← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 5496–5535 · переход к 5501.

стр. 5496

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ صاحِبِه، فيُبَاحُ له التَّصَرُّفُ فيما رَجَعَ إليه؛ لأنَّه رَجَعَ إليه بحُكْمٍ مِن غيرِ عُدْوانٍ منه، فأشْبَهَ ما لو رَدَّ عليه المَبِيعَ بدَعْوَى العَيبِ، ولا عَيبَ فيه.

стр. 5497

وَإِنِ اخْتَلَفَا في صِفَةِ الثَّمَنِ، تَحَالفَا، إلا أَنْ يَكُونَ لِلْبَلَدِ نَقْدٌ مَعْلُومٌ، فَيُرْجَعَ إِلَيهِ. ــ ١٦٦٢ - مسألة: (وإنِ اخْتَلَفَا في صِفَةِ الثَّمَنِ، تَحالفَا، إلَّا أنْ يكونَ للبَلَدِ نَقْدٌ مَعْلُومٌ، فيُرْجَعَ إليه) إذا اخْتَلَفَا في صِفَةِ الثّمَن، رُجِعَ إلى نَقْدِ البَلَدِ. نَصَّ عليه في رِوايَةِ الأَثْرَم؛ لأَنَّ الظَّاهِرَ أنَّهُما لا يَعْقِدانِ إلَّا به. وإن كان في البَلَدِ نُقُودٌ، رُجِعَ إلى أَوْسَطِها. نَصَّ عليه، في رِوَايَةِ جماعَةٍ. فيَحْتَمِلُ أنَّه أراد (١): إذا كان هو الأَغْلَبَ والمُعامَلَةُ به أكْثَرَ؛ لأنَّ الظّاهِرَ وقُوعُ المُعامَلَةِ به، أشْبَهَ إذا كان في البَلَدِ نَقْدٌ واحِدٌ.

стр. 5498

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ويَحْتَمِلُ أنّه رَدَّهُما إليه مع التَّسَاوي؛ لأنَّ فيه تَسْويَةً بينهما في الحَقِّ وتَوَسُّطًا بينهما، وفي العُدُولِ إلى غيرِه مَيلٌ على أحَدِهما، فكان التَّوَسُّطُ أوْلَى، وعلى مُدَّعِي ذلك اليَمِينُ؛ لأنَّ قولَ خصْمِه مُحْتَمِلٌ، فيَجِبُ اليَمِينُ لنَفْي ذلك الاحْتِمالِ، كوُجُوبِها على المُنْكِرِ. وإن لم يكُنْ في البَلَدِ إلَّا نَقْدانِ،

стр. 5499

وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي أَجَلٍ أَو شَرْطٍ، فَالْقَولُ قَوْلُ مَنْ يَنْفِيهِ. وَعَنْهُ، ــ تَحَالفَا؛ لأنَّهُما اخْتَلَفَا في الثَّمَنِ على وَجْهٍ لم يَتَرَجَّحْ قولُ أَحَدِهما، فيَتَحَالفانِ, كما لو اخْتَلَفَا في قَدْرِه. ١٦٦٣ - مسألة: (وإنِ اخْتَلَفَا في أَجلٍ أو شَرْطٍ، فالقَوْلُ قولُ

стр. 5500

يَتَحَالفَانِ، إلا أَنْ يَكُونَ شَرْطًا فَاسِدًا، فَالْقَولُ قَوْلُ مَنْ يَنْفِيهِ. ــ مَنْ يَنْفِيهِ. وعنه، يَتَحَالفَانِ، إلَّا أنْ يكونَ شَرْطًا فاسِدًا، فالقَوْلُ قولُ من يَنْفِيهِ) (١) إذا اخْتَلَفَا في أجَلٍ أو شَرْطٍ أو رَهْنٍ أو ضَمِينٍ، أو في قَدْرِ الأَجَلِ أو الرَّهْنِ، فالقَوْلُ قولُ مَن يَنْفِيه، في إحْدَى الرِّوَايَتَينِ مع يَمينِه. وهذا قَوْلُ أبي حَنِيفَةَ؛ لأنَّ الأَصْلَ عَدَمُه، فكان القَوْلُ قولَ مَنْ يَدَّعِيهِ، كأصْلِ العَقْدِ. والثانيةُ، يَتَحَالفَانِ. وهو قوْلُ الشّافِعِيِّ؛ لأَنَّهُما اخْتَلَفا في صِفَةِ العَقْدِ، فوَجَبَ أنْ يَتَحَالفَا, كما لو اخْتَلَفَا في الثَّمَنِ. فأمّا إنِ اخْتَلَفَا

