← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.

стр. 4096

فَصْلٌ: الضَّرْبُ الثَّانِى، مَا لَا مِثْلَ لَهُ؛ وَهُوَ سَائِرُ الطَّيْرِ، فَفِيهِ قِيمَتُهُ، إِلا مَا كَانَ أكْبَرَ مِنَ الْحَمَامِ، فَهَلْ تَجبُ فِيهِ قِيمَتُهُ أوْ شَاةٌ؟ عَلَى وَجْهيْنَ. ــ زِيادَتِها، فأشْبَهَ فِداءَ المَعِيبِ مِن نَوْع بالمَعِيبِ مِن نَوْعٍ آخَرَ، ولأنَّه لا يُجْزئُ عنها في الزكاةِ، كذلك ههنا. ١٢٤٠ - مسألة: (الضَّرْب الثّانِى، ما لا مِثْلَ له؛ وهو سائِر الطيْرِ فيَجب؛ فيه قِيمَته، إلَّا ما كان أكْبَرَ مِن الحَمامِ، فهل تَجب؛ فيه قِيمَتُه أو شاةَ؟ على وَجْهيْن) يَجب؛ فداء ما لا مِثْلَ له بقِيمَتِه في مَوْضعِه الذى أتْلَفَه فيه، كإتْلافِ مالِ (١) الآدَمِىِّ. ولا خِلافَ بينَ أهْلِ العِلْمِ في وجوبِ ضَمانِ الصيْدِ مِن الطَّيْرِ، إلَاّ ما حكِىَ عن داودَ، ما كان أصغَرَ مِن الحَمامِ لا يضْمَنُ؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. وهذا لا مِثْلَ له. ولَنا، عموم قَوْلِه تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾.

стр. 4097

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقد قِيلَ في قَوْلِه تعالى: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ﴾ (١): يعنِى الفَرخَ والبَيْضَ، وما لا يَقْدِرُ أن يفِر مِن صِغارِ الصَّيْدِ، ﴿وَرِمَاحُكُمْ﴾: يَغنِى الكِبارَ. وقد رُوِىَ عن عُمَرَ وابنِ عباس، رَضِىَ الله عنهما، أنهُما. حَكَما في الجَرادِ بجَزاءٍ (٢). ودَلالَةُ الآيَةِ على وُجُوبِ جَزاءِ غيرِه لا يَمنَعُ مِن وُجُوبِ الجَزاءِ في هذا بدَلِيل آخرَ، ويُفْدَى بقِيمَتِه؛ لأنَّ الأصلَ أن يُضْمَنَ بقِيمَتِه، كا لو أتْلَفَه لآدَمىٍّ (٣)، لكنْ تَرَكْنا هذا الأصلَ لدَلِيل، ففيما عَداه تَجِبُ القِيمَةُ بقَضِيَّةِ الأصْلِ. فصل: فأمّا ما كان أكْبَرَ مِن الحَمامِ، كالإوَزِّ، والحُبارَى (٤)، والكُركِىِّ (٥)، والحَجَلِ، والكَبِيرِ مِن طَيْرِ الماءِ، ففيه وَجْهان؛

стр. 4098

وَمَنْ أتْلَفَ جُزْءًا [٦٩ و] مِنْ صَيْدٍ، فَفِيهِ مَا نَقصْ قِيمَتِهِ، أوْ قِيمَةِ مِثْلِهِ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا. ــ أحَدُهما، يَجِبُ فيه شاةٌ؛ لأنَّه يُروَى عن ابن عباسٍ، وعَطاءٍ، وجابِر، أنَّهم قالُوا: في الحَجَلَةِ والقَطاةِ والحُبارَى شاةَ. وزادَ عَطاءٌ: في الكُركِىِّ، والكَروانِ، وابنِ الماءِ، ودَجاجَةِ الحَبَشِ، والخَرَبِ شاةٌ شاةٌ (١). والخَرَبُ: هو فَرخُ الحُبارَى. ولأنَّ إيجابَ الشّاةِ في الحَمامِ تَنْبِيهٌ على إيجابها فيما هو أكْبَرُ منه. والوَجْهُ الثّانِى، فيه قِيمَتُه. وهو مَذْهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ القِياسَ يَقْتَضِى وُجُوبَها في جَمِيعِ الطَّيْرِ، تَرَكْناه في الحَمامِ؛ لإجْماعِ الصَّحابَةِ، ففى غيرِه يَبْقَى على أصلِ القِياسِ. ١٢٤١ - مسألة: (ومَن أتْلَفَ جُزْءًا مِن صَيْدٍ، فعليه ما نَقَص مِن قِيمَتِه، أو قِيمَةِ مِثْلِه إن كان مِثْلِيًّا) أنها ما لا مِثْلَ له، فإذا أتلَفَ جُزْءًا منه،

стр. 4099

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ضَمِنَه بقِيمَتِه؛ لأنَّ جُملَتَه تُضْمَنُ بقِيمَتِه، فكذلك أجْزاؤه، كما لو كان لآدَمِىٍّ. وإن كان له مِثْل، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يُضْمَنُ بمِثْلِه مِن مِثْلِه؛ لأنَّ ما وَجَب ضَمانُ جُملَتِه بالمِثْلِ وَجَب في بَعضِه مِثْلُه، كالمَكِيلاتِ. والآخَرُ، تَجِبُ قِيمَةُ مِقْدارِه مِن مِثْلِه؛ لأنَّ الجُزْءَ يَشُقُّ إخْراجُه، فيُمنَعُ إيجابُه، ولهذا عَدَل الشارِعُ عن إيجابِ جُزْءٍ مِن بَعِيرٍ في خمسٍ مِن الإبِلِ إلى إيجابِ شاةٍ. والأوّلُ أوْلَى بآلأنَّ المَشقَّةَ ههُنا غيرُ ثابِتَةٍ؛ لوُجُودِ الخِيَرةِ له في العُدُولِ عن المِثلِ إلى عَدلِه مِن الطّعام أو الصيامِ، فيَنْتَفِى المانِعُ، فيَثْبُتُ مُقْتَضَى الأصلِ. هذا إذا انْدَمَلَ الصَّيْدُ مُمْتَنِعًا.

стр. 4100

وَإنْ نَفَّرَ صَيْدًا، فَتَلِف بِشَىْءٍ، ضَمِنَهُ، ــ ١٢٤٢ - مسألة: (وإن نَفَّرَ صَيْدًا، فتَلِفَ بِشَئٍ، ضَمِنَه) إذا نَفَّرَ صَيْدًا، فتَلِفَ في حالِ نُفُورِه، ضَمِنَه، وكذلك إن جَرَح صَيْدًا، فتَحامَلَ فوَقَع (١) في شئٍ تَلِف به؛ لأنَّه تَلِف بسَبَبِه. فإن نَفَّرَه فسَكَنَ في مَكانٍ، وأمِنَ مِن نُفُورِه، ثم تَلِف، لم يَضْمَنْه. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يَضْمَنُه إذا تلف في المكانِ الذى انتقَلَ إليه؛ لِما رُوِىَ عن عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه دَخَل دارَ النَّنوَةِ، فألْقَى رِداءَه على واقِفٍ في البَيْتِ، فوَقَعَ عليه طَيْر مِن هذا الحَمامِ، فأطاره، فوَ قَعَ على واقِفٍ آخَرَ، فانْتَهزَتْه حَيَّةٌ، فقَتَلَتْه، فقالَ لعثمانَ، ونافِع بنِ عبدِ الحارِثِ: إنِّى وَجَدتُ في نَفْسِى أنِّى أطَرْتُه مِن مَنْزِل كان فيه آمِنًا إلى مَوْقع كان فيه حَتْفُه (٢). فقالَ نافِعٌ لعثمانَ: كيف تَرَى في عَنْز ثَنيةٍ عَفرَاءَ، يُحْكَمُ بها على أميرِ المُؤْمِنين؟ فقالَ عثمانُ: أرَى ذلك. فأمَرَ بها عُمَرُ، رَضِىَ الله عنه. رَواه الشافعىُّ في «مُسْنَدِه» (٣).

