← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 14456–14495 · переход к 14461.

стр. 14456

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بالقُرْعَةِ، ولأنَّه في حالِ تقْدِيمِ تارِيخِ عِتْقِ (١) مَنْ شَهِدَتْ له البَيِّنَةُ، لا يَعْتِقُ منه شئٌ ولو (٢) كانتْ بَيِّنَةً عادِلَةٌ، فمع فُسُوقِها أوْلَى. وإن كَذَّبَتِ الوارثَةَ الأجْنَبِيَّةُ، فقالتْ: ما أعْتَقَ سالِمًا، إنَّما أعْتَقَ غانِمًا، عَتَقَ العَبْدان. وقِيل: يعْتِقُ مِن غانمٍ ثُلُثاه. والأوَّلُ أَوْلَى. فصل: إذا شَهد عَدْلان أجْنَبِيَّان، أنَّه وَصَّى بعِتْقِ سالمٍ، وشَهِد عَدْلان وارِثان، أنَّه رَجَع عن الوَصِيَّةِ بعِتْقِ سالمٍ (٣)، ووَصَّى بعِتْقِ غَانمٍ، وقِيمَتُهما سَواءٌ، أو كانت قِيمَةُ غانمٍ أكثرَ، قُبِلَتْ شهادَتُهما، وبَطَلَتْ وَصِيَّةُ عِتْقِ سالمٍ، وقد ذَكَرْناه. فإن كان الوارِثان فاسِقَيْن، لم تُقْبَلْ شهادَتُهما في الرُّجُوعِ، ويَلْزَمُهما إقْرارُهما لغانمٍ، فيَعْتِقُ سالمٌ بالبَيِّنَةَ العادِلةِ، ويَعْتِقُ غانِمٌ بإقْرَار الوَرَثَةِ بالوَصِيَّةِ بإعْتاقِه وَحْدَه. وذَكَر القاضى، وأصحابُ الشافعىِّ، أنَّه إنَّما يَعْتِقُ ثُلُثاه؛ لأنَّه لمَّا أُعْتِقَ سالم بشَهادةِ الأجْنَبِيَّيْن، صار كالمَغْصُوبِ، فصار غانمٌ نِصْفَ التَّرِكَةِ، فيَعْتِقُ ثُلُثاه، وهو ثُلُثُ التَّرِكَةِ. ولَنا، أنَّ الوارِثَةَ (٤) تُقِرُّ بأنَّه حينَ المَوْتِ ثُلُثُ

стр. 14457

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ التَّرِكَةِ، وأنَّ عِتْقَ سالمٍ إنَّما كان بشهادَتِهما بعدَ المَوْتِ، فصار كالمَغْصُوبِ بعدَ المَوْتِ، ولو غُصِبَ بعدَ الموْتِ، لم يَمْنَعْ عِتْقَ غانمٍ كلِّه، فكذلك الشَّهادَةُ بعِتْقِه. وقد ذكَرَ القاضى، فيما إذا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ عادِلَةُ بإعْتَاقِ سَالمٍ في مَرَضِه، ووارِثَةٌ فاسِقَةٌ بإعْتاقِ غانمٍ في مَرَضِه، وأنَّه لِم يُعْتِقْ سالمًا، أنَّ غانِمًا يَعْتِقُ كلُّه. وهذا مثلُه. فأمَّا إن كانتْ قِيمَةُ غانمٍ أقَلَّ مِن قِيمَةِ سالمٍ، فالوارِثَةُ (١) مُتَّهَمَةٌ؛ لكَوْنِها تَرُدُّ إلى الرِّقِّ مَنْ كَثُرَتْ قِيمَتُه، فتُرَدُّ شَهادَتُها (٢) في الرُّجُوعِ، كما تُرَدُّ شهادَتُها (٢) بالرُّجُوعِ عن الوَصِيَّةِ بعِتْقِ سالمٍ. ويَعْتِقُ غانِمٌ كلُّه، أو ثُلُثُ الباقى، على ما ذَكَرْنا مِن الاخْتِلافِ فيما إذا كانتْ فاسِقَةً. فإن لم تَشْهَدِ الوارِثَةُ (٣) بالرُّجُوعِ عن عِتْقِ سالمٍ، لكن شَهِدتْ بالوَصِيَّةِ بعِتْقِ غانمٍ، وهى بَيِّنَةٌ عادِلَةٌ، ثَبَتتِ الوَصِيَّتان، سَواءٌ كانَتْ قِيمَتُهما سَواءً أو مُخْتَلِفَةً، إن خَرَجا من الثُّلُثِ، وإن لم يَخْرُجا مِن الثُّلُثِ، أُقْرِعَ بينَهما، فيَعْتِقُ مَن خَرَجَتْ له القُرْعَةُ، ويَعْتِقُ تَمامُ الثُّلُثِ مِن الآخَرِ، سَواءٌ تقَدَّمَتْ إحْدَى الوَصِيتَّيْن عن الأُخْرَى أو اسْتَوَتَا؛ لأنَّ المُتَقَدِّمَ والمُتَأَخِّرَ مِن الوَصايا سَواءٌ.

стр. 14458

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ولو شَهِدَت بَيِّنَةٌ عادِلَةٌ، أنَّه وَصَّى لزيدٍ بثُلُثِ مالِه، وشَهِدَت بَيِّنَةٌ أُخْرَى أنَّه رَجَع عن الوَصِيَّةِ لزيدٍ، ووَصَّى لعمرٍو بثُلُثِ مالِه، وشَهِدَت بَيِّنَةٌ ثالِثَةٌ أنَّه رَجَع عن الوَصِيَّةِ لعَمْرٍو، ووَصَّى لبكرٍ بثُلُثِ مالِه، صَحَّتِ الشَّهاداتُ (١) كلُّها، وكانتِ الوَصِيَّةُ لبكرٍ، سَواءٌ كانتِ البَيِّنَاتُ مِن الورَثَةِ أو لم تكُنْ؛ لأنَّه لا تُهْمَةَ في حَقِّهم. وإن كانَتْ شَهادَةُ البَيِّنَةِ الثالِثَةِ أنَّه رَجَع عن إحْدَى الوَصِيِّتيْن، لم تُفِدْ هذه الشَّهادَةُ؛ لأنَّه قد ثَبَت بالبَيِّنَةِ الثانيةِ أنَّه رَجَع عن الوَصِيَّةِ لزيدٍ، وهى إحْدَى الوَصِيتَّيْن. فعلى هذا، تَثْبُتُ الوَصِيَّةُ لعَمْرٍو. وإن كانَتِ البَيِّنَةُ شَهِدَت بالوَصِيَّةِ لعَمْرٍو، ولم تَشْهَدْ بالرُّجُوعِ عن وَصِيَّةِ زيدٍ، فشَهِدَتِ الثالِثةُ برُجوعِه عن إحْدَى الوَصِيَّتيْن لا بعَيْنِها، فقال القاضى: لا تَصِحُّ الشَّهادةُ. وهو مذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّهما لم يُعَيِّنا المَشْهُودَ عليه، وتصيرُ كما لو قالا: نَشْهَدُ أنَّ لهذا على هذين ألْفًا. أو: أنَّ لأحَدِ هذين على هذا ألْفًا. فيكونُ الثُّلُثُ بينَ الجميعِ أثْلاًثا. وقال أبو بكرٍ: قياسُ قَوْلِ أبى عبدِ اللهِ، أنَّه يَصِحُّ الرُّجُوعُ عن إحْدَى الوَصِيَتَّيْن، ويُقْرَعُ بينَهما، فمَن خَرَجَتْ له [قُرْعَةُ الرُّجُوعِ] (٢) عن وَصِيَّتِه، بَطَلَتْ. وهذا قَوْلُ ابنِ (٣) أبى موسى. وإذا صَحَّ الرُّجُوعُ عن أحَدِهما بغيرِ تَعْيِينٍ، صَحَّتِ الشَّهادَةُ به لذلك. ووَجْهُ ذلك، أنَّ الوَصِيَّةَ

