← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 13896–13935 · переход к 13901.

стр. 13896

فَإِنْ نَذَرَ مَكرُوهًا، كَالطَّلاقِ، اسْتُحِبَّ أنْ يُكَفِّرَ وَلَا يَفْعَلَهُ. الرَّابعُ، نَذْرُ الْمَعْصِيَةِ، كَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَصَوْمِ يَوْمِ الْحَيضِ، وَيَوْمِ النَّحْرِ، فَلَا يَجُوزُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَيُكَفِّرُ، ــ ٤٧٩٧ - مسألة: (فإن نَذَر مَكْرُوهًا، كالطَّلاقِ) فإنَّهُ مَكْرُوهٌ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «أَبْغَضُ الْحَلَالِ إلىَ اللهِ الطَّلاقُ» (١) (اسْتُحِبَّ أن يُكَفِّرَ ولا يَفْعَلَه) لأنَّ تَرْكَ المَكْرُوهِ أوْلَى مِن فِعْلِه، فإن فَعَلَه فلا كَفَّارَةَ عليه، والخِلافُ فيه كالذي قبلَه. (الرابعُ، نَذْرُ المَعْصِيَةِ، كشُرْبِ الخَمْرِ، وصَوْم يومِ الحَيضِ، ويومِ العيدِ، فلا يجوزُ الوَفاءُ به، ويُكَفِّرُ) لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ

стр. 13897

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نَذَرَ أنْ يَعْصِيَ اللهَ فَلَا يَعْصِهِ» (١). ولأنَّ مَعْصِيَةَ اللهِ لا تُباحُ في حالٍ. ويَجِبُ على النَّاذِرِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ. رُوِيَ نحوُ هذا عن ابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ، وعِمْرانَ بنِ حُصَينٍ، وسَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ. وبه قال الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُه. ورُوِيَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّه لا كَفَّارَةَ عليه، وسَنَذْكُرُ ذلك، إن شاءَ اللهُ تعالى.

стр. 13898

إلا أنْ يَنْذِرَ نَحْرَ وَلَدِهِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا، أنَّهُ كَذَلِكَ. وَالثَّانِيَةُ، يَلْزَمُهُ ذَبْحُ كَبْشٍ. ــ ٤٧٩٨ - مسألة: (إلَّا أن يَنْذِرَ ذَبْحَ وَلَدِه، ففيه رِوَايتان؛ إحْدَاهُما، أنَّه كذلك. والثَّانِيَةُ، يَلْزَمُه ذَبْحُ كَبْشٍ) اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، ﵀، في مَن قال: إن فَعَلْتُ كذا، فلِلّه عليَّ نَحْرُ وَلَدِي. أو يقولُ: وَلَدِي نَحِيرٌ إن فَعَلْتُ كذا. أو نَذَر ذَبْحَ وَلَدِه مُطْلَقًا، غيرَ مُعَلَّقٍ بشَرْطٍ. فعن أحمدَ، عليه كَفَّارَةُ يَمِينٍ. وهذا قياسُ المذهبِ؛ لأنَّ هذا نَذْرُ مَعْصِيَةٍ، أوْ نَذْرُ لَجاجٍ، وكِلاهما يُوجِبُ الكَفَّارَةَ. وهو قولُ ابنِ عباس؛ فإنَّه قال لامرأةٍ نَذَرَتْ أن تَذْبَحَ ابْنَها: لا تَنْحَرِي ابْنَكِ، وكَفِّرِي عن يَمِينكِ (١). والرِّوايةُ الثانِيَةُ، كَفَّارتُه ذَبْحُ كَبْشٍ، ويُطْعِمُه المساكينَ. وهو قولُ أبي حنيفةَ. ويُرْوَى ذلك عن ابنِ عباسٍ أيضًا؛

стр. 13899

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لأنَّ نَذْرَ ذَبْحِ الوَلَدِ جُعِلَ في الشَّرْعِ كنذْرِ ذَبْحِ شاةٍ، بدَليلِ أنَّ الله تعالى أمَرَ إبراهيمَ ﵇، بذَبْحِ وَلَدِه، وكان [أُمِرَ أن يَذْبَحَ] (١) شاةً، وشَرْعُ مَن قَبْلَنَا شَرْعٌ لنا ما لم يَثْبُتْ نَسْخُه، ودليلُ أنَّه أُمِرَ بذَبْحِ شاةٍ، أنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بالفَحْشاءِ ولا بالمَعاصِي، وذَبْحُ الوَلَدِ مِن كَبائِرِ المعاصِي، قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ (٢). وقال النبيُّ ﷺ : «أكْبَرُ الكَبَائِرِ أنْ تَجْعَلَ لِله نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ». قِيلَ: ثم أيٌّ؟ قال: «أنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ» (٣). وقال الشافِعِيُّ: ليس هذا بشيءٍ، ولا يَجِبُ به شيءٌ؛ لأنَّه نَذْرُ مَعْصِيَةٍ، لا يَجِبُ (٤) الوَفاءُ به، ولا يجوزُ، ولا تَجِبُ به كَفَّارَةٌ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «لَا نَذْرَ في مَعْصِيَةٍ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ» (٥). ولَنا، قولُه عليه

стр. 13900

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الصلاةُ والسلامُ: «لَا نَذْرَ في مَعْصِيَةٍ، وكَفَّارَتُه كَفَّارَةُ يَمِينٍ». رَواه سعيدٌ، في «سُنَنِه» (١). ولأنَّ النَّذْرَ حُكْمُه حكمُ اليَمِينِ، بدليلِ قولِه ﵊: «النَّذْرُ حَلْفَةٌ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» (٢). فيكونُ بمَنْزِلَةِ مَن حَلَف ليَذْبَحَنَّ وَلَدَه. وقولُهم: إنَّ النَّذْرَ لذَبْحِ الوَلَدِ كِنايَةٌ عن ذَبْحِ كَبْشٍ. لا يَصِحُّ؛ لأنَّ إبراهيمَ، ﵇، لو كان مَأْمُورًا بذَبْحِ كَبْشٍ، لم يَكُنِ الكَبْشُ فِداءً، ولا كان مُصَدِّقًا للرُّؤْيَا قبلَ ذَبْحِ الكَبْشِ، وإنَّما أُمِرَ بِذَبْحِ ابنِه ابْتِلاءً (٣)، ثم فُدِيَ بذَبْحِ الكَبْشِ، وهذا أمْرٌ اخْتَصَّ به إبراهيمُ ﵇، لا يَتَعَدَّاه إلى غيرِه، لحِكْمَةٍ عَلِمَها اللهُ تعالى فيه، ثم لو كان إبراهيمُ مَأْمُورًا بذَبْحِ كَبْشٍ، فقد وَرَد شَرْعُنا بخِلافِه، فإنَّ نَذْرَ ذَبْحِ الابنِ ليس بقُرْبَةٍ في شَرْعِنا، ولا مُباحٍ،

