وَإنْ أَحْرَمَ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ، خَلَعَهُ وَلَم يَشُقَّهُ،
ــ
قالتْ عائِشَةُ، رَضِىَ الله عنها: كُنّا نَخْرُجُ مع النبىِّ ﷺ إلى مَكَّةَ فنُضَمِّدُ جِباهَنا بالمِسْكِ المُطَيَّب عندَ الإحْرامِ، فإذا عَرِقَت إحْدانا سال على وَجْهِها، فيَراها النبىُّ ﷺ ، فلا يَنْهاها. رَواه أبو داودَ (١).
فصل: وليس له لُبْسُ مُطَيَّب بعدَ إحْرامِه، بغيرِ خِلافٍ؛ لقولِ رسولِ اللهِ ﷺ : «لَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرانُ وَلَا الْوَرسُ». مُتَّفَقٌ عليه (٢). فإن لَبس ثَوْبًا مُطَيَّباً، ثم أحْرَمَ، فله اسْتِدامَةُ لُبْسِه، ما لم يَنْزِعْه، فإن نَزَعَه لم يَكَنْ له أن يَلْبَسَه، فإن فَعَل، فعليه الفِدْيَة؛ لأنَّ الإحْرامَ يَمْنَعُ ابْتِداءَ الطّيِبِ ولُبْسَ المُطَيَّبِ، دُونَ اسْتِدامَتِه. وقد ذَكَرْناه، والله تعالى أعْلَمُ.
١٢٣٣ - مسألة: (وإن أحْرَمَ وعليه قَمِيصٌ، خَلَعَه ولم يَشُقَّه ،
стр. 4062
فَإنِ اسْتَدَامَ لُبْسَهُ، فعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ. وَإنْ لَبِس ثَوْبًا كَانَ مُطَيَّبًا، وَانْقَطَعَ رِيحُ الطِّيبِ مِنْهُ، وَكَانَ بِحَيْثُ إِذَا رُشَّ فِيهِ مَاءٌ فَاحَ رِيحُهُ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ.
ــ
فإنِ اسْتَدامَ لُبْسَه، فعليه الفِدْيَةُ) إذا أحْرَمَ وعليه قمِيصٌ أو سَراوِيلُ أو جُبَّةٌ، خَلَعَه ولم يَشُقَّه، ولا فِدْيَةَ عليه. وبه قال أكْثرُ أهْلِ العِلْم. وقال بعضُهم: إنَّه يَشُقُّ ثِيابَه؛ لئَلَّا يَتَغَطَّى رأْاسُه حينَ ينزِعُ القَمِيصَ منه. ولَنا، ما ذَكَرْناه مِن حديثِ يَعْلَى بنِ أمَيَّةَ، أن رَجلًا أتى النبىَّ ﷺ ، وهو بالجِعْرانَةِ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، أحْرَمْتُ بالعُمْرَةِ، وعلىَّ هذه الجُبَّةُ. فأمَرَه النبىُّ ﷺ بخَلْعِها (١). ولو وَجَب شَقُّها، أو وَجَبَتْ عليه فِدْيَة لأمَرَ بها؛ لأنَّه لا يَجُوزُ تَأْخِيرُ البَيانِ عن وَقْتِ الحاجَةِ. فإنِ اسْتدامَ لُبْسَه، فعليه الفِديَةُ؛ لأنَّ خَلْعَه واجِبٌ؛ لأمْرِ النبىِّ ﷺ به، ولأنَّه مَحْظُورٌ مِن مَحْظُوراتِ الإحرامِ، فوَجَبَ عليه دَمٌ لفِعْلِه، كما لو حَلَق رَأْسَه.
١٢٣٤ - مسألة: (وإن لَبِس ثَوْبًا كان (٢) مُطيَّبًا، فانْقَطَعَ رِيحُ الطّيبِ منه، وكان بحيثُ إذا رُشَّ فيه الماءُ فاحَ رِيحُه، فعليه الفِدْيَةُ) لأنَّه
فَصْلٌ: وَكُلُّ هَدْىٍ أَوْ إِطْعَام، فَهُوَ لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ، إِنْ قَدَرَ عَلَى إِيصَالِهِ إِلَيْهِم، إِلَّا فِدْيَةَ الأَذَى وَاللُّبْسِ وَنَحْوَهَا، إِذَا وُجِدَ سَبَبُهَا فِى الْحِلِّ، فيُفَرِّقُهَا حَيْثُ وُجِدَ سَبَبُهَا. وَدَمُ الإِحْصَارِ يُخْرِجُهُ حَيْثُ أُحْصِرَ.
ــ
هو مِن الطِّيبِ الذى فيه، فلَزِمَتْه الفِدْيَةُ، كما لو ظَهَرَتْ بنَفْسِها.
فصلْ: قال ﵀: (وكلُّ هَدْىٍ أو إطْعام، فهو لمساكِينِ الحَرَمِ، إذا قَدَر على إيصالِه إليهم، إلَّا فِدْيَةَ الأذَى واللُّبْسِ ونَحْوَها، إذا وُجدَ سَبَبُها في الحِلِّ، فيُفَرِّقُها حيثُ وحدَ سَبَبُها. ودَمُ الإحْصارِ يُخْرِجُه حيثُ أُحْصِرَ) الهَدايا والضَّحايا مُخْتَصَّةٌ بمَساكِينِ الحَرَمِ؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (١). وكذلك جَزاءُ المَحْظُوراتِ، إذا فَعَلَها في الحَرَمِ. نَصَّ عليه أحمدُ، ﵀، فقالَ: أمّا إذا كان بمَكَّةَ، أو كان مِن الصَّيْدِ، فكلُّه بمَكَّةَ؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٢). وذَكَر القاضى في قَتْلِ الصَّيْدِ رِوايَةً أُخْرَى، أنَّه يَفدِى حيثُ قَتَلَه، كحَلْقِ الرَّأُسِ. وهذا يُخالِفُ نصَّ الكِتابِ،
стр. 4065
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومَنْصُوصَ أحمدَ، فلا يُعَوَّلُ عليه. وما وَجَب لتَرْكِ نُسُكٍ أو فَواتٍ فهو لمساكِينِ الحَرَمِ دُونَ غيرِهم؛ لأنَّه هَدْىٌ وَجَب لتَرْكِ نُسُكٍ، أشْبَهَ دَمَ القِرانِ. وقال ابنُ عَقِيلٍ، في مَن فَعَل المَحْظُورَ لغيرِ سَبَبٍ يُبِيحُه: إنَّه يَخْتَصُّ ذَبْحُه وتَفْرِقَةُ لَحْمِه بفُقَراءِ الحَرَمِ، كسائِرِ الهَدْىِ.
فصل: وما وَجَب نحْره بالحَرَمِ، وَجَب تَفْرِقَةُ لَحْمِه به. وبهذا قال الشافعىُّ. وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ: إذا ذَبَحَها في الحَرَمِ، جاز تَفْرِقَةُ لَحْمِها في الحِلِّ. ولَنا، أنَّه أحَدُ مَقْصُودَىِ النُّسُكِ، فاخْتَصَّ بالحَرَمِ، كالذَّبْحِ، ولأنَّ المَقْصُودَ مِن ذَبْحِه بالحَرَمِ التَّوْسِعَةُ على مَساكِينِه، ولا يَحْصُلُ بإعْطائِه غيرَهم. والطَّعامُ كالهَدْىِ في اخْتِصاصِه بفُقَراءِ الحَرَمِ، فيما يَخْتَصُّ الهَدْىُ به. وقال عَطاءٌ، والنَّخَعِىُّ: الهَدْىُ بمَكَّةَ، وما كان مِن طَعام أو صِيام، فحيثُ شاء. ويَقْتَضِيه مَذْهبُ مالكٍ، وأبي حنيفةَ. ولَنا، قولُ ابنِ عباسٍ، رَضِىَ الله عنهما: الهَدْىُ والإطْعامُ بمَكَّةَ، والصَّوْمُ حيثُ شاء. ولأنَّه نُسُكٌ يَتَعَدَّى نَفْعُه إلى المساكِينِ، فاخْتصَّ بالحَرَمِ، كالهَدْىِ.
