وَنِصْفُهَا عَلَى خُلَطَائِهِ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ سُدْسُ شَاةٍ.
ــ
ونِصْفُها على الخُلَطاءِ، على كلِّ واحِدٍ سُدْسُ شاةٍ)؛ لو كانت لشَخْصٍ واحِدٍ. ولو كان رجلان، لكلِّ واحِدٍ منهما سِتُّون، فخَالَطَ كلُّ واحِدٍ منهما صاحِبَه بعِشْرِين فقط، وَجَب عليهما شاةٌ بينَهما نِصْفَيْن
стр. 2907
وَإنْ كَانَتْ كُلُّ عَشْرٍ مِنْها مُخْتَلِطَةً بِعَشْرٍ لِآخَرَ، فَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَلَا شَىْءَ عَلَى خُلَطَائِهِ؛ لَأَنَّهُمْ لَمْ يَخْتَلِطُوا فِى نِصَابٍ. وَإذَا كَانَتْ مَاشِيَةُ الرَّجُلِ مُتَفَرِّقَةً فِى بَلَدَيْنِ لَا تُقْصَرُ بَيْنَهُمَا الصَّلَاةُ، فَهِىَ كَالْمُجْتَمِعَةِ.
ــ
لذلك (فإن كان) له سِتُّون (كلُّ عَشْرٍ منها مُخْتَلِطَةً بعَشْرٍ لآخَرَ، فعليه شاةٌ ولا شئَ على خُلَطائِه؛ لأنَّهم (١) لم يَخْتَلِطُوا في نِصابٍ) كذلك قال أصحابُنا.
٨٨٤ - مسألة: (وإذا كانت ماشِيَةُ الرجلِ مُتَفَرِّقَةً في بَلَدَيْن لا تُقْصَرُ
стр. 2908
وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مَسَافَةُ الْقَصْرِ، فَكَذَلِكَ عِنْدَ أبِى الْخَطَّابِ. وَالْمَنْصُوصُ أنَّ لِكُلِّ مَالٍ حُكْمَ نَفْسِهِ، كَمَا لَوْ كَانَا لِرَجُلَيْنِ.
ــ
بينَهما الصلاةُ، فهى كالمُجْتَمِعَةِ) يَضُمُّ بعضَها إلى بعضٍ، ويُزَكِّيها كالمُخْتَلِطَةِ. لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا (وإن كان بينَهما مسافَةُ القَصْرِ، فكذلك) في إحْدَى الرِّوايَتَيْن عن أحمدَ. اخْتارَها أبو الخَطّابِ. وهو قولُ سائِرِ العُلماءِ. وهو الصَّحِيحُ إن شاء اللَّهُ تعالى؛ لقَوْلِه ﵇: «فِى أرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» (١). ولأنَّه مِلْكٌ واحِدٌ، أشْبَهَ ما لو كان في بُلْدانٍ مُتَقارِبَةٍ، وكغيرِ السّائِمَةِ. فعلى هذا يُخْرِجُ الفَرْضَ في أحَدِ البَلَدَيْن؛ لأنَّه مَوْضِعُ حاجَةٍ. والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ (أنَّ لكلِّ مالٍ حُكْمَ نَفْسِه) يُعْتَبَرُ على حِدَتِه، إن كان نِصابًا ففيه الزكاةُ، وإلَّا فلا. نَصَّ عليه أحمدُ. قال ابنُ المُنْذِرِ: لا أعْلَمُ هذا القولَ عن غيرِ أحمدَ. واحْتَجَّ بظاهِرِ قَوْلِه عليه
стр. 2909
وَلَا تُؤَثِّرُ الْخُلْطَةُ فِى غَيْرِ السَّائِمَةِ. وَعَنْهُ، أَنَّهَا تُؤَثِّرُ.
ــ
السلامُ: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِع، خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ» (١). وهذا مُتَفَرِّقٌ فلا يُجْمَعُ، ولأنَّه [لمّا أثَّرَ اجْتِماعُ] (٢) مالَيْن لرجُلَيْن في كَوْنِهما كالمالِ الواحِدِ، يَجِبُ أن يُؤَثِّرَ افْتِراقُ مالِ الرجلِ الواحِدِ، حتى يَجْعَلَه كالمالَيْن. والحديثُ مَحْمُولٌ على المُجْتَمِعَةِ، ولا يَصحُّ القِياسُ على غيرِ السّائِمَةِ، لأنَّ الخُلْطَةَ لا تُؤَثِّرُ فِيها، كذلك الافْتِراقُ، والبُلْدانُ المُتَقارِبَةُ بمَنْزلَةِ البَلَدِ الواحِدِ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ على ما بَيَّنّا، وكَلامُ أحمدَ مَحْمُولٌ على أنَّ السّاعِىَ لا يَأْخُذُها، فأمّا رَبُّ المالِ فيُخْرِجُ إذا بَلَغ مالُه نِصابًا، فإنَّه قد رُوِىَ عنه، في مَن له مائةُ شاةٍ في بُلْدانٍ مُتَفَرِّقَةٍ: لا يَاخُذُ المُصَدِّقُ (٣) منها شيئًا؛ لأنَّه لا يُجْمَعُ بينَ مُتَفَرِّقٍ، وصاحِبُها إذا ضَبَط ذلك وعَرَفَه أخْرَجَ هو بنَفْسِه، يَضَعُها في الفُقَراءِ. كذلك رَواه المَيْمُونِىُّ وحَنْبَلٌ عنه.