стр. 13901

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بل هو مَعْصِيَةٌ، فتكونُ كَفَّارَتُه ككَفَّارَةِ (١) سائِرِ نُذُورِ المَعاصِي. فصل: فإن نَذَر ذَبْحَ نَفْسِه، أو أجْنَبِيٍّ، ففيها أيضًا عن أحمدَ رِوايَتان، فنَقَل ابنُ مَنْصُورٍ عن أحمدَ، في مَن نَذَر ذَبْحَ نفْسِه إذا حَنِث: يَذْبَحُ شاةً، وكذلك إن نَذَر ذَبْحَ أجْنَبِيٍّ؛ لأنَّ ذلك يُرْوَى عن ابنٍ عباسٍ. والذي قال: أنا أنْحَرُ فُلانًا. فقال: عليه كَبْشٌ. ولأنَّه نَذَر ذبْحَ آدَمِيٍّ، فكان عليه ذَبْحُ كَبْشٍ، كنَذْرِ ذَبْحِ ابْنِه. والثانِيَةُ، عليه كَفَّارَةُ يَمِينٍ؛ لأنَّه نَذْرُ مَعْصِيَةٍ، فكان مُوجَبُه كَفَّارَةً؛ لِما ذَكَرْنا فيما تَقَدَّمَ. ورَوَى الجُوزْجَانِيُّ، بإسْنادِه عن الأوْزاعِيِّ، قال: حَدَّثَنِي أبو عُبَيدٍ، قال: جاءَ رجلٌ إلى ابنِ عمرَ، فقال: إنِّي نَذَرْتُ أن أنْحَرَ نَفْسِي. قال (٢): فتَجَهَّمَه ابنُ عمرَ، وأفَّفَ منه، ثم أتَى ابنَ عباسٍ، فقال له: أهْدِ مِائَةَ بَدَنَةٍ (٣). ثم أتَى عبدَ الرحمنِ بنَ الحارِثِ بنِ هِشامٍ، فقال: أَرَأَيتَ لو نَذَرْتَ أن لا تُكَلِّمَ أباكَ أو أخاكَ؟ إنَّما هذه خُطْوَةٌ مِن خُطُواتِ الشَّيطانِ، اسْتَغْفِرِ اللهَ، وتُبْ إليه. فرَجَعَ إلى ابنِ عباسٍ فأخْبَرَه، فقال: أصابَ عبدُ الرحمنِ. ورَجَع ابنُ عباسٍ عن قَوْلِه. والصحيحُ أنَّ هذا نَذْرُ

стр. 13902

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مَعْصِيَةٍ، حُكْمُه حُكْمُ نَذْرِ (١) سائِرِ المعاصِي لا غيرُ. فصل: قال أحمدُ، في امرأةٍ نَذَرَت نَحْرَ وَلَدِها، ولها ثلاثةُ أوْلادٍ: تَذْبَحُ عن كلِّ واحدٍ كَبْشًا، وتُكَفِّرُ عن يَمينِها. وهذا على قولِنا: إنَّ كفَّارَةَ نَذْرِ ذَبْحِ الوَلَدِ ذَبْحُ (١) كبشٍ. جُعِل عن كلِّ واحدٍ؛ لأنَّ لَفْظَ الواحِدِ إذا أُضِيف اقْتَضَى التَّعْمِيمَ، فكان عن كلِّ واحدٍ كَبْشٌ. فإن عَيَّنَتَ بنَذرِها واحِدًا فإنَّما عليها كَبْشٌ واحدٌ، بدليلِ أنَّ (١) إبراهيمَ ﵇، لَمَّا أُمِرَ بذَبْحِ ابْنِه الواحدِ، فُدِي بكَبْشٍ واحدٍ، ولم يُفْدَ غيرُ مَن أُمِرَ بذَبْحِه

стр. 13903

وَيَحْتَمِلُ أنْ لَا يَنْعَقِدَ نَذْرُ الْمُبَاحِ وَلَا الْمَعْصِيَةِ، وَلَا تَجِبُ بِهِ كَفَّارَةٌ، وَلِهَذَا قَال أصْحَابُنَا: لَوْ نذَرَ الصَّلَاةَ أوْ الاعْتِكَافَ في مَكَانٍ ــ مِن أوْلادِه، كذا ههُنا، وعبدُ المُطَّلِبِ لَمَّا نَذَر ذَبْحَ ابنٍ مِن بَنِيه إن بَلَغُوا عَشَرَةً، لم يَفْدِ منهم إلَّا واحِدًا. وسَواءٌ نَذَرَتْ مُعَينَّا أو عَيَّنَتَ واحدًا غيرَ مُعَيَّنٍ، فأمَّا قولُ أحمدَ: وتُكَفِّرُ يَمِينَها. فيَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ أنَّ ذَبْحَ (١) الكِباشِ كَفَّارَةُ يَمينِها (٢). ويَحْتَمِلُ أنَّه كان مع نَذْرِها يَمِينٌ. فأمَّا على الرِّوايَةِ الأُخرَى، تُجْزِئُها كَفَّارَةُ يَمِينٍ، على ما سَبَق. ٤٧٩٩ - مسألة: (ويَحْتَمِلُ أن لا يَنْعَقِدَ نَذْرُ المُباحِ ولا المَعْصِيَةِ، ولا تَجِبُ به كَفَّارَةٌ، ولهذا قال أصحابُنا: مَن نَذَر الاعْتِكافَ

стр. 13904

مُعَيَّنٍ، فَلَهُ فِعْلُهُ في غَيرِهِ، وَلَا كَفَّارَةَ. ــ أو الصلاةَ في مَكانٍ مُعَيَّن، فله فِعْلُهُ في غَيرِه، ولا كَفَّارَةَ) وقد رُويَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على ذلك، فَإنَّه قال في مَن نَذَر لَيَهْدِمَنَّ دارَ غيرِه لَبِنَةً لَبِنَةً: لا كَفَّارَةَ عليه [وهذا في معناه. و] (١) رُويَ هذا عن مَسْرُوقٍ، والشَّعْبِيِّ. وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «لَا نَذْرَ في مَعْصِيَةِ اللهِ، ولَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ». رَواه مسلمٌ (٢). والمذهبُ أنَّ عليه الكَفَّارَةَ، وقد ذَكَرْناه في نَذْرِ المُباحِ. ووَجْهُه ما رَوَتْ عائشةُ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «لَا نَذْرَ في مَعْصِيَةٍ، وكَفَّارَتُه كَفَّارَةُ يَمِينٍ». رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ (٣)، وقال: هذا حديثٌ غَرِيبٌ. فصل: وإن نَذَر فِعْلَ طاعَةٍ وما (٤) ليس بطاعَةٍ، لَزِمَه فِعْلُ الطَّاعَةِ، كالذي في خَبَرِ أبي إسْرائيلَ (٥)، فإنَّ النبيَّ ﷺ أمَرَه بإتْمامِ الصَّوْمِ، وتَرْكِ ما سِوَاه؛ لكَوْنِه ليس بطاعَةٍ. وفي وُجوبِ الكَفَّارَةِ لِمَا تَرَكَه رِوايتان، على ما ذَكَرْناه. وقد رَوَى عُقْبَةُ بنُ عامِرٍ، أنَّ أُخْتَه نَذَرَتْ أن تَمْشِيَ إلى بيتِ اللهِ الحَرامِ حافِيَةً غيرَ مُخْتَمِرَةٍ، فذَكَر عُقْبَةُ ذلك لرسولِ اللهِ ﷺ ، فقال: «مُرْ أُخْتَكَ فَلْتَرْكَبْ، وَلْتَخْتَمِرْ، وَلْتَصُمْ ثَلَاثةَ

