← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لأنَّه مُثْبِتٌ، وأُسامَةُ نافٍ، ولأنَّ أُسامَةَ كان حَدِيثَ السِّنِّ، فيَجُوزُ أن يكونَ اشْتَغَلَ بالنَّظَر إلى ما في الكَعْبَةِ عن صلاةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ . وإن لم يَدْخُلِ البَيْتَ، فلا بَأْسَ، فإنَّ إسْماعِيلَ بنَ أبى (١) خالدٍ قال: قُلْتُ لعبدِ اللَّهِ ابِن أبى أوفَى: دَخَل النبى ﷺ البَيْتَ في عُمْرَتِه؟ قال: لا. مُتَّفَقٌ عليه (٢). وعن عائشةَ، رَضِىَ اللَّه عَنها، أنَّ النبىَّ ﷺ خَرَجَ مِن عندِها وهو مَسْرُورٌ، ثم رَجَعَ وهو كَئِيبٌ. فقال: «إنِّى دَخَلْتُ الْكَعْبَةَ، وَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِى مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا دَخَلْتُهَا، إنِّى أَخَافُ أنْ أكُونَ قَدْ شَقَقْتُ عَلَى أُمَّتِى» (٣).

стр. 4307

ثُمَّ يَأْتِى زَمْزَمَ، فَيَشْرَبُ مِنْهَا لِمَا أَحَبَّ، وَيَتَضَلَّعُ مِنْهُ، وَيَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا وَاسِعًا، وَرِيًّا وَشِبَعًا، وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ، وَاغْسِلْ بِهِ قَلْبِى، وَامْلأهُ مِنْ خَشْيَتِكَ وَحِكْمَتِكَ. ــ ١٣١٣ - مسألة: ويُسْتَحَبُّ أن (يأْتِىَ زَمْزَمَ، فيَشْربُ مِن مائِها لِما أحَبَّ، ويَتَضَلَّعُ (١) منه) قال جابِرٌ في صِفَةِ حَجِّ النبىِّ ﷺ : ثم أتَى بنى عبدِ المُطَّلِبِ وهم يَسْقُونَ، فَنَاوَلُوه دَلْوًا، فشَرِبَ منه (٢). ورُوِىَ أنَّ النبىَّ ﷺ قال: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» (٣). وعن [محمدِ بنِ] (٤) عبدِ الرحمنِ بنِ أبىِ بكرٍ، قال: كُنْتُ عندَ ابنِ عباسٍ جالِسًا، فجاءَه رجلٌ، فقالَ: مِن أينَ جِئْتَ؟ قال: مِن زَمْزَمَ. قال: فَشَرِبْتَ منها كما يَنْبَغى؟ قال: فكيف؟ قال: إذا شَرِبْتَ منها، فاسْتَقْبِلِ الكَعْبَةَ، واذْكُرِ اسمَ اللَّهِ، وتَنَفَّسْ ثَلَاثًا مِن زَمْزَمَ، وتَضَلَّعْ منها، فإذَا فَرَغْتَ فاحْمَدِ اللَّهَ، فإنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: «آيَةُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ المُنَافِقِينَ، أنَّهُمْ لَا يَتَضَلَّعُونَ مِنْ زَمْزَمَ». رَواهما ابنُ ماجه (٥). (ويَقُولُ) عندَ الشُّرْبِ (بِسْمِ اللَّه، اللَّهُمَّ اجْعَلْه لَنا عِلْمًا نافِعًا، ورِزْقًا واسِعًا، ورِيًّا وشِبَعًا، وشِفَاءً مِن كلِّ

стр. 4308

فَصْلٌ: ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى مِنًى، وَلَا يَبِيتُ بِمَكَّةَ لَيَالِىَ مِنًى، ــ دَاءٍ، واغْسِلْ به قَلْبِى، وامْلَأه مِن خشْيَتِكَ وحِكْمَتِكَ). فصل: قال الشَّيْخُ، ﵀: (ثم يَرْجِعُ إلى مِنًى، ولا يَبِيتُ بمَكَّةَ لَيالِىَ مِنًى) السُّنَّةُ لمَن أفاضَ يومَ النَّحْرِ أن يَرْجِعَ إلى مِنًى؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّ النبىَّ ﷺ أفاضَ يومَ النَّحْرِ، ثم رَجَع، فصَلَّى الظُّهْرَ بمِنًى. مُتَّفَقٌ عليه (١). والمَبِيتُ بمِنًى في لَيالِيها واجِبٌ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن عن أحمدَ. وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ. رُوِى ذلك عن ابنِ عباسٍ، وهو قَوْلُ عُرْوَةَ، ومُجاهِدٍ، وإبراهيمَ، وعَطاءٍ. ورُوِىَ عن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ. وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ. والثانيةُ، ليس بواجِبٍ. رُوِى ذلك عن الحسنِ. ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ: إذا رَمَيْتَ الجَمْرَةَ فبِتْ حيثُ شِئْتَ، ولأنَّه قد حَلَّ مِن حَجِّه، فلم يَجِبْ عليه المَبِيتُ بمَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ، كلَيْلَةِ الحَصْبةِ (٢). ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأُولَى، أنّ ابنَ عُمَرَ روَى أنَّ النبىَّ ﷺ رَخَّصَ للعباسِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ أن يَبِيتَ بمَكَّةَ لَيَالِىَ مِنًى، مِن أجْلِ سِقَايَتِه. مُتّفَقٌ عليه (٣). وتَخْصِيصُ العباسِ بالرُّخْصَةِ

стр. 4309

ويَرْمِى الْجَمَرَاتِ بِهَا فِى أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بعْدَ الزَّوَالِ، كُلَّ جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، فَيَبْدَأُ بِالْجَمْرَةِ الْأُولَى، وَهِىَ أَبْعَدُهُنَّ مِنْ مَكَّةَ، وَتَلِى مَسْجِدَ الْخَيْفِ، فَيَجْعَلُهَا عَنْ يَسَارِهِ، وَيَرْمِيهَا بِسَبْعٍ، ثُمَّ ــ لعُذْرِه دَلِيلٌ على أنَّه لا رُخْصَةَ لغيرِه. وعن ابنِ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، قال: لم يُرَخِّصِ النبىُّ ﷺ لأحَدٍ يَبِيتُ بمَكَّةَ إلَّا للعباسِ؛ مِن أجْلِ سِقايَتِه. رَواه ابنُ ماجَه (١). ولأنَّ النبىَّ ﷺ فَعَلَه نُسُكًا، وقال: «خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ» (٢). ١٣١٤ - مسألة: (ويَرْمِى الجَمَراتِ بها في أيَّامِ التَّشْرِيقِ بعدَ الزَّوَالِ، كلَّ جَمْرَةٍ بسَبْعِ حَصَيَاتٍ، فيَبْدَأُ بالجَمْرَةِ الأُولَى، وهى أبْعَدُهُنَّ مِن مَكَّةَ، وتَلِى مَسْجِدَ الخَيْفِ، فيَجْعَلُها عن يَسَارِه، ويَرْمِيها

стр. 4310

يَتَقَدَّمُ قَلِيلًا، فَيَقِفُ يَدْعُو اللَّه وَيُطيلُ، ثُمَّ يَأْتِى الْوُسْطَى فَيَجْعَلُهَا عَنْ يَمِينِهِ، وَيَرْمِيهَا بِسَبْعٍ، وَيَقِفُ عِنْدَهَا فَيَدْعُو، ثُمَّ يَرْمِى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ بِسَبْعٍ، وَيَجْعَلُهَا عَنْ يَمِينِهِ، وَيَسْتَبْطِنُ الْوَادِىَ، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ فِى الْجَمَرَاتِ كُلِّهَا. ــ بسَبْعٍ، ثم يَتَقَدَّمُ قَلِيلًا، فيَقِفُ يَدْعُو اللَّهَ تعالى ويُطِيلُ، ثم يَأْتِى الوُسْطَى، فيَجْعَلُها عن يَمِينِه، ويَرْمِيها بسَبْعٍ، ويَقِفُ عِنْدَها فيَدْعُو، ثم يَرْمِى جَمْرَةَ العَقَبَةِ بسَبْعٍ، ويَسْتَبْطِنُ الوَادِىَ، ولا يَقِفُ عندَها، ويَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ في الجَمَرَاتِ كُلِّها) قد ذَكَرْنا أنَّ جُمْلَةَ ما يَرْمِى به الحاجُّ سَبْعُونَ حَصَاةً؛ سَبْعَةٌ منها يَرْمِى بها يومَ النَّحْرِ بعدَ طُلُوعِ الشمسِ، وبَاقِيها في أيَّامِ التَّشْرِيقِ الثَّلَاثَةِ بعدَ زَوالِ الشمسِ، كلَّ يَوْمٍ إحْدَى وعِشْرِينَ حَصَاةً، لثَلاثِ جَمَرَاتٍ، يَبْدَأُ بالجَمْرَةِ الأُولَى، وهى أبعدُ الجَمَراتِ مِن مَكَّةَ، قَرِيبًا مِن مَسْجِدِ الخَيْفِ، فيَجْعَلُها عن يَسَارِه، ويَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ، ويَرْمِيها بسَبْعٍ حَصَيَاتٍ، كما وَصَفْنا في رَمْىِ جَمْرَةِ العَقَبَةِ، ثم يَتَقَدَّمُ منها إلى مَكانٍ لا يُصِيبُه الحَصَى، فيَقِفُ طَوِيلًا يَدْعُو اللَّهَ تَعالَى رافِعًا يَدَيْه، ثم يَتَقَدَّمُ إلى الوُسْطَى، فيَجْعَلُها عن يَمِينهِ، ويَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ، ويَرْمِيها بسَبْعٍ، ويَفْعَلُ مِن الوُقُوفِ والدُّعَاءِ كما فَعَل في الأُولَى، ثم يَرْمِى جَمْرَةَ العَقَبَةِ بسَبْعٍ، ويَسْتَبْطِنُ الوادِىَ، ويَسْتَقْبِلُ القِبلَةَ، ولا يَقِفُ عِندَها. هذا قولُ الشافعىِّ. ولا نَعْلَمُ في جميعِ ذلك خِلافًا، إلَّا أنَّ مالِكًا قال: ليس بمَوْضِعٍ لرَفْعِ اليَدَيْنِ.

