← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 12601–12640 · переход к 12606.

стр. 12601

ثُمَّ السِّمْحَاقُ الَّتِى بَيْنَهَا وَبَينَ الْعَظْمِ قِشْرَةٌ رَقِيقَةٌ. فَهَذِهِ الْخَمْسُ فِيهَا حُكومَةٌ في ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ، في الْبَازِلَةِ بَعِيرٌ، وَفِى ــ الباضِعَةُ) وهى التى تَشُقُّ اللَّحْمَ بعدَ الجِلْدِ (ثم المُتَلاحِمَةُ) وهى التى تَنْزِلُ فيها اللَّحْمِ (ثم السِّمْحاقُ التى بينَها وبينَ العَظْمِ قِشْرَةٌ رَقِيقَةٌ. فهذه الخَمْسُ فيها حُكومةٌ في ظاهرِ المَذْهَبِ) وجملةُ ذلك، أنَّ الشِّجاجَ عَشْرٌ؛ خَمسٌ لا تَوْقِيتَ فيها، أوَّلُها الحارِصَةُ -قالَه الأصْمَعِىُّ- وهى التى تَشُقُّ الجِلْدَ قليلًا. يَعْنِى (١) تَقْشِرُ شيئًا يَسِيرًا مِن الجِلْدِ، لا يَظْهَرُ منه دَمٌ، ومنه: حَرَصَ الْقَصَّارُ الثَّوْبَ. إذا شَقَّه قليلًا. وقال بعْضُهم: هى الحَرْصَةُ. ثم البازِلَةُ وهى التى يَنْزِلُ منها الدَّمُ، أى يَسِيلُ. وتُسَمَّى الدَّامِيَة أيضًا، والدَّامِعةَ، لقِلَّةِ سَيَلانِ دَمِها، تَشْبِيهًا له بخرُوجِ الدَّمْعِ من العَيْنِ. ثم الباضِعَةُ وهى التى تَشُقُّ اللَّحْمَ بعدَ الجِلْدِ. ثم المُتَلاحِمَةُ وهى التى أخَذَتْ في اللَّحْمِ، يعنى دَخَلَتْ فيه دُخُولًا كثِيرًا، تَزِيد على الباضِعَةِ ولم تَبْلُغِ السِّمْحاقَ. ثم السِّمْحاقُ وهى التى تَصِلُ إلى قِشرَةٍ رَقِيقَةٍ فوقَ العَظْمِ، تُسَمَّى تلك القِشْرَةُ سِمْحَاقًا، وسُمِّيتِ الجِراحُ الواصِلَةُ إليها بها،

стр. 12602

الْبَاضِعَةِ بَعِيرَانِ، وَفِى الْمُتَلَاحِمَةِ ثَلَاثَة، وَفِى السِّمْحَاقِ أربَعَةٌ. ــ ويُسَمِّيها أهلُ المدينةِ المِلْطى والمِلْطَاةَ، وهى تأخُذُ اللَّحْمَ كلَّه حتى تَخْلُصَ منه. وهذه الشِّجاجُ الخمسُ لا تَوْقِيتَ فيها في ظاهِرِ المَذْهَبِ. وهو قَوْلُ أَكْثَرِ الفُقَهاءِ. يُرْوَى ذلك عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، ومالِكٍ، والأوْزَاعِىِّ، والشافعىِّ، وأصْحابِ الرَّأْى. ورُوِىَ عن أحمدَ رِوايةٌ أُخْرَى أنَّ (في الدَّامِيَةِ بَعِيرًا، وفى الباضِعَةِ بغِيرَيْنِ، وفى المُتَلاحِمَةِ ثلاثةَ أبعِرَةٍ (١)، وفى السِّمْحاقِ أرْبَعَةَ أبعِرَةٍ) لأَنَّ ذلك يُرْوَى عن زَيْدِ بنِ ثابتٍ. ورُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، في السِّمْحاقِ مثلُ ذلك. روَاه سعيدٌ عتهما (٢). لى عن عمرَ، وعُثمانَ، فيها نِصْفُ أَرْشِ المُوضِحَةِ (٣). والصَّحِيحُ الأَوَّلُ، فإنَّها جِراحاتٌ لم يَرِدْ فيها تَوْقِيت في الشَّرْع، فكان الواجِبُ فيها حُكومةً، كجِرِاحاتِ البَدَنِ. رُوِى عن مَكْحُولٍ قال: قَضَى النَّبِىُّ ﷺ : في المُوضِحَةِ بخمْسٍ من الإِبلِ، ولم يَقْضِ فيما دُونَها (٤). ولأنَّه لم يَثْبُتْ فيها مُقَدَّرٌ (٥) بتَوْقِيفٍ، ولا له (١) قِياسٌ يَصِحُّ، فوجَب

стр. 12603

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الرُّجوعُ إلى الحُكُومَةِ، كالحَارِصَةِ. وذكرَ القاضى أنَّه متى (١) أمْكَنَ اعْتِبارُ [هذه الجِراحاتِ مِن المُوضِحَةِ، مثلَ أن يكونَ في رأسِ المَجْنِىِّ عليه مُوضحَة إلى جانِبِها، قُدِّرَتْ] (٢) هذه الجِراحةُ منها، فإنْ كانتْ بقَدْرِ النِّصْفِ، وجَب نِصْفُ أَرْشِ المُوضِحَةِ، وإنْ كانتْ بقَدْرِ الثُّلُثِ، وجبَ ثُلُثُ الأَرْشِ. وعلى هذا إلَّا أَنْ تَزِيدَ الحُكُومَةُ على قَدْرِ ذلك، فتُوجِبُ (٣) ما تُخْرِجُه الحُكُومَةُ، فإذا كانتِ الجراحَة قَدْرَ نِصْفِ المُوضِحَةِ، وشَيْنُها يَنْقُصُ قَدْرَ ثُلُثَيْها، فيُوجِبُ ثُلُثَى أَرْشِ المُوضِحَةِ، وإنْ نَقَصتِ الحُكُومَةُ أقَلَّ مِن النِّصْفِ، أوجبَ النِّصْفَ، فيُوجِبُ الأكْثَرَ ممَّا تُخْرِجُه الحُكومةُ أو قَدْرِها من المُوضِحَةِ؛ لأنَّه اجْتَمَعَ سَببانِ (٤) مُوجِبانِ؛ الشَّيْنُ وقَدْرُها مِن المُوضِحَةِ، فوجَبَ فيها، والدَّلِيلُ على

стр. 12604

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إيجابِ (١) المِقْدارِ، أنَّ هذا اللَّحْمَ فيه مُقَدَّرٌ، فكان في بَعْضِه بقَدْرِه مِن دِيَتِه، كالمارِن، الحَشَفَة، الشَّفَة، والجَفْنِ. وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ. قالَ شَيْخُنا (٢): وَهذا لا نَعلَمُه مَذْهَبًا لأحمدَ ولا يقْتَضِيه مَذْهَبُه، ولا يَصِحُّ؛ لأَنَّ هذه جِراحَةٌ تَجِبُ فيها الحُكُومَةُ، فلا يجبُ فيها مُقَدَّرٌ، كجراحاتِ البَدَنِ، ولا يَصِحُّ قِياسُ هذا على ما ذكَرُوه، فإنَّه لا تجبُ فيه الحُكُومةُ، ولا نَعْلَمُ لِما ذَكَرُوه نَظيرًا، وما لم يَكُنْ فيه مِن الجِراحِ تَوْقِيتٌ، ولم يَكُنْ نَظِيرًا لِمَا وُقِّتَتْ دِيَتُه، ففيه حُكُومَةٌ. أمَّا الذى فيه تَوْقِيتٌ، فهو الذى نَصَّ النَّبِىُّ ﷺ عليه, وبَيَّنَ قَدْرَ دِيَتِه، كقَوْلِه: «في الأنْفِ الدِّيَةُ (٣)، وفى اللِّسَانِ الدِّيَةُ» (٤). [وقد ذَكَرْناه] (٥). وأمَّا نَظِيرُه،

стр. 12605

فَصْلٌ: وَخَمْسٌ فِيهَا مُقَدَّرٌ؛ أَوَّلُهَا، الْمُوضِحَةُ الَّتِى تُوضِحُ الْعَظْمَ، أَىْ تُبْرِزُهُ، وَفِيهَا خَمْسَةُ أبْعِرَةٍ. ــ فهو ما كان في مَعْناه، ومَقِيسًا عليه، كالأَلْيَتَيْنِ (١)، والثَّدْيَيْنِ، والحاجِبَيْنِ، وقد ذكَرْناه أيْضًا (٢)، فما لم يَكُنْ مِن المُوَقَّتِ، ولا ممَّا يُمْكِنُ قِياسُه عليه (٢)، كالشِّجاجِ التى دُونَ المُوضِحَةِ، وجِراحِ البَدَنِ سِوَى الجائِفَةِ، وقَطْعِ الأعْضاءِ، وكَسْرِ العِظامِ، فليس فيه إلَّا الحُكُومَةُ. فصل: قال الشَّيْخُ، ﵀: (وخَمْسٌ فيها مُقَدَّرٌ، أوَّلُها، المُوضِحَةُ) وهى (التى تُوضِحُ العَظْمَ، أى تُبْرِزُه) والوَضَحُ البَيَاضُ، يَعْنِى أنَّها أبدَتْ وَضَحَ العَظْمِ، أىْ بَياضَه. وأجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ أرشَها مُقَدَّرٌ. قالَه ابنُ المُنْذِرِ (٣). وفى كتابِ النَّبِىِّ ﷺ لعَمْرِو بنِ حَزْمٍ: «وَفِى المُوضِحَةِ خَمْسٌ مِن الإِبِلِ» (٤). ورَوَى