стр. 14459

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَصِحُّ بالمَجْهولِ، وتصِحُّ الشهادَةُ فيها بالمَجْهُولِ، فجازَت في الرُّجُوعِ مِن غيرِ تَعْيِينِ المَرْجُوعِ (١) عن وَصِيَّتِه. فصل: إذا شهِد شاهِدان أنَّه وَصَّى لزيدٍ بثُلُثِ ماله، وشهِد واحِدٌ أنَّه وَصَّى لعمرٍو بثُلُثِ مالِه، انْبَنَى هذا على أنَّ (٢) الشاهِدَ واليَمِينَ هل يُعارِضُ الشَّاهِدَيْن؟ فيه (٣) وَجْهان؛ أحدُهما، يتَعارَضان، فيَحْلِفُ عمرٌو (٤) مع شاهِدِه، ويُقْسَمُ الثُّلُثُ (٥) بينَهما؛ لأنَّ الشاهِدَ واليمِينَ حُجَّةٌ في المالِ، فأشْبَهَ الشاهِدَيْن. والثانى، لا يُعارِضُهما؛ لأنَّ الشاهِدَيْن أقْوَى. فعلى هذا، يَنْفَرِدُ زيدٌ بالثُّلُثِ، وتَقِفُ وَصِيَّةُ عَمْرٍو على إجازَةِ الوَرَثةِ. فأمَّا إن شهِد واحِدٌ أنَّه رَجَع عن وَصِيَّةِ زيدٍ، ووَصَّى لعمرٍو بثُلُثِه، فلا تَعارُضَ بينَهما، ويَحْلِفُ عَمْرٌو مع شاهِدِه، وتَثْبُتُ الوَصِيَّةُ له. والفَرْقُ بينَ المسْألَتَيْن، أنَّ في الأُولَى، تَقابَلَتِ البَيِّنَتَان، فقَدَّمْنا أقْواهما (٦)، وفى الثَّانِيَةِ، لم يَتَقابَلا، وإنَّما يثْبُتُ بالرُّجُوعِ، وهو يثْبُتُ بالشَّاهِدِ واليَمِينِ؛ لأنَّ المقْصُودَ به المالُ. وهذا مذهبُ الشافعىِّ.

стр. 14460

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: إذا اخْتَلَفا في دارٍ في يَدِ أحَدِهما، فأقامَ المُدَّعِى بَيِّنَةً، أنَّ هذه الدَّارَ كانَتْ أمسِ مِلْكَه، أو منذُ شَهْرٍ، فهل تُسْمَعُ هذه البَيِّنَةُ، ويُقْضَى بها؟ على وَجْهَيْن؛ أحدُهما، تُسْمَعُ، ويُحْكَمُ بها؛ لأنَّها تُثْبِتُ المِلْكَ في الماضِى، وإذا ثَبَث اسْتُدِيمَ حتى يُعْلَمَ زَوالُه. والثانى، لا يُحْكَمُ بها. قال القاضى: وهو الصَّحِيحُ؛ لأنَّ الدَّعْوى لا تُسْمَعُ ما لم يَدَّعِ المُدَّعِى المِلْكَ في الحالِ، فلا تُسْمَعُ بَيِّنَتُه على ما لم يَدَّعِهِ، لكن إنِ انْضَمَّ إلى شهادتِهما (١) بَيانُ سَبَبِ يَدِ الثَّانِى، وتَعْرِيفُ تَعدِّيها (٢)، فقالا: نَشْهَدُ أنَّها كانتْ مِلْكَه أمسِ، فغَصَبَها هذا منه. أو: سَرَقَها. أو: ضَلَّتْ منه، فالتَقَطَها هذا. ونحوَ ذلك، سُمِعَتْ، وقضِىَ بها؛ لأنَّها إذا لم تُبَيِّنِ السَّبَبَ، فاليَدُ دَلِيلُ المِلْكِ، ولا تَنافِىَ بينَ ما شَهِدَتْ به البَيِّنَةُ، وبينَ دَلالَةِ اليَدِ، لجَوَازِ (٣) أن تكونَ مِلْكَه أمسِ، ثم تَنْتَقِلُ إلى صاحِبِ اليَدِ، فإذا ثَبَت أنَّ سَبَبَ اليَدِ عُدْوانٌ، خَرَجَتْ عن كوْنِها دَلِيلًا، فوَجَب القَضاءُ باسْتِدامَةِ المِلْكِ السَّابقِ. وإن أقَرَّ المُدَّعَى عليه أنَّها كانَتْ مِلْكًا للمُدَّعِى أمسِ، أو فيما مَضَى، سُمِع إقْرارُه، وحُكِمَ به، في الصَّحِيحِ؛ لأنَّه

стр. 14461

فَصْلٌ: إِذَا مَاتَ رَجُلٌ وَخَلَّفَ وَلَدَيْنِ؛ مُسْلِمًا وَكَافِرًا، فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ مَاتَ عَلَى دِينِهِ، فَإِنْ عُرِفَ أَصْلُ دِينِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِيهِ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ، فَالْمِيرَاثُ لِلْكَافِرِ؛ لِأَنَّ المُسْلِمَ لَا يُقِرُّ وَلَدَهُ عَلَى الكُفْرِ فِى دَارِ الإِسْلَامِ. ــ حينَئذٍ يحْتاجُ إلى بَيانِ سَبَبِ انْتِقالها إليه، فيَصيرُ هو المُدَّعِىَ، فيَحْتاجُ إلى البَيِّنَةِ. ويُفارِقُ البَيِّنَةَ مِن وَجْهَيْن؛ أحدُهما، أنَّه أقْوَى مِن البَيِّنَةِ، لكَوْنِه (١) شهادةً مِن الإِنْسانِ على نَفْسِه، ويزولُ به النِّزَاعُ، بخِلافِ البَيِّنَةِ، ولهذا يُسْمَعُ في المجْهُولِ، ويُقْضَى به، بخِلافِ البَيِّنَةِ. والثَّانى، أنَّ البَيِّنَةَ لا تُسْمَعُ إلَّا على ما ادَّعاه، والدَّعْوى يجبُ أن تَكونَ مُعَلَّقَةً بالحالِ، والإِقْرارُ يُسْمَعُ ابْتِداءً. وإن شَهِدَتِ البَيِّنَةُ أنَّها كانَتْ في يَدِه أمسِ، ففى سَماعِها الوَجهان. وإن أقَرَّ المُدَّعَى عليه بذلك، فالصَّحِيحُ أنَّه يُسْمَعُ، ويُقْضَى به؛ لِما ذَكَرْنا. فصل: قال الشيخُ، ﵀: (إذا مات رجلٌ وخَلَّفَ وَلَدَيْن؛ مُسلِمًا وكافِرًا، فادَّعَى كلُّ واحِدٍ منهما أنَّه مات على دينِه، فإن عُرِف أصْلُ دِينِه، فالقولُ قولُ مَن يَدَّعِيه، وإن لم يُعْرَفْ، فالمِيراثُ للكافِرِ؛ لأنَّ المسلمَ لا يُقِرُّ ولَدَه على الكُفْرِ في دارِ الإِسلامِ) إذا مات رجلٌ لا يُعْرَفُ

стр. 14462

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ دِينُه، وخَلَّفَ تَرِكَةً وابْنَيْن، [يعْتَرفان أنَّه أبوهما] (١)، أحَدُهما مُسْلِمٌ، والآخَرُ كافِرٌ، فادَّعَى كلُّ واحِدٍ منهما أنَّه مات على دِينِه، وأنَّ المِيرَاثَ له دُونَ أخِيهِ، فالميرَاثُ للكافِرِ. ذَكَرَه الخِرَقِىُّ؛ لأنَّ دَعْوَى المُسْلِمِ لا تخْلُو مِن أن يَدَّعِىَ كَوْنَ المَيِّتِ مُسْلِمًا أصْلِيًّا، فيجبَ كونُ أوْلادِه مُسْلِمِين، ويَكونَ أخُوهُ الكافِرُ مُرْتَدًّا، وهذا خِلافُ الظَّاهِرِ، فإنَّ المُرْتَدَّ لا يُقَرُّ على رِدَّتِه في دارِ الإِسْلامِ. أو يقولَ: إنَّ أباه كان كافِرًا، فأسْلَمَ قبلَ مَوْتِه. فهو مُعْتَرِفٌ بأنَّ الأصْلَ ما قالَه أخُوهُ، مُدَّعٍ زَوالَه وانْتِقالَه، والأصْلُ بَقاءُ ما كان على ما كان، حتى يَثْبُتَ زَوالُه. وذَكَر ابنُ أبى موسى عن أحمدَ رِوايَةً أُخْرَى، أنَّهما في الدَّعْوَى سَواءٌ، فالمِيرَاثُ بينَهما نِصْفَيْن، كما لو تَنازَعَ اثْنان عَيْنًا في يَدَيْهما. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ المِيراثُ للمسلمِ منهما. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّ الدَّارَ دارُ الإِسلامِ، يُحْكَمُ بإسْلامِ لَقِيطِها، ويثْبُتُ للمَيِّتِ فيها إذا لم يُعْرَفْ أصْلُ دِينِه، حُكْمُ