стр. 4066
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ومَساكِين الحَرَمِ مَن كان فيه مِن أهْلِه، ومَن وَرَد إليه مِنِ الحاجِّ وغيرِهم، وهم الذين تُدْفَع إليهم الزكاة لحاجَتِهم (١). فإن دَفَع إلى فَقِيرٍ في ظَنِّه، فبان غَنِيًّا، خُرِّجَ فيه وَجْهان، كالزكاةِ. وللشافعىِّ فيه قَوْلان. وما جَاز تَفْرِقَتُه بغيرِ الحَرَم، لم يَجُزْ دَفْعُه إلى فقَراءِ أهْلِ الذِّمَّةِ. وبه قال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وجَوًّزه أصحابُ الرَّأُىِ. ولَنا، أنَّه كافِرٌ، فلم يَجُزْ الدَّفْعُ إليه، كالحَرْبىِّ.
فصل: فإن عَجَز عن إيصالِه إلى فقَراء الحَرَمِ، جاز ذَبْحُه وتَفْرِيقُه في غيرِه، لقَوْلِه سُبْحانَه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٢). فإن مُنِع النّاذِرُ الوُصُولَ بنَفْسِه، وأمْكَنَه تَنفِيذُه، لَزِمَه. وقال ابن عَقِيلٍ:
стр. 4067
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يُخَرَّجُ في الهَدْىِ المَنْذُورِ إذا عَجَز عن إيصالِه رِوايَتان، كدِماءِ الحَجِّ. والصَّحِيحُ الجَوازُ.
فصل: فأمّا فِدْيَة الأذَى، إذا وُجِدَ سَبَبُها في الحِل، فيَجُوزُ في المَوْضِع الذى حَلَق فيه. نصَّ عليه أحمدُ. وقال الشافعىُّ: لا يَجُوزُ إلَّا في الحَرَمِ؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾. ولَنا، أنَّ النبىَّ ﷺ أمَرَ كَعْبَ بنَ عُجْرةَ بالفِدْيَةِ بالحُدَيْبيِة، وهى مِن الحِلِّ، ولم يَأمُرْه ببَعْثِه إلى الحَرَمِ (١). وروَى الأثْرَم والجُوزْجانىُّ، في كِتابَيْهما، عن أبى أسْماءَ،
стр. 4068
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَوْلَى عبدِ اللهِ بنِ جعْفَرٍ، رَضِىَ الله عنهما، قال: كُنْتُ مع عثمانَ وعلىِّ وحُسَيْنِ بنِ علىٍّ، رَضِىَ الله عنهم، حُجّاجًا، فاشْتَكَى حُسَيْنُ بنُ علىٍّ بالسُّقْيَا، فأوْمَأ بيَدِه إلى رَأْسِه فحَلَقه علىًّ، ونَحَر عنه جَزُورًا بالسُّقْيا. وهذا لفظُ رِوايَةِ الأثْرَمِ. ولم يُعْرَفْ لهم مُخالِفٌ. والآيَةُ وَرَدَتْ في الهَدْىِ. وحُكْمُ اللُّبْسِ والطِّيبِ حُكْمُ الحَلْقِ إذا وُجِدَ في الحِلِّ. ذَكَرَه القاضى قِياسًا عليه، وقال: فيه وفى الحَلْقِ رِوايَتان؛ إحْداهما، يَفْدِى حيثُ وُجِدَ سَبَبُه، والثّانِيَةُ، مَحِلُّ الجمِيعِ الحَرَمُ. حَكاهما ابنُ أبى موسى في «الإرْشاد».
стр. 4069
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فأمّا دَمُ الإحْصارِ، فيُخْرِجُه حيث إحْصِر؛ مِن حِلٍّ أو حَرَمٍ. نَص عليه أحمدُ. وهو قولُ مالكٍ، والشافعىِّ. فإن كان قادِرًا على أطرافِ الحَرَمِ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَلْزَمُه نَحْره فيه؛ لأنَّ الحَرَمَ كلَّه مَنْحَرٌ، وقد قَدَر عليه. والثّاني، يَنْحَره في مَوْضِعِه؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ نَحَر هَدْيَه في مَوْضِعِه (١). وعن أحمدَ، ﵀: ليس للمُحْصَرِ نَحْرُ هَدْيِه إلَّا في الحَرَم، فيَبْعَثُه إلى الحَرَمِ، ويُواطِى رجلًا على نَحْرِه في وَقتِ يَتَحَلَّلُ. وهذا يُرْوَى عن ابنِ مَسْعُودٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، في مَن لُدِغَ في الطَّرِيقِ. ورُوِىَ ذلك عن الحسنِ، والشَّعْبِىِّ، وعَطاءٍ، لأنَّه أمْكَنَه النَّحْرُ في الحَرَمِ، أشبهَ ما لو حُصِرَ فيه. قال شيخُنا (٢): وهذا، والله أعْلَمُ، في مَن كان حَصْرُه خاصًّا، أمّا الحَصْرُ العامُّ فلا يَنْبَغِى أن يَقُولَه أحَدٌ؛ لأنَّ ذلك يُفْضِى إلى تَعَذرِ الحِل، لِتَعَذرِ وُصُولِ الهَدْىِ إلى مَحلهِ، ولأنَّ النبىَّ ﷺ وأصْحابَه نَحَرُوا هَداياهم بالحُدَيْبِيةِ، وهى مِن الحِلِّ. قال
стр. 4070
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
البخاريُّ، ومالكٌ (١): إن النبى ﷺ وأصحابَه حَلَقُوا، وحَلُّوا مِن كلِّ شئٍ، قبلَ الطَّوافِ، وقبلَ أن يَصِلَ الهَدْىُ إلى البَيْتِ. ولم يُذْكَرْ أنَّ النبىَّ ﷺ أمَرَ أحَدًا أن يَقْضِىَ شيئًا، ولا أن يَعُودَ له. ويروَى أن النبى ﷺ نَحَر هَدْيَه عندَ الشجَرَةِ التى كانَتْ تَحتَها بَيْعَةُ الرضْوانِ. وهي مِن الحِلِّ بِاتِّفاقِ أهْلِ السيرِ والنقْلِ. وقد دَلَّ عليه قَولُه سُبْحانَه: ﴿وَالْهَدْىَ مَعْكُوفًا أن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ (٢). ولأنَّه مَوْضِعُ حِلِّه، فكانَ مَوْضِعَ نحْرِه، كالحَرَمِ. فإن قِيلَ: فقد قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رءُوسَكُمْ حَتى يبلُغ الْهَدْىُ مَحِلهُ﴾. وقال: ﴿ثم مَحِلهَآ إلَى الْبَيْتِ الْعَتِيق﴾. ولأنَّه ذبْحٌ يَتَعَلَّقُ بالإحْرامِ، فلم يَجُزْ في غيرِ الحَرَمِ، كجَزاءِ الصَّيْدِ. قُلْنا: الآيةُ في حَقِّ غيرِ المُحْصَر، وَلا يُمْكِنُ قِياسُ المُحْصَرِ عليه؛ لأنَّ تحَلُّلَ المُحْصَرِ في الحِل، وتَحَلُّلَ غيرِه في الحَرَمِ، وكلُّ منهما يَنْحَرُ في مَوْضع تَحَلُّلِه. وقد قِيلَ في قَوْلِه تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾. أى حتى يُذْبَحَ. وذَبْحُه في حَقِّ المُحْصَرِ في مَوْضع حِلِّه؛ اقْتِداءً بالنبىِّ ﷺ .