стр. 13905

وَلَوْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِكُلِّ مَالِهِ، فَلَهُ الصَّدَقَةُ بِثُلُثِهِ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيهِ. ــ أَيَّامٍ». رَواه الجُوزْجَانِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ (١). فإن كان المَتْرُوكُ خِصالًا كثيرةً (٢)، أجْزَأتْه كَفَّارَةٌ واحدةٌ؛ لأنَّه نَذْرٌ واحدٌ، فتكونُ كفَّارَتُه واحِدَةً، كاليمينِ الواحدةِ على أفْعالٍ، ولهذا لم يَأْمُرِ النبيُّ ﷺ أُخْتَ عُقْبَةَ بنِ عامِر في تَرْكِ التَّحَفِّي (٣) والاخْتِمارِ، بأكثرَ مِن كَفَّارَةٍ. ٤٨٠٠ - مسألة: (ولو نَذَر الصَّدَقَةَ بكلِّ مالِه، فَله الصَّدَقَةُ بثُلُثِه، ولا كَفَّارَةَ عليه) لِما رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال لأبي لُبَابَةَ، حينَ قال: إنَّ مِن تَوْبَتِي يا رسولَ اللهِ أن أنخَلِعَ مِن مالِي. فقال رسولُ اللهِ ﷺ :

стр. 13906

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ «يُجْزِئُكَ الثُّلُثُ» (١). وبهذا قال الزُّهْرِيُّ، ومالكٌ. وقال رَبيعَةُ: يَتَصَدَّقُ منه بقَدْرِ الزَّكاةِ؟ لأنَّ المُطْلَقَ يُحْمَلُ على مَعْهودِ الشَّرْعِ، ولا يَجِبُ في الشَّرْعِ إلَّا قَدْرُ الزَّكاةِ. وعن جابرِ بنِ زيدٍ، قال: إنْ كان كثيرًا -وهو ألْفان- تَصَدَّق بعُشْرِه، وإن كان مُتَوَسِّطًا -وهو ألْفٌ- تصَدَّق بسُبْعِه، وإن كان قليلًا -وهو خَمْسُمائةٍ- تصَدَّق بخمْسِه (٢). وقال أبو حنيفةَ: يَتَصَدَّقُ بالمالِ الزَّكَويِّ كلِّه. وعنه في غيرِه (٣) رِوايَتان؛ إحْدَاهما، يَتَصَدَّقُ به. والثانِيَةُ، لا يَلْزَمُه منه شيء. وقال النَّخَعِيّ، والبَتِّيُّ، والشافعيُّ: يَتَصَدَّقُ بمالِه كلِّه؛ لقولِ النبيِّ ﷺ :

стр. 13907

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ «مَنْ نَذَر أنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطعْهُ» (١). ولأنَّه نَذْرُ طاعَةٍ، فلَزِمَه الوَفاءُ به، كنَذْرِ الصلاةِ والصِّيامِ. ولَنا، حديثُ أبي لُبَابَةَ المذْكُورُ. وعن كَعْبِ بنَ مالكٍ، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ مِن تَوْبَتِي أن أنْخَلِعَ مِن مالِي صَدَقَةً إلى الله وإِلى رسولِه. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «أمْسِكْ عَلَيكَ بَعْضَ مَالِكَ، فَهُوَ خيرٌ لَكَ». مُتَّفَقٌ عليه (٢). ولأبي داودَ: «يُجْزِئُ عَنْكَ الثُّلُثُ». قالوا: ليس هذا بنَذْرٍ، وإنَّما أرادَ الصَّدَقَةَ بجَمِيعِه، فأمرَه النبيُّ ﷺ بالاقْتِصارِ [على ثُلُثِه، كما أمَرَ سعدًا حينَ أرادَ الوَصِيَّةَ بجَمِيعِ مالِه، فأمَرَه بالاقْتِصارِ على] (٣) الثُّلُثِ، وليس هذا مَحَلَّ النِّزاعِ، إنَّما النِّزاعُ في مَن نَذَر الصدقةَ بجميعِه. قُلْنا: عنه جوابان؛

стр. 13908

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أحدُهما، أنَّ قولَه: «يُجْزِئُكَ [مِن ذلك] (١) الثُّلُثُ». دليلٌ على أنَّه أتَى بلَفْظٍ يَقْتَضِي الإِيجابَ؛ لأنَّها إنَّما تُسْتَعْمَلُ غالِبًا في الواجباتِ، ولو كان مُخَيَّرًا بإرادَةِ الصَّدَقَةِ، لَما لَزِمَه شيءٌ يُجْزِء عنه بعضُه. الثاني، أنَّ مَنْعَه مِن الصدقَةِ بزيادةٍ على الثُّلُثِ، دليلٌ على أنَّه ليس بقُرْبَةٍ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لا يَمْنَعُ أصْحابَه مِن القُرَبِ، ونَذْرُ ما ليس بقُرْبَةٍ لا يَلْزَمُ الوَفاءُ به. ولَنا، على أبي حنيفةَ، أنَّ غيرَ الزَّكَويِّ مالٌ، فتَناوَلَه النَّذْرُ، كغيرِ (٢) الزَّكَويِّ. وما قاله رَبيعَةُ لا يَصِحُّ؛ فإنَّ هذا ليس بزَكاةٍ، ولا في مَعْناها، فإنَّ الصدقةَ وَجَبَتْ لإِغْناءِ الفُقَراءِ ومُواساتِهِم، وهذه صَدَقَةٌ تَبَرَّع بها صاحبُها تَقَرُّبًا إلى اللهِ تعالى، ثم إنَّ المَحْمُولَ على مَعْهُودِ الشَّرْعِ المُطْلَقُ، وهذه صَدَقَةٌ مُعَيَنة غيرُ مُطْلَقَةٍ، ثم تَبْطُلُ بما لو نَذَر صِيامًا، فإنَّه لا يُحْمَلُ على صومِ رمضانَ، وكذلك الصلاةُ. وما ذَكَرَه جابِرُ بنُ زَيدٍ، فهو تَحَكُّمٌ بغيرِ

стр. 13909

وإنْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِأَلفٍ، لَزِمَهُ جَمِيعُهُ. وَعَنْهُ، يُجْزِئُهُ ثُلُثُهُ. ــ دليلٍ. ٤٨٠١ - مسألة: (وإن نَذَر الصَّدَقَةَ بألْفٍ، لَزِمَه جَمِيعُه. وعنه، يُجْزِئُه ثُلُثُه) إذا نَذَر الصَّدَقَةَ بمُعَيَّن مِن مالِه، أو بمُقَدَّرٍ، كأَلفٍ، فرُوِيَ عن أحمدَ، ﵀، أنَّه يُجْزِئُه ثُلُثُه، لأنَّه مالٌ نَذَر الصدقةَ به، فأجْزَأَه ثُلُثُه، كجَمِيعِ المالِ. والصَّحِيحُ في المذهبِ لُزومُ الصدقةِ بجَميعِه، لأنَّه مَنْذُورٌ، وهو قُرْبَةٌ، فلَزِمَه الوَفاءُ به، كسائرِ المَنْذُوراتِ، ولعُمومِ قولِه سبحانَه: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ (١). وإنَّما خُولِفَ هذا في جميعِ المالِ، للأثَرِ فيه، ولِما في الصدقةِ بالمالِ كلِّه مِن الضَّرَرِ اللَّاحِقِ به، اللَّهُمَّ إلَّا أن يكونَ المَنْذُورُ ههُنا يَسْتَغْرِقُ جميعَ المالِ، فيكونَ كنَذْرِ ذلك. ويحْتَمِلُ أنَّه إن كان المَنْذُورُ ثُلُثَ المالِ فما دونَ، لَزِمَه وَفاءُ نَذْرِه، وإن زادَ على الثُّلُثِ، لَزِمَه الصدقةُ بقَدْرِ الثُّلُثِ منه، لأنَّه حُكْم يُعْتَبَرُ فيه الثُّلُثُ، فأشْبَهَ الوَصِيَّةَ به.