стр. 14463

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الإسْلامِ؛ في الصَّلاةِ عليه، ودفْنِه، وتَكْفِينِه مِن الوَقْفِ المَوْقُوفِ على تَكْفِينِ أمْواتِ المُسْلِمِين، ولأنَّه يُدْفَنُ في مَقابِرِ المُسلمين، ويُغَسَّلُ، فيَثْبُتُ فهه سائِرُ أحْكام المسْلمين، فكذلك في مِيراثِه، ولأنَّ الإِسْلامَ يَعْلُو ولا يُعْلَى، ويجوزُ أن يَكونَ أخُوه الكافِرُ مُرْتَدًّا، لم تَثْبُتْ عندَ الحاكِمِ رِدَّتُه، ولم يَنْتَهِ إلى الإِمام خبرُه، وظُهورُ الإسلام بناءً على هذا أظْهَرُ مِن ثُبُوتِ الكُفْرِ بِناءً على كُفْرِ أبِيه، ولهذا جَعَل الشَّرْعُ أحكًامَه أحْكامَ المسلمين، فيما عَدَا المُتَنَازَعَ فيه. وقال القاضى: قياسُ المذهبِ أنَّنا نَنْظُرُ؛ فإن كانتِ التَّرِكَةُ في أيْدِيهما، [قُسِمَت بينَهما نِصْفين، وإن لم تَكُنْ في أيديهما] (١)، أُقْرِعَ بينَهما، فمَن قَرَع صاحِبَه، حَلَف، واسْتَحَقَّ، كما قُلْنا فيما إذا تَداعَيا عَيْنًا. ويَقْتَضِى كَلامُه، أنَّها إذا كانَتْ في يَدِ أحدِهما، فهى له مع يَمينِه. وهذا قَوْلٌ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يُقِرُّ بأنَّ هذه التَّرِكَةَ تَرِكَةُ هذا المَيِّتِ، وأنَّه إنَّما يَسْتَحِقُّها بالمِيراثِ، فلا حُكمَ ليَدِه. وقال أبو الخَطَّابِ: يَحْتَمِلُ أن يَقِفَ الأمْرُ حتى يُعْرَفَ أصْلُ دِينِه أو يَصْطَلِحا. وهذا قولُ الشافعىِّ. وقد ذَكَرْنا الدَّلِيلَ على ظُهورِ كُفْرِه، فأمَّا ظُهورُ حُكْمِ الإِسْلامِ في الصَّلاةِ عليه، وغَسْلِه، وغيرِ ذلك، فإنَّ هذا لا ضَرَرَ فيه على أحَدٍ. وأمَّا قَوْلُه: إنَّ الإِسْلامَ يَعْلُو ولا

стр. 14464

وَإنْ لَمْ يَعْتَرِفِ المُسْلِمُ أَنَّهُ أَخُوهُ، وَلَمْ تَقُمْ بِهِ بَيِّنَةٌ، فَالْمِيرَاثُ بَيْنَهُمَا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُسْلِمِ؛ ــ يُعْلَى. فإنَّما يَعْلُو إذا ثَبَت، والنِّزاعُ في ثُبُوتِه. وهذا إذا لم يَثْبُتْ أصْلُ دِينِه، فإن ثَبَت أصْلُ دِينِه، فالقولُ قولُ مَن يَنْفِيه عليه (١) مع يَمِينِه. وهذا قولُ الشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ. وقال أبو حنيفةَ: القَوْلُ قولُ المُسْلِمِ على كلِّ حالٍ؛ لِما ذَكَرْنا في التى قبلَها. ولَنا، أنَّ الأصْلَ بَقاءُ ما كان عليه، فكان القوْلُ قولَ مَن يَدَّعِيه، كسائِرِ المَواضِعِ. (و) أمَّا (إن لم يَعْتَرِفِ المُسْلِمُ أنَّه أخُوه) وادَّعَى كلُّ واحدٍ منهما أنَّ المَيِّتَ أبُوه دُونَ الآخَرِ، فهما سَواءٌ في الدَّعْوَى؛ لتَساوِى أيْدِيِهما (٢) عليه ودَعاوِيهما،

стр. 14465

لِأنَّ حُكْمَ المَيِّتِ حُكْمُ المُسْلِمِينَ، فِى غَسْلِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ. وَقَالَ القَاضِى: القِيَاسُ أَن يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَقِفَ الْأَمْرُ حَتَّى يَظْهَرَ أَصْلُ دِينِهِ. ــ فإنَّ المسلمَ والكافِرَ في الدَّعْوى سَواءٌ، ويُقْسَمُ المالُ بينَهما نِصْفَيْن، كما لو كان في أيْدِيهما دارٌ، فادَّعى كلُّ واحدٍ منهما أنَّها له، ولا بَيِّنَةَ لهما. ويَحْتَمِلُ أنْ يُقدَّمَ قَوْلُ المسلمِ (لأنَّ حُكْمَ الميِّتِ حُكْمُ المسلمين، في غَسْلِه، والصَّلاةِ عليه) وسائِرِ أحْكامِه (وقال القاضى: يُقْرَعُ بينَهما) كما إذا تَداعيا عَيْنًا في يَدِ غيرِهما، ولم يَدَّعِها لنَفْسِه (ويَحْتَمِلُ أن يَقِفَ الأمْرُ حتَّى يُعْرَفَ أصْلُ دِينِه) وهو قَوْلُ الشافعىِّ. إلَّا أن يَصْطَلِحا.

стр. 14466

وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهُ مَاتَ عَلَى دِينهِ، تَعَارَضَتَا، وَإِنْ قَالَ شَاهِدَانِ: نَعْرِفُهُ مُسْلِمًا. وَقَالَ شَاهِدَانِ: نَعْرِفُهُ كَافِرًا. فَالْمِيرَاث لِلْمُسْلِمِ إِذَا لَمْ يُؤَرِّخِ الشُّهُودُ مَعْرِفَتَهُمْ. ــ ٥٠٠٧ - مسألة: (وإن أقامَ كلُّ واحدٍ بَيِّنَةً أنَّه مات على دِينِه، تَعارَضَتا، وإن قال شاهِدانِ: نَعْرِفه مُسْلِمًا. وقال شاهِدان: نَعْرِفُهُ كافِرًا. فالميراثُ للمسلمِ، إذا لم يُؤَرِّخِ الشُّهُودُ مَعْرِفَتَهم) أمَّا إذا أقاما بَيِّنَتَيْن، كلُّ واحدٍ بَيِّنَةً أنَّه مات على دِينِه، ولم يُعْرَفْ أصْلُ دِينِه (١)، تعارَضَتا. وإن عُرِف أصْلُ دِينِه، نَظَرْنا في (٢) لفْظِ الشَّهادَةِ؛ فإن شَهِدَت كلُّ واحِدَةٍ منهما أنَّه كان آخِرُ كَلامِه التَّلَفُّظَ بما شَهِدَت به، فهما مُتَعارِضَتان، وإن شَهِدَت إحْداهما أنَّه مات على دِينِ الإِسلامِ، وشَهِدَتِ الأُخْرَى أنَّه مات على دِينِ الكُفْرِ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ مَن يَدَّعِى انْتِقالَه عن دِينِه؛

стр. 14467

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لأنَّ المُبْقِيَةَ له على أصْلِ دِينِه، ثبتَتْ شَهادَتُها على الأصْلِ الذى تَعْرِفُه؛ لأنَّهما إذا عَرَفا أصْلَ دِينِه ولم يَعْرِفا انْتِقالَه عنه، جاز لهمِا أن يَشْهَدا أنَّه مات على دِينِه الذى عَرَفاه، والبَيِّنَةُ الأُخْرَى معها عِلْمٌ لم تَعْلَمْه الأُولَى، فقُدِّمَتْ عليها، كما لو شَهِدا أنَّ هذا العَبْدَ كان مِلْكًا لفُلانٍ إلى أن مات، وشَهِد آخران أنَّه أعْتَقَه أو باعَه قبلَ مَوْتِه، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ العِتْقِ والبَيْعِ. فأمَّا إن قال شاهِدان: نَعْرِفُه مُسْلِمًا. وقال شاهِدان: نَعْرِفُه كافِرًا. نَظَرْنا في تَارِيخِهما؛ فإنِ اخْتَلَف تَارِيخُهما، عُمِل بالآخِرَةِ منهما؛ لأنَّه ثَبَت أنَّه انْتَقَلَ عما شَهِدَت به الأُولَى إلى ما شَهِدَت به الأُخْرَى.

