← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 14491–14530 · переход к 14496.

стр. 14491

وَالرُّويَةُ تَخْتَصُّ بِالأفْعَالِ؛ كَالْقَتْلِ، وَالْغصبِ، وَالسَّرِقَةِ، وَشربِ الْخَمرِ، وَالرضَاعِ، وَالْوِلَادَةِ، وَغَيْرِها. وَالسمَاعُ عَلَى ضَربَيْنِ؛ سَمَاع مِنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، نحوَ الإقْرَارِ، وَالْعُقُودِ، وَالطَلاقِ، وَالعَتَاقِ. ــ ٥٠١٨ - مسألة: (والرُّؤْيَةُ تَخْتص بالأفْعالِ؛ كالقَتْلِ، والغَصبِ، والسَّرِقَةِ، وشُربِ الخَمرِ، والرضاعِ، والوِلادَةِ، وغَيْرِها) فهذا لا تُتَحَمَّلُ الشَّهادةُ فيه (١) إلَّا بالرويَة؛ لأنَّه لا (١) يُمكِنُ الشهادةُ عليه قطعًا، ومِن ذلك الصِّفاتُ المَرئِيَّةُ (٢)؛ كالعيوبِ (٣) في المبيعِ، ونحوِها، فلا يُرجَعُ إلى غيرِ ذلك. ٥٠١٩ - مسألة: (والسَّماع على ضربَيْن؛ سَماعٌ مِن المَشْهُودِ عليه، نحوَ الإقْرارِ، والعُقُودِ، والطَّلاقِ) ونحو ذلك، فيُحتاجُ أن يُسْمَعَ كلامُ المُتَعاقِدَيْن يَقِينًا، ولا تُعتَبَرُ رُويَةُ المُتَعاقِدَيْن إذا عرَفَهما، وتَيَقَّنَ أنَّه

стр. 14492

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كلامُهما. وبهذا قال ابنُ عباس، والزُّهْرى، ورَبِيعَةُ، واللَّيْثُ، وشُرَيْحٌ، وعَطاءٌ، وابنُ أبى ليلَى، ومالكٌ. وذهبَ أبو حنيفةَ، والشافعيُّ، إلى أنَّ الشَّهادةَ (١) لا تجوزُ حتى يُشاهِدَ القائِلُ المَشْهودَ عليه؛ لأنَّ الأصواتَ تَشْتَبِهُ، فلا يَجوزُ أنْ يَشْهدَ عليها مِن غيرِ زُؤيَةٍ، كالخَطِّ. ولَنا، أنَّه عرَفَ المشْهودَ عليه يَقِينًا، فجازَتْ شَهادَتُه عليه، كما لو رآه. وجوازُ اشْتِباهِ الأصواتِ، كجَوازِ اشْتِباهِ الصُّوَرِ، وإنَّما تَجوزُ الشَّهادةُ لمَن عرَفَ المشْهودَ عليه يَقِينًا، وقد يحصُلُ العِلمُ بالسَّماعِ يَقِينًا، وقد اعتبرَه الشَّرْعُ بتَجْوِيزِه الرِّوايةَ مِن غيرِ رُؤْيَةٍ، ولهذا قُبِلَتْ رِوايَةُ الأعْمَى، ورِوايةُ مَن رَوَى عن أزْواجِ رسولِ اللهِ ﷺ مِن غيرِ مَحارِمِهنَّ. فصل: إذا عرَفَ المَشْهودَ عليه باسْمِه وعَيْنِه ونَسَبِه، جازَ أن يَشْهدَ عليه، حاضِرًا كان أو غائِبًا، وإنْ لم يَعرِفْ ذلك، لم يَجُزْ أن يَشْهدَ عليه مع غَيْبَتِه، وجازَ أنْ يَشْهدَ عليه حاضِرًا بمَعرفةِ عَيْنه. نصَّ عليه أحمدُ. قال مُهنَّا: سألتُ أحمدَ عن رجل يَشْهدُ لرَجُل بحقٍّ له على آخَرَ، وهو لا يعرِف اسْمَ هذا، ولا اسْمَ هذا، إلَّا أنَّه يَشْهدُ له، فقال: إذا قال: أشهدُ أنَّ لهذا على هذا كذا (٢). وهما شاهِدَانِ جميعًا، فلا بأسَ، وإذا كان

стр. 14493

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ غائبًا، فلا يَشْهدُ حتى يَعْرِفَ اسْمَه. والمرأةُ كالرَّجُلِ، في أنَّه إذا عرَفَ اسْمَها ونَسَبَها (١)، جازَ أنْ يشْهدَ عليها مع غَيْبَتِها. وإنْ لم يعرِفْها، لم يَشهد عليها إلَّا في حالِ حُضُورِها. قال أحمدُ في رِوايةِ الجَماعةِ: لا يَشْهدُ إلَّا لمَن يعرِفُ، وعلى مَن يَعرِفُ، ولا يَشْهدُ إلَّا على امرأةٍ قد عرَفَها، وإن كانتْ ممَّن عرَفَ اسْمَها، ودُعِيَتْ، وذَهبَتْ، في جاءتْ، فَلْيَشْهد، وإلَّا فلا يَشْهَدْ، فأمَّا إنْ لم يَعْرِفْها، فلا يجوزُ أن يشهدَ مع غَيْبَتِها. ويجوزُ أن يَشْهدَ على عَينها إذا عرَفَ عَيْنَها، ونظَرَ إلى وَجْهها. قال أحمدُ: ولا يَشْهَدُ على امرأةٍ، حتى ينْظُرَ إلي وَجْهِها. وهذا محمولٌ على الشَّهادةِ على مَن لم يتَيقَّنْ مَعرفَتَها. فأمَّا مَن يَتَيَقنُ معرِفَتَها، ويَعرِفُ صَوْتَها (٢) يَقِينًا، فيجوزُ أن يشْهدَ عليها إذا تيقَّنَ صَوْتَها، على ما قَدَّمناه في المسألةِ قبلَها. فإن لم يعرِفِ المشْهودَ عليه، فعرَّفَه عندَه مَن يَعرِفُه، فقد رُوِىَ عن أحمدَ أنَّه قال: لا يَشْهدُ على شَهادَةِ غيرِه إلَّا بمعرِفَتِه لها. وقال: لا يَجوزُ للرَّجلِ أن يقولَ للرَّجلِ: أشْهدُ أنَّ هذه فلانةُ. ويَشْهدَ على شهادَتِه. وهذا صريحٌ في المَنْعِ مِن الشَّهادةِ على مَن لا يعرِفُه بتَعرِيفِ غيرِه. وقال القاضى: يجوزُ أن يُحْمَلَ هذا على الاسْتحبابِ، لتَجْوِيزِه الشَّهادةَ بالاسْتِفاضَةِ. وظاهرُ قولِه المنعُ منه. وقال أحمدُ: لا يَشْهدُ على امرأةٍ إلَّا بإذْنِ زَوْجِها. وهذا يَحتَمِلُ أنَّه

стр. 14494

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لا يَدخُلُ عليها بَيْتَها إلَّا بإذْنِ زَوْجِها؛ لِما رَوَى عمرُو بنُ العاصِ، قال: نَهى رسولُ اللهِ ﷺ أنْ يُسْتأذَنَ على النِّساءِ إلَّا بإذْنِ أزْواجِهنَّ. رواه أحمدُ في «مُسْنَدِه» (١). فأمَّا الشَّهادةُ عليها في غيرِ بييها فجائزَة؛ لأنَّ إقْرارَها صحيح، وتَصَرُّفَها إذا كانتْ رَشِيدَةً صحيحٌ، فجازَ أن يَشْهدَ عليها به. فصل: وإذا عَرَفَ الشّاهدُ خطَّه، ولم يذْكُرِ الشَّهادَةَ، فهل يجوزُ أنْ يَشْهدَ بذلك؟ على رِوايَتَيْن؛ إحداهما، لا يجوزُ. قال أحمدُ في رِوايةِ حربٍ، في مَن يَرَى خَطَّه وخاتَمَه ولا يذْكرُ الشهادةَ: لا يَشْهدُ إلَّا بما يَغلَمُ. وقال في رِوايةٍ: يَشْهدُ إذا عرَفَ خَطَّه، وكيفَ تكونُ الشَّهادةُ إلَّا هكذا؟. وقال في موضع آخَرَ: إذا عَرَفَ خَطَّه، ولم يحْفَظْ، فلا يَشْهدُ، إلَّا أنْ يكونَ مَنْسوخًا عندَه، مَوْضوعًا تحتَ خَتْمِه وحرزِه، فيَشْهدُ وإن لم يَحفَظْ. وقال أيضًا: إذا كان رَدِئَ الحِفْظِ (٢)، فيَشْهَدُ ويَكتُبُها عندَه. وهذه رِوايةٌ ثالثةٌ، وهو أنْ يَشْهدَ إذا كانت مَكْتوبةٌ عندَه بخَطِّه في حِرزِه، ولا يَشْهدُ إذا لم تَكُنْ كذلك، [بمَنْزِلةِ القاضى، في إحدَى الرِّوايتَيْنِ، إذا وجدَ حُكْمَه بخَطِّه تحت خَتْمِه أمضاه] (٣) (٤)، ولا يُمضِيه إذا لم يكُنْ كذلك (٣).