стр. 4101

وَإنْ جَرحَهُ فَغَابَ وَلَم يَعْلَمْ خَبَرَهُ، فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَهُ، وَكَذَلِكَ إِنْ وَجَدَهُ مَيِّتًا وَلَم يعلم مَوْتَهُ بِجِنَايَتِهِ. وَإنِ انْدَمَلَ غَيْرَ مُمْتَنِع، فَعَلَيْهِ جَزَاءُ جَمِيعِهِ. ــ ١٢٤٣ - مسألة: (وإن جَرَحَه فغابَ ولم يَعْلَمْ خَبَرَه، فعليه ما نَقَصَه، وكذلك إن وَجَدَه مَيتا ولم يَعلم مَوْتَه بجِنايته. وإنِ انْدَمَلَ غيرَ مُمْتَنعٍ، فعليه جَزاءُ جَمِيعِه) إذا جَرَح صَيْدًا فغابَ غيرَ مُنْدَمِلٍ، والجِراحَةُ مُوجِبَةٌ لا تَبْقَى الحَياةُ معها غالِبًا، فعليه جَزاءُ جَمِيعِه، كما لو قَتَلَه، وإن كانت غيرَ مُوجِبةٍ، فعليه ضَمانُ ما نَقَص؛ لأَّنا لا نَعلَمُ حُصُولَ التَّلَفِ بفِعلِه، إلَّا أنَه يُقَوِّمُه صَحِيحًا وجَرِيحًا جِراحَةً غيرَ مُنْدَمِلَةٍ، فيَعتَبِرُ ما بينَهما؛ لأنَّا لا نَعلَمُ هل يَنْدَمِلُ أم لا؟ وكذلك إن وجَدَه مَيِّتًا، ولم يَعْلَمْ

стр. 4102

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أمات مِن الجِنايَة أم مِن غيرها؟ لِما ذَكرنا. ويَحتَمِلُ أن يَلْزَمَه ضَمانُ جَمِيعِه ههُنا؛ لأنَّه وُجِد سَبَبُ إتْلافِه منه، ولم نَعلم له سَبَبًا آخَرَ، فوَجَبَ إحالَتُه على السَّبَبَ المَعلُوم، كما لو وَقَع في الماءِ نجَاسَةٌ، فوجَدَه مُتَغَيرا تَغَيًّرا يَصْلُحُ أن يَكُونَ منها، فإنَّا نَحْكُمُ بنَجاسَتِه. وكذلك لو رَمَى صَيْدًا، فغابَ عن عَيْنه، ثم وَجَده مَيِّتًا لا أثَرَ به غيرَ سَهْمِه، حَلَّ أكْلُه. وهذا أقْيَسُ.

стр. 4103

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وإنِ انْدَمَلَ الصَّيْدُ غيرَ مُمْتَنِعٍ، ضَمِنَه جَمِيعَه؛ لأنَّه عَطَّلَه، فصارَ كالتّالِفِ، ولأنَّه يُفْضِي إلى تَلَفِه، فصار كما لو جَرَحَه جُرْحًا يَتَيَقَّنُ مَوْتَه به. وهذا مَذْهَبُ أبى حنيفةَ. ويَتَخَرَّجُ أن يَضْمَنَه بما نَقَص؛ لأنَّه لا يَضْمَنُ إلَّا ما أتْلَفَ، ولم يُتْلِفْ جَمِيعَه؛ بدَلِيلِ ما لو قَتَلَه مُحْرِمٌ آخَرُ (١) لَزِمَه الجَزاءُ. والصَّحِيحُ أنَّ على المُشْتَرِكِين جَزاءً واحِدًا، وضَمانُه بجَزاءٍ كامِل يُفْضِي إلى إيجابِ جَزاءَيْن. وإن صَيَّرَتْه الجِنايَةُ غيرَ مُمْتَنِعٍ، فلم يَعْلَمْ أصارَ مُمْتَنِعًا أم لا، فعليه ضَمانُه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الامْتِناعِ. فصل: وكلُّ ما يَضْمَنُ به الآدَمِيَّ يَضْمَنُ به الصَّيْدَ؛ مِن مُباشَرَةٍ أو سَبَبٍ، وكذلك ما جَنَتْ دابَّتُه بيَدِها أو فَمِها، فأتْلَفَتْ صَيْدًا، فالضَّمانُ على راكِبها، أو قائِدِها، أو سائِقِها، وما جَنَتْ برِجْلِها فلا ضَمانَ فيه. وقال القاضى: يَضْمَنُ السّائِقُ جَمِيعَ جِنايتِها؛ لأنَّ يَدَه عليها ويُشاهِدُ رِجْلَها. وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا ضَمان في الرِّجْلِ؛ لقولَ النبيِّ ﷺ :

стр. 4104

وَإنْ نَتَفَ رِيشَهُ فَعَادَ، فَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: عَلَيْهِ قِيمَةُ الرِّيشِ. ــ «الرِّجْلُ جُبَارٌ» (١). وإنِ انْفَلَتَتْ فأتْلَفَتْ صَيْدًا، لم يَضْمَنْه؛ لأَنَّه لا يَدَ له عليها. وقد قال النبِىُّ ﷺ : «الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ» (٢). ولذلك لو أتْلَفَتْ آدَمِيًّا لم يَضْمَنْه، ولو نَصَب شَبَكَةً، أو حَفَر بئْرًا، فوَقَعَ فيها صَيْدٌ، ضَمِنَه؛ لأنَّه بسَبَبِه، كما يَضْمَنُ الآدَمِيَّ، إلَّا أن يَكُونَ حَفَر البِئْرَ بحَقٍّ، كحَفْرِه في دارِه، أو في طرِيقٍ واسِعٍ يَنْتَفِعُ بها المُسْلِمُون، فيَنْبَغِي أن لا يَضْمَنَ، كالآدَمِيِّ. وإن نَصَب شَبَكَةً قبلَ إحْرامِه، فوَقَعَ فيها صَيْدٌ بعدَ إحْرامِه، لم يَضْمَنْه؛ لأنَّه لم يُوجَدْ منه بعدَ إحْرامِه تَسَبُّبٌ إلى إتْلافِه، أشْبَهَ ما لو صادَه قبلَ إحْرامِه وتَرَكَه في مَنْنرلِه، فتَلِفَ بعدَ إحْرامِه. ١٢٤٤ - مسألة: (وإن نَتَف رِيشَه فعادَ، فلا شئَ عليه. وقِيلَ:

стр. 4105

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عليه قِيمَةُ الرِّيشِ) إذا نَتَف رِيشَ طائِرٍ، ثم حَفِظَه، فأطْعَمَه وسَقاه، حتى عاد رِيشُه، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ النَّقْصَ زال. وقِيلَ: عليه قِيمَةُ الرِّيشِ؛ لأنَّ الثّانِي غيرُ الأوَّلِ. فإن صار غيرَ مُمْتَنِعٍ بنَتْفِ رِيشِه، فهو كالجُرحِ، وقد ذَكَرْناه. وإن غابَ، ففيه ما نَقَص. وبهذا قال الشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ. وأوْجَبَ مالكٌ، وأبو حنيفةَ فيه الجَزاءَ جَمِيعَه. ولَنا، أَنَّه نَقْصٌ يُمْكِنُ زَوالُه، فلم يَضْمَنْه بكَمالِه، كما لو جَرَحَه ولم يَعْلَمْ حالَه.

