وَإِنْ أقَرَّ بِهَا لَهُمَا جَمِيعًا، فَهِىَ بَيْنَهُمَا.
وَإِنْ أَقَرّ لِأَحَدِهِمَا وَحْدَهُ، فَهىَ لَهُ، وَيَحْلِفُ لِلْآخَرِ.
ــ
تَرِكَتِه، فصَدَّقَه ابْنُه، ثم ادَّعَاه عَمْرٌو، فصَدَّقَه، أو قال: هذه الدارُ لزَيْدٍ، لا بَلْ لِعَمْرٍو. حُكِمَ بها لِزَيْدٍ، وعليه غَرامَتُها لِعَمْرٍو. وهذا أحَدُ قَوْلَى الشّافِعِىِّ. وقال في الآخَرِ: لا يَغْرَمُ لِعَمْرٍو شيئًا. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه أقَرَّ له بما وَجَبَ عليه الإِقْرارُ به، وإنَّما مَنَعه الحُكْمُ مِن قَبُولِه، وذلك لا يُوجِبُ الضَّمانَ. ولَنا، أنَّه حالَ بينَ عَمْرٍو وبينَ مِلْكِه الذى أقَرَّ له به بإقْرارِه لغيرِه، فلَزِمَه غُرْمُه، كما لو شَهِدَ رَجُلانِ على آخَرَ بإعْتاقِ عَبْدِه، ثم رَجَعَا عن الشَّهادة، أو كما لو رَمَى به في البَحْرِ، ثم أقَرَّ به.
٥١٧٤ - مسألَة: (وإن أقَرَّ بها لهما معًا، فهى بَيْنَهما) لتَساوِيهما في الدَّعْوَى والإقْرارِ لهما.
٥١٧٥ - مسألة: (وإن أقَرَّ لأحَدِهما وحدَه، فهى له، ويَحْلِفُ للآخَرِ) أنَّه (١) لا يَعْلَمُ أنَّها له، وإن نَكَلَ قضِىَ عليه بالنُّكُولِ؛ لأَنَّ النُّكُولَ كالإِقْرارِ، ولو أقَرَّ لَزِمَه الغُرْمُ، فكذلك إذا نَكَلَ عن اليَمِينِ.
стр. 14947
وَإِنِ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى الْمَيِّتِ مِائَةً دَيْنًا، فَأَقَرَّ لَهُ، ثُمَّ ادَّعَى آخَرُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأَقرَّ لَهُ؛ فَإِنْ كَانَ فِى مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، فَهِىَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ فِى مَجْلِسَيْنِ، فَهِىَ لِلأَوَّلِ، وَلَا شَىْءَ لِلثَّانِى.
ــ
٥١٧٦ - مسألة: (وإنِ ادَّعَى رَجُلٌ على المَيِّتِ مائةً دَيْنًا، فأقَرَّ له، ثم ادَّعَى آخَرُ مثلَ ذلك، فأقَرَّ له؛ فإن كان في مَجْلِسٍ واحدٍ، فهى بَيْنَهُما، وإن كان في مَجْلِسَيْنِ، فهى للأوَّلِ، ولا شئَ للثاني) وجملةُ ذلك، أنَّ المَيِّتَ إذا خَلَّفَ وارِثًا وتَرِكةً، فأقَرَّ الوارثُ لِرَجُلٍ بِدَيْنٍ على المَيِّتِ يَسْتَغْرِقُ المِيراثَ، فقد أقَرَّ بتَعَلّقِ دَيْنِه بجَمِيعِ التَّركةِ واسْتِحْقاقِه لها، فإذا أقَرَّ بعدَ ذلك لآخَرَ وكان في المَجْلِسِ، صَحَّ الإِقْرارُ واشْتَرَكا
стр. 14948
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في التَّرِكةِ؛ لأَنَّ (١) حالةَ المَجْلِسِ كُلَّها (٢) كحالةٍ واحدةٍ، بدَلِيلِ صِحَّةِ القَبْضِ بها (٣) فيما يُعْتَبَرُ القَبْضُ فيه، وإمْكانِ الفَسْخِ فيه، ولُحُوقِ الشَّهادَةِ (٤) في العَقْدِ، فكذلك في الإِقْرارِ. وإن كان في مَجْلِسٍ آخَرَ، لم يُقْبَلْ إقْرارُه؛ لأنَّه يُقِرُّ بحَقٍّ على غيرِه، فإنَّه يُقِرُّ بما يَقْتَضِى مُشارَكةَ الأَوَّلِ في التَّرِكةِ، ويَنْقُصُ حَقَّه منها، ولا يُقْبَلُ إقْرارُ الإنْسانِ على غيرِه. وقال الشّافعىُّ: يُقْبَلُ إقْرارُه، ويَشْتَرِكانِ فيها؛ لأَنَّ الوارِثَ يَقُومُ مَقامَ المَوْرُوثِ، ولو أقَرَّ المَوْرُوثُ لهما لَقُبِلَ، فكذلك الوارِثُ، ولأَنَّ مَنْعَه مِن الإِقْرارِ يُفْضِى إلى إسْقاطِ حَقِّ الغُرَماءِ؛ لأنَّه قد لا يَتَّفِقُ حُضُورُهُم في مَجْلِس واحدٍ، فيَبْطُلُ حَقُّه بغَيْبَتِه (٥)، ولأَنَّ مَن قُبِلَ إقْرارُه أوَّلًا، قبِلَ إقْرارُه ثانيًا إذا لم تَتَغَيَّرْ حالُه، كالمَوْروثِ. ولَنا، أنَّه إقْرارٌ بما يتَعَلّقُ بمَحَلٍّ تَعَلَّقَ به حَقُّ غيرِه، تَعَلُّقًا يَمْنَعُ تَصَرُّفَه فيه على وَجْهٍ [يَضُرُّ به] (٦)، فلم يُقْبَلْ، كإقْرارِ الرّاهِنِ بجِنايةِ (٧) الرَّهْنِ أو الجانِى. وأمّا المَوْرُوثُ،
стр. 14949
وَإِنْ خَلَّفَ ابْنَيْنِ وَمِائَتَيْنِ، فَادَّعَىِ رَجُلٌ مِائَةً دَيْنًا عَلَى الْمَيِّتِ، فَصَدَّقَهُ أَحَدُ الابْنَيْنِ، وَأنْكَرَ الآخرُ، لَزِمَ المُقِرَّ نِصْفُهَا.
ــ
فإن أقَرَّ في صِحَّتِه، صَحَّ؛ لأَنَّ الدَّيْنَ لا يتَعَلَّقُ بمالِه، وإن أقَرَّ في مَرَضِه، لم يُحاصَّ المُقَرُّ له غُرَماءَ الصِّحَّةِ؛ لذلك. وإن أقَرَّ في مَرَضِه لغَرِيمٍ تَسْتَغْرِقُ تَرِكَتُه دَيْنَه، ثم أقَرَّ لآخَرَ في مَجْلِسٍ آخَرَ، فالفَرْقُ بينَهما، أنَّ إقْرارَه الأوَّلَ لم يَمْنَعْه التَّصرُّفَ في مالِه، ولا أن يُعَلِّقَ به دَيْنًا آخَرَ، بأن يَسْتَدِينَ دَيْنًا آخَرَ، فلم يَمْنَع ذلك تَعْلِيقَ الدَّيْنِ بتَرِكَتِه بالإقْرارِ، بخِلافِ الوارِثِ، فإنَّه لا يَمْلِكُ أن يُعَلقَ بالتَّرِكةِ دَيْنًا آخَرَ بفِعْلِه، فلا يَمْلِكُه بقَوْلِه، ولا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ في التَّركةِ، ما لم يَلْتَزِمْ قَضاءَ الدَّيْنِ.
