← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

وَمَتَى وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ، فَشَرَعَ فِيهِ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْهَدْىِ، لَمْ يَلْزَمْهُ الِانْتِقَالُ إِلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ. ــ فأشْبَهَ سائِرَ الأبْدالِ، فإن قِيلَ: فكيفَ جَوَّزْتُم الانْتِقالَ إلى الصومِ قبلَ زَوالِ وُجُوبِ المُبْدَلِ، فلم يَتَحَقَّقِ العَجْزُ عن المُبْدَلِ؛ لأنَّه إنَّما يَتَحَقَّقُ العَجْزُ المُجَوِّزُ للانْتِقالِ إلى المُبْدَلِ زمنَ الوُجُوبِ، فكيفَ جَوَّزْتُم الصومَ قبلَ وُجُوبِه؟ قُلْنا: إنَّما جَوَّزْنا له الانْتِقالَ إلى المُبْدَلِ؛ بناءً على العَجْزِ الظّاهِرِ، فإن الظّاهِرَ مِن المعْسِرِ اسْتِمْرارُ إعسارِه وعَجْزِه، كما جَوَّزْنا التَّكْفِيرَ قبلَ وُجُوبِ المُبْدَلِ، وأمّا تَجْوِيزُ الصومِ قبلَ وُجُوبِه، فقد ذَكَرْناه. ١٢١٨ - مسألة: (ومتى وَجَب عليه الصومُ، فشَرَعَ فيه، ثم قَدَر على الهَدْىِ، لم يَلْزَمْه الانْتِقالُ إليه، إلَّا أن يشاء) هذا قولُ الحسنِ، وقَتادَةَ، ومالكٍ، والشافعىِّ. وقال ابن أبِى نَجِيحٍ (١)، وحَمّادٌ،

стр. 4027

وَإنْ وَجَبَ، وَلَمْ يَشْرَعْ فِيهِ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ الِانْتِقَالُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. ــ والثَّوْرِيُّ: إن أيْسَرَ قبلَ أن يُكْمِلَ الثَّلاثَةَ، فعليه الهَدْىُ، فإن كَمَّلَ الثَّلاثَةَ، صام السَّبْعَةَ. وقيلَ: متى قَدَر على الهَدْىِ قبلَ يَوْم النَّحْرِ، انتقَلَ إليه، صام أو لم يَصُمْ، وإن وَجَده بعدَ أن مَضَتْ أيّامٌ النًّحْرِ، أجْزَأه الصيامُ، قَدَر على الهَدْىِ أو لم يَقْدِرْ؛ لأنَّه قَدَر على المُبْدَلِ في زَمَنِ وُجُوبِه، فلم يُجْزِئْه البَدَلُ، كما لو لم يَصُمْ. ولَنا، أنَّه صومٌ دَخَل فيه لعَدَمِ الهَدْىِ، فإذا وَجَد الهَدْىَ، لم يَلْزَمْه الخُرُوجُ إليه، كصَوْمِ السَّبْعَةِ. وعلى هذا يُخَرَّجُ الأصْلُ الذى قاسُوا عليه، فإنَّه ما شرع في الصيام. فأمّا إن اخْتارَ الانْتِقالَ إلى الهَدْىِ، جاز؛ لأنَّه أكمَلُ. ١٢١٩ - مسألة: (وإن وَجَب، ولم يَشْرَعْ، فهل يَلْزَمُه الانْتِقالُ؟ على رِوايَتَيْن) إحْداهما، لا يَلْزَمُه الانتِقالُ إليه. قال في رِوايَةِ المَرُّوذِىِّ: إذا لم يَصُمْ في الحَجِّ، فلْيَصُمْ إذا رَجَع، ولا يَرْجِعُ إلى الدَّمِ، قد انْتَقَلَ فَرْضُه إلى الصيامِ؛ وذلك لأنَّ الصيامَ استقَرَّ في ذِمَّتِه لوُجُوبِه حالَ وُجُودَ السَّبَبِ المُتَّصِلِ بشَرْطِه، وهو عَدَمُ الهَدْىِ. والثّانِيَةُ، يَلْزَمُه الانْتِقالُ إليه.

стр. 4028

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال يَعْقُوبُ: سَألْتُ أحمدَ عن المُتَمَتِّع إذا لم يَصُمْ قبلَ يَوْمِ النَّحْرِ؟ قال: عليه هَدْيانِ، يبْعَثُ بهما إلى مَكَّةَ. أوْجَبَ عليه الهَدْىَ الأصْلِىَّ لتَأْخِيرِ الصومِ عن وَقْتِه؛ لَأنَّه قَدَر على المُبْدَلِ قبلَ شُرُوعِه في البَدلِ، فَلَزِمَه الانْتِقالُ إليه، كالمُتَيَمِّمِ إذا وَجَد الماءَ. فصل: ومَن لَزِمَه صومُ المُتْعَةِ، فمات قبلَ أن يَأْتىَ به لعُذْرٍ مَنَعَه الصومَ، فلا شئَ عليه. وإن كان لغيرِ عُذْرٍ، أطْعَمَ عنه،؛ يُطْعِمُ عن صومِ رمضانَ؛ لأنَّه صومٌ وَجَب بأصْلِ الشَّرْعِ، أشْبَهَ صومَ رمضانَ.

стр. 4029

النَّوْعُ [٦٧ و] الثَّانِى، الْمُحْصَرُ، يَلْزَمُهُ الْهَدْىُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، صَامَ عَشَرَةَ أيَّامٍ، ثُمَّ حَلَّ. ــ ١٢٢٠ - مسألة: (النَّوْعُ الثّانِى، المُحصَرُ، يَلْزَمُه الهَدْىُ، فإن لم يَجِدْ، صام عَشَرَةَ أيَّامٍ، ثمّ حَلَّ) لا خِلافَ في وُجُوبِ الهَدْىِ على المُحْصَرِ، وقد دَلَّ عليه قَوْلُه تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (١). فإن لم يَجِدِ الهدْىَ صام عَشَرَةَ أيَّامٍ، ثم حَلَّ، قِياسًا على هَدْىِ المُتَمَتعِّ، وليس له التَّحَلُّلُ قبلَ ذلك، وفيه اخْتِلافٌ، نَذْكُرُه في بابِ الإحْصارِ، إن شاء اللهُ تعالى.

стр. 4030

النَّوْعُ الثَّالِثُ، فِدْيَةُ الْوَطْءِ، تَجِبُ بِهِ بَدَنَةٌ، فَان لَمْ يَجِدْ، صَامَ عَشَرَةَ أيَّام؛ ثَلَاثَةً فِى الْحَجِّ، وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ؛ كَدَمِ الْمُتْعَةِ؛ لِقَضَاء الصَّحَابَةِ بِهِ. ــ ١٢٢١ - مسألة: (النَّوْعُ الثّالِثُ، فِدْيَةُ الوَطْءِ، تَجِبُ به بَدَنَةٌ، فإن لم يَجِدْ، صام عَشَرَةَ أيَّامٍ؛ ثَلَاثةً في الحَجِّ، وسَبْعَةً إذا رَجَع، كدَمِ المُتْعَةِ؛ لقَضاءِ الصحابَةِ) رَضِىَ الله عنهم (به) وقد ذَكَرْناه في البابِ الذى قَبْلَه. قاله عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ، وعبدُ اللهِ بنُ عَمْرٍو، وعبدُ اللهِ بنُ عباسٍ. رَواه عنهم الأثْرَمُ (١). ولم يَظهَرْ لهم في الصحابَةِ مُخَالِفٌ، فيَكُونُ إجْماعًا، فيَكُونُ بَدَلُه مَقِيسًا على بدَلِ دَمِ المُتْعَةِ. هذا هو الصَّحِيحُ مِن المَذْهَبِ؛ لأنَّا إنَّما أوْجَبْنا البَدَنَةَ بقولِ الصحابَةِ، رَضِىَ الله عنهم، فكذلك في بَدَلِها.