стр. 4071
وَأما الصِّيَامُ، فَيُجْزِئُهُ بِكُلِّ مَكَانٍ. وَكُلُّ دَمٍ ذَكَرْنَاهُ، يُجْزِئُ فِيهِ شَاةٌ أوْ سُبْعُ بَدَنَةٍ. وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ، أَجْرأَتْهُ بَقَرَةٌ.
ــ
١٢٣٥ - مسألة: (وأمّا الصيامُ، فَيُجْزِئُه بكلِّ مَكانٍ) لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. كذلك قال ابنُ عباس، وعَطاءٌ، والنخَعِىُّ، وغيرُهم؛ وذلك لأنَّ الصيامَ لا يَتَعَدَّى نَفْعُه إلي أحَدٍ، فلا مَعْنَى لتَخْصِيصِه بمَكانٍ، بخِلافِ الهَدْىِ والإطْعامِ، فإن نَفْعَه يَتَعَدَّى إلى المُعْطَى. والله تعالى أعْلَمُ.
١٢٣٦ - مسألة: (وكلُّ دَمِ ذَكَرْناه، يُجْزِئُ فيه شاةٌ أو سُبْعُ بَدَنَةٍ. ومَن وَجَبَتْ عليه بَدَنَةٌ، أجْزأتْه بَقَرَةٌ) كلُّ مَن وَجَب عليه دَمٌ، أجْزَأهُ ذَبْحُ شاةٍ، أو سُبْعُ بَدَئةٍ، أو بَقَرَةٍ؛ لقَوْلِه سُبْحانَه في المُتَمَتِّعِ: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. قال ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللهُ عنهما: شاةٌ، أو شِرْكٌ في دَمٍ. وقال تعالى في فِدْية الأذَى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. وفَسَّرَه النبىُّ ﷺ ، في حديثِ كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ، بذَبْحِ
стр. 4072
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شاةٍ. وما سِوَى هذَيْن مَقِيسٌ عليهما، فإنِ اخْتارَ ذَبْحَ بَدَنَةٍ، فهو أفْضَلُ؛ لأنَّها أوْفَرُ لَحْمًا، وأنفَعُ للفُقَراءِ. وهل تَكُونُ كلُّها واجِبَةً؟ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، تكونُ واجِبَةً. اختاره ابنُ عَقِيلٍ؛ لأنَّه اختار الأعْلَى لأداءِ فَرضِه، فكان كلُّه واجِبًا، كا لو اخْتارَ الأعْلَى مِن خِصالِ الكَفّارَةِ. والثّانِى، يَكُونُ سُبْعُها واجِبًا، والباقِى تَطَوُّعٌ، له أكْلُه وهدِيته؛ لأنَّ الزّائِدَ على السُّبْع يَجُوزُ تَركُه مِن غيرِ شَرطٍ ولا بَدَلٍ، أشْبَهَ ما لو ذَبَح سَبْعَ شياهٍ.
فصل: ولا يُجزِئُه إلَاّ الجَذَعُ مِن الضَّأنِ، والثَّنِىُّ مِن غيرِه. والجَذَعُ، ما له سِتَّةُ أشْهُرٍ، والثَّنِىُّ مِن المَعزِ، ما له سَنَةٌ، ومِن البَقَرِ ما له سَنَتان، ومِن الإِبِلِ ما له خمسُ سِنِين. وبه قال مالك، واللَّيْثُ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ. وقال ابنُ عُمَرَ، والزُّهْرِىُّ: لا يُجْزئ إلَاّ الثَّنِىُّ مِن كلِّ شَئ. وقال عَطاءٌ، والأوْزاعِىُّ:
стр. 4073
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يُجْزِئُ الجَذَعُ مِن الكلِّ إلَاّ المَعْزَ. ولَنا على الزُّهْرِىِّ، ما رُوِىَ عن [أمِّ بِلالٍ] (١) بنتِ هِلالٍ، عن أبِيها، أن رسولَ اللهِ ﷺ ، قال: «يَجُوزُ الجَذَعُ مِن الضَّأْنِ أُضْحِيَة». وعن عاصِمِ بنِ كُلَيْبٍ، عن أبِيهِ، قال: كُنّا مع رجلٍ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، يُقالُ له: مُجاشِعُ بنُ سُلَيْم، فعَزَّتِ الغَنَمُ، فأمَرَ مُنادِيًا، فنادَى: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يَقُولُ: «إنَّ الجَذَعَ يُوفِى مِما تُوفِى مِنْهُ الثَّنِيَّةُ». رَواهما ابنُ ماجه (٢). وعن جابِرٍ، رَضِىَ الله عنه، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ له: «لَا تذْبَحُوا إلَاّ مُسنةً، إلَاّ أنْ يَعسُرَ علَيْكُف فَتَذْبَحُوا جَذَعًا مِنَ الضَّأنِ». رَواه مسلمٌ (٣). وهذا حُجَّةً على عَطاءٍ، والأوْزاعِىِّ. وحديثُ أبى بُرْدَةَ بنِ نِيَارٍ، قال:
стр. 4074
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يا رسولَ الله، إنَّ عِنْدِى عَناقًا جَذَعًا، هى خَيْرٌ مِن شاتَىْ لَحْمٍ. قال: «تُجْزِئُكَ، وَلَا تُجْزئُ أحَدًا بَعْدَكَ». رَواه أبو داودَ والنَّسائيُّ (١). ولا يُجْزئ فيها المَعِيبُ الذى يَمنعُ مِن الإجْزاءِ في الهدىِ والأضاحِى، قِياسًا (٢) عليها.
فصل: ومَن وَجَبَتْ عليه بَدَنَة، أجْزَأتْه بَقَرَةٌ إذا كان في غيرِ النَّذْرِ وجَزاءِ الصيدِ؛ لِما روَى أبو الزُّبَيْرِ، عن جابِر، قال: كُنّا نَنْحَرُ البَدَنَةَ عن سَبْعَةٍ. فقيلَ له: والبَقَرَة؟ قال: وهل هى إلَّا مِن البُدْنِ. رَواه مسلم (٣). فأمّا في النَّذْرِ، فقالَ ابنُ عَقِيلٍ: يَلْزَمُه ما نَواه. فإن أطْلَقَ، ففيه رِوايَتان؛ إحداهُما، هو مُخير؛ لِما ذَكَرْنا مِن الخَبَرِ. والأُخْرَى، لا تُجْزِئُه، إلَاّ مع عَدَمِ البَدَنَةِ. وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنها بَدَل، فاشْتُرِطَ عَدَمُ المُبْدَلِ لها. قال شيخُنا (٤): والأولَى أوْلَى؛ للخَبَرِ، ولأنَّ ما أجْزَأ عن سَبْعَةٍ في الهدايا ودَمِ المُتْعَةِ، أجْزَأ في النَّذْرِ بلَفْظِ البَدَنَةِ، كالجَزُورِ.