стр. 12606

وَعَنْهُ، في مُوضِحَةِ الْوَجْهِ عَشَرَةٌ. وَالأَوَّلُ الْمَذْهَبُ. ــ عمرُو بنُ شُعَيْبٍ عن أبِيه عن جَدِّه، عن النَّبِىِّ ﷺ أنَّه قال: «في المَوَاضِحِ خَمْسٌ خَمْسٌ». رواه أبو داودَ، والنَّسَائِىُّ، والتِّرْمِذِىُّ (١)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وإنَّما يجِبُ ذلك في مُوضِحَةِ الحُرِّ، فأمَّا مُوضِحَةُ العَبْدِ فقد ذكَرْنا الخِلافَ فيها. ومُوضِحَةُ المَرْأةِ كمُوضِحَةِ الرَّجُلِ، فيما يَجِبُ فيها عندَ أحمدَ، ﵀؛ لأن المرأةَ تُساوِى (٢) جِراحُها جِراحَ الرَّجُلِ إلى ثُلُثِ الدِّيَةِ. وعندَ الشَّافعىِّ أنَّ مُوضِحَةَ المرأةِ إنَّما يَجِبُ فيها نِصْفُ ما وجَبَ في مُوضِحَةِ الرَّجلِ، بِناءً على مذْهَبِه في أنَّ جِراحَ المَرْأةِ على النِّصْفِ مِن جِراحِ الرَّجُلِ في القَلِيلِ والكَثِيرِ. والحديثُ الذى ذكرْناه حُجَّةٌ عليه، وفيه كِفايَة. وأكثرُ أهلِ العلمِ على أنَّ المُوضِحَةَ في الرَّأْسِ والوَجْهِ سَواءٌ. وهو ظاهِرُ المَذْهَبِ. رُوِى ذلك عن أبى بكْرٍ، وعمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما. وبه قال شُرَيْحٌ، ومَكْحُولٌ، [والشَّعْبِىُّ] (٣)، والنَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، ورَبِيعَةُ، وأبو حَنِيفةَ، والشَّافعىُّ، وإسْحاقُ. (وعن أحمدَ أنَّ في مُوضِحَةِ الوَجْهِ عَشَرَةَ أبعِرَةٍ) رُوِى ذلك عن سعيدِ بنِ

стр. 12607

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المُسَيَّبِ؛ لأَنَّ شَيْنَها أكْثَرُ، ومُوضِحَةُ الرَّأْسِ يسْتُرُها الشَّعَرُ والعِمامَةُ. وقال مالكٌ: إذا كانت في أنْفٍ أو في اللَّحْىِ الأسْفَلِ، ففيها حُكومةٌ؛ لأنَّها تَبْعُدُ عن الدِّماغِ، فأَشْبَهَتْ مُوضِحَةَ (١) سائرِ البَدَنِ. ولَنا، عُمُومُ الأحاديثِ، وقولُ أبى بكرٍ وعمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما: المُوضِحَةُ في الرَّأْسِ والوَجْهِ سَوَاءٌ (٢). ولأنَّها مُوضِحَةٌ، فكانَ أرْشُها خَمْسًا من الإِبلِ، كغَيرِها ممَّا سَلَّمُوه، ولا عِبْرَةَ بكَثْرَةِ الشَّيْنِ، بدليلِ التَّسْوِيَةِ بينَ الكَبيرَةِ والصَّغِيرَةِ. [وما ذَكَرَه مالِكٌ] (٣) لا يَصِحُّ، فإنَّ المُوضِحَةَ في الصَّدْرِ أكثرُ ضَرَرًا، وأقْرَبُ إلى القَلْبِ، ولا مُقَدَّرَ فيها, ولأَنَّ ما قالَه مُخالِفٌ لظاهِرِ النَّصِّ. وقد رُوِى عن أحمدَ أنَّه قال: مُوضِحَةُ الوَجْهِ أحْرَى أَنْ يُزادَ في دِيَتها. وليس مَعْنَى هذا أنَّه يَجبُ فيها أكْثَرُ، إنَّما مَعْناه، واللَّهُ أعلمُ، أنَّها أوْلَى بإِيجابِ الدِّيَةِ، فإنَّها إذا وجَبَتْ في مُوضحَةِ الرَّأْسِ، مع قِلَّةِ شَيْنها واسْتِتَارِها بالشَّعَرِ وغِطاءِ الرَّأْسِ، خَمْسٌ مِن الإِبِلِ، فلَأنْ يَجِبَ ذلك في الوَجْهِ الظاهِرِ الذى هو مَجْمَعُ المَحاسِنِ وعُنوانُ الجَمالِ أوْلى. وحَمْلُ كلام أحمدَ على (٤) هذا أوْلَى مِن حَمْلِه على ما يُخالِفُ الخَبَرَ والأَثَرَ وقَوْلَ أكْثَرِ أَهْلِ العلمِ، بغيرِ تَوْقِيفٍ ولا قِياسٍ صَحِيحٍ.

стр. 12608

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ويَجِبُ أَرْشُ المُوضِحَةِ في الصَّغيرةِ والكبيرةِ، والبارِزَةِ والمسْتُورةِ بالشَّعَرِ؛ لأَنَّ اسْمَ المُوضِحَةِ يَشْمَلُ الجَمِيعَ. وحَدُّ المُوضِحَةِ ما أفْضَى إلى العَظْمِ ولو بقدرِ إبْرةٍ. ذكَره ابنُ القاسِمِ، والقاضى. فصل: وليس في مُوضِحَةِ غيرِ الرَّأْسِ والوَجْهِ مُقَدَّرٌ، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم إمامُنا، ومالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ (١): ولا تَكُونُ في البَدَنِ مُوضِحَةٌ. يَعْنِى ليس فها مُقَدَّرٌ. [وقال] (٢): على ذلك جَماعةُ العُلَماءِ إلَّا اللَّيْثَ بنَ سَعْدٍ، قال: المُوضِحَةُ تَكُونُ في الجَسَدِ أيضًا. وقال الأوْزاعِىُّ في جِراحَةِ الجَسَدِ: على النِّصْفِ من جِراحةِ الرَّأْسِ. وحُكِىَ نحوُ ذلك عن عَطاءٍ الخُرَاسانِىِّ، قال: في (٣) المُوضِحَةِ في سائرِ الجَسَدِ خَمْسَةٌ وعِشْرون دِينارًا. ولَنا، أنَّ اسْمَ المُوضِحَةِ إنَّما يُطْلَقُ على الجِراحَةِ المَخْصُوصَةِ في الوَجْهِ والرَّأسِ، وقَوْلُ الخَلِيفَتَيْن الرَّاشِدَيْن: المُوضِحَةُ

стр. 12609

فَإِنْ عَمَّتِ الرَّأْسَ وَنَزَلَتْ إِلَى الْوَجْهِ، فَهَلْ هِىَ مُوضِحَةٌ أَوْ مُوضِحَتَانِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. ــ في الرَّأْسِ والوجهِ سواءٌ. يَدُلُّ على أنَّ باقِىَ الجسدِ بخلافِه، ولأَنَّ الشَّيْنَ فيما في الرَّأْسِ والوجهِ أكثرُ وأخْطَرُ ممَّا في سائِرِ البَدَنِ، فلا يَلْحَقُ به، ثُمَّ إيجابُ ذلك في سائِرِ البَدَنِ يُفْضِى إلى أَنْ يَجِبَ في مُوضِحَةِ العُضْوِ أكثرُ من دِيَتِه، مثلَ أن يُوضِحَ أُنْمُلَةً دِيَتُها ثلاثةٌ وثُلُثٌ، ودِيَةُ المُوضِحَةِ خَمْسٌ. وأمَّا قولُ الأَوْزاعِىِّ وعَطاء الخُرَاسانِىِّ، فتَحَكُّمٌ لا نَصَّ فيه، ولا يَقْتَضِيه القِياسُ، فيَجِبُ اطِّرَاحُه. ٤٣٠٩ - مسألة: (فَإنْ عَمَّتِ الرَّأْسَ ونَزَلَتْ إلى الوَجْهِ، فهل هى مُوضِحَةٌ أو مُوضِحَتَان؟ على وَجْهَيْن) إذا أوْضَحَه في رَأسِه، ومَدَّها إلى وَجْهِه، فعلى وَجْهَيْن؛ أحدُهما، هى مُوضِحَةٌ واحدةٌ؛ لأَنَّ الوَجْهَ والرَّأسَ سَواءٌ في المُوضِحَةِ، فصارا كالعُضْوِ الواحِدِ. والثانى، هما مُوضِحَتانِ؛

стр. 12610

وَإِنْ أَوْضَحَهُ مُوضِحَتَيْنِ بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ، فَعَلَيْهِ عَشَرَةٌ، فَإِنْ خَرَقَ ــ لأنَّه أَوْضَحَه في عُضْوَيْن، فكان لكلِّ واحدٍ منهما حُكْمُ نفْسِه، كما لو أوْضَحَه في رَأْسِه ونزل إلى القَفَا. ذكر شيخُنا في الكتابِ المَشْرُوحِ، قال: إذا عَمَّتِ الرَّأْسَ. ولم يذْكُرْه في كتابَيْهِ «المُغْنِى» و «الكافِى» بل (١) أطْلَقَ القَوْلَ فيما إذا كان بعْضُها في الرَّأْسِ، وبعْضُها في الوَجْهِ (٢). وإن لم تَعُمَّ الرَّأْسَ، ففيها الوَجْهان، وهو الذى يَقْتَضِيه الدَّلِيلُ المَذْكُورُ. واللَّهُ أعلمُ. ٤٣١٠ - مسألة: (وإن أوْضَحَه مُوضحَتَيْنِ بينهما حاجِزٌ، فعليه