стр. 14495

وَسَمَاعٌ مِنْ جِهةِ الاسْتِفَاضَةِ، فِيمَا يَتَعَذَّرُ عِلْمُهُ فِى الغَالِبِ إِلَّا بِذلِكَ؛ كَالنَّسبِ، وَالْمَوْت، وَالْمِلْكِ، وَالنِّكَاحِ، وَالْخُلْعِ، وَالوَقْفِ وَمصرِفِهِ، وَالْعِتْقِ، وَالوَلَاءِ، وَالْوِلَايةِ، وَالْعَزْلِ، وَمَا أشْبَهَ ذَلِكَ. ــ ٥٠٢٠ - مسألة: الضَّرْبُ الثانِى (سماعٌ مِن جِهةِ الاسْتِفاضَةِ، فيما يَتَعَذَّرُ عِلْمُهُ في الغالِبِ إلَّا بذلك؛ كالنَّسَبِ، والمَوْتِ، والمِلْكِ، والنكاحِ، والخُلْعِ، والوَقْفِ، ومَصرِفِه، والعِتْقِ، والوَلاءِ، والوِلَايةِ، والعَزْلِ، وما أشْبَة ذلك) قال الخِرَقِىُّ: وما تَظاهرَتْ به الأخْبارُ، واسْتَقرَّتْ معرِفَتُه في قَلْبِه، شَهِدَ به، كالشَّهادةِ على النَّسَبِ والوِلادَةِ. أجْمَع أهلُ العلمِ على صِحَّةِ الشَّهادةِ بالنَّسَبِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: لا أعلَمُ أحدًا مِن أهلِ العلمِ مَنعَ منه، ولو مُنِعَ ذلك (١) لاسْتَحالَتْ مَعرِفتُه؛ إذ لا سَبِيلَ إلى مَعرفَتِه قطعًا بغيرِه، ولا تُمكِنُ المُشاهدَةُ فيه، ولو اعتُبِرَتِ المُشاهدَةُ (٢) لمَا عَرَفَ أحدٌ أباه، ولا أمَّه،

стр. 14496

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولا أحدًا مِن أقارِبِه. وقد قال اللهُ تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ (١). وكذلك الوِلادةُ. واخْتَلَفَ أهلُ العلمِ فيما تجوزُ الشهادةُ عليه بالاسْتِفاضَةِ، غيرِ النسَبِ والوِلادةِ، فقال أصْحابُنا: هو تِسعةُ أشْياءَ؛ النِّكاحُ، والمِلْكُ المُطْلَقُ، والوَقْفُ، ومَصرِفُه، والمَوْتُ، والعِتْقُ، والوَلاءُ، والوِلايةُ، والعَزْلُ. وبهذا قال أبو سعيدٍ الإصظَخْرِىُّ، وبعضُ أصْحابِ الشافعىِّ. وقال بعضُهم: لا تجوزُ في الوَقْفِ والوَلاء والعِتْقِ. والزَّوْجِيةِ؛ لأنَّ الشهادَةَ مُمكِنَةٌ فيه بالقَطْعِ، ولأنَّه (٢) شَهادَة بعَقْدٍ، فأشْبَهُ سائرَ العُقودِ. وقال أبو حنيفةَ: لا تُقْبَلُ إلَّا في النِّكاحِ والموْتِ، ولا تُقْبَلُ في المِلْكِ المُطْلَقِ؛ لأنَّه (٢) شهادة بمالٍ، فأشْبَة الدَّيْنَ. وقال صاحِباه: تُقْبَلُ في الوَلاءِ، مثلَ عِكْرِمَةَ مولَى ابنِ عبَّاسٍ. ولَنا، أنَّ هذه تَتَعذرُ الشَّهادةُ عليها في الغالبِ بمُشاهدَتِها، أو مُشاهدَةِ أسْبابِها، لجازَتِ الشَّهادةُ عليها بالاسْتِفاضَةِ، كالنَّسَبِ. قال مالكٌ: ليس عندَنا مَن يَشْهدُ على أحباسِ (٣) أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ إلا بالسَّماعِ. وقال: السَّماعُ في الأحْباسِ (٤) والوَلاءِ

стр. 14497

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ جائِرٌ. وقال أحمدُ في رِوايَةِ المَرُّوذِىِّ: اشْهد أنَّ دارَ بَخْتانَ لبَخْتَانَ، وإن لم يُشْهِدكَ. وقيلَ له: تَشْهدُ أنَّ فُلانةَ امرأةُ فلانٍ، ولم تَشْهَد (١)؟ فقال: نعم، إذا كانَ مُسْتَفيضًا، فأشْهدُ، أقولُ: إنَّ فاطمةَ بنتُ رسولِ اللهِ ﷺ ، وإنَّ خَديجةَ وعائشةَ زَوْجَتاه، وكُلُّ أحدٍ يشهدُ بذلك مِن غيرِ مُشاهدةٍ. فإن قيلَ: يُمكِنُه العِلمُ بذلك (٢) بمُشاهدَةِ السَّبَبِ. قُلْنا: وُجودُ السَّبَبِ لا يُفِيدُ العِلْمَ بكَوْنِه سَبَبًا يَقِينًا، فإنَّه يجوزُ أن يَشْتَرِىَ ما ليس بمِلْكِ البائعِ، ويَصْطادَ صيدًا صادَه غيرُه، ثم انْفلَتَ منه، وإن تُصُوِّرَ ذلك، فهو نادرٌ. وقولُ أصْحابِ الشافعىِّ: تُمكِنُ الشَّهادةُ على الوَقْفِ باللَّفْظِ. لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الشَّهادةَ ليستْ بالعُقودِ ههُنا، إنَّما يُشْهدُ بالوَقْفِ

стр. 14498

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الحاصِلِ بالعَقْدِ، فهو بمَنْزِلةِ المِلْكِ، وكذلك يُشْهدُ بالزَّوْجِيَّةِ دونَ العَقْدِ، وكذلك الحُرِّيّةُ والوَلَاءُ، وهذه جَمِيعُها لا يُمكِنُ القَطْعُ بها، كما لا يمكِنُ القَطْعُ بالمِلْكِ؛ لأنَّها مُرَتَّبَةٌ عليه، فوَجب أنْ تجوزَ الشَّهادةُ فيها بالاسْتِفاضَةِ، كالمِلْكِ سَواءً.

стр. 14499

وَلَا تُقْبَلُ الاسْتِفَاضَةُ إلَّا مِنْ عَدَدٍ يَقَعُ الْعِلْمُ بِخَبَرِهِمْ، فِى ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِىِّ. وَقَالَ القَاضِى: تُسْمَعُ مِنْ عَدلَيْنِ فَصَاعِدًا ــ ٥٠٢١ - مسألة: (ولا تُقْبَلُ الاسْتِفاضَةُ إلَّا مِن عَدَدٍ يَقَعُ العِلمُ بِخَبَرِهم، في ظاهِرِ كَلامِ أحمدَ وَالخِرَقِىِّ. وقال القاضى: تُسْمَعُ مِن عَدلَيْنِ فَصَاعِدًا [ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ والخِرَقِى، أنّه لا يَشْهدُ بالاسْتِفاضَةِ، حتى يسمعَ مِن عَدَدٍ كثيرٍ، يَحصُلُ العلمُ بخَبَرِهم. وذكرَ القاضى في «المُجَرَّدِ» أنَّه يَكْفِى أن يَسْمَعَ مِن اثنين عدلَين، يَسْكُنُ قَلْبُه إلى خَبَرِهما] (١)؛ لأنَّ الحُقوقَ تَثْبُتُ بقَوْلِ اثْنَيْنِ. وهذا قَوْلُ المتأخرينَ مِن أصْحابِ الشَّافعىِّ. والقولُ الأوَّلُ هو الذى تَقْتَضِيهِ لَفْظَةُ الاسْتِفاضَةِ، فإنَّها مَأخُوذَةٌ مِن فَيْضِ الماءِ؛ لكَثْرَتِه، ولأنَّه لو اكْتُفِىَ فيه بقَوْلِ اثْنَيْنِ،

стр. 14500

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لاشْتُرِط (١) فيه ما يُشتَرَطُ في الشَّهادةِ على الشَّهادةِ، وإنَّما اكْتُفِىَ بمُجَرَّدِ السَّماعِ. وقد ذكرَ شيْخُنا، في كتابِ «المُقْنِعِ» (٢) الخُلْعَ فيما يثْبُتُ بالاسْتِفاضَةِ، ولم يذْكُره في «المُغْنِى»، ولا في «الكَافِى»، ولا رأَيْتُه في كتابٍ غيرِه، ولعَله قاسَه على النِّكاحِ، والأوْلَى أنَّه لا يثْبُتُ، قِياسًا على الطَّلاقِ والنّكاحِ؛ [لأنَّه يَشْتَهِرُ] (٣)، بخِلافِ الخُلْعِ.

