← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ واحِدًا أخَذَ منه، جَيِّدًا كان أو رَدِيئًا؛ لأنَّ حَقَّ الفُقَراءِ يَجِبُ على طَرِيقِ المُواساةِ، فهمِ بمَنْزلَةِ الشُّرَكاءِ. ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا. وإن كان أنْواعًا، أخَذَ مِن كلِّ نوْعٍ ما يَخُصُّه. وهذا قولُ أكْثَرِ العُلَماءِ. وقال مالكٌ، والشافعىُّ: يُؤْخَذُ مِن الوَسَطِ. وكذلك ذَكَرَه شيخُنا ههُنا وأبو الخَطّابِ، إذا شَقَّ عليه إخْراجُ زَكاةِ كل نَوْعٍ منه، دَفْعًا للحَرَجِ والمَشَقَّةِ، وقِياسًا على السّائِمَةِ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ الفُقَراءَ بمَنْزِلَةِ الشُّرَكاءِ، فيَنْبَغِى أن يَتساوَوْا في كلِّ نَوْعٍ، ولا مَشَقَّةَ في ذلك، بخِلافِ الماشِيَةِ، فإنَّ إخْراجَ زكاةِ كلِّ نوْعٍ منها يُفْضى إلى التَّشْقِيصِ، وفيه مَشَقَّةٌ، بخِلافِ الثِّمارِ. ولا يَجُوزُ إخْراجُ الرَّدِئِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (١). قال أبو أُمَامَةَ بنُ (٢) سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ، في هذه الآيَةِ: هو الجُعْرُورُ (٣)، ولَوْنُ حُبَيْقٍ (٤)، فنَهَى

стр. 2977

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رسولُ اللَّهِ ﷺ أن يُؤْخَذَ في الصَّدَقَةِ. رَواه النَّسائِىُّ، وأبو عُبَيْدٍ (١). قال: وهما ضَرْبانِ مِن التَّمْرِ؛ أحَدُهما، إنَّما يَصِيرُ قِشْرًا على نَوًى. والآخَرُ، إذا أتْمَرُ (٢) صار حَشَفًا. ولا يَجُوزُ أخْذُ الجَيِّدِ عن الرَّدِئِ؛ لقولِ رسولِ اللَّه ﷺ : «إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أمْوَالِهِمْ» (٣). فأمّا إن تَطَوَّعَ رَبُّ المالِ بإِخْراجِ الجَيِّدِ عن الرَّدِئِ، جاز، وله أجْرُ ذلك، على ما ذَكْرنا في الماشِيَةِ. فصل: وأمّا الزَّيْتُونُ، فإن كان ممّا لا زَيْتَ فيه، فإنَّه يُخْرِجُ منه عُشْرَه حَبًّا إذا بَلَغ نِصابًا، لأنَّه حالُ كَمالِه وادِّخارِه، وإن كان له زَيْتٌ أخْرَجَ منه زَيْتًا، إذا بَلَغ الحَبُّ نِصابًا. وهذا قولُ الزُّهْرِىِّ، والأوْزاعِىِّ، ومالكٍ، واللَّيْثِ. قالُوا: يُخْرَصُ الزَّيْتُونُ، ويُؤْخَذُ منه زَيْتًا صافِيًا. وقال مالكٌ: إذا بَلَغ خَمْسَةَ أوْسُقٍ أخَذَ العُشْرَ مِن زَيْتِه بعدَ أن يُعْصَرَ: وقال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ: يُخْرِجُ مِن حَبِّهِ كسائِرِ الثِّمارِ. ولأنَّه الحالَةُ التى يُعْتَبَرُ فيها الأوْساقُ، فكان إخْراجُه فيها كسائِرِ الثِّمارِ. وهذا جائِزٌ، وإخْراجُ الزَّيْتِ أوْلَى وأفْضَلُ، لأنَّه يَكْفِى الفُقَراءَ مُؤْنَتَه، ولأنَّه حالُ كَمالِه وادِّخارِه، أشْبَهَ الرُّطَبَ إذا يَبِسَ. واللَّهُ أعلمُ.

стр. 2978

وَيَجِبُ الْعُشرُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ دُونَ الْمَالِكِ. ــ ٩١٢ - مسألة: (ويَجِبُ العُشْرُ على المُسْتَأْجِرِ دُونَ المالِكِ) وبهذا قال مالكٌ، والثُّوْرِىُّ، وشُرَيْكٌ، وابنُ المُبارَكِ، والشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال أبو حنيفةَ: هو على مالِكِ الأرْضَ، لأنَّه مِن مُؤْنَتِها، أشْبَهَ الخَرَاجَ. ولَنا، أنَّه واجِبٌ في الزَّرْعِ، فكان على مالِكِه كزكاةِ القِيمَةِ فيما إذا أعَدَّه للتِّجارَةِ، وكعُشْرِ زَرْعِه في مِلْكِه. ولا يَصِحُّ قَوْلُهم: إنَّه مِن مُؤْنَةِ الأرْضِ. لأنَّه لو كان مِن مُؤْنَتِها لوَجَبَ فيها وإن لم تزْرَعْ، [ولَوَجَبَ] (١) على الذِّمِّىِّ، كالخَراجِ، ولتَقَدَّرَ بقَدْرِ الأرْضِ لا بقَدْرِ الزَّرْعِ، ولوَجَبَ صَرْفُه إلى مَصارِفِ الفَىْءِ. فإنِ اسْتَعارَ أرْضًا فزَرَعَها، فالزكاةُ على صاحِبِ الزَّرْعِ، لأنَّه مالِكُه. وإن غَصَبَها فزَرَعَها وأخَذَ

стр. 2979

وَيَجْتَمِعُ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ فِى كُلِّ أَرْضٍ فُتِحَتْ عَنْوَةً. ــ الزَّرْعَ، فالعُشْرُ عليه؛ لأنَّه نَبَت على مِلْكِه (١). وإن أخَذَه مالِكُها قبل اشْتِدادِ حَبِّه، فالعُشْرُ عليه. وإن أخَذَه بعده، احْتَمَلَ أن يَجِبَ عليه أيضًا؛ لأنَّ أخْذَه إيَّاهُ اسْتَنَدَ إلى أوَّلِ زَرْعِه، فكَأنَّه أخَذَه مِن تلك الحالِ. ويَحْتَمِلُ أن تكونَ زَكاتُه على الغاصِبِ؛ لأنَّه كان مِلْكًا له حينَ وُجُوبِ عُشْرِه، وهو حينَ اشْتِدادِ الحَبِّ. وإن زارَعَ رَجُلًا مُزارَعَةً فاسِدَةً، فالعُشْرُ على مَن يَجِبُ الزَّرْعُ له. وإن كانت صَحِيحَةً، فعلى كلِّ واحِدٍ منهما عُشرُ حِصَّتِه، إن بَلَغَتْ نِصابًا، أو كان له مِن الزَّرْعِ ما يَبْلُغُ بضَمِّه إليه نِصابًا، وإلَّا فلا. وإن بَلَغَتْ حِصَّةُ أحَدِهما نِصابًا دُونَ الآخرِ، فعلى مَن بَلَغَتْ حِصَّتُه النِّصابَ (٢) العُشْرُ دُونَ صاحِبهِ، إلَّا إذا قُلنا: الخُلْطَةُ تُوثِّرُ في غيرِ السّائِمَةِ. فيَلْزَمُهما العُشْرُ إذا بَلَغ زَرْعُهما نِصابًا، ويُخْرِجُ كلُّ واحِدٍ منهما عُشْرَ نَصِيبِه، إلَّا أن يكونَ أحَدُهما ممَّن لا عُشْرَ عليه، كالمُكاتَبِ؛ فلا يَلْزَمُ شَرِيكَه شئٌ إلَّا أن تَبْلُغَ حِصَّتُه نِصابًا، وكذلك الحُكْمُ في المُساقاةِ. ٩١٣ - مسألة: (ويَجْتَمِعُ العُشْرُ والخَراجُ في كلِّ أرْضٍ