стр. 4075
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإن كان في جَزاءِ الصَّيْدِ أجْزَأتْ أيْضًا؛ لحديثِ جابرٍ. اخْتاره شيخُنا. ويَحْتَمِلُ أن لا تُجْزِى؛ لأنَّ البَقَرَةَ لا تُشْبِهُ النعامَةَ. ومَن وَجَبَتْ عليه بَدَنَةٌ، أجْزَأه سَبْع مِن الغَنَمِ. ذَكَره الخِرَقِىُّ. سَواء كانَتْ مِن جَزاءِ الصَّيْدِ، أو مَنْذُورَةً، أو فديَةَ الوَطْءِ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: إنّما تُجْزِئُ عنها عندَ عَدَمِها في ظاهِرِ كَلامِ أحمدَ، ﵀؛ لأنَّه بدَل، فلا يُصارُ إليه مع وُجُودِها، كسائِرِ الأبدالِ. فأمّا عندَ عَدَمِها فيَجُوزُ؛ لِما روَى ابنُ عباسٍ، رَضِىَ الله عنه، قال: أتى النبىَّ ﷺ رجلٌ، فقالَ: إنَّ علىَّ بَدَنَةً، وأنا مُوسِرٌ لها، ولا أجِدُها فأشْتَرِيَها. فأمَره النبىُّ ﷺ أن يَبْتاعَ سَبْعَ شِيَاهٍ فيَذْبَحَهُنَّ. رَواه ابنُ ماجه (١). وعنه، لا يُجْزِئُه أقَلُّ مِن عَشْرِ شِياهٍ؛ لأنَّهم كانُوا يَعدِلُونها في الغَنِيمَةِ بعَشْرٍ كذلك. هذا، والأوَّلُ أوْلَى؛ للخَبَرِ. ولَنا، أنَّ الشاةَ معدُولَةٌ بِسُبْعِ بَدُنَةٍ، وهىٍ أطْيَبُ لَحمًا، فإذا عَدَل إلى الأعْلَى، أجْزَأه، كما لو ذَبَح عن الشَّاةِ بَدَنَة.
فصل: ومَن وَجَبَتْ عليه سَبْعٌ مِن الغَنَمِ أجْزأتْه بَدَنَةٌ أو بَقَرَةٌ، إن كان
стр. 4076
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في كَفّارَةِ مَحْظُورٍ؛ لأنَّ الواجِبَ فيه ما اسْتَيْسَرَ مِن الهدي، وهو شاةٌ أو سُبْعُ بَدنةٍ، وقد كان أصحابُ رسولِ الله ﷺ يَتَمَتَّعُون، فيَذْبَحُون البَقَرَةَ عن سَبْعَةٍ. قال جابِرٌ: أمَرَنا رسولُ اللهِ ﷺ أن نَشْتَرِكَ في الإبِلِ والبَقَرِ، كلُّ سَبْع منّا في بَدَنَةٍ. رَواه مسلم (١). فأمّا إن وَجَب عليه سَبع مِن الغنَمِ في جَزاءِ الصيدِ، فقالَ شيخُنا (٢): لا تُجْزِئُه البَدَنةُ في الظّاهِرِ؛ لأنَّ الغنَمَ أطْيَبُ لَحْمًا، فلا يَعدِلُ عن الأعلَى إلى الأدْنَى.
فصل: ومَن وَجَبَتْ عليه بَقَرَةٌ، أجْزَأتْه بَدَنَة؛ لأنَّها أكْثَرُ لَحْمًا وأوْفَرُ. ويُجْزِئُه سَبْعٌ مِن الغَنَمِ، إذا قُلْنا: يُجْزئُ عن البَدَنَةِ. بطَرِيقِ الأوْلَى. وإن كانَتِ البَقَرَةُ مَنْذُورَةً، احتَمَلَ، على ما حَكاه ابنُ عَقِيلٍ، أن لا تُجْزِئَه سَبْع مِن الغنَمِ مع وُجُودِها،؛ لو كان المَنْذُورُ بَدَنةً. والله تعالى أعلَمُ.
стр. 4077
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م
المكتب: ٤ ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة
تليفون: ٣٤٥٢٥٧٩ - فاكس: ٣٤٥١٧٥٦
المطبعة: ٢، ٦ ش عبد الفتاح الطويل
أرض اللواء - تليفون: ٣٤٥٢٩٦٣
ص. ب: ٦٣ إمبابة
стр. 4078
يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه
أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته
стр. 4079
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ
وَهُوَ ضَربَانِ، أَحَدُهُمَا، لَهُ مِثْلٌ مِنَ النَّعَمِ، فَيَجِبُ فِيهِ مِثْلُهُ. وَهُوَ نَوْعَانِ، أَحَدُهُمَا، مَا قَضَتْ فِيهِ الصَّحَابَةُ، فَفِيهِ [٦٨ ظ] مَا قَضَتْ؛
ــ
بابُ جَزاءِ الصَّيْدِ
(وهو ضَربان؛ أحَدُهما، له مِثْلٌ مِن النَّعَمِ، فَيَجِبُ مِثْلُه. وهو نَوْعان؛ أحَدُهما، قَضَتْ فيه الصَّحابَةُ، ففيه ما قَضَتْ) يَجِبُ على المُحْرِمِ الجَزاءُ بقَتْلِ صيْدِ البَرِّ بمِثْلِه مِن النَّعَمِ، إن كان له مِثْلٌ. هذا قولُ أكثَرِ أهْلِ العِلْمِ، منهم الشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: الواجِبُ القِيمَةُ، ويَجُوزُ صَرْفُها إلى المِثْلِ؛ لأنَّ الصَّيْدَ ليس بمِثْلِىٍّ. ولَنا، قَوْلُه تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (١). وجَعَل النبىُّ ﷺ في الضبع كَبْشًا (٢). وأجْمَعَ الصَّحابَةُ، رَضِىَ اللهُ عنهم، على إيجابِ المِثْلِ، فقال
стр. 4080
فَفِى النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ،
ــ
عُمَرُ، وعلىٌّ، وعثمانُ، وزَيْدٌ، وابنُ عباسٍ، ومُعاوِيَةُ: في النَّعامَةِ بَدَنَةٌ. وحَكَم عُمَرُ وعلىٌّ في الظَّبْىِ بِشاةٍ. وحَكَم عُمَرُ في حِمارِ الوَحْشِ ببَقَرَةٍ. حَكَمُوا بذلك في الأزْمِنَةِ المُخْتَلِفَةِ، والبُلْدانِ المُتَفَرِّقَةِ، فدَلَّ على أنَّ ذلك ليس على وَجْهِ القِيمَةِ؛ لأنَّه لو كان على وَجْهِ القِيمَةِ لاعتَبَرُوا صِفَةَ المُتْلَفِ التى تَخْتَلِفُ بها (١) القِيمَةُ، إمّا برُؤْيَةٍ أو إخْبارٍ، ولم يُنْقَلْ عنهم السُّؤالُ عن ذلك حالَ الحُكْمِ، ولأنَّهم حَكَمُوا في الحَمامِ بشاةٍ، والحَمَامَةُ لا تَبْلُغُ قِيمَةَ الشّاةِ غالِبًا. إذا ثَبَت هذا، فليس المُرادُ حَقِيقَةَ المُماثَلَةِ، فإنَّها لا تَتَحَقَّقُ بينَ الأنْعامِ والصَّيْدِ، لكنْ أُرِيدَ المُماثَلَةُ مِن حيثُ الصُّورَةُ. والمِثْلِىُّ مِن الصَّيْدِ قِسمان؛ أحَدُهما، قَضَتْ فيه الصَّحابَةُ، فيَجِبُ قيه ما قَضَتْ. وبه قال عَطاءٌ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ. وقال مالكٍ: يُسْتَأنَفُ الحُكْمُ فيه؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿يحكُمُ بِهِ ذَوَا عَدلٍ منكُم﴾. ولَنا، قولُ النبىِّ ﷺ : «أصْحَابِى