стр. 4031

وَقَالَ القَاضِى: إنْ لَمْ يَجِدِ الْبَدَنَةَ، أخْرَجَ بَقَرَةً، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَسَبْعًا مِنَ الْغَنَمِ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ، أخْرَجَ بِقِيمَتِهَا طَعَامًا فَإنْ لَمْ يَجِدْ، صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا. وظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِىِّ، أنَّهُ مُخَيَّرٌ فِى هَذِهِ الْخَمْسَةِ، فَبِأَيِّهَا كَفَّر أجْزَأَهُ. ــ (وقال القاضى: يُخْرِجُ بَدَنَةً، فإن لم يَجِدْ، أخْرَجَ بَقَرَةً، فإن لم يَجِدْ فسَبْعًا مِن الغَنَمِ، فإن لم يَجِدْ، أخْرَجَ بقِيمَتِها طَعامًا، [فإن لم يَجِدْ، صامَ عن كل مُدٍّ يومًا. وظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ، أنَّه يُخَيَّرُ في هذه الخَمْسَةِ] (١)، فبأيِّها كَفَّرَ أجْزَأه) وَجْهُ قولِ القاضى: يَجِبُ بالوَطْءِ

стр. 4032

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بَدَنَةٌ. لِما ذَكَرْنا مِن قولِ الصحابَةِ رَضِىَ اللهُ عنهم، فإن لم يَجدِ البَدَنَةَ أخْرَجَ بَقَرَةً؛ لأنَّها تساوِيها في الهَدْىِ والأضاحِى. وقد روَى أَبو الزُّبَيْرِ [عن جابِرٍ] (١) رَضِىَ الله عنه، قال: كُنّا نَنْحَرُ البَدَنَةَ عن سَبْعَةٍ. فقِيلَ له: والبَقَرَةُ؟ قال: وهل هى إلَّا مِن البُدْنِ (٢)! فإن لم يَجِدْ أخْرَجَ سَبْعًا مِن الغَنَمِ؛ لأنَّها تَقُومُ مَقامَ البَدَنَةِ في الهَدْىِ والأضاحِى، ولِما روَى ابنُ عباسٍ، قال: أتَى النبىَّ ﷺ رجلٌ، فقالَ: إنِّى عَلَىَّ بَدَنَةٌ، وأنا مُوسِرٌ لها، ولا أجِدُها فأشْتَرِيَها. فأمَرَه النبىُّ ﷺ أن يَبْتاعَ سَبْعَ شِياهٍ،

стр. 4033

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَيَذْبَحَهُنَّ. رَواه ابنُ ماجه (١). وإن لم يَجِدْ، أخْرَجَ بقِيمَتِها طَعامًا، فإن لم يَجِدْ، صام عن كلِّ مُدٍّ يَوْمًا، كقَوْلِنا في جَزاءِ الصَّيْدِ، على إحْدَى الرِّوايَتَيْن، في أنَّه لا يَنْتَقِلُ إلى (٢) الِإطْعامِ مع وُجُودِ المِثْلِ، ولا إلى الصيامِ مع القُدْرَةِ على الإطْعامِ. قال شيخُنا: وظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ أنَّه مُخَيَّرٌ في هذه الخَمْسَةِ، فبأيِّها كَفَّرَ أجْزَأه. والخِرَقِىُّ إنَّما صَرحَ بإجْزاءِ

стр. 4034

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ سَبْعٍ مِن الغَنَمِ مع وُجُودِ البَدَنَةِ. هكذا ذَكَر في كِتابِه. ولَعَلَّ ذلك نَقَله بعضُ الأصحابِ عنه في غيرِ كتابِه «المختصر». وَوَجْهُ قوْلِه، أنَّها كَفّارَةٌ تَجِبُ بفِعْلِ مَحْظُورٍ، فيُخَيَّر فيها بينَ الدَّمِ والإطْعامِ والصيامِ، كفِدْيَةِ الأذَى.

стр. 4035

وَيَجِبُ بِالْوَطْءِ فِى الْفَرْجِ بَدَنَةٌ، إِنْ كَانَ فِى الْحَجِّ، وَشَاةٌ، إنْ كَانَ فِى الْعُمْرَةِ. ــ ١٢٢٢ - مسألة: (ويَجِبُ بالوَطْءِ في الفَرْجِ بَدَنَة، إن كان في الحَجِّ، وشاةٌ، إن كان في العُمْرَةِ) قد ذَكَرْنا ذلك في بابِ مَحْظُوراتِ الإحْرامِ مُفَصَّلًا، فيما إذا كان الوَطْءُ قبلَ التَّحَللِ الأوَّلِ وبعدَه، وذَكَرْنا الخِلافَ فيه بما يُغْنِى عن إعادَتِه (١).

стр. 4036

وَيَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ مِثْلُ ذَلِكَ، إِنْ كَانَتْ مُطَاوِعَةً، وَإنْ كَانَتْ مُكرَهَةً، فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهَا. وَقِيلَ: تَلْزَمُهَا كَفَّارَةٌ يَتَحَمَّلُهَا الزَّوْجُ عَنْهَا. ــ ١٢٢٣ - مسألة: (ويَجِبُ على المَرْأةِ مِثْلُ ذلك، إن كانَتْ مُطاوِعَةً، وإن كانَتْ مُكْرَهَة، فلا فِدْيَةَ عليها. وقِيلَ: عليها كَفّارَةٌ يَتَحَمَّلُها الزَّوْجُ عنها) ، إذا جامَع امْرَأتَه في الحَجِّ وهى مطاوِعَةٌ، فحُكْمُها حُكْمُه؛ على كلِّ واحِدٍ منهما بَدَنَةٌ، إن كان قبلَ التَّحَلُّلِ الأوَّلِ. وممّن أوْجَبَ عليها بَدَنَةً ابنُ عباسٍ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، ومالكٌ، والحَكَمُ، وحَمّادٌ. ولأنَّ ابنَ عباسٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: أهْدِ ناقَةً (١). ولأنَّها إحْدَى المُتَجامِعَيْن مِن غيرِ إكْراهٍ، فأشْبَهَتِ الرجلَ. وعنه، أنَّه قال: أرْجُو أن يُجْزِئَهما هَدْيٌ واحِدٌ. رُوِىَ ذلك عن عَطاءٍ. وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه جِماعٌ واحِدٌ، فلم يُوجِبْ أكْثَرَ مِن بَدَنَةٍ، كحالَةِ الإكْراهِ. فأمّا المُكْرَهَةُ على الجِماعِ، فلا فِدْيَةَ عليها، ولا على الواطِئِ أن يَفْدِىَ عنها.

стр. 4037

فَصْلٌ: الضَّرْبُ الثَّالِثُ، الدِّمَاءُ الْوَاجِبَةُ لِلْفَوَاتِ، أَوْ لِتَركِ وَاجِبٍ، أَوْ لِلْمُبَاشَرَةِ فِى غَيْرِ الْفَرْجِ؛ فَمَا أَوْجَبَ مِنْهُ بَدَنَةً، ــ نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه جِماعٌ يُوجِبُ الكَفّارَةَ، فلم يُوجِبْ حالَ الإِكْراهِ أكْثَرَ مِن كَفّارَةٍ واحِدَةٍ، كما في الصيامِ. وهذا قولُ إسْحاقَ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ. وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّ عليه أن يُهْدِىَ عنها. وهو قولُ عَطاءٍ، ومالكٍ؛ لأنَّ إفْسادَ الحَجِّ وُجِدَ منه في حَقِّهما، فكانَ عليه لإفْسادِ حَجِّها هَدْيٌ، كإفْسادِ حَجِّه. وعنه ما يَدُلُّ على أنَّ الهَدْىَ عليها. وهو قولُ أصْحابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّ فسادَ الحَجِّ ثَبَت بالنِّسْبَةِ إليها فكانَ الهَدْىُ عليها، كما لو طاوَعَتْه، ويَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ أنَّ الهَدْىَ عليه، يَتَحَمَّلُه الرَّوْجُ عنها، فلا يَكُونُ رِوايَةً ثالِثَةً. فصل: قال الشيخُ، ﵀: (الضَّرْبُ الثّالِثُ، الدِّماءُ الواجِبَةُ للفَواتِ، أو لتَرْكِ واجِبٍ، أو للمُباشَرَةِ في غيرِ الفَرْجِ؛ فما أوْجَبَ منها

стр. 4038

فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْبَدَنَةِ الْوَاجِبَةِ بِالْوَطْءِ فِى الْفَرْجِ. وَمَا عَدَاهُ، فَقَالَ [٦٧ ظ] الْقَاضِى: مَا وَجَبَ لِتَرْكِ وَاجِبٍ مُلْحَق بِدَمِ الْمُتْعَةِ، وَمَا وَجَبَ لِلْمُبَاشَرَةِ مُلْحَقٌ بِفِدْيَةِ الأَذَى. ــ بَدَنَةً، فحُكْمُها (١) حُكْمُ البَدَنَةِ الواجِبَةِ بالوَطْءِ في الفَرْجِ. وما عَداه، فقالَ القاضى: ما وَجَب لتَرْكِ واجِبٍ مُلحَقٌ بدَمِ المُتْعَةِ، وما وَجَب لمُباشَرَةٍ مُلْحَقٌ بفِدْيَةِ الأذَى) إذا فاتَه الحَجُّ وَجَب عليه دَمٌ، في أصَحِّ الرِّوايَتَيْن. وسَنَذْكُرُ ذلك، إن شاء اللهُ تعالى. وكذلك إذا تَرَك شَيْئًا مِن واجِباتِ الحَجِّ؛ كالإحْرامِ مِن المِيقاتِ، والوُقُوفِ بعَرَفَةَ إلى اللَّيْلِ، والمَبِيتِ بمُزْدَلِفَةَ، وسائِرِ الواجِباتِ المُتَّفَقِ على وُجُوبِها. والهَدْىُ الواجِبُ بغيرِ النَّذْرِ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْن؛ مَنْصُوصٌ عليه ومَقِيسٌ على المَنْصُوصِ عليه.