стр. 14501

[٣٤٥ ظ] وإنْ سَمِعَ إنْسَانًا يُقِرُّ بِنَسَبِ أبٍ، او ابْنٍ، فَصَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ، جَازَ انْ يَشْهَدَ بِهِ، وَإنْ كَذَّبَهُ، لَمْ يَشْهَدْ، وَإنْ سَكَتَ، جَازَ أنْ يَشْهَدَ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَشْهَدَ حَتَّى يَتَكَرَّرَ. ــ ٥٠٢٢ - مسألة: (وإن سَمِعَ إنْسانًا يُقِرُّ بِنَسَبِ أبٍ، أو ابنٍ، فَصَدَّقَه المُقَرُّ لَه، جاز أن يَشْهَدَ) له (به، وإن كَذَّبَه، لم يَشْهَدْ، وإن سَكَتَ، جَازَ أن يَشْهَدَ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَشْهَدَ حَتَّى يَتَكَرَّرَ) إذا سمِعَ رجلًا يقولُ للصَّبِىِّ: هذا ابنى. جازَ أن يَشْهَدَ به؛ لأنَّه مُقِرٌّ بنَسَبِه. وإنْ سمِعَ الصَّبِىَّ يقولُ: هذا أبي. فسكتَ الأبُ، جازَ أن يَشْمهَدَ (١) أيضًا؛

стр. 14502

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ، لأنَّ سُكوتَ الأبِ إقْرار له، والإقْرارُ يَثْبُتُ به النَّسَبُ، فجازَتِ الشَّهادةُ به، وإنَّما أُقِيمَ السُّكوتُ ههنا مُقامَ الإقْرارِ؛ لأنَّ الإِقْرارَ على الانْتِسَابِ الباطِلِ غيرُ جائز، بخِلافِ سائرِ الدَّعاوَى، ولأنَّ النَّسَبَ يغْلِبُ فيه الإِثْباتُ، ألا تَرَى أنَّه يَلْحَقُ بالإِمْكانِ في النِّكاحِ (١). ويَحْتَمِلُ أن لا يَشْهدَ حتى يَتَكَرَّرَ. ذكَرَه أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّ السُّكوتَ ليس بإقْرار

стр. 14503

وإنْ رَأَى شَيْئًا فِى يَدِ إنْسَانٍ، يَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرفَ المُلَّاكِ؛ مِنَ النقْضِ، وَالْبِنَاءِ، وَالإجَارَةِ، وَالإعَارَةِ، وَنَحْوِها، جَازَ أنْ يَشْهدَ بالْمِلْكِ لَهُ. وَيَحتَمِلُ أنْ لَا يَشْهدَ إلأ بَالْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ. ــ حَقِيقِىٍّ، وإنَّما أقِيم مُقامَه، فاعتُبِرَتْ تَقْوِيتُه بالتَّكْرارِ، كما اعتُبِرَتْ تَقْويَةُ اليَدِ في العَقارِ بالاسْتِمرارِ. ٥٠٢٣ - مسألة: (وإن رَأى شيئًا فِى يَدِ إنْسانٍ، يَتَصَرَّفُ فيه تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ؛ مِن النقْضِ، والبِنَاءِ، والإجارَةِ، والإعَارَةِ، ونَحوها، جاز أن يَشْهدَ له بِالْمِلْك) قال ذلك أبو عبدِ اللهِ ابنُ حامدٍ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، والإصْطَخْرِىِّ مِن أصحاب الشافعىِّ (ويَحتَمِلُ أن لا يشْهدَ إلَّا باليَدِ والتَّصَرُّفِ) ذكَرَه القاضى؛ لأنَّ اليدَ ليستْ مُنْحصِرَةً في المِلْكِ،

стр. 14504

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فإنَّه قد تكونُ بإجارَةٍ وإعارَةٍ وغَصْبٍ ووَكَالَةٍ. وهو قولُ بعضِ أصْحابِ الشافعىِّ. ووَجْهُ الأوَّلِ، أن اليدَ دليلُ المِلكِ، واسْتِمرارُها مِن غيرِ مُنازِعٍ يُقَوِّيها، فجرَتْ مَجْرَى الاسْتِفاضَةِ، فجازَ أن يَشْهدَ بها، كما لو شاهدَ سَبَبَ اليَدِ، مِن بَيْعٍ، أو إرثٍ، أو هِبَةٍ، واحتمالُ كَوْنِها عن (١) غَصْبٍ أو (٢) إجارَةٍ أو نحوِ ذلك، يُعارِضُه اسْتِمرارُ اليَدِ مِن غيرِ مُنازِعٍ، فلا يبقَى مانِعًا، كما لو شاهدَ سَبَبَ اليَدِ؛ فإنَّ احتِمالَ كَوْنِ البائعِ غيرَ المالكِ والوارِثِ والواهِبِ، لا يَمنَعُ الشَّهادةَ، كذا ههُنا. فإن قيلَ: فإذا بَقِىَ الاحتِمالُ لم يَحصُلِ العلمُ، ولا تجوزُ الشَّهادةُ إلَّا بما يَعلَمُ. قُلْنا: الظَّنُّ يُسَمَّى عِلْمًا، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ (٣)؛ ولا سبيلَ إلى العلمِ اليَقِينىِّ ههُنا، فجازَتْ (٤) بالظَّنِّ.

стр. 14505

فصل: وَمَنْ شَهِدَ بِالنِّكَاحِ، فَلَا بدَّ مِنْ ذِكْر شُرُوطِهِ، وأنَّهُ تزَوّجَها بِوَلِى مرشِدٍ، وَشاهِدَىْ عَدلٍ، وَرِضَاهَا. ــ فصل: قال الشيِخ، ﵀: (ومَن شَهِدَ بالنِّكاحِ، فلا بُدَّ مِن ذِكْرِ شُروطِه، وأنَّه تزَوَّجَها بوَلِى مرشِدٍ، وشاهِدَىْ عَدلٍ، ورِضاها) لأنَّ النَّاسَ يخْتَلِفُون في شُروطِه، فيَجِبُ ذِكْرُها، لئَلَّا يكونَ الشاهِدُ مُعتَقِدًا صِحَّةَ النِّكاحِ وهو فاسِدٌ. فإن شَهِدَ بعَقْدٍ سِواهُ؛ كالبَيْعِ، والإِجارَةِ،

стр. 14506

وَإن شَهِدَ بِالرَّضَاعِ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكرِ عَدَدِ الرَّضَعَاتِ، وَأَنَّهُ ــ فهل يُشْتَرطُ ذِكْرُ شُروطِه؟ على رِوايَتَيْن مَبْنِيَتّيْن على الرِّوايَتَيْن فيما إذا (١) ادَّعاها، وقد ذكَرناه. ٥٠٢٤ - مسألة: (وإن شَهِدَ بالرَّضاعِ، فلا بُدَّ مِن ذِكْرِ عَدَدِ