٥١٧٧ - مسألة: (وإن خَلَّفَ ابْنَيْنِ ومائتَيْن فادَّعَى رَجُلٌ مائةً دَيْنًا على المَيِّتِ، فصدَّقَه أحَدُ الابنين، وأنْكَرَ الآخَرُ، لَزِمَ المُقِرَّ نِصْفُها) لأنَّه مُقِرٌّ على أبِيه بدَيْنٍ، ولا يَلْزَمُه أكْثَرُ مِن نِصْفِ دَيْنٍ أبِيه، ولأنَّه يُقِرُّ على نَفْسِه وأخيه، فلا يُقْبَلُ إقْرارُه على أخِيه، ويُقْبَلُ على نَفْسِه، وفى ذلك اخْتِلافٌ ذَكَرْناه في أواخِرِ كتابِ الإِقْرارِ (١).
стр. 14950
إلَّا أَنْ يَكُونَ عَدْلًا، فَيَحْلِفُ الْغَرِيمُ مَعَ شَهَادَتِهِ، وَيَأْخُذُ مِائَةً، وَتَكُونُ المِائَةُ الْبَاقِيَةُ بَيْنَ الابْنَيْنِ.
وَإِنْ خَلَّفَ ابْنَيْنِ وَعَبْدَيْنِ مُتَسَاوِيَى الْقِيمَةِ، لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُمَا، فَقَالَ أَحَدُ الابنَيْنِ: أَبِى أَعْتَقَ هَذَا. وَقَالَ الآخَرُ: بَلْ اعْتَقَ هَذَا الآخَرَ. عَتَقَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثُهُ، وَصَارَ لِكُلِّ ابْنٍ سُدْسُ الَّذِى
ــ
٥١٧٨ - مسألة: (إلَّا أن يكونَ عَدْلًا، فَيَحْلِفُ الغَرِيمُ مع شَهادَتِه، ويَأْخُذُ مائةً، وتكونُ المائةُ الباقيةُ بينَ الابنيْنِ) وإنَّما لَزِمَ المُقِرَّ نِصْفُ المائةِ؛ لأنَّه يَرِثُ نِصْفَ التَّرِكةِ، فيَلْزَمُه نِصْفُ الدَّيْنِ؛ لأنَّه بقَدْرِ مِيراثِه، ولو لزِمَه جَمِيعُ الدَّيْنِ، لم تُقْبَلْ شَهادَتُه على أخيه (١)، لكَوْنِه يَدْفَعُ عن نَفْسِه ضَرَرًا، ولأنَّه يَرِثُ نِصْفَ التَّرِكَةِ، فلزِمَه نِصْفُ الدَّيْنِ، كما لو ثَبَتَ بِبَيِّنةٍ أو بإِقْرارِ المَيِّتِ.
٥١٧٩ - مسألة: (وإن خَلَّفَ ابْنَيْن وعَبْدَيْنِ مُتَساوِيَى القِيمةِ، لا يَمْلِكُ غيرَهما، فقال أحَدُ الابْنَيْن: أبى أَعتَقَ هذا. وقال الآخَرُ: بل أعْتَقَ هذا الآخَرَ. عَتَقَ مِن كلِّ واحدٍ ثُلُثُه، وصار لكلِّ ابْنٍ سُدْسُ) العَبْدِ
стр. 14951
أقَرَّ بِعِتْقِهِ وَنِصْفُ الْعَبْدِ الآخَرِ. وَإِنْ قَالَ أحَدُهُمَا: أبِى أَعْتَقَ هَذَا. وَقَالَ الْآخَرُ: أبِى أعْتَقَ أَحَدَهُمَا، لَا أَدْرِى مَنْ مِنْهُمَا. أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، فَإنْ وَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى الَّذِى اعْتَرَفَ الابنُ بِعِتْقِهِ، عَتَقَ مِنْهُ ثُلُثَاهُ، إِنْ لَمْ يُجِيزَا عِتْقَهُ كَامِلًا، وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى الْآخَرِ، كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ مَا لَوْ عَيَّنَ الْعِتْقَ فِى الْعَبْدِ الثَّانِى سَوَاءً.
ــ
(الذى أقرَّ بعِتْقِه ونِصْفُ الآخَرِ. وإن قال أحَدُهما: أبِى أَعْتَقَ هذا. وقال الآخَرُ: أبى أعْتَقَ أحَدَهُما، لا أدْرِى مَن مِنهما. أُقْرِعَ بينَهما، فإن وَقَعَتْ على الذى اعْتَرفِ الابْنُ بعِتْقِه، عَتَقَ ثُلُثاه، إن لم يُجِيزَا عِتْقَه كامِلًا، وإنْ وَقَعَتْ على الآخرِ، كان حُكْمُه حُكْمَ ما لو عَيَّنَ العِتْقَ في العَبْدِ الثّانِى سواءً) هذه المسألةُ مَحْمُولةٌ على أنَّ العِتْقَ كان في مَرَضِ المَوْتِ المَخُوفِ، أو بالوَصِيَّةِ، لأنَّه لو أعْتَقَه في صِحَّتِه عتَقَ كلُّه، ولم يَقِفْ على إجَازةِ الوَرَثَةِ، فإذا اعْتَرَفا أنَّه أعْتَقَ (١) أحَدَهُما في مَرَضِه، لم يَخْلُ مِن أرْبعةِ أحْوالٍ،
стр. 14952
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أحدُها، أن يُعَيِّنا العِتْقَ في أحَدِهما، فيَعْتِقُ منه ثُلُثاه؛ لأَنَّ ذلك ثُلُثُ جَمِيعِ مالِه، إلَّا أن يُجِيزَا عِتْقَ جَمِيعِه، فيَعْتِقُ. الثانى، أن يُعَيِّنَ كلُّ واحدٍ (١) منهما العِتْقَ في واحدٍ غير الذى عَيَّنَهَ أَخُوه، فيَعْتِقُ مِن كلِّ واحدٍ ثُلُثُه، لأَنَّ كلَّ واحدٍ منهما حَقُّه نِصْفُ العَبْدَيْنِ، فيُقْبَلُ قَوْلُه في عِتْقِ حَقِّه مِن الذى عَيَّنَهَ، وهو ثُلُثَا النِّصْفِ الذى له، وذلك الثُّلُثُ، ولأنَّه يَعْتَرِفُ بحُرِّيَّةِ ثُلُثَيْه، فيُقْبَلُ قولُه في حَقِّه منهما، وهو الثُّلُثُ، ويَبْقَى الرِّقُّ في ثُلُثِه (٢)، فله النِّصْفُ، وهو السُّدْسُ ونِصْفُ العَبْدِ الذى (٣) يُنْكِرُ عِتْقَه. الثالثُ، أن يقولَ أحَدُهُما: أبِى أَعْتَقَ هذا. ويقولَ الآخَرُ: أبى أَعتَقَ أحَدَهما، لا أَدرِى مَن منهما. فتَقُومُ القُرْعةُ مَقامَ تَعْيينِ الذى لم يُعَيَّنْ، فإن وَقَعتْ على الذى عَيَّنَهَ أخُوه، عتقَ ثُلُثاه، كما لو عَيَّناه بقولِهما، وإن وَقَعَتْ على الآخرِ، كان (٤) كما لو عَيَّنَ كلُّ واحدٍ منهما عَبْدًا، يكونُ لكلِّ واحدٍ منهما سُدْسُ العَبْدِ الذى عَيَّنَهَ ونِصْفُ العَبْدِ الذى يُنْكِرُ عتْقَه، ويَصِيرُ ثُلُثُ كلِّ واحدٍ مِن العَبْدَيْنِ حُرًّا. الرابعُ، أن يَقُولَا: أعْتَقَ أحَدَهُما ولا ندرِى مَن منهما. فإنَّه يُقْرَعُ بينَ العَبْدَيْنِ، فمَن وَقَعت له القُرْعَةُ عَتَقَ ثُلُثاه، إن لم يُجيزَا عِتْق جَمِيعِه، وكان الآخَرُ رَقِيقًا.
