أُرُوشَ جِناياتِه وزَكَواتِه.
٣٩٧٠ - مسألة: (فإن كانَتْ صَغِيرَةً لا يُمْكِنُ وَطْؤُها، لم تَجِبْ نَفَقَتُها، ولَا تَسْليمُها إليه إذا طَلَبَها) وبهذا قال الحسنُ، وبكرُ بنُ عبدِ اللَّهِ المُزَنِىُّ، والنَّخَعِىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْى. وهو نَصُّ الشافعىِّ. وقال في مَوْضِعٍ: لو قِيلَ: لها النَّفَقةُ. كان مَذْهَبًا. وهو قولُ الثَّوْرِىِّ؛ لأَنَّ تَعَذُّرَ الوَطْءِ لم يَكُنْ بفِعْلِها، فلم يَمْنَعْ وُجُوبَ النَّفقَةِ، كالمرضِ. ولَنا، أنَّ النَّفقةَ تجبُ بالتَّمْكِينِ مِن الاسْتِمْتاعِ، ولا يُتَصَوَّرُ
стр. 11900
فَإِنْ بَذَلَتْهُ وَالزَّوْجُ غَائِبٌ، لَمْ يُفْرَضْ لَهَا حَتَّى يُرَاسِلَهُ الْحَاكِمُ، وَيَمْضِىَ زَمَنٌ يُمْكِنُ أَنْ يَقْدَمَ فِى مِثْلِهِ.
ــ
ذلك مع تَعَذُّرِ الاسْتِمْتاعِ، فلم تَجِبْ نَفَقَتُها، كما لو مَنَعَه أوْلِياؤُها مِن تَسْلِيمِ نَفْسِها. وبهذا يَبْطُلُ ما ذكَرُوه، [وتُفارِقُ المَريضَةَ] (١)؛ فإنَّ الاسْتِمْتاعَ بها مُمْكِنٌ، وإنَّما نَقَصَ بالمرضِ، ولأَنَّ مَن لا (٢) تُمَكِّنُ الزَّوْجَ مِن نَفْسِها، لا تَلْزَمُه نَفَقَتُها، فهذه أَوْلَى؛ لأَنَّ تلك يمكِنُ الزَّوجَ قَهْرُها ووطؤُها كَرْهًا، وهذه لا يُمْكِنُ فيها ذلك بحالٍ. وعلى هذا، لا يجبُ على الزَّوْجِ [تَسَلُّمُها ولا تَسْلِيمُها] (٣) إليه إذا طَلَبَها؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه اسْتِيفَاءُ حَقِّه منها.
٣٩٧١ - مسألة: (فإن بَذَلَتْه والزَّوْجُ غَائِبٌ، لم يُفْرَضْ لها حتى يُراسِلَه الحاكِمُ، ويَمْضِىَ زَمَنٌ يُمْكِنُ أن يَقْدَمَ في مِثْلِه) وجملةُ ذلك، أنَّ المرأةَ إذا بَذَلَتِ التَّسْلِيمَ والزَّوْجُ غائبٌ، لم تَسْتَحِقَّ النَّفقةَ؛ لأنَّها بَذَلَتْه في حالٍ لا يُمْكِنُه التَّسْلِيمُ فيه، فإن مَضَتْ إلى الحاكمِ، فبَذَلَتِ
стр. 11901
وَإِنْ مَنَعَتْ تَسْلِيمَ نَفْسِهَا، أَوْ مَنَعَهَا أَهْلُهَا، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا،
ــ
التَّسْليمَ، كَتَبَ الحاكمُ إلى حاكمِ البلدِ الذى هو فيه، ليَسْتَدْعِيَه [ويُعْلِمَه ذلك] (١)، فإن سارَ إليها، أو وَكَّلَ مَن يُسَلِّمُها إليه فوَصَلَ وتَسَلَّمَها هو أو نائِبُه، وجَبَتِ النَّفقةُ حينَئذٍ، وإن لم يَفْعَلْ، فَرَضَ الحاكمُ عليه نَفَقَتَها مِن الوقتِ الذى كان يُمْكِنُ الوُصُولُ إليها وتَسَلُّمُها فيه؛ لأَنَّ الزَّوْجَ امْتَنَعَ مِن تَسَلُّمِها [وإمكانِ] (٢) ذلك وبَذْلِها إيَّاه له، فلَزِمَتْه نَفَقَتُها، كما لو كان حاضِرًا. فأمَّا إن غابَ الزّوْجُ بعدَ تَمْكِينِها، ووُجُوبِ نَفَقَتِها عليه، لم تَسْقُطْ عنه، بل تَجِبُ عليه في زَمَنِ غَيْبَتِه؛ لأنَّها اسْتَحَقَّتِ النَّفقةَ بالتَّمْكِينِ، ولم يُوجَدْ منها ما يُسْقِطُها.