стр. 14507

شَرِبَ مِنْ ثَديها، أوْ مِنْ لَبَنٍ حُلِبَ مِنْهُ. وإنْ شَهِدَ بِالْقَتْلِ، احتَاجَ أنْ يَقُولَ: ضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ. أوْ: جَرَحَهُ فَقَتَلَهُ. أَوْ: مَاتَ مِنْ ذَلِكَ. فَإنْ قَالَ: جَرَحَهُ فَمَاتَ. لَمْ يحكم بِهِ. ــ الرَّضَعاتِ، وأنَّه شَرِبَ مِن ثَديِها، أو مِن لَبَن حُلِبَ منه) لأنَّ الناسَ يَخْتَلِفُون في الرَّضَعاتِ، وفى الرَّضاعِ المُحَرِّمِ. فإن شَهِدَ أنَّه ابْنُها مِن الرضاع، لم يَكْفِ؛ لاخْتِلافِ الناسِ فيما يصِيرُ به ابنها، ولا بُدَّ مِن ذِكْرِ أنَّ ذلك في الحَوْلَيْنِ. ٥٠٢٥ - مسألة: (وإن شَهِدَ بالقَتْلِ، احتَاجَ أن يَقُولَ: ضَرَبَه بالسَّيْفِ. أو: جَرَحَه فقَتَلَه. أو: مات مِن ذلك. فإن قال: جَرَحَه فماب لم يحْكَم به) لجَوازِ أن يكونَ ماتَ بغيرِ هذا. وقد رُوِىَ عن شرَيح، أنَّه شهِدَ عندَه رجل، فقال: اتَّكَأَ عليه بمِرْفَقِه (١) فماتَ. فقال له (٢) شُرَيْح: فماتَ منه، أو فقتلَه؟ فأعادَ القولَ الأوَّلَ، فأعادَ عليه شُرَيْحٌ سُؤالَه، فلم يقُلْ: فقتَلَه. ولَا: ماتَ منه. فقال له شُرَيْحٌ: قُم، فلا شهادةَ لكَ. رَواه سَعِيدٌ.

стр. 14508

وإنْ شَهِدَ بِالزِّنَى، فَلَا بُدَّ أنْ يَذْكُرَ بِمَنْ زَنَى، وَأيْنَ زَنَى، وَكَيْفَ زَنَى، وَأنهُ رأى ذَكَرَهُ فِى فَرْجِهَا. وَمِن أصحَابِنَا مَنْ قَالَ: لَا يُحتَاجُ الَى ذِكْرِ الْمَزْنِىِّ بِها، وَلَا ذِكْرِ الْمَكَانِ. ــ ٥٠٢٦ - مسألة: (وإن شَهِدَ بالزِّنَى، فلا بُدَّ أن يَذْكُرَ بِمَن زَنَى، واينَ زَنَى، وأنَّه رَأى ذَكَرَه في فَرجِها) لأنَّ اسْمَ الزِّنَىٍ يُطْلَقُ على ما لا يُوجِبُ الحَدَّ، وقد يعتَقِدُ الشَّاهِدُ ما ليس بزِنًى زِنًى، فاعتُبِرَ ذِكْرُ صِفَتِه؛ ليَزُولَ الاحتِمالُ، واعتُبِرَ ذِكْرُ المرأةِ؛ لئَلَّا تكونَ ممَّن تَحِلُّ له، أو له في وَطْئِها شُبْهةٌ، وذِكْرُ المكانِ؛ لئَلَّا تكونَ الشهادةُ منهم على فِغلَيْن (ومِن أصحابِنا مَن قال: لا يُحتاجُ إلى ذِكْرِ الْمَزْنِىِّ بها، ولا ذِكْرِ المكانِ) لأنَّه محَلُّ الفِعلِ، فلا يُعتبرُ ذِكْرُه، كالزمانِ. والأوَّلُ أولَى، والزَّمانُ ممنوع، في أحَدِ الوَجْهيْن، فإنَّه يُشْتَرَطُ ذِكْرُهُ؛ لتَكُونَ شهادَتهم على فعل واحدٍ، لجوازِ أنْ يكونَ ما شَهِدَ به أحدُهما غيرَ ما شَهِدَ به الآخَرُ، ولأنَّ الناسَ اخْتَلَفُوا في الشهادةِ في الحَدِّ مع تَقادُمِ الزمانِ، فقال ابنُ أبى موسى: لاتُقْبَلُ؛ لأنَّ عمرَ قال: مَن شَهِدَ على رجلٍ بحَدٍّ، فلم يَشْهَدْ

стр. 14509

[٤١٦ و] وَمَنْ شَهِدَ بِالسَّرِقَةِ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ، وَالنِّصَابِ، وَالْحِرزِ، وَصِفَةِ السرِقَةِ. وَإنْ شَهِدَ بِالْقَذْفِ، ذَكَرَ المَقْذُوفَ وَصِفَةَ الْقَذْفِ. وَإنْ شَهِدَا أنَّ هذَا العَبْدَ ابنُ أَمَةِ فُلَانٍ، لَمْ يُحكم لَهُ بِهِ حَتَّى يَقُولَا: وَلَدَتْهُ فِى مِلْكه. ــ حينَ يُصِيبُه، فإنَّما يشْهدُ على ضِغْن (١). وقال غيرُه مِن أصحابِنا: تُقْبَلُ؛ لأنَّها شهادةٌ بحقٍّ، فجازَتْ مع تَقادُمِ الزمانِ، كالقِصاصِ، ولأنَّه قد يَعرِضُ له ما يَمنَعُه الشَّهادةَ في حِينها، ويتَمَكَّنُ منها بعدَ ذلك. ٥٠٢٧ - مسألة: (ومَن شَهِدَ بِالسَّرِقَةِ، فَلَا بُدَّ مِن ذِكْرِ المَسْرُوقِ منه، والنِّصابِ، والحِززِ، وصِفَةِ السَّرِقَةِ) لاخْتِلافِ العُلَماءِ في ذلك. ٥٠٢٨ - مسألة: (وإن شَهِدَ بِالْقَذْفِ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ المَقْذُوفِ، وَصِفَةِ الْقَذْفِ) لذلك. ٥٠٢٩ - مسألة: (وإن شَهِدا أنَّ هذا العَبْدَ ابنُ أمَةِ فُلانٍ، لم يُحكَم له به حَتَّى يَقولا: وَلَدَتْهُ في مِلْكِه) إذا ادَّعَى عبدًا أنَّه له، فشَهِدَ له شاهِدان

стр. 14510

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أنَّه ابنُ أمَتِه، أو ادَّعَى ثَمَرةَ شَجَرَة، فشَهِدَتْ له البَينةُ أنَّها ثَمَرَةُ شَجَرَتِه، لم يُحكم له بها؛ لجَوازِ أنْ تكونَ ولَدَتْه (١) قبلَ تَملُّكِها، وأثْمَرتِ الشَّجَرَةُ هذه الثَّمَرةَ قبلَ مِلْكِه إيَّاها. وإن قالتِ البَيِّنَةُ: ولَدَتْه في مِلْكِه. أو (٢): أثْمَرتْها في مِلْكِه. حُكِمَ له بالوَلَدِ والثَّمرَةِ؛ لأنَّها شَهِدَتْ أنَّها نَماءُ مِلْكِه، [ونماءُ مِلْكِه مِلْكُه] (٣)، ما لم يَرِد سبب ينْقُلُه عنه. فإن قيل: فقد قُلْتُم: لا تُقْبَلُ شَهادَةٌ بالمِلْكِ السَّابِقِ على الصَّحِيحِ، وهذه شَهادَةٌ بمِلْكٍ سَابِقٍ. قُلْنا: الفَرقُ بينَهما على تقْديرِ (٤) التَّسْلِيمِ، أنَّ النَّماءَ تَابعٌ للمِلْكِ في الأصلِ، فإثْباتُ مِلْكِه في الزَّمَنِ الماضِى على وَجْهِ التَّبَعَ (٥)، وجَرَى مَجْرَى ما لو قال: مَلَكْتُه منذُ سَنَةٍ. وأقامَ البَيِّنَةَ بذلك، فإنَّ مِلْكَه يثبت في الزَّمَنِ الماضِى تَبعًا للحالِ، فيكونُ له النّماءُ فيما مَضَى، ولأنَّ البَيِّنَةَ ههُنا شَهِدَتْ بسَبَبِ المِلْكِ، وهو وِلادَتُها، أو (٦) وُجُودُها في مِلْكِه، فقَوِيت بذلك، ولهذا لو شَهِدَتْ بالسَّبَبِ (٧) في الزَّمَنِ

