وَإِنْ مَنَعَتْ تَسْلِيمَ نَفْسِهَا، أَوْ مَنَعَهَا أَهْلُهَا، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا،
ــ
التَّسْليمَ، كَتَبَ الحاكمُ إلى حاكمِ البلدِ الذى هو فيه، ليَسْتَدْعِيَه [ويُعْلِمَه ذلك] (١)، فإن سارَ إليها، أو وَكَّلَ مَن يُسَلِّمُها إليه فوَصَلَ وتَسَلَّمَها هو أو نائِبُه، وجَبَتِ النَّفقةُ حينَئذٍ، وإن لم يَفْعَلْ، فَرَضَ الحاكمُ عليه نَفَقَتَها مِن الوقتِ الذى كان يُمْكِنُ الوُصُولُ إليها وتَسَلُّمُها فيه؛ لأَنَّ الزَّوْجَ امْتَنَعَ مِن تَسَلُّمِها [وإمكانِ] (٢) ذلك وبَذْلِها إيَّاه له، فلَزِمَتْه نَفَقَتُها، كما لو كان حاضِرًا. فأمَّا إن غابَ الزّوْجُ بعدَ تَمْكِينِها، ووُجُوبِ نَفَقَتِها عليه، لم تَسْقُطْ عنه، بل تَجِبُ عليه في زَمَنِ غَيْبَتِه؛ لأنَّها اسْتَحَقَّتِ النَّفقةَ بالتَّمْكِينِ، ولم يُوجَدْ منها ما يُسْقِطُها.
فصل: فإن سَلَّمَتِ الصَّغيرةُ التى يُمْكِنُ وَطْؤُها نَفْسَها، أو المَجْنُونَةُ، فتَسَلَّمَها، لَزِمَتْه نَفَقَتُها، كالكَبيرةِ، وإن لم يَتَسَلَّمْها لمَنْعِها نَفْسَها، أو لمنْعِ أوْلِيائِها، فلا نَفقةَ لها عليه، كالكبيرةِ، وإن غابَ الزَّوجُ، فبَذَلَ وَلِيُّها تَسْلِيمَها، فهو كما لو بَذَلَتِ المُكَلَّفةُ نفسها (٣) التَّسْلِيمَ؛ لأَنَّ وَلِيَّها يقُومُ مَقامَها، وإن بذَلَتْ هى دُونَ وَلِيِّها، لم يَفْرِضِ الحاكمُ لها نفقةً؛ لأنَّه لا حُكْمَ لِكلامِها.
٣٩٧٢ - مسألة: (وإن مَنَعَتْ نَفْسَها، أو مَنَعَها أهْلُها، فلا نَفَقةَ
стр. 11902
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لها) وإن تَسَاكنا بعدَ العَقْدِ، فلم تَبْذُلْ، ولم يَطْلُبْ، فلا نَفَقةَ لها وإن طالَ مُقامُها على ذلك؛ فإنَّ النبىَّ ﷺ تزَوَّجَ عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، ودَخَلَتْ عليه بعد سَنَتَيْن، (١) ولم يُنْفِقْ إلَّا بعدَ دُخُولِه، ولم يَلْتَزِمْ نَفَقَتَها لِمَا مَضَى. ولأَنَّ النَّفقةَ تجبُ في مُقابلَةِ التَّمْكِينِ المُسْتَحَقِّ بعَقْدِ النِّكاحِ، فإذا وُجِدَ اسْتَحَقَّتْ، وإذا فُقِدَ (٢) لم تَسْتَحِقَّ شيئًا.
فصل: ولو بذَلَتْ تَسْلِيمًا (٣) غيرَ تَامٍّ، بأن تقولَ: أُسَلِّمُ إليك نَفْسِى في مَنْزِلى دُونَ غيرِه. أو: في المَنْزِلِ الفُلانِىِّ دُونَ غيرِه. لم تَسْتَحِقَّ شيئًا، إلَّا أن تكونَ قد اشْتَرَطَتْ ذلك في العَقْدِ؛ لأنَّها لم تَبْذُلِ التَّسْليمَ الواجِبَ بالعَقْدِ، فلم تَسْتَحِقَّ النَّفقةَ، كما لو قال البائعُ: أُسَلِّمُ إليك السِّلْعَةَ على أن تَتْرُكَها في مَوْضِعِها. أو: في مكانٍ بعَيْنِه (٤). فإن شَرَطَتْ دارَها أو بَلَدَها، فسلَّمَتْ نَفْسَها في ذلك، اسْتَحَقَّتِ النَّفقةَ؛ لأنَّها فَعَلَتِ الواجبَ عليها، ولذلك لو سَلَّمَ السَّيِّدُ أمَتَه المُزَوَّجَةَ في اللَّيْلِ دُونَ النَّهارِ، اسْتَحَقَّتِ
стр. 11903
إِلَّا أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ حَتَّى تَقْبِضَ صَدَاقَهَا الْحَالَّ، فَلَهَا ذَلِكَ، وَتَجِبُ نَفَقَتُهَا.
ــ
النَّفقةَ، بخِلافِ الحُرَّةِ (١)، فإنَّها لو بذَلَتْ نَفْسَها في بعضِ الزَّمانِ، لم تَسْتَحِقَّ شيئًا؛ لأنَّها لم تُسَلِّمِ التَّسْلِيمَ الواجِبَ بالعَقْدِ. وكذلك إن مَكَّنَتْه (٢) مِن اسْتِمْتاعٍ، ومَنَعَتْه اسْتِمْتاعًا، لم تَسْتَحِقَّ شيئًا؛ لذلك (٣).
٣٩٧٣ - مسألة: (إلَّا أن تَمْنَعَ نَفْسَهَا قبلَ الدُّخُولِ حتى تَقْبِضَ صَداقَها الحالَّ، فلها ذلك، وتَجِبُ نَفَقتُها) وجملةُ ذلك، أنَّ [المرأةَ لها] (٤) أن تَمْنَعَ نَفْسَها حتى تَتَسَلَّمَ صَداقَها؛ لأَنَّ تَسْليمَ نَفْسِها قبلَ تَسْليمِ صَداقِها يُفْضِى إلى أن يَتَسَلَّمَ مَنْفَعَتَها المَعْقُودَ عليها بالوَطْءِ، ثم لا يُسَلِّمَ صَداقَها، فلا يُمْكِنُها الرُّجُوعُ فيما اسْتَوْفَى منها، بخِلافِ المَبِيعِ إذا تَسَلَّمَه (٥) المُشْتَرِى ثم أعْسَرَ بالثَّمَنِ، فإنَّه يُمْكِنُه الرُّجوعُ
стр. 11904
وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ،
ــ
فيه، فلهذا ألْزَمْناه تَسْليمَ صَداقِها أوَّلًا، وجَعَلْنا لها أن تَمْتَنِعَ مِن تَسْليمِ نَفْسِها حتى تَقْبِضَ صَداقَها؛ لأنَّه إذا سَلَّمَ إليها الصَّداقَ ثم امْتَنَعَتْ مِن التَّسْلِيمِ، أمْكَنَ الرُّجوعُ فيه. إذا ثَبَتَ هذا، فمتى امْتَنَعَتْ مِن تَسْلِيمِ نَفْسِها لتَقْبِضَ صَداقَها، فلها نَفَقَتُها؛ لأنَّها امْتَنَعَتْ لحَقٍّ. فإن قيل: فلو امْتَنَعَتْ لصِغَرٍ أو مَرَضٍ، لم يَلْزَمْه نَفَقَتُها. قُلْنا: الفَرْقُ بينَهما أنَّ (١) امْتِناعَها لمَرَضٍ لمَعْنًى مِن جِهَتِها، وكذلك الامْتِناعُ للصِّغَرِ، وههُنا الامْتِناعُ لمَعْنًى مِن جِهَةِ الزَّوْجِ، وهو مَنْعُه لِمَا وجَبَ عليه، فأشْبَهَ ما لو تَعَذَّرَ الاسْتِمْتاعُ لصِغَرِ الزَّوْجِ، فإنَّه لا يُسْقِطُ نَفَقَتَها عنه، ولو تَعَذَّرَ لصِغَرِها، لم يَلْزَمْه نَفَقَتُها.
٣٩٧٤ - مسألة: (وإن كان بعدَ الدُّخُولِ) فكذلك، في أحَدِ الوَجْهَيْن، قِيَاسًا على ما قبلَ الدُّخُولِ. والثَّانِى، ليس لها ذلك، كما لو سَلَّمَ المَبِيعَ إلى المُشْتَرِى، ثم أرادَ مَنْعَه بعدَ ذلك.
стр. 11905
بِخِلَافَ الْآجِلِ. وَإِنْ سَلَّمَتِ الْأَمَةُ نَفْسَهَا لَيْلًا وَنَهَارًا، فَهِىَ كَالْحُرَّةِ،
ــ
٣٩٧٥ - مسألة: فأمَّا الصَّدَاقُ الآجِلُ (١) ، فليسَ لها مَنْعُ نَفْسِها حتى تَقْبِضَه، كالثَّمَنِ الآجِلِ (١) في البَيْعِ، وقد ذَكَرْنا هذه المَسائِلَ في كتابِ الصَّداقِ بأبْسَطَ مِن هذا، وذَكَرْنا الخِلافَ فيها (٢)، فاخْتَصَرْنا هَهُنا.