٨٨٥ - مسألة: (ولا تُؤَثِّرُ الخُلْطَةُ في غيرِ السّائِمَةِ. وعنه، أنَّها
стр. 2910
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تُؤَثِّرُ) لا تُؤَثِّرُ الخُلْطَةُ في غْيْرِ السّائِمَةْ، كالذَّهبِ والفِضَّةِ والزُّرُوعِ والثِّمارِ وعُرُوضِ التِّجارَةِ، ويَكُونُ حُكْمُهم حُكْمَ المُنْفَرِدِين. وهذا قولُ أكْثَرِ أهلِ العلمِ. وعن أحمدَ، أنَّ شَرِكَةَ الأعْيانِ تُؤَثِّرُ في غيرِ الماشِيَةِ، فإذا كان (١) بينَهم نِصابٌ يَشْتَرِكُون فيه، فعليهم الزكاةُ. وهذا قولُ إسحاقَ، والأوْزاعِىِّ، في الحَبِّ والثَّمَرِ، قِيَاسًا على خُلْطَةِ الماشِيَةِ. والمَذْهَبُ الأوَّلُ. قال أحمدُ: الأوْزاعِىُّ يَقُولُ في الزَّرْعِ إذا كانُوا شُرَكاءَ يَخْرُجُ لهم خَمْسَةُ أوْسُقٍ فيهْ الزكاةُ. قاسَه على الغَنَمِ، ولا يُعْجِبُنِى قولُ الأوْزاعِىِّ. فأمّا خُلْطَةُ الأوْصافِ، فلا مَدْخَلَ لها في غيرِ المَاشِيَةِ بحالٍ؛ لأنَّ الاخْتِلاط لا يَحْصُلُ. وخَرَّجَ القاضى وَجْهًا، أنَّها تُؤَثِّرُ؛ لأنَّ المُؤْنَةَ تَخِفُّ إذا كان المُلْقِحُ (٢) واحِدًا، والنّاطُورُ (٣)، والجَرِينُ (٤)، وكذلك أمْوالُ التِّجارَةِ؛ الدُّكّانُ، والمَخْزَنُ، والمِيزانُ، والبائِعُ، فأشْبَهَ المَاشِيَةَ. ومَذْهَبُ الشافعىِّ على نَحْوِ مَذْهَبِنا. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لقَوْلِ
стр. 2911
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النبىِّ ﷺ : «وَالْخَلِيطَانِ مَا اشْتَرَكَا فِى الْحَوْضِ وَالْفَحْلِ وَالرَّاعِى» (١). فدَلَّ على أنَّ ما لم يُوجَدْ فيه ذلك لا يَكونُ خُلْطَةً مُؤثِّرَةً، وقولُ النبىِّ ﷺ : «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ فتَفَرِّقٍ خَشْيَةَ الصدَقَةِ». إنَّما يَكُونُ في المَاشِيَةِ؛ لأنَّ الزَّكاةَ يَقِلُّ جَمْعُها تارَةً، ويَكْثُرُ أُخْرَى، وسائِرُ الأمْوالِ يَجِبُ فيما زاد على النِّصابِ بحِسابِه، فلا أثَرَ لجَمْعِها، ولأنَّ خُلْطَةَ الماشِيَةِ تُؤَثِّرُ في النَّفْعِ تارَةَ، وفى الضَّرَرِ أُخْرَى، وفى غيرِ الماشِيَةِ تُؤثِّرُ ضَرَرًا مَحْضًا برَبِّ المالِ، فلا يَصِحُّ القِياسُ. فعلى هذا إذا كان لجَماعَةٍ وَقْفٌ، أو حائِطٌ مُشْتَرَكٌ بينَهم فيه ثَمَرَةٌ أو زَرْعٌ، فلا زَكاةَ عليهم، إلَّا أن يَحْصُلَ في يَدِ بعضِهم نِصابٌ فتَجِبُ عليه الزكاةُ. وعلى الرِّوايَةِ الأُخْرَى، إذا كان الخارِجُ نِصابًا، ففيه الزكاةُ، فإن كان الوَقْفُ نِصابًا مِن السّائِمَةِ، وقُلنا: إنَّ الزكاةَ تَجِبُ في السّائِمَةِ المَوْقُوفَةِ. فيَنْبَغِى أن تَجِبَ عليهم الزكاةُ؛ لاشْتِراكِهم في مِلْكِ نِصابٍ تُؤثِّرُ الخُلْطَةُ فيه.
стр. 2912
وَيَجُوزُ لِلسَّاعِى أَخْذُ الْفَرْضِ مِنْ مَالِ أَىِّ الْخَلِيطيْنِ شَاءَ، مَعَ الْحَاجَةِ وَعَدَمِهَا.
ــ
٨٨٦ - مسألة: (ويَجُوزُ للسّاعِى أخْذُ الفَرْضِ مِن مالِ أىِّ الخَلِيطَيْن شاء) هذا ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، وسَواءٌ دَعَتِ الحاجَةُ إلى ذلك، بأن تَكُونَ الفَرِيضَةُ عَيْنًا واحِدَةً لا يمكنُ أخْذُها مِن المالَيْن، ونَحْوَ ذلك، أو لم تَدْعُ الحاجَةُ إلى ذلك، بأن يَجِدَ فَرْضَ كلِّ واحِدٍ مِن المالَيْن فيه. قال أحمدُ: إنَّما يَجِئُ المُصَدِّقُ فيَجِدُ الماشِيَةَ فيُصَدِّقُها، ليس يَجئُ فيقولُ: أىُّ شئٍ لك؟ وأىُّ شئٍ لك؟ قال الهَيْثَمُ بنُ خارِجَةَ لأبى عبدِ اللَّهِ: أنا رَأيْتُ مِسْكِينًا كانت له في غَنَمٍ شاتان، فجاء المُصَدِّقُ فأخَذَ إحْداهما. ووَجْهُ ذلك قولُ النبىِّ، ﷺ : «مَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ، فَإنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ» (١). يَعْنِى إذا أخَذَ مِن مالِ أحَدِهما. ولأنَّ المالَيْن قد صارا كالمالِ الواحِدِ في وُجُوبِ الزكاةِ، فكذلك في إخْراجِها.