стр. 4106

وَكُلَّمَا قَتَلَ صَيْدًا حُكِمَ عَلَيْهِ. ــ ١٢٤٥ - مسألة: (وكُلَّما قَتَل صَيْدًا حُكِمَ عليه) يَعْنِي يَجِبُ الجَزاءُ بقَتْلِ الصَّيْدِ الثّانِي، كما يَجِبُ إذا قَتَلَه ابْتِداءً. هذا ظاهِرُ المَذْهَبِ. قال أبو بَكْرٍ: وهذا أوْلَى القَوْلَيْن بأبِي عبدِ اللهِ. وبه قال عَطاءٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وابنُ المُنْذِرِ. وفيه رِوايَةٌ ثانِيَة، أنَّه لا يَجِبُ إلَّا في المَرَّةِ الأُولَى. ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عباسٍ. وبه قال شُرَيْحٌ، والحسنُ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والنَّخَعِىُّ، وقَتادَةُ؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ (١). ولم يُوجِبْ جَزاءً. وفيه رِوايَةٌ ثالِثَةٌ، إن كَفَّرَ عن الأوَّلِ، فعليه للثّانِي كَفّارَةٌ، وإلَّا فلا. وقد ذَكَرْناها. ولَنا، أنَّها كَفّارَةٌ عن قَتْلٍ، فاسْتَوَى فيها المُبْتَدِئُ والعائِدُ، كقَتْلِ الآدَمِيِّ، ولأنَّها بَدَلُ مُتْلَفٍ يَجِبُ به المِثْلُ أو القِيمَةُ، فأشْبَهَ بَدَلَ مالِ الآدَمِيِّ. قال أحمدُ: رُوِيَ عن عُمَرَ وغيرِه، أنَّهم حَكَمُوا في الخَطَإِ، وفي مَن قَتَل، ولم يَسْألُوه هل كان قبل هذا قَتَل أو لا؟ والآيَةُ اقْتَضَتِ الجَزاءَ على العائِدِ بعُمُومِها. وذِكْرُ العُقُوبَةِ في الثّانِى لا يَمْنَعُ الوُجُوبَ، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٢).

стр. 4107

وَإنِ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ في قَتْلِ صَيْدٍ، فَعَلَيْهِمْ جَزَاءٌ وَاحِدٌ. وَعَنْهُ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ جَزَاءٌ. وَعَنْهُ، إِنْ كَفَّرُوا بِالْمَالِ، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإنْ كَفَّرُوا بِالصِّيَامِ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ كَفَّارَةٌ. ــ وقد ثَبَت أنَّ العائِدَ لو انتهَى، كان له ما سَلَف وأمْرُه إلى اللهِ. فصل: ويَجُوزُ إخْراجُ جَزاءِ الصَّيْدِ بعدَ جَرْحِه وقبلَ مَوْتِه. نَصَّ عليه أحمدُ، ﵀؛ لأنَّها كَفّارَةُ قَتْلٍ، فجاز تَقْدِيمُها على المَوْتِ؛ ككَفّارَةِ قَتْلِ الآدَمىِّ (١). ولأنَّها كَفّارَةٌ، أشْبَهَتْ كَفّارَةَ الظِّهارِ واليَمينِ. ١٢٤٦ - مسألة: (وإنِ اشْتَرَكَ جَماعَةٌ في قَتْلِ صَيْدٍ، فعليهم جَزاءٌ واحِدٌ. وعنه، على كلِّ واحِدٍ جَزاءٌ. وعنه، إن كَفَّرُوا بالمالِ، فكَفّارَةٌ واحِدَةٌ، وإن كَفَّرُوا بالصيِّامِ، فعلى كلِّ واحِدٍ كَفّارَةٌ) رُوِىَ عن أحمدَ، ﵀، في هذه المسألةِ ثَلاثُ رِواياتٍ؛ إحْداهُنَّ، أنَّ الواجِبَ جَزاءٌ واحِدٌ. وهو الصَّحِيحُ. يُرْوَى هذا عن عُمَرَ بنِ الخَطّابِ، وابْنِه، وابنِ عباسٍ، ﵃. وبه قال عَطاءٌ، والزهْرِىُّ، والنَّخَعِىُّ،

стр. 4108

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والشَّعْبِىُّ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ. والثّانِيَةُ، على كلِّ واحِدٍ جَزاءٌ. ذَكَرَها ابنُ أبى مُوسى. اخْتارَها أبو بَكْرٍ. وبه قال مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ. ويُرْوَى عن الحسنِ؛ لأنَّها كَفّارَةُ قَتْلٍ يَدْخُلُها الصومُ، أشْبَهَتْ كَفّارَةَ قَتْلِ الآدَمِىِّ. والثّالِثَةُ، إن كان صومًا، فعلى كلِّ واحِدٍ منهم صومٌ تامٌّ، وإن كان غيرَه فجَزاءٌ واحِدٌ. وإن أهْدَى أحَدُهما أو أطْعَمَ، وصام الآخَرُ، فعلى المُهْدِى بحِصَّتِه، وعلى الآخَرِ صِيامٌ تامٌّ؛ لأنَّ الجَزاءَ ليس بكَفّارَةٍ، وإنَّما هو بَدَلٌ، بدَلِيلِ أنَّ الله تعالى عَطَف عليه الكَفّارَةَ، فقال: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ. . . . أَوْ كَفَّارَةٌ﴾. والصومُ كَفّارَةٌ، فيُكْمَلُ، ككَفّارَةِ قَتْلِ الآدَمِىِّ. ولَنا، قَوْلُه تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. والجَماعَةُ إنَّما قَتَلُوا صَيْدًا، فلَزِمَهم مِثْلُه، والزائِدُ خارِجٌ عن المِثْلِ، فلا يَجِبُ. ومتى ثَبَت اتِّحادُ الجَزاءِ في الهَدْىِ، وَجَب اتِّحادُه في الصيامِ؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾. والاتِّفاقِ حاصِلٌ على أنَّه مَعْدُولٌ بالقِيمَةِ؛ إمّا قِيمَةُ المُتْلَفِ، أو قِيمَةُ مِثْلِه، فإيجابُ الزّائِدِ على عَدْلِ القِيمَةِ خلافُ النَّصِّ، ولأنَّه قولُ مَن سَمَّيْنا مِن

стр. 4109

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الصَّحابَةِ، ولم نَعْرِفْ لهم مُخَالِفًا, ولأنَّه جَزاءٌ عن مَقْتُولٍ يَخْتَلِفُ باخْتِلافِه، فكانَ واحِدًا، كالدِّيَةِ. وكَفّارَةُ الآدَمِىِّ لنا فيها مَنْعٌ، فلا تَتَبَعَّضُ في أبْعاضِه، ولا تَخْتَلِفُ باخْتِلافِه، فلم تَتَبَعَّضْ على الجَماعَةِ، بخِلافِ مَسْألتِنا. فصل: فإن كان شَرِيكُ المُحْرِمِ حَلالًا أو سَبُعًا، فالجَزاءُ كلُّه على المُحْرِمِ في أحَدِ الوَجْهَيْن. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّ على المُحْرِمِ بحِصَّتِه، كالمُحْرِمَيْن. وقد ذَكَرْناه. فصل: وإنِ اشْتَرَكَ حَلالٌ ومُحْرِمٌ في قَتْلِ صَيْدٍ حَرَمِىٍّ، فالجَزاء بينَهما نِصْفَيْن؛ لأنَّ الِإتْلافَ يُنْسَبُ إلى كلِّ واحِدٍ منهما نِصْفُه، ولا يَزْدادُ الواجِبُ على المُحرِمِ باجْتِماعِ حُرْمَةِ الِإحْرامِ والحَرَمِ. وهذا الاشْتِراكُ الذى هذا حُكْمُه هو الذى يَقَعُ الفِعْلُ منهما معًا، أو يَجْرَحُه أحَدُهما قبلَ الآخَرِ، ويَمُوتُ منهما. فإن جَرَحَه أحَدُهما، وقَتَلَه الآخَرُ،