٣٩٧٦ - مسألة: (وإن سَلَّمَتِ الأمَةُ نَفْسَها لَيْلًا ونَهَارًا، فهى
стр. 11906
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كالحُرَّةِ) في وُجُوبِ النَّفَقَةِ. وجملةُ ذلك، أنَّ زَوْجَ الأمَةِ لا يَخْلُو إمَّا أن يكونَ حُرًّا أو عَبْدًا، أو بَعْضُه (١) حُرًّا وبعضُه عَبْدًا؛ فإن كان حُرًّا، فنَفَقَتُها عليه، للنَّصِّ، ولاتِّفاقِ أَهْلِ العلمِ على وُجُوب نَفَقةِ الزَّوْجاتِ على أزْواجِهِنَّ البالِغينَ، والأمَةُ داخِلَةٌ في عُمُومِهِنَّ، ولأنَّها زَوْجَةٌ مُمَكِّنَةٌ مِن نَفْسِها، فوَجَبَ على زَوْجِها نَفَقَتُها، كالحُرَّةِ، وإن كان زَوْجُها مَمْلوكًا، فالنَّفَقةُ واجِبةٌ لزَوْجَتِه كذلك (٢). قال ابنُ المُنْذِرِ (٣): أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ (٤) عنه مِن أهلِ العلمِ، على أنَّ على العَبْدِ نَفقةَ زَوْجَتِه، هذا قولُ الشَّعْبِىِّ، والحَكَمِ، والشافعىِّ. وبه قال أصْحابُ الرَّأْى إذا بَوَّأها بَيْتًا. وحُكِىَ عن مالكٍ أنَّه قال: ليس عليه نَفَقَتُها؛ لأَنَّ النَّفقةَ مُواساةٌ، وليس هو مِن أهْلِها، ولذلك (٥) لا يجبُ عليه نَفقةُ أقارِبِه، ولا زَكاةُ مالِه. ولَنا، أنَّه عِوَضٌ واجِبٌ في النِّكاحِ، فوَجَبَ على العَبْدِ، كالمَهْرِ، والدَّليلُ على أنَّها عِوَضٌ، أنَّها تَجبُ في مُقابلةِ التَّمْكِينِ، ولهذا تَسْقُطُ عن الحُرِّ بفَواتِ التَّمْكِينِ، وبذلكَ فارَقَتْ نَفقةَ الأقارِبِ. إذا ثَبَتَ وُجُوبُها على العَبْدِ، فإنَّها تَلْزَمُ سَيِّدَهُ؛ لأَنَّ السَّيِّدَ أذِنَ في النِّكاحِ المُفْضِى
стр. 11907
وَإِنْ كَانَتْ تَأْوِى إِلَيْهِ لَيْلًا، وَعِنْدَ السَّيِّدِ نَهَارًا، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا النَّفَقَةُ مُدَّةَ مُقَامِهَا عِنْدَهُ.
ــ
إلى إيجابِها. وقال ابنُ أبى مُوسى: فيه رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّها تَجِبُ في كَسْبِ العَبْدِ. وهو قولُ أصْحابِ الشافعىِّ؛ لأنَّه لم يُمْكِنْ إيجابُها في ذِمَّتِه، ولا رَقَبَتِه، ولا ذِمَّةِ سَيِّدِه، ولا إسْقاطُها، فلم يَبْقَ إلَّا أن تَتَعَلَّقَ بكَسْبِه. وقال القاضى: تَتَعَلَّقُ برَقَبَتِه؛ لأَنَّ الوَطْءَ في النِّكاحِ بمَنْزِلَةِ الجِنايَةِ، وأَرْشُ جِنايَةِ العَبْدِ يتَعَلَّقُ برَقَبَتِه، يُباعُ فيها، أو يَفْدِيه سَيِّدُه. وهذا قولُ أصْحابِ الرَّأْى. ولَنا، أنَّه دَيْنٌ أذِنَ السَّيِّدُ فيه، فلَزِمَ ذِمتَّهَ، كالذى اسْتَدانَه وَكِيلُه. وقولُهم: إنَّه في مُقابَلةِ الوَطْءِ. لا يَصِحُّ؛ فإنَّه يَجِبُ مِن غيرِ وَطْءٍ، ويجبُ للرَّتْقاءِ، والحائضِ، والنُّفَساءِ، وزوجَةِ المَجْبُوبِ والصَّغيرِ، وإنَّما يَجِبُ بالتَّمْكِينِ، وليس ذلك بجِنايَةٍ ولا قائمٍ مَقامَها. وقولُ مَن قال: إنَّه تَعَذَّرَ إيجابُها في ذِمَّةِ السَّيِّدِ. غيرُ صَحِيحٍ؛ فإنَّه لا مانِعَ مِن إيجابِهِ (١)، وقد ذكَرْنا وُجُودَ مُقْتَضِيه، فلا مَعْنى لدَعْوَى التَّعَذُّرِ.
٣٩٧٧ - مسألة: (وإن كانَتْ تأْوِى إليه ليلًا، وعندَ السَّيِّدِ نَهارًا، فعلى كلِّ واحِدٍ منهما النَّفَقَةُ بقَدْرِ مُقامِها عندَه) قد تَقَدَّمَ ذِكرُ هذه المسألةِ، وقد ذكَرْنا أنَّ النَّفقةَ تجبُ في مُقابلةِ التَّمْكِينِ، وقد وُجِدَ منها في اللَّيْلِ،
стр. 11908
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فيجبُ على الزَّوْجِ النَّفقةُ فيه، والباقِى منها على السَّيِّدِ، بحُكْمِ أنَّها مَمْلُوكَتُه لم تجبْ نَفَقَتُها على غيرِه في هذا الزمنِ. فعلى هذا، علىِ كلِّ واحدٍ منهما نِصْفُ النَّفَقةِ. وهذا أحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ. وقال في الآخَرِ: لا نَفَقةَ لها على الزَّوْجِ؛ لأنَّها لم تُمَكِّنْ مِن نَفْسِها في جَمِيعِ الزَّمانِ، فلم يَجِبْ لها شئٌ مِن النَّفَقةِ، كالحُرَّةِ إذا بذَلَتْ نَفْسَها في زَمَنٍ دُونَ غيرِه. ولَنا، أنَّه وُجِدَ التَّمْكِينُ الواجِبُ بعَقْدِ النِّكاحِ، فاسْتَحَقَّتِ النَّفقةَ، كالحُرَّةِ إذا مَكَّنَتْ مِن نَفْسِها في غيرِ أوْقاتِ الصَّلواتِ المَفْرُوضاتِ، والصَّوْمِ الواجِبِ، والحجِّ المَفْرُوضِ. وفارَقَ الحُرَّةَ إذا امْتَنَعَتْ في أحَدِ الزَّمانَيْنٍ، فإنَّها لم تَبْذُلِ الوَاجِبَ، فتكونُ ناشِزًا، وهذه ليست ناشزًا ولا عاصِيَةً.
فصل: وإذَا طَلَّقَ الأمَةَ طَلاقًا رَجْعِيًّا، فلها النَّفقةُ في العِدَّةِ؛ لأنَّها زَوْجَةٌ. فإن أبانَها وهى حائِلٌ، فلا نَفقةَ لها؛ لأنَّها لو كانت حُرَّةً، لم تَجِبْ لها نَفَقةٌ، فالأمَةُ أَوْلَى. وإن كانت حامِلًا، فلها النَّفقةُ؛ لقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (١). نَصَّ على هذا أحمدُ. وبه قال إسْحاقُ. وقد ذكَرْنا في
стр. 11909
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نَفَقَةِ الحامِلِ، هل هى للحَمْلِ أو للحامِلِ؟ على رِوايتَيْن عن أحمدَ، ﵀؛ إحْداهُما، أنَّها للحَمْلِ. فعلى هذا، لا تَجِبُ للمَمْلُوكَةِ الحامِلِ البائِنِ؛ لأَنَّ الحَمْلَ مَمْلُوكٌ لسَيِّدِها، فنفَقَتُه عليه. وعلى الرِّوايةِ الأُخْرَى، تَجِبُ. وللشافعىِّ في هذا قَوْلان كالرِّوايَتَيْن.
فصل: فإن كان المُطَلِّقُ عَبْدًا، فطَلَّقَها طَلاقًا بائِنًا (١) وهى حامِلٌ، انْبَنَى وُجُوبُ النَّفقةِ على الرِّوايتَيْن في النَّفَقةِ، هل هى للحَمْلِ أو للحامِلِ؟ فإن قُلْنا: هى للحَمْلِ. فلا نَفَقةَ على العَبْدِ. وبه قال مالِكٌ. ورُوِىَ ذلك عن الشَّعْبِىِّ؛ لأنَّه لا يجبُ عليه نَفَقةُ وَلَدِه. وإن قُلْنا: هى للحامِلِ بسَبَبِه. وجَبَتْ لها النَّفقةُ. وهذا قولُ الأوْزاعِىِّ؛ للآيةِ، ولأنَّها حامِلٌ، فوَجَبَتْ لها النَّفقةُ، كما لو كان زَوْجُها حُرًّا.