стр. 4081
وَفِى حِمَارِ الْوَحْشِ، وبَقَرَتِهِ، وَالأَيِّلِ، وَالثَّيْتَلِ، وَالْوَعْلِ بَقَرَةٌ،
ــ
كالنُّجُومِ، بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» (١). وقال: «اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنَ مِنْ بَعْدِى، أبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ» (٢). ولأنَّهم أقْرَبُ إلى الصَّوابِ، وأبْصَرُ بالعِلْمِ، فكانَ حُكْمُهم حُجَّةً على غيرِهم، كالعالِمِ مع العامِّىِّ، فالذى بَلَغَنا قَضاؤهم فيه النَّعامَةُ. حَكَم فيها عُمَرُ، وعلىٌّ، وعثمانُ، وزَيْدٌ، وابنُ عباسٍ، ومُعاوِيَةُ، رَضِىَ الله عنهم، بِبَدَنَةٍ. وبه قال عَطاءٌ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأكْثَرُ العُلَماءِ. وحُكِىَ عن النَّخَعِىِّ، أنَّ فيها قِيمَتَها. وبه قال أبو حنيفةَ. وخالَفَه في ذلك صاحِباه. واتِّباعُ النَّصِّ والآثارِ أوْلَى. ولأنَّ النَّعامَةَ تُشْبِهُ البَعِيرَ في خَلْقِه، فكانَ مِثْلًا لها، فيَدخُلُ في عُمُومِ النَّصِّ. وفى حِمارِ الوَحشِ بَقَرَةٌ. رُوِىَ ذلك عن عُمَرَ. وبه قال عُروَةُ، ومُجاهِدٌ، والشافعىُّ. وعن أحمدَ، فيه بَدَنَةٌ. رُوِىَ ذلك عن أبِى عُبَيْدَةَ، وابنِ عباس. وبه قال عَطاء، والنَّخَعِىُّ. وفى بَقَرَةِ الوَحْشِ بَقَرَةٌ. رُوِىَ ذلك عن ابنِ مسعودٍ، وعَطاءٍ، وعُروةَ، وقَتَادَةَ، والشافعىِّ. والأيِّلُ (٣) فيه
стр. 4082
وَفِى الضَّبُعِ كَبْشٌ،
ــ
بَقَرَةٌ، قاله ابنُ عباسٍ. قال أصْحابُنا: في الثَّيْتَلِ (١) والوَعْلِ بقَرَةٌ كالأيِّلِ. والأرْوَى (٢) فيها بَقَرَةٌ. قاله ابنُ عُمَرَ. وقال القاضى: فيها عَضْبٌ؛ وهو مِن أوْلادِ البَقَرِ ما بَلَغ أن يُقْبَضَ (٣) على قَرْنِه، ولم يَبْلُغْ أن يَكُونَ ثَوْرًا. وفى الضَّبُعِ كَبْشٌ لِما روَى أبو داودَ (٤) عن جابِرٍ، أنَّ النبىَّ ﷺ جَعَل في الضَّبُعِ يَصِيدُها المُحْرِمُ كَبْشًا. قال أحمدُ: حَكَم رسولُ اللهِ ﷺ في الضَّبُعِ بكَبْشٍ، وقَضى به عُمَرُ، وابنُ عباسٍ. وبه
стр. 4083
وَفِى الْغَزَالِ وَالثَّعْلَبِ عَنْزٌ،
ــ
قال عَطاءٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال الأوْزاعِىُّ: كان العُلَماءُ بالشّام يَعُدُّونها مِن السِّباعِ، ويَكْرَهُون أكْلَها. وهو القِياسُ، إلَّا أنَّ اتِّباعَ السُّنَّةِ والآثارِ أوْلَى. وفى الغَزالِ شاةٌ. ثَبَت ذلك عن عُمَرَ. ورُوِىَ عن علىٍّ. وبه قال عَطاءٌ، وعُرْوَةُ، والشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ. ولا يُحْفَظُ عن غيرِهم خِلافُهم. وقد روَى جابِرٌ عن النبىِّ ﷺ ، أنَّه قال: «فِى الظَّبْىِ شَاةٌ، وَفِى الأرْنَبِ عَنَاقٌ (١)، وَفِى الْيَرْبُوعِ (٢) جَفْرَةٌ». قال ابنُ الزُّبَيْرِ: والجَفْرَةُ التى قد فُطِمَتْ ورَعَتْ. رَواه الدَّارَقُطْنِىُّ (٣). وفى الثَّعْلَبِ شاةٌ أيْضًا؛ لأنَّه يُشْبِهُ الغَزالَ. وممَّن قال: فيه الجَزاءُ؛ قَتادَةُ،
وَفِى الْوَبْرِ وَالضَّبِّ جَدْىٌ،
ــ
وأمّا الوَبْرُ (١)، فقالَ القاضى: فيه جَفْرَةٌ؛ لأنَّه ليس بأكْبَرَ منها. وهو قولُ الشافعىِّ. وقيلَ: فيه شاةٌ. رُوِىَ ذلك عن مُجاهِدٍ، وعَطاءٍ. وفى الضَّبِّ جَدْىٌ. قَضَى به عُمَرُ، وأرْبَدُ (٢). وبه قال الشافعىُّ. وعن أحمدَ، فيه شاةٌ، لأنَّ جابِرَ بنَ عبدِ اللهِ، وعَطاءً، قال فيه ذلك. وقال مُجاهِدٌ: حَفْنَةٌ مِن طَعام. [وقال قَتادَةُ: صاعٌ. وقال مالكٌ: قِيمَتُه مِن الطَّعامِ] (٣). والأُولَى أوْلَى؛ لأنَّ قَضاءَ عُمَرَ أوْلَى مِن قَضاءِ غيرِه.
стр. 4086
وَفِى الْيَرْبُوعِ جَفْرَةٌ لَها أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ،
ــ
والجَدْىُ أقرَبُ إليه مِن الشّاةِ. (وفى اليَرْبُوعِ جَفْرَةٌ) لِما ذَكرْنا مِن حديثِ جابِرٍ. ورُوِىَ ذلك عن عُمَرَ، وابنِ مَسْعُودٍ. وبه قال عَطاءٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وقال النَّخَعِىُّ: فيه (١) ثَمَنُه. وقال مالكٌ: قِيمَتُه مِن الطَّعام. وقال عَمْرُو بنُ دِينارٍ: ما سَمِعْنا أنَّ الضَّبَّ واليَرْبُوعَ يُودَيان. واتِّباعُ الآثارِ أوْلَى. والجَفْرَةُ يَكُونُ لها أرْبَعَةُ أشْهُرٍ مِن المَعْزِ. وقال
стр. 4087
وَفِى الْأَرْنَبِ عَنَاقٌ، وَفِى الْحَمَامِ؛ وَهُوَ كُلُّ مَا عَبَّ وَهَدَرَ، شَاةٌ، وَقَالَ الْكِسَائِىُّ: كُلُّ مُطَوَّقٍ حَمَامٌ.