стр. 2913
وَيَرْجِعُ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ عَلَى خَلِيطِهِ بِحِصَّتِهِ مِنَ الْقِيمَةِ. فَإنِ اخْتَلَفَا فِى الْقِيمَةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْجُوعِ عَلَيْهِ، إِذَا عُدِمَتِ الْبَيِّنَةُ. وَإذَا أَخَذَ السَّاعِى أَكْثَرَ مِنَ الْفَرْضِ ظُلْمًا، لَمْ يَرْجِعْ بِالزِّيَادَةِ عَلَى خَلِيطِهِ،
ــ
٨٨٧ - مسألة: (ويَرْجِعُ المَأْخُوذُ منه على خَلِيطِه بحِصَّتِه مِن القِيمَةِ) لِما ذَكَرْنا مِن النَّصِّ والمَعْنَى. فإذا كان لأحَدِهما ثُلثُ المالِ، وللآخَرِ ثُلثاه، فأخَذَ الفَرْضَ مِن مالِ صاحِبِ الثُلثِ، رَجَعَ بثُلثَىْ قِيمَةِ المُخْرَجِ على شَرِيكِه، وإن أخَذَه مِن الآخَرِ، رَجَع بالثُّلثِ على شَرِيكِه.
٨٨٨ - مسألة: (فإنِ اخْتَلَفا في القِيمَةِ، فالقولُ قولُ المَرْجُوعِ عليه، إذا عُدِمَتِ البَيِّنَةُ) لأنَّه غارِمٌ، فأشْبَهَ الغاصِبَ إذا اخْتَلَفا في قِيمَةِ المَغْصُوبِ بعدَ تَلَفِه، وعليه اليَمِينُ؛ لأنَّه مُنْكِرٌ.
٨٨٩ - مسألة: (وإذا أخَذَ السّاعِى أكْثَرَ مِن الفَرْضِ ظُلْمًا، لم
стр. 2914
وَإِنْ أَخَذَهُ بِقَوْلِ بَعْض الْعُلَمَاءِ رَجَعَ عَلَيْهِ.
ــ
يَرْجِعْ بالزِّيادةِ على خَلِيطِه) إذا أخَذَ السّاعِى أكْثَرَ مِن الفَرْضِ بغيرِ تَأْوِيلٍ، مثلَ أن يَأْخُذَ مكانَ الشّاةِ شاتَيْن، أو جَذَعَةً مكانَ حِقَّةٍ، لم يَكُنْ للمَأْخُوذِ منه الرُّجُوعُ إلَّا بقَدْرِ الواجِبِ، لأنَّ شَرِيكَه لم يَظْلِمْه، فلم يَكُنْ له الرُّجُوْعُ عليه (١)، كغيرِه. ولأنَّه ظُلْمٌ اخْتَصَّ السّاعِى، فلم يَرْجِعْ به على غيرِه، كما لو غَصَبَه على غيرِ وَجْهِ الزكاةِ.
٨٩٠ - مسألة: (وإن أخَذَه بقَوْلِ بَعْضِ العُلماءِ رَجَع عليه) وذلك مثلُ أن يَأْخُذَ الصَّحِيحَةَ عن المِراضِ، والكَبِيرَةَ عن الصِّغارِ؛ لأنَّ ذلك إلى اجْتِهادِ الإِمامِ، فإذا أدّاه اجْتِهادُه إلى أخْذِه، وَجَب دَفْعُه، وصار بمَنْزِلَةِ الفَرْضِ الواجِبِ، والسّاعِى نائِبُ الإِمامِ، فعْلُه كفِعْلِ الإِمامِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولا زكاةَ في سائِرِ الفَواكِهِ، مِن الخَوْخِ، والرُّمّانِ، والإِجّاصِ (١)، والكُمَّثْرَى، والتُّفّاحِ، والمِشْمِشِ (٢)، والتِّينِ، والجُوْزِ، ونَحْوِه. ولا في الخُضَرِ؛ كالقِثّاءِ، والخِيارِ، والباذِنْجانِ، واللِّفْتِ، والجَزَرِ. وبهذا قال عَطاءٌ في الحُبُوبِ كلِّها، ونَحْوُه قولُ أبى يُوسُفَ ومحمدٍ. وقال أبو عبدِ اللَّه اِبنُ حامدٍ: لا شئَ في الأبازِيرِ، ولا البُزُورِ، ولا حَبِّ البُقُولِ. ولَعَلَّه لا يُوجِبُ الزكاةَ إلَّا فيما كان قُوتًا أو أُدْمًا (٣)؛ لأنَّ ما عَدَاه لا نَصَّ فيه، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوصِ عليه، فيَبْقَى على النَّفْى الأصْلِىِّ. وقال مالكٌ، والشافعىُّ: لا زكاةَ في ثَمَرٍ، إلَّا التَّمْرَ والزَّبِيبَ، ولا في حَبٍّ، إلَّا ما كان قُوتًا في حالَةِ الاخْتِيارِ لذلك، إلَّا في الزَّيْتُونِ، على اخْتِلافٍ.
وحُكِىَ عن أحمدَ: لا زكاةَ إلَّا في الحِنْطَةِ، والشَّعِيرِ، والتَّمْرِ، والزَّبِيبِ.