стр. 12611

مَا بَيْنَهُمَا، أَوْ ذَهَبَ بالسِّرَايةِ، صَارَا مُوضِحَةً وَاحِدَةً. وَإِنْ خَرَقَهُ الْمَجْنِىُّ عَلَيْهِ أَوْ أَجْنَبِىٌّ، فَهِىَ ثَلَاثُ مَوَاضِحَ. ــ عَشَرَةٌ) مِن الإِبِلِ، أَرْشُ مُوضِحَتَيْنِ؛ لأنَّهما مُوضِحَتانِ (فإن خرَقَ ما بينَهما، أو ذهب بالسِّرَايَةِ، صارا مُوضِحَةً واحِدَةً) فيَجِبُ أَرْشُ مُوضِحَةٍ، فصار كما لو أوْضَحَ الكَلَّ مِن غيرِ حاجِز. فإنِ انْدَمَلَتا، ثم أزالَ الحاجِزَ بينَهما، فعليه أَرْشُ (١) ثَلاثِ مَواضِحَ؛ لأنَّه اسْتَقَرَّ عليه أَرْشُ المُوضِحَتَيْن (٢) الأُولَيَيْن بالانْدِمالِ، ثم لَزِمَتْه دِيَةُ الثَّالِثَةِ. وإنِ انْدَمَلَتْ إحْداهُما، وزالَ الحاجِزُ بفِعْلِه أو سِرَايَةِ الأُخْرَى، فعليه أَرْشُ مُوضِحَتَيْنِ. ٤٣١١ - مسألة: فإنْ خَرَقه أجْنَبِىٌّ ، فعلى الأَوَّلِ أَرْشُ مُوضِحَتَيْنِ، وعلِى الثَّانِى أَرْشُ مُوضِحَةٍ؛ لأَنَّ فِعْلَ أحَدِهما لا يَنْبَنِى على فِعْلِ الآخرِ، فانْفرَدَ كلُّ واحدٍ منهما بحُكْمِ جِنايَتِه. وإنْ أَزالَه المَجْنِىُّ عليه، وجَب على الأَوَّلِ أَرْشُ مُوضِحَتَيْنِ؛ لأَنَّ ما وجَب بجِنايَتِه لا يَسْقُطُ بفِعْلِ غيرِه.

стр. 12612

وَإِنِ اخْتَلَفَا في مَنْ خَرَقَهُ، فَالْقولُ قَوْلُ الْمَجْنِىِّ عَلَيْهِ، وَمِثْلُهُ لَوْ قَطَعَ ثَلَاثَ أصَابعِ امْرَأَةٍ، فَعَلَيْهِ ثَلَاثُونَ مِنَ الإبِلِ، فَإِنْ قَطَعَ الرَّابِعَةَ، عَادَ إِلَى عِشْرِينَ، فَإِنِ اخْتَلَفَا في قَاطِعِهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَجْنِىِّ عَلَيْهِ. ــ ٤٣١٢ - مسألة: (وإنِ اخْتَلَفَا في مَن خَرَقَه، فالقولُ قولُ المَجْنِىِّ عليه) إذا قال الجانى: أنا شَقَقْتُ ما بينَهما. وقال المَجْنِىُّ عليه: بل أنا. أو: أزَالها آخَرُ سِواكَ. كان القولُ قولَ المَجْنِىِّ عليه؛ لأَنَّ سبَبَ أَرْشِ مُوضِحَتَيْن قد وُجدَ، والجانِى يدَّعِى زَوالَه، والمَجْنِىُّ عليه يُنْكِرُه، والقولُ قولُ المُنْكِرَ؛ لأَنَّ الأَصْلَ معه (ومثلُه لو قطَع ثَلاثَ أَصابعِ امْرَأةٍ، فعليْه ثَلاثونَ مِن الإِبِلِ، فإن قَطَع الرّابِعَةَ، عادَ إلى عِشرِين، فإنِ اخْتَلَفا في قاطِعِها، فالقَوْلُ قَوْلُ المَجْنِىِّ عليه) لِما ذَكَرْنا. وهذا على مَذْهَبِنا؛

стр. 12613

وَإِنْ خَرَقَ مَا بَيْنَ المُوضِحَتَيْنِ في الْبَاطِن، فَهَلْ هِىَ مُوضِحَةٌ أَوْ مُوضِحَتَانِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. ــ لأَنَّ عندَنا أنَّ جِراحَ المَرْأَة تُساوِى جِراحَ الرَّجُلِ إلى الثُّلُثِ، فإذا زادَتْ صارَتْ على (١) النِّصْفِ. ٤٣١٣ - مسألة: (وَإِنْ خَرَق ما بينَهما في الباطِنِ) بأنْ قَطَع اللَّحْمَ الذى بينَهما، وتَرَك الجِلْدَ الذى فوقَهما، ففيها وَجْهَان، أحَدُهما، يَلْزَمُه أَرْشُ مُوضِحَتَيْن؛ لانْفِصالِهما في الظَّاهِرِ. والثانى، أَرْشُ مُوضِحَةٍ؛ لاتصالِهما في الباطِنِ. وإن جَرَحه جِرَاحًا واحدةً، أوْضَحَه في طَرَفَيْها (٢)، وباقِيها دُونَ المُوضِحَةِ، ففيه أَرش مُوضِحَتَيْن، لأَنَّ ما بينَهما ليس بمُوضِحَةٍ.

стр. 12614

وَإِنْ شَجَّ جَمِيعَ رَأْسِهِ سِمْحَاقًا إِلَّا مَوْضِعًا مِنْهُ أَوْضَحَهُ، فَعَلَيْهِ أَرْشُ مُوضِحَةٍ. ثُمَّ الْهَاشِمَةُ؛ وَهِىَ الَّتِى تُوضِحُ الْعَظْمَ وَتَهْشِمُهُ، فَفِيهَا عَشْرٌ مِنَ الإِبِلَ. ــ ٤٣١٤ - مسألة: (وإن شَجَّ جَمِيعَ رَأْسِه سمْحاقًا إلَّا مَوْضِعًا مِنْه أوْضَحَه، فعليه أْرشُ مُوضِحَةٍ) إذا شَجَّه في رَأْسِه شَجَّةً، بَعْضُها مُوضِحَةٌ، وبَعْضُها دونَ المُوضِحَةِ، لم يَلْزَمْه أكثرُ مِن أَرْشِ مُوضِحَةٍ؛ لأنَّه لو أوْضَحَ الجَمِيعَ، لم يَلْزَمْه أكْثَرُ مِن ذلك، فَلأَن لا يَلْزَمَه في الإِيضاحِ في البَعْضِ أكثرُ مِن ذلك أوْلَى. وهكذا لو شَجَّه شَجَّةً بعضُها هَاشِمَةٌ، وباقِيها دُونَها، لم يَلْزَمه أكثرُ مِن أَرْشُ هَاشِمَةٍ. وإن كانتْ مُنَقِّلَةً وما دُونَها، أو مَأْمُومَةً وما دُونَها، فعليه أَرْشُ مُنَقِّلَةٍ أو مَأْمُومَةٍ؛ لِما ذَكَرْنا. ٤٣١٥ - مسألة: (ثم الهاشِمَةُ؛ وهىِ التى تُوضِحُ العَظْمَ وتَهْشِمُه، ففيها عَشْر مِن الإِبِلِ) سَمِّيَتْ هاشِمَةَ لهشْمِها العَظمَ. ولم

стр. 12615

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَبْلُغْنا عن النَّبِىِّ ﷺ فيها تَقْدِيرٌ، وأكثرُ مَن بَلَغَنا قولُه مِن أهلِ العلمِ، على أنَّ أَرشَها مُقَدَّرٌ بعَشْرٍ مِن الإِبلِ. رَوَى ذلك (١) قَبيصَةُ بنُ ذُؤَيْبٍ، عن زيدِ بنِ ثابتٍ (٢). وبه قال قَتادَةُ، والشافعىُّ، والعَنْبَرِىُّ. ونحوُه قولُ الثَّوْرِىِّ، وأصحابِ الرَّأْىِ، إلَّا أنَّهم قَدَّرُوها بعُشْرِ (٣) الدِّيَةِ مِن الدَّراهمِ، وذلك على قولِهم: ألفُ دِرْهَم. وكان الحسنُ لا يُوَقِّتُ فيها شيئًا. وحُكِىَ عن مالِكٍ أنَّه قال: لا أعْرِفُ الهاشِمَةَ، لكن في الإِيضاحِ خَمْسٌ، وفى الهَشْمِ حُكومةٌ. قال ابنُ المُنْذِرِ (٤): النَّظَرُ يدُلُّ على قولِ الحسنِ، إذْ لا سُنَّةَ فيها ولَا إجْماعَ، ولم يُنْقَلْ عن النَّبِىِّ ﷺ فيها تَقْدِيرٌ، فوجبَتْ فيها الحُكومةُ، دُونَ المُوضِحَةِ. ولَنا، قولُ زيدِ بنِ ثابتٍ، ومثل ذلك الظَّاهِرُ أنَّه تَوْقِيفٌ، ولأنَّه لا يُعْرَفُ له مُخافٌ في عَصْرِه، ولأنَّها شَجَّةٌ فوقَ المُوضِحَةِ تَخْتَصُّ باسْمٍ، فكان فيها مُقَدَّرٌ، كالمَأْمُومَةِ. فصل: والهاشِمَةُ في الوَجْهِ والرَّأْسِ خاصَّةً، كما ذَكَرْنا في المُوضِحَةِ. فإنْ هشَمَه هاشِمَتَيْنِ، بينَهما حاجِزٌ، ففيهما عِشرون مِن الإِبلِ، على ما ذَكَرْنا مِن التَّفْصِيلِ في المُوضِحَةِ. وتَسْتَوِى الهاشِمَةُ الصغيرةُ والكبيرةُ، كالمُوضِحَةِ. وإن شَجَّه شَجَّة، بَعْضُها مُوضِحَةٌ، وبَعْضُها