стр. 2980

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فُتِحَتْ عَنْوَةً) الأرْضُ أرْضانِ؛ صُلْحٌ، وعَنْوَةٌ. فأمّا الصُّلْحُ فهو كلُّ أرْضٍ صُولِحَ أهلُها عليها لتَكُونَ مِلْكًا لهم، ويُؤَدُّون عليها خَراجًا، فهذه الأرْضُ مِلْكٌ لأرْبابِها، وهذا الخَراجُ كالجِزْيَةِ، متى أسْلَمُوا سَقَط عنهم، ولهم بَيْعُها وهِبَتُها ورَهْنُها، وكذلك كلُّ أرْضٍ أسْلَمَ عليها أهلُها، كأرْضِ المَدِينَةِ وشِبْهِها، ليس عليها خَراجٌ ولا شئٌ، إلَّا الزكاةَ، فهى واجِبَةٌ على كلِّ مسلمٍ. ولا خِلافَ في وُجُوبِ العُشْرِ في الخارِجِ مِن هذه الأرْضِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ، على أنَّ على كلِّ أرْضٍ أسْلَمَ عليها أهلُها قبلَ قَهْرِهم، عليها الزكاةُ فيما زَرَعُوا فيها. وأمّا العَنْوَةُ فالمُرادُ بها ما فُتِح عَنْوَةً، ووُقِف على المسلمين، وضُرِب عليه خَراجٌ مَعْلُومٌ، فإنَّه يُؤَدِّى الخَراجَ عن رَقَبَةِ الأرْضِ، وعليه العُشْرُ عن غَلَّتِها إذا كانت لمسلمٍ، وكذلك الحُكْمُ في كلِّ أرْض خَراجِيَّةٍ. وهذا قولُ عُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، والزُّهْرِىِّ، ويحيى الأنْصارِىِّ، ورَبِيعَةَ، والأوْزاعِىِّ (١)، ومالكٍ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وابنِ المُبارَكِ، وإسحاقَ، وأبى عُبَيْدٍ. وقال أصحابُ الرَّأْى: لا عُشْرَ في الأرْضِ الخراجِيَّةِ؛ لقولِه ﵇: «لَا يَجْتَمِعُ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ فِى أرْضِ

стр. 2981

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مُسْلِمٍ» (١). ولأنَّهما حَقّان سَبَباهُما مُتنافِيان، فلم يَجْتَمِعا، كزكاةِ السَّوْمِ والتِّجارَةِ، وكالعُشْرِ وزكاةِ القِيمَةِ. وبَيانُ تنافِيهما أنَّ الخَراجَ وَجَبَ عُقُوبَةً؛ لأنَّه جِزْيَةٌ للأرْضِ، والزكاةُ وَجَبَتْ طَهُورًا وشُكْرًا. ولَنا، قولُه تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٢). وقولُ النبىِّ ﷺ : «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» (٣). وغيرُه مِن عُمُوماتِ الأخْبارِ. قال ابنُ المُبارَكِ: يقولُ اللَّهُ تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾. ثم قال: نَتْرُكُ القُرآنَ لقولِ أبى حنيفةَ! ولأنَّهما حَقّانِ يَجِبانِ لمُسْتَحِقِّين يَجُوزُ وُجُوبُ كلِّ واحِدٍ منهما على المسلمِ فجاز اجْتِماعُهما، كالكَفّارَةِ والقِيمَةِ في الصَّيْدِ الحَرَمِىِّ المَمْلُوكِ، وحَدِيثُهم يَرْوِيه يحيى بنُ عَنْبَسَةَ، وهو ضَعِيفٌ، عن أبى حنيفةَ، ثم نَحْمِلُه على الخَراجِ الذى هوْ جِزْيَةٌ. وقولُهم: إنَّ سَبَبَيْهِما (٤) مُتنَافِيان. غيرُ صَحِيحٍ؛ فإنَّ الخَراجَ أُجْرَةُ الأرْضِ، والعُشْرَ زَكاةُ الزَّرْعِ، ولا يَتَنافَيان، كما لو اسْتَأْجَرَ أرْضًا فزَرَعَها. وقولُهم: الخَراجُ عُقُوبَةٌ. قلْنا: لو كان عُقُوبَةً لَما وَجَب على مسلمٍ، كالجِزْيَةِ. وإن كانَتِ الأرْضُ لكافِرٍ فليس عليه فيها سِوَى الخَراجِ. قال أحمدُ: ليس في أرْضِ أهلِ الذِّمَّةِ صَدَقَةٌ، إنَّما قال اللَّهُ

стр. 2982

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تعالى: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (١). فأىُّ طُهْرَةٍ للمُشْرِكِينَ؟. فصل: فإن كان في غَلَّةِ الأرْضِ ما لا عُشْرَ فيه، كالثِّمارِ التى لا زكاةَ فيها، والخَضْراواتِ، وفيها زَرْعٌ فيه الزكاةُ، جُعِل ما لا زكاةَ فيه في مُقابَلَةِ الخَراجِ، وزُكِّىَ ما فيه الزكاةُ، إذا كان ما لا زَكاةَ فيه وافِيًا بالخَراجِ. وإن لم يكنْ لها غَلَّةٌ إلا ما تَجِبُ نجيه الزكاةُ، أُدِّىَ الخَراجُ مِن غَلَّتِها، وَزُكِّىَ ما بَقِىَ، في أصَحِّ الرواياتِ. اخْتارَها الخِرَقِىُّ. وهذا قولُ عُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ. قال أبو عُبَيْدٍ (٢)، عن إبراهيمَ بنِ أبى عَبْلَةَ: كَتَب عُمَرُ بنُ عبدِ العزِيزِ إلى عامِلِه على فِلَسْطِينَ، في مَن كانت في يَدِه أرْضٌ بجِزْيَتِها مِن المسلمين، أن يَقْبِضَ منها جِزْيَتَها، ثم يُؤْخَذَ منها زَكاةُ ما بَقِىَ بعدَ الجِزْيَةِ. وذلك لأنَّ الخَراجَ مِن مُؤْنَةِ الأرْضِ، فيَمْنَعُ وُجُوبَ الزكاةِ في قَدْرِه؛ لقولِ ابنِ عباسٍ: يَحْسِبُ ما أنْفَقَ على زَرْعِه دُونَ ما أنْفَقَ على أهْلِه. وفيه رِوايَةٌ ثانِيَةٌ، أنَّ الدَّيْنَ كلَّه يَمْنَعُ وُجُوبَ الزكاةِ في الأمْوالِ الظّاهِرَةِ. فعلى هذه الرِّوايَةِ يَحْسِبُ كلَّ دَيْنٍ عليه، ثم يُخْرِجُ العُشْرَ ممّا بَقِىَ إن بَلَغ نِصابًا. يُرْوَى نَحْوُ ذلك عن ابنِ عُمَرَ؛ لأنَّه دَيْنٌ فمَنَعَ وُجُوبَ العُشْرِ، كالخَراجِ، وما أنْفَقَه على زَرْعِه. وفيه رِوايَةٌ ثالِثَةٌ، أنَّ الدَّيْنَ لا يَمْنَعُ