стр. 14511

وإنْ شَهِدَا أنَّهُ اشْتَرَاها مِنْ فُلَانٍ، او وَقَفَها عَلَيْهِ، او أعتَقَها، لَمْ يحكَم لَهُ بِها حَتَّى يَقُولَا: وَهِىَ فِى مِلْكِهِ. وإنْ شَهِدَا أنَّ هذَا الغَزْلَ مِنْ قُطْنِهِ، أوِ الطَّيْرَ مِنْ بَيْضَتِهِ، وَالدَّقِيقَ مِنْ حِنْطَتِهِ، حُكِمَ لَهُ بِها. ــ الماضِى، فقالتْ: أقْرَضَه ألفًا. أو: بَاعَه. ثَبَت المِلْكُ وإن لم يذْكُره، فمع ذِكْرِه أوْلَى. ٥٠٣٠ - مسألة: (وإن شَهِدَتْ أنَّه اشْتَراها مِن فُلَانٍ، أو وَقَفَها عليه، أو أعتَقَها، لم يحكم بها حتى يَقُولَا: وَهِى في مِلْكِهِ) لما ذكَرنا في المسألةِ قبلَها، ولأنَّه يجوزُ أن يَبِيعَ ويَقِفَ ويُعتِقَ ما لا يَملِكُ. ٥٠٣١ - مسألة: (وإن شَهِدَا (١) أن هذَا الْغَزْلَ مِن قُطنهِ، أو الطَّائِرَ مِن بَيْضَتِهِ، أو الدَّقِيقَ مِن حِنْطَتِهِ، حُكِمَ له بها) لأنَّه لا يُتَصَوَّرُ أن يكونَ الطيرُ مِن بَيْضَتِه قبلَ مِلْكِه البَيْضَةَ، وكذلك الغَزْلُ والدقِيقُ، ولأنَّ الغزْلَ عَيْنُ القُطْنِ، وإنَّما تغَيَّرَتْ صِفَتُه، والدقِيقَ أجْزاءُ الحِنْطَةِ

стр. 14512

وإذَا مَاتَ رَجُلٌ، فَادعَى آخَرُ أنهُ وَارِثُهُ، فَشَهِدَ لَهُ شَاهِدَانِ أنَّهُ وَارِثُهُ، لَا يَعلَمَانِ لَهُ وَارِثًا سِوَاهُ، سُلِّمَ الْمَالُ إلَيْهِ، سَوَاء كَانَا مِنْ أهْلِ الخِبْرَةِ البَاطِنَةِ أوْ لَمْ يَكُونَا. وإنْ قَالَا: لَا نعلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ فِى هذَا الْبَلَدِ. احتَمَلَ أنْ يُسَلمَ الْمَالُ إلَيْهِ، وَاحتَمَلَ أنْ لَا يُسَلَّمَ إلَيْهِ، حَتَّى يَسْتَكْشِفَ القَاضِى عَنْ خبَرِهِ فِى الْبُلْدَانِ الَّتِى سَافَرَ إلَيْها. ــ تفَرقَتْ، والطيرَ هو البَيْضُ اسْتَحَالَ، فكأنَّ البَينةَ قالتْ: هذا غَزْلُه ودَقيقُه وطَيْرُه. وليس كذلك الوَلَدُ والثَّمَرَةُ، فإنَّهما غيرُ الأمِّ والشجَرَةِ. ولو شَهِدَا (١) أن هذه البَيْضَةَ من طَيْرِه، /لم يحكم له بها حتى يقولَا (٢): باضَها في مِلْكِه. لأنَّ البَيْضَةَ غيرُ الطيرِ، وإنَّما هى من نَمَائِه، فهى كالوَلَدِ. ومذهبُ الشافعىِّ في هذا الفَصلِ على ما ذكَرْنا. ٥٠٣٢ - مسألة (٣): (وإذا ماتَ رجلٌ، فادَّعَى آخَرُ أنَّه وَارِثه، فشَهِد له شاهِدان أنَّه وَارِثُه، لا يَعلَمان له وارِثًا غيرَه، سُلِّم المالُ. إليه، سَواءٌ كانا مِن أهلِ الخِبْرَةِ الباطِنَةِ أو لم يكُونا. وإنْ قالا: لا نعْلَمُ له وارِثًا غيرَه في هذا البَلَدِ. احتَمَل أن يُسَلَّمَ المالُ إليه، واحتَمَلَ أنْ لا يُسَلَّمَ إليه، حتى يَسْتَكْشِفَ القاضِى عن خَبَرِه في البُلْدَانِ التى سافَرَ إليها) وجملةُ

стр. 14513

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذلك، أنَّ مَن ادَّعَى أنَّه وارِثُ فُلانٍ الميِّتِ، فشَهِد له شاهِدَان أنَّه وارِثُه، لا يَعلَمانِ له وارِثًا غيرَه، قُبِلَتْ شَهادَتُهما، وسُلِّمَ المالُ إليه. وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والشافعىُّ، والعَنْبَرِىُّ. وقال ابنُ أبى ليلَى: لا تُقْبَلُ حتى (١) يُبَيِّنَا أنَّه لا وارِثَ له سِوَاه. ولَنا، أنَّ هذا ممَّا لا يُمكِنُ عِلْمُه، فَكَفَى فيه الظاهِرُ مع شَهادَةِ الأصلِ بعَدَم وارِثٍ آخَرَ. قال أبو الخَطَّابِ: سَواءٌ كانا مِن أهْلِ الخِبْرَةِ الباطِنَةِ أو لم يَكُونَا. وكذلك ذَكَرَه شيْخُنا.

стр. 14514

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ويَحتَمِلُ أنْ لا تُقْبَلَ إلَّا مِن أهلِ الخِبْرَةِ الباطِنَةِ؛ لأنَّ عدَمَ عِلْمِهمِ بوارِثٍ آخَرَ ليسَ بدَليلٍ على عَدَمِه، بخِلافِ أهلِ الخِبْرَةِ الباطِنَةِ، فإنَّ الظاهِرَ أنَّه لو كان له وارِثٌ آخَرُ، لم يَخْفَ عليهم. وهذا قولُ الشافعىِّ. فأمَّا إن قالَا: لا نَعلَمُ له وارِثًا بهذه البَلْدَةِ، أو: بأرضِ كذا وكذا. احتَمَل أنْ يُسَلَّمَ المالُ إليه. وبه قال أبو حنيفةَ، كما لو قال: لا نَعلَمُ له وارِثًا. وذُكِرَ ذلك مذْهبًا لأحمدَ. واحتَمَلَ أنَّ هذا ليس بدَليلٍ على عَدَمِ وارِثٍ سِوَاهُ؛ لأنَّهما قد يعلَمان أنَّه لا وارِثَ له في تلك الأرضِ، ويَعلَمان له وارِثًا في غيرِها، فلم تقْبَلْ شَهادَتُهما، كما لو قال: لا نعلَمُ له وارِثًا في هذا (١) البَيْتِ. وهذا قولُ مالِكٍ، والشافعىِّ، وأبي يوسف، ومحمدٍ. وهو أوْلَى، إنْ شاءَ اللهُ تعالى.

стр. 14515

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: إذا ماتَ رجلٌ، فشَهِدَ رجُلان أنَّ هذا الغلَامَ ابنُ فُلانٍ (١) الميِّتِ، لا نعلم له وارِثًا سِواه، وشَهِدَ آخَرَان لآخَرَ أنَّ هذا الغلامَ ابن هذا الميِّتِ، لا نعلم له وارِثًا سِواه، فلا تَعارضَ بينَهما، وثَبَتَ نَسَبُ الغلَامَيْن منه، ويكون الإرْثُ بينَهما؛ لأنَّه يجوزأنْ تعلَمَ كلُّ بَينةٍ ما لم تعلَمه الأُخْرَى.

стр. 14516

وَتَجُوزُ شَهادَةُ الْمُسْتَخْفِى. ــ ٥٠٣٣ - مسألة: (وَتَجُوزُ شَهادَةُ المُسْتَخْفِى) المُسْتَخْفِى: هو الذى يُخْفِى نَفْسَه عن المَشْهُودِ عليه؛ ليَسْمَعَ إقْرارَه، ولا يعلَمَ به، مثلَ مَن (١) يَجْحَدُ الحَقَّ عَلانِيَةً، ويُقِرُّ به سِرًّا، فيَخْتَبِئُ شاهِدَان في مَوْضِعٍ لا يَعلَمُ بهما، ليَسْمَعا إقْرارَه به، ثم يَشهدا به، فشَهادَتُهما مَقْبُولَةٌ، على الرِّوايَةِ الصَّحِيحَةِ. وبهذا قال عمرُو بنُ حُرَيْثٍ، وقال: كذلك يُفْعَلُ بالخائنِ والفاجِرِ (٢). ورُوِىَ مثلُ ذلك عن شُرَيْحٍ (٣). وهو قولُ الشافعىِّ. ورُوِىَ عن أحمدَ رِوَاية اخْرَى، لا تسْمَعُ شَهادَتُه. اخْتارَه أبوِ بكر، وابنُ أبى موسى. ورُوِىَ ذلك عن شُرَيْح (٤)، والشَّعبِىِّ (٥)؛ لأنَّ