ــ
أبو الزُّبَيْرِ: هى التى فُطِمَت ورَعَتْ. وقِيلَ: هى الطِّفْلَةُ التى يَرُوحُ بها الرّاعِى على يَدَيْه. (وفى الأرْنَبِ عَنَاقٌ) لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ جابِرٍ، وقَضَى به عُمَرُ أيضًا. وبه قال الشافعىُّ. وقال ابنُ عباس: فيه حَمَلٌ. وقال عَطاءٌ: فيه شاةٌ. وقَضاءُ عُمَرَ أوْلَى. والعَناقُ، الأُنْثَى مِن أوْلادِ المَعْزِ، أصْغَرُ مِن الجَفْرَةِ. والذَّكَرُ جَدْىٌ. (وفى الحَمامِ؛ وهو كلُّ ما عبَّ وهَدَر، شاةٌ) حَكَم به عُمَرُ، وعثمانُ، وابنُ عُمَرَ، وابنُ عباسٍ، ونافِعُ بنُ عبدِ الحارِثِ (١)،
стр. 4088
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في حَمامِ الحَرَمِ. وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، وعُرْوَةُ، وقَتادَةُ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ. وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: فيه قِيمَتُه. إلَّا أنَّ مالكًا وافَقَ في حَمامِ الحَرَمِ دُونَ الإحْرامِ؛ لأنَّ القِياسَ يَقْتَضِى القِيمَةَ في كلِّ الطَّيْرِ، تَرَكْناه (١) في حَمامِ الحَرَمِ بحُكْمِ الصَّحابَةِ، ففيما عَداه يَبْقَى على الأصْلِ. قُلْنا: قد رُوِىَ عن ابنِ عباسٍ في الحَمامِ في حالِ الإحْرامِ، كقَوْلِنا. ولأنَّها حَمامَةٌ مَضْمُونَةٌ لحَقِّ اللهِ تعالى، فضُمِنَتْ بشاةٍ، كحَمامَةِ الحَرَمِ، ولأنَّها متى كانَتِ الشّاةُ مِثْلًا لها في الحَرَمِ، فكذلك في الحِلِّ، فيَجِبُ ضَمانُها بها؛ لقول اللهِ تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (٢). وقِياسُ الحَمامِ على جِنْسِه أوْلَى مِن قِياسِه على غيرِه. والحَمامُ كل ما عبَّ الماءَ، أى وَضَع مِنْقارَه فيه، فيَكْرَعُ كما تَكْرَعُ الشّاةُ، ولا يَأْخُذُ قَطْرَةً قَطْرَةً، كالدَّجاجِ والعَصافِيرِ. وإنَّما أوْجَبُوا فيه شاةً؛ لشِبْهِه بها في كَرْعِ الماءِ، ولا يَشْرَبُ كشُرْب بَقِيَّةِ الطُّيُورِ. قال أحمدُ في رِوايَةِ ابنِ القاسِمِ وسِندِىٍّ: كلُّ طَيْرٍ يَعُبُّ الماء
стр. 4089
النَّوْعُ الثَّانِى، مَالَمْ تَقْضِ فِيهِ الصَّحَابَةُ، رَضِىَ اللهُ عَنْهُمْ، فَيُرْجَعُ فِيهِ إِلَى قَوْلِ عَدْلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَاتِلُ أَحَدَهُمَا.
ــ
يَشْرَبُ مِثْلَ الحَمامِ، ففيه شاةٌ. فيَدْخُلُ فيه الفَواخِتُ (١)، والوراشِينُ (٢)، والشَّفانِينُ (٣)، والقُمْرىُّ (٤)، والدُّبسِىُّ (٥)، والقَطا (٦). ولأنَّ كلَّ واحِدٍ منها تُسَمِّيه العَرَبُ حَمامًا. (وقاِل الكسائىُّ: كل مُطَوَّقٍ حَمامٌ) وعلى هذا القولِ الحَجَلُ (٧) حَمنامٌ؛ لأنَّه مُطَوَّقٌ.
١٢٣٧ - مسألة: (النَّوْعُ الثّانِى، ما لم تَقْضِ فيه الصَّحابَةُ، فَيُرْجَعُ فيه إلى قولِ عَدْلَيْن مِن أهْلِ الخِبْرَةِ، ويَجُوزُ أن يَكُونَ القاتِلُ
стр. 4090
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أحَدَهما) وذلك لقولِ اللهِ تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (١). فيَحْكُمان فيه بأشْبَهِ الأشْياءِ به مِن النَّعَمِ، مِن حيثُ الخِلْقَةُ، لا مِن حيثُ القِيمَةُ؛ بدَلِيلِ أنَّ قَضاءَ الصَّحابَةِ لم يَكُنْ بالمِثْلِ في القِيمَةِ. وليس مِن شَرْطِ الحَكَمِ أن يَكُونَ فَقِيهًا؛ لأنَّ ذلك زِيادَةٌ على أمْرِ الله تِعالى به، وقد أمَر عُمَرُ أرْبَدَ أن يَحْكُمَ في الضَّبِّ، ولم يَسْألْ أفَقِيهٌ أمْ لا؟ لكنْ تُعْتَبَرُ العَدالَةُ؛ لأنَّها مَنْصُوصٌ عليها. وتُعْتَبَرُ الخِبْرَةُ؛ لأنَّه لا يَتَمَكَّنُ مِن الحُكْمِ بالمِثْلِ إلَّا مَن له خِبْرَةٌ، ولأنَّ الخِبْرَةَ بما يَحْكُمُ به شَرْطٌ في سائِرِ الحُكّامِ. ويَجُوزُ أن يَكُونَ القاتِلُ أحَدَ العَدْلَيْن. وبه قال الشافعىُّ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال مالكٌ، والنَّخَعِىُّ: ليس له ذلك. لأنَّ الإنْسانَ لا يَحْكُمُ لنَفْسِه. وكذلك يَجُوزُ أن يَكُونَ الحاكِمان القاتِلَيْن. وبه قال الشافعىُّ. وقال مالكٌ: لا يَجُوزُ. حَكاه أبو الحُسَيْنِ. ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه سبحانه: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. والقَاتِلُ مع غَيْرِه ذَوَا عَدْلٍ مِنّا. وقد روَى الشافعىُّ في «مُسْنَدِه» (٢)، عن طارِقِ بنِ شِهابٍ، قال: خَرَجْنا حُجَّاجًا، فأوْطَأ رجلٌ مِنّا -يُقالُ له: أرْبَدُ- ضَبُّا، ففَقَرَ ظَهْرَه، فقَدِمْنا على عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، فسَألَه أرْبَدُ، فقالَ: احْكُمْ يا أرْبدُ فيه. قال: أنْتَ خَيْرٌ مِنِّى يا أمِيرَ المُؤْمِنين. قال: إنَّما أمَرْتُك أن تَحْكُمَ، ولم آمُرْك
стр. 4091
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أن تُزَكِّيَنِى. فقالَ أرْبدُ: أرَى فيه جَدْيًا قد جَمَع الماءَ والشَّجَرَ. فقالَ عُمَرُ: فذلك فيه. فأمَرَه عُمَرُ أن يَحْكُمَ وهو القاتِلُ، وأمَرَ أيضًا كَعْبَ الأحْبار أن يَحْكُمَ على نَفْسِه في الجَرادَتَيْن اللتَيْن صادَهما وهو مُحْرِمٌ (١). ولأنَّه مال يُخْرَجُ في حَق اللهِ تعالى، فجازَ أن يَكُونَ مَن وَجَب عليه أمِينًا فيه، كالزكاةِ. قال ابنُ عَقِيل: إنَّما يَحْكُمُ القاتِلُ إذا قَتَل خَطَأً؛ لأنَّ القَتْلَ عَمْدًا يُنافِى العَدالَةَ، فيَخْرُجُ عن أن يَكُون من أهلِ الحُكْمِ، إلَّا أنْ يكونَ (٢) قد قَتَلَه جاهِلاً بالتَّحْرِيمِ، فلا يَمْتَنِعُ أن يَحْكُمَ؛ لأنَّه لا يَفْسُقُ بذلك، والله أَعْلَمُ. وعلى قِياسِ ذلك، إذا قَتَلَه عندَ الحاجَةِ إلى أكْلِه؛ لأنَّ قَتْلَه مُباحُ، لكنْ يَجِبُ فيه الجَزاءُ.