стр. 12616

فَإِنْ ضَرَبَهُ بِمُثَقَّلٍ فَهَشَمَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوضِحَهُ، فَفِيهِ حُكُومَةٌ. وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ. ــ هاشِمَةٌ، وبعضُها سِمْحَاقٌ، وبعضُها مُتَلاحِمَةٌ، وجب أَرْشُ الهاشِمَةِ؛ لأنَّه لو كان جَمِيعُها هاشِمَةً، أجْزَأ أرْشُها، ولو انْفَرَدَ [القَدْرُ المَهْشُومُ] (١)، وجب أرْشُها، فلا يَنْتَقِضُ ذلك بما زادَ مِن الأَرْشِ في غيرِها. ٤٣١٦ - مسألة: (فإن ضَرَبه بمُثَقَّلٍ فَهَشَمَهُ مِن غيرِ أن يُوضِحَهُ، ففيه حُكُومَةٌ) ولَا تَجِبُ دِيَةُ الهاشِمَةِ، بغيرِ خِلافٍ؛ لأَنَّ الأَرْشَ المُقَدَّرَ وجب في هاشِمَةٍ معها مُوضِحَةٌ. وفى الواجبِ فيها وَجْهانِ؛ أحدُهما، حُكُومَةٌ؛ لأنَّه كَسْرُ عَظْمٍ لا جُرْحَ معه، فأشْبَهَ كَسْرَ قَصَبَةِ الأَنْفِ. والثانى، فيها خمْسٌ مِن الإِبِل؛ لأنَّه لو أَوْضَحَ وهَشَم، لوَجَب عَشْرٌ؛ خَمْسٌ في الإِيضاحِ، وخمْسٌ في الهَشْمِ، فإذا وُجِدَ أحَدُهما، وجَب خَمْسٌ، كالإِيضاحِ وحدَه. فصل: فإنْ أَوْضَحَه مُوضِحَتَيْن، هَشَم العَظْمَ في كلِّ واحدةٍ منهما،

стр. 12617

ثُمَّ الْمُنَقِّلَةُ؛ وَهِىَ الَّتِى تُوضِحُ وَتَهْشِمُ وَتَنْقُلُ عِظَامَهَا، فَفِيهَا خَمْسَ عَشْرَةَ مِنَ الإِبِلِ. ــ واتَّصَلَ الهَشْمُ في الباطنِ، فهما (١) هاشِمَتان؛ [لأَنَّ الهَشْمَ إنَّما يكونُ تَبَعًا للإِيضاحِ، فإذا كانَتا مُوضِحَتَيْنِ، كان الهَشْمُ هاشِمَتَيْنِ، بخِلافِ المُوضِحَةِ، فإنَّها ليست] (٢) تَبَعًا لغيرِها، فَافْتَرقا. ٤٣١٧ - مسألة: (ثُمَّ المُنَقِّلَةُ؛ وهى التى تُوضِحُ وتَهْشِمُ وتَنْقُلُ عِظامَها، ففيها خَمْسَ عَشْرَةَ مِن الإبلِ) المُنَقِّلَةُ زَائِدَةٌ على الهاشِمَةِ، وهى التى تَكْسِرُ العِظامَ وتُزِيلُها عن مَواضِعِها، فيَحْتاجُ إلى نَقْلِ العَظْمِ ليَلْتَئِمَ. وفيها خَمْسَ عَشْرَةَ مِن الإِبلِ، بإِجْماعٍ مِن أهلِ العلمِ. حكاه ابنُ المُنْذِرِ (٣). وفى كتابِ النَّبِىِّ ﷺ لعمرِو بنِ حَزْم: «وَفِى المُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ مِن الإِبِلِ» (٤). وفى تَفْصِيلِها ما في تَفْصِيلِ المُوضِحَةِ والهاشِمَةِ، على ما [ذَكَرْنا فيما] (٥) مَضَى.

стр. 12618

ثُمَّ الْمَأْمُومَةُ؛ وَهِىَ الَّتِى تَصِلُ إِلَى جِلْدَةِ الدِّمَاغِ، وَتُسَمَّى أُمَّ الدِّماغِ. وَتُسَمَّى الْمَأْمُومَةُ آمَّةَ، فَفِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ. ــ ٤٣١٨ - مسألة: (ثُمَّ المَأْمُومَةُ؛ وهى التى تَصِلُ إلى جِلْدَةِ الدِّماغِ، وتُسَمَّى أُمَّ الدِّماغِ. وتُسَمَّى المَأْمُومَةُ آمَّةً) قال ابنُ عبدِ البَرِّ (١): أهلُ العِراقِ يَقُولُونَ لها (٢): الآمَّةُ. وأهلُ الحِجازِ: المَأْمُومَةُ. وهى الجِراحَةُ الوَاصِلةُ إلى أُمِّ الدِّماغِ؛ وهى جِلْدَةٌ فيها الدِّماغُ، سُمِّيَتْ أُمَّ الدِّماغِ؛ لأنَّها تحُوطُه وتَجْمَعُه، فإذا وَصَلَتِ الجِراحَةُ إليها، سُمِّيَت آمَّةً ومَأْمُومَةً، [يُقالُ: أَمَّ الرَّجُلَ آمَّةً ومَأْمُومَةً] (٣). وأَرشُها ثُلُثُ الدِّيَةِ في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ، إلَّا مَكْحُولًا، فإنَّه قال: إن كانت عَمْدًا، ففيها ثُلُثا الدِّيَةِ، وإن كانتْ خَطَأً، ففيها ثُلُثُها. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ في كتابِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ: «وَفِى المَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ» (٤). وعن ابنِ عَمْرٍو (٥) عن النَّبِىِّ ﷺ مثلُ ذلك. ورُوِىَ نحوُه عن علىِّ (٦). ولأنَّها شَجَّةٌ فلم

стр. 12619

ثُمَّ الدَّامِغَةُ؛ وَهِىَ الَّتِى تَخْرِقُ الْجِلْدَةَ، فَفِيهَا مَا في الْمَأْمُومَةِ. فَصْلٌ: وَفِى الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ؛ وَهِىَ الَّتِى تَصِلُ إِلَى بَاطِنِ ــ يَخْتَلِفْ أَرشُها بالعَمْدِ والخَطَأَ في المِقْدارِ، كسائِرِ الشِّجاجِ. (ثُمَّ الدَّامِغَةُ، وهى التى تَخْرِق الجِلْدَ، ففيها ما في المَأْمُومَةِ) قال القاضى: لم يَذْكُرْ أصْحابُنا الدَّامِغَةَ؛ لمُساوَاتِها المَأْمُومَةَ في أَرْشِها. وقيل: فيها مع ذلك حُكُومَةٌ لخَرْقِ جِلْدَةِ الدِّماغِ. ويَحْتَمِلُ أنَّهم تَركُوا ذِكْرَها؛ لكَوْنِها لا يَسْلَمُ صاحِبُها في الغالبِ. فصل: فإن أوْضَحَه رَجُلٌ، ثم هَشَمَه الثَّانِى، ثم جعَلها الثالثُ مُنَقِّلَةً، ثم جعَلها الرَّابعُ مَأْمُومَةً، فعلى الأَوَّلِ أَرْشِ مُوضِحَةٍ، وعلى الثَّانِى خَمْسٌ، تمامُ أَرْشِ الهاشِمَةِ، وعلى الثالثِ خَمْسٌ، تَمامُ أَرْشِ المُنَقِّلَةِ، وعلى الرَّابعِ ثمانيةَ عَشَرَ وثُلُثٌ، تَمامُ أَرْشِ المَأْمُومَةِ. فصل: (وفى الجائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ؛ وهى التى تَصِلُ إلى باطِنِ الجَوْفِ

стр. 12620

الْجَوْفِ مِنْ بَطْنٍ، أَوْ ظَهْرِ، أَوْ صَدْرٍ، أَوْ نَحْرٍ. ــ مِن بَطْنٍ، أو ظَهْرٍ، أو صَدْرٍ، أو نَحْرٍ) وهذا قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم أهلُ المدينةِ، وأهلُ الكوفةِ، وأهلُ الحديثِ، وأصْحابُ الرَّأْى، إلَّا مَكْحولًا، قال فيها: في العَمْدِ ثُلُثا الدِّيَةِ ولنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ في كتابِ عمرِو بنِ حَزْمٍ: «وفى الجائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ» (١). وعن ابنِ عمرَ عن النَّبِىِّ ﷺ مثلُ ذلك (٢). ولأنَّها جِراحةٌ فيها مُقَدَّرٌ، فلم يخْتَلِفْ قَدْرُ أَرْشِها بالعَمْدِ والخَطَأ، كالمُوضِحَةِ. ولا نعلمُ في جِراحِ البَدَنِ الخاليةِ عن قَطْعِ الأعْضاءِ وكسْرِ العِظامِ مُقَدَّرًا (٣) غيرَ الجائفةِ. وذكرَ ابنُ عبدِ البَرِّ (٤)، أنَّ مالكًا، وأبا حنيفةَ، والشَّافعىَّ، [والبَتِّىَّ] (٥)، وأصْحابَهم، اتَّفَقُوا على أنَّ الجائفة لا تكونُ إلَّا (٦) في الجَوْفِ. وقال ابنُ القاسِمِ: الجائِفَةُ ما أفْضَى إلى الجَوْفِ ولو بمَغْرِزِ إبْرَةٍ. فصل: وإن أجافَه جائِفَتَيْنِ بينَهما حاجِزٌ، فعليه ثُلُثا الدِّيَةِ، وإن خرَق