стр. 4311

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقد ذَكَرْنا الخِلافَ فيه عندَ رُؤْيَةِ البَيْتِ (١). وقال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللَّهِ يُسْألُ، أيَقُومُ الرجل عندَ الجَمْرَتَيْن إذا رَمَى؟ قال: إى لعَمْرِى شَدِيدًا، ويُطِيلُ القِيامَ أيضًا. قيلَ: فإلَى أين يَتَوَجَّهُ في قِيامِه؟ قال: إلى القِبْلَةِ. ويَرْمِيها مِن بَطنِ الوَادِى. والأصْلُ في هذا ما رَوَتْ عائشةُ، قالت: أفاضَ رسولُ اللَّهِ ﷺ مِن آخِرِ يَوْمِه حينَ صلَّى الظُّهْرَ، ثم رَجَع إلى مِنًى، فمَكَثَ بها لَيَالِىَ أيَّامِ التَّشْرِيقِ يَرْمِى الجَمْرَةَ إذا زَالَتِ الشمسُ، كلَّ جَمْرَةٍ بسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مع كلِّ حَصَاةٍ، ويَقِفُ عندَ الأُولَى والثانيةِ ويَتَضَرَّعُ، ويَرْمِى الثالثةَ، ولا يَقِفُ عندَها. رَواه أبو داودَ (٢). وعن ابنِ عُمَرَ أنَّه كان يَرْمِى الجَمْرَةَ الأُولَى بسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ على إثْرِ كلِّ حَصَاةٍ، ثم يَتَقَدَّمُ، ويَسْتَهِلُّ، ويَقُومُ قِيامًا طَوِيلًا، ويَرْفَعُ يَدَيْه، ثم يَرْمِى الوُسْطَى، ويَأْخُذُ بذاتِ الشِّمالِ، ويَسْتَهِلُّ، ويَقُومُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ قِيامًا طويلًا، ثم يَرْفَعُ يَدَيْه، ويَقُومُ طويلًا، ثم يَرْمِى جَمْرَةَ

стр. 4312

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ العَقَبَةِ مِن بَطْنِ الوَادِى، ولا يَقِفُ عندَها، ثم ينْصَرِفُ، ويقولُ: هكذا رَأيْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُه. رَواه البخارىُّ (١). وروَى أبو داودَ، أنَّ ابنَ عُمَرَ كان يَدْعُو بدُعَائِه الذى دَعَا به بعَرَفَةَ ويَزِيدُ: وأصْلِحْ وأتِمَّ لَنَا مَنَاسِكَنَا. وقال ابنُ المُنْذِرِ: كان ابنُ عُمَرَ، وابنُ مَسْعُودٍ يَقُولَانِ عندَ الرَّمْى: اللَّهُمَّ اجْعَلْه حَجًّا مَبْرُورًا، وذَنْبًا مَغْفُورًا (٢). وروَى عبدُ الرحمنِ ابنُ يَزِيدَ (٣) قال: أفَضْتُ مع عبدِ اللَّهِ، فرَمَى بسَبْعِ حَصَياتٍ، يُكَبِّرُ مع كلِّ حَصَاةٍ، ويَسْتَبْطِنُ الوَادِىَ، حتى إذا فَرَغ، قال: اللَّهُمَّ اجْعَلْه حَجًّا مَبْرُورًا، وذَنْبًا مَغْفُورًا. ثم قال: هكذا رَأيْتُ الذى أُنْزِلَتْ عليه سُورَةُ البَقَرَةِ صَنَع. رَواه الأثْرَمُ (٤). فصل: ولا يَرْمِى إلَّا بعدَ الزَّوالِ، فإن رَمَى قبلَ الزَّوالِ أعادَ. نَصَّ عليه. ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عُمَرَ. وبه قال مالكٌ، والثَّورِىُّ، والشافعىُّ،

стр. 4313

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْى، وعَطاءٌ، إلَّا أنَّ إسحاقَ، وأصحابَ الرَّأْى، رَخَّصُوا في الرَّمْى يومَ النَّفْرِ قبلَ الزَّوَالِ. ولا يَنْفُرُ إلَّا بعدَ الزَّوالِ. وعن أحمدَ مِثْلُه. ولَنا، أنَّ النبىَّ ﷺ إنَّما رَمَى بعدَ الزَّوالِ؛ لقولِ جابِرٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، رَأَيْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يَرْمِى الجَمْرَةَ ضُحَى يَوْم النَّحْرِ، ورَمَى بعدَ ذلك بعدَ زَوالِ الشمسِ (١). وقد قال النبىُّ ﷺ : «خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ» (٢). وقال ابنُ عُمَرَ: كُنَّا نَتَحَيَّنُ إذا زَالَتِ الشمسُ رَمَيْنا. وأىَّ وَقْتٍ رَمَى بعدَ الزَّوالِ أجْزأه؛ إلَّا أنَّ المُسْتَحَبَّ المُبادَرَةُ إليها حينَ الزَّوالِ، كما قال ابنُ عُمَرَ. وقال ابنُ عباسٍ: كان رسولُ اللَّهِ ﷺ يَرْمِى الجِمارَ إذا زَالَتِ الشمسُ، قَدْرَ ما إذا فَرَغ مِن رَمْيِه صَلَّى الظُّهْرَ. رَواه ابنُ ماجَه (٣). فصل: فإن تَرَك الوُقُوفَ عندَها والدُّعَاءَ، تَرَك السُّنَّةَ، ولا شئَ عليه. وبه قال الشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو حنيفةَ. وعن الثَّوْرِىِّ، أنَّه

стр. 4314

وَالتَّرتِيبُ شَرْطٌ فِى الرَّمْى. وَفِى عَدَدِ الْحَصَى رِوَايَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا، سَبْعٌ. وَالْأُخْرَى، يُجْزِئُهُ خَمْسٌ. ــ قال: يُطْعِمُ شيئًا، وإن أراقَ دَمًا أحَبُّ إلىَّ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ فَعَلَه، فيكونُ نُسُكًا. ولَنا، أنَّه دُعاءٌ ووُقُوفٌ مَشْرُوعٌ، فلم يَجِبْ بتَرْكِه دَمٌ، كحالَةِ رُؤْيَةِ البَيْتِ، وكسائِرِ الأدْعِيَةِ، والنبىُّ ﷺ يَفْعَلُ الواجِباتِ والمَنْدُوباتِ، وقد ذَكَرْنا الدَّلِيلَ على أنَّه مَنْدُوبٌ. ١٣١٥ - مسألة: (والتَّرْتِيبُ شَرْطٌ في الرَّمْى. وفى عَدَدِ الحَصَى رِوايَتان؛ إحداْهُما سَبْعٌ. والأُخْرَى، يُجْزِئُه خَمْسٌ) التَّرْتِيبُ في هذه الجَمَراتِ واجِبٌ، على ما ذَكَرْناه. فإن نَكَسَ، فبَدَأ بجَمْرَةِ العَقَبَةِ، ثم الثَّانيةِ، ثم الأُولَى، أو بَدَأ بالوُسْطَى، ورَمَى الثَّلاثَ، لم يُجْزِئْه إلَّا الأُولَى، وأعادَ الوُسْطَى والقُصْوَى. نَصَّ عليه أحمدُ. وإن رَمَى القُصْوَى، ثم الأُولَى، ثم الوُسْطَى، أعادَ القُصْوَى وَحْدَها. وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ. وقال الحَسَنُ، وعَطاءٌ: لا يَجِبُ التَّرْتِيبُ. وهو قَوْلُ أبى حنيفةَ، فإنَّه قال: إذا رَمَى مُنْكِسًا، يُعِيدُ، فإن لم يَفْعَلْ أجْزَأه. واحْتَجَّ بعضُهم بما رُوِى عن النبىِّ ﷺ ، أنَّه قال: «مَنْ قَدَّمَ نُسُكًا بَيْنَ يَدَىْ نُسُكٍ فَلَا حَرَجَ» (١). ولأنَّها مَناسِكُ مُتَكَرِّرَةٌ، وفى أمْكِنَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ في وَقْتٍ

стр. 4315

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ واحِدٍ، ليس بعضُها تَابِعًا لبعضٍ، فلم يُشْتَرَطِ التَّرْتِيبُ فيها، كالرَّمْى، والذَّبْحِ. ولَنا، أنَّ النبىَّ ﷺ رَتَّبَها في الرَّمْى، وقال: «خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ» (١). ولأنَّه نُسُكٌ مُتَكَرِّرٌ، فاشْتُرِطَ التَّرْتِيبُ فيه، كالسَّعْى. وحَدِيثُهم إنَّما هو في مَن يُقَدِّمُ نُسُكًا على نُسُكٍ، لا في مَن يُقَدِّمُ بعضَ النُّسُكِ على بعضٍ. وقِياسُهم يَبْطُلُ بالطَّوَافِ والسَّعْى. فصل: والأَوْلَى في الرَّمْى أن لا يَنْقُصَ عن سَبْعِ حَصيَاتٍ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ رَمَى بسَبْعٍ، فإن نَقَص حَصَاةً أو حَصَاتَيْن، فلا بَأْسَ، ولا يَنْقُصُ أكْثَرَ مِن ذلك. نَصَّ عليه. وهو قولُ مُجاهِدٍ، وإسحاقَ. وعنه، إن رَمَى بسِتٍّ نَاسِيًا، فلا شئ عليه، ولا يَنْبَغِى أن يَتَعَمَّدَه، فإن تَعَمَّدَ ذلك، تَصَدَّقَ بشئٍ. وكان ابنُ عُمَرَ يقولُ: ما أُبالِى، رَمَيْتُ بسِتٍّ أو سَبْعٍ. قال ابنُ عباسٍ: ما أدْرِى، رَمَاها النبىُّ ﷺ بسِتٍّ أو بسَبْعٍ. وعن أحمدَ، أنَّ عَدَدَ السَّبْعِ شَرْطٌ. ويُشْبِهُ مَذْهَبَ الشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْى؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ رَمَى بسَبْعٍ. وقال أبو حَيَّةَ: لا بَأْسَ بما رَمَى به الرجلُ مِن الحَصا. فقالَ عبدُ اللَّهِ بنُ عَمْرٍو: صَدَقَ أبو حَيَّةَ. وكان أبو حَيَّةَ بَدْرِيًّا. ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأُولَى، ما روَى ابنُ أبى نَجِيحٍ، قال: سُئِلَ

стр. 4316

فَإِنْ أَخَلَّ بِحَصَاةٍ وَاجِبَةٍ مِنَ الْأُولَى، لَمْ يَصِحَّ رَمْىُ الثَّانِيَةِ. فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مِنْ أَىِّ الْجِمَارِ تَرَكَهَا، بَنَى عَلَى الْيَقِينِ. ــ طاوُسٌ عن رجلٍ تَرَك حَصَاةً؟ قال: يَتَصَدَّقُ بتَمْرَةٍ أو لُقْمَةٍ. فذَكَرْتُ ذلك لمُجاهِدٍ، فقالَ: إنَّ أبا عبدِ الرحمنِ لم يَسْمَعْ قولَ سَعْدٍ، قال سَعْدٌ: رَجَعْنَا مِن الحَجَّةِ (١) مع رسولِ اللَّهِ ﷺ ، بعضُنا يَقُولُ: رَمَيْتُ بسِتٍّ. وبعضُنا: بسَبْعٍ. فلم يَعِبْ ذلك بعضُنا على بعضٍ. رَواه الأثْرَمُ وغيرُه (٢). ١٣١٦ - مسألة: (فإن أخَلَّ بحَصاةٍ واجِبَةٍ مِن الأُولَى، لم يَصِحَّ رَمْىُ الثَّانيةِ) حتى يُكْمِلَ الأُولَى؛ لإِخْلالِه بالتَّرْتِيبِ (فإن لم يَعْلَمْ مِن أىِّ الجِمارِ تَرَكَها، بَنَى على اليَقِينِ) ليَتَيَقَّنَ بَراءَةَ الذِّمَّةِ. فإن أخَلَّ بحَصاةٍ غيرِ واجِبَةٍ، لم يُؤَثِّرْ تَرْكُها.