стр. 13910

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: إذا نَذَر الصدقةَ بقَدْرٍ مِن المالِ، فأبْرَأ غَرِيمَه مِن قَدْرِه، يَقْصِدُ به وَفاءَ النَّذْرِ، لم يُجْزِئْهُ، وإن كان الغَرِيمُ مِن أهلِ الصَّدَقَةِ. قال أحمدُ: لا يُجْزِئُه حتى يَقْبِضَه. وذلك لأنَّ الصدقةَ تَقْتَضِي التَّمْلِيكَ، وهذا إسْقاط، فلم يُجْزِئْهُ، كما في الزَّكاةِ. قال أحمدُ، في مَن نَذَر أن يَتَصَدَّقَ بمالٍ، وفي نَفْسِه أنَّه ألْفٌ: أجْزَأه أن يُخْرِج ما شاءَ (١). وذلك لأنَّ اسمَ المالِ يَقَعُ على القليلِ، وما نَواه زِيادَةٌ على ما تَناوَلَه الاسمُ، والنَّذْرُ لا يَلْزَمُ بالنِّيَّةِ. والقياسُ أنَّه يَلْزَمُه ما نَواه؛ لأنه نَوَى بكَلامِه ما يَحْتَمِلُه، فتَعَلَّقَ الحكمُ به، كاليَمِينِ. وقد نَصَّ أحمدُ، في مَن نَذَر صَوْمًا أو صلاةً، وفي نَفْسِه أكثرُ ممَّا تَناوَلَه لَفْظُه، أنَّه يَلْزَمُه ذلك، وهذا كذلك.

стр. 13911

فَصْلٌ: الْخَامِسُ، نَذْرُ التَّبَرُّرِ، كَنَذْرِ الصَّلَاةِ، والصِّيَامِ، وَالصَّدَقَةِ، وَالاعْتِكَافِ، وَالْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ، وَنَحْوهَا مِنَ الْقُرَبِ، عَلَى وَجْهِ التَّقَرُّبِ، سَواءٌ نَذَرَهُ مُطْلَقًا، أوْ عَلَّقَهُ بِشَرْطٍ يَرْجُوهُ، فَقَال: إِنْ شَفَى الله مَرِيضِي، أوْ: سَلَّمَ الله تَعَالى مَالِي، فَلِلّهِ عَلَيَّ كَذَا. فَمَتَى وُجِدَ شَرْطُهُ، انْعَقَدَ نَذْرُهُ، ولَزِمَهُ فِعْلُهُ. ــ فصل: قال، ﵀: (الخامِسُ، نَذْرُ التَبَّرُّرِ، كنَذْرِ الصلاةِ، والصِّيامِ، والصَّدَقَةِ، والاعْتِكافِ، والحَجِّ، والعُمْرَةِ، ونحوها من القُرَبِ، على وَجْهِ القُرْبِ، سَواءٌ نَذَرَه مُطْلَقًا، أو عَلَّقَه بشَرْطٍ يَرْجُوه، فقال: إن شَفَى الله مَرِيضِي، أو: سَلَّمَ اللهُ مالي، فللهِ عليَّ كذا. فمتى وُجِد شَرْطُه، انْعَقَد نَذْرُه) ويَلْزَمُه الوَفاءُ به. نَذْرُ التَّبَرُّرِ يَتَنَوَّعُ ثلاثةَ أنْواعٍ؛ أحدُها، هذا الذي ذَكَرْناه إذا كان في مُقابَلَةِ (١) نِعْمَةٍ

стр. 13912

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اسْتَجْلَبَها، أو نِقْمَةٍ اسْتَدْفَعَها، كقولِه: إن شَفَى اللهُ مَرِيضِي، [فللهِ عليَّ] (١) صَوْمُ شَهْرٍ. وتكونُ الطَّاعَةُ المُلْتَزَمَةُ مِمّا له أصْلٌ في الشَّرْعِ، كالصومِ والصلاةِ والصَّدقَةِ والحَجِّ، فهذا يَلْزَمُ الوَفاءُ به، بإجْماعِ أهلِ العلمِ. النَّوعُ الثاني، الْتِزامُ طاعَةٍ مِن غيرِ شَرْطٍ، كقَوْلِه ابْتِداءً: للهِ عليَّ صَوْمُ شَهْرٍ. فيَلْزَمُه الوَفاءُ به، في قولِ أكثرِ أهكِ العلمِ. وهو قولُ أهلِ العراقِ. وظاهِرُ مذهبِ الشافِعِيِّ. وقال بعضُ أصحابِه: لا يَلْزَمُ الوَفاءُ به؛ لأنَّ أبا عمرَ غُلامَ ثَعْلَبٍ (٢) قال: النَّذْرُ عندَ العَرَبِ وَعْدٌ بشرْطٍ. ولأنَّ ما الْتَزَمَه الآدَمِيُّ بعِوَضٍ، يَلْزَمُه بالعَقْدِ (٣)، كالمَبِيعِ (٤) والمُسْتَأجَرِ، وما الْتَزَمَه (٥) بغيرِ عِوَضٍ، لا يَلْزَمُه بمُجَرَّدِ العَقدِ، كالهِبَةِ. النَّوْعُ الثالِثُ، نَذْرُ طاعَةٍ، لا أصْلَ لها في الوُجوبِ، كالاعْتِكافِ، وعِيادَةِ المريضِ، فيَلْزَمُ الوَفاءُ به عند عامَّةِ أهلِ العلمِ.

стр. 13913

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وحُكِي عن أبي حنيفةَ أنَّه لا يَلْزَمُه الوَفاءُ به؛ لأنَّ النَّذْرَ فَرْعٌ على المَشْرُوعِ، فلا يَجبُ به ما لا يَجبُ له (١) نَظِير (٢) بأصْلِ الشَّرْعِ. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، [ومَن نَذَر أن يَعْصِيَه فلا يَعْصِه] (٣)». رَواه البخاريُّ: وذَمُّه (٤) الذين يَنْذُرُونَ ولا يُوفُونَ (٥). وقولُ اللهِ تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. الآيات إلى قولِه: ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (٦). [وقد رُوِيَ أنَّ عمرَ قال للنبيِّ ﷺ ] (٧): إنِّي نَذَرْتُ أن أعْتَكِفَ لَيلَةً في المسجدِ الحَرامِ. فقال له النبيُّ ﷺ : «أوْفِ

стр. 13914

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بِنَذْرِكَ» (١). ولأَنَّه ألْزَمَ نفْسَه قُرْبَةً على وَجْهِ التَّبَرُّر، فلَزِمَه، كمَوْضِعِ الإِجْماعِ، وكالعُمْرَةِ، فإنَّهم سَلَّمُوها، وهي غيرُ واجبَةٍ عندَهم، وكالاعْتِكافِ، وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بهذَين الأصْلَين، وما حَكوْه عن أبي (٢) عمرَ لا يصِحُّ؛ فإنَّ العربَ تُسَمى المُلْتَزَمَ نَذْرًا، وإن. لم يَكُنْ بشَرْطٍ، قال جَمِيل (٣): فليت رجالًا فيكِ قد نَذَرُوا دَمِي ... وهَمُّوا بقَتْلِي يا بُثَينُ لَقُونِي (٤) والجَعَالةُ وَعْدٌ بشَرْطٍ، وليست بنَذْرٍ.