стр. 14953
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن رَجَعَ الابْنُ الذى جَهِلَ عينَ العِتْقِ، فقال: قد عَرَفْتُه. قَبْلَ القُرْعَةِ، فهو كما لو عَيَّنَهَ ابْتِداءً مِن غيرِ جَهْلٍ، وإذا كان بعدَ القُرْعةِ فوافَقَها تَعْيِينُه، لم يتَغَيَّرِ الحُكْمُ، وإن خالَفَها، عَتَقَ مِن الذى عَيَّنَهَ ثُلُثُه بتَعْيِينِه، فإن عَيَّنَ الذى عَيَّنَهَ أَخُوه، عَتَقَ ثُلُثاه، وإن عَيَّنَ الآخَرَ عَتَقَ منه ثُلُثُه. وهل يَبْطُلُ العِتْقُ في الذى عَتَقَ بالقُرْعةِ؟ على وَجْهَيْنِ.
стр. 14954
بَابُ الْإِقْرَارِ بِالْمُجْمَل
إذَا قَالَ: لَهُ عَلَىَّ شَىْءٌ. أَوْ: كَذَا. قِيلَ لَهُ: فَسِّرْ. فَإنْ أَبَى، حُبِسَ حَتَّى يُفَسِّرَ، فَإِنْ مَاتَ، أُخِذَ وَارِثُهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، إِنْ خَلَّفَ الْمَيِّتُ شَيْئًا يُقْضَى مِنْهُ، وَإِلَّا فَلَا.
ــ
بابُ الإِقْرارِ بالمُجْمَلِ
[الإِقْرارُ بالمجْهولِ صَحيحٌ.
٥١٨٠ - مسألة] (١): (إذا قال: له عَلَىَّ شئٌ. أو: كذا. قيل له: فَسِّرْ. فإن أبَى، حُبِسَ حتى يُفَسِّرَ، فإن ماتَ، أُخِذَ وارِثُه بمثلِ ذلك، إن خَلَّفَ المَيِّتُ شيئًا يُقْضَى منه، وإلَّا فلا) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا (٢) قال: لِفُلانٍ عَلَىَّ شئٌ. أو: كذا. صَحَّ إقْرارُه، ولَزِمَه تَفْسِيرُه،
стр. 14955
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بغيرِ خلافٍ، ويُفارِقُ الدَّعْوَى، حيث لا تَصِحُّ بالمَجْهُولِ؛ لكَوْنِ الدَّعْوَى له والإِقْرارِ عليه، فلَزِمَه ما عليه معِ الجهالةِ دُونَ ما لَه، ولأَنَّ المُدَّعِىَ إذا لم يُصَحِّح دَعْواه، فله داعٍ إلى تحْرِيرِها، والمُقِرُّ لا داعِىَ له إلى التَّحْرِيرِ، ولا يُؤْمَنُ (١) رُجُوعُه عن إقْرارِه، فيَضِيعُ حَقُّ المُقَرِّ له، فأَلْزَمْناه إيّاه مع الجَهالةِ. فإنِ امْتَنَعَ مِن تَفْسِيرِه، حُبِسَ حتى يُفَسِّرَ (٢).
стр. 14956
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال القاضى: يُجْعَلُ ناكِلًا، ويُؤْمَرُ المُقَرُّ له بالبَيَانِ، فإن بَيَّنَ شيئًا، فصَدَّقَه المُقِرُّ، ثَبَتَ، وإن كَذَّبَه، وامْتَنَعَ مِن البَيانِ، قِيل له: إن بَيَّنْتَ، وإلَّا جَعَلْناك ناكِلًا، وقَضَيْنا عليك. وهذا قولُ أصحابِ (١) الشافعىِّ، إلَّا أنَّهم قالوا: إن بَيَّنتَ (٢) وإلَّا أحْلَفْنا المُقَرَّ له على ما يَدَّعِيه، وأوْجَبْناه عليك، فإن فَعَل، وإلَّا أحْلَفْنا المُقَرَّ له، وأوْجَبْناه على المُقِرِّ. وَوَجْهُ الأَوَّلِ، أنَّه مُمْتَنِعٌ مِن حَقٍّ عليه، فيُحبَسُ به، كما لو عَيَّنَهَ وامْتَنَعَ مِن أدائِه. ومع ذلك فمتى عَيَّنَه المُدَّعِى وادَّعَاه، فنَكَل المُقِرُّ، فهو على ما ذكَرُوه، فإن ماتَ مَن عليه الحَقُّ، أُخِذَ وارِثُه بمثلِ ذلك؛ لأَنَّ الحَقَّ ثَبَتَ على مَوْرُوثِهم، فتَعَلَّق بتَرِكَتِه، وقد صارتْ إلى الوَرَثةِ، فلَزِمَهُم ما لَزِمَ مَوْرُوثَهم، كما لو كان الحَقُّ مُعَيَّنًا. وإن لم يُخَلِّفِ المَيِّتُ تَرِكَةً، فلا
стр. 14957
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شئَ على الوَرَثةِ؛ لأنَّهم ليس عليهم وَفاءُ دَيْنِ المَيِّتِ إذا لم يُخَلِّفْ تَرِكةً، كما لا يَلْزَمُهم في حَياتِه. وذكر صاحبُ «المُحَرَّرِ» رِوايةً أنَّ الوارِثَ إن صَدَّقَ مَوْرُوثَه في إقرارِه، أُخِذَ به، وإلَّا فلا، والصَّحِيحُ الأَوَّلُ، قال: وعِنْدى إن أبَى الوارِثُ أن يُفَسِّرَ، وقال: لا عِلْمَ لى بذلِك. حَلَفَ، ولَزِمَه مِن التَّرِكةِ ما يَقَعُ عليه الاسْمُ، كما (١) فيما إذا وَصَّى لفلانٍ بشئٍ. ويَحْتَمِلُ أن يكون حُكْمُ المُقِرِّ كذلك، إذا حَلَفَ أن لا يَعْلَمُ، كالوارِثِ.
стр. 14958
فَإنْ فَسَّرَهُ بِحَقِّ شُفْعَةٍ أَوْ مَالٍ، قُبلَ وَإِنْ قَلَّ، وَإِنْ فَسَّرَهُ بِمَا لَيْسَ بِمَالٍ؛ كَقِشْرِ جَوْزَةٍ، أَوْ مَيْتَةٍ، أَوْ خَمْرٍ، لَمْ يُقْبَلْ، وَإِنْ فَسَّرَهُ بِكَلْبٍ، أَوْ حَدِّ قَذْفٍ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
ــ
٥١٨١ - مسألة: (فإن فَسَّرَه بِحَقِّ شُفْعةٍ أو مالٍ، قُبِلَ وإن قَلَّ، وإن فَسَّرَه بما ليس بمالٍ، كقِشْرِ جَوْزَةٍ، أو مَيْتةٍ، أو خَمْرٍ، لم يُقْبَلْ، وإن فَسَّرَه بكَلْبٍ، أو حَدِّ قَذْفٍ، فعلى وَجْهَيْنِ) متى فَسَّرَ المُقِرُّ إقْرارَه بما يُتَمَوَّلُ عادَةً، قُبِلَ تفسيرُه وثَبَت (١)، إلَّا أن يُكَذِّبَه المُقَرُّ له ويَدَّعِىَ جِنْسًا آخَرَ، أو لا يَدَّعِىَ شيئًا، فيَبْطُلُ إقْرارُه. وإن فَسَّرَه بما لا يُتَمَوَّلُ عادةً، كقِشْرِ جَوْزَةٍ أو قِشْرِ باذِنْجانةٍ، لم يُقْبَلْ تَفْسِيرُه؛ لأَنَّ إقْرارَه اعْتِرافٌ بحَقٍّ عليه ثابتٍ في ذِمَّتِه، وهذا لا يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ. وكذلك إن فَسَّرَه بما ليس بمالٍ في الشَّرْعِ، كالخَمْرِ والمَيْتَةِ، وإن فَسَّرَه بكَلْبٍ لا يَجُوزُ اقْتِناؤُه، فكذلك، وإن فَسَّرَه بكَلْبٍ يجوزُ اقْتِناؤُه أو جِلْدِ مَيْتَةٍ غيرِ
وَإِنْ قَالَ: غَصَبْتُ مِنْهُ شَيْئًا. ثُمَّ فَسَّرَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ وَلَدِهِ، لَمْ يُقْبَلْ.