стр. 5501

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فيما يُفْسِدُ العَقْدَ؛ فقال: بِعْتُكَ بخَمْرٍ (١)، أو خِيارٍ مَجْهُولٍ، أو في شَرْطٍ فاسِدٍ. وقال الآخَرُ (٢): بل بِعْتَنِي بنَقْدٍ مَعْلُومٍ، أو خِيارٍ إلى ثَلاثٍ. فالقَوْلُ قَوْلُ من يَدَّعِي الصِّحَّةَ مع يَمِينِه؛ لأَنَّ ظهُورَ تَعاطِي المُسْلِمينَ الصَّحِيحَ أكثرُ من تَعاطِي الفاسِدِ. وإن قال: بعْتُكَ مُكْرَهًا. فأَنْكَرَه، فالقَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِي؛ لأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ الإِكْرَاهِ، وصِحَّةُ البَيعِ كذلك. وإن قال: بِعْتُكَ وأنا صَبِيٌّ. فالقَوْلُ قوْلُ المُشْتَرِي. نَصَّ عليه. وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وإسحاقَ؛ لأَنَّهُما اتَّفَقَا على العَقْدِ، واخْتَلَفَا فيما يُفْسِدُه، فكان القَوْلُ قَوْلَ مَن يَدَّعِي الصِّحَّةَ، كالتي قَبْلَها، ويَحْتَمِلُ أنْ يُقْبَلَ قَوْلُ مَن يَدَّعِي الصِّغَرَ؛ لأَنَّه الأَصْلُ. وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشّافِعِيِّ. ويُفارِقُ ما إذا اخْتَلَفَا في الإِكْرَاهِ والشَّرْطِ الفاسِدِ من وَجْهَينِ؛ أحَدُهما، أنَّ الأَصْلَ عَدَمُه. وههُنا الأصْلُ بَقَاؤُه. والثانِي، أنَّ الظَّاهِرَ من المُكَلَّفِ أنّه لا يَتَعَاطَى إلَّا الصَّحِيحَ. وههُنا ما ثَبَتَ أنَّه كان مُكَلَّفًا.

стр. 5502

وَإنْ قَال: بِعْتَنِي هَذَين. قَال: بَلْ أَحَدَهُمَا. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ. ــ وإنْ قال: بِعْتُكَ وأنا مَجْنُونٌ. فإن لم يُعْلَمْ له (١) حالُ جُنُونٍ، فالقَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِي؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُه. وإن ثَبَتَ أنَّه كان مَجْنُونًا، فهو كالصَّبِيِّ. وإن قال: بِعْتُكَ وأنا غيرُ مَأْذُونٍ لِي في التِّجارَةِ. فالقَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِي. نصَّ عليه في رِوَايَةِ مُهَنَّا (٢)؛ لأنَّه مُكَلَّفٌ، فالظَّاهِرُ أنَّه لا يَعْقِدُ إلَّا عَقْدًا صَحِيحًا. ١٦٦٤ - مسألة: (وإن قال: بِعْتَنِي هذَينِ. قال: بل أحَدَهما. فالقَوْلُ قولُ البائِعِ) أمّا إذا قال: بِعْتَنِي هذا العَبْدَ والأَمَةَ بمائَةٍ. قال:

стр. 5503

وَإنْ قَال: بِعْتَنِي هَذَا. قَال: بَلْ هَذا حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ ــ بل بِعْتُكَ العَبْدَ بخَمْسِينَ. فالقَوْلُ قَوْلُ البائِعِ؛ لأنَّ المُشْتَرِيَ يَدَّعِي عَقْدًا يُنْكِرُه البائِعُ، والقَوْلُ قَوْلُ المُنْكِرِ. وإن قال البائِعُ: بعْتُكَ هذا العَبْدَ بأَلْفٍ. فقال: بلِ هو والعَبْدُ الآخرُ بأَلْفٍ. فالقَوْلُ قَوْلُ البائِعَ مع يَمِينِه. وهو قَوْلُ أبي حَنِيفةَ؛ لأَنَّ البائِعَ يُنكِرُ بَيعَ العَبْدِ الزَّائِدِ، فكان القَوْلُ قَوْلَه مع يَمِينِه, كما لو ادَّعَى شِراءَه مُنْفَرِدًا. وقال الشّافِعِيُّ: يَتَحَالفَانِ؛ لأنَّهُما اخْتَلَفَا في أحَدِ عِوَضَي العَقْدِ، أشْبَهَ ما لو اخْتَلَفَا في الثَّمَنِ. وهذا القَوْلُ أقْيَسُ وأَوْلَى، إنْ شاءَ اللهُ تَعالى. ١٦٦٥ - مسألة: (وإن قال: بِعْتَنِي هذا. قال: بل هذا. حَلَفَ