стр. 2983

وَيَجُوزُ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ شِرَاءُ الْأَرْضِ الْعُشْرِيَّةِ، وَلَا عُشْرَ عَلَيْهِمْ. وَعَنْهُ، عَلَيْهِمْ عُشْرَانِ، يَسْقُطُ أَحَدُهُمَا بِالإِسْلَامِ. ــ وُجُوبَ الزكاةِ في الأمْوالِ الظّاهِرَةِ مُطْلَقًا، سَواءٌ اسْتَدانَه لنَفَقَةِ زَرْعِه، أو لنَفَقَةِ أهلِه، فيَحْتَمِلُ على هذه أن يُزَكِّىَ الجَمِيعَ. وقد ذَكَرْنا ذلك في بابِ الزكاةِ. ٩١٤ - مسألة: (ويَجُوزُ لأهْلِ الذِّمَّةِ شِراءُ الأرْضِ العُشْرِيَّةِ، ولا عُشْرَ عليهم. وعنه، عليهم عُشْران، يَسْقُطُ أحَدُهما بالإِسلامِ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه يُكْرَه (١) للمسلمِ بَيْعُ أرْضِه مِن الذِّمِّىِّ وإجارَتُها منه؛

стр. 2984

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لإِفْضائِه إلى إِسقْاطِ عُشْرِ الخارِجِ منها. قال محمدُ بنُ موسى: سألتُ أبا عبدِ اللَّهِ عن المسلمِ يُؤاجِرُ أرْضَ الخَراجِ مِن الذِّمِّى؟ قال: لا يُؤاجِرُ مِن الذِّمِّىِّ، إنَّما عليه الجِزْيَةُ، وهذا ضرَرٌ. وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ: لأنَّهم لا يُؤَدُّون الزكاةَ. فإن آجَرَها مِن الذِّمِّىِّ، أو باع أرْضَه التى لا خَراجَ عليها لذِمِّىٍّ، صَحَّ البَيْعُ والإِجارَةُ. وهو مَذهَبُ الثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وأبى عُبَيْدٍ. وليس عليهم فيها عُشْرٌ ولا خَراجٌ. قال حَرْبٌ: سألتُ أحمدَ عن الذِّمِّىِّ يَشْتَرِى أرْضَ العُشْرِ؟ قال: لا أعْلَمُ عليه (١) شيئًا، وأهلُ المَدِينَةِ يَقُولُون في هذا قَوْلًا حَسَنًا، يَقُولُون: لا يُتْرَكُ الذِّمِّىُّ يَشْتَرِى أرْضَ العُشْرِ. وأهلُ البَصْرَةِ يَقُولُون قَوْلًا عَجَبًا، يَقُولُون: يُضاعَفُ عليهم.

стр. 2985

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقد رُوِىَ عن أحمدَ، أنَّهم يُمْنَعُون مِن شِرائِها. اخْتارَها الخَلَّالُ. وهو قولُ مالكٍ وصاحِبه. فإنِ اشْتَرَوْها ضُوعِفَ عليهم العُشْرُ، فأُخِذَ منهم الخُمْسُ، كما لو اتَّجَرُوا بأمْوالِهم إلى غيرِ بَلَدِهمِ، يُؤْخَذُ منهم نِصْفُ العُشْرِ. وهذا قولُ أهلِ البَصْرَةِ، وأبى يُوسُف. ويُرْوَى ذلك عن الحسنِ، وعُبَيْدِ اللَّهِ بنِ الحسنِ العَنْبَرِىِّ (١). وقال محمدُ بنُ الحسنِ: العُشْرُ بحالِه. وقال أبو حنيفةَ: تَصِيرُ أرْضَ خَراجٍ. ولَنا، أنَّ هذه أرْضٌ لا خَراجَ. عليها، فلا يَلْزَمُ فيها (٢) الخَراجُ ببَيْعِها، كما لو باعها مُسْلِمًا،

стр. 2986

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولأنَّها مالُ مسلمٍ يَجبُ الحَقُّ فيها للفُقَراءِ، فلم يُمْنَعْ مِن بَيْعِه للذِّمِّىِّ، كالسّائِمَةِ. وإذا مَلَكَهَا الذِّمِّىُّ فلا عُشْرَ عليه فيما يَخْرُجُ منها؛ لأنَّه زَكاةٌ، فلا يَجِبُ (١) على الذِّمِّىِّ، كزكاةِ السّائِمَةِ، وما ذَكَرُوه يَنْتَقِضُ بزكاةِ السّائِمَةِ، وما ذَكَرُوه مِن تَضْعِيفِ العُشْرِ تَحَكُّمٌ لا نَصَّ فيه ولا قِياسَ.

стр. 2987

فَصْلٌ: وَفِى الْعَسَلِ الْعُشْرُ، سَوَاءٌ أَخَذَهُ مِنْ مَوَاتٍ أَوْ مِنْ مِلْكِهِ. ــ (فصل: وفى العَسَلِ العُشْرُ، سَواءٌ أخَذَه مِن مَواتٍ أو مِن مِلْكِه.

стр. 2988

وَنِصَابُهُ عَشَرَةُ أفْرَاقٍ، كُلُّ فَرَقٍ سِتُّونَ رَطْلًا. ــ ونِصابُه عَشَرَةُ أفْراقٍ، كلُّ فَرَقٍ سِتُون رَطْلًا) قال الأثْرَمُ: سُئِل أبو عبدِ اللَّهِ: أنت تَذْهَبُ إلى أنَّ في العَسَلِ زكاةً؟ قال: نعم، أذْهَبُ إلى أنَّ في العَسَلِ زكاةً، العُشْرَ، قد أخَذَ عُمَرُ منهم الزكاةَ. قلتُ: ذلك على أنَّهم تَطَوَّعُوا به؟ قال: لا بل أخَذَه (١) منهم. ويُرْوَى ذلك عن عُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، ومَكْحُولٍ، والزُّهْرِىِّ، والأوْزاعِىِّ، وإسحاقَ. وقال

стр. 2989

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مالكٌ، والشافعىُّ، وابنُ أبى لَيْلَى، والحسنُ بنُ صالِحٍ، وابنُ المُنْذِرِ: لا زكاةَ فيه؛ لأنَّه مائِعٌ خارِجٌ مِن حَيَوانٍ، أشْبَهَ اللَّبَنَ. قال ابنُ المُنْذِرِ: ليس في وُجُوبِ الصَّدَقَةِ في العَسَلِ حَدِيث يَثْبُتُ ولا إجْماعٌ، فلا زكاةَ فيه. وقال أبو حنيفةَ: إن كان في أرْضِ العُشْرِ ففيه الزكاةُ، وإلَّا فلا زكاةَ فيه. ووَجْهُ الأوَّلِ ما روَى عَمْرُو بنُ شعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّهِ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ كان يُؤخَذُ (١) في زَمانِه مِن قِرَبِ العَسَلِ، مِن كلِّ عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبَةٌ مِن أوْسَطِها. رَواه أبو عُبَيْدٍ، والأثْرَمُ، وابنُ ماجه (٢). وعن سُلَيْمانَ بنِ موسى، أنَّ أبا سَيّارَةَ المُتعِىَّ (٣)، قال: قلتُ يا رسولَ اللَّهِ: إنَّ لى نَحْلًا. قال: «أدِّ الْعُشْرَ». قال: فاحْمِ إذًا جَبَلَها. فحماه له. رَواه أبو عُبَيْدٍ، وابنُ ماجه (٤). وروَى الأثْرَمُ، عن ابن أبى ذُبابٍ (٥)، عن أبيه، عن جَدِّهِ، أنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أمَرَه في العَسَلِ بالعُشْرِ.