стр. 4317

وَإِنْ أَخَّرَ الرَّمْىَ كُلَّهُ، فَرَمَاهُ فِى آخِرِ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، أَجْزَأَهُ، وَيُرَتِّبُهُ بِنِيَّتِهِ. وَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، أَوْ تَرَكَ الْمَبِيت بِمِنًى فِى لَيَالِيهَا، فَعَلَيْهِ دَمٌ. وَفِى حَصَاةٍ أَوْ لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ مَا فِى حَلْقِ شَعَرِهِ. ــ ١٣١٧ - مسألة: (وإنْ أخَّرَ الرَّمْىَ كلَّه، فرَمَاه في آخِرِ أيامِ التَّشْرِيقِ، أجْزَأه، ويُرَتِّبُه بنِيَّتِه. وإن أخَّرَه عن أيَّامِ التَّشْرِيقِ، أو تَرَكَ المَبِيتَ بمِنًى في لَيالِيها، فعليه دَمٌ، وفى حَصَاةٍ أو لَيْلَةٍ واحِدَةٍ ما في حَلْقِ شَعَرِه) إذا أخَّرَ رَمْىَ يَوْمٍ إلى ما بَعْدَه، أو أخَّرَ الرَّمْىَ كلَّه إلى آخِرِ أيَّامِ التَّشْرِيقِ، تَرَك السُّنَّةَ، ولا شئَ عليه، إلَّا أنَّه يُقَدِّمُ بالنِّيَّةِ رَمْىَ اليومِ الأولِ، ثم الثَّانِى، ثم الثالِث. وبذلك قال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وقال أبو حنيفةَ: إن تَرَك حَصاةً أو حَصاتَيْن أو ثلاثًا إلى الغدِ، رماها، وعليه لكلِّ حَصاةٍ نِصْفُ صاعٍ، وإن تَرَك أرْبَعًا، رَمَاها، وعليه دَمٌ. ولَنا، أنَّ أيَّامَ التَّشرِيق وَقْتٌ للرَّمْىِ، فإذا أخَّرَه مِن أوَّلِ وَقْتِه إلى آخِره، لم يَلْزَمْه شئٌ، كما لو أخَّرَ الوُقُوفَ بعَرَفَةَ إلى آخِرِ وَقْتِه. قال القاضى: ولا يَكُونُ رَمْيُه في اليومِ الثانى قَضاءً؛ لأنَّه وَقْتٌ واحِدٌ. فإن سُمِّىَ قَضاءً، فالمُرَادُ

стр. 4318

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ به الفِعْلُ، كقولِه تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ (١). وقَوْلِهم: قَضَيْتُ الدَّيْنَ. والحُكْمُ في رَمْى جَمْرَةِ العَقَبَةِ إذا أخَّرَها، كالحُكْمِ في رَمْى أيَّامِ التَّشْرِيقِ، في أنَّها إذا لم تُرْمَ يَوْمَ النَّحْرِ رُمِيَتْ مِن الغَدِ. وإنَّما قُلْنا: يَلْزَمُه التَّرْتِيبُ بنِيَّتِه؛ لأنَّها عِبادَةٌ يَجِبُ التَّرْتِيبُ فيها إذا فَعَلَها في أيَّامِها، فوَجَبَ تَرْتِيبُها مَجْمُوعَةً، كالمَجْمُوعَتَيْن والفَوائِتِ مِن الصَّلَواتِ. فصل: فإن أخَّرَه عن أيَّامِ التَّشْرِيقِ، فعليه دَمٌ؛ لأنَّه تَرَك نُسُكًا واجبًا، فيَجِبُ عليه دَمٌ؛ لقولِ ابنِ عباسٍ: مَن تَرَك نُسُكًا، أو نَسِيَه فإنَّه يُهْرِقُ دَمًا (٢). ولأنَّ آخِرَ وَقْتِ الرَّمْى آخِرُ أيَّامِ التَّشْرِيقِ، فمتى خَرَجَتْ قبلَ رَمْيِه فاتَ وَقْتُه، واسْتَقَرَّ عليه الفِداءُ الواجِبُ في تَرْكِ الرَّمْى.

стр. 4319

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هذا قولُ أكْثَرِ أهلِ العِلْمِ. وعن عطاءٍ، في مَن رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ، وخَرَج إلى إبلِه في لَيْلَةِ أرْبَعَ عَشْرَةَ، ثم رَمَى قبلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، أجْزَأه، فإن لم يَرْمِ، فعليه دَمٌ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ مَحَلَّ الرَّمْى النَّهارُ، فيَخْرُجُ وَقْتُ الرَّمْى بخُرُوجِ النَّهارِ، وكذلك إن تَرَك المَبِيتَ بمِنًى في لَيالِيها. وهذا مَبْنِىٌّ على الرِّوايَةِ في وُجُوبِ المَبِيتِ بمِنًى. وعن أحمدَ، أنَّه لا شئَ عليه، وقد أساءَ. وهو قولُ أصحابِ الرَّأْى؛ لأنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ فيه بشئٍ. وعنه، يُطْعِمُ شَيْئًا. وخَفَّفَه، ثم قال: قد قال بعضُهم: ليس عليه. وقال إبراهيمُ: عليه دَمٌ. وضَحِكَ، ثم قال: دَمٌ بمرةٍ. شَدَّدَ «بمَرَّةٍ» (١). قُلْتُ: ليس إلَّا أن يُطْعِمَ شيئًا؟ قال: نعم، يُطْعِمُ شيئًا، تَمْرًا أو نحوَه. فعلى هذا، أىُّ شئٍ تَصَدَّقَ به أجْزَأه. ولا فَرْقَ بينَ لَيْلَةٍ أو أكْثَرَ؛ لأنَّه

стр. 4320

وَلَيْسَ عَلَى أَهْلِ سِقَايَةِ الْحَاجِّ وَالرِّعَاءِ مَبِيتٌ بِمِنًى. فَإِنْ غَرَبَتِ ــ لا تَقْدِيرَ فيه. وفيما دُونَ الثَّلاثِ ثَلاثُ رِواياتٍ؛ إحْداهُنَّ، في كلِّ واحِدَةٍ مُدٌّ. والثانيةُ، دِرْهَمٌ. والثالثةُ، نِصْف دِرْهَمٍ. قال الشَّيْخُ (١)، ﵀: وهذا لا نَظِيرَ له، فإنَّا لا نَعْلَمُ في تَرْكِ شئٍ مِن المناسِكِ دِرْهَمًا، ولا نِصْفًا، فإيجابُه بغيرِ نَصَّ تَحَكُّمٌ لا وَجْهَ له. وفى تَرْكِ حَصَاةٍ مِن رَمْى الجِمارِ كذلك، ولأنَّه في مَعْناهُ، وقد ذَكَرْنا ما في حَلْقِ الشَّعَرَةِ فيما مَضَى، وذكرنا الخِلَافَ فيه (٢). ١٣١٨ - مسألة: (وليس على أهْلِ سِقَايَةِ الحاجِّ ولا الرِّعاءِ مَبِيتٌ

стр. 4321

الشَّمْسُ، وَهُمْ بِمِنًى، لَزِمَ الرِّعَاءَ الْمَبِيتُ، دَونَ أَهْلِ السِّقَايَةِ. ــ بمِنًى، فإن غَرَبَتِ الشمسُ، وهم بمِنًى، لَزِمَ الرِّعَاءَ المَبِيتُ، دُونَ أهْلِ السِّقَايَةِ) لِما روَى ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنّ العباسَ اسْتَأْذَنَ النبىَّ ﷺ ، أن يَبِيتَ بمَكَّةَ لَيَالِىَ مِنًى مِن أجْل سِقَايَتِه. مُتَّفَقٌ عليه (١). وقد روَىَ مالكٌ بإسْنادِه، عن أبى البدَّاحِ بنِ عاصِمٍ، عن أبيه، قال: رَخَّصَ رسولُ اللَّهِ ﷺ لرِعاءِ الإِبِلِ في البَيْتُوتَةِ أن يَرْمُوا يومَ النَّحْرِ، ثم يَجْمَعُوا رَمْىَ يَوْمَيْن بعدَ يَوْمِ النَّحْر، يَرْمُونَه في أحَدِهما. قال مالكٌ: ظَنَنْتُ أنَّه قال: في أوَّلِ يومٍ منهما، ثم يَرْمُونَ يومَ النَّفْرِ. رَواه التِّرْمِذِىُّ (٢)، وقال: حَدِيث حَسَنٌ صَحِيحٌ. ورَواهُ ابنُ عُيَيْنَةَ، قال: رَخَّصَ للرِّعاءِ أن يَرْمُوا يَوْمًا ويَدَعُوا يَوْمًا. وكذلك الحُكْمُ في أهْلِ سِقَايَةِ الحاجِّ، إلَّا أنَّ الفَرْقَ بينَ الرِّعاءِ وأهْلِ السِّقَايَةِ، أنَّ الرِّعاءَ إذا قامُوا حتى غَرَبَتِ الشمسُ، لَزِمَهم المَبِيتُ، إذا قُلْنا بوُجُوبِه، وأهلُ السِّقَايَةِ لا يَلْزَمُهُم؛ لأنَّ الرِّعَاءَ إنَّما رَعْيُهمِ بالنَّهارِ، فإذا غَرَبَتِ الشمسُ انْقَضَى وَقْتُ الرَّعْى، وأهلُ السِّقَايَةِ يَسْتَقُونَ باللَّيْلِ، وصارَ الرِّعاءُ كالمَرِيضِ الذى يَسْقُطُ عنه حُضُورُ الجُمُعَةِ لمَرَضِه، فإذا حَضَرَها تَعَيَّنَتْ عليه، كذلك الرِّعاءُ، أُبيحَ لهم تَرْكُ المَبِيتِ