стр. 4039

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فالمَنْصُوصُ عليه فِدْيَةُ الأذَى، وجَزاءُ الصَّيْدِ، ودَمُ الإِحْصارِ، ودَمُ المُتْعَةِ، والبَدَنَةُ الواجِبَةُ بالوَطْءِ في الفَرْجِ؛ لقَضاءِ الصحابَةِ رَضِىَ الله عنهمِ بها، وما سِوى ذلك مَقِيسٌ عليه. فالبَدَنَةُ الواجِبَةُ بالمُباشَرَةِ فيما دُون الفَرْجِ مَقِيسةٌ على الواجِبَةِ بالوَطْءِ بالفَرْجِ؛ لأنَّه دَمٌ وَجَب بسبَبِ المُباشَرَةِ، أشْبَهَ الواجِبَ بالوَطْءِ في الفَرْجِ، وهكذا القِرانُ يُقاسُ على هَدْىِ التَّمَتُّعِ؛ لأنَّه وَجَب للتَّرَفُّهِ بتَرْكِ أحَدِ السَّفَرَيْن، أشْبَه دَمَ المُتْعَةِ، ويُقاسُ عليه أيْضًا دَمُ الفَواتِ، فيَجِبُ عليه مِثْلُ دَم المُتْعَةِ، وبَدلُه مِثْلُ بدَلِه، وهو صِيامُ عَشَرَةِ أيَّامٍ، إلَّا أنَّه لا يُمْكِنُ أن يَكُونَ منها ثَلَاثَةٌ قبلَ يَوْمِ النَّحْرِ؛ لأنَّ الفَواتَ إنَّما يَكُونُ بفَواتِ لَيْلَةِ النَّحْرِ؛ لأنَّه تَرَك بعضَ ما اقْتَضاه إحْرامُه، فصار كالتارِكِ لأحَدِ السَّفَرَيْن. فإن قِيلَ: فهَلَّا ألْحَقْتُموه بهَدْىِ الإحْصارِ، فإنَّه أشْبَهُ به، إذ هو إحْلالٌ مِن إحْرامِه قبل إتْمامِه؟ قُلْنا:

стр. 4040

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أمّا الهَدْىُ فقد اسْتَوَيا نجيه، وأمّا البَدَلُ فإنَّ الإِحْصارَ ليس بمَنْصُوصٍ على البَدَلِ فيه، وإنَّما ثَبَت قِياسًا، وقِياسُه على الأصْلِ المَنْصُوصِ عليه أوْلَى مِن قِياسِه على فَرْعِه، على أنَّ الصيامَ ههُنا مِثْلُ الصيامِ عن دَمِ الإِحْصارِ في العَدَدِ، إلَّا أن صِيامَ الإحْصارِ يَجِبُ قبلَ الحِلِّ، وهذا يَجُوزُ قبلَ الحِلِّ وبعدَه. وأمّا الخِرَقِىُّ، فإنَّه جَعَل الصومَ عن دَمِ الفَواتِ كالصَّوْمِ عن جزاءِ الصَّيْدِ، عن كلِّ مُدٍّ يَوْمًا. والمرْوِىُّ عن عُمَرَ وابْنِه، رَضِىَ اللهُ عنهما، مِثْلُ ما ذَكَرْنا. ويُقاسُ عليه أيْضًا كلُّ دَمٍ وَجَب لتَرْكِ واجِبٍ، كتَرْكِ الإحْرامِ مِن المِيقاتِ، والوُقُوفِ بعَرَفَةَ إلى غُرُوبِ الشمسِ، والمبِيتِ بمُزْدَلِفَةَ، وطَوافِ الوَداعِ، فالواجِبُ فيه ما اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْىِ، فإن لم يَجِدْ فصِيامُ عَشَرَةِ أيّامٍ؛ لأنَّ المُتَمَتِّعَ تَرَك الإحْرامَ مِن المِيقاتِ بالحَجِّ، وكان يَقْتَضِى أن يَكُون واجِبًا، فوَجَبَ عليه الهَدْىُ لذلك، فقِسْنا عليه تَرْكَ الواجِبِ. ويُقاسُ على فِدْيَةِ الأذَى ما وَجَب بفِعْلِ مَحْظُورٍ يُتَرَفَّهُ به، كتَقْلِيم الأظْفارِ، واللُّبْسِ، والطِّيبِ. وكلُّ اسْتِمْتاعٍ

стр. 4041

وَمَتَى أَنْزَلَ بِالْمُبَاشَرَةِ دُوِن الْفَرْجِ، فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ، وَإِنْ لَم يُنْزِلْ، فَعَلَيْهِ شَاةٌ. وَعَنْهُ، بَدَنةٌ. ــ مِن النِّساءِ يُوجِبُ شاةً، كالوَطء في العُمْرَةِ، وبعدَ التَّحَلُّلِ الأوَّلِ في الحَجِّ، والمُباشَرَةِ مِن غيرِ إنْزالٍ، فإنَّه في مَعْنَى فِدْيَةِ الأذَى مِن الوَجْهِ الذى ذَكَرْناه، فيُقاسُ عليه، ويُلْحَقُ به. وقد قال ابن عباسٍ، في مَن وَقَع على امْرأتِه في العُمْرَةِ قبلَ التَّقْصِير: عليه فِدْيَةٌ مِن صِيام أو صَدَقَةٍ أو نُسُكٍ. رَواه الأثْرَمُ (١). ١٢٢٤ - مسألة: (ومتى أنْزَلَ بالمُباشَرَةِ دُونَ الفَرْجِ، فعليه بَدَنَةٌ، وإن لم يُنْزِلْ، فعليه شاةٌ. وعنه، بَدَنَةٌ) أمّا إذا أنْزَلَ بالمُباشَرَةِ، فإنَّ عليه بَدَنَةً؛ لأئه اسْتِمْتاعٌ أوْجَبَ الغُسْلَ، فأوْجَبَ بَدَنَةً، كالوَطْءِ في الفَرْجِ، وإن لم يُنْزِلْ، فعليه شاةٌ، في الصَّحِيحِ. كذلك ذَكَرَه الخِرَقِىُّ. وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، وابن سِيرينَ، والزُّهْرِىُّ،

стр. 4042

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقَتادَةُ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ؛ لأنَّها مُلامَسَةٌ لا تُفْسِدُ الحَجَّ، عَرِيَتْ عن الإِنْزالِ، فلم تُوجِبْ بَدَنَةً، كاللَّمْسِ لغيرِ شَهْوَةٍ. وعنه، يَجِبُ عليه بَدَنَةٌ. وقال الحسنُ، في مَن ضَرَب بيَدِه على فَرْجِ جارِيَتِه: عليه بَدنَةٌ. وعن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ: إذا نال منها ما دُونَ الجِماعِ، ذَبَح بَقَرَةً؛ لأنَّها مُباشَرَة مَحْظُورَةٌ بالإحْرامِ، أشْبَهَتْ ما اقْتَرَنَ به الإنزالُ. ولَنا، أنَّها مُلامَسَةٌ مِن غيرِ إنْزالٍ، فأشْبَهَتْ لَمْسَ غيرِ الفَرْجِ. ويَجِبُ به شاةٌ؛ لِما روَى الأثْرَمُ، أن عُمَرَ بنَ [عُبَيدِ الله] (١) قَبَّلَ عائِشَةَ بِنْتَ طَلْحَةَ مُحْرِمًا، فسَألَ، فأُجْمِعَ له على أن يُهَرِيقَ دَمًا، والظَّاهِرُ أنَّه لم يَكُنْ أنْزَلَ؛ لأنَّه لم يُذْكَرْ. وسَواءٌ مَذَى أو لم يَمْذِ، قال سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ: إن قَبَّلَ، فمَذَى، أو لم يَمْذِ، فعليه دَمٌ. وسائِرُ اللَّمْسِ لشَهْوَةٍ كالقُبْلَةِ فيما ذَكَرْنا؛ لأَّنه اسْتِمْتاعٌ يَلْتَذُّ به، كالقُبْلَةِ. قال أحمدُ، ﵀، في مَن قَبَض على فَرْجِ امْرَأتِه، وهو مُحْرِمٌ: فإنَّه يُهَرِيقُ دَمًا.