стр. 2920
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهذا قولُ ابنِ عُمَرَ، وموسى بنِ طَلْحَةَ (١)، والحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، والشَّعْبِىِّ، وابنِ أبى لَيْلَى، وابنِ المُبارَكِ. والسُّلْتُ، وهو نَوْعٌ مِن الشَّعِيرِ. ووافَقَهُم إبراهيمُ، وزاد الذُّرَةَ. ووافَقَهم ابنُ عباسٍ، وزاد الزَّيْتُونَ، لأنَّ ما عَدَا هذا لا نصَّ فيه ولا إجْماعَ، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوصِ ولا المُجْمَعِ عليه، فيَبْقَى على الأصْلِ. وقد روَى عمرُو ابنُ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرو، أنَّه قال: إنَّما سَنَّ رسولُ اللَّهِ ﷺ في الحِنْطَةِ والشَّعِيرِ، والتَّمْرِ والزَّبِيبِ. وعن أبى بُرْدَةَ، عن أبى موسى، ومُعاذٍ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُما إلى اليَمَنِ يُعَلِّمان النَّاسَ أمْرَ دِيبهم، فَأمَرَهم أن لا يَأْخُذُوا الصَّدَقَةَ إلَّا مِن هذا الأرْبَعَةِ، الحِنْطَةِ، والشَّعِيرِ، والتَّمْرِ، والزَّبِيبِ. رَواهُنَّ الدَّارَقُطْنِىُّ (٢). ولأنَّ غيرَ هذه الأرْبَعَةِ لا يُساوِيها في غَلَبَةِ الاقْتِياتِ بها وكَثْرَةِ نَفْعِها، وُجُودِها، فلا يَصِحُّ قِياسُه عليها. وقال أبو حنيفةَ: في كلِّ ما يُقْصَدُ بزراعَتِه نَماءُ الأرْضِ،
стр. 2921
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إلَّا الحَطَبَ، والقَصَبَ، والحَشِيشَ؛ لقَوْلِه ﵇: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» (١). وهو عامٌّ. ولأنَّ هذا يُقْصَدُ بزِراعَتِه نَماءُ الأرْضِ، أشْبَهَ الحُبُوبَ. ولَنا، عُمُومُ قولِه ﵇: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ». وقولِه لمُعاذٍ: «خُذِ الْحَبَّ مِنَ الْحَبِّ» (٢). خَرَج منه ما لا يُكالُ، وما ليس بحَبٍّ، بمَفْهُومِ قولِه ﵇: «لَيْسَ فِى حَبٍّ وَلَا ثَمرٍ (٣) صَدَقَةٌ، حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أوْسُقٍ». رَواه مسلمٌ والنَّسائِىُّ (٤). وعن علىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّ النبىَّ ﷺ قال: «لَيْسَ فِى الْخَضْرَاوَاتِ صَدَقَةٌ». وعن عائشةَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: «لَيْسَ فِيمَا أنْبَتَتِ الأرْضُ مِنَ الْخَضِرِ صدَقَةٌ». رَواهما الدّارَقُطْنِىُّ (٥). وقال موسى بنُ طَلْحَةَ: جاء الأثَرُ عن رسولِ اللَّهَ ﷺ في خَمْسَةِ أشْياءَ؛ الشَّعِيرِ، والحِنْطَةِ، والسُّلْتِ، والزَّبِيبِ، والتَّمْرِ، وما
стр. 2922
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سِوَى ذلك ممّا أخْرَجَتِ الأرْضُ فلا عُشْرَ فِيه (١). وروَى الأثْرَمُ، بإسْنادِهِ، أنَّ عامِلَ عُمَرَ كَتَب إليه في كُرُومٍ، فيها مِن الفِرْسِكِ (٢) والرُّمّانِ ما هو أكْثَرُ غَلَّةً مِن الكُرُومِ أضْعافًا، فكَتَبَ إليه عمرُ: ليس عليها عُشْرٌ، هى مِن العِضاهِ (٣).
فصل: ولا تَجِبُ فِيما ليس بحَبٍّ ولا ثَمَرٍ، سَواءٌ وُجِد فيه الكَيْلُ والادِّخارُ أو لا، فلا تَجِبُ في وَرَقٍ مثلِ السِّدْرِ والخَطْمِىِّ (٤) والأُشْنانِ والصَّعْتَرِ (٥) والآسِ (٦) ونَحْوِه، لأنَّه ليس بمَنْصُوصٍ عليه، ولا في مَعْنَاه، ولأنَّ قولَه ﵇: «لَيْسَ فِى حَبٍّ وَلَا ثَمَرٍ صَدَقَةٌ، حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أوْسُقٍ». يَدُلُّ على أنَّ الزكاةَ لا تَجِبُ في غَيْرِهما. قال
стр. 2923
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ابنُ عَقِيلٍ: ولأنَّه لا زكاةَ في ثَمَرِ السِّدْرِ، فوَرَقُه أوْلَى. ولأنَّ الزكاةَ لا تَجِبُ في الحَبِّ المُباحِ، ففى الوَرَقِ أوْلَى. وقال أبو الخَطّابِ: تَجِبُ الزكاةُ في الصَّعْتَرِ والأُشْنانِ؛ لأنَّه مَكِيلٌ مُدَّخرٌ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لِما ذَكَرْنا، ولأنَّه ليس بمَنْصُوصٍ، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوصِ. ولا تَجِبُ في الزَّهْرِ، كالزَّعْفَرانِ، والعُصْفُرِ، والقُطْنِ؛ لأنَّه ليس بحَبٍّ ولا ثَمَرٍ، ولا مَكِيلٍ، فلم تَجِبْ فيه الزكاةُ، كالخَضْراواتِ. قال أحمدُ: ليس في القُطْنِ شئٌ. وقال: ليس في الزَّعْفَرانِ زكاةٌ. وهذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، واخْتِيَارُ أبى بكرٍ. ورُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: ليس في الفاكِهَةِ والبَقْلِ والتَّوابِلِ والزَّعْفَرانِ زكاةٌ.