ــ
٥١٨٢ - مسألة: (وإن قال: غَصَبْتُ منه شيئًا. ثم فَسَّرَه بِنَفْسِه أو وَلَدِه، لم يُقْبَلْ) لأَنَّ الغَصْبَ لا يَثْبُتُ عليه. وإن أرادَ أَنِّى حَبَسْتُكَ وسَجَنْتُكَ، قُبِلَ. [ذكَرَه في] (١) «المُحَرَّرِ». وإن فَسَّرَه بما لَيْسَ بمالٍ مما يُنْتَفَعُ به، قُبِلَ؛ لأَنَّ الغَصْبَ يَشْتَمِلُ عليه، كالكَلْبِ وجِلْدِ المَيْتةِ؛ لأنَّه قد يَقْهَرُه عليه. وإن فَسَّره بما لا نَفْعَ فيه، أو ما لا يُباحُ الانْتِفاعُ به، لم يُقْبَلْ؛ لأَنَّ أخْذَ ذلك ليس بغَصْبٍ (٢). وهذا الذى ذكَرْناه في هذا البابِ
стр. 14963
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أكْثَرُه مَذْهبُ الشَّافعىِّ. وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ أنَّه لا يُقْبَلُ تَفْسِيرُ إقْرارِه بغيرِ المَكِيلِ والمَوْزُونِ؛ لأَنَّ غَيْرَهما لا يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ بِنَفْسِه. ولَنا، أنَّه مَمْلُوكٌ يَدْخُلُ تحتَ العَقْدِ، فجازَ أن يُفَسَّرَ به الشئُ في الإِقْرارِ، كالمَكِيلِ والمَوْزُونِ، ولأنَّه يَثْبُتُ في الذمةِ في الجُمْلَةِ، فصَحَّ التَّفْسِيرُ به، كالمَكِيلِ [والمَوزُونِ] (١)، ولا عِبْرَةَ بِسَبَبِ ثُبُوتِه في الإِخْبارِ به والإِخْبارِ عنه.
стр. 14964
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَىَّ مَالٌ عَظِيمٌ، أَوْ: خَطِيرٌ، أَوْ: كَثِيرٌ، أَوْ: جَلِيلٌ. قُبِلَ تَفْسِيرُهُ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ.
ــ
فصل: وتُقبلُ الشَّهادةُ على الإقرارِ بالمجهولِ؛ لأَنَّ الإقرارَ به صَحِيحٌ، وما كان صحيحًا في نفسِه صَحَّتِ الشهادةُ به، كالمعلومِ.
٥١٨٣ - مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ مالٌ عَظِيمٌ، أو: خَطِيرٌ، أو: كَثِيرٌ، أو: جَلِيلٌ. قُبِلَ تَفْسِيرُه بالكَثِيرِ والقَلِيلِ) كما لو قال: له عَلَىَّ مالٌ. ولم يَصِفْه. وهذا قولُ الشّافعىِّ. وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ: لا يُقْبَلُ تَفْسِيرُه
стр. 14965
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بأقَلَّ مِن عَشَرَةٍ؛ لأنَّه يُقْطَعُ به السّارِقُ، ويكونُ صَدَاقًا عندَه. وعنه، لا يُقْبَلُ بأقَلَّ (١) مِن مائَتَىْ دِرْهمٍ. وبه قال صاحِباه؛ لأنَّه الذى تَجِبُ فيه الزَّكاةُ. وقال بعضُ أصحابِ مالِكٍ كَقوْلِهم في المالِ. ومنهم مَن قال: يَزِيدُ على ذلك أقَلَّ زِيادَةٍ. ومنهم مَن قال: قَدْرُ الدِّيَةِ. وقال اللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ: أثْنانِ وسَبْعُونَ؛ لأَنَّ اللَّهَ قال: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ (٢). وكانت غَزَواتُه وسَرَاياه اثنَتَيْنِ وسَبْعِينَ. قالوا: ولأَنَّ الحَبَّةَ لا تُسَمَّى مالًا عَظِيمًا ولا كَثِيرًا. ولنا، أنَّ العَظِيمَ والكَثِيرَ لا حَدَّ له في الشَّرْعِ، ولا اللُّغَةِ، ولا العُرْفِ، ويَخْتَلِفُ الناسُ (٣) فيه،
стр. 14966
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فمنهم مَن يَسْتَعْظِمُ القَلِيلَ، ومنهم مَن يَسْتَعْظِمُ الكَثِيرَ، ومنهم مَن يَحْتَقِرُ الكَثِيرَ، فلم يَثْبُتْ (١) في ذلك حَدٌّ يُرْجَعُ في تَفْسِيرِه إليه، ولأنَّه ما مِن مالٍ إلَّا وهو عَظِيمٌ كثيرٌ بالنِّسْبَةِ إلى ما دُونَه، ويَحْتَمِلُ أنَّه أراد عَظِيمًا عندَه (٢) لفَقْرِ نَفْسِه ودَناءَتِها، وأمّا ما ذَكَرُوه، فليس فيه تَحْدِيدُ الكَثِيرِ، وكَوْنُ ما ذَكَرُوه كَثِيرًا لا يَمْنَعُ الكَثْرَةَ فيما دُونَه، وقد قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٣). فلم يَنْصَرِفْ إلى ذلك، وقال تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾ (٤). فلم يُحْمَلْ على ذلك. والحُكْمُ فيما إذا قال: عَظِيمٌ جِدًّا. أو: عَظِيمٌ عَظِيمٌ (٢). كما لو لم يَقُلْه؛ لِما قَرَّرْنَاه.
فصل: وإن أقَرَّ بمالٍ، قُبِلَ تَفسِيرُه بالقَلِيلِ والكَثِيرِ، كالمسألةِ قبلَ
стр. 14967
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَىَّ دَرَاهِمُ كَثِيرَةٌ. قُبِلَ تَفْسِيرُهَا بِثَلَاثةٍ فَصَاعِدًا.
ــ
هذا. وبهذا قال الشّافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يُقْبَلُ تَفْسِيرُه بغيرِ المالِ الزَّكَوِىِّ؛ لقولِ اللَّهِ سبحانه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (١). وقولِه: ﴿وَفِى أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ﴾ (٢). وحَكَى بعضُ أصحاب مالِكٍ عنه ثلاثةَ أوْجُهٍ؛ أحدُها، كَقَوْلِنا. والثانى، لا يُقْبَلُ إلَّا (٣) أوَّلُ نِصَابٍ مِن نُصُبِ الزَّكاةِ مِن نَوْعِ أمْوالِهِمْ. والثالثُ، ما يُقْطَعُ به السّارِقُ، ويَصِحُّ مَهْرًا؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ (٤). ولَنا، أنَّ غَيْرَ ما ذَكَرُوه يَقَعُ عليه اسْمُ المالِ حَقِيقَةً وعُرْفًا، ويُتَمَوَّلُ عادَةً، فيُقْبَلُ تَفْسِيرُه به، كالذى وافَقُوا عليه. وأمّا آيةُ الزَّكَاةِ فقد دَخَلَها التَّخْصِيصُ، وقولُه تعالى: ﴿وَفِى أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ﴾. لم يُرِدْ بها الزَّكاةَ؛ لأنَّها نَزَلَتْ بمكةَ قَبلَ فَرْضِ الزَّكاةِ، فلا حُجَّةَ لهمِ فيها، ثم يَرُدُّه قولُه تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾. والتَّزْوِيجُ جائِرٌ بِأىِّ نوْعٍ كان مِن المالِ وبما دُونَ النِّصَابِ.