стр. 4110

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فعلى الجارِحِ ما نَقَصَه، على ما مَضَى، وعلى القاتِلِ جَزاؤه مَجْرُوحًا. فصل: وإن قَتَل صَيْدًا مَمْلُوكًا، ضَمِنَه بالقِيمَةِ لمالِكِه، والجَزاءُ للهِ تعالى؛ لأنَّه حَيَوانٌ مَضْمُونٌ بالكَفّارَةِ، فجاز أن يَجْتَمِعَ التَّقْوِيمُ في التَّكْفِيرِ في ضَمانِه، كالعَبْدِ. فصل: وإذا قَتَل القارِنُ صَيْدًا، فعليه جَزاءٌ واحِدٌ. نَصَّ عليه أحمدُ، فقالَ: إذا قَتَل القارِنُ صَيْدًا، فعليه جَزاءٌ واحِدٌ، وهؤلاء يَقُولُون: جَزَاءان. فيَلْزَمُهم أن يَقُولُوا في صَيْدِ الحَرَمِ ثَلَاثةً؛ لأنَّهم يقُولُون في الحِلِّ اثْنَيْن، ففى الحَرَمِ يَنْبَغِي أن يَكُونَ ثَلَاثَةً. وهذا قولُ مالكٍ، والشافعىِّ. وقال أصحابُ الرَّأىِ: جَزَاءان. وكذلك إذا تَطيَّبَ، أو لَبِس. قال القاضى: وإذا قُلْنا: على القارِنِ طَوافان. لَزِمَه جَزَاءان. ولَنا، قَوْلُه تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. ومَن أوْجَبَ جَزاءَيْن، فقد أوْجَبَ مِثْلَيْن. ولأنَّه صَيْدٌ واحِدٌ، فلم يَجِبْ فيه جَزَاءان، كما لو قَتَل المُحْرِمُ في الحَرَمِ صَيْدًا.

стр. 4111

بَابُ صَيْدِ الْحَرَمِ وَنَبَاتِهِ وَهُوَ حَرَامٌ عَلَى الْحَلَالِ وَالْمُحْرِمِ، فَمَنْ أَتْلَفَ مِنْ صَيْدِهِ شَيْئًا، فَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُحْرِمِ فِى مِثْلِهِ. ــ بابُ صَيْدِ الحَرَمِ ونَباتِه ١٢٤٧ - مسألة: (وهو حَرامٌ على الحَلالِ والمُحْرِمِ، فمَن أتْلَفَ مِن صَيْدِه شَيْئًا، فعليه ما على المُحْرِمِ في مِثْلِه) الأصْلُ في تَحْرِيمِه النَّصُّ والإجْماعُ؛ أمّا النَّصُّ، فما روَى ابنُ عباسٍ، ﵄، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ يومَ فَتْحِ مَكَّةَ: «إنَّ هذا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والأرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ الله إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَإنَّهُ لَمْ يَحِلَّ

стр. 4112

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ القِتَالُ فِيهِ لأحَدٍ قَبْلِى، وَلَمْ يَحِلَّ لِى إلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا (١)، وَلَا يُعْضَدُ (٢) شَوْكُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتهَا، إلَّا مَنْ عَرَّفَهَا». فقالَ العَبّاسُ: يَا رسولَ اللهِ، إلَّا الِإذْخِرَ (٣)، فإنَّه لِقَيْنِهِم (٤) وبُيُوتِهم. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «إلَّا الِإذْخِرَ». مُتَّفَقٌ عليه (٥). وأجْمَعَ المُسْلِمُونَ على تَحْرِيمِ صَيْدِ الحَرَم على الحَلالِ والمُحْرِم. فصَل: وفيه الجَزاءُ علىَ مَن يَقْتُلُه، بمثْلِ ما يُجْزَى به الصَّيْدُ في الِإحْرام. وحُكِىَ عن داودَ، أنَّه لا جَزاءَ فيه؛ لأنَّ الأصْلَ بَراءَةُ الذِّمَّةِ، ولم يَرِدْ فيه نَصٌّ، فيبْقَى بحالِه. ولَنا، أنَّ الصحابَةَ، ﵃، قَضَوْا في حَمامِ الحَرمِ بشَاةٍ شاة. رُوِىَ ذلك عن عُمَرَ، وعثمانَ،

стр. 4113

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، ولم يُنْقَلْ عن غيرِهم خِلافُهم، فيَكونُ إجْماعًا، ولأنَّه صَيْدٌ مَمْنُوعٌ منه لحقِّ اللهِ تعالى، أشْبَهَ الصَّيْدَ في حَقِّ المُحْرِمِ. فصل: للصَّوْم مَدْخَلٌ في ضَمانِ صَيْدِ الحَرَمِ عندَ الأكْثَرِينَ، خِلافًا لأبى حنيفةَ. ولَنا، أنَّه يُضْمَنُ بالِإطْعامِ، فيُضْمَنُ بالصِّيامِ، كالصَّيْدِ في الإحْرامَ. فصل: ويَجِبُ في حَمامِ الحَرَم شاةٌ. وقال أبو حنيفةَ: فيه في الحَرَمِ شاةٌ، وفى حَمامِ الحِلِّ في الحَرَمِ حُكُومَةٌ. وفى حَمامِ الحَرَم، في الحِلِّ رِوايَتَان؛ إحْداهُما، حُكُومَةٌ، والثانيةُ، شاةٌ. ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن قَضاءِ الصَّحابَةِ، ولم يُفَرِّقُوا. ذَكَرَ هذيْن الفَصْلَيْن القاضِى أبو الحَسَنِ. فصل: وكُلُّ ما يُضْمَنُ في الإحْرام يُضْمَنُ في الحَرَمِ، إلَّا القَمْلَ، فإنَّه يُباحُ في الحَرَمِ بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّه حُرِّمَ في حَقِّ المُحْرِمِ لأجْلِ التَّرَفُّهِ، وهو مُباحٌ في الحَرَمِ، كإباحَةِ الطِّيبِ واللُّبْسِ. فصل: ويُضْمَنُ صَيْدُ الحَرَمِ في حَقِّ المُسْلِمِ والكافِرِ، والكَبِيرِ والصَّغِيرِ، والحُرِّ والعَبْدِ. وقال أبو حَنيفةَ: لا يَضْمَنُه الصَّغِيرُ، ولا الكافِرُ. ولَنا، أنَّ الحُرْمَةَ تَعَلَّقَت بمَحَلِّه بالنِّسْبَةِ إلى الجَمِيع، فوَجَبَ ضَمانُه، كالآدَمِىِّ. فصل: ويُضْمَنُ صَيْدُ الحَرَمِ بالدَّلالَةِ والإشارَةِ، كصَيْدِ الإحْرامِ،

стр. 4114

وَإنْ رَمَى الْحَلَالُ مِنَ الْحِلِّ صَيْدًا في الْحَرَمِ، أَوْ أَرسَل كَلْبَهُ عَلَيْهِ، أو قَتَلَ صَيْدًا عَلَى غُصْنٍ في الْحَرَمِ أصْلُهُ في الْحِلِّ، أو أَمْسَكَ طَائِرًا ــ والواجِبُ عليهما جَزاءٌ واحِدٌ. نَصَّ عليه أحمدُ. وظاهِرُ كلامِه أنَّه لا فَرْقَ بينَ كَوْنِ الدَّلالَةِ في الحِلِّ والحَرَمِ. وقال القاضى: لا جَزاءَ على الدَّالِّ، إذا كان في الحِلِّ، والجَزاءُ على المَدْلُولِ وَحْدَه، كالحَلالِ إذا دَلَّ مُحْرِمًا. ولَنا، أنَّ قَتْلَ الصَّيْدِ الحَرَمِىِّ حَرامٌ على الدَّالِّ، فيُضْمَنُ بالدَّلالَةِ، كما لو كان في الحَرَمِ، يُحَقِّقُه أنَّ صَيْدَ الحَرَمِ مُحَرَّمٌ على كُلِّ أحَدٍ؛ لقَوْلِه ﵇: «لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا». وفى لَفْظٍ: «لَا يُصَادُ صَيْدُهَا». وهذا عامٌّ في حَقِّ (١) كلِّ أحَدٍ، ولأنَّ صَيْدَ الحَرَمِ مَعْصُومٌ بمَحَلِّه، فحُرِّمَ قَتْلُه عليهما، كالمُلْتَجِىَ إلى الحَرَم. وإذا ثَبَت تَحْرِيمُه عليهما فيُضْمَنُ بالدَّلالَةِ مِمَّن يَحْرُمُ عليه قَتْلُه، كما يُضْمَنُ بدَلالَةِ المُحْرِمِ عليه. وكلُّ ما يُضْمَنُ به في الإِحْرامِ يُضْمَنُ به في الحَرَمِ، وما لا فلا؛ لأنَّه صَيْدٌ مَمْنُوعٌ منه لحَقِّ الله تِعالى، فيُضْمَنُ بكلِّ ما [يُضْمَنُ] به في الإِحْرامِ، وكان حُكْمُه حُكْمَه في وُجُوبِ الضَّمانِ وعَدَمِه، قِياسًا عليه. ١٢٤٨ - مسألة: (وإن رَمَى الحَلالُ مِن الحِلِّ صَيْدًا في الحَرَمِ، أو أرْسَلَ كَلْبَه عليه، أو قَتَلَ صَيْدًا على غُصْنٍ في الحَرَمِ أصْلُه في الحِلِّ أو