стр. 4043

وَإنْ كَرَّرَ النَّظرً فَأَنْزَلَ، أوِ اسْتَمْنَى، فَعَلَيْهِ دَمٌ، هَلْ هُوَ بَدَنَةٌ أَوْ شَاةٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَإنْ مَذَى بِذَلِكَ، فَعَلَيْهِ شَاةٌ. ــ وبه قال عَطاءٌ؛ لأنَّه اسْتِمْتاعٌ مَحْظُورٌ في الإحْرامِ، أشْبَهَ الوَطْءَ فيما دُونَ الفَرْجِ. ١٢٢٥ - مسألة: (وإن كَرَّرَ النَّظَر فأنْزَلَ، أو اسْتَمْنَى، فعليه دَمٌ، هل هو شاةٌ أو بَدَنَةٌ؟ على رِوايَتَيْن. وإن مَذَى بذلك، فعليه شاةٌ) إذا كَرَّرَ النَّظَرَ فأنْزَلَ، ففيه رِوايَتان؛ إحْداهما، عليه بَدنَةٌ. رُوِىَ ذلك عن ابنِ عباسٍ. والثّانِيَةُ، عليه شاةٌ. وهو قولُ سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ. ورُوِىَ أيْضًا عن ابنِ عباسٍ. وقال أبو ثَوْرٍ: لا شئَ عليه. وحُكِىَ عن أبي حنيفةَ، والشافعىِّ، لأنَّه ليس بمُباشَرَةٍ، أشْبَهَ الفِكْرَ. ولَنا، أنَّه إنْزالٌ بفِعْلِ مَحْظُورٍ، فأوْجَبَ الفِدْيَةَ، كاللَّمْسِ. وقد روَى الأثْرَمُ عن ابنِ عباسٍ، رَضِىَ اللهُ عنهما، أنَّه قال له رجلٌ: فَعَل اللهُ بهذِه وفَعَل، إنَّها

стр. 4044

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَطَيَّبَتْ لِى، فكَلَّمَتْنِى، وحَدَّثَتْنِى، حتى سَبَقَتْنِى الشَّهْوَةُ. فقالَ ابنُ عباسٍ: أتْمِمْ حَجَّكَ وأهْرِقْ دَمًا (١). والاسْتِمْناءُ في مَعْنَى تَكْرارِ النَّظَرِ فيُقاسُ عليه، فإن كَرَّرَ النَّظَرَ فمَذَى، فعليه شاةٌ، وكذلك ذَكَرَه أبو الخَطّابِ؛ لأنَّه جُزْءٌ من المَنِىِّ؛ لكَوْنِه خارِجًا بسَبَبِ الشَّهْوَةِ، ولأنَّه حَصَل به الْتِذاذٌ، فهو كاللَّمْسِ، فإن لم يَقْتَرِنْ به مَنِىٌّ ولا مَذْىٌ، فلا شئَ عليه، كَرَّرَ النَّظَرَ أو لم يُكَرِّرْه. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، في مَن جَرَّدَ امْرَأتَه، ولم يَكُنْ منه غيرُ التَّجْرِيدِ، أنَّ عليه شاةً، وهو مَحْمُولٌ على أنَّه لَمْسٌ، فإنَّ التَّجْرِيدَ لا يَخْلُو عن اللَّمْسِ ظاهِرًا، أو على أنَّه أمْنَى، أو أمْذَى، أمّا مُجَرَّدُ النَّظَرِ فلا شَئَ فيه، فقد كان النبىُّ ﷺ يَنْظُرُ إلى نِسَائِه وهو مُحْرِمٌ، وكذلك أصحابُه.

стр. 4045

وَإنْ فَكَّرَ فَانزَلَ، فَلَا فِديَةَ عَلَيْهِ. ــ فصل: فإن نَظرَ ولم يُكَرِّرِ النَّظَرَ، فأمنَى، فعليه شاة؛ لأنَّه فِعْلٌ يَحْصُلُ به اللَّذَّةُ، أوْجَبَ الإنْزالَ، أشْبَهَ اللَّمْسَ، وإلَّا فلا شئَ عليه؛ لأنَّه لا يمكِنُ التَّحَرُّزُ عنه، أشْبَة الفِكْرَ والاحْتِلامَ. ١٢٢٦ - مسألة: (فإنْ فَكَّرَ فأنزلَ، فلا شئَ عليه) وحَكَى

стр. 4046

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أبو حَفْص البَرْمَكِىُّ، وابنُ عَقِيل، أن حُكْمَه حُكْمُ تَكْرارِ النَّظَرِ إذا اقْتَرَن به الإِنْزالُ، في إفْسادِ الصومِ، فيَحتَمِلُ أن يَجِبَ به ههُنا دَمٌ، قِياسًا عليه. ولَنا، قولُ النبىِّ ﷺ : «عُفِىَ لأمَّتِى عَنِ الْخَطإِ وَالنِّسْيَانِ». «وَمَا حَدَّثَتْ بِهِ أنفُسَها، مَا لَمْ تعمَلْ أوْ تَتَكَلَّمْ». مُتَّفَقٌ عليه (١). ولأنَّه لا نَصَّ فيه، ولا إجْماعَ، ولا يَصِحُّ قِياسُه على تَكْرارِ النَّظَرِ؛ لأنَّه دُونَه في اسْتِدعاءِ الشَّهْوَةِ، وإفْضائِه إلى الإنْزالِ، ويُخالِفُه في التَّحْرِيمِ إذا تَعَلَّقَ بأجْنَبِيَّةٍ، أو الكَراهةِ إن كان في زَوْجَتِه، فيَبْقَى على الأصْلِ. فصل: والعَمدُ والنِّسْيانُ في الوَطْءِ سَواءٌ. نَصَّ عليه أحمدُ. وقد ذَكرناه، فأمّا القُبْلَةُ، واللمسُ، وتَكْرارُ النظَرِ، فلم يَذْكُز شيخُنا حُكْمَ النِّسْيانِ فيه في الحَجِّ، لكنْ ذَكًره في مُفْسِداتِ الصَّوْمِ (٢)، وفَرَّقَ بينَ العَمدِ والسَّهْوِ، فيَنبغِى أن يَكُونَ ههُنا مِثْلَه، وكذلك ذَكَرَه الخِرَقِىُّ. والفرقُ بينهما، أنَّ الوَطْءَ لا يَكادُ يَتَطَرَّقُ النِّسْيانُ إليه، بخِلافِ ما دُونَه، ولأنَّ، الجِماعَ يُفْسِدُ الصَّوْمَ بمُجَرَّدِه دُونَ غَيْرِه. والجاهِلُ بالتحرِيمِ (٣)، والمُكْرهُ، في حُكْمِ النّاسِى؛ لأنَّه مَعْذُورٌ.

стр. 4047

فَصْلٌ: وَمَنْ كَرَّرَ مَحْظُورًا مِنْ جِنْسٍ، مِثْلَ أَنْ حَلَقَ ثُمَّ حَلَقَ، أَوْ وَطِئَ ثُمَّ وَطِئَ، قَبْلَ التَّكْفِيرِ عَنِ الْأوَّلِ، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ. وَإِنْ كَفَّرَ عَنِ الْأوَّلِ، لَزِمَتْهُ لِلثَّانِى كَفَّارَةٌ. ــ فصل: قال رَضِىَ اللهُ عنه: (ومن كَرَّرَ مَحْظُورًا مِن جِنْسٍ، مِثْلَ أن حَلَق ثم حَلَق، أو وَطِئَ ثم وَطئَ، قبلَ التَّكْفِيرِ عن الأوَّلِ، فكَفّارَةٌ واحِدَةٌ. وإن كَفَّرَ عن الأوَّل، فعليه للثّانِى كَفّارَةٌ) إذا حَلَق ثم حَلَق، فالواجِبُ فِدْيَةٌ واحِدَةٌ، ما لم يُكَفِّرْ عن الأوَّلِ قبلَ فِعْلِ الثّانِى، فإن كَفَّرَ عن الأوَّلِ، ثم حَلَق ثانِيًا، فعليه للثّانِى كَفّارَةٌ أيْضًا، وكذلك الحُكْمُ فيما إذا وَطِئَ ثم وَطِئَ، أو لَبِس ثم لَبِس، أو تَطَيَّبَ ثم تَطَيَّبَ، وكذلك