٥١٨٤ - مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ دَرَاهِمُ كَثِيرةٌ. قُبِلَ تَفْسِيرُه بثَلاثةٍ فصَاعِدًا) أمّا إذا قال: له عَلَىَّ دَرَاهِمُ. لَزِمَه ثَلاثةٌ؛ لأنَّها أقَلُّ
стр. 14968
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الجَمْعِ. وإن قال: له عَلَىَّ (١) دَرَاهِمُ كَثيرةٌ، أو: وافِرَةٌ، أو: عَظِيمةٌ. لَزِمَتْه ثلاثةٌ أيضًا. وبهذا قال الشّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يُقْبَلُ تَفْسِيرُهِ. بأَقَلَّ مِن عَشَرَةٍ؛ لأنَّها أقَلُّ جَمْعِ الكَثْرةِ. وقال أبو يُوسف: لا يُقْبَلُ أقَلُّ مِن مائَتَيْنِ؛ لأَنَّ بها يَحْصُلُ الغِنَى وتَجِبُ الزَّكاةُ. ولَنا، أنَّ الكَثْرةَ والعَظَمةَ لا حَدَّ لها شَرْعًا، ولا لُغَةً، ولا عُرْفًا، وتَخْتَلِفُ بالأَوْصافِ وأَحْوالِ النّاسِ، فالثَّلاثةُ أكْثَرُ ممّا دُونَها، وأَقَلُّ ممّا فَوْقَها، ومِن الناسِ مَن يَسْتَعْظِمُ اليَسِيرَ، ومنهم مَن (٢) يَسْتَعْظِمُ الكَثِيرَ. ويَحْتَمِلُ أنَّ المُقِرَّ أراد كَثِيرةً بالنِّسْبةِ إلى ما دونَها، أو كَثيرَةً (٣) في نَفْسِه، فلا تَجِبُ الزِّيادَةُ بالاحْتِمالِ.
стр. 14969
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَىَّ كَذَا دِرْهَمٌ. أَوْ: كَذَا وَكَذَا. أَوْ: كَذَا كَذَا دِرْهَمٌ. بِالرَّفْعِ، لَزِمَهُ دِرْهَمٌ. وَإِنْ قَالَ بِالْخَفْضِ، لَزِمَهُ بَعْضُ دِرْهَمٍ، يُرْجَعُ فِى تَفْسِيرِه إِلَيْهِ.
ــ
٥١٨٥ - مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ كذا دِرْهَمٌ. أو: كَذا وكَذا) درْهمٌ (١) (أو: كَذَا كَذا درْهَمٌ. بالرَّفْعِ، لَزِمَهُ دِرْهَمٌ) لأَنَّ تَقْدِيرَه شىَءٌ هو دِرْهَمٌ (وإن قال باَلخَفْضِ، لَزِمَه بعضُ دِرْهَمٍ) لأَنَّ «كَذَا» يَحْتَمِلُ أن يكونَ جُزْءًا مُضافًا إلى دِرْهَمٍ، و (يُرْجَعُ في تَفْسِيرِه إليه) إذا فَسَّرَه بذلك؛ لأنَّه مُحْتَمِلٌ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الثَّانيةُ، أن يُكَرِّرَ بغيرِ عَطْفٍ. الثَّالثةُ، أن يَعْطِفَ فيقولَ: كَذا وكَذا. فأمّا الأُولَى: فإذا قال: له عَلَىَّ كذا دِرْهَم. لم يَخْلُ مِن أرْبعةِ أحْوالٍ؛ أحدُها، أن يقولَ: له عَلَىَّ كذا دِرْهَمٌ. بالرَّفعِ، فيَلْزَمُه دِرْهَمٌ. وتَقْدِيرُه شئٌ هو دِرْهَمٌ، فجَعَل الدِّرْهَمَ بَدَلًا مِن كذا. الثانى، أن يقولَ: دِرْهَمٍ. بالجَرِّ، فيَلْزَمُه جُزْءُ دِرْهَمٍ، يُرْجَعُ في تَفْسِيرِه إليه، والتَّقْدِيرُ جُزْءُ دِرْهَمٍ، أو بعضُ دِرْهَمٍ، ويكونُ كذا كِنايَةً عنه. الثالثُ، أن يقولَ: دِرْهَمًا. بالنَّصْبِ، فيَلْزَمُه دِرْهَمٌ، ويكونُ مَنْصُوبًا على التَّفْسِيرِ، وهو التَّمْييزُ. وقال بعضُ النَّحْوِيِّينَ: هو مَنْصُوبٌ على القَطْعِ، كأنَّه قَطَعَ ما ابْتَدأَ به، وأقَرَّ بدِرْهَمٍ. وهذا على قَوْلِ الكُوفِيِّينَ. الرابعُ، أن يَذْكُرَه بالوَقْفِ، فيُقْبَلُ تَفْسِيرُه بجُزْءِ دِرْهَمٍ أيضًا؛ لأنَّه يجوزُ أن يكونَ أَسْقَطَ حَرَكَةَ الجَرِّ للوَقْفِ. وهذا مذهبُ الشّافعىِّ. وقال القاضى: يَلْزَمُه دِرْهَمٌ في الحالاتِ كُلِّها. وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشّافعىِّ. ولنا، أنَّ «كذا» اسْمٌ مُبْهَمٌ، فصَحَّ تَفْسِيرُه بجُزْءِ دِرْهَمٍ في حالِ الجَرِّ والوَقْفِ.
стр. 14972
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المسألةُ الثَّانيةُ: إذا قال: كَذا كَذا. بغيرِ عَطْفٍ، فالحُكْمُ فيها كالحُكْمِ في كَذا بغيرِ تَكْرِيرٍ سَواءً، لا يتَغَيَّرُ الحُكْمُ (١)، ولا يَقْتَضِى تَكْرِيرُه الزِّيادَةَ، كأنَّه قال: شئٌ شئٌ. ولأنَّه إذا قاله بالجَرِّ، احْتَمَلَ أن يكونَ قد أضَاف جُزْءًا إلى جُزْءٍ، ثم أضافَ الجُزْءَ الأَخيرَ إلى الدِّرْهَمِ، فقال: نِصْفُ تُسْعِ (٢) دِرْهَمٍ. وهكذا لو قال: كذا كذا كذا (٣). لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يُرِيدَ ثُلُثَ خُمْسِ سُبْعِ (٤) دِرْهَمٍ، ونحوَه.
المسألةُ الثَّالثةُ: إذا عَطَفَ، فقال: كذا وكذا دِرْهَمٌ. بالرَّفْعِ، لَزِمَه دِرْهَمٌ واحدٌ؛ لأنَّه ذَكَرَ شَيْئَيْنِ، ثم أبْدَلَ منهما دِرْهَمًا، فصارَ كأنَّه قال: هما دِرْهَمٌ.