стр. 5504

مِنْهُمَا عَلَى مَا أَنْكَرَهُ، وَلَمْ يَثْبُتْ بَيعُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. ــ كُلُّ واحِدٍ منهما على ما أَنْكَرَه، ولم يَثْبُتْ بَيعُ واحِدٍ منهما) وذلك مثلَ أنْ يقولَ البائِعُ: بعْتُكَ هذا العَبْدَ. قال: بل بِعْتَنِي هذه الجارِيَةَ. لأَنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما يَدَّعِي عَقْدًا على عَينٍ يُنْكِرُها المُدَّعَى عليه، والقَوْلُ قَوْلُ المُنْكِرِ. فإذا حَلَفَ البائِعُ: ما بِعْتُكَ هذه الجارِيَةَ. أُقِرَّتْ في يَدِه، وإنْ كان مُدَّعِيها قد قَبَضَها رُدَّت عليه. وأما العَبْدُ، فإن كان في يَدِ البائِعِ، أُقِرَّ في يَدِه، ولم يكُن للمُشْتَرِي طَلَبُه؛ لأنَّه لا يَدَّعِيه، وعلى البائِعِ رَدُّ الثَّمَنِ إليه؛ لأنَّه لم يَصِلْ إليه المَعْقُودُ عليه. وإن كان في يَدِ المُشْتَرِي، فعليه رَدُّه إلى البائِعِ؛ لأنَّه يَعْتَرِفُ أنَّه لم يَشْتَرِه، وليس للبائِعِ طَلبُه إذا

стр. 5505

وَإنْ قَال الْبَائِعُ: لَا أُسَلِّمُ الْمَبِيعَ حَتَّى أَقْبِضَ ثَمَنَه. وَقَال الْمُشْتَرِي: لَا أُسَلِّمُهُ حَتَّى أَقْبِضَ الْمَبِيعَ. وَالثَّمَنُ عَينٌ، جُعِلَ بَينَهُمَا عَدْلٌ يَقْبِضُ ــ يذَلَ له (١) ثمنَه؛ لاعْتِرافِه بِبَيعِه، وإنْ لم يُعْطِه ثَمَنَه، فله فَسْخُ البَيعِ واسْتِرْجاعُه؛ لتَعَذُّرِ الثَّمَنِ عليه، فملَكَ الفَسْخَ, كما لو أَفْلَسَ المُشْتَرِي. وإن أقامَ كلُّ واحِدٍ منهما بَيِّنَةً بدَعْواهُ، ثَبَتَ العَقْدَانِ (٢)؛ لأَنَّهما لا يَتَنافَيَانِ، فأَشْبَهَ ما لو ادَّعَى أحَدُهما البَيعَ فيهما جَمِيعًا، وأنْكَرَه الآخَرُ. وإن أقامَ أحَدُهما بَيِّنَةً دونَ الآخَرِ، ثَبَتَ ما قامَتْ عليه البَيِّنَةُ دونَ الآخَرِ. ١٦٦٦ - مسألة: (وإنْ قال البائِعُ: لا أُسَلِّمُ المَبِيعَ حَتَّى أَقْبِضَ ثَمَنَه. وقال المُشْتَرِي: لا أُسَلِّمُهُ حتى أقْبِضَ المَبِيعَ) وكان الثَّمَنُ