стр. 4115

فِى الْحِلِّ فَهَلَكَ فِرَاخُهُ في الْحَرَمِ، ضَمِنَ فِى أصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ. ــ أمْسَكَ طَائِرًا في الحِلِّ، فَهَلَكَ فِراخُه في الحَرَمِ، ضَمِنَ في أصَحِّ الرِّوايَتَيْن) إذا رَمَى الحَلالُ مِن الحِلِّ صَيْدًا في الحَرَمِ، أو أرْسَلَ جارِحًا عليه، فَقَتَلَه، أو قَتَلَ صَيْدًا على غُصْنٍ في الحَرَمِ أصْلُه في الحِلِّ، ضَمِنَه. وبه قال الشافعىُّ، والثَّوْرِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصحابُ الرَّأْىِ. وعن أحمدَ رِوايَةٌ أخْرَى، لا جَزاءَ عليه؛ لأنَّ القاتِلَ حَلالٌ في الحِلِّ. ولَنا، قَوْلُ النبيِّ ﷺ : «لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا». ولم يُفَرِّقْ بينَ مَن هو في الحِلِّ والحَرَمِ، وقد أجْمَعَ المُسْلِمُونَ على تَحْرِيمِ صَيْدِ الحَرَمِ، وهذا مِن صَيْدِه، ولأنَّ صَيْدَ الحَرَمِ مَعْصُومٌ بمَحَلِّه لحُرْمَةِ الحَرَمِ، فلا يَخْتَصُّ تَحْرِيمُه بمَن في الحَرَمِ كالملْتَجِئِ، وكذلك الحُكْمُ لو أمْسَكَ طائِرًا في

стр. 4116

وَإنْ قَتَلَ مِنَ الْحَرَمِ صَيْدًا في الْحِلِّ بِسَهْمِهِ، أوْ كَلْبِهِ، أوْ صَيْدًا عَلَى غُصْنٍ في الْحِلِّ أصْلُهُ في الْحَرَمِ، أوْ أمْسَكَ حَمَامَةً في الْحَرَمِ، فَهَلَكَ فِرَاخُهَا في الْحِلِّ، لَمْ يَضْمَنْ، في أصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ. ــ الحِلِّ، فَهَلَكَ فِراخُه في الحَرَمِ، فإنَّه يَضْمَنُ الفِراخَ؛ لِما ذَكَرْنا، دُونَ الأمِّ؛ لأنَّها مِن صَيْدِ الحِلِّ، وهى حَلالٌ. ١٢٤٩ - مسألة: (وإن قَتَل مِن الحَرَمِ صَيْدًا في الحِلِّ بسَهْمِه، أو كَلْبِه، أو صَيْدًا على غُصْنٍ في الحِلِّ أصْلُه في الحَرَمِ، أو أمْسَكَ حَمامَةً في الْحَرَمِ، فهَلَكَ فِراخُها في الْحِلِّ، لَمْ يَضْمَنْ، في أصَحِّ الرِّوايَتَيْنِ)

стр. 4117

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هذه المسائِلُ عَكْسُ التى قَبْلَها، والصَّحِيحُ أنَّه لا ضَمانَ في ذلك؛ لأنَّه ليس مِن صَيْدِ الحَرَمِ. قال أحمدُ، في مَن أرْسَلَ كَلْبَه في الحَرَمِ، فصادَ في الحِلِّ: فلا شئَ عليه. وعنه رِوايَةٌ أخْرَى، عليه الضَّمانُ في جَمِيع الصُّوَرِ. وعن الشافعىِّ ما يَدُلُّ عليه. وذَهَب الثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، في مَن قَتَل طائِرًا على غُصْنٍ في الحِلِّ أصْلُه في الحَرَمِ: لا جَزاءَ عليه. وهو ظاهِرُ قولِ أصحابِ الرَّأْىِ. وقال إسحاقُ، وابنُ الماجِشُون: عليه الجَزاءُ؛ لأنَّ الغُصْنَ تابعٌ للأصْلِ، وهو في الحَرَمِ. ولَنا، أنَّ الأصْلَ حِلُّ الصَّيْدِ، حُرِّم صَيْدُ الحَرَمِ بالنَّصِّ والِإجْماعِ، فبَقِيَ ما عَداه على الأصْلِ، ولأنَّه صَيْدُ حِلٍّ أصابَه حَلالٌ، فلم يُحَرَّمْ، كما لو كانا في الحِلِّ، ولأنَّ الجَزاءَ إنَّما يَجِبُ في صَيْدِ الحَرَمِ، أو صَيْدِ المُحْرِمِ، وليس هذا واحِدًا منهما.

стр. 4118

وَإنْ أَرسَلَ كَلْبَهُ مِنَ الْحِلِّ عَلَى صَيْدٍ فِى الْحِلِّ، فَقَتَلَ صَيْدًا فِى ــ فصل: وإن كان الصَّيْدُ والصَّائِدُ في الحِلِّ، فرَماه بسَهْمِه، أو أرْسَلَ كَلْبَه عليه، فدَخَلَ الحَرَمَ، ثم خَرَج، فقَتَلَ الصَّيْدَ في الحِلِّ، فلا جَزاءَ فيه. وبه قال أصحابُ الرَّأْىِ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وحُكِىَ عن الشافعىِّ، أنَّ عليه الجَزاءَ. ولَنا، ما ذَكَرْناه. قال القاضى: لا يَزِيدُ سَهْمُه على نَفْسِه، ولو عَدَا بنَفْسِه، فسَلَكَ الحَرَمَ في طَرِيقِه، ثم قَتَل صَيْدًا في الحِلِّ، لم يَكُنْ عليه شئٌ، فسَهْمُه أوْلَى. ١٢٥٠ - مسألة: (وإن أرْسَلَ كَلْبَه مِن الحِلِّ على صَيْدٍ في الحِلِّ ،

стр. 4119

الْحَرَمِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ. وَإنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِسَهْمِهِ، ضَمِنَهُ. ــ فقَتَلَ صَيْدًا في الحَرَمِ، فعلى وَجْهَيْنِ. وإن فَعَلَ ذلك بِسَهْمِه، ضَمِنَه) أمّا إذا رَمَى مِن الحِلِّ صَيْدًا فيه، فقَتَلَ صَيْدًا في الحَرَمِ، فعليه جزاؤُه. وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، وإسْحاقُ، وأصحابُ الرأْىِ. وقال أبو ثَوْرٍ: لا جَزاءَ عليه. ولَنا، أنَّه قَتَل صَيْدًا حَرَمِيًّا، فلَزمَه جَزاؤُه، كما لو رَمَى حَجَرًا في الحَرَمِ، فقَتَلَ صَيْدًا. يُحَقِّقُه أنَّ الخَطَأَ كالعَمْدِ في وُجُوبِ الجَزاءِ، وهذا لا يَخْرُجُ عن أحَدِهما. فأمّا إن أرْسَلَ كَلْبَه على صَيْدٍ في الحِلِّ، فقَتَلَه في الحَرَمِ، فنَصَّ أحمدُ على أَنَّه لا يَضْمَنُه. وهو قولُ الشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه لم يُرْسِلِ الكَلْبَ على صَيْدٍ في الحَرَم، وإنَّما دَخَلَ باخْتِيارِ نَفْسِه، أشْبَهَ ما لو اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِه. وقال عَطاءٌ، وأبو حنيفةَ، وصاحِباه:

стр. 4120

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عليه الجَزاءُ؛ لأنَّه قَتَل صَيْدًا حَرَمِيًّا بإرْسالِ كَلْبه عليه، فضَمِنَه، كما لو قَتَلَه بسَهْمِه. وهذا اخْتِيارُ أبى بَكْرٍ عبدِ العزيزِ. وحَكَى صالِحٌ، عن أحمدَ، أنَّه إن كان الصَّيْدُ قرِيبًا مِن الحَرَمِ، ضمِنَه؛ لأنَّه فرّط بإرْسَالِه، وإلَّا لم يَضْمَنْه. وهذا قَوْلُ مالكٍ. فإن قَتَل صَيْدًا غيرَه لم يَضْمَنْه. وهذا قولُ الثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْىِ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه لم يُرْسِلِ الكَلْبَ على ذلك الصَّيْدِ، فأشْبَهَ ما لو اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِه. وفيه رِوايَةٌ أخْرَى، أنَّه يَضْمَنُ إن كان الصَّيْدُ قَرِيبًا مِن الحَرَمِ؛ لأنَّه مُفَرِّطٌ، فأشْبَهَ المسألةَ التى قَبْلَها. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه لا يَأكُلُ الصَّيْدَ في هذه المَواضِع كُلِّها، ضَمِنَه أو لَا؛ لأنَّه صَيْدٌ حَرَمِىٌّ قُتِلَ في الحَرَمِ، كما لو ضَمِنَه، ولأنَّنَا إذا ألْغَيْنا فِعْلَ الآدَمِىِّ صارَ الكَلْبُ كأنَّه اسْتَرْسَلَ بنَفْسِه، فقَتَلَه.

стр. 4121

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فإن رَمَى الحَلالُ مِن الحِلِّ صَيْدًا فيه فجَرَحَه، فتَحامَلَ الصَّيْدُ، فدَخَلَ الحَرَمَ، فماتَ فيه، حَلَّ أَكْلُه، ولا جَزاءَ فيه؛ لأنَّ الذَّكاةَ حَصَلَتْ في الحِلِّ، فأشْبَهَ ما لو جَرَح صَيْدًا ثم أحْرَمَ، فماتَ الصَّيْدُ بعدَ إحْرامِه. ويُكْرَهُ أكْلُه؛ لمَوْتِه في الحَرَم. فصل: وإن وَقف صَيْدٌ، بعضُ قَوائِمِهَ في الحِلِّ، وبعضُها في الحَرَمِ، فقَتَلَه قاتِلٌ، ضَمِنَه، تَغْلِيبًا للحَرَمِ. وبه قال أصحابُ الرَّأْىِ، وأبو ثَوْرٍ. وإن نَفَّرَ صَيْدًا مِن الحَرَمِ، فأصابه شئٌ في حالِ نُفُورِه، ضَمِنَه؛ لأنَّه تَسَبَّبَ إلى إتْلافِه، فأشْبَهَ ما لو تَلِف بشَرَكِه أو شَبَكَتِه، وإن سَكَن مِن نُفُورِه ثم أصَابَه شئٌ لم يَضْمَنْه. نَصَّ عليه. وهو قَوْلُ الثَّوْرِىِّ؛ لأنَّه لم يَكُنْ سَبَبًا لِإتْلافِه. وقد رُوِىَ عن عُمَرَ، ﵁، أنَّه وَقَع على رِدائِه حَمامَةٌ، فأطَارَهَا، فوَقَعَتْ على واقِفٍ فانتهَزَتْها حَيَّةٌ، فاسْتَشارَ عثمانَ ونافِعَ بنَ عبدِ الحارِثِ، فحَكَما عليه بشاةٍ (١). وهذا يَدُلُّ على أَنَّهُم رَأوْا عليه الضَّمانَ بعدَ سُكُونِه. فإنِ انتقَلَ عن المكانِ الثانى، فأصابَه شئٌ،

стр. 4122

فَصْلٌ: وَيَحْرُمُ قَطْعُ شَجَرِ الْحَرَمِ وَحَشِيشِهِ، إِلَّا الْيَابِسَ وَالإذْخِرَ، وَمَا زَرَعَهُ الْآدَمِىُّ. وَفِى جَوَازِ الرَّعْىِ وَجْهَانِ. ــ فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه خَرَج عن المكانِ الذى طُرِدَ إليه، وقَوْلُ الثَّوْرِىِّ وأحمدَ يَدُلّ على هذا. قال سُفْيانُ: إذا طَرَدْتَ في الحَرَمِ شَيْئًا، فأصابَ شَيْئًا قبلَ أن يَقَعَ أو حينَ وَقَع، ضَمِنْتَ، وإنْ وَقَعَ مِن ذلك المكانِ إلى مَكانٍ آخَرَ، فليس عليك شئٌ. فقال أحمدُ، ﵀: جَيِّدٌ. فصل: قال المُصَنِّفُ، ﵀: (ويَحْرُمُ قَطْعُ (١) شَجَرِ الحَرَمِ وحَشِيشِه، إلَّا اليابِسَ والإذْخِرَ، ومما زَرَعَه الآدَمىُّ. وفى جَوازِ الرَّعْىِ وَجْهان) أجْمَعَ أهلُ العِلْمِ على تَحْرِيمِ قَطْع شَجَرِ الحَرَمِ البَرِّىِّ، الذى لم يُنْبِتْه الآدَمِىُّ، وعلى إباحَةِ أخْذِ الِإذْخِرِ وما انبتَه الآدَمِىُّ مِن البُقُولِ والزُّرُوعِ والرَّيَاحِينِ. حَكَى ذلك ابنُ المُنْذِرِ، والأصْلُ ما رَوَيْنا مِن حَدِيثِ ابنِ عباسٍ. وروَى أبو شُرَيْحٍ، وأبو هُرَيْرَةَ بنَحْوِه، والكُلُّ مُتَّفَقٌ

стр. 4123

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عليها (١). وفى حَدِيثِ أبى هُرَيْرَةَ: «ألَا وَإنَّهَا سَاعَتِى هذِهِ حَرَامٌ، لَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا». وروَى الأثْرَمُ حَدِيثَ أبى هُرَيْرَةَ، وفيه: «لَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُحْتَشُّ حَشِيشُها، وَلَا يُصَادُ صَيْدُهَا». فأمّا ما أنْبتَه الآدَمِىُّ مِن الشَّجَرِ، فقال أبو الخَطّابِ، وابنُ عَقِيلٍ: له قَلْعُه مِن غيرِ ضَمانٍ، كالزَّرْعِ. وقال القاضى: ما نَبَت في الحِلِّ، ثم غُرِسَ

