. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أو كانت بَيِّنَتُه أقْدَمَ تارِيخًا، قُدِّمَتْ، وإلَّا قُدِّمَتْ بَيِّنةُ المُدَّعِىِ. وهو قولُ أبي حنيفةَ، وأبي ثَوْرٍ، في النِّتاجِ والنِّساجِ، فيما لا يتَكَرَّرُ نسْجُه، وأمَّا ما يتَكَرَّرُ نَسْجُه، كالخَزِّ والصوفِ، فلا تُسْمَعُ بَيِّنَتُه؛ لأنَّها إذا شَهِدَتْ بالسَّبَب، فقد أفادَت ما لا تُفِيدُه اليَدُ، وقد رَوَى جابِرُ بنُ عبدِ اللهِ، أنَّ النبىَّ ﷺ اخْتَصَمَ إليه رَجُلان في دَابَّةٍ أو بَعيرٍ، فأقَامَ كُلُّ واحدٍ منهما البَيِّنةَ [أنَّها له] (١)، أنْتَجَها، فقَضَى رسولُ اللهِ ﷺ للذي هى في يَدِه (٢).
وذكرَ أبو الخَطَّابِ رِوايَةً ثالثةً، أنَّ بَيِّنةَ المُدَّعَى عليه تُقَدَّمُ بكُلِّ حالٍ.
وهو قولُ شُرَيْح، والشَّعْبِى، والحَكَمِ، والشافعىِّ، وأبي عُبَيْدٍ، وقال: هو قولُ أهْلِ المدينةِ، وأهْلِ الشَّامِ. ورُوِىَ ذلك عن طاوُسٍ.
وأنْكَرَ القاضى كَوْنَ هذا رِوايةً عن أحمدَ، وقال: لا تُقَدَّمُ بَمنةُ الدَّاخِلِ إذا لم تُفِدْ إلَّا ما أفادَتْه يدُه، رِوَايةً واحدةً. واحْتَجَّ مَن ذَهَب إلى تقْدِيم بَيِّنةِ المُدَّعَى عليه بأنَّ جَنَبَتَهُ أقْوَى؛ لأنَّ الأصْلَ معه، ويَمينُه تُقَدَّمُ على
стр. 14387
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَمِينِ المُدَّعِى، فإذا تَعارَضَتِ البَيِّنَتانِ، وَجَب إبْقاءُ يَدِه على ما فيها، وتَقْدِيمُه، كما لو لم تكُنْ بَيِّنَة لواحِدٍ منهما، وحديثُ جابرٍ يدُلُّ على هذا، فإنَّه إنَّما قَدَّمَ بَيِّنتَه ليَدِه. ولَنا، قولُ النبىِّ ﷺ : «البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِى والْيَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ» (١). فجعَلَ جنْسَ البَيِّنةِ في (٢) جَنَبَة المُدَّعِى، فلا يَبْقَى (٣) في جَنَبةِ المُدَّعَى عليه بَيِّنَةٌ، ولأنَّ بَيِّنَةَ المُدَّعِى أكْثَرُ
فائِدَةً، فوَجَب تَقْدِيمُها، كتقْدِيمِ بَيِّنَةِ الجَرْحِ على (٤) التَّعْدِيلِ. ودليلُ كثْرَةِ فائِدَتِها، أنَّها تُثْبِتُ شيئًا لم يكُنْ، وبيِّنةُ المُنْكِرِ إنَّما تُثْبتُ ظاهرًا تدُلُّ اليدُ عليه، فلم تكُنْ مُفِيدَةً، ولأنَّ الشَّهادةَ بالملْكِ يجُوزُ أنْ يَكونَ مُسْتَنَدُها رُؤيَةَ اليَدِ والتَّصَرُّفَ، فإنَّ ذلك جائِز عندَ كَثيرٍ مِن أهْلِ العلمِ، فصارَتِ
стр. 14388
فَإِنْ أقامَ الدَّاخِلُ بَيِّنَةً أنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنَ الْخَارِجِ، وَأَقَامَ الْخَارِجُ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنَ الدَّاخِلِ، فَقَالَ القَاضِى: تُقَدُّمُ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ.
وَقِيلَ: تُقَدَّمُ بَينّةَ الْخَارِجِ.
ــ
البَينّةَ بمنْزِلَةِ اليَدِ المُفْرَدَةِ، فتُقَدَّمُ عليها بَيِّنَةُ المُدَّعِى، كما تُقَدَّمُ اليَدُ، كما أنَّ شاهِدَىِ الفَرْعِ لمّا كانا مَبْنِيَّين على شاهِدَىِ الأصلِ، لم تَكُنْ لهما مَزِيَّة عليهما.
فصل: وأىُّ البَينتَينِ قدَّمْنَاها, لم يَحلِفْ صاحِبُها. وقال الشافعيُّ في أحَدِ قَوْلَيْه: يُستَحلفُ صَاحِبُ اليَدِ؛ لأنَّ البَيِّنَتَيْن سَقَطَا بتَعارُضِهِما، فصَارَتَا كمَنْ لا بَيِّنَةَ لهما، فيَحْلِفُ الدَّاخِلُ كما لو لم تكُن لواحِدٍ منهما بَيِّنَةٌ.
ولَنا، أنَّ إحْدَى البَيِّنَتَيْن راجِحةٌ، فيَجبُ الحُكْمُ بها مُنْفرِدَةً، كما لو تَعارَضَ خَبَران، خَاصٌّ وعامٌّ، أو أحَدُهما أرجَحُ بوَجْهٍ مِن الوُجُوهِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ البَيِّنَةَ الرّاجِحَةَ تَسْقُطُ، وإنَّما ترْجُحُ، ويُعْمَلُ بها، وتَسْقُطُ المَرْجُوحَةُ.
٤٩٧٨ - مسألة: (وإن أقامَ الدَّاخِلُ بينةً أنَّهُ اشْتَراها مِن الخارِجِ، وأقام الخارِجُ بَيِّنَةً أنَّه اشْتَرَاهَا مِن الدَّاخِلِ، فقال الْقَاضِى: تُقَدِّمُ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ) لأنَّه الخارِجُ في المَعْنَى (وقِيل: تُقَامُ بَيِّنَةُ الخَارِجِ) لقَوْلِ
стр. 14389
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النبىِّ ﷺ : «الْبَيِّنةُ عَلَى المُدَّعِى» (١).
فصل: إذا ادَّعَى الخارِجُ أنَّ العَيْنَ مِلْكُه، وأنَّه أوْدَعَها للدَّاخِلِ, أوْ أعارَه إيَّاها، أو أجَرَها منه، ولم يكُنْ لوَاحِدٍ منهما بَيِّنَةٌ، فالقَوْلُ قوْلُ المُنْكِرِ مع يَمِينِه، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. وإن كان لكلِّ واحدٍ منهما بَيِّنَةٌ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الخارِجِ. وهو قَوْلُ الشافعىِّ. وقال القاضى: بَيِّنةُ الدَّاخِلِ مُقَدَّمَة؛ لأنَّه هو الخارِجُ في المَعْنَى، كالمسْألَةِ قبلَها؛ لأنَّه ثَبَتَ أنَّ المُدَّعِىَ صاحِبُ اليَدِ، فإنَّ يَدَ الدَّاخِلِ نائِبَةٌ عنه. ولَنا، قولُ النبىِّ ﷺ : «البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِى». [ولأنَّ اليَمِينَ في حَقِّ] (٢) المُدَّعَى عليه، فتكونُ البَيِّنَةُ للمُدَّعِى، كما لو لم يَدَّعِ الإيداعَ، يُحَقِّقُه أنَّ دَعْواه الإيداعَ زِيَادَة في حُجَّتِه، وشَهادَةَ البَيِّنةِ بها تقْوِيَة لها، فلا يجوزُ أن تكونَ مُبْطِلَةً لبَيِّنَتِه. وإنِ ادَّعَى الخارِجُ أنَّ الدَّاخِلَ غصَبَه إيَّاها، وأقاما بَيِّنَتَيْن، [قُضِىَ للخارِجِ] (٣). ويَقْتَضِى قولُ القاضِى أنَّها للدَّاخِلِ. والأوْلَى ما ذَكَرْناه.
стр. 14390
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن كان في يَدِ رَجُلٍ جِلْدُ شاةٍ مَسْلوخَةٍ، ورَأسُها وسوَاقِطُها وبَاقِيها في يَدِ آخَرَ، فادَّعَاها كُل واحدٍ منهما جميعَها (١)، ولا بَيِّنَةَ لَهما ولا لأحَدِهما، فلكلِّ واحدٍ منهما ما في يَدِه مع يَمِينِه. وإن أقاما بَيِّنَتَيْن، وقُلْنا: تقَدَّمُ بَيِّنَةُ [لخارجِ. فلكلِّ واحدٍ منهما ما في يدِ صاحبِه. وإن قُلْنا: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ] (٢) الدَّاخِلِ. فلكُلِّ واحِدٍ منهما ما في يَدِه مِن غيرِ يَمِينٍ.