стр. 4092
وَيَجِبُ فِى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ، وَالصَّحِيحِ وَالْمَعِيبِ مِثْلُهُ، الَّا الْمَاخِضَ تُفْدَى بِقِيمَةِ مِثْلِها. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَجِبُ فِيها مِثْلُهَا.
ــ
١٢٣٨ - مسألة: (ويَجبُ في كلِّ واحِدٍ مِن الصّغِيرِ والكبيرِ، والصَّحِيحِ والمَعِيبِ مِثْلُه، إَلَّا الماخِضَ تُفْدَى بقِيمَةِ مِثْلِها. وقال أبو الخَطّابِ: يَجِبُ فيها مِثْلُها) يَجِبُ في كَبِيرِ الصَّيْدِ كَبِير مِثْلُه، وفى الصَّغِيرِ صَغِيرٌ، وفى الصَّحِيحِ صَحِيحٌ، وفى المَعيبِ مَعِيبٌ؛، وفى الذَّكَرِ ذَكَر، وفى الأنْثَى أنْثَى. وبهذا قال الشافعىُّ. وقال مالكٌ: لا يُجْزِئُ إلَاّ كَبِيرٌ صَحِيحٌ؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾. ولا يُجْزِئُ في الهدىِ صَغِيرٌ ولا مَعِيبٌ، ولأنَّها كَفّارَةٌ مُتَعَلِّقَة بقَتْلِ حَيَوانٍ، فلم
стр. 4093
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَخْتَلِفْ بصِغَرِه وكِبَرِه، كقَتْلِ الآدَمِىِّ. ولَنا، قَوْلُه تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. ومِثْلُ الصَّغِيرِ صَغِيرٌ، ومِثْلُ المَعِيبِ مَعِيبٌ، ولأنَّ ما ضُمِنَ باليَدِ والجِنايَةِ اخْتَلَفَ ضَمانُه بالصِّغَرِ والكِبَرِ، كالبَهِيمَةِ. والهدىُ في الآيَةِ مُقَيّدٌ بالمِثْلِ. وقد أجْمَعَ الصَّحابَةُ، رِضْوانُ الله عِليهم، على إيجابِ ما لا يَصْلُحُ هديًا، كالجَفْرَةِ والعَناقِ والجَدىِ. وكَفّارَةُ الآدَمِىِّ ليست بَدَلاً عنه، ولا تَجْرِى مَجْرَى الضَّمانِ؛ بدَلِيلِ أنَّها لا تَتَبَعَّضُ في أبعاضِه. فإن فَدَى المَعِيبَ بصَحِيحٍ، فهو أفْضَلُ. فأمّا الماخِضُ؛ وهى الحامِلُ، فقالَ القاضى: يَضْمَنُها بقِيمَةِ مِثْلِها. وهو مَذْهبُ الشافعىِّ؛
стр. 4094
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لأنَّ قِيمَتَها أكْثَرُ مِن قِيمَةِ لَحْمِها. وقال أبو الخَطّابِ: يَضْمَنُها بماخِض مِثْلِها؛ للآيَةِ، ولأنَّ إيجابَ القِيمَةِ عُدُول عن المِثْلِ معِ إمْكانِه. فإن فَداها بغيرِ ماخِض، احتَمَلَ الجَوازَ؛ لأنَّ هذه الصِّفَةَ لا تزِيدُ في لَحْمِها، بل رُبَّما نَقَصَتْها، فلا يُشْتَرَط وُجُودُها في المِثْلِ، كاللوْنِ. وإن جَنَى على ماخِض فأتْلَفَ جَنِينَها، وخَرَج مَيِّتًا، ففيه ما نَقَصَتْ أمُّه،؛ كما لو جَرَحَها، وإن خَرَج جَيًّا لوَقْتٍ يَعِيشُ لمِثْلِه، ثم مات، ضَمِنَه بمِثْلِه، وإن كان لوَقتٍ لا يَعِيش لمِثْلِه، فهو كالمَيِّتِ، كجَنِينِ الآدَميَّةِ.
стр. 4095
وَيَجُوزُ فِدَاءُ أَعوَرَ مِنْ عَيْنٍ بأعوَرَ مِنْ عَيْنٍ أُخْرَى، وَفِدَاءُ الذَّكَرِ بِالأُنْثَى، وَفِى فِدَائِها بِهِ وَجْهانِ.
ــ
١٢٣٩ - مسألة: (ويَجُوزُ فِداءُ أعوَرَ مِن عَيْن بأعوَرَ مِن أُخْرَى، وفِداءُ الذكَرِ بالأنْثَى، وفى فِدائِها به وَجْهان) إذا فَدَى المَعِيبَ بمِثْلِه، جاز؛ لِما ذَكرنا. وإنِ اخْتَلَفَ العَيْبُ، مِثْلَ فِداءِ الأعوَرِ بأعْرَجَ، والأعْرَجِ بأعْوَرَ، لم يَجُزْ؛ لعَدَمِ المُماثَلَةِ. وإن فَدَى أعْوَرَ مِن إحْدَى العَيْنَيْن بأعْوَرَ مِن أخْرَى، أو أعْرَجَ مِن قائِمَةٍ بأعْرَجَ مِن أخْرَى، جاز؛ لأنَّ هذا اخْتِلاف يَسِيرٌ، ونوْعَ العَيْبِ واحِدٌ، وإنَّما اخْتَلَفَ مَحِله. وإن فَدَى الذَّكَرَ بالأُنْثَى، جاز؛ لأنَّ لَحمَها أطْيَبُ وأرطَبُ. وإن فَداها به؛ ففيه وَجْهان؛ أحَدُهُما، يَجُوزُ؛ لأنَّ لَحْمَه أوْفَرُ، فتَساوَيا. والآخَرُ، لا يَجُوزُ؛ لأنَّ زِيادَتَه عليها ليست مِن جِنْسِ
стр. 4096
فَصْلٌ: الضَّرْبُ الثَّانِى، مَا لَا مِثْلَ لَهُ؛ وَهُوَ سَائِرُ الطَّيْرِ، فَفِيهِ قِيمَتُهُ، إِلا مَا كَانَ أكْبَرَ مِنَ الْحَمَامِ، فَهَلْ تَجبُ فِيهِ قِيمَتُهُ أوْ شَاةٌ؟ عَلَى وَجْهيْنَ.
ــ
زِيادَتِها، فأشْبَهَ فِداءَ المَعِيبِ مِن نَوْع بالمَعِيبِ مِن نَوْعٍ آخَرَ، ولأنَّه لا يُجْزئُ عنها في الزكاةِ، كذلك ههنا.