стр. 2924
وَعَنْهُ، أَنَّهَا تَجِبُ فِى الزَّيْتُونِ، وَالْقُطْنِ، وَالزَّعْفَرَانِ، إِذَا بَلَغَا بِالْوَزْنِ نِصَابًا.
ــ
(وعنه، أنَّها تَجِبُ في الزَّيْتُونِ، والقُطْنِ، والزَّعْفرانِ، إذا بَلَغا بالوَزْنِ نِصابًا) ورُوِىَ عن أحمدَ رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّ في القُطْنِ والزَّعْفَرانِ
стр. 2925
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زكاةً. وخَرَّجَ أبو الخَطّابِ في العُصْفُرِ والوَرْس وَجْهًا، قِياسًا على الزَّعْفَرانِ. وقال القاضى: الوَرْسُ عندِى بمَنْزِلَةِ الزَّعْفرانِ، يُخَرَّجُ على رِوايَتَيْن؛ لاجْتِماعِ الكَيْلِ والادِّخارِ فيه، أشْبَهَ الحُبُوبَ. والأوَّلُ أوْلَى، وهذا مُخالِفٌ لأُصُولِ أحمدَ؛ فإنَّ المَرْوِىَّ عنه رِوايَتان؛ إحْداهما، أنَّه لا زكاةَ إلَّا في الأرْبَعَةِ. والثانيةُ، أنَّها تَجِبُ في الحِنْطَةِ والشَّعِير والتَّمْرِ والزَّبِيبِ والذّرَةِ والسُّلْتِ والأرْزِ والعَدَسِ، وكلِّ شئٍ يقُومُ مقامَ هذه حتى يُدَّخَرَ، ويَجْرِىَ فيه القَفِيزُ، مثل اللُّوبيا والحِمَّصِ والسَّماسِمِ (١) والقِطْنِيَّاتِ، ففيه الزكاةُ. وهذا لا يَجْرِى فيه القَفِيزُ، ولا هو في مَعْنَى ما سَمَّاه. وإذا قُلْنا بوُجُوبِ الزكاةِ في القُطْنِ، احْتَمَلَ أن تَجِبَ في الكَتّانِ والقِنَّبِ (٢)، لأنَّه في مَعْنَى القُطْنِ. ولا تَجِبُ الزكاةُ في التِّبْنِ وقُشورِ الحَبِّ، كما لا تَجِبُ في كَرَبِ (٣) النَّخْلِ وخُوصِه.
стр. 2926
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في الزَّيْتُونِ عن أحمدَ، فقال في رِوايَةِ ابْنِه صالِحٍ: فيه العُشْرُ إذا بَلَغ، يَعْنِى خَمْسَةَ أوْسُقٍ، وإن عُصِر قُوِّمَ ثَمَنُه؛ لأنَّ الزَّيْتَ له بَقاءٌ. وهذا قولُ الزُّهْرِىِّ، والأوْزاعِىِّ، ومالكٍ، واللَّيْثِ، والثَوْرِىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْى، وأحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ. ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (١). في سِياقِ قولِه تعالى: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾ (١). ولأنَّه يمكنُ ادِّخارُ غَلَّتِه، أشْبَهَ التَّمْرَ والزَّبِيبَ (٢) ورُوِىَ عنه: لا زَكاةَ فيه. نَقَلَها عنه يَعْقُوبُ
стр. 2927
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ابنُ بخْتانَ، وهو اخْتِيارُ أبى بكرٍ، وظاهِرُ كلام الخِرَقِىِّ، وهذا قولُ ابنِ أبى لَيْلِى، والحسنِ بنِ صالِحٍ، وأبى عُبَيْدٍ، وأَحَدُ قَوْلَىِ الشافعىِّ؛ لأنَّه لا يُدَّخرُ يابِسًا، فهو كالخَضْرَاواتِ، ولأنَّه لم يُرَدْ يها الزكاةُ؛ لأنَّها مَكِّيَّةٌ، والزكاةُ إنَّما فُرِضَتْ بالمَدِينَةِ، ولهذا ذُكِر الرُّمّانُ ولا عُشْرَ فيه. وقال النَّخَعِىُّ، وأبو جَعْفَرٍ (١): هذه الآيةُ مَنْسُوخَةٌ. على أنَّها مَحْمُولَةٌ على ما يَتَأتَّى حَصادُه، بدَلِيلِ أنَّ الرُّمّانَ مَذْكُورٌ بعدَه، ولا زَكاةَ فيه.
فصل: ونِصابُهُ خَمْسَةُ أوْسُقٍ. نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ صالحٍ. فأمّا نِصابُ الزَّعْفَرانِ وْالقُطْنِ وما أُلحِقَ بهما مِن المَوْزُوناتِ، فهو ألْفٌ وسِتُّمائةِ رَطْلٍ بالعِراقِىِّ؛ لأنَّه ليس بمَكِيلٍ، فيَقُومُ وَزْنُه مَقامَ كَيْله.