стр. 2990

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أمّا اللَّبَنُ، فإنَّ الزكاةَ وَجَبَتْ في أصْلِه، وهو السّائِمَةُ، بخِلافِ العَسَلِ. وقولُ أبى حنيفةَ يَنْبَنِى على أنَّ العُشْرَ والخَراجَ لا يَجْتَمِعان، وقد ذَكَرْناه. ونِصابُه عَشَرَةُ أفْراقٍ. وهذا قولُ الزُّهْرِىِّ. وقال أبو يُوسُف، ومحمدٌ: خَمْسَةُ أوْسَاقٍ، لقولِ النبىِّ ﷺ : «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ صَدَقَةٌ» (١). وقال أبو حنيفةَ: تَجِبُ في قَلِيلِه وكَثِيرِه، بِناءً على أصْلِه في الحُبُوبِ والثِّمارِ. ووَجْهُ الأوَّل ما رُوِىَ عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّ ناسًا سَألُوه، فقالُوا: إنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قَطَع لنا وادِيًا باليَمَنِ، فيه خَلَايا مِن نَحْلٍ، وإنّا نَجِدُ ناسًا يَسْرِقونَها. فقال عُمَرُ: إن أدَّيْتُم صَدَقَتَها، مِن كلِّ عَشرَةِ أفْراقٍ فَرَقًا، حَمَيْناها لكم. رَواه الجُوزَجانِىُّ (٢). وهذا تَقْدِيرٌ مِن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فيَجِبُ المَصِيرُ إليه. إذا ثَبَت هذا، فقد اخْتَلَفَ المَذْهَبُ في قَدْرِ الفَرَقِ، فرُوِىَ عن أحمدَ

стр. 2991

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ما يَدُلُّ على أنَّه سِتَّةَ عَشَرَ رَطْلًا بالعِراقِىِّ (١). فإنَّه قال، في رِوايَةِ أبى داودَ: قال الزُّهْرِىُّ: في عَشَرَةِ أفْراقٍ فَرَقٌ، والفَرَقُ سِتَّةَ عَشَرَ رَطْلًا، فيكونُ نِصابُه مائةً وسِتِّين رَطْلًا بالعِراقِىِّ. وقال ابنُ حامِدٍ: الفَرْقُ سِتُّون رَطْلًا، فيكونُ النِّصابُ سِتَّمائةِ رَطْلٍ. وكذلك ذَكَرَه القاضى في «المُجَرَّدِ»، فإنَّه يُرْوَى عن الخَلِيلِ بنِ أحمدَ (٢)، قال: الفَرْقُ، بإسْكانِ الرّاءِ؛ مِكْيالٌ ضَخْمٌ مِن مَكايِيلِ أهلِ العِراقِ. وحُكِىَ عن القاضى، أنَّ الفَرْقَ سِتَّةٌ وثَلاثُون رَطْلًا. وقِيلَ: هو مائةٌ وعِشْرُون رَطْلًا. قال شيخُنا (٣): ويَحْتَمِلُ أن يكونَ نِصابُه ألْفَ رَطْلٍ؛ لحديثِ عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، أنَّه كان يُؤْخَذُ (٤) مِن كلِّ عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبَةٌ مِن أوْسَطِها. والقِرْبَة مائةُ رَطْلٍ بالعِراقِىِّ، بدَلِيلِ قِرَبِ القُلَّتَيْن. ووَجْهُ الأوَّلِ قولُ عُمَرَ: مِن كلِّ عَشَرَةِ أفْرَاق فَرَقًا. والفَرَقُ بتَحْرِيكِ الرّاءِ؛ سِتَّةَ عَشَرَ رَطْلًا. قال أبو عُبَيْدٍ (٥): لا خِلافَ بينَ النّاسِ أعْلَمُه، في أنَّ

стр. 2992

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الفَرَقَ ثَلاثَةُ آصُعٍ. وقال النبىُّ ﷺ لكَعْبِ بنِ عُجْرَةَ: «أطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ فَرَقًا مِنْ طَعَامٍ» (١). فقد بَيَّنَ أنَّه ثَلَاثَةُ آصُعٍ. وقالت عائشةُ: كنتُ أغْتَسِلُ أنا ورسولُ اللَّهِ ﷺ مِن إنَاءٍ، هو الفَرَقُ (٢). هذا المَشْهُورُ، فيَنْصَرِفُ الإِطْلاقُ إليه. والفَرْقُ الذى هو مِكْيالٌ ضَخْمٌ لا يَصِحُّ حَمْلُه عليه، لوُجُوهٍ؛ أحدُها أنَّه غيرُ مَشْهُورٍ في كلامِهم، فلا يُحْمَلُ عليه المُطْلَقُ مِن كلامِهم. قال ثَعْلَبٌ: قُلْ فَرَقٌ ولا تَقُلْ فَرْقٌ. الثانى أنَّ عُمَرَ قال: مِن كلِّ عَشَرَةِ أفْراقٍ فَرَقًا. والأفْراقُ جَمْعُ فَرَقٍ، بفَتْحِ الرّاءِ، وجَمْعُ الفَرْقِ، بإسْكانِ الرّاء، فُرُوقٌ، لأنَّ ما كان على وَزْنِ فَعْل

стр. 2993

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ساكِنَ العَيْنِ غيرَ مُعْتَلٍّ، فجَمْعُه في القِلَّةِ أفْعُلٍ،، وفى الكَثْرَةِ فِعالٌ أو فُعُولٌ. والثالثُ، أنَّ الفَرْقَ الذى هو ضَخْمٌ مِن مَكاييلِ أهلِ العِراقِ، لا يُحْمَلُ عليه كَلامُ عُمَرَ، وإنَّما يُحْمَلُ كلامُ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، على مَكايِيلِ أهلِ الحِجازِ؛ لأنَّه بها ومِن أهْلِها، ويُؤَكِّدُ ذلك تَفْسيرُ الزُّهْرِىِّ له في نِصابِ العَسَلِ بما قُلنا، والإِمامُ أحمدُ ذَكَرَه في مَعْرِضِ الاحْتِجاجِ به، فيَدُلّ على أنَّه ذهَب إليه. واللَّهُ أعلمُ.

стр. 2994

فَصْلٌ فِى الْمَعْدِنِ: وَمَنِ اسْتَخْرَجَ مِنْ مَعْدِنٍ نِصَابًا مِنَ الْأَثْمَانِ، أوْ مَا قِيمَتُهُ نِصَابٌ مِنَ الْجَوَاهِرِ، وَالصُّفْرِ، وَالزِّئْبَق، وَالْقَارِ، وَالنِّفْطِ، وَالْكُحْلِ، وَالزِّرْنِيخِ، وَسَائِرِ مَا يُسَمَّى مَعْدِنًا، فَفِيهِ الزَّكَاةُ فِى الْحَالِ، رُبْعُ الْعُشْرِ مِنْ قِيمَتِهِ، أوْ مِنْ عَيْنِهَا، إِنْ كَانَتْ أَثْمَانًا، سَوَاءٌ اسْتَخْرَجَهُ فِى دَفْعَةٍ أَوْ دَفَعَاتٍ لَمْ يَتْرُكِ الْعَمَلَ بَيْنَهَا تَرْكَ إِهْمَالٍ. ــ (فصل في المَعْدِنِ): ٩١٥ - مسألة: (ومَن اسْتَخْرَجَ مِن مَعْدِنٍ نِصابًا مِن الأثْمانِ، أو ما قِيمَتُه نِصابٌ مِن الجَواهِرِ، والقارِ، والصُّفْرِ، والزِّئْبَقِ، والكُحْلِ، والزِّرْنِيخِ، وسائِرِ ما يُسَمَّى مَعْدِنًا، ففيه الزكاةُ في الحالِ، رُبْعُ العُشْرِ مِن قِيمَتِه، أو مِن عَيْنِها، إن كانت أثْمانًا، سَواءٌ اسْتَخْرَجَه في دفْعَةٍ أو دفَعاتٍ لم يَتْرُكِ العَمَلَ بينَها تَرْكَ إهْمالٍ) الكلامُ في هذه المَسْألةِ في فُصُولٍ أربعةٍ؛