стр. 14468

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وإن كانَتا مُطْلَقَتَيْن، أو إحداهما مُطْلَقَةً، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ المُسْلِمِ؛ لأنَّ المسلِمَ لا يُقَرُّ على الكُفْرِ في دارِ الإِسْلامِ، وقد يُسْلِمُ الكافِرُ فيُقَرُّ. وإن كانَتا مُؤَرَّختَيْن بتاريخٍ واحدٍ، نَظَرْنا في شَهادَتِهما؛ فإن كانَتْ على اللَّفْظِ، فهما مُتَعارِضَتان. وإن لم تكُنْ على اللَّفْظِ، ولم يُعْرَفْ أصْلُ دِينِه، فهما مُتَعارضَتان. وإن عُرِف أصْلُ دِينه، قُدِّمَتِ الناقِلَةُ له عن أصْلِ دِينِه. وكلُّ مَوْضِعٍ تَعارَضَتِ البَيِّنَتانِ، فقال الخِرَقِىُّ: تسْقُطُ البَيِّنَتان، ويَكُونان كمَن لا بَيِّنَةَ لهما. وقد ذَكَرْنا رِوايَتَيْن أُخْرَيَيْن؛ إحْداهُما، يُقْرَعُ بينَهما، فمَن خَرَجَتْ له القُرْعَةُ، حَلَف، وأخَذ. والثانيةُ، يُقْسَمُ بينَهما. ونحوَ هذا قال الشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الإِسلامِ على كلِّ حالٍ. وقد مَضَى الكَلامُ معه. وقد قال الخِرَقِىُّ: إذا قال شاهِدان: نَعْرِفُه كان مسلمًا. وقال شاهِدان: نَعْرِفُه كان كافِرًا. فالمِيراثُ للمُسْلِمِ

стр. 14469

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إذا لم يُؤَرِّخِ الشُّهودُ مَعْرِفَتَهم. وهو مَحْمُولٌ على مَنْ لم يُعْرَفْ (١) أصْلُ دِينِه، أو على أنَّ أصْلَ دِينِه الكُفْرُ. أمَّا مَن كان مُسْلِمًا في الأصْلِ، فيَنْبَغِى أن تُقَدَّمَ بَيِّنَةُ الكُفْرِ؛ لأنَّ بَيِّنَةَ الإِسْلامِ يَجُوزُ أنْ تَسْتَنِدَ إلى ما كان عليه في الأصْلَ. فصل: وإن خَلَّف ابْنًا مُسْلِمًا، وأخًا كافِرًا، فاخْتَلَفا في دِينِه حالَ مَوْتِه، فالحُكْمُ فيها كالتى قبلَها. وهكذا سائِرُ الأقارِبِ.

стр. 14470

وَإِنْ خَلَّفَ أَبَوَيْنِ كَافِرَيْنِ وَابْنَيْنِ مُسْلِمَيْنِ، فَاخْتَلَفُوا فِى دِينِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَبَوَيْنِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّ القَوْلَ قَوْل الِابْنَيْنِ. ــ ٥٠٠٨ - مسألة: (وإن خَلَّف أبوَيْن كافِرَيْن وابْنَيْن مُسْلِمَيْنِ، فاخْتَلَفُوا في دِينِه، فالقولُ قولُ الأبوَيْنِ. ويَحْتَمِلُ أنَّ القولَ قولُ الابْنَيْن) ظاهِرُ المذهبِ أنَّ القولَ قولُ الأبوَيْن؛ لأنَّ كَوْنَ الأبوَيْن كافِرَيْن [بمَنْزِلَةِ مَعْرفةِ] (١) أصْلِ دِينِه؛ لأنَّ الوَلَدَ قبلَ بُلُوغِه مَحْكُومٌ له بدِينِ أبَوَيْه، فيثْبُتُ أنَّه كان كافِرًا في صِغَرِه. ويَحْتَمِلُ أنَّ القولَ قولُ الابْنَيْن؛ لأنَّ كُفْرَ أُبوَيْه يدُلُّ على أصْلِ دِينِه في صِغَرِه، وإسْلامَ ابْنَيْه يدُلُّ على إسْلامِه في كِبَرِه، فيُعْمَلُ بهما جميعًا، يُحْمَلُ كلُّ واحدٍ منهما على مُقْتَضاه، فهو كما لو قال شاهِدان: نَعْرِفُه كافِرًا في صِغَرِه. وقال شاهِدان: نَعْرِفُه مُسْلِمًا في كِبَرِه.

стр. 14471

وإنْ خَلفَ ابْنًا كَافِرًا [٣٤٤ ظ] وَأخًا وَامْراةً مُسْلِمَيْنِ، فَاخْتَلَفُوا فِى دِينهِ، فَالْقَوْل قَوْلُ الِابنِ، عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِىِّ. وَقَالَ القَاضِى: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا. وَقَالَ أبو بَكْر: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ تُعْطَى الْمَرأَةُ الرُّبْعَ، وَيُقْسَمَ الْبَاقِى بَيْنَ الِابنِ وَالْأَخِ نِصْفَيْنِ. ــ ٥٠٠٩ - مسألة: (وإن خلفَ ابْنًا كافِرًا وأخًا وامْرَأةً مُسْلِمَيْن، فاخْتَلَفُوا في دِينه، فالقولُ قولُ الابنِ، على قولِ الخِرَقِىِّ) ووَجْهُه ما سَبَق فيما إذا خَففَ ابْنَيْنِ مُسْلِمًا وكافِرًا (وقال القاضى: يُقْرَعُ بينهما) وقد سَبَق تَعْلِيلُه في مَسألةِ الابنَيْن (وقال أبو بكرِ: قِياسُ المسْألةِ أن تُعْطَى المرْأةُ الرُّبْعَ، ويُقْسَمَ الباقى بينَ الأخِ والابنِ نِصْفيْن) لأنها تَدَّعِى زِيادَةً عليه، فتدْخُلُ في عُمومِ قولِه تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ (١). فلا تَخْرُجُ إلَّا بدَليلٍ يُخَصِّصُها (٢)، ولا تَخْرُجُ بالشَّكِّ، ويُقْسَمُ الباقِى بينَ الآخرَيْن (٣)، لتَساوِيهما في الدَّعْوى وهو في أْيدِيهما.

стр. 14472

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ولو مات مسلِمٌ، وخلفَ زَوْجَةً ووَرَثَةً سِواها، وكانَتِ الزَّوْجَةُ كافِرَةً، ثم أسْلَمَتْ، وادَّعَتْ أنَّها أسْلَمَتْ قبلَ مَوْتِه، وأنْكَرَها الوَرَثَةُ، فالقَوْلُ قوْلُهم؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ ذلك. فإن لم يَثْبُتْ أنَّها كافِرَةٌ، فادَّعَى عليها الوَرَثَةُ أنَّها كانَتْ كافِرَةً، فأنْكَرَتْهم، فالقَوْلُ قوْلُها؛ لأنَّ الأصلَ عَدَمُ ما ادعوْه. وإنِ ادعوْا أنه طَلقَها قبَل مَوْتِه، فأنْكَرَتْهم، فالقَوْلُ قولُها. فإنِ اعتَرَفَتْ بالطلاق، وانْقِضاء العِدةِ، وادَّعَتْ أنّه رَاجَعَها، فالقَوْلُ قَوْلُهم. وإنِ اخْتَلَفُوا في انْقِضاءِ عِدَّتِها، فالقَوْلُ قوْلُها، في أنها لم تَنْقَضِ؛ لأنَّ الأصلَ بَقاؤها. ولا نَعلَمُ في هذا كُلِّه خِلافًا. وبه قال الشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ. ولو خَلَّفَ وَلَدَيْن مُسْلِمَيْن، اتَّفَقا على أن أحَدَهما كان مُسْلِمًا حينَ موتِ أبيه، وادَّعَى الآخَرُ أنه أسْلَمَ في حياةِ أبيه، وجَحَدَه أخُوه، فالمِيرَاثُ للمُتفَقِ عليه؛ لأنَّ الأصلَ بَقاءُ الكُفْرِ، إلا أنْ يُعلَمَ زَوالُه، وعلى أخِيه اليَمِينُ، وتكونُ على نَفْىِ العِلْمِ؛ لأنَّها على نَفْىِ فعلِ أخِيه، إلَّا أن يَكونَ ثَبَت أنَّه أسْلَمَ قبلَ قَسْمِ الترِّكَةِ، فيَرِثُ،