وإن قال: درْهَمًا. بالنَّصْبِ، ففيه ثلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحَدُها، يَلْزَمُه دِرْهَمٌ واحدٌ، وهوَ قولُ [أبى عبدِ اللَّه] (٥) ابنِ حامِدٍ، والقاضِى؛ لأَنَّ «كذا» يَحْتَمِلُ أقَلَّ مِن دِرْهَمٍ، فإذا عَطَفَ عليه مِثْلَه، ثم فَسَّرَهُما
стр. 14973
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بدِرْهمٍ واحدٍ، جازَ، وكَان كلامًا صَحِيحًا. وهذا يُحْكَى قَوْلًا للشّافِعِىِّ. الثانى، يَلْزَمُه دِرْهَمانِ. وهو اخْتِيارُ أبى الحَسَنِ التَّميمِىِّ؛ لأنَّه ذَكَرَ جُمْلَتَيْنِ، فإذا فَسَّرَ ذلك بدِرْهَمٍ، عاد التَّفْسِيرُ إلى كلٌ واحدٍ منهما (١)، كقَوْلِه: عِشْرُونَ دِرْهَمًا. يعودُ التَّفْسِيرُ إلى العِشْرِينَ، كذا ههُنا. وهذا يُحْكَى قولًا ثانِيًا للشّافِعِىٌ. الثالثُ، يَلْزَمُه أكْثَرُ مِن دِرْهَمٍ. ولَعَلَّه ذَهَبَ إلى أنَّ الدِّرْهَمَ تَفْسِيرٌ للجُمْلةِ التى تَلِيه، فيَلْزَمُه بها دِرْهَمٌ، والأُولَى باقِيَة على إبْهامِها، فيُرْجَعُ في تَفْسِيرِها إليه. وهذا يُشْبِهُ قولَ التَّمِيمِىٌ. وقال محمدُ بنُ الحَسَنِ: إذا قال: كذا دِرْهَمًا. لَزِمه عِشْرُونَ دِرْهَمًا؛ لأنَّه أقَلُّ عَدَدٍ يُفَسَّرُ بالواحِدِ المَنْصُوبِ، وإن قال: كَذا كَذا دِرْهَمًا. لَزِمَه أحَدَ عَشرَ دِرْهَمًا؛ لأنَّه أقَلُّ عَدَدٍ مُرَكَّبٍ يُفَسَّرُ بالواحدِ المَنْصُوبِ (٢)، وإن قال: كَذا وكَذا دِرْهَمًا. لَزِمَه أحَدٌ وعِشرُونَ دِرْهَمًا؛ لأنَّه أقَلُّ عَدَدٍ عُطِفَ بعضُه على بعض يُفَسَّرُ بذلك، وإن قال: كَذَا دِرْهَمٍ. بالجَرِّ، لَزِمَه مائةُ دِرْهم (١)؛ لأنَّه أقَلُّ عَدَدٍ يُضافُ إلى الواحدِ. وحُكِىَ عن أبى يُوسُفَ أنَّه قال: كَذا كَذا، أو كَذا وكَذا. يَلْزَمُه
стр. 14974
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَىَّ أَلْفٌ. رُجِعَ فِى تَفْسِيرِهِ إِلَيْهِ، فَإِنْ فَسَّرَهُ بِأَجْنَاسٍ، قبِلَ مِنْهُ. وَإِن قَالَ: لَهُ عَلىَّ أَلْفٌ وَدِرْهَمٌ. أَوْ: أَلْفٌ
ــ
بهما أحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا. ولَنا، أنَّه يَحْتَمِلُ ما قُلْنا، ويَحْتَمِلُ ما قالُوا، فوَجَبَ المَصِيرُ إلى ما قُلْنَا، لأنَّه اليَقِينُ، وما زادَ مَشْكُوكٌ فيه، فلا يَجِبُ بالشَّكِّ، كما لو قال (١): علَىَّ دَرَاهِمُ. لم يَلْزَمْه إلَّا أقَلُّ الجَمْعِ، ولا يَلْزَمُ كَثْرَةُ الاسْتعْمالِ، فإنَّ اللَّفْظَ إذا كان حَقِيقةً في الأَمْرَيْنِ، جازَ التَّفْسِيرُ بكلِّ واحدٍ منهما. وعلى ما ذكَرَه محمدٌ يكونُ اللَّفْظُ المُفْرَدُ يُوجِبُ أكْثَرَ مِن المُكَرَّرِ، فإنَّه يَجِبُ بالمُفْرَدِ عِشْرُونَ، وبالمُرَكَّبِ أحَدَ عَشَرَ، ولا نَعْرِفُ لَفْظًا مُفْرَدًا مُتَناوِلًا لِعَدَدٍ صَحِيحٍ يَلْزَمُ به أكْثَرُ ممّا يَلْزَمُ بمُكَرَّرِه.
٥١٨٨ - مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ ألْفٌ. رُجِعَ في تَفْسِيرِه إليه، فإن فَسَّرَه بأجْناسٍ، قُبِلَ منه) لأنَّه يَحْتَمِلُ ذلك.
٥١٨٩ - مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ ألْفٌ ودِرْهَمٌ. أو: ألْفٌ
стр. 14975
وَدِينَارٌ. أَوْ: أَلْفٌ وَثَوْبٌ، أَوْ فَرَسٌ. أَوْ: دِرْهَمٌ وَأَلْفٌ. أَوْ: دِينَارٌ وَأَلْفٌ. فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ، وَالْقَاضِى: الْأَلْفُ مِن جِنْسِ مَا عُطِفَ عَلَيْهِ. وَقَالَ التَّمِيمِىُّ، وَأَبُو الْخَطَّابِ: يُرْجَعُ فِى تَفسِيرِ الأَلْفِ إِلَيْهِ.
ــ
ودِينارٌ. أو: ألْف وثَوْبٌ، أو: فَرَسٌ. أو: درْهَمٌ وأَلْفٌ. أو: دِينارٌ وألْفٌ. فقال ابنُ حامدٍ، والقاضِى: الألْفُ مِنَ جِنْسِ ما عُطِفَ عليه) وبه قال أبو ثَوْرٍ (وقال التَّمِيمِىُّ، وأبو الخَطَّابِ: يُرْجَعُ في تَفْسِيرِ الألْفِ إليه) لأَنَّ الشئَ (١) يُعْطَفُ على غيرِ جِنْسِه، قال اللَّهُ تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ
стр. 14976
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (١). ولأَنَّ الأَلْفَ مُبْهَمٌ، فيُرْجَعُ في تَفْسِيرِه إلى المُقِرِّ، كما لو لم يَعْطِفْ عليه. وقال أبو حنيفةَ: إن عَطَفَ على المُبْهَمِ مَكِيلًا أو مَوْزُونًا، كان تَفْسِيرًا له، وإن عَطَفَ مَذْرُوعًا أو مَعْدُودًا، لم يكُنْ تَفْسِيرًا؛ لأَنَّ «عَلَىَّ» للإِيجابِ في الذِّمَّةِ، فإذا عَطَفَ عليه ما يَثْبُتُ في ذِمَّتِه بنَفْسِه، كان تَفْسِيرًا له، كقَوْلِه: مائةٌ وخَمْسُونَ دِرْهَمًا. ولَنا، أنَّ العَرَبَ تَكْتَفِى بتَفْسِيرِ إحْدَى الجُمْلَتَينِ عن الأُخْرَى، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِى كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ (٣). ولأنَّه ذَكَرَ مُبْهَمًا مع مُفَسَّرِ (٤) لم يَقمِ الدَّلِيلُ على أنَّه مِن غيرِ جِنْسِه، فكان المُبْهَمُ مِن جِنْسِ المُفَسَّرِ، كما لو قال: مائةٌ وخَمْسُونَ دِرْهَمًا، أو: ثَلاثُمائةٍ وثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا. يُحَقِّقُه أنَّ المُبْهَمَ يَحْتاجُ إلى التَّفْسِيرِ، وذِكْرُ التَّفْسِيرِ في الجملةِ المُقَارنَةِ له يَصْلُحُ أن يُفَسِّرَه، فوَجَب حَمْلُ الأمْرِ على ذلك. وأمَّا قولُه: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾. فإنَّه امْتَنَعَ أن تكونَ العَشْرُ أَشْهُرًا لِوَجْهَيْنِ؛ أحدُهما، أنَّ العَشْرَ بغيرِ هاءٍ عَدَدٌ للمُؤنَّثِ، والأشْهُرُ مُذَكَّرةٌ،