стр. 2928
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذَكَرَه القاضى، في «المُجَرَّدِ». وحُكِىَ عنه: إذا بَلَغَتْ قِيمَتُه نِصابًا مِنِ أدْنَى ما تُخْرِجُه الأرْضُ ممّا فيه الزكاةُ، ففيه الزكاةُ. وهذا قولُ أبى يُوسُف في الزَّعْفَرانِ؛ لأنَّه لا يمكنُ اعْتِبارُه بنَفْسِه، فاعْتُبِرَ بغيرِه، كالعُرُوضِ تُقَوَّمُ بأدْنَى النِّصابَيْن مِن الأثْمانِ. وقال أصحابُ الشافعىِّ في الزَّعْفرانِ: تَجِبُ الزكاةُ في قَلِيلِه وكَثِيرِه. وحَكاه القاضى في «المُجَرَّدِ» قَوْلًا في المَذْهَبِ. قال شيخُنا (١)، ﵀: ولا أعْلَمُ لهذيْن القَوْلَيْن دَلِيلًا، ولا أصْلًا يُعْتَمَدُ عليه، ويَرُدُّهما قولُ النبىِّ ﷺ : «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ صَدَقَةٌ» (٢). ولأنَّ إيجابَ الزكاةِ في قَلِيلِه وكَثِيرِه مُخالِفٌ لجَمِيعِ
стр. 2929
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أمْوالِ الزكاةِ، واعْتِبارُه بغيرِه مُخالِفٌ لجَمِيعِ ما يَجِبُ فيه العُشْرُ، واعْتِبارُه بأقلِّ ما تَجبُ الزكاةُ فيه قِيمَةً لا نَظِيرَ له أصْلًا، ولا يَصِحُّ قِياسُه على العُرُوضِ؛ لأَنَّها لا تَجِبُ الزكاةُ في عَيْنِها، وإنَّما تَجِبُ في قِيمَتِها فيُؤَدَّى مِن القِيمَةِ التى اعْتُبِرَتْ بها، والقِيمَةُ تُرَدُّ إليها كلُّ الأمْوالِ المتَقَوّماتِ، فلا يَلْزَمُ مِن الرَّدِّ إليها الرَّدُّ إلى ما لم يُرَدَّ إليه شئٌ أصْلًا ولا تُخْرَجُ الزكاةُ منه، ولأنَّ هذا مالٌ تُخْرَجُ الزكاةُ مِن جِنْسِه، فاعْتُبِرَ بنَفْسِه، كالحُبُوبِ.
وَعَنْهُ، أَنَّهُ يُعْتَبَرُ نِصَابُ ثَمَرَةِ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ رُطَبًا، ثُمَّ يُؤْخَذُ عشْرُهُ يَابِسًا، وَتُضَمُّ ثَمَرَةُ الْعَامِ الْوَاحِدِ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ فِى تَكْمِيلِ النِّصَابِ.
ــ
٨٩٦ - مسألة: (وعنه، أنَّه يُعْتَبَرُ نِصابُ ثَمَرَةِ النَّخْلِ والكَرْمِ رُطَبًا، ويُؤْخَذُ عُشْرُه يابِسًا) روَى الأثْرَمُ عن أحمدَ، أنَّه يُعْتَبَرُ نِصابُ النَّخْلِ والكَرْمِ عِنَبًا ورُطَبًا، ويُؤْخَذُ منه مِثْلُ عُشْرِ الرُّطَبِ تَمرًا. اخْتارَه أبو بكرٍ. قال شيخُنا (١): وهذا مَحْمُولٌ على أنَّه أراد، يُؤْخَذُ عُشْرُ ما يَجِئُ منه مِن التَّمْرِ، إذا بَلَغ رُطَبُها خَمْسَةَ أَوْسُقٍ؛ لأنَّ إيجابَ قَدْرِ عُشْرِ الرُّطَبِ مِن التَّمْرِ إيجابٌ لأكْثَرَ مِن العُشْرِ، وذلك يُخالِفُ النَّصَّ والإِجمْاعَ، فلا يَجُوزُ حَمْلُ كَلامِ الإِمامِ عليه. وظاهِرُ ما حَكَى عنه الأثْرَمُ، أنَّه يُؤْخَذُ مِقْدارُ عُشْرِ الرُّطَبِ يابِسًا، فإنَّه رُوِىَ أنَّه قِيلَ لأحمدَ: رَجُلٌ (٢) خُرِصَ عليه مائةُ وَسَقٍ رُطَبًا، يُعْطِيه عَشَرَةَ أوْسُقٍ تَمْرًا؟ قال: نعم، على ظاهِرِ الحديثِ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لِما ذَكَرْنا.
٨٩٧ - مسألة: (وتُضَمُّ ثَمَرَةُ العامِ الواحِدِ بَعْضُها إلى بَعْضٍ في تَكْمِيلِ النِّصابِ) تُضَمُّ ثَمَرَةُ العامِ الواحِدِ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، سَواءٌ اتَّفَقَ
стр. 2939
فَإِنْ كَانَ لَهُ نَخْلٌ يَحْمِلُ فِى السَّنَةِ حَمْلَيْنِ، ضُمَّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ. وَقَالَ الْقَاضى: لَا يُضَمُّ.
ــ
وَقْتُ إطْلاعِها وإدْراكِها أو اخْتَلَفَا، فلو أنَّ الثَّمَرَةَ جُدَّتْ، ثم أطْلَعَتْ أُخْرَى وجُدَّتْ، ضُمَّ إحْداهُما إلى الأُخْرَى. وكذلك زَرْعُ العامِ الواحِدِ يُضَمُّ بَعْضُه إلى بَعْضٍ تَكْمِيلِ النِّصابِ، كما قُلْنا في الثَّمَرَةِ، سواءٌ اتَّفَقَ زَرْعُه وإدْراكُه أو اخْتَلَفَ. ويُضَمُّ الصَّيْفِىُّ إلى الرَّبِيعِىِّ. ولو حُصِدَتِ الدُّخْنُ (١) والذُّرَةُ ثم نَبَتَتْ أُصُولُها، ضُمَّ أحَدُهما إلى الآخَرِ، لأنَّ الجَمِيعَ زَرْعُ عامٍ واحدٍ، فَضُمَّ بَعْضُه إلى بَعْضٍ، كما لو تَقارَبَ زَرْعُه وإدْراكُه.