стр. 4048

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ سائِرُ مَحْظُورِاتِ الإحْرامِ، إذا كَرَّرَها، ما خَلا قَتْلَ الصَّيْدِ، وسواءٌ فَعَلَه مُتَتابِعًا أو مُتَفرِّقًا فإنَّ فِعْلَها مُجْتَمِعَة كفِعْلِها مُتَفَرِّقَةً في وُجُوبِ الفِدْيَةِ، ما لم يُكَفِّرْ عن الأوَّلِ قبلَ فعل الثّانى. وعنه، أنَّ لكلِّ وَطْء كَفّارَةً، وإن لم يُكَفِّرْ عن الأوَّلِ؛ لأنَّه سَبَبٌ للكَفّارَةِ.، فأوْجَبَها، كالأوَّلِ. وعنه، أنَّه إن كَرَّرَ لأسْبابٍ، مِثْلَ أن لَبِس للبَرْدِ، ثم لَبِس للحَرِّ، ثم لَبِس للمَرَضِ، فكَفّاراتٌ، وإن كان لسَبَبٍ واحِدٍ، فكَفّارَةَ واحِدَةٌ. وروَى عنه الأثْرَمُ، في مَن لَبِس قَمِيصًا وجُبَّةً وعِمامَةً وغيرَ ذلك لعِلَّةٍ واحِدَةٍ، كَفّارَةٌ واحدةٌ. فإنِ اعْتَلَّ فلَبِسَ جُبَّة، ثم بَرَأ، ثم اعْتَلَّ فلَبِسَ جُبَّة، فقالَ: لا، هذا عليه كَفّارَتان. وقال ابنُ أبى موسى في «الإرْشادِ»: إذا لَبِس وغَطَّى رَأْسَه مُتَفَرِّقًا وَجَب عليه دَمان، وإن كان في وَقْتٍ واحِدٍ، فعلى رِوايَتَيْن. وعن الشافعىِّ كقَوْلِنا. وعنه، لا يَتَداخَلُ. وقال مالكٌ: تَتَداخَلُ (١) كَفّارَةُ

стр. 4049

وإنْ قَتَل صَيْدًا بَعدَ صَيْدٍ، فَعَلَيْهِ جَزَاوهُمَا. وَعَنْهُ، عَلَيْهِ جَزَاءٌ وَاحِدٌ. ــ الوَطْءِ دُونَ غيرِه. وقال أبو حنيفةَ: إن كَرَّرَه في مَجْلِس واحِدٍ، فكَفّارَةٌ واحِدًة، وإن كان في مجالِسَ، فكَفّارَات. وقال في تَكْرارِ الوَطْءِ: عليه للثّانى شاةٌ إلَّا أن يَفْعَلَه في مَجْلِس واحِدٍ على وَجْهِ الرَّفض للإِحْرامِ. ولَنا، أنَّ ما يَتَداخَلُ إذا كان مُتَتابعًا، يَتَداخَلُ وإن تَفَرقَ، كالحُدُودِ وكَفّاراتِ الأيمانِ، ولأنَّ الله تعالى أَوْجَبَ في حَلْقِ الرَّأْسِ فديَةً واحِدَةً، ولم يُفَرِّقْ بينَ ما وَقَع في دُفْعَةٍ أو في دُفَعاتٍ، والقَوْلُ بأنه لا يَتَداخَلُ لا يَصِحُّ، فإنَّه إذا حَلَق لا يمكِنُ إلَاّ شيئًا بعدَ شئٍ. ولَنا على أنَّه لا يَتَداخَلُ إذا كَفَّرَ عن الأوَّلِ، أنَّه سَببٌ للكَفّارَةِ، فإذا كَفَّرَ عن الأوَّلِ وَجَب عليه للثّانِي كَفّارَةٌ، كالأيمانِ. أو نَقُولُ: سَبَب يُوجِبُ عُقوبةً، فيُكَررُ بتَكَرُّره بعدَ التَّطهِيرِ، كالحُدُودِ. ١٢٢٧ - مسألة: (وإن قَتَل صَيْدًا بعدَ صَيْدٍ، فعليه جَزاؤهما. وعنه، عليه جَزاءٌ واحِدٌ) إذا قَتَل صَيْدَيْن، فعليه جَزاؤهما؛

стр. 4050

وَإِنْ فَعَلَ مَحْظُوراً مِنْ أَجْنَاس، فَعَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ فِدَاءٌ. وَعَنْهُ، عَلَيْهِ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ. ــ سواءٌ قَتَلَهما دُفْعَةً واحِدَةً، أو واحِدَةً بعدَ واحِدَةٍ. وعن أحمدَ، أنَّه يَتَداخَلُ إذا كان مُتَفَرِّقًا، فيَجِبُ عليه جَزاءٌ واحِدٌ، كالمَحْظُوراتِ غيرَ قتْلِ الصَّيْدِ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (١). ومِثلُ الصَّيْدَيْن لا يَكُونُ مِثلَ أحَدِهما، ولأنَّه لو قَتَل صَيْدَيْن دُفْعَة واحِدَةً وَجَب جَزاؤهما، فإذا تَفَرَّقا، كان الوُجُوبُ أوْلَى؛ لأنَّ حالَةَ التَّفْرِيقِ لا تَنْقُصُ عن حالَةِ الاجْتِماعِ، كسائِرِ المَحْظُوراتِ. ١٢٢٨ - مسألة: (كان فَعَل مَخظورًا مِن أجْناسٍ، فعليه لكلِّ واحِدٍ فِداءٌ. وعنه، عليه فِنيَةٌ واحِدَةٌ) إذا فَعَل مَحْظُورًا مِن أجْناسٍ،

стр. 4051

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كحَلْقٍ ولُبْس وتَطُّيبٍ ووَطْءٍ، فعليه لكلِّ واحِدٍ فِديَةٌ، سواءٌ فَعَلَه مُجْتَمِعًا أو مُتَفَرِّقًا. وهذا مَذْهبُ الشافعىِّ. وعن أحمدَ، أنَّ في الطِّيبِ واللُّبْسِ والحَلْقِ فِديَةً واحِدَةً، إذا كانا في وَقْتٍ واحِدٍ، كان فَعَل ذلك واحِدًا بعدَ واحِدٍ، فعليه لكلِّ واحِدٍ دَمٌ. وهو قولُ إسْحاقَ. وقال عَطاءٌ، وعَمرُو ابنُ دِينارٍ: إذا حَلَق، ثم اختاجَ إلى الطِّيبِ، أو إلى قَلَنْسُوَةٍ، أو إليهِما، ففَعَلَ ذلك، فليس عليه إلَّا فِديَةٌ واحِدَةٌ. وقال الحسنُ: إن لَبِس القَمِيصَ وتَعمَّمَ وتطَيَّبَ، فَعَل ذلك جَمِيعًا، فليس عليه إلَّا فِديَةٌ واحِدَةٌ. ولَنا، أنَّها مَحْظُورات مُخْتَلِفَةُ الأجْناسِ، فلم يَتَداخَلْ جَزاؤها (١)، كالحُدُودِ المُخْتَلِفَةِ، والأيْمانِ المُخْتَلِفَةِ، وعَكْسُه إذا كانتْ مِن جِنْسٍ واحِدٍ.