стр. 2995

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أحَدُها، في صِفَةِ المَعْدِنِ الذى تَتَعَلَّقُ به الزكاةُ، وهو كلُّ ما خَرَج مِن الأرْضِ ممّا خُلِق فيها مِن غيرِها ممّا له قِيمَةٌ، كالذى ذُكِر ههُنا ونَحْوِه مِن البِلَّوْرِ، والعَقِيقِ، وِالحَدِيدِ، والسَّبَجِ (١)، والزَّاجِ (٢)، والمُغْرَةِ (٣)، والكِبْرِيتِ، ونحْوِ ذلك. وقال الشافعىُّ، ومالكٌ: لا تَتَعَلَّقُ الزكاةُ إلَّا بالذَّهَبِ والفِضَّةِ؛ لقول النبىِّ ﷺ : «لَا زَكَاةَ فِى حَجَرٍ» (٤). ولأنَّه مالٌ مُقَوَّمٌ مُسْتَفَادٌ مِن الأَرْضِ، أشْبَهَ الطِّينَ الأحْمَرَ. وقال أبو حنيفةَ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن: تَتَعَلَّقُ الزكاةُ بكلِّ ما يَنْطَبعُ، كالرَّصاصِ والحَدِيدِ والنُّحاسِ، دُونَ غيرِه. ولَنا، عُمُومُ قولِه تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٥). ولأنَّه مَعْدِنٌ،

стр. 2996

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فتَعَلَّقَتِ الزكاةُ به، كالأثْمانِ، ولأنَّه مالٌ لو غَنِمَه خَمَّسَه، فإذا أخْرَجَه مِن مَعْدِنٍ وَجَبَتْ زَكاتُه، كالذَّهَبِ. فأمّا الطِّينُ فليس بمَعْدِنٍ؛ لأنَّه تُرابٌ، والمَعْدِنُ، ما كان في الأرْضِ مِن غيرِ جِنْسِها. الفَصْلُ الثاني، في قَدْرِ الواجِبِ فيه، وصِفَتِه. وقَدْرُ الواجِبِ فيه رُبْعُ العُشْرِ. وهو زكاةٌ. وهذا قولُ عُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، ومالكٍ. وقال أبو حنيفةَ: الواجِبُ فيه الخُمْسُ، وهو فىْءٌ. واخْتارَه أبو عُبَيْدٍ (١). وقال الشافعىُّ: هو زكاةٌ. واخْتُلِفَ عنه في قَدْرِه كالمَذْهَبَيْن. واحْتَجَّ مَن أوْجَبَ الخُمْسَ بقولِه ﵊: «مَا لَمْ يَكُنْ فِى طَرِيقٍ مَأْتِىٍّ، وَلَا فِى قَرْيَةٍ عَامِرَةٍ، فَفِيهِ وَفِى الرِّكَازِ الْخُمْسُ». رَواه النَّسائِىُّ، والجُوزْجانِىُّ (٢). وفى حَدِيثٍ عن النبىِّ ﷺ أنَّه قال: «وَفِى الرِّكَازِ

стр. 2997

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْخُمْسُ»، قِيلَ: يا رسولَ اللَّهِ، ما الرِّكازُ؟ قال: «الذَّهَبُ والْفِضَّةُ الْمَخْلُوقَانِ فِى الْأَرْضِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ» (١). وعن أبى هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : «الرِّكَازُ هُوَ الذَّهَبُ الذِى يَنْبُت مَعَ الْأَرْضِ» (١). وفى حديثِ علىٍّ، ﵇، أنَّه قال: «وَفِى السُّيُوبِ الْخُمْسُ» (٢). قال: والسُّيُوبُ عُرُوقُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ التى تَحْت الأرْضِ. ولَنا، ما روَى أبو عُبَيْدٍ (٣)، بإسْنادِهِ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ أقْطَعَ بِلالَ بنَ الحارِثِ المُزَنِىَّ مَعادِنَ القَبَلِيَّةِ (٤) مِن ناحِيَةِ الفُرْعِ (٥)، قال: فتلك المَعادِنُ لا يُؤْخَذُ منها إلَّا الزكاةُ (٦) إلى اليَوْمِ. وقد أسْنَدَه

стр. 2998

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كَثِيرُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرِو بنِ عَوْفٍ (١) المُزَنِىُّ، عن أبيه، عن جَدِّه (٢). ورَواه الدَّراوَرْدِىُّ، عن رَبِيعَةَ عنِ (٣) الحَارِثِ بنِ بِلالٍ، عن بِلالِ بنِ الحارِثِ، أنَّ النبىَّ ﷺ أخَذَ منه زَكاةَ المَعادِنِ القَبَلِيَّةِ. قال أبو عُبَيْدٍ (٤): القَبَلِيَّةُ بِلاد مَعْرُوفَةٌ بالحِجازِ. ولأنَّها زَكاةُ أثْمانٍ فكانت رُبْعَ العُشْرِ، كسائِرِ الأثْمانِ، أو تَتَعَلَّقُ بالقِيمَةِ، أشْبَهَتْ زكاةَ التِّجارَةِ. وحَدِيثُهم الأوَّلُ لا يَتَناوَلُ مَحَلَّ النِّزاعِ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ إنَّما ذَكَر ذلك في جَواب سُؤالِه عن اللُّقَطَةِ، وهذا ليس بلُقَطَةٍ، فلا يَتَناوَلُه النَّصُّ، وحديثُ أَبي هُرَيرَةَ يَرْوِيه عبدُ اللَّهِ بنُ سعيدٍ، وهو ضَعِيفٌ. وسائِرُ أحادِيثِهم لا نَعْرِفُ صِحَّتَها، ولا هى مَذكُورَةٌ في المَسانِيدِ. الفَصْلُ الثَّالِثُ، في نِصابِ المَعْدِنِ. وهو عِشْرُون مِثْقالًا مِن الذَّهَبِ، أو مائتا دِرْهَمٍ مِن الفِضَّةِ، أو قِيمَةُ ذلك مِن غيرِهما. وهذا مَذْهَبُ

стр. 2999

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الشافعىِّ. وقال أبو حنيفةَ: يَجِبُ الخُمْسُ في قَلِيلِه وكَثِيرِه، بِنَاءً على أنَّه رِكاز؛ لعُمُومِ الأحادِيثِ التى احْتَجُّوا بها، ولأنَّه لا يُشْتَرَطُ له حَوْلٌ، فلم يُشْتَرَطْ له نِصابٌ، كالرِّكازِ. ولَنا، قولُه ﵇: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أوَاقٍ صَدَقَة» (١). وقولُه ﵇: «لَيْسَ فِى الذَّهَبِ شَىْءٌ حَتَّى يَبْلُغَ عِشْرِينَ مِثْقَالًا» (٢). ولأنّها زكاة تَتَعَلَّقُ بالأثْمانِ أو بالقِيمَةِ، فاعْتُبِرَ لها النِّصابُ، كالأثْمانِ والعُرُوضِ. وقد بَيَّنّا أن هذا ليس برِكازٍ، وأنَّه مُفارِقٌ للرِّكازِ مِن حيثُ إنَّ الرِّكازَ مالُ كافِرٍ مَظْهُورٌ عليه في الإِسْلامِ، فهو كالغَنِيمَةِ. وهذا وَجَب مُواساةً وشُكْرًا لنِعْمَةِ الغِنَى، فاعْتُبِرَ له النِّصابُ كسائِرِ الزَّكَواتِ. وإنَّما لم يُعْتَبَرْ له الحَوْلُ؛ لحُصُولِه دُفْعَةً واحِدَةً، فأشْبَهَ الزُّرُوعَ والثِّمارَ، ولأنَّ النَّماءَ يَتَكامَلُ فيه بالوُجُودِ والأخْذِ، فهو كالزَّرْعِ. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُشْتَرَطُ إخْراجُ النِّصابِ دُفْعَةً واحِدَةً أو دُفَعاتٍ لا يُتْرَكُ العَمَلُ بَيْنَهُنَّ تَرْكَ إهْمالٍ، فإن أخْرَجَ دُونَ النِّصابِ، ثم تَرَك العَمَلَ مُهْمِلًا له، ثم أخْرَجَ دُونَ النِّصاب، فلا زكاةَ فيهما وإن بَلَغا بمَجْمُوعِهما نِصابًا؛ لفَواتِ الشَّرْطِ. وإن بَلَغ أحَدُهما نِصابًا