٨٩٨ - مسألة: (فإن كان له نَخْلٌ يَحْمِلُ في السَّنَةِ حَمْلَيْن، ضُمَّ
стр. 2940
وَلَا يُضَمُّ جِنْسٌ إِلَى آخَرَ فِى تَكْمِيلِ النِّصَابِ.
ــ
أحَدُهما إلى الآخَرِ. وقال القاضى: لا يُضَمُّ) وهو قولُ الشافعىِّ، لأنَّه حَمْلٌ يَنْفَصِلُ عن الأوَّلِ، فكان حُكْمُه حُكْمَ حَمْلِ (١) عامٍ آخَرَ، كحَمْلِ العامَيْن. وإن كان له نَخْلٌ يَحْمِلُ مَرَّةً، ونَخْلٌ يَحْمِلُ حَمْلَيْن، ضَمَمْنا الحَمْلَ الأوَّلَ إلى الحَمْلِ المُنْفَرِدِ، ولم يَجِبْ في الثّانِى شئٌ، إلَّا أن يَبْلُغَ بمُفْرَدِه نِصابًا. والصَّحِيحُ الأوَّلُ. اخْتارَه أبو الخَطّابِ، وابنُ عَقِيلٍ، لأنَّها ثَمَرَةُ عامٍ واحِدٍ، فضُمَّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، كزَرْعِ العامِ الواحِدِ، وكالذُّرَةِ التى تَنْبُتُ مَرَّتَيْن، ولأنَّ الحَمْلَ الثّانِىَ يُضَمُّ إلى الحَمْلِ المُنْفَرِدِ لو لم يكنْ حَمْلٌ أوَّلُ، فكذلك إذا كان؛ لأنَّ وُجُودَ الحَمْلِ الأوَّلِ لا يَصْلُحُ أن يكونَ مانِعًا، بدَلِيلِ حَمْلِ الذُّرَةِ الأوَّلِ، وبها يَبْطُلُ ما ذَكَرُوه مِن الانْفِصالِ.
٨٩٩ - مسألة: (ولا يُضَمُّ جِنْسٌ إلى آخَرَ فِى تَكْمِيلِ النِّصابِ .
стр. 2941
وَعَنْهُ، أَنَّ الْحُبُوبَ يُضَمُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ. وَعَنْهُ، تُضَمُّ الْحِنْطَةُ إلَى الشَّعِيرِ، وَالْقِطنِيَّاتُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ.
ــ
وعنه، أنَّ الحُبُوبَ يُضَمُّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ. وعنه، تُضَمُّ الحِنْطَةُ إلى الشَّعِيرِ، والقِطنِيّاتُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ) القِطْنِيّاتُ، بكَسْرِ القافِ (١): جَمْعُ قِطْنِيَّةٍ، ويُجْمَعُ أيضًا قَطانِىّ. قال أبو عُبَيْدٍ (٢): هى صُنُوفُ الحُبُوبِ، مِن العَدَسِ، والحِمَّصِ، والأُرْزِ، والجُلُبّانِ، والجُلْجُلانِ. وهو السِّمْسِمُ. وزاد غيرُه: الدُّخْنَ، واللُّوبِيا، والفُولَ، والماشَ. وسُمِّيَتْ قِطْنِيَّةً، فِعْلِيَّةً، مِن قَطَنْ يَقْطُنُ في البَيْتِ، أى يَمْكُثُ فيه. وجُمْلَةُ ذلك أنَّه لا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ في غيرِ الحُبُوبِ والأثْمانِ، أنَّه لا يُضَمُّ جِنْسٌ إلى جِنْسٍ آخَرَ في تكْمِيلِ النِّصابِ.
стр. 2942
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فالماشِيَةُ ثَلاثَةُ أجْناسٍ؛ الإِبِلُ، والبَقَرُ، والغَنَمُ، لا يُضمُّ جِنْسٌ إلى غيرِه. وكذلك الثِّمارُ، لا يُضمُّ جِنْسن إلى آخَرَ، فلا يُضمُّ التَّمْرُ إلى الزَّبِيبِ، ولا إلى غيرِه مِن الثِّمارِ. ولا تُضَمُّ الأثْمانُ إلى السّائِمَةِ، ولا إلى الحُبُوبِ والثِّمارِ. ولا خِلافَ بينَهم فيما عَلِمْنا (١) أنَّ أنْواعَ الأجْناسِ يُضمُّ بعضُها إلى بَعْضٍ في إكْمالِ النِّصاب. ولا نَعْلَمُ بينَهم خِلافًا في أنَّ العُرُوضَ والأثْمانَ يُضمُّ كلُّ واحِدٍ منهما إلى الآخَرِ، إلَّا أنَّ الشافعىَّ لا يَضُمُّها إلَّا إلى جِنْسِ ما اشْتُرِيَتْ به؛ لأنَّ نِصابَها عندَه مُعْتَبَرٌ بذلك. فأمّا الحُبُوبُ فاخْتَلَفُوا في ضَمِّ بَعْضِها إلى بَعْضٍ، وفى ضَمِّ أحَدِ النَّقْدَيْن إلى الآخَرِ، فرُوِىَ عن أحمدَ في الحُبُوبِ ثَلاثُ رِواياتٍ؛ إحْداهُنَّ، لا يُضَمُّ جِنْسٌ منها إلى غيرِه، ويُعْتَبَرُ النِّصابُ في كلِّ جِنْسٍ مُنْفَرِدًا. وهذا قولُ عَطاءٍ، ومَكْحُولٍ، وابنِ أبِى لَيْلَى، والأوْزاعِى، والثَّوْرِىِّ، والحسنِ بنِ صالِحٍ، وشَرِيكٍ، والشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وأبى عُبَيْدٍ، وأصحابِ الرَّأْى؛ لأنَّها أجْناسٌ، فاعْتُبِرَ النِّصابُ في كلِّ واحِدٍ مُنْفَرِدًا، كالنِّصابِ، والمَواشِى.