стр. 12621

فَإِنْ خَرَقَهُ مِنْ جَانِبٍ فَخَرَجَ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ، فَهِىَ جَائِفَتَانِ. ــ الجانِى ما بينَهما، أو (١) ذهَب بالسِّرايَةِ، صارا جائفةً واحدةً، فيها ثُلُثُ الدِّيَةِ لا غيرُه، وإن خرَق ما بينَهما أجْنَبِىٌّ، أو المَجْنِىُّ عليه، فعلى الأَوَّلِ ثُلُثا الدِّيَةِ، وعلىِ الأجْنَبِىِّ الثانى ثُلُثُها، ويسْقُطُ ما قابلَ فِعْلَ المَجْنِىِّ عليه. وإنِ احْتاجَ إلى خرْقِ ما بينَهما للمُداواةِ، فخَرَقَها المَجْنِىُّ عليه أو غيرُه بأَمرِه، أو خرَقَها وَلِىُّ المَجْنِىِّ عليه لذلك، أو الطَّبِيبُ بأَمْرِه، فلا شئَ (٢) في خَرْقِ الحاجِزِ، وعلى الأَوَّلِ ثُلُثا (٣) الدِّيَةِ. ٤٣١٩ - مسألة: (فإن خَرَقَه مِن جانبٍ فخَرَجَ مِن الجَانبِ الآخَرِ، فهى جائِفَتانِ) هذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم عَطاءٌ، وقَتادةُ، ومُجاهِدٌ، ومالكٌ، والشَّافعىُّ وأصْحابُ الرَّأْى. قال ابنُ عبدِ البَرِّ (٤): لا أعلمُهم يخْتلِفون في ذلك. وحُكِىَ عن بعضِ أصْحابِ الشَّافعىِّ أنَّه قال: هى جَائفةٌ واحدةٌ. وحُكِىَ أيضًا عن أبى حنيفةَ؛ لأَنَّ الجائفةَ هى التى تَنْفُذُ مِن ظاهرِ البَدَنِ إلى الجَوْفِ، وهذه الثَّانيةُ إنَّما نفَذَتْ مِن الباطنٍ إلى الظاهرِ. ولَنا، ما روَى سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، أنَّ رَجُلًا رَمَى رَجُلَا

стр. 12622

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بسَهْمٍ، فأنْفَذَه، فقَضَى أبو بكرٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، بثُلُثَىِ الدِّيَةِ. ولا مُخالِفَ له، فيكون إجْماعًا. أخْرجَه سعيدُ بنُ مَنْصُورٍ، في «سُنَنِه» (١). ورُوِىَ عن (٢) عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، أنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قَضى في الجائفةِ إذا نفذَتِ (٣) الجَوْفَ بأَرْشِ جائِفَتَيْنِ (٤). ولأنَّه أنْفذَه مِن مَوْضِعَيْن، فكانَ جائِفَتَيْنِ، كما لو أنْفَذَه بضَرْبَتَيْنِ. وما ذكَرُوه لا يَصِحُّ، فإنَّ الاعْتِبارَ بوُصولِ الجُرْحِ إلى الجَوْفِ، لا بكَيْفِيَّةِ إيصالِه، إذْ لا أثَرَ لصورَةِ الفِعْل مع التَّساوِى في المعنَى، ولأَنَّ ما ذكَرُوه مِن الكَيْفِيَّةِ ليس بمَذْكورٍ في خبَرٍ، وإنَّما الغالبُ والعادةُ وُقوعُ الجائفةِ. هكذا، فلا يُعْتَبَرُ، كما أنَّ العادةَ والغالبَ حُصولُها (٥) بالحديدِ، ولو حصَلَتْ بغيرِه لكانت جائفةً، ثم ينْتَقِضُ ما ذكَروه بما لو أدْخَلَ يدَهُ في جائفةِ إنْسانٍ، فخَرَقَ بَطْنَه مِن مَوْضِعٍ آخرَ، فإنَّه (٦) يَلْزَمُه أَرْشُ جائفةٍ بغيرِ خِلافٍ نعْلَمُه. وكذلك (٧) يُخرَّجُ في مَن

стр. 12623

وَإِنْ طَعَنَهُ في خَدِّه فَوَصَلَ إِلَى فَمِهِ، فَفِيهِ حُكُومَةٌ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ جَائِفَةً. ــ أوْضَحَ إنْسانًا في رَأْسِه، ثم أخْرَجِ رَأْسَ السِّكِّينِ مِن مَوْضِعٍ آخَرَ، فهى مُوضِحَتان. وإن هَشَمه هاشِمَةً لها مَخْرَجان، فهى هاشِمَتانِ. وكذلك ما أشْبَهَه. فصل: فإن أدْخَلَ إصْبَعَه (١) في فَرْجِ بِكْرٍ، فأَذْهَبَ بَكارَتَها، فليس بجائِفَةٍ؛ لأَنَّ ذلك ليس بجَوْفٍ. ٤٣٢٠ - مسألة: (وإن طَعَنَهُ في خَدِّهِ فَوَصَلَ إلى فيهِ، ففيه حُكومَةٌ) لأَنَّ باطِنَ الفَمِ حُكمُه حُكْمُ الظَّاهرِ لا حُكْمُ الباطنِ (ويَحْتَمِلُ أن تكونَ جائفةً) لأنَّه جُرْحٌ وصَل إلى جَوْفٍ مُجَوَّفٍ، فأَشْبَهَ ما لو وصَلَ إلى البَطْنَ. فصل: فإن طَعَنه في وَجْنَتِه، فكسرَ العَظْمَ، ووصَلَ إلى فِيهِ، فليس بجائفةٍ؛ لِما ذكَرْنا. وقال الشَّافعىُّ في أحَدِ قَوْلَيْه: هو جائفةٌ؛ لأنَّه قد وصَل إلى جَوْفٍ. وقد ذكَرْنا أنَّ باطِنَ الفَمِ في حُكْمِ الظَّاهرِ، بخِلافِ الجَوْفِ. فعلى هذا، يكونُ عليه دِيَةٌ هاشِمَةٍ لكَسْرِ

стр. 12624

فَإِنْ جَرَحَهُ في وَرِكِهِ فَوَصَلَ الْجُرْحُ إِلَى جَوْفِهِ، أَوْ أَوْضَحَهُ فَوَصَلَ الْجُرْحُ إِلَى قَفَاهُ، فَعَلَيْهِ دِيَةُ جَائِفَةٍ وَمُوضِحَةٍ، وَحُكُومَةٌ لِجُرْحِ الْقَفَا وَالْوَرِكِ. ــ العظمِ، وفيما زادَ حُكومَةٌ. وإن جَرَحَه في أنْفِه فأنْفَذَه، فهو كما لو جَرَحَه في وَجْنَتِه فأنْفَذَه إلى فِيه (١)، في الحُكْمِ والخلافِ. وإن جَرَحَه في ذَكَرِه، فوصلَ إلى مَجْرَى البَوْلِ مِن الذَّكَرِ، فليس بجائِفةٍ؛ لأنَّه ليس بجَوْفٍ يُخافُ التَّلَفُ مِن الوُصولِ إليه، بخِلافِ غيرِه. ٤٣٢١ - مسألة: (وإن جَرَحَهُ في وَرِكِهِ فَوَصَلَ الجُرْحُ إلى جَوْفِه، أو أوْضَحَهُ فَوَصَلَ الجُرْحُ إلى قَفاهُ، فعليهِ دِيَةُ جَائِفَةٍ ومُوضِحَةٍ، وحُكومَةٌ لِجُرْحِ القَفَا والوَرِكِ) إذا جَرَحَه في فَخِذِه، ومَدَّ السِّكِّينَ حتى بلَغ

стр. 12625

وَإِنْ أَجَافَهُ وَوَسَّعَ آخَرُ الْجُرْحَ، فَهِىَ جَائِفَتَانِ، وَإِنْ وَسَّعَ ظَاهِرَهُ دُونَ بَاطِنِهِ، أَوْ بَاطِنَهُ دُونَ ظَاهِرِهِ، فَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ. ــ الوَرِكَ، فأجَافَه (١) فيه، أو جرَح الكَتِفَ، وجَرَّ (٢) السِّكِّينَ حتى بلَغِ الصَّدْرَ، فأجَافَه فيه، فعليْه أَرْشُ الجائفةِ، وحُكومَةٌ في الجُرْحِ؛ لأَنَّ الجِراحَ (٣) في غيرِ مَوْضِعِ الجائفةِ، فانْفَرَدَتْ بالضَّمانِ، كما لو لم يكنْ معها جائفةٌ، وإن أوْضَحَه فوصَلَ إلى قَفاهُ، فعليه دِيَةُ مُوضِحَةٍ؛ لأنَّه أوْضَحَه، وعليه حُكومةٌ لجُرْحِ القَفا، كما لو انْفَرَدَ. ٤٣٢٢ - مسألة: (وَإن أجَافَهُ، وَوَسَّعَ آخَرُ الجُرْحَ، فهى جائِفَتانِ) وعلى كُلِّ واحدٍ مِنهما أَرْشُ جائِفَةٍ؛ لأَنَّ فِعْلَ كُلِّ واحدٍ مِنهما لو انْفَرَدَ كان جائفةً، فلا يَسْقُطُ حُكْمُه بانْضِمامِه إلى فِعْلِ غيرِه؛ لأَنَّ فِعْلَ الإِنْسانِ لا يَنْبَنِى على فعلِ غيرِه. وإن وَسَّعَها الطَّبِيبُ بإذْنِه، أو إذْنِ وَلِيِّه لمصلحتِه، فلا شئَ عليه. ٤٣٢٣ - مسألة: (وَإن وَسَّعَ ظاهِرَه دُونَ باطِنِهِ، أو باطِنَه دُونَ ظَاهِرِه، فعليه حُكومَةٌ) لأَنَّ جِنايتَه (٤) لم تبْلُغِ الجائفه.