стр. 14473

وَلَوْ مَاتَ مُسلِم وَخَلَّفَ وَلَدَيْنِ؛ مُسْلِمًا وَكَافِرًا، فَأسْلَمَ الكَافِرُ، وَقَالَ: أسلَمتُ قَبْلَ مَوْتِ أَبِى. وَقَالَ أخُوهُ: بَلْ بَعدَهُ. فَلَا مِيرَاثَ ــ فإنَّ مَن أسْلَمَ على مِيراثٍ قبلَ القِسْمَةِ، قُسِمَ له. كان كان أحَدُهما حُرًّا، والآخَرُ رَقِيقًا، ثم عتَق واخْتَلَفا في حُرِّيَّتِه عندَ المَوْتِ، فالقَوْلُ قولُ مَن يَنْفِيها. وإن لم يَثْبُتْ أنَّه كان رَقِيقًا ولا كافِرًا، فادَّعَى عليه أنَّه كذلك، فأنْكَرَ، فالقَوْلُ قولُه، والمِيراثُ بينَهما؛ لأنَّ الأصلَ الحُرِّيةُ والإسْلامُ، وعَدَمُ ما سِواهُما. فصل: إذا أسْلَمَ أحَدُ الابنَيْن في غُرَّةِ شَعبانَ، والآخَرُ في غُرَّةِ رَمضانَ، واخْتَلَفا في مَوْتِ أبِيهِما، فقال الأوَّلُ: مات في شعبانَ فَوَرِثتُه وَحْدِى. وقال الآخَرُ: مات في رمضَانَ. فالمِيراثُ بينَهما؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ حَياتِه حتى يعلَمَ زَوالُها. فإن أقامَ كلُّ (١) واحدٍ منهما بَيِّنَةً بدَعواه، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، يتَعارَضان. والثاني، تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ مَوْتِه في شَعبانَ؛ لأنَّ (٢) معها زِيادَةَ عِلْم، لأنَّه ثَبَت مَوْتُه في شعبانَ، ويجوزُ أن يَخْفَى ذلك على البَيِّنَةِ الأُخْرَى. ٥٠١٠ - مسألة: (ولو مات مُسْلمٌ، وخَلَّفَ وَلَدَيْن؛ مُسْلِمًا وكافِرًا، فأسْلَمَ الكافِرُ، وقال: أسْلمتُ قبلَ مَوْتِ أبى. وقال أخُوه:

стр. 14474

لَهُ، فَإنْ قَالَ: أسْلَمتُ فِى الْمُحَرَّم، وَمَاتَ أبِى فِى صَفَرٍ. وَقَالَ أخُوهُ: بَلْ مَاتَ فِى ذِى الْحِجَّةِ. فَلَهُ الْمِيرَاثُ مَعَ أَخِيهِ. ــ بل بعدَه. فلا مِيرَاثَ له) لأنَّ الأصلَ بَقاءُ الكُفرِ حتى يُعلَمَ زَوالُه، وعلى أخِيهِ اليَمِينُ، وتكونُ على نَفْىِ العِلْمِ؛ لأنَّها على نَفْىِ فِعْلِ الغيرِ، وقد ذَكَرناه. ٥٠١١ - مسألة: (وإن قال: أسْلَمتُ في المُحَرم، وماتَ أبِى في صفَر) فلِىَ المِيرَاثُ (وقال أخُوه: بل ماتَ في ذِىَ الحِجَّةِ. فله المِيراثُ مع أخِيهِ) لأنَّ الأصلَ بَقاءُ الحَياةِ. فإن أقامَ كلُّ واحِدٍ بَينةً بدَعواه، فهل يَتعارَضان، أو تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ مَن ادَّعَى تَقْدِيمَ مَوْتِه؟ فيه

стр. 14475

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَجهان، ذَكَرناهُما في الفَصلِ قبلَ هاتَيْن المسْأَلَتَيْن. والله أعلمُ.

стр. 14476

كِتَابُ الشَّهادَاتِ ــ كتابُ الشَّهاداتِ والأصلُ فيها الكتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أمَّا الكتابُ، فقولُ الله تِعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (١). وقال سبحانه: ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٢). وقال جل وعزَّ: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (١). وأمَّا السُّنَّةُ، فرَوَى وائلُ بنُ حُجْرٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: جاءَ رجلٌ مِن حضْرَمَوْتَ، ورجلٌ من كِنْدَةَ، إلى النبىِّ ﷺ ، فقالَ الحَضْرَمِىُّ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ هذا غَلَبَنِى على أرضٍ لى. فقال الكِنْدِي: هى أرْضِى وفى يَدِى، وليس له فيها حَقٌّ. فقال النبىُّ ﷺ للحَضْرَمِىِّ: «ألكَ بَيِّنَةٌ؟». فقال: لا. قال: «فَلَكَ يَمِينُهُ». قال: يا رسولَ اللهِ، الرجلُ فاجِرٌ لا يُبالِى على ما حَلَف عليه، وليس يَتَوَرَّعُ مِن شئٍ. قال: «لَيْسَ لَكَ مِنْهُ

стр. 14477

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إلَّا ذَلِكَ». قال: فانْطلَقَ الرجلُ لِيَحلِفَ له، فقال النَّبِىُّ ﷺ [لَمَّا أدبرَ] (١): «لَئِنْ حلفَ عَلَى مَالِهِ لِيأْكُلَهُ ظُلْمًا، لَيَلْقَيَنَّ الله وَهُوَ عَنْهُ مُعرِضٌ» (٢). قال التِّزمِذِيُّ: هذا حَدِيثٌ حسنٌ صحيح. ورَوَى محمدُ ابنُ عُبَيْدِ (٣) اللهِ العَرْزَمِيُّ (٤)، عن عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، أنَّ النبىَّ ﷺ قال: «الْبينةُ عَلَى المُدَّعِى، وَالْيَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْه» (٥). قال التِّرمِذِىُّ (٦): هذا حديث في إسْنادِه مَقالٌ، والعَرْزَمِىُّ (٤) يُضَعَّفُ في الحديثِ من قِبَلِ حِفْظِه، ضَعَّفَه ابنُ المُبارَكِ وغيرُه، إلَّا أنَّ أهلَ العِلمِ أجْمَعُوا على هذا. قال التِّرْمِذِى: والعَملُ على هذا عندَ أهلِ العلمِ مِن أصْحاب رسولِ اللهِ ﷺ وغيرِهم. ولأنَّ العِبْرَةَ تَقْتَضِى مَشْرُوعِيَّةَ الشَّهادَةِ، فإنًّ الحاجَةَ داعِيَة إليها، لحُصولِ التَّجاحُدِ بينَ الناسِ، فوَجَبَ الرُّجُوعُ إليها. قال شُرَيْح: القَضاءُ جَمْرٌ، فنَحِّه عنكَ بعُوديْن - يعنى الشّاهِدَيْن - وإنَّما الخَصمُ داءٌ، والشُّهودُ شِفَاءٌ، فأفْرِغِ الشِّفاءَ على الدَّاءِ (٧). واشْتِقاق الشَّهادةِ مِن المُشاهدَةِ؛ لأنَّ الشاهِدَ يُخْبِرُ عمّا شاهَدَه.