فصل: فإن سَلَّمَتِ الصَّغيرةُ التى يُمْكِنُ وَطْؤُها نَفْسَها، أو المَجْنُونَةُ، فتَسَلَّمَها، لَزِمَتْه نَفَقَتُها، كالكَبيرةِ، وإن لم يَتَسَلَّمْها لمَنْعِها نَفْسَها، أو لمنْعِ أوْلِيائِها، فلا نَفقةَ لها عليه، كالكبيرةِ، وإن غابَ الزَّوجُ، فبَذَلَ وَلِيُّها تَسْلِيمَها، فهو كما لو بَذَلَتِ المُكَلَّفةُ نفسها (٣) التَّسْلِيمَ؛ لأَنَّ وَلِيَّها يقُومُ مَقامَها، وإن بذَلَتْ هى دُونَ وَلِيِّها، لم يَفْرِضِ الحاكمُ لها نفقةً؛ لأنَّه لا حُكْمَ لِكلامِها.
٣٩٧٢ - مسألة: (وإن مَنَعَتْ نَفْسَها، أو مَنَعَها أهْلُها، فلا نَفَقةَ
стр. 11902
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لها) وإن تَسَاكنا بعدَ العَقْدِ، فلم تَبْذُلْ، ولم يَطْلُبْ، فلا نَفَقةَ لها وإن طالَ مُقامُها على ذلك؛ فإنَّ النبىَّ ﷺ تزَوَّجَ عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، ودَخَلَتْ عليه بعد سَنَتَيْن، (١) ولم يُنْفِقْ إلَّا بعدَ دُخُولِه، ولم يَلْتَزِمْ نَفَقَتَها لِمَا مَضَى. ولأَنَّ النَّفقةَ تجبُ في مُقابلَةِ التَّمْكِينِ المُسْتَحَقِّ بعَقْدِ النِّكاحِ، فإذا وُجِدَ اسْتَحَقَّتْ، وإذا فُقِدَ (٢) لم تَسْتَحِقَّ شيئًا.
فصل: ولو بذَلَتْ تَسْلِيمًا (٣) غيرَ تَامٍّ، بأن تقولَ: أُسَلِّمُ إليك نَفْسِى في مَنْزِلى دُونَ غيرِه. أو: في المَنْزِلِ الفُلانِىِّ دُونَ غيرِه. لم تَسْتَحِقَّ شيئًا، إلَّا أن تكونَ قد اشْتَرَطَتْ ذلك في العَقْدِ؛ لأنَّها لم تَبْذُلِ التَّسْليمَ الواجِبَ بالعَقْدِ، فلم تَسْتَحِقَّ النَّفقةَ، كما لو قال البائعُ: أُسَلِّمُ إليك السِّلْعَةَ على أن تَتْرُكَها في مَوْضِعِها. أو: في مكانٍ بعَيْنِه (٤). فإن شَرَطَتْ دارَها أو بَلَدَها، فسلَّمَتْ نَفْسَها في ذلك، اسْتَحَقَّتِ النَّفقةَ؛ لأنَّها فَعَلَتِ الواجبَ عليها، ولذلك لو سَلَّمَ السَّيِّدُ أمَتَه المُزَوَّجَةَ في اللَّيْلِ دُونَ النَّهارِ، اسْتَحَقَّتِ
стр. 11903
إِلَّا أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ حَتَّى تَقْبِضَ صَدَاقَهَا الْحَالَّ، فَلَهَا ذَلِكَ، وَتَجِبُ نَفَقَتُهَا.