стр. 12626

وَإِنِ الْتَحَمَتِ الْجَائِفَةُ فَفَتَحَهَا آخَرُ، فَهِىَ جَائِفَةٌ أُخْرَى. ــ فصل: وإْن أدْخَلَ السِّكِّينَ في الجائفةِ ثم أخْرَجَها، عُزِّرَ، ولا شئَ عليه. وإن خاطَها، فجاءَ آخرُ فقَطَعَ الخَيْطَ، وأدْخَلَ السِّكِّينَ فيها قبلَ أن تَلْتَحِمَ، عُزِّرَ أشَدَّ مِن التَّعْزِيرِ الذى قبلَه، وغرِم ثمنَ الخُيوطِ وأُجْرَةَ الخَيَّاطِ، ولم يَلْزَمْه أَرْشُ جائفةٍ؛ لأنَّه لم يُجِفْهُ. ٤٣٢٤ - مسألة: (وإنِ الْتَحَمَتِ الجَائِفَةُ فَفَتَحَها آخرُ، فهى جائِفَةٌ أُخْرَى) عليه أرْشُهَا؛ لأنَّه عادَ إلى الصِّحَّةِ، فصار كالذى لم يُجْرَحْ. وإنِ الْتَحَمَ بعضُها دونَ بعضٍ، ففَتَقَ ما الْتَحَمَ، فعليه أَرْشُ جائفةٍ؛ لِما ذكَرْنا (١). وإن فتَق غيرَ ما الْتَحَمَ، فليس عليه أرْيقُ الجائفةِ، وحُكْمُه حُكْمُ مَن فعلَ مثلَ فِعْلِه قبلَ أن يَلْتَحِمَ منها شئٌ. وإن فتَق بعضَ ما الْتَحَم في الظَّاهرِ دونَ الباطنِ، أو الباطنِ دونَ الظاهرِ، فعليه حُكومَةٌ، كما لو وَسَّعَ جُرْحَه كذلك. فصل: ومِن وَطِئَ زَوْجَتَه وهى صغيرَةٌ، فَقتَقَها، لَزِمَه ثُلُثُ الدِّيَةِ. ومَعْنى الفَتْقِ خرْقُ ما بينَ مَسْلَكِ البَوْلِ والمَنِىِّ. وقيل: بل مَعْناه خَرْقُ

стр. 12627

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ما بينَ القُبُلِ والدُّبُرِ. إلَّا أنَّ هذا بعيدٌ، لأنَّه يَبْعُدُ أن يَذْهَبَ بالوَطْءِ ما بينَهما مِن الحاجزِ، فإنَّه حاجِز غليظٌ قوِىٌّ. والكلامُ في ذلك في أمْرَيْن؛ أحدُهما، في أصْلِ وجُوبِ الضَّمانِ. والثانى، في قَدْرِه: أمَّا الأَوَّلُ: فإنَّ الضَّمانَ إنَّما يَجِبُ بوَطْءِ الصغيرةِ أو النَّحيفةِ التى لا تَحْتَمِلُ (١) الوَطْءَ، دُونَ الكبيرةِ المُحْتَمِلَةِ له (٢). وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال الشافعىُّ: يجبُ الضَّمانُ في الجميعِ؛ لأنَّه جنايةٌ، فيجبُ الضَّمانُ به، كما لو كان في أجْنَبِيَّةٍ. ولنا، أنَّه وَطْءٌ مُسْتَحَق، فلم يَجبْ ضَمانُ ما تَلِفَ به، كالبَكارةِ (٣)، ولأنَّه فِعْل مأْذونٌ فيه ممَّن يَصِحُّ إذْنُه، فلم يُضْمَنْ ما تَلِفَ بسِرايَتِه، كما لو أذِنت في مُداواتِها بما يُفْضِى إلى ذلك،

стр. 12628

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وكقَطْعِ السَّارقِ، واسْتِيفاء القِصاصِ، وعَكْسُه الصغيرةُ والمُكْرَهَةُ على الزِّنَى. إذا ثبتَ هذا، فإنَّه يَلْزَمُه المَهْرُ المُسَمَّى في النِّكاحِ، مع أَرْشِ الجِنايةِ، ويكونُ أَرْشُ الجِنايةِ في مالِه، إن كان عَمْدًا مَحْضًا، وهو أن يَعْلَمَ أنَّها لا تُطيقُه، وأنَّ وَطْأَه يُفْضِيها، فأمَّا إنْ عَلِمَ ذلك، وكان مما يَحْتَمِلُ أن لا يُفْضِىَ إليه، فهو عمْدُ الخَطَأ، فيكونُ على عاقلتِه، إلّا على قولِ مَن قال: إنَّ العاقِلةَ لا تَحْمِل عَمْدَ الخَطَأ، فيكونُ في مالِه. الثانى: في قَدْرِ الواجبِ، وهو ثُلُثُ الدِّيَةِ. وبه قال قَتادةُ، وأبو حنيفةَ. وقال الشافعىُّ: تَجِبُ الدِّيَةُ كاملةً. ورُوِىَ ذلك عن عمرَ بن عبدٍ العزيزِ؛ لأنَّه أتْلَفَ منْفَعةَ الوَطْءِ، فلَزِمَتْه الدِّيَةُ، كما لو قطَع إسْكَتَيْها. ولَنا، ما رُوِى عن عمرَ بنِ الخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قَضَى في الإِفْضاءِ

стр. 12629

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بثُلُثِ الدِّيَةِ (١). [ولم نَعْرِفْ له في الصَّحابةِ مُخالِفًا. ولأَنَّ هذه جِنايةٌ تَخْرِقُ الحاجِزَ بينَ مَسْلَكِ البَوْلِ والذَّكَرِ، فكانَ مُوجَبُها ثُلُثَ الدِّيَةِ] (٢)، كالجائفةِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّها تَمْنَعُ الوَطْءَ، وأمَّا قَطْعُ الإِسْكَتَيْنِ، فإنَّما أوْجَبَ الدِّيَةَ؛ لأنَّه قطْعُ عُضْوَيْنِ فيهما نَفْعٌ وجَمالٌ، فأشْبَهَ قَطْعَ (٣) الشَّفَتَيْنِ. فصل: فإنِ اسْتَطْلَقَ بَوْلُها مع ذلك، لَزِمَتْه دِيَةٌ مِن غيرِ زِيادةٍ. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال الشافعىُّ: تجبُ دِيَةٌ وحُكومَةٌ؛ لأنَّه فَوَّتَ مَنْفعَتَيْنِ، فلزِمَه أرْشُهُما، كما لو فَوَّتَ كلامَه وذَوْقَه. ولَنا، أنَّه إتْلافُ عُضْوٍ واحدٍ لم يَفُتْ غيرُ مَنافِعِه، فلم يَضْمَنْه بأكثرَ مِن دِيَةٍ واحدةٍ، كما لو قطَع لِسانَه فذهبَ ذَوْقُه وكلامُه. وما قالَه لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لو أوْجبَ دِيَةَ المَنْفَعَتَيْنِ، لأوْجبَ دِيَتَيْنِ؛ لأَنَّ اسْتِطْلاقَ البَوْلِ مُوجِبٌ لدِيَةٍ، والإِفْضاءَ عندَه مُوجِبٌ للدِّيَةِ مُنْفَرِدًا، ولم يَقُلْ به، وإنَّما أوْجبَ الحُكومةَ، ولم يُوجَدْ مُقْتَضِيها، فإنَّا لا نَعلمُ أحدًا أوْجبَ في الإِفْضاءِ حُكومةً.

стр. 12630

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فإنِ انْدمَلَ الحاجزُ وانْسَدَّ، وزالَ الإِفْضاءُ، لم يجبْ ثُلُثُ الدِّيَةِ، ووَجبتْ حُكومةٌ، لجَبْرِ ما حصَل مِن النَّقْصِ. فصل: وإن أكْرَه امرأةً على الزِّنَى فأفْضاها، لَزِمَه ثُلُثُ دِيَتها ومَهْرُ مِثْلِها؛ لأنَّه حصَل بوَطْءٍ غيرِ مُسْتَحَقٍّ، ولا مَأْذونٍ فيه، فلَزِمَه ضَمانُ ما تَلِفَ به، كسائرِ الجِناياتِ. وهل يَلْزَمُه أَرْشُ البَكارةِ مع ذلك؟ فيه رِوَايتان؛ إحداهما، لا يَلْزَمُه؛ لأَنَّ أَرْشَ البَكارةِ داخِلٌ في مَهْرِ المِثْلِ، فإنَّ مَهْرَ البكْرِ أكثرُ مِن مَهْرِ الثَّيِّبِ، فالتَّفاوُت بينَهما هو عِوَضُ أَرشِ البَكارةِ، فلم يَضْمَنْه مَرَّتَيْنِ، كما في حَقِّ الزَّوْجَةِ. والثانيةُ، يَضْمَنُهُ؛ لأنَّه مَحَلٌّ أتْلَفَه بعُدْوانِه، فلَزِمَه أَرْشُه، كما لو أتْلَفَه بإصْبَعِه. فأمَّا المُطاوِعةُ على الزِّنَى إذا كانت كبيرةً ففتَقَها، فلا ضَمانَ عليه في فَتْقِها. وقال الشافعىُّ: يَضْمَنُ؛ لأَنَّ المأْذونَ فيه الوَطْءُ دُونَ الفَتْقِ، فأشْبَهَ ما لو قطَع يدَها. ولَنا، أنَّه ضَرَرٌ حصَل مِن فِعْلٍ مأْذُونٍ فيه، فلم يضْمَنْه، كأَرْشِ بَكارَتِها ومَهْرِ مِثْلِها، وكما لو أذِنَتْ في قَطْعِ يدِها، فسَرَى القَطْعُ إلى نفْسِها. وفارَقَ ما إذا أذِنَتْ في وَطْئِها فقَطَعَ يدَها؛ لأَنَّ ذلك ليس مِن المأْذونِ فيه، ولا مِن ضَرورَتِه. فصل: وإن وَطِئَ امرأةً بشُبْهَةٍ، فأفضَاها، فعليه أَرْشُ إفْضائِها مع مَهْرِ مِثْلِها؛ لأَنَّ الفِعْلَ إنَّما أُذِنَ فيه اعْتِقادًا أنَّ المُسْتَوْفِىَ له هو المُسْتَحِقُّ، فإذا كان (١) غيرَه، ثبَت في حَقِّه وُجوبُ الضَّمانِ لِما أتْلَفَ، كما لو أذِنَ