فصل: والمُعْتَقُ بَعْضُه، عليه مِن نَفَقةِ امْرَأتِه بقَدْرِ ما فيه مِن الحُرِّيَّةِ، وباقِيها على سَيِّدِه، أو في ضَرِيبَتِه، أو في رَقَبَتِه، على ما ذكَرْنا في العَبْدِ القِنِّ. والقَدْرُ الذى يجبُ [عليه بالحُرِّيَّةِ] (٢)، يُعْتَبَرُ فيه حالُه؛ إن كان مُوسِرًا فنَفَقةُ المُوسِرينَ، وإن كان مُعْسِرًا فنَفَقةُ المُعْسِرينَ. والباقِى يجبُ فيه نَفقةُ المُعْسِرينَ؛ لأَنَّ النَّفقةَ ممَّا يتَبَعَّضُ، وما يَتَبَعَّضُ بَعَّضْناه في حَقِّ
стр. 11910
وَإِذَا نَشَزَتِ الْمَرْأَةُ، أَوْ سَافَرَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَوْ تَطَوَّعَتْ بِصَوْمٍ أَوْ حَجٍّ، أَوْ أَحْرَمَتْ بِحَجٍّ مَنْذُورٍ فِى الذِّمَّةِ، فَلَا نَفَقَةَ
ــ
المُعْتَقِ بعضُه، كالميراثِ والدِّيَاتِ، وما لا يَتَبَعَّضُ، فهو فيه كالعَبْدِ؛ لأَنَّ الحُرِّيَّةَ إمّا شَرْطٌ فيه، أو سَبَبٌ [له، و] (١) لم يَكْمُلْ. وهذا اخْتِيارُ المُزَنِىِّ. وقال الشافعىُّ: حُكْمُه حكمُ القِنِّ في الجَميعِ، إِلْحاقًا لأحَدِ الحُكْمَيْن بالآخَرِ. ولَنا، أنَّه يَمْلِكُ بنِصْفِه الحُرِّ مِلْكًا تَامًّا، ولهذا يُورَثُ عنه، ويُكَفِّرُ بالإِطْعامِ، ويجبُ فيه نِصْفُ دِيَةِ الحُرِّ، فوَجَب أن تَتَبَعَّضَ نَفَقَتُه؛ لأنَّها مِن جُمْلَةِ الأحْكامِ القابِلَةِ للتَّبعِيضِ.
فصل: وحُكْمُ المُكاتَبِ في نَفَقةِ الزَّوْجاتِ حُكْمُ العَبْدِ القِنِّ؛ لأنَّه عَبْدٌ ما بَقِىَ عليه دِرْهَمٌ، ويجبُ عليه نَفقةُ زَوْجَتِه مِن كَسْبِه؛ لأَنَّ نَفقةَ الزَّوْجَةِ واجِبَةٌ بحُكْمِ المُعاوَضَةِ مع اليَسارِ والإِعْسارِ، ولذلك وجَبَتْ على العَبْدِ، فعلى المُكاتَبِ أَوْلَى، ولأَنَّ نَفقةَ المرأةِ لا تَسْقُطُ عن أحَدٍ مِن الناسِ، إذا لم يُوجَدْ منها ما يُسْقِطُ نَفَقَتَها، ولا يُمْكِنُ إيجابُها على سَيِّدِه؛ لأَنَّ نَفقةَ المُكاتَبِ لا تجبُ على سَيِّدِه، فنَفقةُ امرأتِه أوْلَى.
٣٩٧٨ - مسألة: (وإذا نَشَزَتِ المَرْأةُ، أو سافَرَتْ بغَيْرِ إذْنِه، أو تَطَوَّعَتْ بحَجٍّ أو صَوْمٍ، أو أحْرَمَتْ بحَجٍّ مَنْذُورٍ فِى الذِّمَّةِ) بِغَيْرِ إذْنِه
стр. 11911
لَهَا،
ــ
(فلا نَفَقَةَ لها) لا تجبُ نَفقةُ النَّاشِزِ في قولِ عامَّةِ أَهْلِ العلمِ. قال ابنُ المُنْذِرِ (١): لا نَعْلَمُ أحدًا خالَفَ فيه إلَّا الحَكَمَ. ولعَلَّه قاسَه على المَهْرِ، ولا يَصِحُّ القِياسُ؛ لأَنَّ النَّفقةَ وجبَتْ في مُقابلَةِ التَّمْكِينِ مِن نَفْسِها، فإذا لم يُوجَدْ منها التَّمْكِينُ، لا تَسْتَحِقُّها، بخِلافِ المَهْرِ؛ فإنَّه يجبُ بمُجَرَّدِ العَقْدِ، ولذلك (٢) لو مات أحَدُهما قبلَ الدُّخُولِ وجَبَ المَهْرُ دُونَ النَّفقةِ، وقد ذكَرْناه. فأمَّا إذا سافَرَتِ المرأةُ بغيرِ إذْنِ زَوْجِها، فإنَّ نَفَقَتَها تَسْقُطُ؛ لأنَّها ناشِزٌ. وكذلك إنِ انْتَقَلَتْ مِن مَنْزِلِه بغيرِ إذْنِه. وإن سافَرَتْ في حاجَةِ نَفْسِها بإذْنِه، سَقَطَتْ نَفَقَتُها. ذكَرَه الخِرَقِىُّ؛ لأنَّها فوَّتَتِ التَّمْكِينَ لحَظِّ (٣) نَفْسِها، وقَضاءِ أَرَبِها، فأشْبَهَ ما لو اسْتَنْظَرَتْه قبلَ الدُّخولِ مُدَّةً فأنْظَرَها، إلَّا أن يكونَ مُسافِرًا معها، مُتَمَكِّنًا مِن اسْتِمْتاعِها، فلا تَسْقُطُ نَفَقَتُها؛ لأنَّها لم تُفَوِّتِ التَّمْكِينَ، فأشْبَهَتْ غيرَ المُسافِرَةِ.
стр. 11912
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويَحْتَمِلُ أن لا تَسْقُطَ نفقَتُها وإن لم يكنْ معها؛ لأنَّها (١) مُسافِرَةٌ بإذْنِه، أشْبَهَ ما لو سافَرَتْ في حاجَتِه. وسواءٌ كان سَفَرُها لتِجارَةٍ، أو حَجِّ تَطَوُّعٍ، أو زِيارةٍ، أو (١) أحْرَمَتْ بحَجِّ تَطَوُّعٍ بغيرِ إذْنِه، سَقَطَتْ نفقَتُها؛ لأنَّها في مَعْنى المُسافِرَةِ. فإن أحْرَمَتْ به بإذْنِه، فقال القاضى: لها النَّفقةُ. والصَّحِيحُ أنَّها كالمُسافِرَةِ؛ لأنَّها بإحْرامِها مانعَةٌ له من التَّمْكِينِ.
стр. 11913
وَإِنْ بَعَثَهَا فِى حَاجَةٍ، أَوْ أَحْرَمَتْ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ، فَلَهَا النَّفَقَةُ،
ــ
٣٩٧٩ - مسألة: (وإن بَعَثَها في حاجَتِه) فهى على نَفَقَتِها؛ لأنَّها سافَرَتْ في شُغْلِه ومُرادِه. وإن أحْرَمَتْ بالحجِّ الواجبِ، أو العُمْرةِ الواجبةِ، في الوقتِ الواجبِ، مِن المِيقَاتِ، فلها النَّفقةُ، لأنَّها فَعَلَتِ الواجِبَ عليها بأصْلِ الشَّرْعِ في وَقْتِه، فلم تَسْقُطْ نَفَقَتُها، كَصِيامِ شَهْرِ (١) رمضانَ. وإن قَدَّمَتِ الإِحْرامَ على المِيقاتِ، أو قبلَ الوَقْتِ، خُرِّجَ فيها مِن القَوْلِ مثلُ ما في المُحْرِمةِ بحَجِّ التَّطَوُّع؛ لأنَّها فَوَّتَتْ عليه التَّمْكِينَ بشئٍ تَسْتَغْنِى عنه.
стр. 11914
وَإِنْ أَحْرَمَتْ بِمَنْذُورٍ مُعَيَّنٍ فِى وَقْتِهِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
ــ
فإنِ اعْتَكَفَتْ، فالقِياسُ أنَّه كَسَفَرِها، إن كان بغيرِ إذْنِه فهى ناشِزٌ؛ لخُرُوجِها مِن مَنْزِلِ زَوْجِها بغيرِ إذْنِه فيما ليس واجبًا بأصْلِ الشَّرْعِ، وإن كان بإذْنِه، فلا نَفَقةَ لها على قَوْلِ الخِرَقِىِّ. وعندَ القاضى، لها النَّفقَةُ. وإن صامت رَمضانَ، لم تَسْقُطْ نَفَقَتُها؛ لأنَّه واجِبٌ مُضَيَّقٌ بأصْلِ الشَّرْعِ، لا يَمْلِكُ مَنْعَها منه، فهو كالصَّلاةِ، ولأنَّه يكونُ صائِمًا معها، فيَمْتَنِعُ الاسْتِمْتاعُ لمعنًى وُجِدَ فيه، وإن كان تَطَوُّعًا، لم تَسْقُطْ نَفقَتُها؛ لأنَّها لم تَأْتِ بما (١) يَمْنَعُه مِن اسْتِمْتاعِها، فإنَّه يُمْكِنُه تَفْطِيرُها ووَطْؤُها، إلَّا أن يُرِيدَ ذلك منها فتَمْنَعَه، فتَسْقُطُ نَفقَتُها بامْتِناعِها مِن التَّمْكِينِ الواجبِ.