стр. 4322

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لأجْلِ الرَّعْى، فإذا فات وَقْتُه، وَجَب المَبِيتُ. وِأهْلُ الأعْذارِ مِن غيرِ الرِّعاءِ، كالمَرْضَى، ومن له مالٌ يَخافُ ضَياعَه، ونحْوِهم، كالرِّعاءِ في تَرْكِ البَيْتُوتَة؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ رَخَّصَ لهؤلاء تَنْبِيهًا على غيرِهم، فوَجَبَ إلْحاقُهم بهم لوُجُودِ المَعْنَى فيهم. فصل: ومَن كانَ مَرِيضًا، أو مَحْبُوسًا، أو له عُذْرٌ، جاز أن يَسْتَنِيبَ مَن يَرْمِى عنه. قال الأثْرَمُ: قُلْتُ لأبى عبدِ اللَّهِ: إذا رَمَى عنه الجِمارَ، يَشْهَدُ هو ذاك، أم يكونُ في رَحْلِه؟ قال: يُعْجِبُنِى أن يَشْهَدَ ذاك إن قَدَر حينَ يَرْمِى عنه. قُلْتُ: فإن ضَعُفَ عن ذلك، يكونُ في رَحْلِه ويَبْعَثُ مَن يَرْمِى عنه؟ قال: نعم. قال القاضى: المُسْتَحَبُّ أن يَضَعَ الحَصَى في يَدِ النّائِبِ، ليكونَ له عَمَلٌ في الرَّمْى. وإن أُغْمِىَ على المُسْتَنِيبِ لم تَنْقَطِعِ النِّيَابَةُ، وللنّائِبِ الرَّمْىُ عنه، كما لو اسْتَنَابَه في الحَجِّ ثم أُغْمِىَ عليه. وبما ذَكَرْنا في هذه المسألةِ قال الشافعىُّ. ونحوه قال مالكٌ، إلَّا أنَّه قال (١): يَتَحَرَّى المَرِيضُ حينَ رَمْيِهِم، فيُكَبِّرُ سَبْعَ تَكْبِيراتٍ. فصل: ومَن تَرَك الرَّمْىَ مِن غيرِ عُذْرٍ، فعليه دَمٌ. قال أحمدُ: أعْجَبُ إلىَّ إذا تَرَك رَمْىَ الأيَّام كلِّها، كان عليه دَمٌ. وفى ترْكِ جَمْرَةٍ واحِدَةٍ دَمٌ أيضًا. نصَّ عليه أحمدُ. وبه قال عَطاءٌ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.

стр. 4323

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وحُكِىَ عن مالكٍ، أنَّه عليه في جَمْرَةٍ وفى الجَمَرَاتِ كلِّها بَدَنَةٌ. وقال الحسنُ: مَنْ نَسِىَ جَمْرَةً واحِدَةً يَتَصَدَّقُ على مِسْكِينٍ. ولَنا، قولُ ابنِ عباسٍ: مَن تَرَك شَيْئًا مِن مَناسِكِه، فعليه دَمٌ (١). ولأنَّه تَرَك مِن مَناسِكِه ما لا يَفْسُدُ الحَجُّ بتَرْكِه، فكان الواجبُ عليه شاةً، كالمَبِيتِ. وإن تَرَك أقَلَّ مِن جَمْرَةٍ، فالظَّاهِرُ عن أحمدَ، أنَّه لا شئَ في حَصَاةٍ ولا حَصَاتَيْن. وعنه، أنَّه يَجِبُ الرَّمْىُ بسَبْعٍ. فإن تَرَك شَيئًا مِن ذلك تَصَدَّقَ بشئٍ، أىِّ شئٍ كانَ. وعنه، أنَّ في حَصاةٍ دَمًا. وهو مَذْهَبُ مالكٍ، واللَّيْثِ؛ لأنَّ ابنَ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، قال: مَن تَرَك شيئًا مِن مَنَاسِكِه، فعليه دَمٌ. وعنه، في الثلَاثَةِ دَمٌ. وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ. وفيما دُونَ ذلك، في كلِّ حَصَاةٍ مُدٌّ. وعنه، دِرْهَمٌ. وعنه، نِصْفُ دِرْهَمٍ. وقال أبو حنيفةَ: إن تَرَك جَمْرَةَ. العَقَبَةِ أو (٢) الجِمارَ كلَّها، فعليه دَمٌ، وإن تَرَك أقَلَّ مِن ذلك، فعليه في كلِّ حَصَاةٍ نِصْفُ صاعٍ، إلى أن يَبْلُغَ دَمًا. وقد ذَكَرْنا ذلك. فصل: ويُسْتَحَبُّ أن لا يَدَع الصلاةَ مع الإِمَامِ في مَسْجِدِ مِنًى؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ وأصحابَه كانُوا يُصَلُّونَ بمِنًى. قال ابنُ مسعودٍ، رَضِىَ اللَّه

стр. 4324

وَيَخْطُبُ الْإِمَامُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِى مِنْ أيَّامِ التَّشْرِيقِ، خُطْبَةً يُعَلِّمُهُمْ فِيهَا حُكْمَ التَّعْجِيلِ وَالتَّأْخِيرِ، وَتَوْدِيعِهِمْ. فَمَنْ أَحَبَّ أنْ يَتَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ، خَرَجَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَإِنْ غَرَبَتْ وَهُوَ بِهَا، ــ عنه: صَلَّيْتُ مع رسولِ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْن، ومع أبى بَكْرٍ رَكْعَتَيْن، ومع عُمَرَ، وعثمانَ رَكْعَتَيْن صَدْرًا مِن إمارَتِه (١). فإن كان الإِمامُ غيرَ مَرْضِىٍّ صَلَّى المَرْءُ برُفْقَتِه في رَحْلِه. ١٣١٩ - مسألة: (ويَخْطُبُ الإِمامُ في اليَوْمِ الثَّانِى مِن أيَّامِ التَّشْرِيقِ، خُطْبَةً يُعَلِّمُهُم فيها حُكْمَ التَّعْجيلِ والتَّأْخِيرِ، وتَوْدِيعِهم) . وبهذا قال الشافعىُّ وابنُ المُنْذِرِ. وقال أَبو حنيفةَ: لا يُسْتَحَبُّ، قِياسًا على اليَوْمَيْن الآخَرَيْن. ولَنا، ما رُوِى عن رَجُلَيْن مِن بَنِى بَكْرٍ، قالا: رَأيْنا رسولَ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ بينَ أواسِطِ أيَّامِ التَّشْرِيقِ، ونحن عندَ راحِلَتِه. رَواه أبو داودَ (٢). ولأنَّ بالنَّاسِ حاجَةً إلى أن يُعَلِّمَهم كيفَ يَتَعَجَّلُونَ، وكيفَ يُوَدِّعُونَ، بخلافِ اليَوْمِ الأوَّلِ والثالِثِ. ١٣٢٠ - مسألة: (فمَن أحَبَّ أن يَتَعَجَّلَ في يَوْمَيْن، خَرَج قبلَ غُرُوبِ الشمسِ، فإن غَرَبَتِ الشمسُ، وهو بمِنًى لزِمَهُ المَبِيتُ

стр. 4325

لَزِمَهُ المَبِيتُ وَالرَّمْىُ مِنَ الْغَدِ. ــ والرَّمْىُ مِن الغَدِ) أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ مَن أرادَ الخُرُوجَ مِن مِنًى، شاخِصًا عن الحَرَمِ غيرَ مُقِيمٍ بمَكَّةَ، أنَّ له أن يَنْفِرَ بعدَ الزَّوَالِ في اليَوْمِ الثَّانِى مِن أيَّامِ التَّشْرِيقِ، فإن أحَبَّ الإِقامَةَ بمَكَّةَ، فقالَ أحمدُ: لا يُعْجبُنِى لمن نَفَرَ النَّفْرَ الأوَّلَ أن يُقِيمَ بمَكَّةَ. وكان (١) مالكٌ يقولُ في أهْلِ مَكَّةَ: مَن كان له عُذْرٌ، فله أن يَتَعَجَّلَ في يَوْمَيْن، فإن أرادَ التَّخْفِيفَ عن نَفْسِه مِن أمْرِ الحَجِّ، فلا. واحْتَجَّ مَن ذَهَب إلى هذا بقَوْلِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّه عنه: مَن شاءَ مِن النَّاسِ كُلِّهم أن يَنْفِرَ في النَّفْرِ الأوَّلِ، إلَّا آلَ خُزَيْمَةَ، فلا يَنْفِرُوا إلَّا في النَّفْرِ الآخِرِ. جَعَل أحمدُ، وإسْحاقُ مَعْنَى قولِ عُمَرَ: إلَّا آلَ خُزَيْمَةَ. أى أنَّهُم أهلُ الحَرَمِ. والمَذْهَبُ جَواز النَّفْرِ في النَّفْرِ الأوَّلِ لكلِّ أحَدٍ. وهو قولُ عامَّةِ العُلَماءِ؛ لقولِ اللَّهِ تَعالَى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (٢). قال عَطاءٌ: هى للنَّاسِ عامَّةً. وروَى أبو داودَ وابنُ ماجَه (٣)، عن يَحْيَى