فصل: فإن كان في يَدِ كلِّ واحِدٍ منهما شاةٌ، فادَّعَى كلُّ واحِدٍ منهما أنَّ الشَّاةَ التي في يَدِ صاحِبِه له، ولا بَيِّنةَ لهما، حَلَفَ كلُّ واحدٍ منهما لصاحِبِه، وكانتِ الشَّاةُ التي في يَدِه له. وإن أقاما بَيِّنتَيْن، فلكلِّ واحدٍ منهما الشَّاةُ التي في يَدِ صاحِبِه، ولا تَعارُضَ بينَهما. وإن كان كلُّ واحدٍ
стр. 14391
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال: هذه الشَّاةُ التي في يَدِكَ لي، مِن نِتاجِ شَاتِى هذه. فالتَّعَارُضُ في النِّتَاجِ، لا في المِلْكِ. وإنِ ادَّعَى كلُّ (١) واحدٍ منهما أنَّ الشاتَيْن له دُونَ صاحِبِه، وأقاما بَيِّنَتَيْن، تَعارَضَتا، وانْبَنَى ذلك على القَوْلِ في بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ والخَارِجِ، فَمَنْ قَدَّمَ بَيِّنَةَ الخَارِجِ، جعلَ لكلِّ واحدٍ منهما ما في يَدِ الآخَرِ، ومَنْ قَدَّمَ بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ، أو قَدَّمَها إذا شَهِدَتْ بالنِّتاجِ، جعلَ لكلِّ واحدٍ منهما ما في يَدِه.
فصل: إذا ادَّعَى زَيْدُ شاةً في يَدِ عمرو، وأقامَ بها بَيِّنَةً، فحَكَم له (٢) بها حَاكِمٌ، ثم ادَّعاها عمرو على زيدٍ، وأقامَ بها بَيِّنَةً؛ فإن قُلْنا: بَيِّنَةُ الخارِجِ مُقَدَّمَةٌ. لم تُسْمَعْ بَيِّنةُ عمرو؛ لأنَّ بَيِّنَةَ زَيْدٍ مُقَدَّمَة عليها. وإنْ قُلْنا: بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ مُقَدَّمَة. نظَرْنا في الحُكْمِ كيف وقَعَ؛ فإن كان حكمَ بها لزِيدٍ لأنَّ عمْرًا لا بَيِّنةِ له، رُدَّتْ إلى عمرو؛ لأنّه قد قامَتْ له بَيِّنَة، واليدُ كانَت له، وإن كان حَكَم بها لزيدٍ لأنَّه يرى تَقْديمَ بَيِّنَةِ الخَارِجَ، لم يُنْقَضْ حُكْمُه؛ لأنَّه حَكَمَ بما يسُوغُ الاجْتِهادُ فيه. وإن كانت بَيِّنَةُ عمرو قد شَهِدَت له أيضًا، ورَدَّها الحاكِمُ لفِسْقِها، ثم عُدِّلَتْ، لم يُنْقَضِ الحُكْمُ
стр. 14392
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أيضًا؛ لأنَّ الفَاسِقَ إذا شَهِدَ عندَ الحاكمِ بشَهادَةٍ فرَدَّها لِفسْقِه، ثم أعادَها بعدُ، لم تُقْبَلْ. وإن لم يُعْلَمِ الحُكْمُ كيف كان، لم يُنْقَضْ؛ لأَّنَّه حُكْمُ حاكمٍ، الأصْلُ جَرَيانُه على العَدلِ والصِّحَّةِ، فلا يُنْقَضُ بالاحْتِمالِ. وإن جاء ثالِثٌ، فادَّعاها، وأقامَ بها بَيِّنةً، فبَيِّنتُه وبَيِّنةُ زيدٍ مُتَعارِضَتَان، ولا يَحْتاجُ زيدٌ إلى إقامَةِ بَيِّنةٍ؛ لأنَّها قد شَهِدَتَ مَرَّةً، وهما سواءٌ في الشَّهادَةِ حالَ التَّنازُعِ، فلم يَحْتَجْ إلى إعادَتِها، كالبَيِّنةِ إذا شَهِدَتْ، ووَقَف الحُكْمُ على البَحْثِ عن حالِها، ثم بانَتْ عَدَالَتُها، فإنَّها تُقْبَلُ، ويُحْكَمُ بها مِن غيرِ إعادَةِ شَهادَتِها (١)، كذا ها هُنا.
فصل: وإذا كان في يَدِ رَجُلٍ شاةٌ، فادَّعاها رَجُل أنَّها له منذ سنَةٍ، وأقامَ بذلك بَيِّنَةً، وادَّعَى الذي هي في يَدِه أنَّها في يَدَيْه منذُ سَنَتَيْن، وأقامَ بذلك بَيِّنَةً، فهي للمُدَّعِى، بغيرٍ خِلافٍ؛ لأنَّ بَيِّنَتَه تَشْهَدُ له بالمِلْكِ، وبَيِّنَةُ الدَّاخِلِ تَشْهَدُ باليَدِ خاصَّةً، فلا تعارُضَ بينَهما؛ لإمْكانِ الجَمْعِ بينَهما، بأن تكونَ اليَدُ عن غيرِ مِلْكٍ، فكانت بَيِّنَةُ المِلْكِ أوْلَى. وإن شَهِدَتْ بَيِّنَتُه بأنَّها مِلْكُه منذ سَنَتَيْن، فقد تَعارَضَ تَرْجِيحَان، تَقْديمُ التَّارِيخِ مِن بَيِّنَةَ الدَّاخلِ، وكَوْنُ الأخْرَى بَيِّنَةَ الخارِجِ، ففيه رِوايَتان؛ إحدَاهما، تُقَدَّمُ بَيِّنةُ الخَارِجِ. وهو قَوْل أبي يوسفَ، ومحمدٍ، وأبي ثَوْرٍ.
стр. 14393
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويَقْتَضِيه عُمومُ كَلامِ الخِرَقِىِّ؛ لقَوْلِه ﵊: «الْبَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِى» (١). ولأنَّ بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ يجوزُ أن يكونَ مُسْتَنَدُها اليَدَ، فلا تُفِيدُ أكثرَ ممَّا تُفِيدُه اليَدُ، فأشْبَهَتِ الصُّورَةَ الأولَى. والثانيةُ، تُقَدَّمُ بَيِّنةُ الدَّاخِلٍ. [وهو قولُ أبي حنيفةَ، والشافعىِّ؛ لأنَّها تَضَمَّنَتْ زِيادَةً.
وإن كانتْ بالعَكْسِ، فشَهِدَتْ بَيَنَةُ الدَّاخِلِ] (٢) أنَّه يَمْلِكُها منْذُ سَنَةٍ، وشَهِدَتْ بَينهُ الخارِجِ أنَّه يَمْلِكُها منذُ سَنَتَيْن، قُدِّمتْ بَيِّنَةُ الخارِجِ، إلُّا على الرِّوايةِ التي تُقَدَّمُ فيها بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ، فيُخَرَّجُ فيها وَجْهان، بِناءً على الرِّوَايَتَيْن في التي قبلَها. وظَاهِرُ مذهبِ الشافعىِّ تَقْدِيمُ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ على كلِّ حالٍ. وقال بعضُهم: فيها قَوْلان. فإنِ ادَّعَى الخارِجُ أنَّها مِلْكُه منذُ سَنَةٍ، وادَّعَى الدَّاخِلُ أنَّه اشْتَرَاها منه منذُ سَنَتَيْن، وأقامَ كلُّ واحدٍ منهما بَيِّنَةً، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ. ذكَرَه القاضى. وهو قَوْلُ أبي ثَوْرٍ. فإنِ اتَّفَقَ تارِيخُ البَيِّنتَيْن، إلَّا أنَّ بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ تَشْهَدُ بنِتَاجٍ، أو شِراءٍ، أو غَنِيمةٍ، أو إرْثٍ، أو هِبَةٍ مِن مالكٍ، أو قَطِيعَةٍ مِن الِإمامِ، أو سَبَبٍ مِن أسْبابِ المِلْكِ، ففي أيِّهما تُقَدَّمُ رِوَايَتان (٣) ذَكَرْناهُما. فإنِ ادَّعَى أحدُهما (٤) أنَّه اشْتَراها مِن الآخَرِ، قُضِىَ له بها؛ لأنَّ بَيِّنَةَ الابتِياعِ شَهِدَتْ بأمْرٍ حادِثٍ،
стр. 14394
فَصْل: الْقِسْمُ الثَّانِي، أنْ تَكُونَ العَيْنُ في يَدَيْهِمَا، فَيَتَحَالَفَانِ، وَتُقْسَمُ بَيْنَهُمَا.