стр. 13915

وَإنْ نَذَرَ صَوْمَ سَنَةٍ، لَمْ يَدْخُلْ في نَذْرِهِ رَمَضَانُ وَيَوْمَا الْعِيدَينِ. وَفِي أيَّامِ التَّشْرِيقِ رِوَايَتَانِ. وعنْهُ، مَا يَدُلُّ عَلَى أنَّه يَقْضِي يَوْمَيِ الْعِيدَينِ وَأيَّامَ التَّشْرِيقِ. ــ ٤٨٠٢ - مسألة: (وإن نَذَر صَوْمَ سَنَةٍ، لم يَدْخُلْ في نَذْرِه رمضانُ ويَوْمَا العِيدَين. وفي أيَّام التَّشْرِيقِ رِوايَتَان. وعنه ما يَدُلُّ على أنَّه يَقْضِي يَوْمَيِ العِيدَينِ وأيَّام التَّشْرِيقِ) إذا نَذَر صَوْمَ سَنَةٍ مُعَيَنةٍ، لم يَدْخُلْ في نَذْرِه رمضانُ ويَوْما العِيدَين؛ [لأنَّ رمضانَ لا يَقْبَلُ الصومَ عن النذورِ، ويَوْمَيِ العِيدَين] (١) لا يَصِحُّ صَوْمُهما، فلم يَدْخُلا في نَذرِه، كاللَّيلِ. وفي أيَّامِ التَّشْريقِ رِوايَتان؛ إحْداهما، لا تَدْخُلُ في نَذْرِه؛ لأنَّه

стр. 13916

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مَنْهِيٌّ عن صَوْمِها، أشْبَهَتْ يَوْمَيِ العِيدَين. والثَّانِيَةُ، تَدْخُلُ في نَذْرِه ويَصُومُها، كالمُتَمَتِّعِ إذا لم يَجِدِ الهَدْىَ. وفيه رِوايَة أخْرَى، أنَّ يَوْمَيِ العِيدَين وأيَّامَ التَّشْريقِ تَدْخُلُ في نَذْرِه. فعلى هذا، لا يَصُومُها، ويَقضِي بَدَلَها، وعليه كَفَّارَةُ يَمِين؛ لقولِه ﵇: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وكفَّارَتُه كَفَّارَةُ يَمِين». رَواه أبو داودَ (١). وإنْ قُلْنا: يجوزُ صَوْمُ أيَّامِ

стр. 13917

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ التَّشْرِيقِ عن نَذْرِه. فصامَها، فلا كَفَّارَةَ عليه؛ لأنَّه أتَى بالمَنْذُورِ، أشْبَهَ ما لو نَذَر غيرَها ممَّا يَصِحُّ صَوْمُه.

стр. 13918

وَإذَا نَذَرَ صَوْمَ يَوْم الْخَمِيس، فَوَافَقَ يَوْمَ عِيدٍ أوْ حَيض، أفْطَرَ، وَقَضَى وَكَفَّرَ. ــ ٤٨٠٣ - مسألة: (وإن نَذَر صَوْمَ يَوْمِ الخميسِ، فَوَافَق يومَ عِيدٍ أو حَيض، أفْطَر، وقَضَى وكَفَّر) وذلك (١) لأنَّ مثلَ هذا النَّذْرِ يَنْعَقِدُ،

стр. 13919

وَعَنْهُ، يُكَفِّرُ مِنْ غَيرِ قَضَاءٍ. وَنُقِلَ عَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أنَّهُ إِنْ صَامَ يَوْمَ الْعِيدِ، صَحَّ صَوْمُهُ. ــ لأنَّه نَذَر نَذْرًا يُمْكِنُ الوَفاءُ به غالِبًا، فكان مُنْعَقِدًا، كما لو وافَقَ غيرَ يومِ العيدِ أو غيرَ يومِ الحَيضِ والنِّفاسِ، ولا يجوزُ أن يصومَ يومَ العيدِ إن وافَقَه؛ لأنَّ الشَّرْعَ حَرَّمَ صَوْمَه، فأشْبَهَ زَمَنَ الحَيضِ، ويَلْزَمُه القَضاءُ؛ لأنَّه نَذْر مُنْعَقِد، وقد فاتَه الصيامُ بالعُذْرِ، فلَزِمَتْه الكَفَّارَةُ، كما لو فاتَه لمَرَضٍ (وعنه، يُكَفِّرُ مِن غيرِ قَضاءٍ). لأنَّه وافَقَ يومَ صَوْمِه مَعْصِيَة، فأوْجَبَ الكَفَّارَةَ من غيرِ قَضاء، كما لو نَذرَتِ المرأةُ صومَ يومِ حَيضِها. ٤٨٠٤ - مسألة: (ونُقِل عنه ما يَدُلُّ على أنَّه إن صام يومَ العِيدِ، صَحَّ صَوْمُه) لأنَّه وَفَّى بما نَذَر. فأمَّا إن وافَقَ نَذْرُه يومَ حَيض أو نفاس، لم يَصُمْه، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه بينَ أهلِ العلمِ. ويَتَخَرَّجُ في القَضاءِ والكَفَّارَةِ مثلُ ما في يومِ العيدِ، قياسًا عليه.

стр. 13920

وَإنْ وَافَقَ أيامَ التَّشْرِيقِ، فَهَلْ يَصُومُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَين. ــ ٤٨٠٥ - مسألة: (وإن وَافَق أيامَ التَّشْرِيقِ، فهل يَصُومُها؟ على رِوايَتَين) إحْدَاهما، يَصُومُها؛ لقَوْلِ عائشةَ، ﵂: لم يُرَخَّصْ في هذه الأيَّامِ أن يُصَمْنَ إلَّا للمُتَمَتِّعِ إذا لم يَجِدِ الهَدْيَ (١). وقِسْنا عليه سائِرَ الواجِباتِ. والثَّانِيَةُ، لا يَصُومُها؛ للنَّهْي عن ذلك.

стр. 13921

وإذَا نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ يَقْدَمُ فُلَان، فَقَدِمَ لَيلًا، فَلَا شَيْءَ عَلَيهِ، وَإنْ قَدِمَ نَهَارًا، فَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أنَّه لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا إِتْمَامُ صِيَامِ ذَلِكَ الْيَوْمِ إِنْ لَمْ يَكُنْ أفْطَرَ. وَعَنْهُ، أنَّهُ يَقْضِي وَيُكَفِّرُ، سَواء قَدِمَ وَهُوَ مُفْطِر أَوْ صَائِمٌ. وإنْ وَافَقَ قُدُومُهُ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ، فَقَال الْخِرَقِيُّ: يُجْزِئُهُ صِيَامُهُ لِرَمَضَانَ وَنَذْرِهِ. وَقَال غَيرُهُ: عَلَيهِ الْقَضَاءُ. وَفِي الْكَفَّارَةِ رِوَايَتَانِ. ــ ٤٨٠٦ - مسألة: (وإن نَذَر صَوْمَ يَوْمِ يَقْدَمُ فُلَان، فقَدِمَ لَيلًا، فلا شيءَ عليه، وإن قَدِم نَهَارًا، فعنه مَا يَدُلُّ على أنَّه لا يَنْعَقِدُ نَذْرُه، ولا يَلْزَمُه إلَّا صِيامُ ذلك اليومِ إن لم يَكُنْ أفْطَر. وعنه، أنه يَقْضِي ويُكَفِّرُ، سَواء قَدِم وهو مُفْطِر أو صائِم. وإن وافَقَ قُدُومُه يَوْمًا مِن رمضانَ، فقال الخِرَقِيُّ: يُجْزِئُه صِيامُه لرمضانَ ونَذْرِهِ. وقال غيرُه: عليه القَضاءُ. وفي الكَفَّارَةِ رِوايَتَان) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا نَذَر [أن يَصومَ يومَ] (١) يَقْدَمُ فُلان، صَحَّ نَذْرُه. وهو قولُ أبي حنيفةَ. وأحَدُ قَوْلَي الشَّافعيِّ. وقال في الآخَرِ:

стр. 13922

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لا يَصِحُّ نَذْرُه؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ صَوْمُه بعدَ وُجودِ شَرْطِه، فلم يَصِحَّ، كما لو قال: للهِ عليَّ أن أصوم اليومَ الذي قبلَ اليومِ الذي يَقْدَمُ فيه زَيدٌ. ولَنا، أنَّه زَمَنٌ يَصِحُّ فيه صومُ التَّطَوُّعِ، فانْعَقَدَ نَذْرُه لصومِه، كما لو أصْبَحَ صائِمًا تَطوُّعًا، وقال: للهِ عليَّ أن أصومَ يَوْمِي. وقولُهم: لا يَصِحُّ صَوْمُه. لا يَصِحُّ؛ لأنَّه قد يَعْلَمُ اليومَ الذي يَقدَمُ فيه قبلَ قُدُومِه، فيَنْوي صَوْمَه مِن اللَّيلٍ، ولأنَّه قد يَجِبُ عليه ما لَا يُمْكِنُه، كالصَّبِيِّ يَبْلُغُ في أثْناءِ يوم مِن رمضان، والحائضِ تَطْهُرُ فيه، ولا نُسَلِّمُ ما قاسُوا عليه. إذا

стр. 13923

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ثَبَت ذلك، لم يَخْلُ مِن أقْسام خَمْسَةٍ؛ أحَدُها، أن يَقْدَمَ لَيلًا، فلا شيءَ عليه، في قولِ الجَميعِ؛ لأنَّه لم يَقْدَم في اليومِ، ولا في وَقْتٍ يَصِحُّ فيه الصِّيامُ. الثَّاني، أن يَعْلَمَ قُدُومَه مِن الليلِ، فيَنْويَ صَوْمَه، ويكون يَوْمًا يجوزُ فيه صَوْمُ النَّذْرِ، فيَصِحُّ صَوْمُه ويُجْزِئُه وَفاءً بنَذْرِه. الثَّالِثُ، أن يَقْدَمَ يومَ فِطْر أو أضْحَى، فاخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ في هذه المسألةِ؛ فعنه، لا يَصُومُه (١)، ويَقْضِي ويُكَفِّرُ. نَقَلَه عن أحمدَ جَماعَة. وهو قولُ أكثرِ أصحابِنا، ومذهبُ الحَكَمِ وحَمَّادٍ. والرِّوايَةُ الثانِيَةُ، يَقْضِي ولا كَفَّارَةَ عليه. وهو قولُ الحسينِ، والأوْزاعِيِّ، وأبي عُبَيدٍ، وقَتادَةَ، وأبي ثَوْرٍ، وأحَدُ قَوْلَي الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّه فاتَه الصَّوْمُ الواجِبُ بالنَّذْرِ، فلَزِمَه قَضاؤه، كما لو تَرَكَه نِسْيانًا (٢)، ولم تَلْزَمْه كَفَّارَة؛ لأنَّ الشَّرْعَ مَنَعَه من صَوْمِه،

стр. 13924

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فهو كالمُكْرَهِ. وعن أحمدَ رِوايَة ثالثة، إن صامَه صَحَّ صَوْمُه. وهو مذهبُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه [قد وَفَّى] (١) بما نَذَر، فأشْبَهَ ما لو نَذَر مَعْصِيَةً ففَعَلَها. ويَتَخَرَّجُ أن يُكَفِّرَ مِن غيرِ قَضاءٍ؛ لأنَّه وافَقَ يومًا صَوْمُه حَرامٌ، فكان مُوجَبُه الكَفَّارَةَ، كما لو نَذَرَتِ المرأةُ صومَ يومِ حَيضِها. ويَتَخَرَّجُ أن لا يَلْزَمَه شيء مِن كفَّارَةٍ ولا قَضاءٍ، بِناءً على مَن نَذَر المَعْصِيَةَ. [وهو قولُ مالكٍ، والشَّافعيِّ في أحَدِ قولَيهِ، بناءً على نَذْرِ المَعْصِيَةِ] (٢). ووَجْهُ قولِ الخِرَقِيِّ، أنَّ النَّذْرَ يَنْعَقِدُ، لأنَّه نَذَر نَذْرًا يُمْكِنُ الوفاءُ به غالِبًا، فكان مُنْعَقِدًا، كما لو وافَقَ غيرَ يَوْمِ العيدِ، ولا يجوزُ أن يصومَ يومَ العيدِ؛ لأنَّ الشَّرْعَ حَرَّمَ صَوْمَه، فأشْبَهَ زَمَنَ الحَيضِ، ولَزِمَه القَضاءُ؛ لأنَّه نَذْرٌ مُنْعَقِدُ، وقد فاتَه الصِّيامُ بالعُذْرِ، فلَزِمَتْه الكَفَّارَةُ لفَواتِه، كما لو فاتَه بمرض. وإن وافَقَ يومَ حَيض أو نِفاس، فهو كما لو وافَقَ يومَ فِطْر أو

стр. 13925

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أضْحَى، إلَّا أنَّها لا تَصُومُه. بغيرِ خِلافٍ بينَ أهلِ العلمِ. الرَّابع، أن يَقْدَمَ في يوم يَصِحُّ صَوْمُه والنَّاذِرُ مُفْطِر، ففيه رِوَايتان؛ إحداهما، يَلْزَمُه القَضاءُ والكَفَّارَةُ؛ لأنَّه نَذَر صَوْمًا نَذْرًا صَحِيحًا، ولم يَفِ به، فلَزِمَه القَضاءُ والكَفَّارَةُ، كسائِرِ المَنْذُوراتِ. ويَتَخَرَّجُ أن لا تَلْزَمَه كَفَّارَة. وهو مذهبُ الشَّافعيِّ؛ لأنَّه تَرَك المَنْذُورَ لعُذْرٍ. والثَّانِيَةُ، لا يَلْزَمُه شيءٌ مِن قَضاءٍ ولا غيرِه. وهو قولُ أبي يوسفَ، وأصحابِ الرَّأي، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه قَدِمَ في زَمَن لا يَصِحُّ صَوْمُه فيه، فلم يَلْزَمْه شيءٌ، كما لو قَدِمَ ليلًا. الخامِسَةُ، قَدِم والنَّاذِرُ صائِمٌ، فلا يَخْلُو مِن أن يكونَ تَطَوُّعًا أو فرْضًا؛ فإن كان تَطَوُّعًا، فقال القاضي: يصومُ بَقِيَّتَهُ، ويَعْقِدُه عن نَذْرِه، ويُجْزِئُه، ولا قَضاءَ ولا كَفَّارَةَ. وهو قولُ أبي حنيفة؛

стр. 13926

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لأنَّه يُمْكِنُ صومُ يوم بعضُه تَطَوُّع وبعضُه واجب، كما لو نَذَر في صَوْمِ التَّطَوُّعِ إتْمامَ صومِ ذلك اليوم، وإنَّما وُجِدَ سببُ الوُجوبِ في بعضِه. وذَكَر القاضي احْتمالًا آخَرَ، أَنَّه يَلْزَمُه القَضاءُ والكَفَّارَةُ؛ لأنَّه صَوْم واجِب، فلم يَصِحَّ بنِيَّةٍ مِن النَّهارِ، كقَضاءِ رمضانَ. وذَكَر أبو الخطَّابِ هذَين الاحْتِمالين رِوايَتَين. وعندَ الشَّافعيِّ، عليه القَضاءُ فقط، كما لو قَدِم وهو مُفْطِرٌ. ويَتَخرَّجُ لنا مثلُه. وأمَّا إن كان الصومُ واجبًا، مثلَ أن يُوافِقَ يومًا مِن رمضانَ، فقال الخِرَقِيُّ: يُجْزِئُه (١) لرَمضانَ ونَذْرِه؛ لأنَّه نَذَر صَوْمَه، وقد وَفَّى به. وقال غيرُه: عليه القَضاءُ؛ لأنَّه لم يَصُمْه عن نَذْرِه.