стр. 14977
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فلا يجوزُ أن تُعَدَّ بغيرِ هاءٍ. والثانى، أنَّها لو كانت أَشْهُرًا، لقال: أرْبَعَةَ عَشَرَ شَهْرًا. بالتَّرْكِيبِ لا بالعَطْفِ، كما قال: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ (١). وقولُهم: إنَّ الألْفَ مُبْهَمٌ. قلنا: قُرِنَ به ما يَدُلُّ على تَفْسِيرِه، فأشْبَهَ ما لو قال: مائةٌ وخَمْسُونَ دِرْهَمًا، أو: مائةٌ و (٢) دِرْهَمٌ. عندَ أبى حنيفةَ. فإن قيل: إذا قال: مائةٌ وخَمْسُونَ دِرْهَمًا. فالدِّرْهَمُ ذُكِرَ للتَّفْسِيرِ، ولهذا لا يَزْدادُ (٣) به العَدَدُ، فصَلَحَ تَفْسِيرًا لجَميعِ ما قَبْلَه، بخِلافِ قَوْلِه: مائةٌ ودِرْهَمٌ. فإنَّه ذَكَرَ الدِّرْهَمَ للإِيجابِ لا للتَّفسِيرِ، بدَلِيلِ أنَّه زادَ به العَدَدُ. قلنا: هو صالِحٌ للإِيجابِ والتَّفْسِيرٍ معًا، والحاجَةُ داعِيَةٌ إلى التَّفْسِيرِ، فوَجَبَ حَمْلُ الأمْرِ على ذلك، صِيانَةً لكَلامِ المُقِرِّ عن الالتِباسِ والإِلهامِ، وصَرْفًا له إلى البَيَانِ والإِفْهامِ. وقولُ أبى حنيفةَ: إنَّ «عَلَىَّ» للإِيجابِ. قلنا: فمتى عُطِفَ ما يَجِبُ بها على ما لا يَجبُ، وكان أحَدُهما مُبْهَمًا والآخَرُ مُفَسَّرًا، وأمْكَنَ تَفْسِيرُه به، وَجَبَ أَن يكونَ المُبْهَمُ مِن جنْسِ المُفَسَّرِ. فأمّا إن لم يُمْكِنْ (٤)، مثلَ أن يُعْطَفَ عَدَدُ المُذَكَّرِ عِلى المُؤنَّثِ، أو بالعَكْسِ، ونحو ذلك، فلا يكون أحَدُهُما مِن جِنْسِ الآخرِ، ويَبْقَى المُبْهَمُ على إبْهامِه، كما لو قال: له
стр. 14978
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَىَّ أَلْفٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا. أَو: خَمْسُونَ وَأَلْفُ دِرْهَمٍ. فَالْجَمِيعُ دَرَاهِمُ. وَيَحْتَمِلُ عَلَى قَوْلِ التَّمِيمِىِّ أَنْ يُرْجَعَ فِى تَفْسِيرِ الْأَلْفِ إِلَيْهِ.
ــ
علىَّ (١) أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ وعَشْرٌ.
٥١٩٠ - مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ ألْفٌ وخَمْسُونَ دِرْهَمًا. أو: خَمْسُونَ وألْفُ دِرْهَمٍ. فالجَمِيعُ دَراهِمُ. ويَحْتَمِلُ على قولِ التَّمِيمِىِّ أن يُرْجَعَ في تَفْسِيرِ الألْفِ إليه) وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشّافِعِىِّ. وكذلك إن قال: ألْفٌ وثَلاثةُ دَرَاهِمَ. أو: مائةٌ و (٢) ألْفُ درْهَمٍ. والصَّحِيحُ الأوّلُ، فإنَّ الدِّرْهَمَ المُفَسَّرَ يكونُ تَفْسِيرًا لجميعِ ماَ قَبْلَه مِن الجُمَلِ المُبْهَمةِ وجِنْسِ العَدَدِ، قال اللَّهُ تعالى مُخْبِرًا عن أحَدِ الخَصمَيْنِ أنَّه قال: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ (٣). وفى الحَدِيثِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تُوُفِّىَ وهو ابنُ ثَلاثٍ وسِتِّينَ سَنَةً (٤). وقال عَنْتَرةُ (٥):
стр. 14979
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فيها اثْنَتَانِ وأَرْبَعُونَ حَلُوبَةً ... سُودًا كَخَافِيَةِ الغُرَابِ الأَسْحَمِ
ولأَنَّ الدِّرْهَمَ ذُكِرَ تَفْسِيرًا، ولهذا لا يَجبُ به زِيادَةٌ على العَدَدِ المَذْكُورِ، فكان تَفْسِيرًا لجميعِ ما قبْلَه؛ لأنَّها (١) تَحْتاجُ إلى تَفسِيرٍ، وهو صالِحٌ لتَفْسِيرِها، فوَجَبَ حَمْلُه على ذلك، وهذا المَعْنَى مَوْجُودٌ في قولِه: ألْفٌ وثَلاثةُ دَراهِمَ. وسائِرِ الصُّوَرِ المَذْكُورةِ. فعلى قَوْلِ مَن لا يَجْعَلُ المُجْمَلَ مِن جِنْسِ المُفَسَّرِ، لو قال: بِعْتُكَ هذا بمائةٍ وخَمْسِينَ دِرْهَمًا. أو: بخَمْسَةٍ (٢) وعِشْرِينَ دِرْهَمًا. لا يَصحُّ. وهو قولٌ شاذٌّ ضَعِيفٌ لا يُعَوَّلُ عليه.
وإن قال: له عَلَىَّ ألْفُ دِرْهَم إلَّا خَمْسِينَ. فالمُسْتَثْنَى دَرَاهِمُ؛ لأَنَّ العَرَبَ لا تَسْتَثْنِى في الإِثْباتِ إلَّا مِن الجِنْسِ.
стр. 14980
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَىَّ أَلْفٌ إلَّا دِرْهَمًا. فَالْجَمِيعُ دَرَاهِمُ.
ــ
٥١٩١ - مسألة: [وإن قال: له عَلَىَّ ألْفٌ إلَّا دِرْهَمًا. فالجميعُ دَراهِمُ) لأَنَّ العربَ لا تَستَثْنِى في الإثْباتِ إلَّا مِن الجنسِ] (١). وهذا اخْتِيارُ ابنِ حامدٍ، والقاضِى. وقال أبو الحَسَنِ التَّمِيمِىُّ، وأبو الخَطَّابِ: يكونُ الألْفُ مُبْهَمًا، يُرْجَعُ في تَفْسِيرِه إليه. وهو قولُ مالكٍ، والشَّافعىِّ؛ لأَنَّ الاسْتِثْناءَ عندَهما يَصِحُّ مِن غيرِ الجِنْسِ، ولأَنَّ لَفْظَه في الأَلْفِ مُبْهَمٌ، والدِّرْهَمُ لم يُذْكَرْ تَفْسِيرًا له، فيَبْقَى (٢) على إبْهامِه. ولَنا، أنَّه لم يَرِدْ عن العَرَبِ الاسْتِثْناءُ في الإثْباتِ إلَّا مِن الجِنْسِ، فمتى عُلِمَ أحَدُ الطرًّفيْنِ عُلِمَ أنَّ الآخَرَ مِن جِنْسِه، كما لو عُلِمَ المُسْتَثْنَى منه، وقد سَلَّمُوه، وعِلَّتُه تَلازُمُ المُسْتَثْنَى والمُسْتَثْنَى منه في الجِنْسِ، فما ثَبَتَ في أحَدِهما ثَبَتَ في الآخرِ. فعلى قولِ أبى الحَسَنِ التَّمِيمِىِّ، وأبى الخَطَّابِ، يُسألُ عن المُسْتَثْنَى، فإن فَسَّرَه بغيرِ الجِنْسِ، بَطَلَ الاسْتِثْناءُ. وعلى قولِ غيرِهما، يُنْظَرُ في المُسْتَثْنَى، إن كان مِثلَ المُسْتَثْنَى منه أو أكْثَرَ،
стр. 14981
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بَطَل (١)، [وإلا صَحَّ] (٢).