стр. 5506

مِنْهُمَا وَيُسَلِّمُ إِلَيهِمَا. ــ عَينًا أو عَرْضًا (جُعِلَ بينهما عَدْلٌ يَقْبِضُ منهما ويُسَلِّمُ إليهما) لأنَّ حَقَّ البائِع قد تَعَلَّقَ بعَينِ الثَّمَنِ, كما تَعَلَّقَ حَقُّ المُشْتَرِي بعَينِ المَبِيعِ، فاسْتَوَيَا، وقد وَجَبَ لكُلِّ واحِدٍ منهما على الآخَرِ حَقُّ قد اسْتَحَقَّ قَبْضَه، فأُجْبِرَ كُلُّ واحِدٍ منهما على إيفاءِ صاحِبِه حَقَّهُ. وهذا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وأحَدُ أقوالِ الشّافِعِيِّ. وعن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّ البائِعَ يُجْبَرُ على تَسْلِيمِ المَبِيعِ أوَّلًا. وهو قَوْلٌ ثانٍ للشَّافِعِيِّ. والأَوَّلُ أَوْلَى؛ لما ذَكَرْنا. وقال أبو حَنِيفَةَ، ومالِكٌ: يُجْبَرُ المُشْتَرِي على تَسْلِيمِ الثمَنِ؛ [لأنَّ للبائِعِ حَبْسَ المَبيعِ على تَسْلِيمِ الثَّمَنِ، فلم يَكُنْ عليه التَّسْلِيمُ] (١) قبلَ الاسْتِيفَاءِ، كالمُرْتَهِنِ. ولَنا، أنَّ تَسْلِيمَ المَبِيعِ يَتَعَلَّقُ به اسْتِقْرَارُ البَيعِ وتَمامُه، فكان تَقْدِيمُه أوْلَى، ويُخالِفُ الرَّهْنَ، فإنَّه لا يَتَعَلَّقُ به مَصْلَحَةُ عَقْدِ الرَّهْنِ،

стр. 5507

وَإنْ كَانَ دَينًا، أُجْبِرَ الْبَائِعُ عَلَى التَّسْلِيمِ، ثُمَّ يُجْبَرُ الْمُشْتَرِي عَلَى تَسْلِيم الثَّمَنِ إِنْ كَانَ حَاضِرًا. ــ والتَّسْلِيمُ ها هنا يَتَعَلَّقُ به مَصْلَحَة عَقْدِ البَيعِ (وإن كان دَينًا، أُجْبِرَ البائِعُ على تَسْلِيمِ المَبِيعِ، ثم أُخْبِرَ المُشْتَرِي على تَسْلِيمِ الثَّمَنِ) لأَنَّ حَقَّ المُشْتَرِي تَعَلَّقَ بعَينِ المَبِيع، وحَقَّ البائِعِ تَعَلَّقَ بالذِّمَّةِ، وتَقْدِيمُ ما تَعَلَّقَ بالعَينِ أوْلَى؛ لتَأَكُّدِه، ولذلك (١) يُقَدَّمُ الدَّين الذي به الرَّهْن على ما في الذِّمَّةِ، وكذلك يقَدَّمُ (٢) أرْشُ الجِنَايَةِ على الدَّينِ؛ لذلك. وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: يُجْبَر المُشْتَرِي أوَّلًا على تَسْلِيمِ الثَّمَنِ، كالمسألةِ قبلها، وقد ذَكَرْنا ما يَدُلُّ على خِلافِه. إذا ثَبَتَ هذا وأوْجَبْنَا على البائِعِ التَّسْلِيمَ، فسَلَّمَ، فإنْ كان المُشْتَرِى مُوسِرًا والثَّمَن حاضِرًا،

стр. 5508

وَإنْ كَانَ غَائِبًا بَعِيدًا، أَو الْمُشْتَرِي مُعْسِرًا، فَلِلْبَائِعِ الْفَسْخُ. وَإِنْ كَانَ في الْبَلَدِ، حُجِرَ عَلَى الْمُشْتَرِي في مَالِه كُلِّه حَتَّى يُسَلِّمَهُ. وَإِنْ كَانَ غَائِبًا عَنِ الْبَلَدِ قَرِيبًا، احْتَمَلَ أَنْ يَثْبُتَ لِلْبَائِعِ الْفَسْخُ، واحْتَمَلَ أَنْ يُحْجَرَ عَلَى الْمُشْتَرِي. ــ أُجْبِرَ على تَسْلِيمِه (وإنْ كان) الثَّمَنُ (غائِبًا) عن البَلَدِ في مَسَافَةِ القَصْرِ (أو) كان (المُشْتَرِي مُعْسِرًا، فللبائِعِ الفَسْخُ) لأنَّ عليه ضَرَرًا في تَأْخِيرِ الثَّمَنِ، فكان له الفَسْخُ والرُّجُوعُ في عَينِ مالِه، كالمُفْلِسِ (وإنْ كان) الثَّمَنُ (في) بَيتِه أو (بَلَدِه، حُجِرَ على المُشْتَرِي في) المَبِيعِ وسائِرِ (مالِه حتى يُسَلِّمَ الثَّمَنَ) لئَلَّا يَتَصَرَّفَ في مالِه تَصَرُّفًا يَضُرُّ بالبائِعِ (وإن كان غائِبًا عن البلَدِ قريبًا) دونَ مَسافَةِ القَصْرِ (فللبَائِعِ الفَسْخُ) في أحَدِ الوَجْهَينِ؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا في تَأْخِيرِ الثَّمَنِ، أشْبَهَ المُفْلِسَ. والثاني،