стр. 14517

وَمَنْ سَمِعَ رَجُلًا يُقِرُّ بِحَق، أوْ يُشْهِدُ شَاهِدًا بِحَقٍّ، أوْ سَمِعَ الْحَاكِمَ يَحكُمُ، أوْ يُشْهِدُ عَلَى حُكْمِهِ وَإنْفَاذِهِ، فِى [٣٤٦ ظ] إحدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَلَا يَجُوزُ فِى الأخْرَى حَتَّى يُشهِدَهُ عَلَى ذَلِكَ. ــ الله تعالى قال: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ (١). ورُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ أنَّه قال: «مَنْ حَدَّثَ بحَدِيثٍ، ثُمَّ الْتَفَتَ، فَهِىَ أمَانَةٌ» (٢). يَعنِى أنَّه لا يجوزُ لسامِعِه ذِكْرُه عنه؛ لالْتِفاتِه وحَذَرِه. وقال مالكٍ: إن كان المشْهُودُ عليه ضَعِيفًا ينْخَدِعُ، لم يُقْبَلا عليه، وإنْ لم يكُنْ كذلك، قُبِلَتْ. ولَنا، أنَّهما شَهِدَا بما سَمِعَاه يَقِينًا، فقُبِلَتْ شَهادَتهما، كما لو عَلِمَ بهما. ٥٠٣٤ - مسألة: (ومَن سَمِعَ رجلًا يُقِرُّ بحَق، أو يُشْهِدُ شاهِدًا بِحَق، أو سَمِعَ حاكِمًا يحكُمُ، أو يُشهِدُ على حُكمِهِ وإنْفاذِهِ) جاز أن يَشْهدَ به (في إحدَى الروايَتَيْن. ولا يَجُوزُ في الأخْرَى حتى يُشْهِدَه على ذلك اخْتلفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ، ﵀، في مَن سَمِعَ

стр. 14518

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رجلًا يُقِرُّ بحَق، فالمذهبُ أنَّه يجوزُ أن يَشْهدَ عليه وإن لم يَقلْ للشّاهِدِ: اشْهد علىَّ. وهى التى ذكَرَها الخِرَقِىُّ. وبه قال الشَّعبِى، والشافعيُّ. وعن أحمدَ رِواية ثانية، لا يَشْهدُ حتى يقولَ له المُقِرُّ: اشْهَدْ علىَّ. كما لا يجوزُ أن يَشْهدَ على شَهادَةِ (١) رجل حتى يَسْتَرعِيَه إيَّاها، ويقولَ له: اشْهد على شَهادَتِى. وعنه رواية ثالثَة، إذا سَمِعَه يُقِرُّ بقرضٍ، لا يَشْهدُ، وإذا سَمِعَه يُقِرُّ بدَيْنٍ، شَهِدَ؛ لأنَّ المُقِر بالدَّيْنِ مُعتَرِفٌ أنَّه عليه، والمُقِرَّ بالقَرضِ لا يَعتَرِفُ بذلك، لجَوازِ أنْ يكونَ قد وَفّاه. وعنه رِواية رابعة: إذا سَمِعَ شيئًا، فَدُعِىَ إلى الشَّهادَةِ به، فهو (١) بالخِيارِ؛ إن شاء شَهِدَ، وإن شاء لم يَشْهد. قال: ولكنْ يَجِبُ عليه إذا اشْهِدَ (٢) أن يَشْهدَ، [إذا دُعِىَ] (٣)، ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ (٤). قال: إذا أُشْهِدُوا (٥).

стр. 14519

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقال ابنُ أبى موسى: إذا سَمِعَ رجلًا يُقِرُّ لرَجل بحَق، ولم يَقُلْ: اشْهد علىَّ بذلك. وَسِعَ (١) الشَّاهِدَ أنْ يَشْهدَ عليه، فيقولَ: أشْهدُ أنِّى حَضَرتُ إقْرارَ فُلانٍ بكذا. [وإنْ سَمِعَه] (٢) يقولُ: اقْتَرَضْتُ مِن فُلانٍ. أو: قَبَضْتُ مِن فُلانٍ. لم يَجُزْ أنْ يَشْهدَ به. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ الشّاهِدَ يَشْهدُ بما عَلِمَه، وقد حصَلَ له العلمُ بسَماعِه، فجازَأن يَشْهدَ به، كما يجوزُ أن يَشْهدَ بما رآهُ مِن الأفْعالِ. فأمَّا الشهادةُ على الشَّهادةِ، فهى ضَعِيفَةٌ، فاعتُبِرَتْ تَقْوِيَتُها بالاسْترعاءِ. وذَكَرَ القاضى أنَّ في الأفْعالِ رِوايَتَيْن؛ إحداهما، لا يَشْهدُ به حتى يقولَ له المشْهودُ عليه: اشْهد. قال شيْخُنا (٣): وهذا إن أرادَ به العُمومَ في جميعِ الأفْعالِ، فلا يَصِحُّ؛ لأنَّ ذلك يُؤدِّى إلى مَنْعِ الشَّهادةِ عليها (٤) بالكُلِّيَّةِ، فإنَّ الغاصِبَ لا يقولُ لأحَدٍ: اشْهد أنِّى غَصَبْتُ. ولا السّارِقُ، ولا الزَّانِى، ولا القاتِلُ (٥)،

стр. 14520

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأشْباهُ هؤلاءِ، وقد شَهِدَ أبو بَكْرةَ وأصحابُه على المُغِيرةِ [بنِ شُعبَةَ] (١) بالزِّنَى (٢)، فلم يَقُلْ عمرُ: هل أشْهدكم أوْ لا؟ ولا قالَه للدَّين (٣) شَهِدُوا على قُدامَةَ بشُربِ الخَمرِ (٤). ولا قالَه عثمانُ للدَّين شَهِدُوا على الوَليدِ بن عُقْبَةَ بشُربِ الخَمْرِ (٤). ولم يَقُلْ هذا أحدٌ مِن الصَّحابةِ، ولا غيرُهم، ولا بَلَغَنا عن حاكم مِن حُكَّامِ المسْلمين في قَدِيمِ الدَّهْرِ وحَديثه، أنَّه رَدَّ شهادةً على فِعْلٍ بكونِ الشَّاهدِ لم يَحمِلْها، فحصَلَ ذلك إجْماعًا، ولأن الشّاهِدَ مُخْبِر صادِقٌ، وهذا يحصُلُ مِن غيرِ أن يقالَ له: اشْهَدْ. وكذلك إن سَمِعَ الحاكمَ يَحكُمُ، أو يُشْهِدُ (٥) على حُكْمِه وإنْفاذِه، جازَ أن يَشْهدَ على ذلك، في أظْهَرِ الرِّوايَتَيْن. والأخْرَى، لا يجوزُ حتى

стр. 14521

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رُشْهِدَه. ووَجْهُها (١) ما ذكَرنا. واللهُ أعلمُ. وإن أرادَ به الأفْعالَ التى تكونُ بالتَّراضِى؛ كالقرضِ، والقَبْضِ فيه، وفى الرَّهْنِ والبَيْعِ، والافْتِراقِ، ونحوِ ذلك، جاز (٢). فصل: ولو حضرَ شاهِدان حِسابًا بينَ رَجُلَيْن، شَرَطا عليهما أن لا يَحفَظا عليهما شيئًا، كان للشَّاهِدَيْن أن يَشْهدَا بما سَمِعَاه منهما، ولم يَسْقُطْ ذلك بشَرطِهِما؛ لأنَّ للشَّاهِدِ أن يَشْهدَ بما سَمِعَه أو عَلِمَه، وقد حصَلَ ذلك، سَواءٌ أشْهدَه أو مَنَعَه، وكذلك يَشْهدانِ على العُقودِ بحُضُورِهما،