стр. 14478

تَحَمُّلُ الشَّهادَةِ وَأدَاؤها فرض عَلَى الْكِفَايَةِ، إذَا قَامَ بِها مَن يَكْفِىِ، سَقَطَ عَنِ الْبَاقِينَ، وإنْ لَمْ يَقُف بِها مَنْ يَكْفِى، تَعَيَّنَتْ عَلى مَنْ وُجِدَ. ــ وقِيل: لأنَّ الشّاهِدَ يُخْبِرٌ، ويَجْعَلُ الحاكِمَ كالمشاهِدِ (١) للمَشْهودِ عليه. وتُسَمَّى بَيِّنَةً؛ لأنَّها تُبَيِّنُ ما الْتَبَسَ (٢)، وتَكْشِفُ الحقَّ في المُخْتَلَفِ فيه. ٥٠١٢ - مسألة: (تَحَمُّلُ الشَّهادَةِ وأداؤُها فَرضٌ على الكِفايَةِ، إذا قام بها مَن يَكْفِى، سَقَطَتْ عن الباقِين، وإن لم يَقُف بها) أحَدٌ (تَعَيَّنَتْ على مَن وُجدَ) لقولِ الله تِعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ (٣). وقال: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (٤). وإنَّما

стр. 14479

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ خَصَّ القلبَ بالإثْمِ؛ لأنَّه مَوْضِعُ العِلْمِ بها، ولأنَّ الشَّهادةَ أمانَةٌ، فلزِمَ أداؤها، كسائرِ الأماناتِ. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (١). إذا ثَبَتَ هذا، فإذا دُعِىَ إلى تَحَمُّلِ شَهادةٍ في نِكاحٍ أو دَيْن أو عِدَّةٍ، لَزِمَتْه الإجابَةُ، قال اللهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ (٢). فإنْ قام بالفرضِ في التَّحَمُّلِ والأداءِ اثنان، سَقَط عن الجميعِ، وإنِ امتَنَعَ الكُلُّ أثِمُوا، وإنَّما يأثَمُ الممتَنِعُ إذا لم يكُنْ عليه ضَرَرٌ، وكانت شَهادَتُه تنْفَعُ، فإن كان عليه ضَرَر في التَّحَمُّلِ أو الأداءِ، أو كان ممَّن لا تُقْبَلُ شهادَتُه، أو يَحْتاجُ إلى التَّبَذُّلِ في التَّزْكِيَةِ، لم تَلْزَمه؛ لقول اللهِ تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ (٣). وقولِ النبىّ ﷺ : «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ (٤)». ولأنَّه لا يَلْزَمُه أنْ يَضُرَّ نَفْسَه لنَفْعِ غيرِه. وإذا كان ممَّن لا تُقْبَلِ شهادَتُه، لم تجِبْ عليه؛ لأنَّ مقْصُودَ الشَّهادَةِ لا يحصُلُ منه. وهل يَأثَمُ بالامتِناعِ

стр. 14480

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إذا وُجِدَ غيره ممَّن يقوم مَقامَه؟ فيه وَجهان؛ أحدهما، يأْثَمُ؛ لأنَّه قد تَعَيَّنَ بدُعائِه، ولأنَّه مَنْهِىٌّ عن الامتِناعِ بقولِه تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾. والثاني، لا يَأْثَمُ؛ لأنَّ غيرَه يقوم مَقامَه، فلم تَتَعَيَّنْ في حَقِّه، كما لو لم يُدْعَ إليها. فأمّا قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾. فقد قُرِئ بالفَتْحِ والرَّفْعِ، فمَن رفَعَ فهو خَبَرٌ معناه النَّهْىُ، ويَحتَمِلُ معنَيَيْن؛ أحدهما، أن يكونَ الكاتِبُ فاعلاً؛ أى لا يَضُرَّ الكاتِبُ؛ والشَّهِيد مَن يَدعوه، بأن لا يجِيبَ، أو يَكْتبَ ما لم يسْتَكْتَبْ، أو يَشْهدَ بما لم يُسْتَشْهد به (١). والثاني، أنْ يكونَ ﴿يضارّ﴾ فِعْلَ ما لم يُسَمَّ فاعِلُه، فيكون مَعْناه ومَغنَى الفَتْحِ واحدًا؛ أى لا يضَرُّ الكاتِبُ والشَّهِيدُ بأن يَقْطَعَهما (٢) عن شُغْلِهما بالكِتابةِ والشَّهادَةِ، ويُمْنَعا حاجَتَهما.

стр. 14481

قَالَ الخِرَقِىُّ: وَمَنْ لَزِمَتْهُ الشَّهَادَةُ، فَعَلَيْهِ أنْ يَقُومَ بِها عَلَى الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، لَا يَسَعُهُ التَّخَلُّفُ عَنْ إِقَامَتِها وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ. ــ ٥٠١٣ - مسألة: (قال الخِرَقِىُّ: ومَن لَزِمَتْه الشَّهادَةُ، فعليه أن يَقُومَ بها على القَرِيب والبَعِيدِ، لا يَسَعُه التَّخَلُّفُ عن إقامَتِها وهو قادِرٌ على ذلك) قد ذكَرنا أنًّ أداءَ (١) الشَّهادَةِ مِن فُروضِ الكِفاياتِ، فإنْ تعَيَّنَتْ عليه، بأن لا يَتَحمَّلَها مَن يَكْفِى فيها سِواهُ، لَزِمَه القِيامُ بها. وإن قام بها مَن يَكْفِى غيرُه، سقَطَ عنه أداؤها، إذا قَبِلَها (٢) الحاكِمُ. فإن كان تَحَمَّلَها جماعة، فأداوها واجِبٌ على الكُلِّ، إذا امْتَنَعوا أثِمُوا كلُّهم،

стр. 14482

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كسائرِ فُروضِ الكِفاياتِ، ودليلُ وُجُوبِها قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾. وقولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ (١). وفى آيَةٍ أخرى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (٢). ولأنَّ الشَّهادةَ أمانة، فلزِمَه أداوها، كالوَدِيعَةِ.

стр. 14483

وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ أخْذُ الأجْرَةِ عَلَيْها، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ تَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ، [٣٤٥ و] فِى أصَحِّ الْوَجْهيْنِ. ــ ٥٠١٤ - مسألة: (ولا يَجُوزُ لمَن تَعَينَّتْ عليه أخْذُ الأجْرَةِ عليها، ولا يَجُوزُ ذلك لمَن لم تَتَعَيَّنْ عليه، في أصَحِّ الوَجْهيْنِ) مَنِ له كِفايَةٌ، فليس له أخْذُ الجُعلِ على الشَّهادَةِ؛ لأنَّها أداءُ فرض، فإن فرضَ الكِفايَةِ إذا قام به البَعضُ وقعَ منهم فَرضًا. وإن لم تكُنْ له كِفايَةٌ، ولا تَعَينَّتْ عليه،

стр. 14484

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حلَّ له أخْذُ الجُعلِ؛ لأنَّ النَّفَقَةَ على عِيالِه فَرضُ عَيْن، فلا يَشْتَغِلُ عنه بفَرضِ الكِفايةِ، فإذا أخَذَ الرِّزْقَ جمعَ بينَ الأمرَيْن. فإن تعيَّنَتْ عليه الشَّهادةُ، احتَمَلَ ذلك أيضًا، واحتَمَلَ أن لا يجوزَ؛ لئلَّا يأخُذَ العِوَضَ عن أداءِ فُروضِ الأعْيانِ. وقال أصحابُ الشافعىِّ: لا يَجُوزُ أخْذُ الأُجْرَةِ

стр. 14485

وَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ شَهادَة فِى حَد لِلّهِ تَعَالَى، أبِيحَ إِقامَتُها، وَلَم يُسْتَحَبَّ، وَلِلْحَاكِمِ أن يُعَرِّضَ لَهُم بِالْوُقُوفِ عَنْها، فِى أحدِ الْوَجْهيْنَ. ــ لمَن تعَيَّنَتْ عليه، وهل يَجُوزُ لغيرِه؟ على وَجْهيْنِ. ٥٠١٥ - مسألة: (ومَن كانَتْ عندَه شَهادَة في حَدٍّ لله تِعالى، أُبِيحَ إقامَتُها، ولم يُسْتَحَبَّ، وللحاكِمِ أن يُعَرِّضَ له بالوُقُوفِ عنها، في أحَدِ الوَجْهيْن) يجوزُ للشّاهدِ إقامَةُ الشَّهادَةِ في حُدودِ الله تِعالى، مِن غيرِ تقَدُّمِ دَعوَى؛ لأنَّ أبا بَكْرَةَ وأصحابَه شَهِدُوا على المُغِيرَةِ (١)، وشَهِدَ الْجَارودُ وأبو هُرَيْرَةَ على قُدامَةَ بنِ مَظْعُونٍ بشُربِ الخمرِ، مِن غيرِ تَقَدُّم دَعوَى (٢). فأجِيزَتْ شَهادَتُهم. ولا يُسْتَحَبُّ أداوها؛ لقولِ رسولِ اللهِ