стр. 3000

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ دُونَ الآخَرِ، زَكَّى النِّصابَ وَحْدَه، ويَجِبُ فيما زاد على النِّصابِ بحِسابِه، كالأثْمانِ والخارِجِ مِن الأرْضِ. فأمّا تَرْكُ العَمَلِ لَيْلًا، وللاسْتِراحَةِ، أو لعُذْرٍ مِن مَرَضٍ، أو لإصْلاحِ الأداةِ، أو إباقِ عَبْدٍ، ونَحْوِه، فلا يَقْطَعُ حُكْمَ العَمَلِ، وحُكْمُه حُكْمُ المُتَّصِلِ، لأنَّ العادَةَ كذلك. وكذلك إن كان مُشْتَغِلًا بالعَمَلِ، فخَرَجَ بينَ المَعْدِنَيْن تُرابٌ، لا شئَ فيه. فصل: وإنِ اشْتَمَلَ المَعْدِنُ على أجْناسٍ، كمَعْدِنٍ فيه الذَّهَبُ والفِضَّةُ، فذَكَرَ القاضى أنَّه لا يُضَمُّ أحَدُهما إلى الآخَرِ في تَكْمِيلِ النِّصابِ؛ لأنَّها أجْناسٌ، فلا يُضَمُّ أحَدُهما إلى غيرِه، كغيرِ المَعْدِنِ. قال شيخُنا (١): والصَّوابُ، إن شاء اللَّهُ، أنَّه إن كان المَعْدِنُ يَشْتَمِلُ على ذَهَبٍ وفِضةٍ، ففى ضَمِّ أحَدِهما إلى الآخَرِ وَجْهان مَبْنِيّان على الرِّوايَتَيْن في ضَمِّ أحَدِهما إلى الآخَرِ في غيرِ المَعْدِنِ، وإن كان فيه أجْناسٌ مِن غيرِ (٢) الذَّهَبِ والفِضَّةِ، ضُمَّ بَعْضها إلى بَعْض؛ لأنَّ الواجِبَ في قِيمَتِها،

стр. 3001

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فأشْبَهَتْ عُرُوضَ التِّجارَةِ. وإن كان فيها أحَدُ النَّقْدَيْن، وجِنْسٌ آخَرُ، ضُمَّ أحَدُهما إلى الآخَرِ، كما تُضَمُّ العُرُوضُ إلى الأثْمانِ. وإنِ اسْتَخْرَجَ نِصابًا مِن مَعْدِنَيْن، وَجَبَتِ الزكاةُ فيه، كالزَّرْعِ في مَكانَيْن. الفَصْلُ الرَّابع، في وَقْتِ الوُجُوبِ. وتَجِبُ الزكاةُ فيه حينَ يَتَناوَلُه ويَكْمُلُ نِصابُه، ولا يُعْتَبَرُ له حَوْل. وهذا قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْىِ. وقال إسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ: يُعْتَبَرُ له الحَوْلُ؛ لعُمُومِ قولِه ﵇: «لَا زَكَاةَ فِى مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» (١).

стр. 3002

وَلَا يَجُوزُ إِخْرُاجُهَا إِذَا كَانَتْ أَثْمَانًا إِلَّا بَعْدَ السَّبْكِ وَالتَّصْفِيَةِ. ــ ولَنا، أنَّه مُسْتَفاد مِن الأرْضِ، فلا يُعْتَبَرُ في وُجُوبِ حَقِّهِ حولٌ (١)، كالزَّرْعِ والثِّمارِ والرِّكازِ، ولأنَّ الحولَ إنَّما يُعْتَبَرُ في غيرِ هذا؛ ليَكْفُلَ النَّماءُ، وهذا يَتَكامَلُ نماؤُه دُفْعَةً واحِدَةً، فلم يُعْتَبَرْ له حولٌ كالزَّرْعِ، والخَبَرُ مَخْصُوصٌ بالزَّرْعِ والثَّمَرِ، فنَقِيسُ عليه مَحَلَّ النِّزاعِ. ٩١٦ - مسألة: (ولا يَجُوزُ إخْراجُها إذا كانت أثْمانًا إلَّا بعدَ السَّبْكِ

стр. 3003

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والتَّصْفِيَةِ) كالحَبِّ والثَّمَرَةِ، فإن أخْرَجَ رُبْعَ عُشْرِ تُرابِه قبلَ تَصْفِيَتِه، وَجَب رَدُّه إن كان باقِيًا، أو قِيمَتُه إن كان تالِفًا، والقولُ في قَدْرِ المَقْبُوضِ قولُ الآخِذِ؛ لأنَّه غارِمٌ، فإن صَفّاه الآخِذُ فكان قَدْرَ الزكاةِ، أجْزَأ، وإن زاد رَدَّ الزيادَةَ، إلَّا أن يَسْمَحَ له المُخْرِجُ، وإن نَقَص فعلى المُخْرِجِ، وما أنْفَقَه الآخِذُ على تَصْفِيَته فهو مِن مالِه، لا يَرْجِعُ به على المالِكِ، ولا يَحْتَسِبُ المالِكُ ما أنْفَقَه على المَعْدنِ في اسْتِخْراجِه، ولا في (١) تَصْفِيَتِه مِن المعْدِنِ، لأنَّ الواجِبَ فيه زكاة، فلا يُحْتَسَبُ بمُؤْنَةِ اسْتِخْراجِه وتصْفِيَته، كالحُبُوب. فإن كان ذلك دَيْنًا عليه احْتَسبَ به، على الصَّحِيحِ مِن المَذْهَبِ كما يَحْتَسِبُ بما أنْفَقَ على الزَّرْعِ. وقال أبو حنيفةَ: لا تَلْزَمُه المُؤْنةُ مِن حَقِّه. وشَبَّهَه بالغَنِيمَةِ، وبَناه على أصْلِه في أنَّه رِكازٌ. وقد مَضَى الكلامُ في ذلك.

стр. 3004

وَلَا زَكَاةَ فِيمَا يُخْرَجُ مِنَ الْبَحْرِ؛ مِنَ اللْولُؤِ وَالْمَرْجَانِ وَالْعَنْبَرِ وَنَحْوِهِ. ــ ٩١٧ - مسألة: (ولا زكاةَ فيما يُخْرَجُ مِن البَحْرِ؛ [مِن العَنْبَرِ] (١) واللُّؤْلُؤِ والمَرْجانِ ونَحْوهِ) في أحَدِ الوَجْهَيْنِ. وهو اخْتِيارُ أبى بكرٍ، وظاهِرُ قولِ الخِرَقِىِّ. رُوِىَ نَحْوُ ذلك عن ابنِ عباسٍ. وبه قال عُمَرُ بنُ عبدِ العزِيزِ، وعَطاءٌ، ومالك، والثَّوْرِىُّ، وابنُ أبى لَيْلَى، والحسنُ بنُ صالِحٍ، والشّافعىُّ، وأبو حنيفةَ، ومحمدٌ، وأبو ثَوْرٍ. والرِّوايَةُ الأُخْرَى

стр. 3005

وَعَنْهُ، فِيهِ الزَّكَاةُ. ــ (فيه الزكاةُ) لأنَّه خارِجٌ مِن مَعْدِنٍ، أشْبَهَ الخارِجَ مِن مَعْدِنِ البَرِّ. ويُرْوَى عن عُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، أنَّه أخَذَ مِن العَنْبَرِ الخُمْسَ (١). وهو قولُ الحسنِ، والزُّهْرِىِّ. وزاد الزُّهْرِىُّ في اللُّؤْلُؤِ يُخْرجُ مِن البَحْرِ. ولَنا، أنَّ ابنَ عباسٍ، قال: ليس في العَنْبَرِ شئٌ إِنَّما هو شئٌ ألْقاه البَحْرُ. وعن جابِرٍ نحْوُه. رَواهما أبو عُبَيْدٍ (٢). ولأنَّه قد كان يُخْرجُ على عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ وخُلفائِه، فلم يَأْتِ فيه سُنَّةٌ عنه ولا عنهم مِن وَجْهٍ يَصِحُّ، ولأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الوُجُوبِ فيه، ولا يَصِحُّ قِياسُه على مَعْدِنِ البَرِّ؛ لأنَّ