стр. 4052

وَإنْ حَلَقَ، أَوْ قَلَّمَ، أَوْ وَطِئَ، أَوْ قَتَلَ صَيْدًا عَامِدًا أوْ مُخْطِئًا، فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ. وَعَنْهُ فِى الصَّيْدِ، لَا كَفَّارَةَ إلَّا فِى الْعَمدِ. وَيُخَرَّجُ فِى الْحَلْقِ مِثْلُهُ. ــ ١٢٢٩ - مسألة: (كان حَلق، أو قَلَّمَ، أو وَطِئَ، أو قَتل صَيْدًا عامِدًا أو مُخْطِئًا، فعليه الكَفّارَةُ. وعنه في الصَّيْدِ، لا كَفّارَةَ عليه إلَّا في العَمدِ، ويَتَخَرَّجُ في الحَلْقِ مِثْلُه) أنها الوَطْءُ، فقد ذَكَرْناه. وجُمْلَتُه أنَّه لا فرقَ بينَ العَمدِ والخَطإِ في الحَلْقِ والتَّقْلِيمِ، ومَن له عُذْرٌ، ومَن لا عُذْرَ له، في ظاهِرِ المَذْهبِ. وهو قولُ الشافعىِّ. ونحوه عن الثَّوْرِىِّ. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، لا فِديَةَ على النّاسِى. وهو قولُ إسْحاقَ (١)، وابنِ المُنْذِرِ؛ لقَوْلِه ﵇: «عُفِىَ لأِمَّتِى عَنِ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ» (٢). ولَنا، أنَّه إتْلافٌ، فاسْتَوَى عَمدُه وسَهْوُه، كإتْلافِ مالِ الآدمِىِّ، ولأنَّ الله تعالى أوْجَبَ الفِديَةَ على مَن حَلَق رأْسَه لأذًى به، وهو مَعذُورٌ، فكان تَنْبِيهًا على وُجُوبِها على غيرِ المَغذُورِ، ودَلِيلًا على وُجُوبِها على المَعْذُورِ بنَوْعٍ آخَرَ، كالمحتَجِمِ يحلِقُ مَوْضِعَ مَحاجِمِه، أو شَعَرَ شَجَّتِه. وفى مَعْنَى

стр. 4053

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النّاسِى النائِمُ الذى يَقْلَعُ شَعَرَه، أو يُصَوِّبُ رَأْسَه إلى تَنُّورٍ، فيَحْرِقُ اللَّهَبُ شَعَرَه، ونحوُ ذلك. فصل: وقَتْلُ الصَّيْدِ يَسْتَوِى عَمده وسَهْوه أْيضًا. هذا ظاهِرُ المَذْهبِ. وبه قال الحسنُ، وعَطاءٌ، والنَّخَعِىُّ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ. قال الزُّهْرِىُّ: على المُتَعَمِّدِ بالكِتابِ، وعلى المُخْطِئ بالسُّنَّةِ. وعنه، لا كَفّارَةَ على المُخْطِئ. وهو قولُ ابنِ عباسٍ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وطاوُسٍ، وابنِ المُنْذِرِ، وداودَ؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُم مُتَعَمِّدًا﴾. فيَدُلُّ بمَفْهُومه على أنَّه لا جَزاءَ على

стр. 4054

وَإنْ لَبِسَ، أَوْ تَطَيَّبَ، أَوْ غَطَّى رَأْسَهُ نَاسِيًا، فَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ. وَعَنْهُ، عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ. ــ الخاطِئَ، ولأنَّ الأصلَ بَراءَةُ ذِمَّتِه، فلا يَشْغَلُها إلَّا بدَلِيل، ولأنَّه محظورٌ بالإحرامِ لا يَفْسُدُ به، فَفُرِّقَ بينَ عَمده وخَطَئِه، كاللُّبْسِ. ووَجْهُ الأُولَى قَوْلُ جابِرٍ رَضِىَ الله عنه: جَعَل رسولُ اللهِ ﷺ في الضَّبُعِ يَصِيدُه المُحرِمُ كَبْشًا. وقال ﵇، في بَيضِ النَّعامِ يُصِيبُه المُحرِمُ: «ثَمَنُه». ولم يُفَرِّقْ بينَ العَمدِ والخَطإِ. رَواهما ابنُ ماجه (١). ولأنَّه ضَمانُ إتْلافٍ، فاسْتوَى عَمده وخَطَؤُه، كمالِ الآدَمِىِّ. ١٢٣٠ - مسألة: (وإن لَبس، أو تَطَيَّبَ، أو غَطَّى رَأْسَه ناسِيًا، فلا كَفّارَةَ فيه. وعنه، عليه الكَفَّارَةُ) أنها إذا لَبِس، أو تَطَيَّبَ، أو غَطَّى رَأْسَه عامِدًا، فإنَّ عليه الفِديَةَ بغيرِ خِلافٍ عَلِمناه؛ لأنَّه تَرَفَّه بمَحْظُورٍ في إحرامِه عامِدًا، فأشْبَهَ حَلْقَ الشَّعَرِ. ويسْتَوِى في ذلك قَلِيلُ الطِّيبِ

стр. 4055

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وكَثِيرُه، وقَلِيلُ اللُّبْسِ وكَثِيرُه. وبه قال الشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَجِبُ الدَّمُ إلَّا بتَطْيِيبِ عُضْوٍ كامِلٍ، وفى اللّباسِ بلباس يَوْم ولَيْلَةٍ، ولا شئَ فيما دُونَ ذلك؛ لأنَّه لم يَلْبَسْ لُبْسًا مُغتادًا، أشْبَة ما لو ائْتزَرَ بالقَمِيصِ. ولَنا، أنَّه مَعْنًى حَصَل به الاسْتفتاعُ بالمَحْظُورِ، فاغتُبِر بمُجَرَّدِ الفِعْلِ، كالوَطْءِ، أو مَحْظُورٌ فلا تَتَقَدَّرُ فِدْيَتُه بالزَّمَنِ، كسائِرِ المَحْظُوراتِ، وما ذَكَرُوه مَمْنُوعٌ؛ فإنَّ النّاس يَخْتَلِفُون في اللُّبْسِ في العادَةِ، وما ذَكَرُوه تَقدِيرٌ، والتَّقْدِيراتُ بابُها التَّوْقِيفُ، وتَقدِيرُهم بعضْوٍ ويوم ولَيْلَةٍ تَحَكُّمٌ مَحْضٌ، وأمّا إذا ائْتزَرَ بقَمِيصٍ فليس ذلك بلُبْسِ مَخِيطٍ، ولذلك لا يَحْرُمُ عليه وإن طال، والمُخْتَلَفُ فيه مُحَرَّمٌ لُبْسُه. فصل: ويَلْزَمُه غَسْلُ الطِّيبِ، وخَلْعُ اللِّباسِ؛ لأنَّه فِغلٌ مَخظُورٌ، فلَزِمَتْه إزالَتُه وقَطعُ اسْتِدامَتِه، كسائِرِ المَحْظوراتِ. والمُسْتَحَبُّ أن يَسْتَعِينَ في غَسْلِ الطِّيبِ بحَلالٍ؛ لئَلَّا يُباشِرَ المُخرِمُ الطيبَ بنَفْسِه.، كان وَلِيَه بنَفْسِه، فلا بَأْسَ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ قال للذى عليه طِيبٌ: «اغْسِلْ عَنْكَ الطِّيبَ» (١). ولأنَّه تارِكٌ له. فإن لم يَجِن ما يَغْسِلُه به مَسَحَه بخِرْقَةٍ، أو حَكَّهُ بتُرابٍ أو غيرِه؛ لأنَّ الذى عليه أن يُزِيلَه حَسَبَ الإِمْكانِ، وقد فَعَلَه.

стр. 4056

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فإن كان معه ماءٌ، وهو مُحْتاجٌ إلى الوُضُوءِ، والماءُ لا يَكْفِيهما، غَسَل به الطِّيبَ، وتَيَمَّمَ للحَدَثِ؛ لأنَّه لا رُخْصَةَ في إبْقاءِ الطِّيبِ، وتَزكُ الوُضُوءِ إلى التَّيَمُّمِ رُخْصَةٌ، فإن قَدَر على قَطْعِ رائِحَةِ الطِّيبِ بغيرِ الماءِ، فَعَل، وتَوَضَّأ؛ لأنَّ المَقْصُودَ مِن إزالَةِ الطِّيبِ قَطْعُ رائِحَتِه، فلا يَتَعَيَّن الماءُ، والوُضُوءُ بخِلافِه. فإن لَبِس قَمِيصًا وسَراوِيلَ وعِمامَةً وخُفَّيْن كَفاه فِديَةٌ واحِدَةٌ؛ لأنَّ الجَمِيعَ لُبْسٌ، فأشْبَهَ الطِّيبَ في رَأسِه وبَدَنِه. وفيه خِلافٌ ذَكَرْناه فيما مَضَى (١). فصل: فأمّا إن فَعَل ذلك ناسِيًا، فلا فِديَةَ عليه. هذا ظاهِرُ المَذْهبِ. والجاهِلُ في مَغنَى النّاسِى. وهذا قولُ عَطاءٍ، والثَّوْرِىِّ، وإسْحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ. قال أحمدُ: قال سُفْيانُ: ثَلَاثَةٌ في الحَجِّ العَمْدُ والنِّسْيانُ سَواءٌ؛ إذا أتُى أهْلَه، وإذا أصابَ صَيْدًا، وإذا حَلَق رَأْسَه. قال أحمدُ:

стр. 4057

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إذا جامَعَ أهْلَه بَطَل حَجُّه. لأنَّه شئٌ لا يَقْدِرُ على رَدِّه، والصَّيْدُ إذا قَتَلَه، فقد ذَهب لا يَقْدِرُ على رَدِّه، والشَّعَرُ إذا حَلَقَه فقد ذَهب، فهذه الثَّلاثَةُ، العَمْدُ والخَطَأُ والنِّسْيانُ فيه سَواءٌ. وكلُّ شَئٍ مِن النِّسْيانِ بعدَ الثَّلاثَةِ فهو يَقْدِرُ على رَدِّه، مثلَ إذا غَطَّى المُحرِمُ رَأسَه، ثم ذَكَر، ألْقاه عن رَأْسِه وليس عليه شئٌ، أو لَبِس خُفَّا، نَزَعَه، وليس عليه شئٌ. وعنه رِوايَةٌ أْخْرَى، أنَّ عليه الفِديَةَ في كلِّ حالٍ. وهو مَذْهبُ مالكٍ؛ واللَّيْثِ، وأبي حنيفةَ؛ لأنَّه هتَك حُرمَةَ الإحرامِ، فاسْتَوَى عَمدُه وسَهْوُه، كالحَلْقِ والتَّقْلِيمِ. ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه ﵇: «عُفِىَ لأمَّتِى عَنِ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ». وروَى يَغلَى بنُ أُمَيَّةَ، أنَّ رجلًا أتَى النبىَّ ﷺ ، وهو بالجِعرانَةِ، وعليه جُبَّةٌ، وعليه أثر خَلُوقٍ، أو قال (١): أثر صُفْرَةٍ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، كيف تَأْمُرُنى أن أصْنَعَ في عُمرَتِى؟ قال: «اخْلَعْ عَنْكَ هذه الْجُبَّةَ، وَاغْسِلْ عَنْكَ أثَرَ الخَلُوقِ - أو قال: أثَرَ الصُّفْرَةِ- وَاصنَغ في عُمرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ في حَجِّكَ». مُتَّفَقٌ عليه (٢). وفى لَفظٍ، قال: يا رسولَ اللهِ، أحْرَمْتُ بالعُمرَةِ وعلىَّ هذه الجُبَّةُ. فلم يأْمُرْه بالفِدْيَةِ، مع مَسْألَتِه عَمّا يَصنَعُ، وتَأْخِيرُ البَيانِ عن وَقْتِ الحاجَةِ غيرُ جائِزٍ، دَلَّ على أنَّه عَذَره لجَهْلِه. والنّاسِى في مَعناه. ولأنَّ

стр. 4058

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الحَجَّ عِبادَةٌ يَجِبُ بإفْسادِها الكَفّارَةُ، فكانَ في مَحْظُوراتِه ما يُفَرَّقُ فيه بينَ عَمْدِه وسَهْوه، كالصَّوْمِ. وأمّا الحَلْقُ وقَتْل الصَّيْدِ فهو إتْلاف، ولا يُمْكِن تَلافِيه. إذا ثَبَت ذلك، فإنَّه متى ذَكَر فعليه خَلْعُ اللِّباسِ وغَسْلُ الطيِّبِ في الحالِ، فإن أخَّرَ ذلك عن زَمَنِ الإمْكانِ، فعليه الفِدْيَةُ؛ لأنَّه تَطَيَّبَ ولَبِس مِن غيرِ عُذْرٍ، فأشْبَة المبْتَدِئَ. وإن مَسَّ طِيبًا يَظُنُّه يابِسًا، فبان رَطْبًا، ففيه وَجْهَان؛ أحَدُهما، عليه الفِدْيَةُ؛ لأنَّه قَصَد مَسَّ الطِّيب. والثّانِى، لا فِدْيَةَ عليه؛ لأنَّه جَهِل تَحْرِيمَه، فأشْبَة مَن جَهِل تَحْرِيمَ الطّيِبِ. وإن طُيِّبَ بإذْنِه فعليه الفِدْيَة؛ لأنَّه مَنْسُوبٌ إليه. فإن قِيلَ: فلِمَ لا يَجُوز له اسْتِدامَة الطيِّبِ ههُنا، كالذى تطَيَّبَ قبلَ إحْرامِه؟ قُلْنا: ذلك فِعْلٌ مَنْدُوبٌ إليه، فكانَ له اسْتِدامَته، وههُنا هو مُحَرَّمٌ، وإنَّما سَقَط حُكْمُه بالنِّسْيانِ والجَهْلِ، فإذا زالا ظَهَر حُكْمه، وإن تَعَذَّرَ عليه إزالتُه لإكْراهٍ أو عِلَّةٍ، ولم يَجِدْ مَن يُزِيلُه، فلا فِدْيَةَ عليه، وجَرَى مَجْرَى المُكْرهِ على ابْتِداءِ الطِّيبِ. وحُكْمُ الجاهِل إذا عَلِم حُكْمُ النّاسِى إذا ذَكَر، وحُكْمُ المكْرَهِ حُكْمُ النّاسِى؛ لأنَّه مَقْرون به في الحديثِ الدّالِّ على العَفْوِ. ويُسْتَحَبُّ له أن يُلبِّىَ إذا فَعَل ذلك؛ اسْتِذْكارًا للحَجِّ، واسْتِشْعارًا بإقامَتِه

стр. 4059

وَمَنْ رَفَضَ [٦٨ و] إحْرَامَهُ، ثُمَّ فَعَلَ محْظُورًا، فَعَلَيْهِ فِدَاؤُهُ. ــ عليه ورُجُوعِه إليه. ويُروَى هذا القولُ عن إبراهيمَ النَّخَعِىِّ. وقد ذَكَره الخِرَقِىُّ. ١٢٣١ - مسألة: (ومَن رَفَض إحْرامَه، ثم فَعَل مَحْظُورًا، فعليه فِداؤه) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ التَّحَلُّل مِن الحَجِّ لا يَحْصُلُ إلَّا بأحَدِ ثَلاثَةِ أشْياءَ؛ كمالُ أفْعالِه، أو التَّحَلُّلُ عندَ الحَصْرِ، أو بالعُذْرِ إذا شَرَط. وما عدا هذا فليس له أن يَتَحَلَّل به. ولو نَوَى التَّحَلُّلَ لم يَحِلَّ، ولا يَفسُدُ الإحْرامُ برَفْضِه؛ لأنَّها عِبادَةٌ لا يَخْرُجُ منها بالفَسادِ، فلم يَخْرُجْ برَفْضِها، بخِلافِ سائِرِ العباداتِ. ويَكُونُ الإحْرامُ باقِيًا في حَقِّه، يَلْزَمُه أحْكَامُه، ويَلْزَمُه جَزاءُ كلِّ جِنايَةٍ جَناها. وإن وَطِئَ أفْسَدَ حَجَّه، وعليه لذلك بَدَنَةٌ مع ما

стр. 4060

ومَنْ تَطَيَّبَ قَبْلَ إحْرَامِهِ فِى بَدَنِهِ، فَلَهُ اسْتِدَامَةُ ذَلِكَ فِى إِحْرَامِهِ، وَلَيْسَ لَهُ لُبْسُ ثَوْبٍ مُطَيَّبٍ. ــ وَجَب عليه مِن الدِّماءِ، سواءٌ كان الوَطْءُ قبلَ الجِناياتِ أو بعدَها، فإنَّ الجِنايَةَ على الإحْرامِ الفاسِدِ كالجِنايَةِ على الإحْرامِ الصَّحِيحِ، وليس عليه لرَفْضِ الإحْرامِ شئٌ؛ لأنَّه مُجَرَّدُ نِيَّةٍ لم تُؤَثِّرْ شَيْئًا. ١٢٣٢ - مسألة: (ومَن تَطَيَّبَ قبلَ إحْرامِه في بَدَنِه، فله اسْتِدامَةُ ذلك في إحْرامِهْ، وليسٍ له لُبْسُ ثَوْبٍ مُطَيَّبٍ) يُسْتَحَبُّ لمن أرادَ الإِحْرامَ أن يَتَطَيَّبَ في بَدَنِه خاصَّة، وقد ذَكَرْناه في بابِ الإحْرام (١). وله اسْتِدامَةُ الطِّيبِ في إحْرامِه. قالت عائِشَةُ، رَضِىَ اللهُ عنها: كُنْتُ أُطيِّبُ رسولَ اللهِ ﷺ لإحْرامِه، قبلَ أن يُحْرِمَ. وقالَتْ: كأنّى أنظر إلى وَبِيص الطِّيبِ في مفارِقِ رسولِ اللهِ ﷺ ، وهو مُحْرمٌ. مُتَّفَقٌ عليه (٢). وفى لفظٍ للنَّسائىِّ: كأنِّىْ أنْظُرُ إلى وَبِيص طِيبِ المِسْكِ في مَفْرِقِ رسولِ اللهِ ﷺ