ــ
خَفِىَ على البَيِّنةِ الأخْرَى، فقُدِّمَتْ عليها، كما تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الجَرْحِ (١) على التَّعْدِيلَ.
فصل: قال الشيخُ، ﵀: (القسمُ الثاني، أن تكونَ العَيْنُ في يَدَيْهِما، فيَتَحالَفان، وتُقْسَمُ بينَهما) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا تَنازَعَ نَفْسانِ في عَيْن في أيدِيهما، فادَّعَى كلُّ واحدٍ منهما أنَّها له دُونَ صاحِبِه؛ ولم تكنْ لهما بَيِّنَة، حَلَف كلُّ واحدٍ منهما لصاحِبِه، وجُعِلَتْ بينَهما نِصْفَيْن.
لا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا؛ لأنَّ يَدَ كُلِّ واحدٍ منهما على نِصْفِها، والقَوْلُ قولُ صَاحِبِ اليَدِ مع يَمِينِه. وإن نَكَلا جَمِيعًا عن اليَمِينِ، فكذلك؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَسْتَحِقُّ ما في يَدِ الآخَرِ بنُكُولِه. وإن نَكَل أحَدُهما، وحَلَف الآخَرُ، قُضِىَ له بجَمِيعِها؛ لأَّنَّه يَسْتَحِقُّ ما في يَدِه بيَمِينه، وما في يَدِ الآخَرِ. بنُكُولِه، أو بيَمِينِه التي رُدَّتَ عليه بنُكُولِ صَاحِبِه. [وإن كان لأحَدِهما بَينةٌ دُونَ الآخَرِ، حُكِمَ له بها، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه؛ لأنَّه تَرَجَّحَ بالبَيِّنَةِ] (٢).
стр. 14395
وإنْ تَنَازَعَا مُسَنَّاةً بَيْنَ نَهْرِ أحَدِهِمَا وَأرْضِ الْآخَرِ، [٣٤١ و] تَحَالَفَا، وَهِيَ بَيْنَهُمَا. وإنْ تَنَازَعَا صَبِيًّا في يَدَيْهِمَا، فَكَذَلِكَ.
ــ
٤٩٧٩ - مسألة: (وَإن تَنازَعا مُسَنَّاةً (١) بينَ نهْرِ أحَدِهما وأرْضِ الآخَرِ، تَحالَفا، وهي بينَهما) لأنَّها حاجِز بينَ مِلْكَيْهِما، فكانتْ يَدُهما عليه، كما لو تَنازَعا حائطًا بينَ دَارَيْهما. وفي كلِّ مَوْضِعٍ قُلْنا: هو بَيْنَهما نِصْفَيْن. إنَّما يَحْلِفُ كلُّ واحدٍ منهما على النِّصْفِ الذي يجْعَلُه له دونَ ما لا يحْصُلُ له.
٤٩٨٠ - مسألة: (وإن تَنازَعا صَبِيًّا في يَدَيْهِما، فكذلك) لأنَّ
стр. 14396
وَإِنْ كَانَ مُمَيِّزًا، فَقَالَ: إنِّي حُرُّ. فَهُوَ حُرُّ، إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَة بِرِقِّهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَالطِّفْلِ.
ــ
يَدَيْهما عليه، واليَدُ دَلِيلُ المِلْكِ، والطِّفْلُ لا يُعَبِّرُ عن نفْسِه، فهو كالبَهِيمَةِ والمتاعِ، إلَّا أن يُعْرَفَ (١) أنَّ سَبَبَ يَدِه غيرُ المِلْكِ، مثلَ أن يَلْتَقِطَه، فلا تُقْبَلُ دَعْواه لرِقِّه؛ لأنَّ اللَّقِيطَ مَحْكُومٌ بحُرِّيته، فأمَّا غيرُه فقد وُجِدَ فيه دليلُ المِلْكِ مِن غيرِ مُعارِض، فيُحْكَمُ برِقه. فعلى هذا، إذا بَلَغ، فادَّعَى الحُرِّيَّةَ، لم تُسمَعْ دَعْواهُ؛ لأنَّه مَحْكُومٌ برِقِّه قبلَ دَعْواهُ (فأمَّا إن كان مُمَيِّزًا، فقال: إنِّي حُرٌّ) مُنِعا منه (إلَّا أن تَقُومَ بَيِّنَةٌ برِقِّه) لأنَّ الظَّاهِرَ الحُرِّيّةُ، وهي الأصْلُ في بَنِي آدَمَ، والرِّق طارِئٌ عليها، فإن كان له بَيِّنَةٌ، قُدِّمتِ البَيِّنَةُ؛ لأنّها تُقَدّمُ على الأصْلِ؛ لأنَّها تَشْهَدُ بزِيادَةٍ (ويَحْتَمِلُ أن يكونَ كالطِّفْلِ) فيكونُ بينَهما؛ لأنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ، أشْبَهَ الطِّفْلَ. والأوَّلُ
أوْلَى؛ لأنَّ المُمَيِّزَ يَصِحُّ تَصَرُّفُه بالوَصِيَّةِ، ويلْزَمُ بالصّلاةِ، أشْبَهَ البَالِغَ،
стр. 14397
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولأنَّه يُعْرِبُ عن نَفْسِه في دَعْوَى الحُرِّيَّةِ، أشْبَهَ البَالِغَ. فأمَّا البالِغُ إذا ادَّعَى رِقَّه فأنْكَرَ، لم يَثْبُتْ رِقُّه إلَّا ببَيِّنَةٍ. وإن لم تكُنْ له بَيِّنَة، فالقَوْلُ قَوْلُه مع يَمِينِه في الحُرِّيةِ؛ لأنَّها الأصْلُ. وهذا مذهبُ الشافعىِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأصحابِ الرأىِ. فإنِ ادَّعَى رِقَّه اثْنَانِ، فأقرَّ لهما بالرِّقِّ، ثَبَتَ رِقُّه.
فإنِ ادَّعاه كلُّ واحدٍ منهما لِنَفْسِه، فاعْتَرَفَ لأحَدِهما، فهو لمَن اعْتَرَفَ له. وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفةَ: يكونُ بينَهما نِصْفَيْن؛ لأنَّ يَدَهما عليه، فأشْبَهَ الطِّفْلَ والثَّوْبَ. ولَنا، أنَّه إنَّما ثَبَتَ رِقُّه باعْتِرافِه، فكان مَمْلُوكًا لمَن اعْتَرَفَ له، كما لو لم تكُنْ يَدُه عليه. ويُخالِفُ الثوْبَ والطِّفْلَ؛ فإنَّ المِلْكَ حَصَلَ فيهما باليَدِ، وقد تَساوَيا فيها، وَها هُنا حصَلَ بالاعْتِرَافِ، وقد اخْتَصَّ به أحَدُهما، فكان مُخْتَصًّا به. فإن أقامَ كُلُّ واحِدٍ منهما (١) بَيِّنَةً أنَّه مَمْلُوكُه، تعارَضَتا، وسَقَطَتا، ويُقْرَعُ بينَهما، أو يُقْسَمُ بينَهما، على ما مَرَّ مِن التفْصِيل. فإن قُلْنا بسُقُوطِهما, ولِم يَعْتَرِفْ لهما بالرِّقِّ، فهو حُرٌّ، وإنِ اعْتَرَفَ لأحَدِهما، فهو لمن اعْتَرَف له، وإن أقَرَّ لهما معًا، فهو بينَهما؛ لأن البَيِّنَتَيْن سَقَطَتا، فصارَتَا كالمعْدُومَتَيْن. وإن قُلْنا بالقُرْعَةِ أو بالقِسْمَةِ، فأنْكَرَهما، لم يُلْتَفَتْ إلى إنْكارِه، وإنِ اعْتَرَفَ لأحَدِهما، لم يُلْتَفَتْ إلى اعْتِرافِه؛ لأنَّ رِقَّه ثابِتٌ بالبَيِّنَةِ، فلم يبْقَ له يَدٌ على نَفْسِه، كما قُلْنا فيما إذا ادَّعَى رَجُلان دارًا في يَدِ ثَالثٍ، وأقامَ كُلُّ واحدٍ
стр. 14398
فَإنْ كَانَ لِأحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ، حُكِمَ لَهُ بِهَا. وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ بَيِّنَةٌ، قُدِّمَ أسْبَقُهُمَا تَارِيخًا، فَإنْ وُقِّتَتْ إحْدَاهُمَا، وَأطْلِقَتِ الأخْرَى، فَهُمَا سَوَاءٌ. ويَحْتَمِلُ تَقْدِيمُ المُطْلَقَةِ.