١٢٤٠ - مسألة: (الضَّرْب الثّانِى، ما لا مِثْلَ له؛ وهو سائِر الطيْرِ فيَجب؛ فيه قِيمَته، إلَّا ما كان أكْبَرَ مِن الحَمامِ، فهل تَجب؛ فيه قِيمَتُه أو شاةَ؟ على وَجْهيْن) يَجب؛ فداء ما لا مِثْلَ له بقِيمَتِه في مَوْضعِه الذى أتْلَفَه فيه، كإتْلافِ مالِ (١) الآدَمِىِّ. ولا خِلافَ بينَ أهْلِ العِلْمِ في وجوبِ ضَمانِ الصيْدِ مِن الطَّيْرِ، إلَاّ ما حكِىَ عن داودَ، ما كان أصغَرَ مِن الحَمامِ لا يضْمَنُ؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. وهذا لا مِثْلَ له. ولَنا، عموم قَوْلِه تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾.
стр. 4097
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقد قِيلَ في قَوْلِه تعالى: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ﴾ (١): يعنِى الفَرخَ والبَيْضَ، وما لا يَقْدِرُ أن يفِر مِن صِغارِ الصَّيْدِ، ﴿وَرِمَاحُكُمْ﴾: يَغنِى الكِبارَ. وقد رُوِىَ عن عُمَرَ وابنِ عباس، رَضِىَ الله عنهما، أنهُما. حَكَما في الجَرادِ بجَزاءٍ (٢). ودَلالَةُ الآيَةِ على وُجُوبِ جَزاءِ غيرِه لا يَمنَعُ مِن وُجُوبِ الجَزاءِ في هذا بدَلِيل آخرَ، ويُفْدَى بقِيمَتِه؛ لأنَّ الأصلَ أن يُضْمَنَ بقِيمَتِه، كا لو أتْلَفَه لآدَمىٍّ (٣)، لكنْ تَرَكْنا هذا الأصلَ لدَلِيل، ففيما عَداه تَجِبُ القِيمَةُ بقَضِيَّةِ الأصْلِ.
فصل: فأمّا ما كان أكْبَرَ مِن الحَمامِ، كالإوَزِّ، والحُبارَى (٤)، والكُركِىِّ (٥)، والحَجَلِ، والكَبِيرِ مِن طَيْرِ الماءِ، ففيه وَجْهان؛
стр. 4098
وَمَنْ أتْلَفَ جُزْءًا [٦٩ و] مِنْ صَيْدٍ، فَفِيهِ مَا نَقصْ قِيمَتِهِ، أوْ قِيمَةِ مِثْلِهِ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا.
ــ
أحَدُهما، يَجِبُ فيه شاةٌ؛ لأنَّه يُروَى عن ابن عباسٍ، وعَطاءٍ، وجابِر، أنَّهم قالُوا: في الحَجَلَةِ والقَطاةِ والحُبارَى شاةَ. وزادَ عَطاءٌ: في الكُركِىِّ، والكَروانِ، وابنِ الماءِ، ودَجاجَةِ الحَبَشِ، والخَرَبِ شاةٌ شاةٌ (١). والخَرَبُ: هو فَرخُ الحُبارَى. ولأنَّ إيجابَ الشّاةِ في الحَمامِ تَنْبِيهٌ على إيجابها فيما هو أكْبَرُ منه. والوَجْهُ الثّانِى، فيه قِيمَتُه. وهو مَذْهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ القِياسَ يَقْتَضِى وُجُوبَها في جَمِيعِ الطَّيْرِ، تَرَكْناه في الحَمامِ؛ لإجْماعِ الصَّحابَةِ، ففى غيرِه يَبْقَى على أصلِ القِياسِ.
١٢٤١ - مسألة: (ومَن أتْلَفَ جُزْءًا مِن صَيْدٍ، فعليه ما نَقَص مِن قِيمَتِه، أو قِيمَةِ مِثْلِه إن كان مِثْلِيًّا) أنها ما لا مِثْلَ له، فإذا أتلَفَ جُزْءًا منه،
стр. 4099
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ضَمِنَه بقِيمَتِه؛ لأنَّ جُملَتَه تُضْمَنُ بقِيمَتِه، فكذلك أجْزاؤه، كما لو كان لآدَمِىٍّ. وإن كان له مِثْل، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يُضْمَنُ بمِثْلِه مِن مِثْلِه؛ لأنَّ ما وَجَب ضَمانُ جُملَتِه بالمِثْلِ وَجَب في بَعضِه مِثْلُه، كالمَكِيلاتِ. والآخَرُ، تَجِبُ قِيمَةُ مِقْدارِه مِن مِثْلِه؛ لأنَّ الجُزْءَ يَشُقُّ إخْراجُه، فيُمنَعُ إيجابُه، ولهذا عَدَل الشارِعُ عن إيجابِ جُزْءٍ مِن بَعِيرٍ في خمسٍ مِن الإبِلِ إلى إيجابِ شاةٍ. والأوّلُ أوْلَى بآلأنَّ المَشقَّةَ ههُنا غيرُ ثابِتَةٍ؛ لوُجُودِ الخِيَرةِ له في العُدُولِ عن المِثلِ إلى عَدلِه مِن الطّعام أو الصيامِ، فيَنْتَفِى المانِعُ، فيَثْبُتُ مُقْتَضَى الأصلِ. هذا إذا انْدَمَلَ الصَّيْدُ مُمْتَنِعًا.
стр. 4100
وَإنْ نَفَّرَ صَيْدًا، فَتَلِف بِشَىْءٍ، ضَمِنَهُ،
ــ
١٢٤٢ - مسألة: (وإن نَفَّرَ صَيْدًا، فتَلِفَ بِشَئٍ، ضَمِنَه) إذا نَفَّرَ صَيْدًا، فتَلِفَ في حالِ نُفُورِه، ضَمِنَه، وكذلك إن جَرَح صَيْدًا، فتَحامَلَ فوَقَع (١) في شئٍ تَلِف به؛ لأنَّه تَلِف بسَبَبِه. فإن نَفَّرَه فسَكَنَ في مَكانٍ، وأمِنَ مِن نُفُورِه، ثم تَلِف، لم يَضْمَنْه. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يَضْمَنُه إذا تلف في المكانِ الذى انتقَلَ إليه؛ لِما رُوِىَ عن عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه دَخَل دارَ النَّنوَةِ، فألْقَى رِداءَه على واقِفٍ في البَيْتِ، فوَقَعَ عليه طَيْر مِن هذا الحَمامِ، فأطاره، فوَ قَعَ على واقِفٍ آخَرَ، فانْتَهزَتْه حَيَّةٌ، فقَتَلَتْه، فقالَ لعثمانَ، ونافِع بنِ عبدِ الحارِثِ: إنِّى وَجَدتُ في نَفْسِى أنِّى أطَرْتُه مِن مَنْزِل كان فيه آمِنًا إلى مَوْقع كان فيه حَتْفُه (٢). فقالَ نافِعٌ لعثمانَ: كيف تَرَى في عَنْز ثَنيةٍ عَفرَاءَ، يُحْكَمُ بها على أميرِ المُؤْمِنين؟ فقالَ عثمانُ: أرَى ذلك. فأمَرَ بها عُمَرُ، رَضِىَ الله عنه. رَواه الشافعىُّ في «مُسْنَدِه» (٣).