стр. 4124

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في الحَرَمِ، فلا جَزاءَ فيه، وما نَبَت أصْلُه في الحَرَمِ، ففيه الجَزاءُ بكلِّ حالٍ. وقال الشافعىُّ: في شَجَرِ الحَرَمِ الجَزاءُ بكلِّ حالٍ، أنْبتَه الآدَمِيُّون أو نَبَت بنَفْسِه. وحَكَى ابنُ البَنَّا في «الخصالِ» مثلَ ذلك؛ لعُمُومِ قولِه ﵇: «وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا». وقال أبو حنيفةَ: لا جَزاءَ فيما أنْبَتَ الآدَمِيُّونَ جنْسَه، كالجَوْز واللَّوْز والنَّخْل ونحْوه، ولا فيما أنْبَتَه الآدَمِىُّ مِن غيرِه، كالدَّوْحِ وَالسَّلَمَ ونحوِه؛ لأنَّ الحَرَمَ يَخْتَصُّ تَحْرِيمُه ما كانَ وَحْشِيًّا مِن الصَّيْدِ، كذلك الشَّجَرُ. وقولُ شيخِنا: وما زَرَعَه الآدَمِىُّ. يَحْتَمِلُ اخْتِصاصَه بالزَّرْعِ دُونَ الشَّجَرِ، فيكونُ كما حَكَاهُ ابنُ البَنَّا. وهو قولُ الشافعىِّ. ويَحْتَمِلُ أن يَعُمَّ جَمِيعَ ما يُزْرَعُ، كقَوْلِ أبى الخَطّابِ. ويَحْتَمِلُ أن يُرِيدَ ما أنْبتَ الآدَمِيُّون

стр. 4125

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حَشِيشَه. قال شيخُنا (١): والأوْلَى الأخْذُ بعُمُومِ الحَدِيثِ في تحْرِيم الشَّجَرِ كُلِّه، إلَّا ما أنْبتَه الآدَمِيُّونَ مِن جِنْسِ شَجَرِهم، بالقِياسِ على ما أنْبَتُوه مِن الزَّرْعِ، والأهْلِىِّ مِن الحَيَوانِ، فإنَّنا إنَّما أخْرَجْنا مِن الصَّيْدِ ما كان أصْلُه إنْسِيًّا دُونَ ما تَأنَّسَ مِن الوَحْشِىِّ، كذا ههُنا.

стр. 4126

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ويَحْرُمُ قَطْعُ الشَّوْكِ والعَوْسَجِ (١). وقال القاضى، وأبو الخَطّابِ، وابنُ عَقِيلٍ: لا يَحْرُمُ. ورُوِىَ عن عَطاءٍ، ومُجاهدٍ، وعَمْرِو بنِ دينارٍ، والشافعىِّ؛ لأنَّه يُؤْذِى بطَبْعِه، أشْبَهَ السِّباعَ مِن الحَيَوانِ. ولَنا، قولُه ﷺ : «لَا يُعْضَدُ شَوْكُهَا» (٢). وفى حديثِ أبى هُرَيْرَةَ: «لَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا». وهذا صَرِيحٌ، وهو راجِحٌ على القِياسِ. فصل: ولا بَأْسَ بقَطْعِ اليابِسِ مِن الشَّجَرِ والحَشِيشِ؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ المَيِّتِ، ولا بقَطْعِ ما انْكَسَرَ ولم يَبِنْ؛ لأنَّه قد تَّلِف، فهو بمَنْزِلَةِ الظُّفْرِ المُنْكَسِرِ. ولا بَأْسَ بالانْتِفاعِ بما انْكَسَرَ مِن الأغْصانِ، وانْقَلَعَ مِن الشَّجَرِ بغيرِ فِعْلِ آدَمِىٍّ، ولا فيما سَقَط مِن الوَرَقِ. نَصَّ عليه. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ الخَبَرَ إنَّما وَرَد في القَطْعِ، وهذا لم يُقْطَعْ. فأمَّا إذا قَطَعَه آدَمِىّ، فقال أحمدُ: لم أسْمَعْ، إذا قُطِعَ يُنْتَفَعُ به. وقال في الدَّوْحَةِ تُقْطَعُ:

стр. 4127

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مَن شَبَّهَه بالصَّيْدِ لم يَنْتَفِعْ بحَطَبِها. لأنَّه مَمْنُوِعٌ مِن إتْلافِه؛ لحُرْمَةِ الحَرَمِ، فإذا قَطَعَه مَن يَحْرُمُ عليه قَطْعُه، لم يُنْتَفعْ به، كالصَّيْدِ يَذْبَحُه المُحْرِمُ. ويَحْتَمِلُ أن يُباحَ لغيرِ القاطِعِ (١) الانْتِفاعُ به؛ لأنَّه انْقَطَعَ بغيرِ فِعْلِه، فأُبِيحَ له الانْتِفاعُ به، كما لو قَلَعَتْه الرِّيحُ، ويُفارِقُ الصَّيْدَ الذى ذَبَحَه؛ لأنَّ الذَّكاةَ يُعْتَبَرُ لها الأهْلِيَّةُ، ولهذا لا يَحْصُلُ بفِعْلِ البَهِيمَةِ، بخِلافِ هذا. فصل: وليس له أخْذُ وَرَقِ الشَّجَرِ. وقال الشافعىُّ: له أخْذُه؛ لأنَّه لا يَضُرُّ به. وكان عَطاءٌ يُرَخِّصُ في أخْذِ وَرَقِ السَّنَى (٢)، يُسْتَمْشَى به، ولا يُنْزَعُ مِن أصْلِه. ورَخَّصَ فيه عَمْرُو بنُ دِينارٍ. ولَنا، قولُ النبىِّ ﷺ : «لَا يُخْبَطُ شَوْكُهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا». رَواه مسلم (٣). ولأنَّ ما حُرِّمَ أخْذُه جُرِّمَ كل شئٍ منه، كرِيشِ الطّائِرِ. وقوْلُهم: لا يَضُرُّ به. مَمْنُوعٌ، فإنَّه يُضْعِفُه، ورُبَّما آل إلى تَلَفِه. فصل: ويَحْرُمُ قَطْعُ حَشِيشِ الحَرَمِ، إلَّا ما اسْتَثْناه الشَّرعُ مِن

стр. 4128

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الإِذْخِرِ، وما أنْبتَهُ الآدَمِيُّون، واليابِسَ؛ لقَوْلِه ﵇: «لَا يُحْتَشُّ حَشِيشُهَا». وفى اسْتِثْنائِه الإذْخِرَ دَلِيلٌ على تَحْرِيمِ ما عَداه. وفى جَوازِ رَعْيِه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَجُوزُ. وهو مَذْهَبُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّ ما حَرُمَ إتْلافُه، لم يَجُزْ أن يُرْسَلَ عليه ما يُتْلِفُه، كالصَّيْدِ. والثانى، يَجُوزُ. وهو مَذْهَبُ عَطاءٍ، والشافعىِّ؛ لأنَّ الهَدَايا كانت تَدْخُلُ الحَرَمَ، فتَكْثُرُ فيه، فلم يُنْقَلْ أنَّها كانت تُسَدُّ أفْواهُها, ولأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إليه،

стр. 4129

وَمَنْ قَلَعَهُ ضَمِنَ الشَّجَرَةَ الْكَبِيرَةَ بِبَقَرَةٍ، وَالصَّغِيرَةَ بِشَاةٍ، وَالْحَشِيشَ بِقِيمَتِهِ، وَالْغُصْنَ بِما نَقَصَ. فَإِنِ اسْتَخْلَفَ سَقَطَ الضَّمَانُ، في أحَدِ الْوَجْهَيْنِ. ــ أشْبَهَ قَطْعَ الِإذْخِرِ، ويُباحُ أخْذُ الكَمْأةِ (١) مِن الحَرَمِ، وكذلك الفَقْعُ (٢)؛ لأنَّه لا أَصْلَ له، فأشْبَهَ الثّمَرَةَ. وروَى حَنْبَلٌ، قال: يُؤْكَلُ مِن شَجَرِ الحَرَمِ الضَّغابِيسُ (٣)، والعِشْرِقُ (٤)، وما سَقَطَ مِن الشَّجَرِ، وما أنْبَتَ النَّاسُ. ١٢٥١ - مسألة: (ومَن قَطَعه ضَمِن الشَّجَرَةَ الكَبِيرَةَ ببَقَرَةٍ، والصَّغِيرَةَ بشاةٍ، والحَشِيشَ بقِيمَتِه، والغُصْنَ بما نَقَصَ (٥). فإنِ اسْتَخْلَفَ سَقَط الضَّمانُ، في أحَدِ الوَجْهَيْن) يَجِبُ الضَّمانُ في إتْلافِ شَجَرِ الحَرَمِ وحَشِيشِه. وبه قال الشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ. وقال مالكٌ،