стр. 14486

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﷺ : «مَنْ سَتَرَ عَوْرَةَ مُسْلِمٍ (١)، سَتَرَهُ الله فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ» (٢). وللحاكمِ أن يُعَرضَ للشّاهدِ بالوُقوفِ عن الشَّهادَةِ، في أظْهرِ الوَجْهيْن (٣)؛ لِما روَى صالحٌ، في «مَسائِلِه»، عن أبى عُثْمانَ النَّهْدِىِّ، قال: جاءَ رجل إلى عُمَرَ، فشَهِدَ على المُغيرَةِ بنِ شُعبَةَ، فتَغَيَّرَ لوْنُ عمرَ، ثم جاءَ آخَرُ، فشَهِدَ، فاسْتَنْكَرَ ذلك عمرُ (٤)، ثم جاء شابٌّ يخْطُرُ بيدَيْه، فقال عمرُ: ما عندَك يا سَلْحَ العُقابِ؟ وصاحَ به عمرُ صَيْحَة، فقال أبو عُثمانَ: اللهِ لقد كِدتُ (٥) يُغْشى علىَّ. فقال: يا أميرَ المُؤمِنينَ، رأيتُ أمْرًا قَبيحًا. فقال: الحمدُ للهِ الذى لم يُشَمِّتِ الشَّيْطانَ بأصحاب محمدٍ ﷺ . قال (٦): فأمَرَ بأولئِك النَّفَرِ فجُلِدوا. وفى رِوايةٍ، أَنَّ عمرَ لَمّا شُهِدَ (٧) عندَه على المُغِيرةِ، شَهِدَ ثَلاثة، وبَقِىَ واحِدٌ، فقال عمرُ: أرى شابًّا حَسَنًا، وأرجُو أن لا يَفْضَحَ اللهُ على لِسانِه

стр. 14487

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رجلاً مِن أصحابِ محمد ﷺ (١) وهذا تَعرِيضٌ ظاهِرٌ.

стр. 14488

وَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ شَهادَةُ لآدَمِىٍّ يَعلَمُها، لَمْ يُقِمها حَتَّى يَسْألهُ، فَإنْ لَم يَعلَمها، اسْتُحِبَّ لَهُ إعلَامُه بِها، وَلَهُ إقَامَتُها قَبْلَ ذَلِكَ. ــ ٥٠١٦ - مسألةْ (ومَن كانَتْ عندَه شَهادَة لآدَمِىٍّ يَعلَمها، لم يقِمها حتى يَسْأَلَهُ، فإن لم يَعلَفها، اسْتحبَّ له إعلامُه بها، وله إقامَتُها قبلَ ذلك) إذا كان المَشْهُود له يَعلَمُ له شَهادةً عندَ إنسانٍ، لم يُقِفها الشّاهِدُ حتى يَسْأله صاحِبها؛ لِما روِى عن النبىِّ ﷺ ، أنَّه قال: «خَيْرُ النَّاسِ قرني، ثمَّ الَّذِينَ يَلُونهْم، ثمِ يأتِى قَوْمٌ يَنْذُرُونَ وَلَا يُوفُونَ (١)، وَيَشْهدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخونُون وَلَا يُؤْتَمَنونَ». رواه البخارىُّ (٢). فإن كان لا يَعلَمها، اسْتحِبَّ له إعلامُه بها؛ لأنَّها أمانَةٌ [٨/ ٢٢١ و] يُسْتَحَبُّ إعلامُ صاحِبِها (٣)، كالوَدِيعَةِ. وله أداؤها قبلَ إعلامِه؛ لقَوْلِ النَّبِىِّ

стр. 14489

وَلَا يَجُوزُ ان يَشْهدَ إلَّا بِمَا يَعلَمُهُ بِرُويَةٍ أَوْ سَمَاعٍ. ــ ﷺ : «ألَا أنبئُكُم بِخَيْرِ الشُّهدَاءِ؛ الَّذِى يأْتِى بِشَهادَتِهِ قَبْلَ أنْ يُسْأَلَهَا». روَاه أبو داودَ، وأحمدُ، ومسلمٌ، وابنُ ماجه (١). فيتَعَيَّنُ حَملُ الحديثِ على هذه الصُّورَةِ، جَمعًا بينَ الخَبَريْن. ٥٠١٧ - مسألة: (ولا يَجُوزُ أن يَشْهدَ إلَّا بما يَعلَمُه برُويَةٍ أو سَماع) وجملةُ ذلك، أنَّ الشَّهادةَ لا تجوزُ إلَّا بما يَعلَمُه، بدليلِ قولِ اللهِ تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٢). وقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (٣). وتخْصِيصُ هذه الثلاثةِ بالسُّؤالِ؛ لأنَّ العلمَ بالفُؤادِ، وهو يَسْتَنِدُ إلى السَّمعِ والبصرِ؛ لأنَّ مدرَكَ الشهادةِ الرُّؤْيَةُ والسَّماعُ،

стр. 14490

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهما بالبَصرِ والسمعِ (١). وقد رُوِىَ عن ابنِ عباس، أنَّه قال: سُئِلَ رسولُ اللهِ ﷺ عن الشَّهادةِ، قال: «هلْ تَرَى الشَّمْسَ؟». قال: نعم. قال: «عَلَى مِثْلِها فَاشهد أوْ دَعْ». روَاه الخَلَّالُ بإسْنادِه في «جامِعِه» (٢). إذا ثبتَ هذا، فإنَّ مدرَكَ العلمِ الذى تَقَعُ به الشَّهادَةُ اثنان، السَّمعُ والبَصَرُ، وما عداهما مِن (٣) مَدارِكِ العلمِ؛ كالشَّمِّ، والذَّوْقِ، واللَّمسِ، لا حاجةَ إليها في الشَّهادةِ في الأغْلَبِ.

стр. 14491

وَالرُّويَةُ تَخْتَصُّ بِالأفْعَالِ؛ كَالْقَتْلِ، وَالْغصبِ، وَالسَّرِقَةِ، وَشربِ الْخَمرِ، وَالرضَاعِ، وَالْوِلَادَةِ، وَغَيْرِها. وَالسمَاعُ عَلَى ضَربَيْنِ؛ سَمَاع مِنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، نحوَ الإقْرَارِ، وَالْعُقُودِ، وَالطَلاقِ، وَالعَتَاقِ. ــ ٥٠١٨ - مسألة: (والرُّؤْيَةُ تَخْتص بالأفْعالِ؛ كالقَتْلِ، والغَصبِ، والسَّرِقَةِ، وشُربِ الخَمرِ، والرضاعِ، والوِلادَةِ، وغَيْرِها) فهذا لا تُتَحَمَّلُ الشَّهادةُ فيه (١) إلَّا بالرويَة؛ لأنَّه لا (١) يُمكِنُ الشهادةُ عليه قطعًا، ومِن ذلك الصِّفاتُ المَرئِيَّةُ (٢)؛ كالعيوبِ (٣) في المبيعِ، ونحوِها، فلا يُرجَعُ إلى غيرِ ذلك. ٥٠١٩ - مسألة: (والسَّماع على ضربَيْن؛ سَماعٌ مِن المَشْهُودِ عليه، نحوَ الإقْرارِ، والعُقُودِ، والطَّلاقِ) ونحو ذلك، فيُحتاجُ أن يُسْمَعَ كلامُ المُتَعاقِدَيْن يَقِينًا، ولا تُعتَبَرُ رُويَةُ المُتَعاقِدَيْن إذا عرَفَهما، وتَيَقَّنَ أنَّه