стр. 12631

فَصْلٌ: وَفِى الضِّلَعِ بَعِيرٌ، وَفِى التَّرْقُوَتَيْنِ بَعِيرَانِ. ــ في أخْذِ الدَّيْنِ لمَن يعْتَقِدُ أنَّه مُسْتَحِقُّه، فبانَ أنَّه غيرُه. وبهذا قال الشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: يجبُ لها أكثرُ الأمْرَيْنِ مِن مَهْرِ مِثْلِها أو أَرْشِ إفْضائِها؛ لأَنَّ الأَرْشَ لإِتْلافِ العُضْوِ، فلا يُجْمَعُ بينَ ضَمانِه وضَمانِ منْفَعتِه، كما لو قلَع عَيْنًا. ولَنا، أنَّ هذه جِنايَةٌ تَنْفَكُّ عن الوَطْءِ، فلم يدْخُلْ بدَلُه فيها، كما لو كسَر صَدْرَها. وما ذَكَرَه (١) غيرُ صَحيحٍ، فإنَّ المَهْرَ يجبُ لاسْتِيفاءِ منْفَعةِ البُضْعِ، والأرْشَ يجبُ لإِتْلافِ الحاجزِ، فلا تدْخُلُ المنْفَعةُ فيه. فصل: وإنِ اسْتَطلَقَ بَوْلُ المُكْرَهةِ على الزِّنَى والمَوْطُوءَةِ بشُبْهَةٍ مع إفْضائِهما، فعليه دِيَتُهما والمهرُ. وقال أبو حنيفةَ في المَوْطُوءةِ بشُبْهَةٍ: لا يُجْمَعُ بينَهما، ويجبُ أكثرُهما. وقد سبقَ الكلامُ معه في ذلك. فصل: (وفى الضِّلَعِ بعيرٌ، وفى التَّرْقُوتَيْنِ بعِيرانِ) رَوَى سعيدٌ (٢)، عن مطرٍ، عن قَتادةَ، عن سليمانَ، عن (٣) عمرَ، وسُفيانَ،

стр. 12632

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عن زيدِ بنِ أسْلَمَ، عن أسْلَمَ، عن عمرَ، في الضِّلَعِ جَمَلٌ، والتَّرْقُوَةِ جَمَلٌ. وقال الخِرَقِىُّ: في التَّرْقُوَةِ بعِيرانِ. فظاهرُ قولِه أنَّ في كُلِّ تَرْقوَةٍ بَعيرَيْنِ، فيكونُ في التَّرْقُوَتَيْنِ أرْبعةُ أبعِرَةٍ. وهذا قولُ زيدِ بنِ ثابتٍ. والتَّرْقُوَةُ: العَظْمُ المُسْتَدِيرُ حولَ العُنُقِ مِن النَّحْرِ إلى الكَتِفِ. ولكُلِّ واحدٍ تَرْقُوَتانِ، [فيهما أَربَعةُ أَبعِرَةٍ، في ظاهرِ قولِ الخِرَقِىِّ] (١). وقال القاضى: المرادُ بقول الخِرَقِىِّ التَّرْقُوَتانِ معًا، وإنَّما اكْتَفَى بلَفْظِ الواحدِ لإِدْخالِ الألفِ واللَّامِ المُقْتَضِيَةِ للاسْتِغْراقِ، فيكونُ في كلِّ تَرْقُوَةٍ بعيرٌ. وهذا قولُ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، ومُجاهدٌ، وعبدُ الملكِ بنُ مَرْوانَ، وسعيدُ بنُ جُبَيْر، وقَتادةُ، وإسْحاقُ، وهو قولٌ للشافعىِّ (٢). والمَشْهُورُ مِن قولِه عندَ أصْحابِه، أنَّ في كل واحدٍ مما

стр. 12633

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذكَرْنا حُكوِمةً. وهو قولُ مَسْروقٍ، وأبى حنيفةَ، ومالكٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه عَظْمٌ باطنٌ، لا يخْتَصُّ بجمالٍ ومنْفَعةٍ، فلم يجبْ فيه أَرْشٌ مُقَدَّرٌ، كسائرِ أعْضاءِ البدَنِ، ولأَنَّ التَّقْديرَ إنَّما يكونُ بتَوْقيفٍ أو (١) قِياسٍ صَحيحٍ، وليس في هذا تَوْقِيفٌ ولا قِياسٌ. ورُوِىَ عن الشَّعْبِىِّ أنَّ في التَّرْقُوَةِ أرْبعينَ دِينارًا. وقال عمرُو بنُ شُعَيْبٍ: في التَّرْقُوَتَيْنِ الدِّيَةُ، وفى إحْداهما نِصْفُها؛ لأنَّهما عُضْوانِ فيهما جَمالٌ (٢) ومنْفَعةٌ، وليس في البدَنِ غيرُهما مِن جِنْسِهما، فكَمَلَتْ فيهما الدِّيَةُ، كاليَدَيْنِ. ولَنا، قولُ عمرَ، وزيدِ بنِ ثابتٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما. وما ذكَرُوه ينْتَقِض بالهاشِمَةِ،

стр. 12634

وَفِى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الذِّرَاعَ، والزَّنْدِ، وَالْعَضُدِ، وَالْفَخِذِ، وَالسَّاقِ، بَعِيرَانِ. ــ فإنَّها كَسْرُ عِظامٍ باطنةٍ، وفيها مُقَدَّرٌ. ولا يَصِحُّ قولُهم: إنَّها لا تَخْتَصُّ بجمالٍ ومَنْفعةٍ. فإنَّ جمالَ هذه العظام ونَفْعَها لا يُوجَدُ في غيرِها، ولا مُشارِكَ لها فيه. وأمَّا قولُ عمرِو بنِ شَعَيْبٍ، فمخالفِ للإِجْماعِ، فإنَّا لا نعلمُ أحدًا قبلَه ولا بعدَه وَافقَه فيه. ٤٣٢٥ - مسألة: (وفى كلِّ واحدٍ مِنَ الذِّراعِ، والزَّنْدِ، والعَضُدِ، والسَّاقِ، بَعِيرانِ) قال القاضى: في الزَّنْدَيْنِ (١) أرْبعة أبعِرَةٍ، لأَنَّ فيهما أرْبعةَ عِظامٍ، ففى كلِّ عَظْمٍ بَعيرٌ. وهذا يُرْوى عن عمرَ بنِ الخطَّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعىُّ: فيه حُكومَةٌ، لِما تَقَدَّمَ. ولَنا، ما رَوَى سعيدٌ، ثنا هُشَيمٌ، أنا يحيى بنُ سعيدٍ،

стр. 12635

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عن عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، أنَّ عمرَو بنَ العاصِ كتبَ إلى عمرَ في أحَدِ الزَّنْدَيْن إذا كُسِرَ، فكتبَ إليه عمرُ: إنَّ فيه بَعِيرَيْنِ، وإذا كسَر الزَّنْدَيْنِ ففِيهما أرْبعةٌ مِن الإِبلِ (١). ورَواه أيضًا من طريقٍ آخرَ مثلَ ذلك. وهذا لم يظْهَرْ له مُخالِفٌ في الصَّحابةِ، فكان إجْماعًا. فصل: ولا مُقَدَّرَ في غيرِ هذه العِظامِ، في ظاهرِ قولِ الخِرَقِىِّ. وهو قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ. وقال القاضى: في عَظْمِ السَّاقِ بَعِيرانِ، وفى عَظْمِ (٣) السَّاقَيْنِ أرْبعةُ أبعِرَةٍ. وفى الفَخِذِ بَعِيرانِ، وفى الفَخِذَيْنِ أرْبعةُ أبْعِرَةٍ، فهده تِسْعةُ عِظامٍ فيها مُقَدَّرٌ، الضِّلَعُ، والتَّرْقُوَتانِ، والزَّنْدانِ والسَّاقانِ، والفَخِذانِ، وما عَدَاها لا مُقَدَّرَ فيه. وقال ابنُ عَقِيلٍ، وأبو الخَطَّابِ، وجماعةٌ مِن أصْحابِ القاضى: في كُلِّ واحدٍ مِن الذِّراعِ والعَضُدِ بَعِيرانِ. وزادَ أبو الخَطَّابِ عَظْمَ القَدَمِ، لِما روَى سليمانُ بنُ يَسارٍ، أنَّ عمرَ قَضى في الذِّراعِ والعَضُدِ (٢) والفَخِذِ والسَّاقِ والزَّنْدِ، إذا كُسرَ واحدٌ منها فجَبَرَ، ولم يكُنْ به دُحورٌ -يعنى عِوَجًا- بعيرٌ (٣)،

стр. 12636

وَمَا عَدَا مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْجُرُوحِ وَكَسْرِ الْعِظَامِ، مِثْلَ خَرَزَةِ الصُّلْبِ ــ وإن كان فيها دُحورٌ، فبحِسابِ ذلك. وهذا الخبرُ إن صَحَّ، فهو مُخالفٌ لِما ذهَبوا إليه، فلا يَصْلُحُ دَليلًا عليه. قال شيْخُنا (١): والصَّحِيحُ، إنْ شاءَ اللَّهُ، أنَّه لا تَقْديرَ في غيرِ الخَمْسةِ؛ الضِّلَعِ، والتَّرْقوَتيْنِ، والزَّنْدَيْنِ؛ لأَنَّ التَّقْديرَ إنَّما يَثْبُتُ بالتَّوْقيفِ، ومُقْتضى الدَّليلِ وُجوبُ الحُكومةِ في هذه العِظَامِ الباطنةِ كلِّها، وإنَّما خالَفْناه في هذه العِظامِ لقَضاءِ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، ففيما عدَاها يَبْقَى على مُقْتَضَى الدَّليلِ. ٤٣٢٦ - مسألة: (وما عدا ما ذَكَرْنا مِن الجُرُوحِ وكَسْرِ