стр. 4326

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ابن يَعْمُرَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ ، قال: «أَيَّامُ مِنًى ثَلَاثَةٌ فَمَنْ تَعَجّلَ [فِى يَوْمَيْنِ] (١) فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ، وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ». قال ابنُ عُيَيْنَةَ: هذا أجْودُ حَدِيثٍ رَواه سُفْيانُ. وقال وَكِيعٌ: هذا الحَدِيثُ أُمُّ المَنَاسِكِ، وفيه زِيادَةٌ أنا اخْتَصَرْتُه. ولأنَّه دَفْعٌ مِن مَكانٍ، فاسْتَوَى فيه أهْلُ مَكَّةَ وغيرُهم، كالدَّفْعِ مِن عَرَفَةَ ومُزْدَلِفَةَ. وكَلامُ أحمدَ في هذا أرادَ به الاسْتِحْبابَ، مُوَافَقَةً لقَوْلِ عُمَرَ. فمَن أحَبَّ التَّعْجِيلَ في النَّفْرِ الأوَّلِ، خَرَج قبلَ غُرُوبِ الشمسِ، فإن غَرَبَتْ قبلَ خُرُوجِه مِن مِنًى، لم يَنْفِرْ، سَواءٌ كان ارْتَحَل أو لم يَرْتَحِلْ. هذا قولُ ابنِ عُمَرَ، وجابِرٍ، وعَطاءٍ، وطاوُسٍ، ومُجاهِدٍ، ومالكٍ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ. وقال أبو حنيفةَ: له أن يَنْفِرَ ما لم يَطْلُعْ فَجْرُ اليَوْمِ الثالِثِ؛ لأنَّه لم يَدْخُلْ وَقْتُ رَمْى اليومِ الآخِرِ، فجازَ له النَّفْرُ، كما قبلَ الغُرُوبِ. ولَنا، قولُه سُبْحَانه: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. واليومُ اسْمٌ للنَّهارِ، فمَن أدْرَكَه اللَّيْلُ فما تَعَجَّلَ في يَوْمَيْن. قال ابنُ المُنْذِرِ: ثَبَت عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه قال: مَن أدْرَكَه المَسَاءُ في اليَوْمِ الثَّانِى، فَلْيُقِمْ إلى

стр. 4327

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الغدِ حتى يَنْفِرَ مع النّاسِ (١). وما قاسُوا عليه لا يُشْبِهُ ما نحن فيه، فإنَّه تَعَجَّلَ في يَوْمَيْن. فصل: قال بعضُ أصحابِنا: يُسْتَحَبُّ لمَن نَفَر أن يَأْتِىَ المُحَصَّبَ، وهو الأَبْطَحُ، وحَدُّه ما بينَ الجَبَلَيْن إلى المَقْبَرَةِ، فيُصَلِّىَ به الظُّهْرَ والعصرَ والمَغْرِبَ والعِشاءَ، ثم يَهْجَعَ يَسِيرًا، ثم يَدْخُلَ مَكَّةَ. وكان ابنُ عُمَرَ يَرَى التَّحْصِيبَ سُنَّةً. قال ابنُ المُنْذِرِ: كان ابنُ عُمَرَ يُصَلِّى بالمُحَصَّب الظُّهْرَ والعَصرَ والمَغْرِبَ والعِشاءَ، وكان كَثِيرَ الاتِّبَاعِ لسُنَّةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ وكان طاوُسٌ يُحَصِّبُ في شِعْبِ الخُوزِ (٢). وكان ابنُ عباسٍ، وعائشةُ، لا يَرَيان ذلك سُنَّةً، قال ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما: التَّحْصِيبُ ليس بشئٍ، إنَّما هو مَنْزِلٌ نَزَله رسولُ اللَّهِ ﷺ . وعن عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، أنَّ نُزُولَ الأَبْطَحِ ليسَ بسُنَّةٍ، إنَّما نَزَلَه رسولُ اللَّهِ ﷺ ليكونَ أسْمَحَ لخُرُوجِه إذا خَرَج. مُتَّفَقٌ عليهما (٣). ومَن اسْتَحَبَّ ذلك فلاتِّباعِ رسولِ اللَّهِ

стр. 4328

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﷺ ، فإنَّه كان يَنْزِلُه. قال نافِعٌ: كان ابنُ عُمَرَ يُصَلِّى بها الظُّهْرَ والعَصْرَ والمَغْرِب والعِشَاءَ، ويَهْجَعُ هَجْعَةً، ويَذْكُرُ ذلك عن رسولِ اللَّهِ ﷺ . مُتَّفَقٌ عليه (١). وقال ابنُ عُمَرَ: كان رسولُ اللَّهِ وأبو بَكْرٍ وعُمَرُ وعثمانُ يَنْزِلُونَ الأبطَحَ. قال التِّرْمِذِىُّ (٢): هذا حَدِيثٌ حَسنٌ غَرِيبٌ. ولا خِلافَ أنَّه لا يَجِبُ، ولا شئَ على تارِكِه. فصل: ويُسْتَحَبُّ لمَن حَجَّ أن يَدْخُلَ البَيْتَ، وقد ذَكَرْناه، ولا يَدْخُلُه بنَعْلَيْه ولا خُفَّيْه، ولا إلى الحِجْرِ؛ لأنَّه مِن البَيْتِ، ولا يَدْخُلُ الكَعْبَةَ بسِلاحٍ. قال أحمدُ: وثِيابُ الكَعْبَةِ إذا نُزِعَتْ يُتَصَدَّقُ بها. وقال (٣): إذا أرادَ أن يَسْتَشْفِىَ بشئٍ مِن طِيبِ الكَعْبَةِ، فيَأْتِ بطِيبٍ، مِن عندِه، فيُلْزِقَه على البَيْتِ بحيثُ يَأْخُذُه، ولا يَأْخُذْ مِن طِيبِ البَيْتِ شيئًا. ولا يُخْرِجْ مِن تُرابِ الحَرَمِ، ولا يُدْخِلْ فيه مِن الحِلِّ. كذلك قال ابنُ عُمَرَ،

стр. 4329

فَإِذَا أَتَى مَكَّةَ، لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى يُوَدِّعَ الْبَيْتَ بِالطَّوَافَ، إِذَا فَرَغَ ــ وابنُ عباسٍ. ولا يُخْرِجْ مِن حجارَةِ مَكَّةَ إلى الحِلِّ، والخُرُوجُ أشَدُّ، إلَّا أنَّ ماءَ زَمْزَمَ أخْرَجَه كَعْبٌ. فصل: قال أحمدُ، رَضِىَ اللَّه عَنه: كيفَ لنا بالجِوارِ بمَكَّةَ! قال النبىُّ ﷺ : «وَاللَّهِ إِنَّكِ لأحَبُّ البِقَاعِ إلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّى أُخرِجْتُ مِنْكِ مَا خرَجْتُ» (١). وإنَّما كَرِه عُمَرُ الجِوارَ بمَكَّةَ، لمَن هاجَرَ منها، وجابِرُ بنُ عبدِ اللَّهِ جاوَرَ بمَكَّةَ وجميعُ أهَلِ البلادِ، ومَن كان مِن أهْلِ اليَمَنِ ليس بمَنْزِلَةِ مَن يَخْرُجُ ويُهاجِرُ. أى لا بَأْس به. وابنُ عُمَرَ كان يُقِيمُ بمَكَّةَ. قال: والمُقامُ بالمَدِينَةِ أحَبُّ إلَىَّ مِن المُقام بمَكَّةَ، لمَن قَوِىَ عليه؛ لأنَّها مُهاجَرُ المُسْلِمينَ، وقد قال النبىُّ ﷺ : «لَا يَصْبِرُ أحَدٌ عَلَى لَأوَائِهَا وَشِدَّتِهَا إلَّا كُنْتُ له شَفِيعًا يَوْمَ القِيَامَةِ» (٢). ١٣٢١ - مسألة: (فإذا أتَى مَكَّةَ، لم يَخْرُجْ حتى يُوَدِّعَ البَيْتَ

стр. 4330

مِنْ جَمِيعِ أُمُورِهِ. ــ بالطَّوافِ، إذا فَرَغ مِن جَمِيعِ أُمُورِه) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَن أتَى مَكَّةَ فلا يَخْلُو؛ إمَّا أن يُرِيدَ الإِقامَةَ بها، أو الخُرُوجَ منها، فإن أقامَ بها فلا وَداعَ عليه؛ لأنَّ الوَداعَ مِن المُفارِقِ، وسَواءٌ نَوَى الإِقامَةَ قبلَ النَّفْرِ أو بعدَه. وبهذا قال الشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: إن نَوَى الإِقامَةَ بعدَ أن حَلَّ له النَّفْرُ، لم يَسْقُطْ عنه الطَّوافُ. ولَنا، أنَّه غيرُ مُفارِقٍ، فلا يَلْزَمُه وَداعٌ، كمَنِ نَواها قبلَ حِلِّ النَّفْرِ، وإنَّما قال النبىُّ ﷺ : «لَا يَنْفِرَنَّ أحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالبَيْتِ» (١). وهذا ليس بنافِرٍ. فأمَّا الخارِجُ مِن مَكَّةَ، فليس له الخُرُوجُ حتى يُوَدِّعَ البَيْتَ بطَوافِ سَبْعٍ، وهو واجِبٌ يَجِبُ بتَرْكِه دَمٌ. وبه قال الحسنُ، والحَكَمُ، وحَمّادٌ، والثَّوْرِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. وقال الشافعىُّ في قولٍ: لا يَجِبُ بتَرْكِه شئٌ؛ لأنَّه يَسْقُطُ عن الحائِضِ، فلم يَكُنْ واجِبًا، كطَوافِ القُدُومِ. ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، قال: أُمِرَ النّاسُ أن يكونَ آخِرُ عَهْدِهم بالبَيْتِ، إلَّا أنَّه خُفِّفَ عن المَرْأةِ الحائِضِ. مُتَّفَقٌ عليه (٢). ولمسلمٍ، قال: كان النّاسُ