стр. 2943
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والثّانِيَةُ، أنَّ الحُبُوبَ كُلَّها يضَمُّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ في تَكْمِيلِ النِّصابِ. اخْتارَها أبو بكرٍ. وهذا قولُ عِكْرِمَةَ، وحَكاه ابنُ المُنْذِرِ عن طاوُسٍ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ قال: «لَا زَكَاةَ فِى حَبٍّ وَلَا ثَمَرٍ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أوْسُقٍ» (١). فمَفْهُومُه وُجُوبُ الزكاةِ فيه إذا بَلَغَ خَمْسَةَ أوْسُقٍ. ولأنَّها تَتَّفِقُ في النِّصابِ وقَدْرِ المُخْرَجِ، فوَجَبَ ضَمُّ بَعْضِها إلى بَعْضٍ، كأنْواعِ الجِنْسِ. وهذا الدَّلِيلُ مُنْتَقِضٌ بالثِّمارِ. والثّالِثَةُ، أنَّ الحِنْطَةَ تُضَمُّ إلى الشَّعِيرِ، وتُضَمُّ القِطْنِيّاتُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ. حَكاها الخِرَقِىُّ. ونَقَلَها أبو الحارِثِ عنه. قال القاضى: وهذا هو الصَّحِيحُ. وهو مَذْهَبُ مالكٍ، واللَّيْثِ، إلَّا أنَّه زاد، فقال: الذُّرَةُ، والدُّخْنُ، والأُرْزُ، والقَمْحُ، والشَّعِيرُ، صِنْفٌ واحِدٌ؛ لأنَّ هذا كلَّه مُقْتاتٌ، فضُمَّ بَعْضُه إلى بَعْضٍ، كأنْواعِ الحِنْطَةِ. وقال الحسنُ، والزُّهْرِىُّ: تُضَمُّ الحِنْطَةُ إلى الشَّعِيرِ؛ لأنَّها تَتَّفِقُ في الاقْتِياتِ والمَنْبِتِ والحَصادِ والمَنافِعِ، فوَجَبَ ضَمُّها،
стр. 2944
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كما يُضَمُّ العَلَسُ إلى الحِنْطَةِ. والأُولَى أصَحُّ، إن شاء اللَّهُ، لأنَّها أجْناسٌ يجوزُ التَّفاضُلُ فيها، فلم يُضَمَّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، كالثِّمارِ. ولا يَصِحُّ القِياسُ على العَلَسِ مع الحِنْطَةِ، لأنَّه نَوْعٌ منها. وإذا انْقَطَعَ القِياسُ، لم يَجُزْ إيجابُ الزكاةِ بالتَّحَكُّمِ، ولا بوَصْفٍ غيرِ مُعْتَبَرٍ، ثم هو باطِلٌ بالثِّمارِ، فإنَّها تَتَّفِقُ فيما ذَكَرُوه، ولا يُضَمُّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ. ولا خِلافَ فيما نَعْلَمُه، في ضَمِّ الحِنْطَةِ إلى العَلَسِ، لأنَّه نَوْعٌ منها. وعلى قِياسِه السُّلْتُ إلى الشَّعِيرِ.
فصل: ولا تَفرِيعَ على الرِّوايَتَيْن الأُولَيَيْن، لوُضُوحِهما. فأمّا الثّالِثَةُ، وهى ضَمُّ الحِنْطَةِ إلى الشَّعِيرِ، والقِطْنِيّات بَعْضِها إلى بَعْضٍ، فإنَّ الذُّرَةَ تُضَمُّ إلى الدُّخْنِ، لتقارُبِهما في المَقْصِدِ، فإنَّهما يُتَّخَذان خُبْزًا وأُدْمًا، وقد ذُكِرا (١) مِن جُمْلَةِ القِطْنِيّاتِ، فيُضَمّان إليها. والبُزُورُ لا تُضَمُّ إلى القِطْنِيّاتِ، [والأبازِيرُ يُضَمُّ بَعْضُها إلى بَعْض، لتَقارُبِهما في المَقْصِدِ، كالقِطْنِيّاتِ. وحُبُوبُ البُقُولِ لا تُضَمُّ إلى القِطْنِيّاتِ] (٢)، ولا إلى الأبازِيرِ،
стр. 2945
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويَنْبَغِى أن يُضَمَّ بَعْضُها إلى بَعْض، وكلُّ ما تَقارَبَ مِن الحُبُوبِ ضُمَّ بَعْضُه إلى بَعْضٍ، وإلَّا فلا، وما شَكَكْنا فيه لا يُضَمُّ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الوُجُوبِ، فلا يَجِبُ بالشَّكِّ.
فصل: ومتى قُلْنا بالضَّمِّ، فإنَّ الزكاةَ تُؤْخَذُ من كلِّ جِنْسٍ على قَدْرِ ما يَخُصُّه. ولا يُؤْخَذُ مِن جِنْسِ عن غيرِه، فإنَّنا إذا قُلنا في أنْواَعِ الجِنْسِ: يُؤْخَذُ مِن كلِّ نوْعٍ ما يَخُصُّه، ففى الأجْناسِ مع تَقارُبِ مَقاصِدِها أوْلَى.