стр. 3006

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ العَنْبَرَ إنَّما يُفقِيه البَحْرُ، فيُوجَدُ على الأرْضِ فيُؤْخَذُ مِن غيرِ تَعَبٍ، فهو كالمُباحاتِ المَأْخُوذَةِ مِن البَرِّ، كالمَنِّ وغيرِه. فأمّا السَّمَكُ فلا شئَ عليه بحالٍ في قولِ أهلِ العلمِ كَافَّةً، إلَّا شئٌ رُوِىَ عن عُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ. رَواه عنه أبو عُبَيْدٍ (١). وقال: ليس النّاسُ على هذا، ولا نَعْلَمُ أحَدًا قال به. وعن أحمدَ، أنَّ فيه الزكاةَ كالعَنْبَرِ. والصَّحِيحُ أنَّ هذا لا شيءَ فيه، لأنَّه صَيْد، فلم تَجِبْ فيه زكاةٌ، كصَيْدِ البَرِّ، ولأنَّه لا نَصَّ فيه ولا إجْماعَ، ولا يَصِحُّ قِياسُه على ما فيه الزكاةُ، فلا وَجْهَ لإِيجابِها.

стр. 3007

فَصْلٌ: وَفِى الرِّكَازِ الْخُمْسُ، أَي نَوْعٍ كَانَ مِنَ الْمَالِ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ، لِأَهْلِ الْفَىْءِ. وَعَنْهُ، أنَّهُ زَكَاة، وَبَاقِيهِ لِوَاجِدِهِ. ــ (فصل: وفى الرِّكازِ الخُمْسُ، أىَّ نَوْعٍ كان مِن المالِ، قَلَّ أو كَثُر (١)؛ لأهلِ الفَىْءِ. وعنه، أنَّه زكاة، وباقِيه لواجدِهِ) الواجِبُ في الرِّكازِ الخُمْسُ؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، عن رسولِ اللَّه ﷺ أنَّه قال: «وفِى الرِّكَازِ الْخُمْسُ». مُتَّفَقٌ عليه (٢). وقال ابنُ المُنْذِرِ: لا نَعْلمُ أحَدًا

стр. 3008

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ خالَفَ هذا الحديث، إلَّا الحسنَ، فإنَّه فَرَّقَ بينَ ما يُوجَدُ في أرْضِ الحَرْبِ وأرْضِ العَرَبِ، فقال: فيما يُوجَدُ في أرْضِ الحَرْبِ الخُمْسُ، وفيما يُوجَدُ في أرْضَ العَرَبِ الزكاةُ. فصل: والرِّكازُ الذى فيه الخُمْسُ كلُّ ما كان مالًا على اخْتِلافِ أنْواعِه؛ مِن الذَّهَبِ، والفِضَّةِ، والحَدِيدِ، والرَّصاصِ، والصُّفْرِ، والآنِيَةِ، وغيرِ ذلك. وهو قولُ إسحاقَ، وأبى عُبَيْدٍ، وابنِ المُنْذِرِ،

стр. 3009

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأصحابِ الرَّأْى، والشافعىِّ في قولٍ، وأحَدُ الرِّوايَتَيْن عن مالكٍ. وقال الشافعىُّ في الآخَرِ: لا يَجِبُ إلَّا في الأثْمانِ. ولَنا، عُمُومُ قولِه ﵇: «وَفِى الرِّكَازِ الْخُمْسُ». ولأنَّه مالٌ مَظْهُورٌ عليه من مالِ الكُفّارِ، فوَجَبَ فيه الخُمْسُ على اخْتِلافِ أنْواعِه، كالغَنِيمَةِ. إذا ثَبَت هذا، فإنَّ الخُمْسَ يجب في كثِيرِه وقَلِيله. وهذا قولُ مالكٍ، وإسحاقَ، وأصحابِ الرَّأْى، والشافعىِّ في القَدِيمِ. وقال في الجَدِيدِ: يُعْتَبَرُ فيه النِّصابُ؛ لأنَّه مُسْتَخْرَجٌ مِن الأرْضِ، يَجِبُ فيه حَقٌّ، أشْبَهَ المَعْدِنَ والزَّرْعَ. ولَنا، الحديثُ المذْكُورُ، ولأنَّه مال مَخْمُوسٌ، فلا يُعْتَبَرُ له النِّصابُ، كالغَنِيمَةِ، والمَعْدِنُ والزَّرْعُ يَحْتَاجُ إلى كُلْفَةٍ، فاعْتُبِرَ فيه النِّصابُ تَخْفِيفًا، بخِلافِ الرِّكازِ. فصل: وقد اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ، ﵀، في مَصْرِفِ خُمْس الرِّكازِ، فرُوِىَ عنه، انَه لأهلِ الفَىْءِ. نَقَلَها عنه محمدُ بنُ الحَكَمِ.

стр. 3010

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وبه قال أبو حنيفةَ، والمُزَنِىُّ؛ لِما روَى أبو عُبَيْدٍ (١)، بإسنادِه، عن الشَّعْبِىِّ، أنَّ رجلًا وَجَد ألْف دِينارٍ مَدْفُونَةً (٢) خارِجًا مِن المَدِينَةِ، فأتىَ بها عُمَرَ بنَ الخَطّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فأخَذَ منها الخُمْسَ مائَتَىْ دِينارٍ، ودَفَعْ إلى الرجلِ بَقِيَتّهَا وجَعَل عُمَرُ يَقْسِمُ المائَتَين بينَ مَن حَضرَه مِن المسلمين، إلى أن فَضَل منها فَضْلَةٌ، فقال: أين صاحِبُ الدَّنانِيرِ؟ فقام إليه، فقال عُمَرُ: خُذْها فهى لك. ولو كان زَكاةً لخَصَّ به أهلَ الزكاةِ، ولم يَرُدَّه على واجِدِه. ولأنَّه يَجِبُ على الذِّمِّىِّ، والزكاةُ لا تَجِبُ عليه، ولأنَّه مالٌ مَخْمُوسٌ زالت عنه يَدُ الكُفّارِ، أشْبَهَ خُمْسَ الغَنِيمَةِ. وهذه الرِّوايَةُ أقْيَس في المَذْهَبِ. ورُوِىَ عنه، أنَّ مَصْرِفَه مَصْرِفُ الصَّدَقاتِ.

стр. 3011

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ حَنْبَلٍ، فقال: يُعْطِى الخُمس مِن الرِّكازِ على مَكانِه، وإن تَصَدَّقَ به على المساكينِ أجْزَأه. واخْتاره الخِرَقِىُّ. وهذا قولُ الشافعىِّ؛ لِما روَى الإِمامُ أحمدُ (١)، بإسْنادِه عن عبدِ اللَّهِ بنِ بِشْرٍ الخَثْعَمِىِّ، عن رجل مِنِ قَوْمِه يُقالُ له: ابنُ حُمَمَةَ، قال: سَقَطْتُ على جَرَّةٍ مِن دَيْرٍ قَدِيمٍ بالكُوفةِ، عندَ جَبّانَةِ بِشْرٍ، فيها أرْبَعَةُ آلافِ دِرْهَمٍ، فذَهَبْتُ بها إلى علىٍّ، ﵇، فقال: اقْسِمْها خَمْسَةَ أخْماسٍ فقَسَمْتُها، فأخَذَ منها علىٌّ خُمْسًا، وأعْطانِى أرْبَعَةَ أخْماسٍ، فلَمّا أدْبَرْتُ دَعانِى، فقال: في جِيرانِك فُقَراءُ ومَساكِينُ؟ قلتُ: نعم. قال: فخُذْها فاقْسِمْها بينَهم. والمَساكِينُ مَصْرِفُ الصَّدَقاتِ؛ ولأنَّه حَقٌّ يَجِبُ في الخارجِ مِن الأرْضِ، فأشْبَهَ صَدَقَةَ المَعْدِنِ.