стр. 14522

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وعلى الجِناياتِ بمُشاهدَتِهِما، ولا يَحتاجان إلى إشْهادٍ. وبه قال ابنُ سِيرِينَ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ. فصل: والحُقوقُ على ضَربَيْن؛ أحدُهما، حقٌّ لآدَمِىٍّ مُعَيَّنٍ، كالحقوقِ المالِيَّةِ، والنِّكاحِ وغيرِه مِن العُقودِ، والعُقوباتِ، كالقِصاصِ، وحدِّ القَذْفِ، والوَقْفِ على آدَمِىٍّ مُعَيَّن (١)، فلا تُسْمَعُ الشَّهادةُ فيه إلَّا بعدَ الدَّعوَى؛ لأنَّ الشَّهادةَ فيه حق لآدَمِىٍّ، فلا تُسْتَوْفَى إلَّا بعدَ مُطالَبَتِه وإذْنِه، ولأنَّها حُجَّة على الدّعوَى (٢)، ودَليلٌ لها، فلا يجوزُ تَقدِيمُها عليها. الضَّربُ الثاني، ما كان حقُّا لآدَمِىٌّ غيرِ مُعَيَّنٍ، كالوقْفِ (٣) على الفُقَراء والمساكينِ، أو جيعِ المسلمين (٤)، أو على مَسْجدٍ، أو سِقايَةٍ، أَو مَقْبَرةٍ مُسَبَّلَةٍ، أو (٥) الوَصِيَّةِ لشئٍ مِن ذلك، أو نحوِ هذا، أو ما كان حَقًّا للهِ تعالى، كالحُدودِ الخالِصَةِ للهِ تعالى، أو الزّكاةِ، أو الكَفَّارَةِ، فلا تَفتَقِرُ الشَّهادةُ به (٦) إلى تَقَدُّمِ الدّعوَى؛ لأنَّ ذلك ليس له مُسْتَحِق مُعَيَّن مِن الآدَمِيِّين يَدَّعِيه، ويُطالِبُ به، ولذلك شَهِدَ

стр. 14523

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أبو بَكْرةَ وأصحابُه على المُغِيرَةِ، وشَهِدَ الْجَارودُ وأبو هُرَيْرَةَ على قُدامَةَ ابنِ مَظْعُونٍ بشُربِ الخَمرِ، مِن غيرِ تَقَدُّمِ دَعوَى، فأجِيزَتْ شَهادَتهم، ولذلك لم (١) يُعتَبر في ابْتِداءِ الوَقْفِ قَبول مِن أحَدٍ، ولا رِضًا منه. وكذلك (٢) ما لا يتعَلَّقُ به حقُّ أحَدٍ، كتَحرِيمِ الزَّوْجَةِ بالطَّلاقِ أو الظِّهارِ، أو إعتاقِ الرَّقيقِ، تجوزُ الحسْبَةُ به، ولا تُعتَبَرُ فيه الدَّعوَى. فلو شَهِدَ شاهِدان بعِتْقِ عَبْدٍ أو أمَةٍ ابْتِداءً، ثبَتَ ذلك، سَواءً صدَّقَهما المشْهودُ بِعِتْقِه (٣)، أو لم يُصَدِّقْهما. وبهذا قال الشافعىُّ. وقال به أبو حنيفةَ في الأمَةِ. وقال في العَبْدِ: لا يَثْبُتُ، ما لم يُصَدِّقِ العَبْدُ به، ويَدَّعِيه؛ لأنَّ العِتْقَ حَقُّه، فأشْبَهَ سائِرَ حُقوقِه. ولَنا، أنَّها شَهادة بعِتْقٍ، فلا تَفْتَقِرُ إلى تقَدُّمِ الدعوى، كعِتْقِ الأمَةِ، ويُخالِفُ سائِرَ حُقوقِ الآدَمِيين؛ لأنَّه حَقُّ لله تعالى، ولهذا لا يَفْتَقِرُ إلى قَبولِ العِتْقِ، ودَليلُ ذلك الأمَةُ. وبه يَبْطُلُ ما ذَكَرُوه. فإنْ قال: الأمَةُ يتعَلَّقُ بإعتاقِها تَحريمُ الوَطْءِ. قُلْنا: هذا لا أثرَ له، فإنَّ البَيْعَ يُوجِبُ تَحريمَها عليه، ولا تُسْمَعُ الشَّهادةُ به (٤) إلا بعدَ الدَّعوَى.

стр. 14524

فَصْلٌ: وإذَا شَهدَ أحَدُهُمَا أنَّهُ غَصَبَهُ ثَوْبًا أحْمَرَ، وَشَهِدَ آخَرُ أنَّهُ غصَبَهُ ثَوْبًا أَبْيَضَ، أوْ شَهدَ أحَدُهُمَا أنَّهُ غَصَبَهُ الْيَوْمَ، وَشهِدَ آخرُ أنَّهُ غصَبَهُ أمسِ، لَمْ تَكمُلِ الْبَيِّنَةُ. وَكذلِكَ كُلُّ شَهادَةٍ عَلَى الْفعلِ، إِذَا اخْتَلَفَا فِى الْوَقْتِ، لَمْ تَكْمُل الْبَيِّنَةُ. ــ فصل: قال الشَّيْخُ، ﵀: (إذا شَهِدَ أحدُهما أنَّه غَصَبَه ثَوْبًا أحْمَرَ، وشَهِد آخَرُ أنَّه غَصَبَه ثَوْبًا أْبيضَ، أو شَهِدَ أحدُهما أنه غَصَبَه اليومَ، وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه غَصَبَه أمْسِ، لم تَكْمُلِ البَيِّنَةُ. وكذلك كلُّ شَهادَةٍ على الفِعلِ، إذا اخْتَلَفا في الوَقْتِ) متى كانتِ الشَّهادةُ على فعلٍ، فاخْتلفَ الشاهِدان في زَمَنِه، أو مَكانِه، أو صِفَةٍ له تَدُلُّ على تَغايُر الفِعلَيْن، لم تَكْمُلْ شَهادَتُهما، مثلَ أن يَشْهدَ أحدُهما [أنَّه غَصَبَه] (١) دِينارًا يومَ السَّبتِ، و [يشْهدَ الآخَرُ أنَّه غصَبَه دينارًا يومَ الجمعةِ، أو يَشْهدَ أحدُهما أنَّه غَصَبَه بدمشقَ، ويَشْهدَ الآخرُ أنَّه غَصَبَه] (٢) بمصرَ، أو يَشْهدَ أحدُهما أنَّه غَصَبَه دِينارًا، ويَشْهدَ الآخَرُ (١) أنَّه غَصَبَه ثوبًا، فلا تَكْمُلُ الشَّهادةُ؛ لأنَّ كُل فِعل لم يَشْهد به شاهِدَان. وهكذا إنِ اخْتَلفَا في زَمَنِ القَتْلِ، ومكانِه، أو صِفَتِه، أو في شُربِ الخمرِ، أو القَذْفِ، لم تَكْملِ الشَّهادةُ؛ لأنَّ ما

стр. 14525

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ شَهِدَ به أحدُ الشَّاهِدَيْن غير الذى شَهِدَ به الآخَرُ، فلم يَشْهد بكُلِّ واحدٍ مِن الفعلَيْن إلَّا شاهدٌ واحدٌ، فلم يُقْبَلْ، إلَّا على قولِ أبى بكر، فإنَّ هذه الشَّهادةَ تَكْمُلُ. ويَثْبُتُ المشْهودُ به إذا اخْتلَفا في الزَّمانِ أو المكانِ. فأمَّا إنِ اخْتلَفا في صِفَةِ الفِعلِ، فشَهِدَ أحدُهما أنَّه سرَقَ مع الزَّوالِ كِيسًا (١) أبيَضَ، وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه سرَقَ مع الزَّوالِ كِيسًا (١) أسودَ، أو شَهِدَ أحدُهما أنَّه سرَقَ هذا الكِيسَ (٢) غُدوَةً، وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه سرَقَه عَشِيًّا، لم تَكْمُلِ الشَّهادةُ. ذكَرَه ابنُ حامدٍ. وقال أبو بكرٍ: تَكْمُلُ

стр. 14526

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الشَّهادةُ (١). والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ كُلَّ فِعل لم [يَشْهد به] (٢) إلَّا واحدٌ، على ما قَدَّمنا. فإنِ اخْتلَفا في صِفَةِ المشْهودِ به اخْتِلافًا يُوجِبُ تَغايُرَهما، مثلَ أن يَشهدَ أحدُهما بثَوْبٍ والآخَرُ بدينارٍ، فلا خِلافَ في أنَّ الشَّهادةَ لا تَكْمُلُ؛ لأنَّه لا يُمكِنُ إيجابُهما (٣) جميعًا؛ لأنَّه يكونُ إيجابَ حَقٍّ عليه بشَهادةِ واحدٍ، ولا إِيجابُ أحَدِهما بعَيْيه؛ لأنَّ الآخَرَ لم يَشْهَدْ به، وليس أحدُهما أوْلَى مِن الآخرِ. فأمَّا إن شَهِدَ بكُلِّ فِعلٍ شاهِدان، واخْتلَفا في المَكانِ أو الزَّمانِ أو الصِّفَةِ، ثَبَتَا جَمِيعا؛ لأنَّ كلُّا منهما قد شَهِدَ به بَيِّنَةٌ عادِلَةٌ، لو انْفَرَدَتْ أثْبَتَتِ الحَقَّ، وشَهادةُ الأخْرَى لا (١) تُعارِضُها؛ لإمكانِ الجَمعِ بينَهما، إلَّا أن يكونَ الفِعلُ ممَّا لا يُمكنُ تَكَرُّرُه، كقَتْلِ رَجُل بعَيْنِه، فتَتعارَضُ البَينتانِ؛ لعِلْمِنا أنَّ إحْداهما كاذِبَةٌ، ولا نعلمُ أيَّتُهما هى، بخلافِ ما يتَكَرَّرُ ويُمكِنُ صدقُ البَمنتَيْنِ فيه، فإنَّهما يَثْبُتان جميعًا إِنِ ادَّعاهُما، وإن لم يَدَّعِ إلَّا أحدَهما، ثَبَت له ما ادَّعاه دونَ ما لم يَدَّعِه.