ــ
بَيِّنَةً أنها مِلْكُه، واعْتَرَفَ أنَها ليستْ له، ثم أقَرَّ بها (١) لأحَدِهما، لم يُرَجَّحْ بإقْرارِه.
٤٩٨١ - مسألة: (وإن كان لأحدِهما بَيِّنَةٌ، حُكِمَ له بها) لأنَّه تَرَجَّحَ بالبَيِّنةِ (وإن كان لكلِّ واحدٍ) منهما (بَيِّنَة، قُدِّمَ أسْبَقُهما تارِيخًا، فإن وُقِّتَتْ إحْدَاهُما، وأطلقَتِ الأخرى، فهما سَواء. ويَحْتَمِلُ تَقْدِيمُ المُطْلَقَةِ) أنا إذا أقامَ كل واحدٍ منهما بَيِّنَةً، وتَساوَتا، تعارَضَتا، وقُسِمَتِ العَيْنُ بينَهما نِصْفَيْن. وبهذا قال الشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأىِ؛ لِما رَوَى أبو موسى، أنَّ رَجُلَيْن اخْتَصَما إلى رسولِ الله ﷺ في بعيرٍ، فأقامَ كلُّ واحدٍ منهما شاهِدَيْن، فقَضَى رسولُ الله ﷺ بالبَعيرِ بينَهما نِصْفيْن. رَواه أبو داودَ (٢). ولأنَّ كلَّ واحدٍ منهما داخِلٌ في نِصْفِ العَيْنِ، خارِجٌ في نِصْفِها، فتُقَدَّمُ بَيِّنةُ كلٌ واحِدٍ منهما
стр. 14399
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فيما في يَدِه، عندَ مَن يُقَدِّمُ بَيِّنَةَ الدَّاخِل، وفيما في يَدِ صَاحِبِه، عندَ مَن يُقَدِّمُ بَيِّنَةَ الخَارِجِ، فيَسْتَوِيان على كلْ واحِدٍ مِن القَوْلَيْن.
٤٩٨٢ - مسألة: وإن كانتْ إحداهُما مُتَقَدِّمةَ التَّارِيخِ، قُدِّمَت (١) وحُكِمَ بهَا (٢)، مثلَ أن تَشْهَدَ إحْداهُما أنَّها له منذُ سنةٍ،
وتَشْهَدَ الأخْرَى أنَّها للآخَرِ منذُ سَنَتَيْن، فتُقَدَّمُ أسْبَقُهما تارِيخًا. قال القاضى: هو قِياسُ المذهبِ. وهو قَوْلُ أبي حنيفةَ، وأحَدُ قَوْلَىِ الشافعيِّ؛ لأن المُتَقَدِّمَةَ التَّارِيخِ أثْبَتَتِ المِلْكَ له في وقْتٍ لم تُعارِضْه فيه البَيِّنَةُ الأخْرَى، فيَثْبُتُ المِلْكُ فيه، ولهذا له المُطالَبَةُ بالنَّماءِ في ذلك الزَّمانِ،
стр. 14400
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وتَعارَضَتِ البَيِّنَتان في المِلْكِ في الحال، فسَقَطَتا، وبَقِىَ مِلْكُ السابِقِ تحتَ اسْتِدامَتِه، وأن لا يَثْبُتَ لغَيْرِه مِلْكٌ إلَّا مِن جِهَتِه. وظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ التَّسْوِيَةُ بينَهما. وهو أحَدُ قَوْلَىِ الشافعيِّ. ووَجْهُه أنَّ الشاهِدَ بالمِلْكِ الحادِثِ أحَقُّ بالتَّرْجِيحِ؛ لجوازِ أن يَعْلَمَ به دُونَ الأوَّل، بدَلِيلِ أنَّه لو ذَكَر أنَّه اشْتَراه مِن الآخَرِ، أو وَهَبَه إيَّاه، لقدِّمَت بَيِّنَتُه اتِّفاقًا، فإذا لم يُرَجَّحَ بها، فلا أقَلَّ مِن التَّساوِى. وقولُهم: إنَّه يَثْبُتُ المِلْكُ في الزَّمانِ الماضِى مِن غيرِ مُعارَضَةٍ. قُلْنا: إنَّما يَثْبُتُ تَبَعًا لثُبُوتِه في الحالِ، ولو انْفَرَدَ بأن
يَدَّعِىَ المِلْكَ في الماضي، لم تُسْمَعْ دَعْواه ولا بَيِّنَتُه.
٤٩٨٣ - مسألة: فإن وُقِّتَت إحداهُما وأطْلِقَتِ الأخْرَى ، فهما
стр. 14401
وَإِنْ شَهِدَتْ إحْدَاهُمَا بِالْمِلْكِ، وَالأخْرَى بِالْمِلْكِ وَالنِّتاَجِ أَوْ سَبَبٍ مِنْ أسْبَابِ الْمِلْكِ، فَهَلْ تُقَدَّمُ بِذَلِكَ؟ عَلَى وَجْهَيْن.
ــ
سَواءٌ. ذَكَرَه القاضِى. ويَحْتَمِلُ أن يُحْكَمَ به لمَن لم (١) يُوَقِّتْ. قاله أبو الخَطَّابِ. وهو قولُ أبي يُوسُفَ، ومحمدٍ. ولَنا، أنَّه ليس في إحْداهما ما يَقْتَضِى التَّرْجِيحَ مِن تَقَدُّمِ المِلْكِ ولا غيرِه، فوَجَبَ اسْتِواؤُهما، كما لو أطلِقَا، أو اسْتَوَى تَارِيخُهما.
٤٩٨٤ - مسألة: (وإن شَهِدَتْ إحداهما بالمِلْكِ، والأخْرَى بالمِلْكِ والنِّتاجِ، أو سَبَبٍ مِن أسبابِ الملْكِ، فهل تُرَجَّحُ بذلك؟ على وَجْهَيْن) إحداهما، لا تُرَجَّحُ به. وهو اخْتِيارُ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّهما تَسَاوَتا فيما يَرْجِعُ إلى المُخْتَلَفِ فيه، وهو مِلْكُ العَيْنِ الآنَ، فوَجَبَ تَساوِيها
стр. 14402
وَلَا تُقَدَّمُ إِحْدَاهُما بكَثْرَةِ الْعَدَدِ، وَلَا اشْتِهَارِ العَدَالَةِ، وَلَا الرَّجُلَانِ عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَتَيْنِ، وَيُقَدَّمُ الشَّاهِدَانِ عَلَى الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ،
في أحَدِ الْوَجْهَيْنَ.
ــ
في الحُكْمِ. والثاني، تُقَدَّمُ بَيِّنةُ النِّتاجِ وما في مَعْناه. وهو مذهبُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّها تتَضَمَّنُ زِيادَةَ عِلْم، وهو مَعْرِفَةُ السَّبَبِ، والأخْرَى خَفِىَ عليها ذلك، فيَحْتَمِلُ أن تكونَ شَهادَتُها مُسْتَنِدَةً إلى مُجَرَّدِ اليَدِ والتَّصَرُّفِ، فتُقَدَّمُ الأولَى عليها، كتقديمِ بَيِّنةِ الجَرْحِ (١) على التَّعْدِيلِ. وهذا قَوْلُ القاضى فيما إذا كانتِ العَيْنُ في يَدِ غيرِهما.