٣٩٨٠ - مسألة: (وإن أحْرَمَتْ بمَنْذُورٍ مُعَيَّنٍ في وَقْتِه، فعلى وَجْهَيْن) أحَدُهما، لها النَّفقَةُ. ذكره القاضى؛ لأَنَّ أحمدَ نصَّ على أنَّه ليس له مَنْعُها. والثانى، أنَّه إن كان نَذْرُها قبلَ النِّكاحِ، أو كان النَّذْرُ بإذْنِه،
стр. 11915
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لم تَسْقُطْ [نَفقَتُها؛ لأنَّه] (١) كان واجِبًا عليها بحَقٍّ سابِقٍ على نكاحِه، أو واجِبٌ أذِنَ في سَبَبه. وإن كان النَّذْرُ في نِكاحِه بغيرِ إذْنِه، فلا نَفَقةَ لها؛ لأنَّها فَوَّتَتْ عليه حَقَّه مِن الاسْتِمْتاعِ باخْتِيارِها بالنَّذْرِ الذى لم يُوجِبْه الشَّرْعُ عليها، ولا نَدَبَها إليه. وإن كان النَّذْرُ مُطْلَقًا، أو كان صَوْمَ كَفَّارَةٍ، فصامَتْ بإذْنِه، [فلها النَّفقةُ؛ لأنَّها أدَّتِ الواجِبَ بإذْنِه، فأشْبَهَ ما لو صامَتِ المُعَيَّنَ بإذْنِه في وَقْتِه. وإن صامَتْ بغيرِ إذْنِه] (٢)، فقال القاضى: لا نَفَقةَ لها؛ لأنَّها يُمْكِنُها تَأْخِيرُه، فإنَّه على التَّراخِى، وحَقُّ الزَّوْج على الفَوْرِ. وإن كان قَضاءُ رَمضانَ قبلَ ضِيقِ وَقتِه، فكذلك، وإن كان وَقْتُه مُضَيَّقًا، مثلَ أن قَرُبَ رَمضانُ آخَرُ، فعليه نَفَقَتُها؛ لأنَّه واجِبٌ مُضَيَّقٌ بأصْلِ الشَّرْعِ، أشْبَهَ أداءَ رَمضانَ.
فَصْلٌ: وَإِنْ أَعْسَرَ الزَّوْجُ بِنَفَقَتِهَا أَوْ بِبَعْضِهَا، أَوْ بِالْكُسْوَةِ، خُيِّرَتْ بَيْنَ فَسْخِ النِّكَاحِ وَالْمُقَامِ، وَتَكُونُ النَّفَقَةُ دَيْنًا فِى ذِمَّتِهِ. وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ الْفَسْخَ بِالْإِعْسَارِ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ.
ــ
التَّسْلِيمِ. [وكذلك إنِ اخْتَلَفا في وَقْتِه، فقالت: كان ذلك مِن شهرٍ. قال: بل مِن يومٍ. وبهذا قال الشافعىُّ، وأبو ثورٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ] (١).
فصل: (وإن أعْسَرَ الزَّوْجُ بنَفقَتِها أو بَعضِها، أو بالْكُسْوَةِ، خُيِّرَتْ بينَ فَسْخِ النِّكاحِ والمُقامِ، وتَكونُ النَّفَقَةُ دَيْنًا في ذِمَّتِه. وعن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّهَا لا تَمْلِكُ الفَسْخَ بإعْسارِه. والأَوَّلُ المَذْهَبُ) إذا مَنَعَ الرَّجُلُ نَفَقةَ امرأتِه لعُسْرَتِه، وعَدَمِ ما يُنْفِقُه، خُيِّرَت بينَ الصَّبْرِ
стр. 11918
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عليه وبينَ فِراقِه. رُوِى نحوُ ذلك عن عمرَ، وعلىٍّ، وأبى هُرَيْرَةَ. وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، ورَبِيعةُ، وحَمَّادٌ، ومالكٌ، وعبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِىٍّ، والشَّافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ. وعن أحمدَ، أنَّها لا تَمْلِكُ الفَسْخَ بالإِعْسارِ. والأَوَّلُ المذْهَبُ. وذهبَ عَطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، وابنُ شُبْرُمَةَ، وأبو حنيفة، وصاحِباه، إلى أنَّها لا تَمْلِكُ فِراقَه بذلك، ولكن يَرْفَعُ يَدَه عنها لتَكْتَسِبَ؛ لأنَّه حَقٌّ لها عليه، فلا يُفْسَخُ النِّكاحُ لعَجْزِه عنه، كالدَّيْنِ. وقال العَنْبَرِىُّ: يُحْبَسُ
стр. 11919
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إلى أن يُنْفِقَ. ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (١). وليس (٢) الإِمْساكُ مع تَرْكِ الإِنْفاقِ إمْساكًا بمَعْرُوفٍ، فتَعَيَّنَ التَّسْريحُ. وروَى سعيدٌ (٣)، عن سُفْيانَ، عن أبى الزِّنادِ، قال: سألتُ سعيدَ بنَ المُسَيَّبِ، عن الرَّجُلِ لا يَجِدُ ما يُنْفِقُ على امْرَأتِه، أيُفَرَّقُ بينَهما؟ قال: نعم. قلتُ: سُنَّةٌ؟ قال: سُنَّةٌ. وهذا يَنْصَرِفُ إلى سُنَّةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ . قال ابنُ المُنْذِرِ (٤): ثَبَتَ أن عمرَ بنَ الخَطَّابِ كتَبَ إلى أُمَراءِ الأجْنادِ، في رِجالٍ غابُوا عن نِسائِهِم، فأمَرَهم بأن يُنْفِقُوا أو يُطَلِّقُوا، فإن طَلَّقُوا بعَثُوا بنَفَقَةِ ما مَضَى (٥). ولأنَّه إذا ثَبَتَ الفَسْخُ بالعَجْزِ عن الوَطْءِ، والضَّرَرُ فيه أقَلُّ (٦)، لأنَّه إنَّما هو فَقْدُ (٧) لَذَّةٍ وشَهْوَةٍ يقُومُ البَدَنُ بدُونِه (٨)، فلأَنْ يَثْبُتَ بالعَجْزِ عن النَّفقةِ التى لا يَقُومُ البَدَنُ إلَّا
стр. 11920
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بها أَوْلَى. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه متى ثَبَتَ الإِعْسارُ بالنَّفقةِ على الإِطْلاقِ، فللمرأةِ المُطالَبَةُ بالفَسْخِ، مِن غيرِ إنْظارٍ (١). وهذا أحَدُ قَوْلَى الشَّافِعِىِّ. وقال حَمَّادُ بنُ أبى سليمانَ: يُؤَجَّلُ سنةً قِياسًا على العِنِّينِ. وقال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ: اضْرِبُوا له (٢) شَهْرًا أو شَهْرَيْن (٣). وقال مالِكٌ: الشَّهْر ونحوُه. وقال الشافعىُّ في القولِ الآخَرِ: يُؤَجَّلُ ثَلاثًا؛ لأنَّه قَرِيبٌ. ولَنا، ظاهِرُ حديثِ عمرَ، رَضِىَ اللَّه عَنه، ولأنَّه مَعْنًى يُثْبِتُ الفَسْخَ، ولم يَرِدِ الشَّرْعُ بالإِنْظارِ (٤) فيه، فأثْبَتَ الفَسْخَ في الحالِ، كالعَيْبِ، ولأَنَّ سبَبَ الفَسْخِ الإِعْسارُ، وقد وُجِدَ، فلا يَلْزَمُ التَّأْخِيرُ.