فصل: وإن قال: له تِسْعةٌ وتِسْعُونَ دِرْهَمًا. فالجميعُ دَرَاهِمُ. ولا أعْلَمُ فيه خِلافًا. وكذلك إن قال: مائةٌ وخَمْسُونَ دِرْهَمًا (٣). وخَرَّجَ بعضُ أصحابنا وجهًا أنَّه لا يكونُ تَفْسِيرًا إلَّا لِما يَلِيه. وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشَّافعىِّ.
стр. 14982
وَإِنْ قَالَ: لَهُ فِى هَذَا الْعَبْدِ شِرْكٌ. أَوْ: هُوَ شَرِيكِى فِيهِ. أَوْ: هُوَ شَرِكَةٌ بَيْنَنَا. رُجِعَ فِى تَفْسِيرِ نَصِيبِ الشَّرِيكِ إلَيْهِ.
ــ
٥١٩٢ - مسألة: (وإن قال: له في هذا العَبْدِ شِرْكٌ. أو: هو شَرِيكِى فيه. أو: هو شَرِكَةٌ بينَنا. رُجِعَ في تَفْسِيرِ نَصِيبِ الشَّرِيكِ إليه) وقال أبو يُوسفَ: يكونُ مُقِرًّا بنِصْفه؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِى الثُّلُثِ﴾ (١). فاقْتَضَى ذلك التَّسْوِيةَ بينَهم، كذا ههُنا. ولَنا، أنَّ أىَّ جُزْءٍ كان له منه، فلَه فيه شَرِكَةٌ، فكان له تَفْسِيرُه بما شاءَ، كالنِّصْفِ،
стр. 14983
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَىَّ أَكْثَرُ مِنْ مَالِ فُلَانٍ. قِيلَ لَهُ: فَسِّرْ. فَإنْ فَسَّرَهُ بِأَكْثَرَ مِنْهُ قَدْرًا، قُبِلَ وَإِنْ قَلَّ. وَإِنْ قَالَ: أرَدْتُ أكْثَرَ بَقَاءً وَنَفْعًا؛ لأَنَّ الْحَلَالَ أَنْفَعُ مِنَ الْحَرَامِ. قُبِلَ مَعَ يَمِينِه، سَوَاءٌ عَلِمَ مَالَ فُلَانٍ
ــ
وليس إطْلاقُ لَفْظِ الشَّرِكَةِ على ما دُونَ النِّصْفِ مَجازًا، ولا مُخالِفًا للظاهرِ، والآيةُ ثَبَتَتِ التَّسْوِيةُ فيها بدَلِيلٍ آخَرَ. وكذلك الحُكْمُ إذا قال: هذا العَبْدُ شَرِكَةٌ بينَنا. وإن قال: له فيه سَهْمٌ. فكذلك. وقال القاضِى: يُحْمَلُ على السُّدْسِ، كالوَصِيَّةِ.
٥١٩٣ - مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ أكْثَرُ مِن مالِ فُلانٍ. قيل له: فَسِّرْ. فإن فَسَّرَه بأكْثَرَ منه قَدْرًا، قُبِلَ. وإن قال: أرَدْتُ أكْثَرَ بَقاءً ونَفْعًا؛ لأَنَّ الحَلَالَ أنْفَعُ مِن الحَرَامِ. قُبِلَ) قولُه (مع يَمِينِه، سواءٌ عَلِمَ
стр. 14984
أَوْ جَهِلَهُ، أَوْ ذَكَرَ قَدْرَهُ أَوْ لَمْ يَذْكُرْهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُ أَكْثَرُ مِنْهُ قَدْرًا بِكُلِّ حَالٍ.
ــ
مالَ فلانٍ أو جَهِلَه، أو ذَكَرَ قَدْرَه أو لم يَذْكُرْه) أمّا إذا فَسَّرَه بأكْثَرَ منه قَدْرًا، فإنَّه يُقْبَلُ تَفْسِيرُه، ويَلْزَمُه أكْثَرُ منه. وتُفَسَّرُ الزِّيادَةُ بما يُرِيدُ مِن قَلِيلٍ أو كَثِيرٍ، ولو حَبّةَ حِنْطةٍ. ولو قال: ما عَلِمْتُ لفلانٍ أكْثَرَ مِن كذا. وقامتِ البَيِّنةُ بأكْثَرَ منه، لم يَلْزَمْه أكْثَرُ مما اعْتَرفَ به؛ لأَنَّ مَبْلَغَ المالِ حَقِيقةٌ لا تُعْرَفُ في الأكْثَرِ، وقد يكونُ ظاهرًا وباطِنًا، فيَمْلِكُ ما لا (١) يَعْرِفُه المُقِرُّ، فكان المَرْجعُ إلى ما اعْتَقَدَه المُقِرُّ مع يَمِينِه إذا ادَّعَى عليه أكْثَرَ منه. وإن فَسَّرَه بأقَلَّ مِن مالِه مع عِلْمِه بمالِه، لم يُقْبَلْ. وقال أصحابُنا: يُقْبَل تَفْسِيرُه بالكَثِيرِ والقَلِيلِ. وهو مذهبُ الشّافِعِىِّ، سواءٌ عَلِمَ مالَ فلانٍ أو جَهِلَه، أو ذَكَر قَدْرَه أو لم يَذْكُرْه، أو قاله عَقِيبَ الشَّهادَةِ بقَدْرِه أو لا؛ لأنَّه (٢) يَحْتَمِلُ أنَّه أكْثَرُ منه بَقاءً أو مَنْفَعةً أو بَرَكةً؛ لكَوْنِه مِن
стр. 14985
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحَلَالِ، أو لأنَّه في الذِّمَّةِ. قال القاضِى: ولو قال: لى عليك ألْفُ دِينارٍ. فقال: لك عَلَىَّ أكْثَرُ مِن ذلك. لم يَلْزَمْه أكْثَرُ منها؛ لأَنَّ لَفْظَةَ «أكْثَرَ» مُبْهَمةٌ؛ لِاحْتِمالِها ما ذكَرْنا، ويَحْتَمِلُ أنَّه أراد أكْثَرَ منه فُلُوسًا، أو حَبَّ حِنْطةٍ أو شَعِيرٍ أو دُخْنٍ، فيُرْجَعُ في تَفْسِيرِها إليه. قال شَيْخُنا (١): وهذا بَعِيدٌ. فإنَّ لَفْظةَ «أكْثَرَ» إنَّما تُسْتَعْمَلُ حَقِيقةً في العَدَدِ أو في القَدْرِ، وتَنْصَرِفُ إلى جِنْسِ ما أُضِيفَ «أكْثَرُ» إليه، لا يُفْهَمُ في الإطْلاقِ غيرُ ذلك، قال اللَّهُ تعالى: ﴿كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ﴾ (٢). وأخْبَرَ عن الذى قال: ﴿أنَا أكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ (٣). ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا﴾ (٤). والإِقْرارُ يُؤْخَذُ فيه بالظّاهِرِ دون مُطْلَقِ الاحْتِمالِ، ولهذا لو أقَرَّ بدَراهِمَ، لَزِمَه أقَلُّ الجمعِ (٥)، جِيَادًا صِحَاحًا وازِنةً حالَّةً. ولو قال: له عَلَىَّ دَرَاهِمُ. لم يُقْبَلْ تَفسِيرُها بالوَدِيعةِ. ولو رُجِع إلى مُطْلَقِ الاحْتِمالِ، سَقَط الإِقْرارُ، واحْتِمالُ ما ذَكَرُوه أبعَدُ مِن هذه الاحْتِمالاتِ