стр. 4130

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأبو [ثَورٍ، و] (١) داودُ، وابنُ المُنْذِرِ: لا يَضْمَنُ؛ لأنَّ المُحْرِمَ لا يَضْمَنُه في الحِلِّ، فلا يَضْمَنُ في الحَرَمِ، كالزَّرْعِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: لا أجِدُ دَلالَةً أُوجِبُ بها في شَجَرِ الحَرَمِ فَرْضًا؛ مِن كتابٍ، ولا سُنَّةٍ، ولا إجْماعٍ، وأقولُ كما قال مالكٌ: نَسْتَغْفِرُ الله تعالى. ولَنا، ما روَى أبو هَشِيمَةَ، قال: رَأْيتُ عمرَ بنَ الخَطَّابِ، ﵁، أمَر بشَجَرٍ كان في المَسْجِدِ يَضُرُّ بأهْلِ الطَّوافِ، فقُطِعَ، وفُدِىَ. قال: وذَكَر البَقَرَةَ.

стр. 4131

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رَواه حَنْبَلٌ في «المَناسِك». وعن ابنِ عباسٍ، رَضِىَ الله عنهما، أنَّه قال: في الدَّوْحَةِ بَقَرَةٌ، وفى الجَزْلَةِ شاةٌ. قال: والدَّوْحَةُ: الشَّجَرَةُ العَظِيمَةُ، والجَزْلَةُ: الصَّغِيرَةُ. ونحوُه عن عَطاءٍ. ولأنَّه مَمْنُوعٌ منه؛ لحُرْمَةِ الحَرَمِ، فضُمِن، كالصَّيْدِ، ويُخالِفُ المُحْرِمَ، فإنَّه لا يُمْنَعُ مِن قَطْع شَجَرِ الحِلِّ، ولا زَرْعِ الحَرَم. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يَضْمَنُ الشَّجَرَةَ الكَبِيرَةَ ببَقَرَةٍ، والصَّغِيرَةَ بشَاةٍ، والحَشِيشَ بقِيمَتِه، والغُصْنَ بما نَقَص، كأعْضاءِ الحَيَوانِ. وبه قال الشافعىُّ. وقال أصحابُ الرَّأْىِ: يَضْمَنُ الكُلَّ بقِيمَتِه. وعن أحمدَ مثلُ ذلك. وعنه، في الغُصْنِ الكَبِيرِ شاةٌ. ولَنا، قولُ ابنِ عباسٍ، وعَطاءٍ، ولأنَّه أحَدُ نَوْعَىْ ما يَحْرُمُ إتْلافُه، فكان فيه ما يُضْمَنُ بمُقَدَّرٍ، كالصَّيْدِ. فإن قَطَع غُصْنًا أو حَشِيشًا، فاسْتَخْلَفَ، سَقَط ضَمانُه، كما لو قَطَع شَعَرَ آدَمِىٍّ فنَبَتَ. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه لا يَسْقُطُ؛ لأنَّ الثانِىَ غيرُ الأوَّلِ، فهو كما لو حَلَق المُحْرِمُ شَعَرًا، فعادَ. فصل: ومَن قَلَع شَجَرَةً مِن الحَرَمِ، فغَرَسَها في مَكانٍ آخَرَ، فيَبِسَتْ، ضَمِنَها؛ لأنَّه أتْلَفَها. وإن غَرَسَها في الحَرَمِ، فنَبَتَتْ، لم يَضْمَنْها؛ لأنَّه لم يُتْلِفْها، ولم يُزِلْ حُرْمَتَها، وإن نَقَصَتْ، ضَمِنَ نَقْصَها.

стр. 4132

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وإن غَرَسَها في الحِلِّ فَنَبَتَتْ، فعليه رَدُّها إليه؛ لأنَّه أزَالَ حُرْمَتَها. فإن تَعَذَّرَ رَدُّها، أو رَدَّها فيَبِسَتْ، ضَمِنَها. وإنْ قَلَعَها غيرُه مِن الحِلِّ، فقال القاضى: الضَّمانُ على الثانى؛ لأنَّه أتْلَفَهَا. فإن قِيلَ: فلِمَ لا يَجِبُ على المُخْرِجِ، كالصَّيْدِ إذا نَفَّرَه إنْسَانٌ مِن الحَرَمِ، فقَتَلَه إنْسانٌ في الحِلِّ،

стр. 4133

وَمَنْ قَطع غُصْنًا في الْحِلِّ أصْلُهُ في الْحَرَمِ، ضَمِنَهُ. فَإِنْ قَطَعَهُ في الْحَرَمِ وَأَصْلُهُ في الْحِلِّ، لَمْ يَضْمَنْهُ، فِى أحَدِ الْوَجْهَيْنِ. ــ فإنَّ الضَّمانَ على المُنَفِّرِ؟ قُلْنا: الشَّجَرُ لا يَنْتَقِلُ بنَفْسِه، ولا تَزُولُ حُرْمَتُه بإخْراجِه، ولهذا وَجَب على مُخْرِجِه رَدُّه, والصَّيْدُ يكونُ تارَةً في الحَرَمِ، وتارَةً في الحِلِّ، فمَن نَفَّرَه فقد فَوَّتَ حُرْمَتَه، فلَزِمَه جَزاؤُه، وهذا لم يُفوِّتْ حُرْمَتَه (١) بالِإخْرَاجِ، فكان الجَزاءُ على المُتْلِفِ؛ لأنَّه أتْلَفَ شَجَرًا حَرَمِيًّا مُحَرَّمًا إتْلافُه. ١٢٥٢ - مسألة: (وإن قَطَع غُصْنًا في الحِلِّ أصْلُه في الحَرَمِ، ضَمِنَه. وإن قَطَع غُصْنًا في الحَرَمِ أصْلُه في الحِلِّ، لم يَضْمَنْه، في أحَدِ

стр. 4134

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الوَجْهَيْن) إذا كانتِ الشَّجَرَةُ في الحَرَمِ غُصْنُها في الحِلِّ، فعلى قاطِعِه الضَّمانُ؛ لأنَّه تابِعٌ لأصْلِه، وإن كانت في الحِلِّ وغُصْنُها في الحَرَمِ، لم يَضْمَنْه، في أحَدِ الوَجْهَيْن. اخْتارَه القاضى؛ لأنَّه تابعٌ لأصْلِه، فهى كالتى قَبْلَها. وفى الآخَرِ، يَضْمَنُه. اخْتارَه ابنُ أبى موسى؛ لأنَّه في الحَرَم. فإن كان بعضُ الأصْلِ في الحَرَمِ، وبعضُه في الحِلِّ، ضَمِنَ الغُصْنَ، سَوَاءٌ كان في الحِلِّ، أو في الحَرَمِ، تَغْلِيبًا لحُرْمَةِ الحَرَمِ، كالصيدِ الواقِفِ بعضُه في الحِلِّ، وبعضُه في الحَرَم. فصل: يُكْرَهُ إخْراجُ تُرابَ الحَرَمِ وحَصاه؛ لأنَّ ابنَ عباسٍ وابنَ عمرَ كَرِهاه. ولا يُكْرَهُ إخْراجُ ماءِ زَمْزَمَ؛ لأنَّه يُسْتَخْلَفُ، فهو كالثّمَرَةِ.

стр. 4135

فَصْلٌ: وَيَحْرُمُ صَيْدُ الْمَدِينَةِ وَشَجَرُهَا وَحَشِيشُهَا، إِلَّا مَا تَدْعُو ــ فصل: قال، ﵀: (ويَحرُمُ صَيْدُ المَدِينَةِ وشَجَرُها وحَشِيشُها،
следующие страницы →