٤٩٨٥ - مسألة: (ولا تُقَدَّمُ إحداهُما بكَثْرَةِ العَدَدِ، ولا اشْتِهارِ العَدَالَةِ، ولا الرَّجُلانِ على الرجلِ والمرأتَيْن، وَيُقَدَّمُ الشَّاهِدانِ على الشاهِدِ واليَمِينِ، في أحَدِ الوَجْهَيْن) لا تُرَجَّحُ إحْدَى البَينتَيْنِ بكَثْرَةِ العَدَدِ، واشْتهارِ العَدالةِ. وهو قَوْلُ أبي حنيفةَ، والشافعي. ويتَخَرَّجُ أنْ تُرَجَّحَ
стр. 14403
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بذلك، مَأخُوذًا مِن قَوْلِ الخِرَقِىِّ: ويُقَدِّمُ الأعْمَى أوْثَقَهُما في نَفْسِه. وهذا قَوْلُ مالكٍ؛ لأنَّ أحَدَ الخَبَرَيْن يُرَجَّحُ بذلك، فكذلك الشهادَةُ؛ لأنَّها (١) خَبَرٌ، ولأنَّ الشَّهادَةَ إنَّما اعْتُبِرَتْ لغَلَبَةِ الظَّنِّ بالمَشْهُودِ به، وإذا محَرُ العَدَدُ أو قَوِيَتِ العَدالَةُ، كان الظَّنُّ أقْوَى. وقال الأوْزَاعِى: تُقْسَمُ على عدَدِ الشهودِ، فإذا شَهِد لأحَدِهما شاهِدان، وللآخَرِ أرْبعة، قُسِمَتِ العَيْنُ بينَهما أثْلاثًا؛ لأنَّ الشَّهادةَ سَبَبُ الاسْتِحْقاقِ، فتَوَزَّعَ الحقُّ عليها. ولَنا، أنَّ الشَّهادَةَ مُقَدَّرَة بالشَّرْعِ، فلا تَخْتَلِفُ بالزِّيادَةِ، كالدِّيةِ، بخِلافِ الخَبَر، فإَّنه مُجْتَهَدٌ في قَبُولِ خبَرِ الواحدِ دُونَ العَدَدِ، فرَجَحَ بالزِّيَادَةِ، والشَّهادَةُ مُتَّفَق فيها على خَبَرِ الاثْنَيْن، فصارَ الحُكْمُ مُتَعَلِّقًا بهما دُونَ اعْتِبارِ الظَّنِّ، ألا تَرى أنَّه لو شَهِدَ النِّساءُ مُنْفَرداتٍ، لا تُقْبَلُ شَهادَتُهُنَ، وإن كَثُرْنَ حتى صارَ الظَّنُّ بشَهادَتِهنَّ
стр. 14404
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أغْلَبَ مِن شهادةِ الذَّكَرَيْن؟ وعلى هذا لا تُرَجَّحُ شَهادَةُ الرَّجُلَيْن على شهادةِ الرَّجُلِ والمَرْأتَيْن في المالِ؛ لأنَّ كُلَّ واحدةٍ مِن البَيِّنَتَيْن حُجَّةٌ في المالِ، فإذا اجْتَمَعتا تَعارَضَتا. فأمَّا إن كان لأحَدِهما شاهِدان، وللآخَرِ شاهِدٌ، فبَذَلَ يَمِينَه معه، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما (١)، يَتَعارَضان؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَساوَتا، تَعارَضَتا، وقُسِمَتِ العَيْنُ بينَهما (١) نِصْفَيْن؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ أبي موسى، وما ذَكَرْناه مِن المعْنى. واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ، هل يَحْلِفُ كلُّ واحدٍ منهما على النِّصْفِ المَحْكُومِ له به، أو يكونُ له مِن غيرِ يَمِينٍ؟ فرُوِىَ عنه (٢) أنّه يَحْلِفُ. وهو الذي ذَكَرَه الخِرَقِىُّ؛ لأن البَيَّنتَيْن لما تَعارَضتا مِن غيرِ تَرْجِيح، وجَب إسْقاطُهما، كالخَبَريْن إذا تَعارَضا وتَساوَيا، وإذا سَقَطا، صار المُخْتَلِفان كمَن لا بَيِّنَةَ لهما، ويَحْلِفُ كلُّ واحدٍ منهما على النِّصْفِ المَحْكُومِ له به. وهذا أحَدُ قَوْلَىِ الشافعىِّ، بِناءً على أنَّ اليَمِينَ تجِبُ على الداخِلِ مع بَيِّنَتِه، [وكلُّ واحدٍ منهما داخلٌ في نِصْفِها، فَيُحْكَمُ له به ببَيِّنَتِه] (٣)، ويَحْلِفُ معها. والرِّواية الأخرَى، تُقْسَمُ بينَهما العَيْنُ مِن غيرِ يَمِينٍ. وهذا قَوْلُ مالكٍ، وأبي حنيفةَ، والقَوْلُ الثاني للشافعىِّ. وهو أصَحُّ، إن شاءَ اللهُ، للخَبَرِ والمعْنَى الذي ذَكَرْناه،
стр. 14407
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولا يَصِحُّ قِياسُ هاتَيْن البَيِّنتَيْن على الخَبَرَيْن المُتَساوِيَيْن؛ لأنَّ كلَّ بَيِّنَةٍ راجِحَةٌ في نِصْفِ العَيْنِ، على كلِّ واحِدٍ مِن القَوْلَيْن. وقد ذَكَرْنا أن البَيِّنةَ
стр. 14408
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الراجِحةَ (١) يُحْكَمُ بها مِن غيرِ يمِينٍ. وفيه رِوايَةٌ أخْرَى، أنَّه يُقْرَعُ بينَهما، فمَن خَرَجَتْ له القُرْعَةُ، حَلَف أنَّها له، لا حَقَّ للآخَرِ فيها، وكانتِ العَيْنُ له، كما لو كانتْ في يَدِ غيرِهما. ذكرَ هذه الرِّوايَةَ أبو الخَطَّابِ. والأولَى أصَحُّ، إنْ شاءَ اللهُ تعالى، للخَبَرِ والمَعْنى.
стр. 14409
فَإنِ ادَّعَى أحَدُهُمَا أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ زَيْدٍ، لَمْ تُسْمَعِ البَينةُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يَقُولَ: وَهِيَ مِلْكُهُ. وَتَشْهَدَ [٣٤١ ظ] البَيِّنَةُ بِهِ.
ــ
٤٩٨٧ - مسألة: (فإنِ ادَّعَى أحَدَّهما أنَّه اشْتَراها مِن زيدٍ، لم تُسْمَعِ البَيِّنَةُ على ذلك حتى يَقُولَ: وهي مِلْكُه. وتَشْهَدَ البَيِّنَةُ به) وجملةُ ذلك، أنَّه متى كان في يَدِ رَجُلٍ عَيْنٌ، فادَّعَى آخَرُ أنَّه اشْتَراها مِن زيدٍ، وهي ملْكُه، وأقامَ بذلك بَيِّنَةً، حُكِم له بها؛ لأنَّه ابْتاعَها مِن مالِكِها، وكذا إن شَهِدَتْ أنَّه باعَه إيَّاها وسَلَّمَها إليه، حُكِمَ له بها؛ لأنَّه لم يُسَلِّمْها إليه إلَّا وهي في يَدِه. وإن لم تَذْكُرْ إلَّا التّسْلِيمَ، لم يُحْكَمْ له (١) بها؛ لأنَّه
стр. 14410
فَإنِ ادَّعَىِ أحَدُهُمَا انَهُ اشْتَرَاهَا مِنْ زَيْدٍ، وَهِيَ مِلْكُهُ، وَادَّعَى الآخَرُ أنهُ اشْتَرَاهَا مِنْ عَمْرٍو، وَهِيَ مِلْكُهُ، وَأقَامَا بِذَلِكَ بَيِّنَتَيْنِ، تَعَارَضَتَا.
ــ
يُمْكِنُ أنْ يَبِيعَه ما لا يَمْلِكُه، فلا تُزالُ يدُ (١) صاحِب اليَدِ (فإنِ ادَّعَى أحَدُهما أنَّه اشْتَراها مِن زيدٍ، وهي مِلْكُه، وادْعَى الآخَرُ أنَّه اشْتَراها مِن عمرٍو، وهي مِلْكُه، وأقاما بذلك بَيِّنَتَيْن، تَعارَضَتا) فإن كانت في يَدِ أحَدِهما، انْبَنَى ذلك على الرِّوايَتَيْن في تَقْديمِ بَيِّنَةِ الخارِجِ والداخِل. فإن كانت في أيْدِيهِما، قُسِمَتْ بينَهما؛ لأنَّ بَيِّنَةَ كلِّ واحدٍ منهما داخِلَةٌ في أحَدِ النِّصْفَيْن، خارِجَةٌ عن النِّصْفِ الآخَرِ. وإن كانتْ في يَدِ أحَدِ البائِعَيْن، فأنْكَرَهما، وادَّعاها لنَفْسِه، فإن قُلْنا: تسْقُطُ البَيِّنَتان. حَلَف، وكانتْ له. وإن أقَرَّ بها لأحَدِهما، صارَ الدَّاخِلَ، إلَاّ أن يُقِرَّ له (١) بعدَ أن يَحْلِفَ أنَّها له. وإن قُلْنا: يُقَدَّمُ أحَدُهما بالقُرْعَةِ. فهي لمَن تَخْرُجُ له القُرْعَةُ مع يَمِينِه. وإن قُلْنا: تُقْسَمُ بينَهما. قُسِمَتْ، ورَجَع كلُّ واحِدٍ منهما بنِصْفِ ثَمَنِها. فإن كان المَبِيعُ ممّا يدْخُلُ في ضَمانِ المُشْتَرِى بنَفْسِ
стр. 14411
وَإِنْ أَقَامَ أحَدُهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهَا مِلْكُهُ، وَأقَامَ الآخَرُ بَيِّنَةً أنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْهُ، أَوْ وَقَفَهَا عَلَيْهِ، أَوْ اعْتَقَهُ، قُدِّمَتْ بَيِّنتُهُ.