стр. 3012

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ويَجُوزُ لواجِدِ الرِّكازِ أن يَتَوَلَّى تَفْرِقَةَ الخُمْسِ بنَفْسِه. وبه قال أصحابُ الرَّأْى، وابنُ المُنْذِرِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ علىٍّ. ولأنَّه أدَّى الحَقَّ إلى مُسْتَحِقِّه، فبَرِئَ منه، كما لو فَرَّقَ الزكاةَ. ويَتَخَرَّجُ أن لا يَجوزَ؛ لأنَّه فَىْءٌ، فلم يَمْلِكْ تَفْرِقَتَه بنَفْسِه كخُمْسِ الغَنِيمَةِ. وبهذا قال أبو ثَوْرٍ. وإن فَعَل ضَمَّنَه الإِمامُ. قال القاضى: ليس للإِمامِ رَدُّ خُمْسَ الرِّكازِ على واجِدِه؛ لأنَّه حَقُّ مالٍ فلم يَجُزْ رَدُّه على مَن وَجَب عليه، كالزكاةِ، وخُمْسِ الغَنِيمَةِ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَجُوزُ؛ لأنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، رَدَّ بَعْضَه على واجِدِه، ولأنَّه فَىْءٌ، فجاز رَدُّه أو رَدُّ بَعْضِه على واجِدِه، كخراجِ الأرْضِ. وهذا قولُ أبى حنيفةَ. فصل: ويَجِبُ الخُمْسُ على مَن وَجَد الرِّكازَ، مِن مسلمٍ، وذِمِّىٍّ، وحُرٍّ، وعَبْدٍ، ومُكاتَبٍ، وكَبِيرٍ، وصَغِيرٍ، وعاقِلٍ، ومَجْنُونٍ، إلَّا أنَّ الواجِدَ له إذا كان عَبْدًا فهو لسَيِّدِه؛ لأنَّه كَسْبُ مالٍ، أشْبَهَ الاحْتِشاشَ، والمُكاَتَبُ يَمْلِكُه، وعليه خُمْسُه؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ كَسْبه، والصَّبِىُّ والمَجْنُونُ يَمْلِكانه، ويُخْرِجُ عنهما وَلِيُّهما. وهذا قولُ أكثرَ أهلِ العلمِ.

стр. 3013

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ مَن أحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ على أنَّ على الذِّمِّىِّ في الرِّكازِ يَجِدُه الخُمْسَ. قاله مالكٌ، وأهلُ المَدِينَةِ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، وأهلُ العراقِ مِن أصحابِ الرَّأْى وغيرُهم: وقال الشافعىُّ: لا يَجِبُ الخُمسُ إلَّا على مَن تَجبُ عليه الزكاةُ؛ لأنَّه زكاةٌ. وحُكِىَ عنه في الصَّبِىِّ والمرأةِ، أنَّهما لا يَمْلِكَانِ الرِّكازَ. وقال الثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، وأبو عُبَيْدٍ: إذا وَجَدَه عَبْدٌ يُرْضَخُ له منه، ولا يُعْطاه كلَّه. ولَنا، عُمُومُ قولِه ﵇: «وَفِى الرِّكازِ الْخُمْسُ» (١). فإنَّه يَدُلُّ بعُمُومِه على وُجُوبِ الخُمْسِ في كلِّ رِكازٍ، وبمَفْهُومِه على أنَّ بَاقيَه لواجِدِه كائِنًا مَن كان، ولأنَّه مالُ كافِرٍ مَظْهُورٌ عليه، فكان فيه الخُمْسُ على مَن وَجَدَه، وباقِيه لواجِدِه، كالغَنِيمَةِ، ولأنَّه اكْتِسابُ مالٍ، فكان لواجِدِه إن كان حُرًّا، ولسَيِّدِه إن كان عَبْدًا، كالاحْتِشاش والاصْطِيادِ. ويَتَخَرَّجُ لَنا أن لا يَجِبَ الخُمْسُ إلَّا على مَن تَجِبُ عليه الزكاةُ، بِناءً على أنه زكاةٌ. والأوَّلُ أصَحُّ.

стр. 3014

إِنْ وَجَدَهُ فِى مَوَاتٍ، أَوْ أَرْضٍ لَا يَعْلَمُ مَالِكَهَا، وَإِنْ عَلِمَ مَالِكَهَا، ــ فصل: وباقِى الرِّكازِ لواجِدِه؛ لِما ذَكَرْنا، ولأنَّ عُمَرَ وعَلِيًّا، رَضِىَ اللَّه عنهما، دَفَعا باقِىَ الرِّكازِ بعدَ الخُمْسِ إلى واجدِه. ولأنَّه مالُ كافِرٍ مَظْهُورٌ عليه، فكان لواجِدِه بعدَ الخُمْسِ، كالغَنِيمَةِ، وقد ذَكَرْنا الخِلافَ فيه. ٩١٨ - مسألة؛ قال: (إن وَجَدَه في مَواتٍ أو أرْضٍ لا يَعْلَمُ

стр. 3015

أوْ كَانَتْ مُنْتَقِلَةً إِلَيْهِ، فَهُوَ لَهُ أَيْضًا. وَعَنْهُ، أَنَّهُ لِمَالِكِهَا، أوْ لِمَنِ انْتَقَلَتْ عَنْهُ، إِنِ اعْتَرَفَ بهِ، وَإلَّا فَهُوَ لأوَّلِ مَالِكٍ. وَإنْ وَجَدَهُ فِى أَرْضِ حَرْبِىٍّ مَلَكَهُ، إِلَّا أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَيْهِ إِلَّا بِجَمَاعَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَيْكُونُ غَنِيمَةً. ــ مالِكَها، وإن عَلِم مالِكَها، أو كانت مُنْتَقِلَةً إليه، فهو له أيضًا. وعنه، أنَّه لمالِكِها، أو لمَن انْتَقَلَتْ عنه، إنِ اعْتَرَفَ به، وإلَّا فهو لأوَّلِ مالكٍ. وإن وَجَدَه في أرْضِ حَرْبِىٍّ مَلَكَه، إلَّا أن لا يَقْدِرَ عليه إلَّا بجَماعَةٍ مِن المسلمين، فيَكُونُ غَنِيمَة) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَوْضِعَ الركازِ لا يَخْلُو مِن أرْبَعَةِ أقْسامٍ؛ أحَدُها، أن يَجِدَه في مَواتٍ، أو أرْضٍ لا يَعْلَمُ لها مالِكًا، كالأرْضِ التى يُوجَدُ فيها آثارُ المُلْكِ، مِن الأَبْنِيَةِ القَدِيمَةِ، والتُّلُولِ، وجُدْرانِ الجاهِلِيَّةِ، وقبُورِهم. فهذا فيه الخُمْسُ بغيرِ خِلافٍ فيه، إلَّا ما ذَكَرْنا. ولو وَجَدَه في هذه الأرْضِ على وَجْهِها، أو في طَرِيقٍ غيرِ مَسْلُوكٍ، أو قَرْيَةٍ خَرابٍ، فهو كذلك في الحُكْمِ؛ لِما روَى عمرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: سُئِل رسولُ اللَّهِ ﷺ عن اللُّقَطَةِ،
следующие страницы →