فصل: فإن لم يَجِدْ إلَّا نَفَقةَ يَوْمٍ بيَوْمٍ، فليس ذلك إعْسارًا يَثْبُتُ به الفَسْخُ؛ لأَنَّ ذلك هو الواجِبُ عليه، وقد قَدَرَ عليه. وإن وَجَدَ في أوَّلِ النَّهارِ (٥) ما يُغَدِّيها، وفى آخِرِه ما يُعَشِّيها، لم يَكُنْ لها الفَسْخُ؛ لأنَّها تَصِلُ
стр. 11921
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إلى كِفايَتِها وما يقُومُ به بَدَنُها. وإن كان صانِعًا يَعْمَلُ في الأُسْبُوعِ ما يَبيعُه في يومٍ بقَدْرِ كِفايَتِها في الأُسْبُوعِ كلِّه، لم يَثْبُتِ الفَسْخُ؛ لأَنَّ هذا يُحَصِّلُ الكِفايَةَ في جَميعِ زَمانِه. وإن تَعَذَّرَ عليه الكَسْبُ في بعْضِ زَمانِه، أو تَعَذَّرَ عليه (١) البَيْعُ، لم يَثْبُتِ الفَسْخُ؛ لأنَّه يُمْكِنُ الاقْتِراضُ إلى زَوالِ العارِضِ، وحُصُولِ الاكْتِسابِ، وكذلك إن عَجَزَ عن الاقْتِراضِ أيَّامًا يَسِيرَةً؛ لأَنَّ ذلك يَزُولُ عن قَرِيبٍ، ولا يَكادُ يَسْلَمُ منه كثيرٌ مِن الناسِ. وإن مَرِضَ مَرَضًا يُرْجَى زَوالُه (٢) في أيَّامٍ يَسِيرَةٍ، لم يُفْسَخْ؛ لما ذكَرْناه. وإن كان ذلك يَطُولُ، فلها الفَسْخُ، لأَنَّ الضَّرَرَ الغالِبَ يَلْحَقُها، ولا يُمْكِنُها الصَّبْرُ. وكذلك إن كان لا يَجِدُ مِن النَّفقةِ إلَّا يَوْمًا دُونَ يومٍ، لأنَّها لا يُمْكِنُها الصَّبْرُ على هذا، فهو كمَن لا يَجِدُ إلَّا بعضَ القُوتِ. وإن أعْسَرَ ببَعْضِ نَفقةِ المُعْسِرِ، ثَبَتَ لها الخِيَارُ، لأَنَّ البَدَنَ لا يقومُ بما دُونَها. فإن أعْسَرَ بما زادَ على نَفَقةِ المُعْسِرِ، فلا خِيارَ لها؛ لأَنَّ تلك الزِّيادَةَ تَسْقُطُ بإعْسارِه، ويُمْكِنُ الصَّبْرُ عنها.
стр. 11922
فَإِنِ اخْتَارَتِ الْمُقَامَ، ثُمَّ بَدَا لَهَا الْفَسْخُ، فَلَهَا ذَلِكَ
ــ
٣٩٨٤ - مسألة: وإن رَضِيَتْ بِالمُقامِ معه مَعَ عُسْرَتِه، وتَرْكِ المُطالَبَةِ، جازَ؛ لأَنَّ الحَقَّ لها، وتكونُ النَّفقةُ دَيْنًا في ذِمَّتِه (ثم) إن (بَدا لها الفَسْخُ) أو تزَوَّجَتْ مُعْسِرًا عالِمَةً بحالِه، راضِيَةً بعُسْرَتِه، وتَرْكِ إنْفاقِه، أو شَرَطَ عليها أن لا يُنْفِقَ عليها، ثم عَنَّ لها الفَسْخُ (فلها ذلك) وبهذا قال الشافعىُّ. وقال القاضى: ظاهِرُ (١) كلامِ أحمدَ، أنَّه ليس لها الفَسْخُ، ويَبْطُلُ خِيارُها في المَوْضِعَيْن. وهو قولُ مالِكٍ؛ لأنَّها رَضِيَتْ بعَيْبِه، ودخَلَتْ في العَقْدِ عالمةً به، فلم تَمْلِكِ الفَسْخَ، كما لو تَزَوَّجَتْ عِنِّينًا عالمةً
стр. 11923
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِعُنَّتِه (١)، أو قالت بعدَ العَقْدِ: قد رَضِيتُ به عِنِّينًا. ولَنا، أنَّ وُجُوبَ النَّفقةِ يتَجَدَّدُ في (٢) كلِّ يومٍ، فيَتَجَدَّدُ لها الفَسْخُ، ولا يَصِحُّ إسْقاطُ حَقِّها فيما لم يَجِبْ لها، كإسْقاطِ شُفْعَتِها قبلَ البَيْعِ، ولذلك (٣) لو أسْقَطَتِ النَّفقةَ المُسْتَقْبَلَةَ لم تَسْقُطْ، ولو أسْقَطَتْها (٤) أو أسْقَطَتِ المَهْرَ قبلَ النِّكاحِ لم يَسْقُطْ، وإذا لم يَسْقُطْ وُجُوبُها، لم يَسْقُطِ الفَسْخُ الثَّابِتُ به. وإن أعْسَرَ بالمَهْرِ، وقُلْنا: لها الفَسْخُ [لإِعْسارِه به] (٥). فرَضِيَتْ بالمُقامِ، لم يكنْ لها الفَسْخُ؛ لأَنَّ وُجُوبَه لم يتَجَدَّدْ، بخِلافِ النَّفقَةِ، فإن تزَوَّجَتْه عالمةً بإعْسارِه بالمَهْرِ، رَاضِيَةً بذلك، فيَنْبَغِى أن لا تَمْلِكَ الفَسْخَ بإعْسارِه؛ لأنَّها رَضِيَتْ بذلك في وَقْتٍ لو أسْقَطَتْه فيه سَقَطَ.
فصل: وإذا رَضِيَتْ بالمُقَامِ مع ذلك، لم يَلْزَمْها التَّمْكِينُ مِن الاسْتِمْتاعِ؛ لأنَّه لم يُسَلِّمْ إليهِا عِوَضَه، فلم يَلْزَمْها تَسْلِيمُه، كما لو أعْسَرَ
стр. 11924
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المُشْتَرِى بثَمَنِ المَبِيعِ، لم يجبْ تَسْلِيمُه إليه، وعليه تَخْلِيةُ سَبِيلِها لتَكْتَسِبَ لها، وتُحَصِّلَ ما تُنْفِقُه عليها؛ لأَنَّ في حَبْسِها بغيرِ نَفَقةٍ إضْرَارًا بها. وإن كانت مُوسِرَةً، لم يكنْ له حَبْسُها؛ [لأنَّه إنَّما] (١) يَمْلِكُ حَبْسَها إذا كَفاها المُؤْنةَ، وأغْناهَا عمَّا لابدَّ لها منه، ولحاجَتِه إلى الاسْتِمْتاعِ الواجبِ له (٢) عليها، فإذا انْتَفَى الأمْران، لم يَمْلِكْ حَبْسَها.
الْأُدْمَ، أَوْ نَفَقَةِ الْخَادِمِ، فَلَا فَسْخَ لَهَا، وَتَكُونُ النَّفَقَةُ دَيْنًا فِى ذِمَّتِهِ. وَقَالَ الْقَاضِى: تَسْقُطُ.
ــ
أو نَفَقَةِ المُوسِرِ، أو المُتَوَسِّطِ، أو الاُّدْمِ، فلا فَسْخَ لها، وتَكُونُ النَّفَقَةُ دَيْنًا فِى ذِمَّتِهِ. وقال القاضى: تَسْقُطُ) إذا أعْسَرَ بالنَّفقةِ الماضِيَةِ، لم يكنْ لها الفَسْخُ؛ لأنَّها دَيْنٌ يقومُ (١) البَدَنُ بدُونِها (٢)، فأشْبَهَتْ سائِرَ الدُّيونِ، وكذلك إن أعْسَرَ بنَفَقةِ المُوسِرِ أو المُتَوَسِّطِ، فلا فَسْخَ لها (٣)؛ لأَنَّ الزِّيادَةَ تَسْقُطُ بإعْسارِه، ويُمْكِنُ الصَّبْرُ عنها، وكذلك إن أعْسَرَ بنَفَقةِ الخادِمَ أو الأُدْمَ؛ لذلك (٤).
стр. 11927
وَإِنْ أَعْسَرَ بِالسُّكْنَى أَوِ الْمَهْرِ، فَهَلْ لَهَا الْفَسْخُ؟ عَلَى وَجْهَيْنَ.
ــ
٣٩٨٦ - مسألة: ويَثْبُتُ ذلك (١) فِى ذِمَّتِهِ، وكذلك إن أعْسَرَ بالمَسْكَنِ، وقلنا: لا يَثْبُتُ لها الفَسْخُ. وبهذا قال الشافعىُّ. وقال القاضى: لا يَثْبُتُ؛ لأنَّه مِن الزَّوائِدِ، فلم يَثْبُتْ في ذِمَّتِه، كالزَّائِدِ (٢) عن الواجبِ عليه. ولَنا، أنَّها نَفَقةٌ تَجِبُ على سَبِيلِ العِوَضِ، فتَثْبُتُ في الذِّمَّةِ، كالنَّفَقةِ الواجبَةِ للمرأةِ قُوتًا، وهذا فيما عَدا الزَّائِدَ على نَفَقةِ المُعْسِرِ، فإنَّ ذلك يَسْقُطُ بالإِعْسارِ.