стр. 13927

وَإنْ وَافَقَ يَوْمَ نَذْرِهِ وَهُوَ مَجْنُونٌ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيهِ وَلَا كَفَّارَةَ. ــ وفي الكَفَّارَةِ رِوايتان؛ إحْداهما، تجِبُ (١)؛ لتَأخُّرِ النَّذْرِ. والثَّانِيَةُ، لا تَجِبُ؛ لأنَّه [أخَّرَه لعُذْرٍ] (٢)، أشْبَهَ ما لو أخَّرَ صَوْمَ رمضانَ لعُذْرٍ. ٤٨٠٧ - مسألة: (وإن وافَقَ يومَ نَذْرِه وهو مَجْنُون، فلا قَضاءَ عليه ولا كَفَّارَةَ) لأنَّه خَرَج من أهْلِيَّةِ التَّكْليفِ قبلَ وَقْتِ النَّذْرِ، أشْبَهَ ما لو فاتَه (٣). فصل: وإن قال: للهِ عليَّ صومُ يومِ العيدِ. فهذا نَذْرُ مَعْصِيَةٍ، على نَاذِرِه الكَفّارَةُ لا غيرُ. نَقَلَها حَنْبَل عن أحمدَ. وفيه رواية أخْرَى، أنَّ عليه القَضاءَ مع الكفَّارَةِ، كما لو نَذَر يومَ الخميسِ، فوافَقَ يومَ العيدِ. والأولَى هي الصَّحِيحَةُ. قاله القاضي؛ لأنَّ هذا نَذْرُ مَعْصِيَةٍ، فلم يُوجِبْ قَضاءً،

стр. 13928

وَإنْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْر مُعَيَّن، فَلَمْ يَصُمْهُ لِغَيرِ عُذْرٍ، فَعَلَيهِ الْقَضَاءُ وَكَفَّارَةُ يَمِين، وَإنْ لَمْ يَصُمْهُ لِعُذْرٍ، فَعَلَيهِ الْقَضَاءُ، وَفِي الْكَفَّارَةِ رِوَايَتَانِ. ــ كسائِرِ المَعاصِي. وفارَقَ ما إذا نَذَر صَوْمَ يومِ الخميسِ، فوافَقَ يومَ العيدِ؛ لأنَّه لم يَقْصِدْ بنَذْرِه المَعْصِيَةَ، وإنَّما وَقَع اتِّفاقًا، وههُنا تَعَمَّدَها بالنَّذْرِ، فلم يَنْعَقِدْ نَذْرُه، ويَدْخُلُ في قولِه ﵊: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ» (١). ويَتَخَرَّجُ أن لا يَلْزَمَه شيءٌ، بِناءً على نَذْرِ المَعْصِيَةِ فيما تقَدَّمَ. ٤٨٠٨ - مسألة: (وإن نَذَر صَوْمَ شَهْر مُعَيَّن، فلم يَصُمْه لغيرِ عُذْر، فعليه القَضاءُ وكَفَّارَةُ يَمِين، [وإن لم يَصُمْه لعُذْرٍ فعليه القَضاءُ، وفي الكَفّارَةِ رِوايَتان) أمّا إذا تَرَك صَوْمَه لغيرِ عُذْرٍ فعليه القَضاءُ] (٢)؛ لأنَّه

стр. 13929

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ صوم واجبٌ مُعَيَّن أخَّرَه، فلَزِمَه قَضاؤه، كرَمضانَ، وتَلْزَمُه كَفَّارَةُ يَمِين؛ لتَأخُّرِ النَّذْرِ عن وَقْتِه؛ لأنَّه يَمِينٌ، وإن لم يَصُمْه لِعُذْرٍ، فعليه القَضاءُ؛ لأنَّه واجِبٌ، أشْبَهَ رمضانَ. وفي الكَفَّارَةِ رِوايَتان، إحْداهما، تَلْزَمُه، لتَأخُّرِ النَذْرِ [عن وَقْتِه] (١). والأخْرَى، لا تَلْزَمُه، لأنَّه أخَّرَه لعُذْرٍ (٢)، أشْبَهَ تَأخِيرَ رَمضانَ لعُذْرٍ (٢).

стр. 13930

وَإنْ صَامَ قَبْلَهُ، لَمْ يُجْزِئْهُ. وإنْ أفْطَرَ في بَعْضِهِ لِغَيرِ عُذْرٍ، لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهُ، وَيُكَفِّرُ. وَيَحْتَمِلُ أن يُتمَّ بَاقِيَهُ، وَيَقْضِيَ وَيُكَفِّرَ. ــ ٤٨٠٩ - مسألة: (وإن صَامَ قَبْلَهُ، لم يُجْزِئْه) وكذلك إن نَذَر الحَجَّ في عام، فحَجَّ قبلَه. وقال أبو يوسف: يُجْزِئه، كما لو حَلَف ليَقْضِيَنَّه حَقَّه في وَقْتٍ، فقَضاه قبلَه. ولَنا، أنَّ المَنْذُورَ مَحْمُولٌ على المَشْرُوعِ، ولو صامَ قبلَ رمضانَ لم يُجْزِئْه، فكذلك إذا صامَ المَنْذُورَ قبلَه، ولأنَّه لم يَأتِ بالمَنْذورِ في وَقْتِه، فلم يُجْزِئْه، كما لو لم يَفْعَلْه أصْلًا. ٤٨١٠ - مسألة: (وإن أفْطَر في أثْنَائِه لغَيرِ عُذْرٍ، لَزِمَه اسْتِئْنَافُه، ويُكَفِّرُ. ويَحْتَمِلُ أن يُتمَّ باقِيَه، ويَقْضِيَ ويُكَفِّرَ) إذا نَذَر صومَ شَهْر مُعَيَّن، فأفْطَرَ في أثْنائِه، لم يَخْلُ من حالين؛ أحَدُهما، الفِطْرُ لغيرِ عُذْرٍ،

стр. 13931

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ففيه روايَتان؛ إحْداهما، يَنْقَطِعُ صَوْمُه، ويَلْزَمُه اسْتِئْنافُه؛ لأنَّه صومٌ يَجِبُ مُتَتابِعًا بالنَّذْرِ، فأبْطَلَه الفِطْرُ لغيرِ عُذْرٍ، [كما لو شَرَط التَّتابُعَ] (١)، وفارَقَ رمضانَ؛ فإن تَتابُعَه بالشَّرْعِ لا بالنَّذْرِ، وههُنا أوْجَبَه على نفسِه ثم فَوَّتَه، فأشْبَهَ ما لو شَرَطَه مُتَتابِعًا. الثَّانِيَةُ، لا يَلْزَمُه الاسْتِئْنافُ، إلَّا أن يكونَ قد شَرَط التَّتابُعَ. وهذا قولُ الشَّافعيِّ؛ لأنَّ وُجوبَ التَّتابُعِ ضَرُورَةُ التَّعْيِينِ لا بالشَّرطِ، فلم يُبْطِلْه الفِطْرُ في أثْنائِه، كشهرِ رمضان، ولأنَّ الاسْتِئْنافَ يَجْعَلُ الصومَ في غيرِ الوقتِ الذي عَيَّنَه، والوفاءَ بنَذْرِه في غيرِ وَقْتِه، وتَفْويتُ البعضِ لا يُوجِبُ تَفْويتَ الجميعِ. فعلى هذا، يُكَفِّرُ عن فِطْرِه، ويَقْضي أيَّامَ فِطْرِه بعدَ إتْمامِ صَوْمِه. وهذا أقْيَسُ، إن شاءَ اللهُ تعالى، وأصَحُّ. وعلى الرِّوايَةِ الأولَى، يَلْزَمُه الاسْتِئْنافُ عَقِيبَ الأيَّامِ التي أفْطَر