стр. 4331

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَنْصَرِفُونَ كلَّ وَجْهٍ، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : «لَا يَنْفِرَنَّ أحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالبَيْتِ». وسُقُوطُه عن المَعْذُورِ لا يُوجِبُ سُقُوطَه عن غيرِه، كالصلاةِ تَسْقُطُ عن الحائِضِ، وتَجِبُ على غيرِها، بل تَخْصِيصُ الحائِضِ بإسْقاطِه عنها دَلِيلٌ على وُجُوبِه على غيرِها، إذ لو كان ساقِطًا عن الكلِّ، لم يَكُنْ لتَخْصِيصِها بذلك مَعْنًى. إذا ثَبَت وُجُوبُه، فإنَّه ليس برُكْنٍ، بغيرِ خِلافٍ، ويُسَمَّى طَوافَ الوَداعِ؛ لأنَّه لتَوْدِيعِ البَيْتِ، وطَوافَ الصَّدَرِ؛ لأنَّه عندَ صُدُورِ النّاسِ مِن مَكَّةَ. ووَقْتُه بعدَ فَراغِ الحاجِّ مِن جَمِيعِ أمْرِه؛ ليَكُونَ آخِرُ عَهْدِه بالبَيْتِ، كما جَرَتِ العادَةُ في تَوْدِيعِ المُسافِرِ أهْلَه وإخْوانَه، ولذلك قال النبىُّ ﷺ : «حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِه بِالبَيْتِ». فصل (١): ولا وَداعَ على مَن مَنْزِله بالحَرَمِ؛ لأنَّه كالمَكِّىِّ، فإن كان مَنْزِلُه خارِجَ الحَرَمِ قَرِيبًا منه، فعليه الوَداعُ. وهو ظاهِرُ كَلام الخِرَقِىِّ. وهذا قولُ أبى ثَوْرٍ. وقال أصحابُ الرَّأْى في أهلَ بُسْتانِ ابنِ عامِرٍ (٢)، وأهلِ المَواقِيتِ: إنَّهم بمَنْزِلةِ أهلِ مَكَّةَ في طَوافِ الوَداعِ؛ لأنَّهم مَعْدُودُون مِن حاضِرِى المَسْجِدِ الحَرامِ، بدَلِيلِ سُقُوطِ دَمِ المُتْعَةِ عنهم. ولَنا، عُمُومُ قولِه ﵇: «لَا يَنْفِرَنَّ أحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ

стр. 4332

فَإِنْ وَدَّعَ ثُمَّ اشْتَغَلَ فِى تِجَارَةٍ، أَوْ أَقَامَ، أعَادَ الْوَداعَ. ــ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ». ولأنَّه خارِجٌ مِن الحَرَمِ، فلَزِمَه التَّوْدِيعُ، كالبَعِيدِ. ١٣٢٢ - مسألة: (فإن وَدَّعَ ثم اشْتَغَلَ في تِجارَةٍ، أو أقامَ، أعادَ الوَداعَ) لأنَّ طَوافَ الوَداعِ إنَّما يَكُونُ عندَ خُرُوجِه؛ ليكُونَ آخِرُ عَهْدِه بالبَيْتِ. فإنِ اشْتَغَلَ بَعْدَه بتِجارَةٍ أو إقامَةٍ، فعليه إعادَتُه. هذا قولُ عَطاءٍ، ومالكٍ، والثُّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ. وقال أصحابُ الرَّأْى: إذا طَافَ للوَداعِ، أو طافَ تَطَوُّعًا بعدَ ما حَلَّ له النَّفْرُ، أجْزأه عن طَوافِ الوَدَاعِ، وإن أقامَ شَهْرًا؛ لأنَّه طافَ بعدَ ما حَلَّ له النَّفْرُ، فلم تَلْزَمْه إعادَتُه، كما لو نَفَر عَقِيبَه. ولَنا، قَوْلُه ﵇: «لَا يَنْفِرَنُّ أحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِه بِالْبَيْتِ» (١). ولأنَّه إذا قامَ بعدَه، خَرَج عن أن يَكُون

стр. 4333

وَمَنْ أَخَّرَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ، فَطَافَهُ عِنْدَ الْخُرُوجِ، أَجْزَأَهُ عَنْ طَوَافِ الْوَدَاعَ. ــ وَداعًا في العادَةِ، فلم يُجْزِئْه. كما لو طافَه قبلَ حِلِّ النَّفْرِ. فأمَّا إن قَضَى حاجَةً في طَرِيقِه، أو اشْتَرَى زادًا أو شيئًا لنَفْسِه في طَرِيقِه، لم يُعِدْه؛ لأنَّ ذلك ليس بإقامَةٍ تُخْرِجُ طَوافَه عن أن يكونَ آخِرَ عَهْدِه بالبَيْتِ. وبهذا قال مالكٌ والشافعىُّ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. ١٣٢٣ - مسألة: (فإن أخَّرَ طَوافَ الزِّيارَةِ، فطافَه عندَ الخُرُوجِ، أجْزأه عن طَوافِ الوَداعِ) هذا ظاهِرُ المَذْهَبِ؛ لأنَّه أُمِرَ أن يكونَ آخِرُ عَهْدِه بالبَيْتِ وقد فَعَل، ولأنَّ ما شُرِع لتَحِيَّةِ المَسْجِدِ أجْزَأ عنه الواجِبُ مِن جِنْسِه، كتَحِيَّةِ المَسْجِدِ برَكْعَتَيْن، تُجْزِئُ عنهما المَكْتُوبَةُ، ورَكْعَتَا الطَّوافِ والإِحْرَامِ تُجْزِئُ عنهما المَكْتُوبَةُ. وعنه،

стр. 4334

فَإِنْ خَرَجَ قَبْلَ الْوَدَاعِ، رَجَعَ إِلَيْهِ. فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، إِلَّا الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ، لَا وَدَاعَ عَلَيْهِمَا. ــ لا يُجْزِئُ عن طَوافِ الوَداعِ؛ لأنَّهما عِبادَتان واجِبتان، فلم تُجْزِئْ إحْداهُما عن الأُخْرَى، كالصلاتَيْن الوَاجِبَتَيْن. فأمَّا إنْ نَوَى بِطَوَافِه الوَدَاعَ، لِم يُجْزِئْه عن طَوَافِ الزِّيارَةِ؛ لقَوْلِه ﵇: «وَإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نوَى» (١). وحُكْمُه حُكْمُ مَن تَرَك طَوافَ الزِّيارَةِ، على ما نَذْكُرُه، إن شاءَ اللَّهُ تَعالَى (٢). ١٣٢٤ - مسألة: (فإن خَرَج قبلَ الوَداعِ، رَجَع إليه. فإن لمِ يُمْكِنْه، فعليه دَمٌ، إلَّا الحائِضَ والنُّفَساءَ، لا وَداعَ عليهما) مَن خَرَج قبلَ

стр. 4335

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الوَداعِ فعليه الرُّجُوعُ، إن كان قَرِيبًا، وإن أبعدَ فعليه دَمٌ. هذا قولُ عَطاءٍ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وإسحاقَ، وأبى ثَوْرٍ. والقَرِيبُ مَن كان مِن مَكَّةَ دُونَ مَسافَةِ القَصْرِ، والبَعِيدُ مَسافَةُ القَصْرِ فما زادَ. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو قولُ الشافعىِّ. وكان عَطاءٌ يَرَى الطائِفَ قَرِيبًا. وقال الثَّوْرِىُّ: حَدُّ ذلك الحَرَمُ، فمَن كان فيه فهو قَرِيبٌ، ومن خرَج منه فهو بَعِيدٌ. ولَنا، أنَّ مَن دُونَ مَسافَةِ القَصْرِ في حُكْمِ الحاضِرِ، في أنَّه لا يُفْطِرُ ولا يَقْصُرُ، ولذلك عَدَدْناه مِن حاضِرِى المَسْجِدِ الحَرَامِ، ومَن لم يُمْكِنْه الرُّجُوعُ لعُذْرٍ، فهو كالبَعِيدِ. ولو لِم يَرْجِعِ القَرِيبُ الذى يُمْكِنُه الرُّجُوعُ، لم يَكُنْ عليه أكْثَرُ مِن دَمٍ. ولا فرْقَ بينَ تَرْكِه عَمْدًا أو خَطَأً، لعُذْرٍ أو غيرِه؛ لأنَّه مِن واجِباتِ الحَجِّ، فاسْتَوَى عَمْدُه وخَطَؤُه، والمَعْذُورُ وغيرُه، كسائِرِ واجِباتِه. فإن رَجَع البَعِيدُ، فطافَ للوَداعِ. فقال القاضى: لا يَسْقُطُ عنه الدَّمُ؛ لأنَّه قد اسْتَقَرَّ عليه ببُلُوغِه مَسافَةَ القَصْرِ، فلم يَسْقُطْ برُجُوعِه، كمَن تَجاوَزَ المِيقاتَ غيرَ مُحْرِمٍ، فأحْرَمَ دُونَه ثم رَجع إليه. وإن رَجَع القَرِيبُ فطافَ، فلا دَمَ عليه، سَواءٌ كان مِمَّن له عُذْرٌ يُسْقِطُ عنه الرُّجُوعَ، أو لَا؛ لأنَّ الدَّمَ لم يَسْتَقِرَّ عليه؛ لكَوْنِه في حُكْمِ

стр. 4336

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الحاضِرِ (١). ويَحْتَمِلُ سُقُوطُ الدَّمِ عن البَعِيدِ برُجُوعِه؛ لأنَّه واجِبٌ أتَى به، فلم يَجِبْ عليهِ بَدَلُه، كالقَرِيبِ. فصل: وإذا رَجَع البعِيدُ، فيَنْبَغِى أن لا يَجُوزَ له تَجاوُزُ المِيقاتِ إن كان تَجاوَزَه، إلَّا مُحْرِمًا؛ لأنَّه ليس مِن أهْلِ الأعْذَارِ، فيَلْزَمُه طَوافٌ لإحْرامِه بالعُمْرَةِ والسَّعْى، وطَوافُ الوَداعِ، وفى سُقُوطِ الدَّمِ عنه الخِلافُ المَذْكُورُ. وإن كان مِن دُونِ المِيقاتِ، أحْرَم من مَوْضِعِه. فأمَّا إن رَجَع القَرِيبُ، فظاهِرُ قولِ مَن ذَكَرْنا قولَه، أنَّه لا يَلْزَمُه إحْرامٌ لأنَّه رَجَع لإِتْمامِ نُسُكٍ مَأْمُورٍ به، فأشْبَهَ مَن رَجَع لطَوافِ الزِّيارَةِ، فأمَّا إن وَدَّعَ وخَرَج، ثم دَخَل مَكَّةَ لحاجَةٍ، فقالَ أحمدُ: أحَبُّ إلىَّ أن لا يَدْخُلَ إلَّا مُحْرِمًا، وأحَبُّ إلىَّ إذا خَرَج أن يُوَدِّعَ البَيْتَ بالطَّوافِ. وهذا لأنَّه لم يَدْخُلْ لإِتْمامِ النُّسُكِ، إنَّما دَخَل لحاجَةٍ غيرِ مُتَكَرِّرَةٍ، أشْبَهَ مَن يَدْخُلُها للإِقامَةِ بها.