стр. 14492

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كلامُهما. وبهذا قال ابنُ عباس، والزُّهْرى، ورَبِيعَةُ، واللَّيْثُ، وشُرَيْحٌ، وعَطاءٌ، وابنُ أبى ليلَى، ومالكٌ. وذهبَ أبو حنيفةَ، والشافعيُّ، إلى أنَّ الشَّهادةَ (١) لا تجوزُ حتى يُشاهِدَ القائِلُ المَشْهودَ عليه؛ لأنَّ الأصواتَ تَشْتَبِهُ، فلا يَجوزُ أنْ يَشْهدَ عليها مِن غيرِ زُؤيَةٍ، كالخَطِّ. ولَنا، أنَّه عرَفَ المشْهودَ عليه يَقِينًا، فجازَتْ شَهادَتُه عليه، كما لو رآه. وجوازُ اشْتِباهِ الأصواتِ، كجَوازِ اشْتِباهِ الصُّوَرِ، وإنَّما تَجوزُ الشَّهادةُ لمَن عرَفَ المشْهودَ عليه يَقِينًا، وقد يحصُلُ العِلمُ بالسَّماعِ يَقِينًا، وقد اعتبرَه الشَّرْعُ بتَجْوِيزِه الرِّوايةَ مِن غيرِ رُؤْيَةٍ، ولهذا قُبِلَتْ رِوايَةُ الأعْمَى، ورِوايةُ مَن رَوَى عن أزْواجِ رسولِ اللهِ ﷺ مِن غيرِ مَحارِمِهنَّ. فصل: إذا عرَفَ المَشْهودَ عليه باسْمِه وعَيْنِه ونَسَبِه، جازَ أن يَشْهدَ عليه، حاضِرًا كان أو غائِبًا، وإنْ لم يَعرِفْ ذلك، لم يَجُزْ أن يَشْهدَ عليه مع غَيْبَتِه، وجازَ أنْ يَشْهدَ عليه حاضِرًا بمَعرفةِ عَيْنه. نصَّ عليه أحمدُ. قال مُهنَّا: سألتُ أحمدَ عن رجل يَشْهدُ لرَجُل بحقٍّ له على آخَرَ، وهو لا يعرِف اسْمَ هذا، ولا اسْمَ هذا، إلَّا أنَّه يَشْهدُ له، فقال: إذا قال: أشهدُ أنَّ لهذا على هذا كذا (٢). وهما شاهِدَانِ جميعًا، فلا بأسَ، وإذا كان

стр. 14493

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ غائبًا، فلا يَشْهدُ حتى يَعْرِفَ اسْمَه. والمرأةُ كالرَّجُلِ، في أنَّه إذا عرَفَ اسْمَها ونَسَبَها (١)، جازَ أنْ يشْهدَ عليها مع غَيْبَتِها. وإنْ لم يعرِفْها، لم يَشهد عليها إلَّا في حالِ حُضُورِها. قال أحمدُ في رِوايةِ الجَماعةِ: لا يَشْهدُ إلَّا لمَن يعرِفُ، وعلى مَن يَعرِفُ، ولا يَشْهدُ إلَّا على امرأةٍ قد عرَفَها، وإن كانتْ ممَّن عرَفَ اسْمَها، ودُعِيَتْ، وذَهبَتْ، في جاءتْ، فَلْيَشْهد، وإلَّا فلا يَشْهَدْ، فأمَّا إنْ لم يَعْرِفْها، فلا يجوزُ أن يشهدَ مع غَيْبَتِها. ويجوزُ أن يَشْهدَ على عَينها إذا عرَفَ عَيْنَها، ونظَرَ إلى وَجْهها. قال أحمدُ: ولا يَشْهَدُ على امرأةٍ، حتى ينْظُرَ إلي وَجْهِها. وهذا محمولٌ على الشَّهادةِ على مَن لم يتَيقَّنْ مَعرفَتَها. فأمَّا مَن يَتَيَقنُ معرِفَتَها، ويَعرِفُ صَوْتَها (٢) يَقِينًا، فيجوزُ أن يشْهدَ عليها إذا تيقَّنَ صَوْتَها، على ما قَدَّمناه في المسألةِ قبلَها. فإن لم يعرِفِ المشْهودَ عليه، فعرَّفَه عندَه مَن يَعرِفُه، فقد رُوِىَ عن أحمدَ أنَّه قال: لا يَشْهدُ على شَهادَةِ غيرِه إلَّا بمعرِفَتِه لها. وقال: لا يَجوزُ للرَّجلِ أن يقولَ للرَّجلِ: أشْهدُ أنَّ هذه فلانةُ. ويَشْهدَ على شهادَتِه. وهذا صريحٌ في المَنْعِ مِن الشَّهادةِ على مَن لا يعرِفُه بتَعرِيفِ غيرِه. وقال القاضى: يجوزُ أن يُحْمَلَ هذا على الاسْتحبابِ، لتَجْوِيزِه الشَّهادةَ بالاسْتِفاضَةِ. وظاهرُ قولِه المنعُ منه. وقال أحمدُ: لا يَشْهدُ على امرأةٍ إلَّا بإذْنِ زَوْجِها. وهذا يَحتَمِلُ أنَّه

стр. 14494

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لا يَدخُلُ عليها بَيْتَها إلَّا بإذْنِ زَوْجِها؛ لِما رَوَى عمرُو بنُ العاصِ، قال: نَهى رسولُ اللهِ ﷺ أنْ يُسْتأذَنَ على النِّساءِ إلَّا بإذْنِ أزْواجِهنَّ. رواه أحمدُ في «مُسْنَدِه» (١). فأمَّا الشَّهادةُ عليها في غيرِ بييها فجائزَة؛ لأنَّ إقْرارَها صحيح، وتَصَرُّفَها إذا كانتْ رَشِيدَةً صحيحٌ، فجازَ أن يَشْهدَ عليها به. فصل: وإذا عَرَفَ الشّاهدُ خطَّه، ولم يذْكُرِ الشَّهادَةَ، فهل يجوزُ أنْ يَشْهدَ بذلك؟ على رِوايَتَيْن؛ إحداهما، لا يجوزُ. قال أحمدُ في رِوايةِ حربٍ، في مَن يَرَى خَطَّه وخاتَمَه ولا يذْكرُ الشهادةَ: لا يَشْهدُ إلَّا بما يَغلَمُ. وقال في رِوايةٍ: يَشْهدُ إذا عرَفَ خَطَّه، وكيفَ تكونُ الشَّهادةُ إلَّا هكذا؟. وقال في موضع آخَرَ: إذا عَرَفَ خَطَّه، ولم يحْفَظْ، فلا يَشْهدُ، إلَّا أنْ يكونَ مَنْسوخًا عندَه، مَوْضوعًا تحتَ خَتْمِه وحرزِه، فيَشْهدُ وإن لم يَحفَظْ. وقال أيضًا: إذا كان رَدِئَ الحِفْظِ (٢)، فيَشْهَدُ ويَكتُبُها عندَه. وهذه رِوايةٌ ثالثةٌ، وهو أنْ يَشْهدَ إذا كانت مَكْتوبةٌ عندَه بخَطِّه في حِرزِه، ولا يَشْهدُ إذا لم تَكُنْ كذلك، [بمَنْزِلةِ القاضى، في إحدَى الرِّوايتَيْنِ، إذا وجدَ حُكْمَه بخَطِّه تحت خَتْمِه أمضاه] (٣) (٤)، ولا يُمضِيه إذا لم يكُنْ كذلك (٣).

стр. 14495

وَسَمَاعٌ مِنْ جِهةِ الاسْتِفَاضَةِ، فِيمَا يَتَعَذَّرُ عِلْمُهُ فِى الغَالِبِ إِلَّا بِذلِكَ؛ كَالنَّسبِ، وَالْمَوْت، وَالْمِلْكِ، وَالنِّكَاحِ، وَالْخُلْعِ، وَالوَقْفِ وَمصرِفِهِ، وَالْعِتْقِ، وَالوَلَاءِ، وَالْوِلَايةِ، وَالْعَزْلِ، وَمَا أشْبَهَ ذَلِكَ. ــ ٥٠٢٠ - مسألة: الضَّرْبُ الثانِى (سماعٌ مِن جِهةِ الاسْتِفاضَةِ، فيما يَتَعَذَّرُ عِلْمُهُ في الغالِبِ إلَّا بذلك؛ كالنَّسَبِ، والمَوْتِ، والمِلْكِ، والنكاحِ، والخُلْعِ، والوَقْفِ، ومَصرِفِه، والعِتْقِ، والوَلاءِ، والوِلَايةِ، والعَزْلِ، وما أشْبَة ذلك) قال الخِرَقِىُّ: وما تَظاهرَتْ به الأخْبارُ، واسْتَقرَّتْ معرِفَتُه في قَلْبِه، شَهِدَ به، كالشَّهادةِ على النَّسَبِ والوِلادَةِ. أجْمَع أهلُ العلمِ على صِحَّةِ الشَّهادةِ بالنَّسَبِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: لا أعلَمُ أحدًا مِن أهلِ العلمِ مَنعَ منه، ولو مُنِعَ ذلك (١) لاسْتَحالَتْ مَعرِفتُه؛ إذ لا سَبِيلَ إلى مَعرفَتِه قطعًا بغيرِه، ولا تُمكِنُ المُشاهدَةُ فيه، ولو اعتُبِرَتِ المُشاهدَةُ (٢) لمَا عَرَفَ أحدٌ أباه، ولا أمَّه،
следующие страницы →