٣٩٨٧ - مسألة: (وإن أعْسَرَ بالسُّكْنَى أو المَهْرِ، فهل لها الفَسْخُ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْن) إذا أعْسَرَ بأُجْرَةِ المَسْكَنِ، فلها الخِيارُ في
стр. 11928
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أحَدِ الوجْهَيْن؛ لأنَّه ممَّا لا بُدَّ منه، أشْبَهَ النَّفقةَ والكُسْوَةَ. والثانى، لا خِيارَ لها؛ لأَنَّ البِنْيَةَ (١) تقُومُ بدُونِه. وهذا الوَجْهُ الذى ذكَرَه القاضى. وإن أعْسَرَ بالصَّداقِ ففيه ثَلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحَدُها، ليس لها الفَسْخُ. اخْتارَه ابن حامِدٍ. والثانى، لها الفَسْخُ. اخْتارَه أبو بكرٍ، لأنَّه أعْسَرَ بالعِوَضِ، فكان لها الرُّجُوعُ في المُعَوَّضِ، كما لو أعْسَرَ بثَمَنِ مَبِيعِها. والثالثُ، إن أعْسَرَ قبلَ الدُّخُولِ، فلها الفَسْخُ، كما لو أفْلَسَ المُشْتَرِى والمَبِيعُ بحالِه، وإن كان بعدَ الدُّخُولِ، لم تَمْلِكِ الفَسْخَ؛ لأَنَّ المَعْقُودَ عليه قد اسْتُوفِىَ، فأشْبَهَ ما لو أفْلَسَ المُشْتَرِى بعدَ [تَلَفِ المَبِيعِ] (٢) أو بَعْضِه. وهذا المَشْهُورُ في المذهَبِ. واخْتارَ شَيْخُنا (٣) الرِّوايةَ الأُولَى؛ لأنَّه دَيْنٌ، فلم يُفْسَخِ النِّكاحُ للإِعْسارِ به، كالنَّفَقةِ الماضِيَةِ، ولأَنَّ تأْخِيرَه ليس فيه ضَرَرٌ مُجْحِفٌ، فأشْبَهَ نَفَقةَ الخادِمِ، ولأنَّه لا نَصَّ فيه، ولا يَصِحُّ قِياسُه على
стр. 11929
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الثَّمنِ في المَبِيعِ (١)؛ لأَنَّ الثَّمنَ كلُّ مَقْصُودِ البائِعِ، والعادَةُ تَعْجِيلُه، والصَّداقُ فَضْلَةٌ ونِحْلَةٌ، ليس هو المَقْصُودَ في النِّكاحِ، ولذلك (٢) لا يَفْسُدُ النِّكاحُ بفَسادِه، ولا بتَرْكِ ذِكْرِه، والعادَةُ تأخِيرُه، ولأَنَّ أكثرَ مَن يَشْتَرِى بثَمَنٍ حالٍّ يكونُ مُوسِرًا به، وليس الأكْثَرُ أنَّ مَن يتَزَوَّجُ بمَهْرٍ يكونُ مُوسِرًا به، ولا يَصِحُّ قِياسُه على النَّفقةِ؛ لأَنَّ الضَّرُورَةَ لا تَنْدَفِعُ إلَّا بها، بخِلافِ الصَّداقِ، فأشْبَهُ شئٍ به النَّفقةُ الماضِيَةُ. وللشافعىِّ نحوُ هذه الوُجُوهِ. وإذا قُلْنا: لها الفَسْخُ للإِعْسارِ به. فتَزَوَّجَتْه عالِمَةً بعُسْرَتِه، فلا خِيارَ لها، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّها رَضِيَتْ به كذلك. وكذا إن عَلِمَتْ عُسْرَتَه فرَضِيَتْ بالمُقَامِ (٣)، سَقَطَ حَقُّها مِن الفَسْخِ؛ لأنَّها رَضِيَتْ بإسْقاطِ حَقَّها بعدَ وُجُوبِه، فسَقَطَ، كما لو رَضِيَت بعُنَّتِه.
стр. 11930
وَإِنْ أَعْسَرَ زَوْجُ الْأَمَةِ، فَرَضِيَتْ،
ــ
٣٩٨٨ - مسألة: (وإن أعْسَرَ زَوْجُ الأمَةِ فرَضِيَتْ، لم يَكُنْ) لِسَيِّدِها (الفَسْخُ. ويَحْتَمِلُ أنَّ لَهُ ذلك) وجملةُ ذلك، أنَّ نَفقةَ الأمَةِ المُزَوَّجَةِ حَقٌّ لها [ولسَيِّدِها] (١)؛ لأَنَّ كلَّ واحدٍ منهما ينْتَفِعُ بها، ولكُلِّ واحدٍ منهما طَلَبُها إذا امْتَنَعَ الزَّوْجُ مِن أدائِها، ولا يَمْلِكُ واحدٌ منهما إسْقاطَها؛ لأَنَّ في سُقُوطِها بإسْقاطِ أحَدِهِما ضَرَرًا بالآخَرِ. فعلى هذا، إن أعْسَرَ الزَّوجُ بها (٢)، فلها الفَسْخُ؛ لأنَّه عَجَزَ عن نَفَقَتِها، فمَلَكَتِ الفَسْخَ، كالحُرَّةِ. وإن لم تَفْسَخْ، فقال القاضى: لسَيِّدِها الفَسْخُ؛ لأَنَّ عليه ضَرَرًا في عَدَمِها (٣)، لِما يتَعَلَّقُ بفَواتِها مِن فَواتِ مِلْكِه وتَلَفِه (٤)، فإن أنْفَقَ عليها سَيِّدُها مُحْتَسِبًا بالرُّجوعِ، فله الرُّجُوعُ بها على الزَّوجِ، رَضِيَتْ بذلك أو كَرِهَتْ؛ لأَنَّ الدَّيْنَ خالِصُ حَقِّه، لا حَقَّ لها
стр. 11931
أَوْ زَوْجُ الصَّغِيرَةِ، أَوِ الْمَجْنُونَةِ، لَمْ يَكُنْ لِوَلِيِّهِنَّ الْفَسْخُ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ.
ــ
فيه، وإنَّما (١) تَعَلَّقَ حَقُّها بالنَّفقةِ الحاضِرَةِ، لوُجُوبِ صَرْفِها إليها، وقِوامِ بَدَنِها به، بخِلافِ الماضِيَةِ. وقال أبو الخَطَّابِ، وأصْحابُ الشافعىِّ: ليس لسَيِّدِها الفَسْخُ لعُسْرَةِ زَوْجِها بالنَّفَقَةِ؛ لأنَّها حَقٌّ لها، فلم يَمْلِكْ سَيِّدُها الفَسْخَ دُونَها، كالفَسْخِ للعَيْبِ (٢). فإن كانت مَعْتُوهَةً، أنْفَقَ المَوْلَى، وتكونُ النَّفقةُ دَيْنًا له (٣) في ذِمَّةِ الزَّوجِ. وإنْ كانت عاقِلَةً قال لها السَّيِّدُ: إن أرَدْتِ النَّفَقةَ، فافْسَخِى النِّكاحَ، وإلَّا فلا نَفَقَةَ لكِ عندِى.
٣٩٨٩ - مسألة: وإن أعْسَرَ (زَوْجُ الصَّغِيرَةِ أو المَجْنُونَةِ) لم يَكُنْ لِوَلِيِّهِما الفَسْخُ؛ لأنَّه فَسْخٌ لنِكاحِها، فلم يكنْ له ذلك، كالفَسْخِ بالعَيْبِ. ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَ الفَسْخَ؛ لأنَّه فَسْخٌ لِفَواتِ العِوَضِ، فمَلَكَه، كفَسْخِ البَيْعِ (٤) لتَعَذُّرِ الثَّمنِ.
فصل: وإنِ اخْتَلَفَ الزَّوْجان في الإِنْفاقِ عليها، أو في تَقْبِيضِها نَفَقَتَها،
стр. 11932
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فالقولُ قولُ المرأةِ؛ لأنَّها مُنْكِرَةٌ، والأصلُ معها. وإنِ اخْتَلَفا في يَسارِه، فادَّعَتْه المرأةُ لِيَفْرِضَ لها نَفَقةَ المُوسِرينَ (١)، أو قالت: كُنْتَ مُوسِرًا. وأنْكَرَ ذلك، فإن عُرِفَ له مالٌ، فالقولُ قَوْلُها، وإلَّا فالقولُ قولُه. وبهذا كلِّه قال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْى. وإنِ اخْتَلفا في فَرْضِ الحاكمِ للنَّفقةِ، أو في وَقْتِها، فقال: فَرَضَها منذُ شَهْرٍ (٢). قالت: بل منذُ عام. فالقولُ قولُه. وبهذا قال الشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى. وقال مالِكٌ: إن كان مُقِيمًا معها، فالقولُ قولُه، وإن كان غائِبًا عنها، فالقولُ قولُ المرأةِ مِن يومِ رَفَعَتْ أمْرَها إلى الحاكمِ. ولَنا، أنَّ قولَه يُوافِقُ الأَصْلَ، فقُدِّمَ، كما لو كان مُقِيمًا معها. وكُلُّ مَن قُلْنا: القولُ قولُه. فَلِخَصْمِه عليه اليَمِينُ؛ لأنَّها دَعَاوٍ في المالِ، فأشْبَهَتْ دَعْوَى الدَّيْنِ، ولأَنَّ النبىَّ ﷺ قال: «ولكِنَّ اليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ» (٣). وإن دَفَعَ الزَّوجُ إلى امْرأتِه نَفقةً وكُسْوَةً، أو بَعَثَ بها إليها، فقالتْ: إنَّما فَعَلْتَ ذلك تبَرُّعًا وهِبَةً. قال: بل وفاءً للواجِبِ علىَّ. فالقولُ قولُه؛ لأنَّه أعْلَمُ بنِيَّتِه، أشْبَهَ ما لو قَضَى دَيْنَه فاخْتَلَفَ هو وغَرِيمُه في نِيَّتِه. وإن طَلَّقَ امرأتَه، وكانت حامِلًا فوَضَعَتْ، فقال: طَلَّقْتُكِ حامِلًا، فانْقَضَتْ عِدَّتُكِ بوَضْعِ الحَمْلِ، وانْقَطَعَتْ نَفَقَتُكِ ورَجْعَتُكِ. قالت: بل بعدَ الوَضْعِ، فَلِىَ
стр. 11933
فَصْلٌ: وَإِنْ مَنَعَ النَّفَقَةَ أَوْ بَعْضَهَا مَعَ الْيَسَارِ، وَقَدَرَتْ لَهُ عَلَى مَالٍ، أَخَذَتْ مِنْهُ مَا يَكْفِيهَا وَيَكْفِى وَلَدَهَا بِالْمَعْرُوفِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ؛
ــ
النَّفقةُ، ولكَ الرَّجْعَةُ. فالقولُ قولُها؛ لأَنَّ الأَصْلَ بَقاءُ النَّفقةِ، وعَدَمُ المُسْقِطِ لها، وعليها العِدَّةُ، ولا رَجْعَةَ للزَّوْجِ؛ لإِقْرارِه بعَدَمِها (١). وإن رَجَعَ فصَدَّقَها، فله الرَّجْعَةُ؛ لأنَّها مُقِرَّةٌ [له بها] (٢). ولو قال: طَلَّقْتُكِ بعدَ الوَضْعِ، فَلِىَ الرَّجْعَةُ، ولكِ النَّفقةُ. قالت: بل وأنا حامِلٌ. فالقولُ [قولُه؛ لأَنَّ [الأَصْلَ] (٣) بقاءُ الرَّجْعةِ، ولا نَفَقةَ لها، ولا عِدَّةَ عليها؛ لأنَّها حَقٌّ للَّه تعالى، فالقول] (٤) قولُها (٥) فيها، فإن عادَ فصَدَّقَها، سَقَطَتْ رَجْعَتُه، ووَجَبَتْ لها النَّفقةُ، هذا في ظاهِرِ الحُكْمِ، فأمَّا فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى، فيَنْبَنِى على ما [يَعْلَمُه مِن] (٦) حقيقَةِ الأَمْرِ دُونَ ما قالَه.