стр. 14527

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وإن شهِدَ اثْنانِ أنَّه سَرَق مع الزَّوالِ كِيسًا (١) أسْوَدَ، وشهِدَ آخَرَان أنَّه سرَقَ مع الزَّوالِ كِيسًا (١) أْييَضَ، أو شهِدَ اثْنانِ أنَّه سرَقَ هذا الكِيسَ (٢) غُدوةً، وشهِدَ آخَران أنَّه سَرَقَه عَشِيًّا، فقال القاضى: يتَعارَضان. وهو مذهبُ الشافعىِّ. كما لو كان المشْهودُ به قَتْلًا. قال شيْخُنا (٣): والصَّحِيحُ أنَّ هذا لا تَعارُضَ فيه؛ لأنَّه يُمكِنُ صدقُ البَينتَيْن، بأن يسْرِقَ عندَ الزَّوالِ كِيسَيْنِ أبيضَ وأسودَ، وتشْهدُ كُلُّ بَينةٍ بأحَدِهما، ويُمكِنُ أن يسْرقَ كِيسًا (١) غُدوةً، ثم يعودَ إلى صاحِبِه أو غيرِه، فيَسْرِقَه عَشِيًّا، ومع إمكانِ الجَمعِ لا تَعارُضَ. فعلى هذا، إن ادَّعاهُما المشْهودُ له، ثَبَتا له في الصُّورَةِ الأولَى، وأمَّا في الصُّورَةِ الثانية، فيَثْبُتُ له الكِيسُ (٢) المشْهودُ به حَسْبُ؛ فإنَّ المشْهودَ به وإن كان فِعلَيْنِ، لكنَّهما في مَحَلٍّ واحدٍ، فلا يَجِبُ أكثرُ مِن ضَمانِه. ,وإن لم يَدَّعِ المشْهودُ له إلَّا أحدَ الكِيسَيْنِ (٤)،

стр. 14528

وَإِنْ شَهِدَ احَدهمَا أنَّه أَقَرَّ له بِألْفٍ أمْسِ، وَشهِدَ آخر أنَّه أقَرَّ لَهُ بألْفٍ اليَوْمَ، أَوْ شَهِدَ أحَدهُمَا أنَّهُ بَاعَه دَارَهُ أمْسِ، وَشَهِدَ آخَرُ ــ ثَبَتَ له، ولم يثْبُتْ له الآخَرُ؛ لعَدَمِ دعواه إيَّاهُ. وإن شهِدَ له شاهِدٌ بسَرِقَةِ كِيس (١) في يوم، وشهِدَ آخَرُ بسَرِقَةِ كيسٍ (١) في يوم آخَرَ، أو شَهِدَ أحدُهما بسَرِقَتِه مِن مَكانٍ، وشهِدَ آخَرُ بسَرِقَتِه من (٢) مَكانٍ آخَرَ، أو شَهِدَ أحدُهما بغَضبِ كيسٍ (١) أبيضَ، وشهِدَ اخَرُ بغَضبِ كيسٍ (١) أسودَ، فادَّعاهما (٣) المشْهودُ له، فله أن يَخلِفَ مع كُلِّ واحدٍ منهما، ويُحكَمَ له به؛ لأنَّه مال قد شهِدَ له به (٤) شاهِدٌ. وإن لم يَدَّعِ إلَّا أحدَهما، ثَبتَ له ما ادَّعاه، ولم يثْبُتْ له الآخَرُ؛ لأنَّه لم يَدَّعِه. ٥٠٣٥ - مسألة: (وإن شَهِدَ أحَدُهما أنَّه أقَرَّ له بألْفٍ أمْسِ، وشَهِدَ آخَرُ أنَّه أقَرَّ له بألفٍ اليومَ، أو شَهِدَ أحدُهما أنه باعَه دارَه أمسِ ،

стр. 14529

أنَّه بَاعَهُ إيَّاها الْيَوْمَ، كَمَلَتِ الْبَيِّنَةَ، وَثَبَتَ الْبَيْع وَالإقْرَارُ. وَكَذَلِكَ كُلُّ شَهادَةٍ عَلَى الْقَوْلِ، ــ وشَهِدَ آخَرُ أنَّه باعَه إيَّاها اليومَ، كَمَلَتِ البينةُ، وثَبَتَ البَيْع والإقْرارُ، وكذلك كُلُّ شَهادَةٍ على القَوْلِ) أمَّا إذا شهِدَ أحدُهما أنَّه أقَرَّ له بألْفٍ أمسِ، وشهِدَ آخَر أنَّه أقَرَّ له بألْفٍ اليومَ، كَمَلَتِ البَيِّنَةُ؛ لأنَّ الألْفَ التى شَهِدَ بها أحدهما، هى الألْف التى شَهِدَ بها الآخَرُ، ولأنَّ الشّاهِدَيْن شَهِدَا بألْفٍ. وإنْ شَهِدَ أحدهما أنَّه بَاعَه أمسِ، وشَهِدَ آخَرُ أنَّه بَاعَه اليومَ، أو شَهِدَ أحدهما أنَّه طلَّقَها أمسِ، وشهِدَ آخَر أنَّه طلَّقَها اليومَ، فقال أصحابنا: تَكْفل الشَّهادة. وقال الشافعىُّ: لا تَكْمُلُ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ مِن البَيْعِ والطَّلاق لم يشْهد به إلَّا واحدٌ، أشْبَهَ ما لو شَهِدَ بالغَصْبِ في وَقْتَيْنِ. ووَجه قولِ أصحابِنا، أنَّ المشْهودَ به شيءٌ واحدٌ، يجوزُ أن يُعادَ مَرَّةً بعد أخْرَى، ويكونَ واحدًا، فاخْتِلافهما في الوقتِ ليس باخْتِلافٍ فيه، فلم يُؤَثِّرْ، كما لو شهِدَ أحدُهما بالعَربيَّةِ والآخَر بالفارسِيَّةِ. وكذلك

стр. 14530

الَّا النِّكَاحَ، إِذَا شَهِدَ أحَدُهُمَا أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا أمْسِ، وَشَهِدَ الآخَرُ أَنَّهُ تزَوَّجَهَا اليَوْمَ، لَمْ تَكمُلِ الْبَيِّنَةَ. وَكذلِكَ الْقَذْفُ. ــ الحُكْمُ في كلِّ شَهادةٍ على قولٍ، فالحكمُ فيه كالحُكْمِ في البَيْعِ (إلَّا النِّكاحَ) فإنَّه كالفِعْلِ، (إذا شَهِدَ أحدُهما أنَّه تزَوَّجَها أمْسِ، وشهِدَ الآخَرُ أنَّه تزَوَّجَها اليومَ، لم تَكْمُلِ) الشَّهادةُ، في قولِهم جميعًا؛ لأنَّ النِّكاحَ أمْسِ غيرُ النِّكاحِ اليومَ، فلم يَشْهَدْ بكلِّ واحدٍ مِن العَقْدَيْنِ إلَّا شاهِدٌ واحِدٌ، فلم يثْبُتْ، كما لو كانتِ الشَّهادةُ على فعلٍ. ٥٠٣٦ - مسألة: (وكذلك القَذْفُ) إذا شَهِدَ أحدُهما أنَّه قَذَفَه غُدْوَةً، وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه قَذَفَه عَشِيَّةً، أو شَهِدَ أحَدُهُما أنَّه قَذَفَه بالعَرَبِيَّةِ، وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه قَذَفَه بالعَجَمِيَّةِ، أو اخْتَلَفا في المَكانِ، لم يَثْبُتِ القَذْفُ؛ لأنَّ القَذْفَ في مَكانٍ غيرُ القَذْفِ في المكانِ الآخَرِ، وكذلك الاخْتِلافُ
следующие страницы →