стр. 4061

وَإنْ أَحْرَمَ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ، خَلَعَهُ وَلَم يَشُقَّهُ، ــ قالتْ عائِشَةُ، رَضِىَ الله عنها: كُنّا نَخْرُجُ مع النبىِّ ﷺ إلى مَكَّةَ فنُضَمِّدُ جِباهَنا بالمِسْكِ المُطَيَّب عندَ الإحْرامِ، فإذا عَرِقَت إحْدانا سال على وَجْهِها، فيَراها النبىُّ ﷺ ، فلا يَنْهاها. رَواه أبو داودَ (١). فصل: وليس له لُبْسُ مُطَيَّب بعدَ إحْرامِه، بغيرِ خِلافٍ؛ لقولِ رسولِ اللهِ ﷺ : «لَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرانُ وَلَا الْوَرسُ». مُتَّفَقٌ عليه (٢). فإن لَبس ثَوْبًا مُطَيَّباً، ثم أحْرَمَ، فله اسْتِدامَةُ لُبْسِه، ما لم يَنْزِعْه، فإن نَزَعَه لم يَكَنْ له أن يَلْبَسَه، فإن فَعَل، فعليه الفِدْيَة؛ لأنَّ الإحْرامَ يَمْنَعُ ابْتِداءَ الطّيِبِ ولُبْسَ المُطَيَّبِ، دُونَ اسْتِدامَتِه. وقد ذَكَرْناه، والله تعالى أعْلَمُ. ١٢٣٣ - مسألة: (وإن أحْرَمَ وعليه قَمِيصٌ، خَلَعَه ولم يَشُقَّه ،

стр. 4062

فَإنِ اسْتَدَامَ لُبْسَهُ، فعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ. وَإنْ لَبِس ثَوْبًا كَانَ مُطَيَّبًا، وَانْقَطَعَ رِيحُ الطِّيبِ مِنْهُ، وَكَانَ بِحَيْثُ إِذَا رُشَّ فِيهِ مَاءٌ فَاحَ رِيحُهُ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ. ــ فإنِ اسْتَدامَ لُبْسَه، فعليه الفِدْيَةُ) إذا أحْرَمَ وعليه قمِيصٌ أو سَراوِيلُ أو جُبَّةٌ، خَلَعَه ولم يَشُقَّه، ولا فِدْيَةَ عليه. وبه قال أكْثرُ أهْلِ العِلْم. وقال بعضُهم: إنَّه يَشُقُّ ثِيابَه؛ لئَلَّا يَتَغَطَّى رأْاسُه حينَ ينزِعُ القَمِيصَ منه. ولَنا، ما ذَكَرْناه مِن حديثِ يَعْلَى بنِ أمَيَّةَ، أن رَجلًا أتى النبىَّ ﷺ ، وهو بالجِعْرانَةِ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، أحْرَمْتُ بالعُمْرَةِ، وعلىَّ هذه الجُبَّةُ. فأمَرَه النبىُّ ﷺ بخَلْعِها (١). ولو وَجَب شَقُّها، أو وَجَبَتْ عليه فِدْيَة لأمَرَ بها؛ لأنَّه لا يَجُوزُ تَأْخِيرُ البَيانِ عن وَقْتِ الحاجَةِ. فإنِ اسْتدامَ لُبْسَه، فعليه الفِديَةُ؛ لأنَّ خَلْعَه واجِبٌ؛ لأمْرِ النبىِّ ﷺ به، ولأنَّه مَحْظُورٌ مِن مَحْظُوراتِ الإحرامِ، فوَجَبَ عليه دَمٌ لفِعْلِه، كما لو حَلَق رَأْسَه. ١٢٣٤ - مسألة: (وإن لَبِس ثَوْبًا كان (٢) مُطيَّبًا، فانْقَطَعَ رِيحُ الطّيبِ منه، وكان بحيثُ إذا رُشَّ فيه الماءُ فاحَ رِيحُه، فعليه الفِدْيَةُ) لأنَّه

стр. 4063

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مُطَيَّبٌ، بدَلِيلِ أنَّ رائِحَتَه تَظْهَرُ عندَ رَشِّ الماءِ، والماءُ لا رائِحَةَ له، وإنَّما

стр. 4064

فَصْلٌ: وَكُلُّ هَدْىٍ أَوْ إِطْعَام، فَهُوَ لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ، إِنْ قَدَرَ عَلَى إِيصَالِهِ إِلَيْهِم، إِلَّا فِدْيَةَ الأَذَى وَاللُّبْسِ وَنَحْوَهَا، إِذَا وُجِدَ سَبَبُهَا فِى الْحِلِّ، فيُفَرِّقُهَا حَيْثُ وُجِدَ سَبَبُهَا. وَدَمُ الإِحْصَارِ يُخْرِجُهُ حَيْثُ أُحْصِرَ. ــ هو مِن الطِّيبِ الذى فيه، فلَزِمَتْه الفِدْيَةُ، كما لو ظَهَرَتْ بنَفْسِها. فصلْ: قال ﵀: (وكلُّ هَدْىٍ أو إطْعام، فهو لمساكِينِ الحَرَمِ، إذا قَدَر على إيصالِه إليهم، إلَّا فِدْيَةَ الأذَى واللُّبْسِ ونَحْوَها، إذا وُجدَ سَبَبُها في الحِلِّ، فيُفَرِّقُها حيثُ وحدَ سَبَبُها. ودَمُ الإحْصارِ يُخْرِجُه حيثُ أُحْصِرَ) الهَدايا والضَّحايا مُخْتَصَّةٌ بمَساكِينِ الحَرَمِ؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (١). وكذلك جَزاءُ المَحْظُوراتِ، إذا فَعَلَها في الحَرَمِ. نَصَّ عليه أحمدُ، ﵀، فقالَ: أمّا إذا كان بمَكَّةَ، أو كان مِن الصَّيْدِ، فكلُّه بمَكَّةَ؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٢). وذَكَر القاضى في قَتْلِ الصَّيْدِ رِوايَةً أُخْرَى، أنَّه يَفدِى حيثُ قَتَلَه، كحَلْقِ الرَّأُسِ. وهذا يُخالِفُ نصَّ الكِتابِ،

стр. 4065

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومَنْصُوصَ أحمدَ، فلا يُعَوَّلُ عليه. وما وَجَب لتَرْكِ نُسُكٍ أو فَواتٍ فهو لمساكِينِ الحَرَمِ دُونَ غيرِهم؛ لأنَّه هَدْىٌ وَجَب لتَرْكِ نُسُكٍ، أشْبَهَ دَمَ القِرانِ. وقال ابنُ عَقِيلٍ، في مَن فَعَل المَحْظُورَ لغيرِ سَبَبٍ يُبِيحُه: إنَّه يَخْتَصُّ ذَبْحُه وتَفْرِقَةُ لَحْمِه بفُقَراءِ الحَرَمِ، كسائِرِ الهَدْىِ. فصل: وما وَجَب نحْره بالحَرَمِ، وَجَب تَفْرِقَةُ لَحْمِه به. وبهذا قال الشافعىُّ. وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ: إذا ذَبَحَها في الحَرَمِ، جاز تَفْرِقَةُ لَحْمِها في الحِلِّ. ولَنا، أنَّه أحَدُ مَقْصُودَىِ النُّسُكِ، فاخْتَصَّ بالحَرَمِ، كالذَّبْحِ، ولأنَّ المَقْصُودَ مِن ذَبْحِه بالحَرَمِ التَّوْسِعَةُ على مَساكِينِه، ولا يَحْصُلُ بإعْطائِه غيرَهم. والطَّعامُ كالهَدْىِ في اخْتِصاصِه بفُقَراءِ الحَرَمِ، فيما يَخْتَصُّ الهَدْىُ به. وقال عَطاءٌ، والنَّخَعِىُّ: الهَدْىُ بمَكَّةَ، وما كان مِن طَعام أو صِيام، فحيثُ شاء. ويَقْتَضِيه مَذْهبُ مالكٍ، وأبي حنيفةَ. ولَنا، قولُ ابنِ عباسٍ، رَضِىَ الله عنهما: الهَدْىُ والإطْعامُ بمَكَّةَ، والصَّوْمُ حيثُ شاء. ولأنَّه نُسُكٌ يَتَعَدَّى نَفْعُه إلى المساكِينِ، فاخْتصَّ بالحَرَمِ، كالهَدْىِ.
следующие страницы →