стр. 12637

وَالْعُصْعُص، فَفِيه حُكُومَةٌ؛ وَالْحُكُومَةُ أَنْ يُقَوَّمَ الْمَجْنِىُّ عَلَيْهِ كَأنَّهُ عَبْدٌ لَا جِنَايَةَ بِهِ، ثُمَّ يُقَوَّمَ وَهِىَ بِهِ قَدْ بَرَأَتْ، فَمَا نَقَصَ مِنَ الْقِيمَةِ، فَلَهُ مِثْلُهُ مِنَ الدِّيَةِ، فَإِنْ كَانَ قِيمَتُهُ وَهُوَ صَحِيحٌ عِشْرِينَ، وَقِيمَتُهُ وَبِهِ الْجِنَايَةُ تِسْعَةَ عَشَرَ، فَفِيهِ نِصْفُ عُشْرِ دِيَتِهِ. ــ العِظامِ، مثلَ خَرَزَةِ الصُّلْبِ (١)، والْعُصْعُصِ (٢)، ففيه الحُكومَةُ) ولا نعلمُ فيها مُخالِفًا، وإن خالفَ فيها أحدٌ، فهو قولٌ شاذٌّ لا يَسْتَنِدُ إلى دَليلٍ يُعْتَمَدُ عليه، ولا يُصارُ إليه. وخَرَزَةُ الصُّلْبِ إن [أُرِيدَ بها] (٣) كَسْرُ الصُّلْبِ (٤)، ففيه الدِّيَةُ. وقال القاضى: فيه حُكومةٌ. وهو مذهبُ الشافعىِّ. وقد ذكَرْناه. ٤٣٢٧ - مسألة: (والحُكُومَةُ أن يُقَوَّمَ المَجْنِىُّ عليه كأنَّه عبدٌ لَا جِنايةَ به، ثم يُقَوَّمَ وهى به قد بَرَأتْ، فَمَا نقَص، فله مثلُه مِنَ الدِّيَةِ، فإن كان قِيمَتُه وهو صَحِيحٌ عِشْرِين، وَقِيمَتُه وبه الجِنَايَةُ تِسْعَةَ عَشَرَ، ففيه نِصْفُ عُشْرِ دِيَتِه) وهذا الذى ذكَره في تَفْسِيرِ الحُكومةِ قولُ أهلِ

стр. 12638

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ العلمِ، لا نعلمُ بينَهم فيه خِلافًا. وبه قال الشافعىُّ، والعَنْبَرِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى وغيرُهم. قال ابنُ المُنْذِرِ (١): كلّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ يرَى أنَّ معنى قولِهم: حُكومةٌ. أن يُقالَ إذا أُصِيبَ الإِنسانُ بجُرْحٍ لا عقْلَ له معلومٌ: كم قيمةُ هذا الجُرْحِ لو كان عَبْدًا لم يُجْرَحْ هذا الجُرْحَ؟ فإذا قِيلَ: مائةَ دينارٍ. قيلِ: وكم قِيمَتُه وقد أصابَه هذا الجُرْحُ وانتَهى بُرْؤُه؟ قيل: خمسةٌ وتِسعُونَ. فالذى يجبُ على الجانِى نِص عُشْرِ الدِّيَةِ. وإن قالوا: تِسْعونَ. فعُشْرُ الدِّيَةِ. وإن زادَ أو نقَص، فعلى هذا المِثالِ. وإنَّما كان كذلك، لأَنَّ جُمْلتَه مَضْمونةٌ بالدِّيَةِ، فأجْزاؤُه مَضْمونَةٌ منها، كما أنَّ المبِيعَ لمَّا كان مضْمُونًا على البائعِ بالثَّمَنِ، كان أَرْشُ عَيْبِه مُقَدَّرًا مِن الثَّمنِ، فيُقالُ: كم قِيمَتُه لا عيبَ فيه؟ فإن قالُوا: عشَرةٌ. فيقالُ: كم قِيمتُه وفيه العَيْبُ؟ فإذا قيل: تسعةٌ. عُلِمَ أنَّه نقَص عُشْرُ قِيمَتِه، فيجبُ أن (٢) يُرَدَّ مِن الثَّمنِ عُشْرُه، أىَّ [قَدْرٍ كان] (٣)، ونُقَدِّرَه عَبْدًا ليُمْكِنَ تقْويمُه، ويُجْعَلَ العَبْدُ أصْلًا للحُرِّ فيما لا مُوَقَّتَ فيه، والحرُّ أصْلًا للعَبْدِ فيما فيه تَوْقِيتٌ، في المشْهُورِ مِن المذْهبِ.

стр. 12639

إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْحُكُومَةُ في شَىْءٍ فِيهِ مُقَدَّرٌ، فَلَا يُبْلَغُ بِهِ أَرْشُ الْمُقَدَّرِ، فَإِذَا كَانَتْ في الشِّجَاجِ الَّتِى دُونَ الْمُوضِحَةِ، لَمْ يُبْلَغْ بِهَا أَرْشُ ــ ٤٣٢٨ - مسألة: (إلَّا أن تَكونَ في شئٍ فيه مُقَدَّرٌ، فلا يُبْلَغُ به أَرْشُ المُقَدَّرِ، فإن كانتْ في الشِّجاجِ الَّتى دونَ المُوضِحَةِ، لم يُبْلَغْ بها أَرْشُ المُوضِحَةِ) فلو جَرَحَهُ في وَجْهِه سِمْحَاقًا، فنَقَصَتْه عُشْرَ قِيمَتِه، فمُقْتَضَى الحُكومَةِ وجُوبُ عَشْر مِن الإِبِلِ، ودِيَةُ المُوضِحَةِ خَمْسٌ، فههُنا يُعْلَمُ غلطُ المُقَوِّمِ؛ لأَنَّ الجِراحةَ لو كانت مُوضِحَةً، لم تَزِدْ على خَمْسٍ، مع أنَّها سِمْحاقٌ وزيادةٌ عليها، فلَأن لا يجبَ في بعضِها زيادةٌ على خَمسٍ أوْلَى. وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ. وبه يقولُ الشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى. وحُكِىَ عن مالكٍ أنَّه يجبُ ما تُخْرِجُه الحُكومَةُ، كائنًا ما كانَ؛ لأنَّها جِراحَةٌ لا مُقَدَّرَ فيها، فوجب فيها ما نقَص، كما لو كانت في سائرِ البدَنِ. ولَنا، أنَّها [بعضُ المُوضِحَةِ] (١)، لأنَّه لو أوْضَحَه لقَطَعَ ما قطَعَتْه هذه الجِراحَةُ، ولا يجوزُ أن يجبَ في بعضِ الشئِ أكثرُ ممَّا يجبُ فيه، ولأَنَّ الضَّرَرَ في المُوضِحَةِ أكبرُ (٢)، والشَّيْنَ أعْظَمُ، والمَحَلَّ واحدٌ، فإذا لم يَزِدْ أَرْشُ المُوضِحَةِ على خَمْسٍ، كان ذلك تَنْبِيهًا على أَنْ لا يَزيدَ ما دُونَها عليها. وأمَّا سائرُ البدَنِ، فما كان فيه مُوَقَّتٌ،

стр. 12640

الْمُوضِحَةِ، وَإِنْ كَانت فِى إِصْبَعٍ، لَمْ يَبْلُغْ بِهَا دِيَةَ الإِصْبَعِ، وَإِنْ كَانَتْ في أُنْمُلَةٍ، لَمْ يَبْلُغْ بِهَا دِيَتَهَا. ــ كالأعْضاءِ، والعِظَامِ المعْلُومَةِ، والجائِفَةِ، فلا يُزادُ جُرْحُ عَظْمٍ على دِيَتِه، مثالُه، جَرَحَ أُنْمُلَةً، فبلَغ أَرشُها بالحُكومةِ خَمْسًا مِن الإِبِلِ، فإنَّه يُرَدُّ إلى [دِيَةِ الأُنْمُلَةِ] (١). وإن كان في إصْبَعٍ، فبلَغ ما زادَ على العَشْرِ بالحُكومةِ، رُدَّ إلى العَشْرِ. وإن جَنَى عليه في جَوْفِه دُون الجائفَةِ، لم يَزِدْ على أَرْشِ الجائفَةِ، وما لم يَكُنْ كذلك، وجبَ ما أخْرَجَتْه الحُكومةُ؛ لأَنَّ المَحَلَّ مُخْتَلِفٌ. فإن قِيلَ: فقد وجَب في بعضِ البَدَنِ أكثرُ ممَّا وجَب في جَميعِه، وَوجبَ في منافعِ اللِّسانِ أكثرُ مِن الواجبِ فيه. قُلْنا: إنَّما وجبَتْ دِيَةُ النَّفْسِ دِيَةً عن الرُّوحِ، وليستِ الأطْرافُ بعضَها، بخِلافِ مَسْألَتِنا. هذا ذكَره القاضى. ويَحْتَمِلُ كلامُ الخِرَقِىِّ أن يَختَصَّ امْتِناعُ الزِّيادة بالرَّأْس والوَجْهِ؛ لقولِه: إلَّا أن تكونَ الجِنايةُ في وَجْهٍ أو رَأْسٍ، فلا يُجَاوَزُ به أَرْشُ المُوَقَّتِ.
следующие страницы →