стр. 4337

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: والحائِضُ والنُّفَساءُ لا وَداعَ عليهما، ولا فِدْيَةَ كذلك. هذا قولُ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ. وقد رُوِى عن عُمَرَ، وابنِه، رَضِىَ اللَّه عنهما، أنَّهما أمَرا الحائِضَ بالمُقامِ لطَوافِ الوَداعِ، وكان زيدُ بنُ ثابتٍ يقولُ به، ثم رَجَع عنه. فرَوَى مسلمٌ (١) أنَّ زَيْدَ بنَ ثابِتٍ خالَفَ ابنَ عباسٍ في هذا. قال طاوُسٌ: كُنْتُ مع ابنِ عباسٍ، إذْ قال زَيدُ بنُ ثابِتٍ: تُفْتِى أن لا تَصْدُرَ الحائِضُ حتى يكونَ آخِرُ عَهْدِها بالبَيْتِ. فقال له ابنُ عباسٍ: إمَّا لا، تَسْألُ فُلانَةَ الأنْصَارِيَّةَ، هل أمَرَها بهذا رسولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قال: فرَجَعَ زَيْدُ بنُ ثابِتٍ إلى ابنِ عباسٍ يَضْحَكُ، وهو يقولُ: ما أرَاكَ إلَّا قد صَدَقْتَ. ورُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ أنَّه رَجَع إلى قولِ الجَماعَةِ أيضًا. وقد ثَبَت التَّخْفِيفُ عن الحائِضِ بحديثِ صَفِيَّةَ حينَ قالُوا: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّها حائِضٌ. فقال: «أحَابِسَتُنَا هِى؟» قالُوا: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّها قد أفاضَتْ

стр. 4338

وَإذَا فَرَغَ مِنَ الْوَدَاعِ، وَقَفَ فِى الْمُلْتَزَمِ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ، ــ يومَ النَّحْرِ. قال: «فَلْتَنْفِرْ إذًا» (١). ولم يَأْمُرْها بفِدْيَةٍ ولا غيرِها. وفى حدِيثِ ابنِ عباسٍ: إلَّا أنَّه خَفَّفَ عن المَرْأةِ الحائِضِ (٢). وحُكْمُ النُّفَسَاءِ حُكْمُ الحائِضِ؛ لأنَّ أحْكامَ النِّفاسِ أحْكامُ الحَيْضِ، فيما يَجِب ويَسْقُطُ. فصل: إذا نَفَرَتِ الحائِضُ بغيرِ وَداعٍ، فطَهُرَتْ قبلَ مُفارَقَةِ البُنْيَانِ، رَجَعَتْ فاغْتَسَلَتْ ووَدَّعَتْ؛ لأنَّها في حُكْمِ الإِقامَةِ [بدَلِيلِ أنَّها] (٣) لا تَسْتَبِيحُ الرُّخَصَ. فإن لم تُمَكِنْها الإِقامَةُ فمَضَتْ، أو مَضَتْ لغيرِ عُذْرٍ، فعليها دَمٌ. فأمَّا إن فارَقَتِ البُنْيَانَ، لم يَجِبْ عليها الرُّجُوعُ؛ لخُرُوجِها عن حُكْمِ الحاضِرِ. فإن قيلَ: فلِمَ لا يَجِبُ الرُّجُوعُ ما دَامَتْ قَرِيبَةً، كالخارِجِ لغيرِ عُذْرٍ؟ قُلْنا: هناك تَرَكَ واجِبًا، فلم يَسْقُطْ بخُرُوجِه حتى يَصِيرَ إلى مَسافَةِ القَصْرِ؛ لأنَّه يكونُ إنْشاءَ سَفَرٍ طَوِيلٍ غيرِ الأوَّلِ، وههُنا لم يَكُنْ واجِبًا، ولا يَثْبُتُ وُجُوبُه ابْتِداءً إلَّا في حَقِّ مَن كان مُقِيمًا. ١٣٢٥ - مسألة: (فإذا فَرَغ مِن الوَداعِ، وَقَف في المُلْتَزَمِ بينَ الرُّكْنِ والبابِ) يُسْتَحَبُّ أن يَقِفَ المُوَدِّعُ في المُلتَزَمِ، وهو ما بين الحَجَرِ

стр. 4339

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الأسْوَدِ وبابِ الكَعْبَةِ، فيَلْتَزِمَه، ويُلْصِقَ به صَدْرَه ووَجْهَه، ويَدْعُوَ اللَّهَ ؛ لِما روَى أبو داودَ (١) عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبيه، قال: طُفْتُ مع عبدِ اللَّهِ، فلمّا جاءَ دُبُرَ الكَعْبَةِ، قُلْتُ: ألا تَتَعَوَّذُ. قال: نَعُوذُ باللَّهِ مِن النّارِ. ثم مَضى حتى اسْتَلَمَ الحَجَرَ، فقامَ بينَ الرُّكْنِ والبابِ، فوضَعَ صَدْرَه ووَجْهَه وذِرَاعَيْه وكَفَّيْه هكذا، وبَسَطَها بَسْطًا، وقال: هكذا رَأيْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُه. وعن عبدِ الرَّحْمنِ بنِ صَفْوانَ، قال: لمّا فَتَح رسولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ انْطَلَقْتُ فرَأْيتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ قد خَرَج مِن الكَعْبَةِ هو وأصحابُه، وقد اسْتَلَمُوا الرُّكْنَ مِن البابِ إلى الحَطِيمِ، ووَضَعُوا خُدُودَهم على البَيْتِ، ورسولُ اللَّهِ ﷺ وَسَطَهم. رَواه أبو داودَ (٢). وقال منصورٌ: سَأَلْتُ مُجاهِدًا إذا أرَدْتُ الوَدَاعَ،

стр. 4340

فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَذَا بَيْتُكَ، وَأنَا عَبْدُكَ، وَابْنُ عَبْدِكَ، وَابْنُ أَمَتِكَ، حَمَلْتَنِى عَلَى مَا سَخَّرْتَ لِى مِنْ خَلْقِكَ، وَسَيَّرْتَنِى فِى بِلَادِكَ، حَتَّى بَلَّغْتَنِى بِنِعْمَتِكَ إِلَى بَيْتِكَ، وَأعَنْتَنِى عَلَى أدَاءِ نُسُكِى، فَإِنْ كُنْتَ رَضِيتَ عَنِّى، فَازْدَدْ عَنِّى رِضًا، وَإلَّا فَمُنَّ الْآنَ قَبْلَ أَنْ تَنْأَى ــ كيفَ أصْنَعُ؟ قال: تَطُوفُ سَبْعًا، وتُصَلِّى رَكْعَتَيْن خَلْفَ المَقامِ، ثم تَأْتِى زَمْزَمَ فتَشْرَبُ منها، ثم تَأْتِى المُلْتَزَمَ، ما بينَ البابِ والحَجَرِ، فتَسْتَلِمُه، ثم تَدْعُو، ثم تَسْأَلُ حاجَتَكَ، ثم تَسْتَلِمُ الحَجَرَ، وتَنْصَرِفُ. وقال بعضُ أصحابِنا: يقُولُ في دُعائِه: (اللَّهُمَّ هذا بَيْتُكَ، وأنا عَبْدُكَ، وابنُ عَبْدِكَ، وابنُ أَمَتِكَ، حَمَلْتَنِى على ما سَخَّرْتَ لى مِن خَلْقِك، وسَيَّرْتَنِى في بِلادِكَ، حتى بَلَّغْتَنِى بنِعْمَتِكَ إلى بَيْتِكَ، وأعَنْتَنِى على أداءِ نُسُكِى، فإن كُنْتَ رَضِيتَ عَنِّى، فازْدَدْ عَنِّى رِضًا، وإلَّا فمُنَّ الآنَ قبلَ

стр. 4341

عَنْ بَيْتِكَ دَارِى، فَهَذَا أَوَانُ انْصِرَافِى إِنْ أَذنْتَ لِى، غَيْرَ مُسْتَبْدِلٍ بِكَ وَلَا بِبَيْتِكَ، وَلَا رَاغِبٍ عَنْكَ وَلَا عَنْ بَيْتِكَ، اللَّهُمَّ فَأَصحِبْنِى الْعَافِيَةَ فِى بَدَنِى، وَالصِّحَّةَ فِى جسْمِى، وَالْعِصْمَةَ فِى دِينِى، وَأَحسِنْ مُنْقَلَبِى، وَارْزُقْنِى طَاعَتَكَ مَا أَبقَيْتَنِى، وَاجمَعْ لِى بَيْنَ خَيْرَىِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ. ــ أن تَنْأَى عن بَيْتِك دارِى، فهذا أوانُ انْصِرَافِى إن أَذِنْتَ لى، غيرَ مُسْتَبْدِلٍ بك ولا ببَيْتِكَ، ولا راغِبٍ عنك ولا عن بَيْتِكَ، اللَّهُمَّ فأصْحِبْنِى العافِيَةَ في بَدَنِى، والصَّحَّةَ في جسْمِى، والعِصْمَةَ في دِينى، وأحْسِنْ مُنْقَلَبِى، وارْزُقْنِى طَاعَتَك) أبَدًا (ما أبْقَيْتَنِى، واجْمَعْ لى بين خَيْرَىِ (١) الدُّنْيَا والآخِرَةِ، إنَّكَ على كلِّ شئٍ قَدِيرٌ). وعن طَاوُسٍ قال: رَأيْتُ أَعْرابِيًّا أتَى المُلْتَزَمَ، فَتَعَلَّقَ بأسْتَارِ الكَعْبَةِ، فقال: بك أعُوذُ، وبك ألُوذُ، اللَّهُمَّ فاجْعَلْ لى في اللَّهَفِ إلى جُودِكَ والرِّضَا. بضَمانِكَ مَنْدُوحًا عن مَنْعِ البَاخِلِينَ، وغِنًى عَمَّا في أيْدِى المُسْتَأْثِرِينَ، اللَّهُمَّ فَرَجَك القَرِيبَ، وَمْعُروفَكَ التّامَّ، وعادَتَك الحَسَنَةَ. ثم أضَلَّنِى في الناسِ، فألْفَيْتُه بعَرَفَاتٍ قائِمًا، وهو يقولُ: اللَّهُمَّ إن كُنْتَ لم تَقْبَلْ حَجَّتِى وتَعَبِى ونَصَبِى، فلا تَحْرِمْنِى أجْرَ المُصابِ على مُصِيبَتِه، فلا أعْلَمُ أعْظَمَ مُصِيبَةً مِمَّن وَرَدَ