فصل: قال الشَّيْخُ، ﵀: (وإن مَنَعَها النَّفقةَ أو بعْضَها مع اليَسارِ، وقَدَرَتْ له على مالٍ، أخَذَتْ منه ما يَكْفِيها ويَكْفِى وَلَدَها
стр. 11934
لِقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ لِهِنْدٍ، حِينَ قَالَتْ لَهُ: إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وَلَيْسَ يُعْطِينِى مِنَ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِى وَوَلَدِى. قَالَ: «خُذِى مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بالْمَعْرُوفِ».
ــ
بالمَعْروفِ بغيرِ إذْنِه؛ لقولِ النبىِّ ﷺ لِهِنْدٍ حِينَ قالت له: إنَّ أبا سُفيانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وليس يُعْطِينِى مِن النَّفقةِ ما يَكْفِينِى ووَلَدِى. قال: «خُذِى ما يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بالمَعْرُوفِ») (١) وجملةُ ذلك، أنَّ الزَّوجَ إذا لم يَدْفَعْ إلى زَوْجَتِه ما يجبُ لها عليه مِن النَّفقةِ والكُسْوَةِ، أو دَفَعَ إليها أقَلَّ مِن كِفايَتِها، فلها أن تَأْخُذَ مِن مالِه [الواجِبَ أو تمامَه، بإذْنِه و (٢) بغيرِ إذْنِه؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ هِنْدٍ، وهو إذْنٌ لها في الأخْذِ مِن مالِه] (٣) بغيرِ إذْنِه، ورَدٌّ لها إلى اجْتِهادِها في قَدْرِ كِفايَتِها وكِفايَةِ وَلَدِها، وهو مُتَناوِلٌ لأخْذِ تَمامِ الكِفايَةِ، فإنَّ ظاهِرَ الحديثِ دَلَّ على أنَّه كان يُعْطِيها بعضَ الكِفايَةِ، ولا يُتَمِّمُها لها، فرَخَّصَ النبىُّ ﷺ لها في أخْذِ تَمامِ الكِفايةِ بغيرِ عِلْمِه؛ لأنَّه مَوْضِعُ حاجَةٍ، فإنَّ النَّفقةَ لا غِنَى عنها، ولا قِوَامَ إلَّا بها، فإذا لم يَدْفَعْها الزَّوجُ ولم تأْخُذْها، أفْضَى إلى ضَياعِها وهَلاكِها، فرَخَّصَ لها في أخْذِ قَدْرِ نَفَقَتِها، دَفْعًا لحاجَتِها، ولأَنَّ النَّفقةَ تتَجَدَّدُ (٤)
стр. 11935
وَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ، أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ وَحَبَسَهُ، فَإِنْ لَمْ يُنْفِقْ، دَفَعَ النَّفَقَةَ إِلَيْهَا مِنْ مَالِهِ،
ــ
بتَجَدُّدِ الزَّمانِ شيئًا فشيئًا، فتَشُقُّ المُرافَعَةُ إلى الحاكمِ، والمُطالَبَةُ بها في كلِّ الأوْقاتِ، فلذلك رَخَّصَ لها في أخْذِها بغيرِ إذْنِ مَن هى عليه. وذكر القاضى بينَها وبينَ الدَّيْنِ فَرْقًا آخَرَ، وهو أنَّ نَفقةَ الزَّوْجَةِ تَسْقُطُ بفَواتِ وَقْتِها عندَ بعضِ أَهْلِ العلمِ، ما لم يكُنِ الحاكمُ فَرَضَها لها، فلو لم تَأْخُذْ حَقَّها، أفْضَى إلى سُقُوطِها، والإِضْرارِ بها، بخِلافِ الدَّيْنِ، فإنَّه لا يَسْقُطُ عندَ أحَدٍ بتَرْكِ المُطالَبَةِ، فلا يُؤَدِّى تَرْكُ الأخْذِ إلى الإِسْقاطِ.
٣٩٩٠ - مسألة: (فإن لم تَقْدِرْ، أجْبَرَه الحاكِمُ وحَبَسَه) [ إذا لم تَقْدِرْ على الأخْذِ مِن مالِه، رافَعَتْه إلى الحاكمِ، فيأْمرُه بالإِنفاقِ، ويُجْبِرُه عليه، فإن أبَى حَبَسَه] (١)، فإن صبَر على الحَبْسِ ولم يُنْفِقْ، أخَذَ الحاكِمُ النَّفَقَةَ مِن مالِه فدَفَعَها إلى المَرْأةِ، فإن لم يَجِدْ إلَّا عُروضًا أو عَقارًا، باعَه في ذلك. وبهذا قال مالِكٌ، والشافعىُّ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ. وقال أبو حنيفةَ؛ النَّفقةُ في مالِه مِن الدَّنانِيرِ والدَّراهِمِ، ولا يَبِيعُ عَرْضًا؛ لأَنَّ بَيْعَ مالٍ الإِنْسانِ لا يَنْفُذُ إلَّا بإذْنِه، أو إذْنِ وَلِيِّه، ولا وِلايَةَ على الرَّشِيدِ. ولَنا، قولُ النبىِّ ﷺ لهِنْدٍ: «خُذِى ما يَكْفِيكِ». ولم يُفَرِّقْ، ولأَنَّ ذلك مالٌ له، فتُؤْخَذُ منه النَّفَقةُ، كالدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ، وللحاكمِ ولايَةٌ عليه إذا امْتَنَعَ، بدليلِ وِلاِيَتِه على دَراهِمِه ودَنانِيرِه. وإن تَعَذَّرَتِ النَّفَقةُ
стр. 11936
فَإِنْ غَيَّبَهُ، وَصَبَرَ عَلَى الْحَبْسِ، فَلَهَا الْفَسْخُ. وَقَالَ الْقَاضِى: لَيْسَ لَهَا ذَلِكَ.
ــ
في حالِ غَيْبَتِه، وله وَكِيلٌ، فَحُكْمُ وَكِيلِه حُكْمُه في المُطالَبَةِ والأخْذِ مِن المالِ عندَ امْتِناعِه، وإن لم يكُنْ له وَكِيلٌ ولم تَقْدِرِ المرأةُ على الأخْذِ، أخَذَ لها الحاكمُ مِن مالِه، ويجوزُ بَيْعُ عَقارِه وعُروضِه في ذلك، إذا لم يَجِدْ (١) ما يُنْفِقُ سواه. ويُنْفِقُ على المرأةِ يومًا بيَوْمٍ. وبهذا (٢) قال الشافعىُّ، ويحيى بنُ آدمَ. وقال أصْحابُ الرَّأْى: يَفْرِضُ لها في كُلِّ شَهْرٍ. ولَنا، أنَّ هذا تَعْجِيلٌ للنَّفَقةِ قبلَ وُجُوبِها، فلم يَجُزْ، كما لو عَجَّلَ لها أكْثَرَ مِن شَهْرٍ.