وَلَوْ أقامَ رَجُل بَيِّنَةً أنَّ هَذِهِ الدَّارَ لأبِى، خَلَّفَهَا تَرِكَةً، وَأقَامَتِ
ــ
العَقْدِ، أو كان المُشْتَرِى مُقِرًّا بقَبْضِه، فلا خِيارَ لواحِدٍ منهما ولا الرُّجوع بشئٍ مِن الثَّمَنِ؛ لاعْتِرافِه بسُقُوطِ الضَّمانِ عن البَائِعِ، وإن كان مِن المَكِيل والمَوْزُونِ، ولم يُقْبَضْ، فلكلِّ واحدٍ منهما الخِيارُ في الفَسْخِ والإمْضاءِ، فإنِ اخْتارَ أحَدُهما الفَسْخَ، لم يَتَوفَّرِ المَبِيعُ على الآخَرِ؛ لأنَّ البَائِعَ اثْنان. والله أعلمُ.
٤٩٨٨ - مسألة: (وإن أقامَ أحَدُهما بَيِّنَةً أنَّها مِلْكُه، وأقامَ الآخَرُ بَيِّنَةً أنَّه اشْتَراها منه، أو أعْتَقَه، قُدِّمَتْ بَينهُ الثَّانِي) لأنَّها تَشْهَدُ بأمْرٍ حادِثٍ على المِلْكِ، خَفِىَ على بَيِّنةِ المِلْكِ، ولا تَعارُضَ بينَهما، فيَثْبُتُ المِلْكُ للأوَّلِ والشِّراءُ منه للثاني.
٤٩٨٩ - مسألة: (وَلو أقامَ رَجُلٌ بَيِّنَةً أنَّ هذه الدَّارَ لأبِى، خَلَّفَهَا
стр. 14412
امْرَأَتُهُ بَيِّنَةً أَنَّ أَبَاهُ أَصْدَقَهَا إِيَّاهَا، فَهِىَ لِلْمَرْأَةِ.
فَصْلٌ: الْقِسْمُ الثَّالِثُ، تَدَاعَيَا عَيْنًا فِى يَدِ غَيْرِهِمَا، فَإِنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ، حَلَفَ وَأَخَذَهَا.
ــ
تَرِكَةً، وأقامَتِ امْرأتُهُ بَيِّنَةً أنَّ أباه أصْدَقَها إِيَّاها، فهى للمرْأةِ) لِما ذَكَرْنا.
فصل: قال، رَضِىَ اللهُ عنه: (القِسْمُ الثالثُ، تَداعَيا عَيْنًا في يَدِ غيرِهما، فإنَّه يُقْرَعُ بينَهما، فَمَنْ خرَجَتْ له القُرْعَةُ، حَلَف) أنَّها له
(وأخَذَها) وجملةُ ذلك، أنَّ الرَّجُلَيْن إذا تَداعَيا عَيْنًا في يَدِ غيرِهما، ولا بَيِّنَةَ لهما، فأنْكَرَهما، فالقوْلُ قَوْلُه مع يَمِينِه، بغيرِ خِلافٍ. وإنِ اعْتَرَفَ أنَّه لا يَمْلِكُها، وقال: لا أعْرِفُ صاحِبَها. أو قال: هى
стр. 14413
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لأحَدِكُما، لا أعْرِفُه عَيْنًا (١). أُقْرِعَ بينَهما، فمَنْ قَرَع صاحِبَه، حَلَف أنَّها له، وسُلِّمَتْ إليه؛ لِما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ رَجُلَيْن تَداعَيا عَيْنًا، لم تَكُنْ لواحِدٍ منهما بَيِّنَة، فأمَرَهما النبىُّ ﷺ أنْ يَسْتَهِمَا على اليَمِينِ، أحَبَّا أم كَرِهَا. روَاه أبو داودَ (٢). ولأنَّهما تَساوَيا في الدَّعْوى،
стр. 14414
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولا بَيِّنَةَ لواحِدٍ منهما ولا يدَ، والقُرْعَةُ تُمَيِّزُ عندَ التَّساوِى، كما لو أعْتَقَ عَبِيدًا لا (١) مالَ له غيرُهم في مَرَضِ مَوْتِه.
стр. 14415
فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَبْدًا، فَأَقَرَّ لأَحَدِهِمَا، لَمْ يُرَجَّحْ بِإِقْرَارِهِ، وَإِنْ كَانَ لأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ، حُكِمَ لَهُ بِهَا.
وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ بَيِّنَة، تَعَارَضَتَا، وَالْحُكْمُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
ــ
٤٩٩٠ - مسألة: (فإن كان المُدَّعَى عَبْدًا، فأقَرَّ لأحَدِهما، لم يُرَجَّحْ بإقْرارِه) لأنَّه محْجُوزٌ عليه، أشْبَهَ الطِّفْلَ (فإن كانت لأحَدِهما بَيِّنَة، حُكِمَ له بها) بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه.
٤٩٩١ - مسألة: (وَإن كانَت لكلِّ واحدٍ) منهما (بَيِّنَة) فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، ذَكَرَهما أبو الخَطَّابِ؛ إحْداهما، تَسْقُطُ البَيِّنَتان، ويَقْتَرِعُ
المُدَّعِيَان على اليَمِينِ، كما لو لم تكُنْ بَيِّنةٌ. هذا الذى ذَكَرَه القاضى.
وهو ظاهِرُ كَلام الخِرَقِىِّ؛ لأنَّه ذَكَر القُرْعَةَ، ولم يُفَرِّقْ بينَ أن تكونَ معها بَيِّنَة أو لم تَكُنْ. رُوِىَ هذا عن ابنِ عمرَ، وابنِ الزُّبَيْرِ. وبه قال إسْحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ. وهو رِوايَةٌ عن مالكٍ، وقَدِيمُ قَوْلِ الشافعىِّ؛ لِما
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
التَّوَقُّفُ، كالحَاكِمِ إذا لم يَتَّضِحْ له الحُكْمُ في قَضِيَّةٍ. ولَنا، خَبَرُ أبى موسى، وخَبَرُ ابنِ المُسَيَّبِ، ولأنَّ تَعارُضَ الحُجَّتَيْن لا يُوجِبُ التَّوَقُّفَ، كالخَبَرَيْن (١)، بل إذا تَعَذَّرَ التَّرْجِيحُ أسْقَطْناهما، ورَجَعْنا إلى دَلِيلٍ غيرِهما. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّنا (٢) إذا أسْقَطْنا البَيِّنَتَيْن، أقْرَعْنا بينَهما، فمَن خَرَجَت له القُرْعَةُ، حَلَف وأخَذَها (٣)، كما لو لم تَكُنْ لهما بَيِّنَةٌ. وإن قُلْنا: يُعْمَلُ بالبَيِّنَتَيْن، ويُقْرَعُ بينَهما. فمَن خَرَجَت له القُرْعَةُ، أخَذَها مِن غيرِ يَمِينٍ. وهذا قَوْلُ الشافعىِّ؛ لأنَّ البَيِّنَةَ تُغْنِى عن اليَمِينِ. وقال أبو الخَطَّابِ: عليه اليَمِينُ مع بَيِّنَتِه، تَرْجِيحًا لها. وعلى هذا القَوْلِ تكونُ هذه الرِّوَايةُ كالأُولى، وإنَّما يَظْهَرُ اخْتِلافُ الحُكْمِ في شئ آخَرَ، سَنَذْكُرُه، إن شاء اللهُ تعالى.
стр. 14418
فَإِنْ أَقَرَّ صَاحِبُ الْيَدِ لِأَحَدِهِمَا، لَمْ يَتَرَجَّحْ بِذَلِكَ.
ــ
فصل: فإن أنْكَرَهما مَن العَيْنُ في يَدِه، وكانت لأحَدِهما بَيِّنَةٌ، حُكِمَ له بها. وإن أقامَ كلُّ واحِدٍ منهما بَيِّنَةً. فإن قُلْنا: تُسْتَعْمَلُ البَيِّنَتان. أُخِذَتِ العَيْنُ مِن يَدِه، وقُسِمَتْ بينَهما، على قَوْلِ مَن يَرَى القِسْمَةَ، أو (١) تُدْفَعُ إلى مَن تَخْرُجُ له القُرْعَةُ، عندَ مَن يَرَى ذلك. وإن قُلْنا: تَسْقُطُ البَيِّنَتَان.