ــ
النَّفقةَ، بخِلافِ الحُرَّةِ (١)، فإنَّها لو بذَلَتْ نَفْسَها في بعضِ الزَّمانِ، لم تَسْتَحِقَّ شيئًا؛ لأنَّها لم تُسَلِّمِ التَّسْلِيمَ الواجِبَ بالعَقْدِ. وكذلك إن مَكَّنَتْه (٢) مِن اسْتِمْتاعٍ، ومَنَعَتْه اسْتِمْتاعًا، لم تَسْتَحِقَّ شيئًا؛ لذلك (٣).
٣٩٧٣ - مسألة: (إلَّا أن تَمْنَعَ نَفْسَهَا قبلَ الدُّخُولِ حتى تَقْبِضَ صَداقَها الحالَّ، فلها ذلك، وتَجِبُ نَفَقتُها) وجملةُ ذلك، أنَّ [المرأةَ لها] (٤) أن تَمْنَعَ نَفْسَها حتى تَتَسَلَّمَ صَداقَها؛ لأَنَّ تَسْليمَ نَفْسِها قبلَ تَسْليمِ صَداقِها يُفْضِى إلى أن يَتَسَلَّمَ مَنْفَعَتَها المَعْقُودَ عليها بالوَطْءِ، ثم لا يُسَلِّمَ صَداقَها، فلا يُمْكِنُها الرُّجُوعُ فيما اسْتَوْفَى منها، بخِلافِ المَبِيعِ إذا تَسَلَّمَه (٥) المُشْتَرِى ثم أعْسَرَ بالثَّمَنِ، فإنَّه يُمْكِنُه الرُّجوعُ
стр. 11904
وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ،
ــ
فيه، فلهذا ألْزَمْناه تَسْليمَ صَداقِها أوَّلًا، وجَعَلْنا لها أن تَمْتَنِعَ مِن تَسْليمِ نَفْسِها حتى تَقْبِضَ صَداقَها؛ لأنَّه إذا سَلَّمَ إليها الصَّداقَ ثم امْتَنَعَتْ مِن التَّسْلِيمِ، أمْكَنَ الرُّجوعُ فيه. إذا ثَبَتَ هذا، فمتى امْتَنَعَتْ مِن تَسْلِيمِ نَفْسِها لتَقْبِضَ صَداقَها، فلها نَفَقَتُها؛ لأنَّها امْتَنَعَتْ لحَقٍّ. فإن قيل: فلو امْتَنَعَتْ لصِغَرٍ أو مَرَضٍ، لم يَلْزَمْه نَفَقَتُها. قُلْنا: الفَرْقُ بينَهما أنَّ (١) امْتِناعَها لمَرَضٍ لمَعْنًى مِن جِهَتِها، وكذلك الامْتِناعُ للصِّغَرِ، وههُنا الامْتِناعُ لمَعْنًى مِن جِهَةِ الزَّوْجِ، وهو مَنْعُه لِمَا وجَبَ عليه، فأشْبَهَ ما لو تَعَذَّرَ الاسْتِمْتاعُ لصِغَرِ الزَّوْجِ، فإنَّه لا يُسْقِطُ نَفَقَتَها عنه، ولو تَعَذَّرَ لصِغَرِها، لم يَلْزَمْه نَفَقَتُها.
٣٩٧٤ - مسألة: (وإن كان بعدَ الدُّخُولِ) فكذلك، في أحَدِ الوَجْهَيْن، قِيَاسًا على ما قبلَ الدُّخُولِ. والثَّانِى، ليس لها ذلك، كما لو سَلَّمَ المَبِيعَ إلى المُشْتَرِى، ثم أرادَ مَنْعَه بعدَ ذلك.
стр. 11905
بِخِلَافَ الْآجِلِ. وَإِنْ سَلَّمَتِ الْأَمَةُ نَفْسَهَا لَيْلًا وَنَهَارًا، فَهِىَ كَالْحُرَّةِ،
ــ
٣٩٧٥ - مسألة: فأمَّا الصَّدَاقُ الآجِلُ (١) ، فليسَ لها مَنْعُ نَفْسِها حتى تَقْبِضَه، كالثَّمَنِ الآجِلِ (١) في البَيْعِ، وقد ذَكَرْنا هذه المَسائِلَ في كتابِ الصَّداقِ بأبْسَطَ مِن هذا، وذَكَرْنا الخِلافَ فيها (٢)، فاخْتَصَرْنا هَهُنا.
٣٩٧٦ - مسألة: (وإن سَلَّمَتِ الأمَةُ نَفْسَها لَيْلًا ونَهَارًا، فهى