٣٩٩١ - مسألة: (فإن غَيَّبَ مالَه، وصَبَرَ على الحَبْسِ، فلها الفَسْخُ) إذا لم يَقْدِرِ الحاكمُ له على مالٍ يأْخُذُه، أو لم يَقْدِرْ على النَّفَقةِ مِن مالِ الغائِبِ، فِى ظاهِرِ قَوْلِ الخِرَقِىِّ، واخْتِيارِ أَبى الخَطَّاب. واخْتارَ القاضى أنَّها لا تَمْلِكُ الفَسْخَ. وهو ظاهِرُ مذهب الشافعىِّ؛ لَأنَّ الفَسْخَ في المُعْسِرِ لِعَيْبِ الإِعْسارِ، ولم يُوجَدْ ههُنا، ولأَنَّ المُوسِرَ في مَظِنَّةِ الأخْذِ مِن مالِه، وإذا امْتَنَعَ فرُبَّما لا يَمْتَنِعُ في غَدِه، بخِلافِ المُعْسِرِ. ولَنا،
стр. 11937
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، كَتَبَ في رِجالٍ غابُوا عن نِسائِهم، فأمَرَهُم بأن يُنْفِقُوا أو يُطَلِّقُوا (١). وهذا إجْبارٌ على الطَّلاقِ عندَ الامْتِناعِ مِن الإِنْفاقِ، ولأَنَّ الإِنْفاقَ عليها مِن مالِه مُتَعَذِّرٌ، فكان لها الخِيارُ، كحالِ الإِعْسارِ، بل هذا أَوْلَى بالفَسْخِ؛ فإنَّه إذا جازَ الفَسْخُ على المَعْذُورِ، فعلى غيرِه أَوْلَى، ولأَنَّ في الصَّبْرِ ضَرَرًا أمْكَنَ إزالَتُه بالفَسْخِ، فوَجَبَتْ إزالَتُه دَفْعًا للضَّرَرِ، [ولأنَّه نَوْعُ تَعَذُّرٍ] (٢) يُجَوِّزُ الفَسْخِ، فلم يَفْتَرِقِ الحالُ بينَ المُعْسِرِ والمُوسِرِ، كأداءِ ثَمَنِ المَبِيعِ، فإنَّه لا فَرْقَ في جَوازِ الفَسْخِ بينَ أن يكونَ المُشْتَرِى مُعْسِرًا، وبينَ أن يَهْرُبَ قبلَ أداءِ الثَّمنِ، ولأَنَّ عَيْبَ الإِعْسارِ إنَّما جَوَّزَ الفَسْخَ لتَعَذُّرِ الإِنْفاقِ، بدليلِ أنَّه لو اقْتَرَضَ ما يُنْفِقُ عليها، أو تَبَرَّعَ له إنْسانٌ بدَفْعِ ما يُنْفِقُه، لم تَمْلِكِ الفَسْخَ. وقولُهم: إنَّه يَحْتَمِلُ أن يُنْفِقَ فيما بعدَ هذا. قُلْنا: وكذلك المُعْسِرُ، يَحْتَمِلُ أن يُعِينَه اللَّهُ تعالى، وأن يَقْتَرِضَ، أو يُعْطَى ما يُنْفِقُه، فاسْتَوَيا.
стр. 11938
وَإِنْ غَابَ وَلَمْ يَتْرُكْ لَهَا نَفَقَةً، وَلَمْ تَقْدِرْ لَهُ عَلَى مَالٍ، وَلَا الاسْتِدَانَةِ عَلَيْهِ، فَلَهَا الْفَسْخُ، إِلَّا عِنْدَ الْقَاضِى، فِيمَا إِذَا لَمْ يَثْبُتْ إِعْسَارُهُ.
ــ
٣٩٩٢ - مسألة: (وإن غاب) زَوْجُها (ولم يَتْرُكْ لها نَفَقَةً) فإن قَدَرَتْ له على مالٍ، أخَذَتْ بِقَدْرِ حاجَتِها؛ لحَدِيثِ هِنْدٍ (و) إن (لم تَقْدِرْ، ولا) قَدَرَتْ (على الاسْتِدانَةِ عليه، فلها الفَسْخُ، إلَّا عِنْدَ القاضِى، فيما إذا لم يَثْبُتْ إعْسارُه) وهذا ظاهِرُ مذهبِ الشافعىِّ؛ لأَنَّ الفَسْخَ ثَبَتَ لِعَيْبِ الإِعْسارِ، ولم يَثْبُتِ الإِعْسارُ ههُنا. وقد دَلَّلْنا على جَوازِ الفَسْخِ في المَسْأَلَةِ التى قبلَها، وهذه مِثْلُها، بلِ هى أَوْلَى؛ لأَنَّ الحاضِرَ رُبَّما إذا طالَ عليه الحَبْسُ أنْفَقَ، وهذا قد تكونُ غيْبَتُه بحيثُ لا يُعْلَمُ خَبَرُه، فيكونُ الضَّرَرُ فيه (١) أكْثَرَ.
فصل: ومَن وَجَبَتْ عليه نَفَقةُ زَوْجَتِه، وكان له عليها دَيْنٌ، [فأرادَ أن يَحْتَسِبَ عليها بدَيْنِه مكانَ نَفَقَتِها، فله ذلك إن كانَتْ مُوسِرَةً؛ لأَنَّ مَن (٢) عليه حَقٌّ] (٣)، فله أن يَقْضِيَه (٤) مِن أىِّ أمْوالِه شاءَ، وهذا مِن مالِه.
стр. 11939
وَلَا يَجُوزُ الْفَسْخُ فِى ذَلِكَ كُلِّهِ إِلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ.
ــ
وإن كانت مُعْسِرَةً، لم يَكُنْ له ذلك؛ لأَنَّ قَضاءَ الدَّيْنِ إنَّما يجبُ في الفاضِلِ مِن قُوتِه، وهذا لا يفْضُلُ عنها، ولأَنَّ اللَّهَ تعالى أمَرَ بإنْظارِ المُعْسِرِ، بقولِه سُبْحانه: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (١). فيجبُ إنْظارُها بما عليها.
فصل: وإذا أنْفَقَتِ المرأةُ على نَفْسِها مِن مالِ زَوْجِها الغائِبِ، ثم بانَ أنَّه قد ماتَ قبلَ إنْفاقِها، حُسِبَ عليها ما أنْفَقَتْه مِن مِيراثِها، سَواءٌ أنْفَقَتْه بنَفْسِها، أو بأمْرِ الحاكمِ. وبهذا قال أبو العالِيَةِ، ومحمَدُ بنُ سِيرِينَ، والشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ. ولا نَعْلَمُ عن غيرِهم خِلافَهُم؛ لأَنَّها أنْفَقَتْ ما لا تَسْتَحِقُّ. وإن فَضَلَ لها شئٌ، أخَذَتْه، وإن فَضل عليها شئٌ، وكان لها صَداقٌ أو دَيْنٌ على زَوْجها، حُسِبَ منه، وإن لم يكُنْ لها شئٌ، كان الفَضْلُ دَيْنًا عليها. واللَّهُ أَعلمُ.
٣٩٩٣ - مسألة: (ولا يَجُوزُ الفَسْخُ في ذلك كلِّه إلَّا بِحُكْمِ
стр. 11940
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحاكِمِ) كلُّ مَوْضِعٍ وجبَ لها الفَسْخُ لأجْلِ النَّفقةِ، لم يَجُزْ إلَّا بحُكْمِ حاكمٍ؛ لأنَّه فَسْخٌ مُخْتَلَفٌ فيه، فافْتَقَرَ إلى الحاكمِ، كالفَسْخِ بالعُنَّةِ، [ولا يجوزُ له الفَسْخُ إلَّا أن تَطْلُبَ المرأةُ ذلك؛ لأنَّه لحَقِّها، فلم يَجُزْ مِن غيرِ طَلَبِها، كالفَسْخِ للعُنَّةِ] (١). فإذا فَرَّقَ الحاكمُ بينَهما، فهو فَسْخٌ لا رَجْعَةَ له فيه. وبهذا قال الشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال مالِكٌ: هو تَطْلِيقَةٌ، وهو أحَقُّ بها إن أيْسَرَ في عِدَّتِها؛ لأنَّه تَفْرِيقٌ لامْتِناعِه مِن الواجِبِ عليه لها، فأشْبَهَ تَفْرِيقَه بينَ المُولِى وامرأتِه إذا امْتَنَعَ مِن الفَيْئَةِ (٢) والطَّلاقِ. ولَنا، أنَّها فرْقَةٌ لعَجْزِه عن الواجِبِ عليه (٣)، أشْبَهَتْ فرْقَةَ العُنَّةِ. فأمَّا إن أجْبَرَه الحاكمُ على الطَّلاقِ، فطَلَّقَ أقَلَّ مِن ثلاثٍ، فله الرَّجْعَةُ عليها ما دامَتْ في العِدَّةِ. فإن راجَعَها وهو مُعْسِرٌ، أو امْتَنَعَ مِن الإِنْفاقِ عليها، ولم يُمْكِنِ الأخْذُ مِن مالِه، فطَلَبَتِ المرأةُ الفَسْخَ، فللحاكِمِ الفَسْخُ؛ لبَقاءِ المُقْتَضِى له، أشْبَهَ ما قبلَ الطَّلاقِ.