حَلَف صاحِبُ اليَدِ، وأُقِرَّتْ في يَدِه، كما لو لم تَكُنْ لهما بَيِّنَةٌ.
٤٩٩٢ - مسألة: (فإن أقَرَّ صاحِبُ اليَدِ لأحَدِهما، لم يُرَجَّحْ) بإقْرارِه، إذا قُلْنا: لا تَسْقُطُ البَيِّنَتان. لأنَّه قد ثبتَ زَوالُ مِلْكِه، فصارَ كالأجْنَبِىِّ. وإن قُلْنا بسُقُوطِهما، فأقَرَّ بها لهما أو لأحَدِهما،
стр. 14419
وَإِنِ ادَّعَاهَا صَاحِبُ الْيَدِ لِنَفْسِهِ، فَقَالَ القَاضِى: يَحْلِفُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَهِىَ لَهُ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلْ يُقْرَعُ بَيْنَ المُدَّعِيَيْنِ، فَتَكُونُ لِمَنْ تَخْرُجُ لَهُ الْقُرْعَةُ.
ــ
قُبِلَ إقْرارُه. فأمَّا إنْ أقَرَّ بها في الاْبتِدَاءِ لأحَدِهما، صارَ المُقَرُّ له صاحِبَ اليَدِ؛ لأنَّ مَن هى في يَدِه مُقِرٌّ بأنَّ يدَه نائِبَةٌ عن يَدِه. وإن أقَرَّ لهما جميعًا، فاليَدُ لكلِّ واحدٍ منهما في الجُزْءِ الذى أقَرَّ له به؛ لذلك.
٤٩٩٣ - مسألة: (وإنِ ادَّعاها صاحِبُ اليَدِ لنَفْسِه) وقُلْنا بسُقُوطِ البَيِّنَتَيْن (حَلَف لكلِّ واحِدٍ منهما، وهى له) وهو قَوْلُ القاضى؛ لأنَّه صاحِبُ اليَدِ، وهو مُنْكِرٌ، فلَزِمَتْه اليَمِينُ؛ لقَوْلِ النبىِّ ﷺ : «اليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (١) (وقال أبو بكرٍ: بل يُقْرَعُ بينَ المُدَّعِيَيْنِ، فتكونُ لمَن تخْرُجُ له القُرْعَةُ) وهذا يَنْبَنِى على أنَّ البَيِّنَتَيْن إذا تَعارَضَتا لا يَسْقُطان،
стр. 14420
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فرَجُحَتْ إحْدَى البَيِّنَتَيْن بالقُرْعَةِ، كما لو أقَرَّ صاحِبُ اليَدِ أنَّها لأحَدِهما لا يَعْلَمُه بِعَيْنِه.
فصل: إذا تَداعَيا عيْنًا في يَدِ غيرِهما، فقال: هى لأحدِ كما لا أعْرِفُه عيْنًا. أو قال: لا أعْرِفُ صاحِبَها، أهو (١) أحدُكما أو غيرُكما. أو قال: أوْدَعَنِيها أحدُكما. أو: رَجُلٌ لا أعْرِفُه عيْنًا. فادَّعَى كلُّ واحِدٍ منهما أنَّك تَعْلَمُ أنِّى صاحِبُها، أو أنِّى أنا (٢) الذى أوْدَعْتُكَها، وطَلَبَ يَمِينَه، لَزِمَه أن يَحْلِفَ له؛ لأنَّه لو أقَرَّ له، لَزِمَه تَسْلِيمُها إليه، ومَن لَزِمَه الحَقُّ مع الإِقْرارِ، لَزِمَتْه اليَمِينُ مع الإِنْكارِ، ويحْلِفُ على ما ادَّعاه مِن نَفْىِ العلمِ.
وإن صَدَّقاهُ، فلا يَمِينَ عليه. وإن صَدَّقَه أحَدُهما، حَلَفَ للآخَرِ (٣).
وإن أقَرَّ بها لأحَدِهما أو لغيرِهما، صار المُقَرُّ له صَاحِبَ اليَدِ. فإن قال غيرُ المُقَرِّ له: احْلِفْ لى أنَّ العَيْنَ ليستْ مِلْكِى. أو (٤): أنِّى لستُ الذى أوْدَعْتُكَها. لَزِمَتْه اليَمِينُ على ما ادَّعاهُ مِن ذلك؛ لِما ذَكَرْنا. وإن نَكَل عن اليَمِينِ، قُضِىَ عليه بِقِيمَتِها. وإنِ اعْتَرَفَ بها (٥) لهما، كان الحُكْمُ
стр. 14421
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فيها كما لو كانتْ في أيْدِيهما ابْتِدَاءً، وعليه اليَمِينُ لكُلِّ وَاحِدٍ منهما في النِّصْفِ المَحْكُومِ به لصاحِبِه، وعلى كلِّ وَاحِدٍ منهما اليَمِينُ لصَاحِبِه في النِّصْفِ المَحْكُومَ له به.
فصل: إذا كان في يَدِ رَجُلٍ دارٌ، فادَّعاها نَفْسان، فقال أحدُهما: أجَرْتُكَها. وقال الآخَرُ: هى دارِى أعَرْتُكَها. أو قال: هى دارِى وَرِثْتُها مِن أبى. أو قال: هى دَارِى. ولم يذْكُرْ شيئًا آخَرَ، فأنْكَرَهما صَاحِبُ اليَدِ، فالقَوْلُ قوْلُه مع يَمِينِه. وإن كان لأحَدِهما بَيِّنَةٌ، حُكِمَ له بها. فإن أقامَ كلُّ واحِدٍ منهما بَيِّنَةً بما ادَّعاه، تَعارَضَتا، وكان الحُكْمُ على ما ذَكَرْنا فيما مَضَى، إلَّا على الرِّوايَةِ التى تُقَدَّمُ فيها البَيِّنَةُ الشَّاهِدَةُ بالسَّبَبِ، فإنَّ بَيِّنَةَ مَن ادَّعَى أنَّه وَرِثَها مُقَدَّمَةٌ؛ لشهادَتِها بالسَّبَبِ. وإن أقامَ أحدُهما بَيِّنَةً أنَّه غَصَبَه إيّاهَا، وأقامَ الآخَرُ بَيِّنَةً أنَّه أقَر له بها، فهى للمَغْصُوبِ منه، ولا تَعارُضَ بينَهما؛ لأنَّ الجَمْعَ بينَهما مُمْكِنٌ، بأن يكونَ غَصَبَها مِن
هذا وأقَرَّ بها لغيرِه، وإقْرَارُ الغاصِبِ باطِلٌ. وهذا مذهبُ الشافعىِّ. فتُدْفَعُ إلى المغْصُوبِ منه.
فصل: نقَل ابنُ منصورٍ عن أحمدَ، في رَجُلٍ أخذَ مِن رَجُلَيْن ثَوْبَيْن، أحدَهما بعشَرَةٍ والآخَرَ بعشْرِين، ثم لم يَدْرِ أيُّهما ثَوْبُ هذا [مِن ثوبِ هذا] (١)، فادَّعَى أحدُهما ثوْبًا مِن هذَيْن الثَّوْبَيْن، وادَّعاه الآخَرُ: يُقْرَعُ
стр. 14422
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بينَهما، فأيُّهما أصابَتْه القُرْعَةُ، حَلَف وأخذَ الثَّوْبَ الجيِّدَ (١)، والآخَرُ للآخَرِ. وإنَّما قال ذلك؛ لأنَّهما تَنازَعا عَيْنًا في يَدِ غيرِهما.
فصل: إذا تَداعَيَا عَيْنًا، فقال كلُّ واحدٍ منهما: هذه العَيْنُ لى، اشْتَريْتُها (٢) مِن زيدٍ بمِائةٍ، ونَقَدْتُه إيَّاها. ولا بَيِّنَةَ لواحِدٍ منهما، فإن أنْكَرَهما (٣) زيدٌ، فهى له مع يَمِينِه، وإن أقَرَّ بها لأحَدِهما، سَلَّمَها إليه، وحَلَف للآخَرِ. وإن أقَرَّ لكُلِّ واحدٍ منهما بنِصْفِها، سُلِّمَتْ إليهما، وحَلَف لكلِّ واحدٍ منهما على نِصْفِها (٤). وإن قال: لا أعْلَمُ لمَن هى.