стр. 13932

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فيها، ولا يجوزُ تَأخِيرُه؛ لأنَّ باقِيَ الشَّهْرِ مَنْذُورٌ، فلا يجوزُ تَرْكُ الصومِ فيه، وتَلْزَمُه كَفَّارَةٌ أيضًا؛ لإِخْلالِه بصومِ الأيَّامِ التي أفْطرَها. الحال الثَّاني، أفْطرَ لعُذْرٍ، فإنَّه يَبْنِي على ما مَضَى من صِيامِه [ويَقْضِي] (١)، ويُكَفِّرُ. هذا قِياسُ المذهبِ. وفيه رِوايَةٌ أخْرَى، أنَّه لا كَفَّارَةَ عليه. وهو مذهبُ مالكٍ، والشَّافعيّ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّ النَّذْرَ مَحْمُولٌ على المَشْرُوعِ، ولو أفْطرَ رمضانَ لعُذْرٍ لم يَلْزَمْه شيء. ولَنا، أنَّه فاتَ ما نَذَرَه، فلَزِمَتْه كَفَّارَة؛ لقولِ النبيِّ ﷺ لأخْتِ عُقْبَةَ بنِ عامِر: «وَلْتُكَفِّرْ يَمِينَهَا» (٢). وفارَقَ رمضانَ، فإنَّه لو أفْطرَ لغيرِ عُذْرٍ، لم تَجِبْ عليه كَفَّارَةٌ إلَّا في الجِماعِ، بخلافِ هذا. فصل: وإن جُنَّ جميعَ الشهرِ المُعَيَّنِ، لم يَلْزَمْه قَضاء ولا كَفَّارَة.

стр. 13933

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقال أبو يوسفَ: يَلْزَمُه القَضاءُ؛ لأنَّه من أهلِ التَّكْلِيفِ [حالةَ نَذْرِه وقَضائِه، فلَزِمَه القَضاءُ، كالمُغْمَى عليه. ولَنا، أنَّه ليس من أهلِ التَّكْلِيفِ] (١) في وَقْتِ الوُجوبِ، فلم يَلْزَمْه القَضاءُ، كما لو كان في شهرِ رمضانَ. وإن حاضَتِ المرأةُ جميعَ الزَّمَنِ المُعَيَّنِ، فعليها القَضاءُ، وفي الكَفَّارَةِ وَجْهان. وقال الشَّافعيُّ: لا كفَّارَةَ عليها، وفي القَضاءِ وَجْهانِ؛ أحَدُهما، لا يَلْزَمُها، لأنَّ زمَنَ الصوم لا يُمْكِنُ الصومُ فيه، فلا يَدْخُلُ في النَّذْرِ، كزمنِ رمضانَ. ولَنا، أنَّ المَنْذُورَ يُحْمَلُ على المَشْرُوعِ ابْتِداءً، ولو حاضَتْ في شهرِ رمضانَ، لَزِمَها القَضاءُ، فكذلك المَنْذُورُ. فصل: وإن قال: للهِ عليَّ الحَجُّ في عامِي هذا. فلم يَحُجَّ لعُذْرٍ أبي غيرِه، فعليه القَضاءُ والكَفَّارَةُ. ويَحْتَمِلُ أن لا كَفَّارَةَ عليه إذا كان مَعْذُورًا. وقال الشَّافعيّ: إن تَعَذَّرَ عليه الحَجُّ لأحَدِ الشَّرائِطِ السَّبْعَةِ، أو مَنَعَه منه سُلْطان أو عَدُوٌّ، فلا قَضاءَ عليه، وإن حَدَث به مَرَضٌ، أو أخْطَأ، أو تَوانَى، قَضاه. ولَنا، أنَّه فاتَه الحَجُّ المنذورُ، فلَزِمَه قَضاؤه، كما لو مَرِض، ولأنَّ المنذورَ مَحْمُولٌ على المَشْرُوعِ ابْتِداءً، ولو فاتَه الشروعُ، [لَزِمَه قَضاؤه] (٢)، فكذلك المنْذُورُ.

стр. 13934

وَإذَا نَذَرَ صَوْمَ شَهْر، لَزِمَهُ التَّتَابُعُ. ــ ٤٨١١ - مسألة: (وإن نَذَر صَوْمَ شَهْر، لَزِمَه التَّتابُعُ) إذا نَذَر صومَ شهو، فهو مُخَيَّرٌ بينَ أن يصومَ شهرًا بالهلالِ، فيُجْزِئُه، وبينَ أن يَصُومَه بالعَدَدِ ثلاثينَ يومًا، ويَلْزَمُه التَّتابُعُ، في أحَدِ الوَجْهَين. وهو قولُ أبي ثَوْرٍ، لأنَّ إطْلاقَ الشهرِ يَقْتَضِي التَّتابُعَ. والثَّاني، لا يَلْزَمُه التَّتابُعُ.

стр. 13935

وإنْ نَذَرَ صِيَامَ أيَّام مَعْدُودَةٍ، لَمْ يَلْزَمْهُ التَّتابُعُ، إلَّا أَنْ يَشتَرِطَهُ. ــ وهو قولُ الشَّافعيِّ، ومحمدِ بنِ الحسنِ؛ لأنَّ الشهرَ يَقَعُ على ما بينَ الهِلالين، وعلى ثلاثينَ يومًا، ولا خِلافَ في أنَّه يُجْزِئُه ثلاثونَ يومًا، فلم يلْزَمْه التَّتابُعُ، كما لو نَذَر ثلاثينَ يومًا. ٤٨١٢ - مسألة: (وإن نَذَر أيَّامًا مَعْدُودَةً، لم يَلْزَمْه التَّتابُعُ، إلَّا أن يَشْتَرِطَه) نَصَّ عليه أحمدُ. ورُوِيَ عنه في مَن قال: للهِ عليَّ صِيامُ عشَرةِ أيَّام. يصومُها مُتَتابِعًا. وهذا يَدُلُّ على وُجوبِ التَّتابعِ في الأَيَّامِ المَنْذُورَةِ. وهو اخْتِيارُ القاضي. وحَمَل بعضُ أصحابِنا كلامَ أحمدَ على مَن شَرَط التَّتابُعَ أو نَواه؛ لأنَّ لَفْظَ العشَرةِ لا يَقْتَضِي تَتابُعًا، والنَّذْرُ لا يَقْتَضِيه، ما لم يَكُنْ في لَفْظِه أو نِيَّته. وقال بعضُهم: كلامُ أحمدَ على ظاهِرِه، ويَلْزَمُه التَّتابُعُ في نَذْرِ العشَرةِ دونَ الثلاثينَ؛ لأنَّ الثلاثينَ شهرٌ، فلو أرادَ التَّتابُعَ لقال: شهرًا. فعُدُولُه إلى العدَدِ دليلٌ على إرادَةِ التَّفْرِيقِ،
следующие страницы →