стр. 4342

وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ، وَيُصَلِّى عَلَى النَّبِىِّ ﷺ ، ــ حَوْضَكَ، وانْصَرَفَ مَحْرُومًا مِن وَجْهِ رَغْبَتِك (١). وقال آخَرُ: يا خَيْرَ مَوْفُودٍ إليه، قد ضَعُفَتْ قوَّتِى، وذَهَبَتْ مُنَّتِى (٢)، وأتَيْتُ إليك بذُنُوبٍ لا تَسَعُها البِحارُ، أسْتَجِيرُ برِضاكَ مِن سَخَطِكَ، وبعفْوِكَ مِن عُقُوبَتِك، رَبِّ ارْحَمْ مَن شَمِلَتْه الخَطَايَا، وغَمَرَتْه الذُّنُوبُ، وظَهَرَتْ منه العُيُوبُ، ارْحَمْ أسِيرَ ضُرٍّ، وطَرِيدَ فقرٍ، أسْألَك أن تَهَبَ لى عظيمَ جُرْمِى، يا مُسْتَزادًا مِن نِعَمِه، ومُسْتَعاذًا مِن نِقَمِه، ارْحَمْ صوتَ حزينٍ دَعاك بزَفيرٍ وشَهِيقٍ، اللَّهُمَّ إن كُنْتُ بَسَطْتُ إلَيْكَ يَدَىَّ دَاعِيًا، فطَالَمَا كَفَيْتَنِى ساهِيًا، فنِعْمَتُكَ التى تَظَاهَرَتْ عَلىَّ عندَ الغَفْلَةِ، لا أيْأَسُ منها عندَ التَّوْبَةِ، فلا تَقْطَعْ رَجَائِى مِنْكَ لِما قَدَّمْتُ مِن اقْتِرَافٍ، وهَبْ لىَ الإِصْلاحَ في الوَلَدِ، والأمْنَ في البَلَدِ، والعَافِيةَ في الجَسَدِ، إنَّكَ سَمِيعٌ مُجِيبٌ، اللَّهُمَّ إنَّ لكَ علىَّ حُقُوقًا، فتَصَدَّقْ بها علىَّ، وللنَّاس قِبَلى تَبِعَاتٍ، فتَحَمَّلْها عَنِّى، وقد أوْجَبْتَ لكلِّ ضَيْفٍ قِرًى، وأنا ضَيْفُكَ اللَّيْلَةَ، فاجْعَلْ قِرَاىَ الجَنَّةَ، اللَّهُمَّ إنَّ سائِلَك عندَ بابِكَ، مَن (٣) ذَهَبَتْ أيَّامُه، وبَقِيَتْ آثامُه، وانْقَطَعَتْ شَهْوَتُه، وبَقِيَتْ تَبِعَتُه، فارْضَ عنه، وإن لم تَرْضَ عنه فاعْفُ عنه، فقد يَعْفُو السِّيِّدُ عن عَبْدِه، وهو غيرُ راض عنه. ثم يُصَلِّى على

стр. 4343

إِلَّا أنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا كَانَتْ حَائِضًا، لَمْ تَدْخُلِ الْمَسْجِدَ، بَلْ وَقَفَتْ عَلَى بَابِهِ فَدَعَتْ بِذَلِك. ــ النبىِّ ﷺ (إلَّا أنَّ المَرْأةَ إذا كانت حائِضًا) أو نُفَساءَ (لم تَدْخُلِ المَسْجِدَ، ووَقَفتْ على بابِه فدَعَتْ بذلك). فصل: قال أحمدُ: إذا وَدَّعَ البَيْتَ، يقومُ عندَ البابِ إذا خَرَج ويَدْعُو، فإذا تَلَا لا يَقِفُ ولا يَلْتَفِتُ، فإنِ الْتَفَتَ رَجَع ووَدَّعَ. وروَى حَنْبَلٌ في «المَناسِكِ» عن المُهاجِرِ (١)، قال: قُلْتُ لجابِرٍ بنِ عبدِ اللَّهِ: الرجلُ يَطُوفُ بالبَيْتِ ويُصَلِّى، فإذا انْصَرَفَ خَرَج، ثم اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فقامَ؟ فقالَ: ما كُنْتُ أحْسَبُ يَصْنَعُ هذا إلَّا اليَهُودُ والنَّصَارَى. قال أبو عبدِ اللَّهِ: أكْرَهُ ذلك. وقولُ أبى عبدِ اللَّهِ: إنِ الْتَفَتَ رَجَع فوَدَّعَ. على سَبِيلِ الاسْتِحْسانِ، إذْ لا نَعْلَمُ لإِيجابِ ذلك عليه دَلِيلًا. وقد قال مُجَاهِدٌ: هذا إذا كِدْتَ تَخْرُجُ مِن بابِ المَسْجِدِ فالْتَفِتْ، ثم انْظُرْ إلى الكَعْبَةِ، ثم قُلْ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْه آخِرَ العَهْدِ. فصل: فإن خَرَج قبلَ طَوافِ الزِّيارَةِ، رَجَع حَرامًا حتى يَطُوفَ بالبَيْتِ؛ لأنَّه رُكْن لا يَتِمُّ الحَجُّ إلَّا به، ولا يَحِل مِن إحْرامِه حتى يَفْعَلَه، فمتَى لم يَفْعَلْه، لم يَنْفَكَّ إحْرامُه، ورَجَع متى أمْكَنَه مُحْرِمًا، لا يُجْزِئُه غيرُ ذلك. وبذلك قال عَطاءٌ، والثَّوْرِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى، وابنُ المُنْذِرِ. وقال الحسنُ:

стр. 4344

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَحُجُّ مِن العامِ المُقْبِلِ. وحُكِىَ نَحْوُ ذلك عن عَطاءٍ أيضًا. ولَنا، قولُ النبىِّ ﷺ حينَ ذُكِرَ له أنَّ صَفِيَّةَ حاضَتْ، قال: «أحَابِسَتُنَا هِىَ؟» قيلَ: إنَّها قد أفاضَتْ يومَ النَّحْرِ. قال: «فَلْتَنْفِرْ إذًا» (١). يَدُلُّ على أنَّ هذا الطَّوافَ لا بُدَّ منه، وأنَّه حابِسٌ لمَن لم يَأْتِ به. فإن نَوَى التَّحَلُّلَ، ورَفَض إحْرامَه، لم يَحِلَّ بذلك؛ لأنَّ الإِحْرامَ لا يُخْرَجُ منه بنِيَّةِ الخُرُوجِ. ومتى رَجَع إلى مَكَّةَ، فَطافَ بالبَيْتِ، حَلَّ بطوافِه؛ لأنَّ الطَّوافَ لا يَفُوتُ وَقْتُه، علىَ ما قَدَّمْنَاه. فصل: وتَرْكُ بعضِ الطَّوافِ كتَرْكِ الجَمِيعِ فيما ذَكَرْنا. وسَواءٌ تَرَك شَوْطًا أو أقَلَّ أو أكْثَرَ. وهذا قولُ عَطاءٍ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وإسحاقَ، وأبى ثَوْرٍ. وقال أصحابُ الرَّأْى: مَن طافَ أرْبَعَةَ أشْواطٍ مِن طَوافِ الزِّيارَةِ وَطَوافِ العُمْرَةِ، وسَعَى بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، ثم رَجَع إلى الكُوفَةِ، إنَّ سَعْيَه يُجْزِئُه، وعليه دَمٌ لِما تَرَك مِن الطَّوافِ بالبَيْتِ. ولَنا، أنَّ ما أتَى به لا يُجْزِئُه إذا كان بمَكَّةَ، فلم يُجْزِئْه إذا خَرَج منها، كما لو طَافَ دُونَ أرْبَعَةِ أشْواطٍ. فصل: فإن تَرَك طَوافَ الزِّيارَةِ بعدَ رَمْى جَمْرَةِ العَقَبَةِ، لم يَبْقَ مُحْرِمًا، إلَّا عن النِّساءِ خاصَّةً؛ لأنَّه قد حَصَل له التَّحَلُّلُ الأوَّلُ برَمْى الجَمْرَةِ، فحَلَّ له كلُّ شئٍ إلَّا النِّساءَ، فإن وَطِئَ لم يَفْسُدْ حَجُّه، ولم تَجِبْ عليه بَدَنةٌ، لكنْ عليه دَمٌ، ويُجَدِّدُ إحْرامَه ليَطُوفَ في إحْرامٍ

стр. 4345

فَإِذَا فَرَغَ مِنَ الْحَجِّ، اسْتُحِبَّ لَهُ زِيَارَةُ قَبْرِ النَّبىِّ ﷺ وَقَبْرِ صَاحِبَيْهِ، رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا. ــ صحِيحٍ. وفى ذلك اخْتِلافٌ ذَكَرْنَاه فيما مَضَى. ١٣٢٦ - مسألة: (فإذا فَرَغ مِن الحَجِّ، اسْتُحِبَّ زيارَةُ قَبْرِ النبىِّ ﷺ وقَبْرِ صاحِبَيْه، رَضِىَ اللَّه عنهما) تسْتَحَبُّ زيارَةُ قَبْرِ النبىِّ ﷺ ؛ لِما روَى الدَّارَقُطْنِىُّ (١) بإسْنادِه عن ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ حَجَّ فَزَارَ قَبْرِى بَعْدَ وَفَاتِى، فَكَأنَّمَا زَارَنِى فِى حَيَاتِى». وفى رِوايَةٍ: «مَنْ زَارَ قَبْرِى وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِى». رَواه باللَّفْظِ الأوَّلِ سَعِيدٌ. وقال أحمدُ (٢)، في رِوايَةِ عبدِ اللَّهِ، عن يَزِيدَ ابنِ قُسَيْطٍ، عن أبى هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: «مَا مِنْ أحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَىَّ عِنْدَ قَبْرِى إلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَىَّ رُوحِى حَتَّى أرُدَّ ﵇». قال: وإذا حَجَّ الذى لم يَحُجَّ قَطُّ، يَعْنِى مِن غيرِ طَربقِ الشَّامِ، لا يَأْخُذُ على طَرِيقِ المَدِينَةِ؛ لأنِّى أخافُ أن يَحْدُثَ به حَدَثٌ، فَيَنْبَغِى أن يَقْصِدَ مَكَّةَ مِن أقْصَدِ الطُّرُقِ، ولا يَتَشَاغَلُ بغيرِه.
следующие страницы →