أُقْرِعَ بينَهما، فمَن خَرَجَتْ له القُرْعَةُ، حَلَف وأخَذَها. وإن حَلَف البائِعُ له، ثم أقَرَّ بها لأحَدِهما، سُلِّمَتْ إليه، ثم (٥) إن أقَرَّ بها للآخَرِ، لَزِمَتْه غَرامَتُهِا له. وإن أقامَ كُلُّ واحدٍ منهما بَيِّنَةً بما ادَّعاه، وكانَتا مُؤَرَّخَتَيْن بتارِيخيْن مُخْتَلِفَيْن، مثلَ أن يَدَّعِىَ أحدُهما أنَّه اشْتَراها في المُحَرَّمِ، وادَّعَى الآخَرُ أنَّه اشْتَراها في صَفَر، وشَهِدَتْ بَيِّنَةُ كُلِّ واحدٍ منهما للآخَرِ بدَعْواه، فهى للأوَّلِ؛ لتَقَدُّمِ بَيِّنَتِه بأنَّه باعَها منه أوَّلًا، وزَالَ مِلْكُه عنها، فيكونُ
стр. 14423
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بَيْعُ الثانِى باطِلًا، لكَوْنِه باعَ ما لا يَمْلِكُه، ويُطالَبُ برَدِّ الثَّمَنِ. وإنِ اتَّفَقَ تارِيخُهما، أو كانَتا مُطْلَقَتَيْن، أو أحَدُهما مُطْلَقَةً وِالأُخْرَى مُؤَرَّخَةً، تَعارَضَتا؛ لتَعَذُّر الجَمْعِ، فيُنْظَرُ في العَيْنِ؛ فإنْ كانتْ في يَدِ أحَدِهما، انْبَنَى ذلك على بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ والخارِجِ، فمن قَدَّمَ بَيِّنَةَ الدَّاخِلٍ، جعَلَها لمن هى في يَدِه، ومَن قَدَّمَ بَيِّنَةَ الخارِجِ، جَعَلَها له. وإن كانتْ في يَدِ البَائِعِ، وقُلْنا: تَسْقُطُ البَيِّنَتان. رُجِعَ إلى البَائِعِ، فإن أنْكَرَهما، حَلَف لهما، وكانت له، وإن أقَرَّ لأحَدِهما، سُلِّمَتْ إليه، وحَلَف للآخَرِ، وإن أقَرَّ لهما، فهى بينَهما، ويَحْلِفُ لكلِّ واحِدٍ منهما على نِصْفِها، كما لو لم يكُنْ لهما بَيِّنَة. وإن قُلْنا: لا تَسْقُطُ البَيِّنَتان. لم يُلْتَفَتْ إلى إنْكارِه ولا
اعْتِرَافِه. وهذا قَوْلُ القاضِى، واكثرِ أصْحابِ الشافعىِّ؛ لأنَّه قد ثَبَت زَوالُ مِلْكِه، وأنَّ يَدَه لا حُكْمَ لها، فلا حُكْمَ لقَوْلِه، فمن قال: يُقْرَعُ بينَهما.
أُقْرِعَ بينَهما، فمَن خَرَجَت له القُرْعَةُ، فهى له مع يَمِينِه. وهذا قَوْلُ القاضِى، لم يَذْكُرْ غيرَه. وقال أبو الخَطَّابِ: تُقْسَمُ بينَهما. وقد نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ الكَوْسَجِ، في رَجُلٍ أقامَ بَيِّنَةً أنَّه اشْتَرَى سِلْعَةً بمِائةٍ، وأقامَ الآخَرُ بَيِّنَةً أنَّه اشْتَرَاها بمائَتَيْن: فكلُّ واحدٍ منهما يَسْتَحِقُّ نِصْفَ السِّلْعَةِ بنِصْفِ الثَّمَنِ، ويكُونان شَرِيكَيْن. وحملَ القاضِى هذه الرِّوايَةَ على أنَّ العَيْنَ في أْيدِيهما، أو على أنَّ البَائِعَ أقَرَّ لهما جيعًا. وإطْلاقُ الرِّوايَةِ يدُلُّ على صِحَّةِ قَوْلِ أبى الخَطَّابِ. فعلى هذا، إن كان المَبِيعُ ممّا لا يدْخُلُ
في ضَمانِ المُشْتَرِى إلَّا بقَبْضِه، فلكلِّ واحدٍ منهما الخِيارُ؛ لأنَّ الصَّفْقَةَ
стр. 14424
وَإنْ كَانَ فِى يَدِ رَجُلٍ [٣٤٢ و] عَبْدٌ، فَادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ زَيْدٍ، وَادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّ زَيْدًا أَعْتَقَهُ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً، انْبَنَى عَلَى بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ، وَإنْ كَانَ الْعَبْدُ فِى يَدِ زَيْدٍ، فَالْحُكْمُ فِيهِ حُكْمُ مَا إِذَا ادَّعَيَا عَيْنًا فِى يَدِ غَيْرِهِمَا.
ــ
تَبَعَّضَتْ عليه. فإنِ اخْتارَ الإِمْساكَ، رَجَعَ كلُّ واحِدٍ منهما بنِصْفِ الثَّمَنِ، وإنِ اخْتارَ الفَسْخَ، رَجَع كلُّ واحدٍ منهما بجَمِيعِ الثَّمَنِ، وإنِ اخْتارَ أحَدُهما الفَسْخَ، توَفَّرَتِ السِّلْعَةُ كلُّها على الآخَرِ، إلَّا أن يكونَ الحاكِمُ قد حَكَمَ له (١) بنِصْفِ السِّلْعَةِ ونِصْفِ الثَّمَنِ، فلا يَعُودُ النِّصْفُ الآخَرُ (٢) إليه. وهذا قَوْلُ الشافعىِّ في كلِّ مَوْضِعٍ.
فصل: ولو كان في يَدِ رَجُلٍ دارٌ، فادَّعى عليه رَجُلان، كلُّ واحِدٍ منهما يَزْعُمُ أنَّه غَصَبَها منه، وأقامَ بذلك بَيِّنَةً، فالحُكْمُ فيه كالحُكْمِ فيما إذا ادَّعَى كلُّ واحدٍ منهما أنِّى اشْتَريْتُها منه، على ما مَضَى مِن التَّفْصِيلَ فيه. واللهُ أعلمُ.
٤٩٩٤ - مسألة: (وإن كان في يَدِ رجلٍ عَبْدٌ، فادَّعى أنَّه اشْتَراه مِن زيدٍ، وادَّعَى العَبْدُ أنَّ زَيدًا أعْتَقَه، وأقامَ كلُّ واحدٍ بَيِّنَهْ، انْبَنَى على بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ والخارِجِ، وَإن كان العَبْدُ في يَدِ زيدٍ، فالحُكْمُ فيه كالحُكْمِ
стр. 14425
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فيما إذا ادَّعَيا عَيْنًا فِى يَدِ غيرِهما) إذا ادَّعَى رجلٌ عبدًا في يَدِ آخَرَ أنَّه اشْتَرَاه منه، وادَّعَى العَبْدُ أنَّ سَيِّدَه أعْتَقَه، ولا بَيِّنَةَ لهما، فأنْكَرَهما، حَلَف لهما، والعَبْدُ له. فإن أقَرَّ لأحَدِهما، ثبتَ ما أقَرَّ به، ويَحْلِفُ للآخَرِ. وإن أقامَ أحدُهما بَيِّنَةً بما ادَّعاه، ثَبَتَ. وإن أقامَ كلُّ واحدٍ منهما بَيِّنَةً بدَعْواه، وكانَتا مُؤَرَّخَتَيْن بتارِيخَيْن مُخْتَلِفَيْن، قَدَّمْنا الأُولَى، وبَطَلَتِ الأُخْرَى؛ لأنَّه إن سَبَق العِتْقُ، لم يَصِحَّ البَيْعُ، وإن سَبَقَ البَيْعُ، لم يَصِحَّ العِتْقُ؛ لأنَّه أعْتَقَ عَبْدَ غيرِه. فإن قِيلَ: يَحْتَمِلُ أنَّه عاد إلى مِلْكِه فأعْتَقَه. قُلْنا: قد ثَبَتَ
المِلْكُ للمُشْتَرِى، فلا يُبْطِلُه عِتْقُ البَائعِ. وإن كانتا مُؤَرَّخَتَيْن بتارِيخٍ واحدٍ، أو مُطْلَقَتَيْن، أو إحْداهُما مُطْلَقَةً، تعارَضَتا؛ لأنَّه لا تَرْجِيحَ لإِحْدَاهما على الأُخْرَى. فإن كان في يَدِ المُشْتَرِى، انْبَنَى ذلك على الخِلافِ