стр. 5509

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لا يَثْبُت له خِيارُ الفسْخِ؛ لأَنَّه كالحاضِرِ. فعلى هذا، يُحْجَرُ على المُشْتَرِي, كما لو كان في البَلَدِ. وهذا كُلُّه مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ. وقال شَيخُنا (١): ويَقْوَى عِنْدي أنَّه لا يَجِبُ على البائِعِ تَسْلِيمُ المَبِيعِ حتى يُحْضِرَ الثَّمَنَ ويَتَمَكَّنَ مِن تَسْملِيمِه؟ لأنَّ البائِعَ إنَّما رَضِيَ ببَذْلِ المَبِيعِ بالثَّمَنِ، فلا يَلْزَمُه دَفْعُه قبلَ حُصُولِ عِوَضِه، ولأَنَّ المُتَعاقِدَينِ سَواءٌ في المُعَاوَضَةِ، فيَسْتَويانِ في التَّسْلِيمِ. وإنَّما يُوثِّرُ ما [ذَكَره في التَّرْجِيحِ] (٢) في تَقْدِيمِ التَّسْلِيمِ مع حُضُورِ العِوَضِ الآخَرِ؛ لعَدَمِ الضَّرَرِ فيه، أمّا مع الخَطَرِ (٣) المُحْوجِ إلى الحَجْرِ، أو المُجَوِّزِ الفَسْخَ، فلا يَنْبَغِي أنْ يَثْبت. ولأَنَّ شَرْعَ الحَجْرِ لا يَنْدَفِع به الضَّرَرُ؛ لأَنَّه يَقِفُ على الحاكِمِ، ويَتَعَذَّرُ ذلك في الغالِبِ. ولأنَّ ما أَثْبَتَ الحَجْرَ والفَسْخَ بعدَ التَّسْلِيمِ،

стр. 5510

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أوْلَى أنْ يَمْنَعَ التَّسْلِيمَ؛ لأنَّ المَنْعَ أسْهَلُ مِن الرَّفْعِ، والمَنْعُ قبلَ التَّسْلِيمِ أسْهَلُ مِن المَنْعِ بَعْدَه، ولذلك مَلَكَتِ المَرْأَةُ مَنْعَ نَفْسِها مِن التَّسْلِيمِ قبلَ قَبْضِ صَداقِها، ولم تَمْلِكْه بعدَ التَّسْلِيمِ، على أحَدِ الوَجْهَينِ. وكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنا: له الفَسْخُ. فإنَّه يَفْسَخُ بغيرِ حُكْمِ حاكِمٍ؛ لأَنَّه فَسْخٌ للبَيعِ لتَعَذُّرِ ثَمَنِه، فمَلَكَّهُ البائِعُ، كالفَسْخِ في عَينِ مالِه إذا أفْلَسَ المُشْتَرِي. وكُلُّ مَوْضِعٍ قلنا: يُحْجَرُ عليه. فذلك إلى الحاكِمِ؛ لأَنَّ ولايةَ الحَجْرِ إليه. فصل: فإن هَرَبَ المُشْتَرِي قَبْلَ وَزْنِ الثَّمَنِ، وهو مُعْسِرٌ، فللبَائِع الفَسْخُ في الحال؛ لأَنَّه يَمْلِكُ الفَسْخَ مع حُضُورِه، فمَعَ هَرَبِه أوْلَى. وإن كانَ مُوسِرًا، أَثْبَتَ البائِعُ ذلك عند الحاكِمِ، ثم إنْ وَجَدَ الحكمُ له مالًا قضاه، وإلَّا باعَ المَبِيعَ، وقَضَى ثَمَنَه منه، وما فَضَلَ فللمُشْتَرِي، وإنْ أَعْوَزَ، ففي ذِمَّتِه. قال شَيخُنا (١): ويَقْوَى عِنْدِي أنّ للبائِعِ الفَسْخَ بكُلِّ حالٍ؛ لأنَّا أَبَحْنَا له الفَسْخَ مع حُضُورِه إذا كان الثَّمَنُ بَعِيدًا عن البَلَدِ؛ للضَّرَرِ في التَّأْخِيرِ، فههنا مع العَجْزِ عن الاسْتِيفاءِ بكُلِّ حالٍ أوْلَى. ولا

стр. 5511

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَنْدَفِعُ الضَّرَرُ برَفْعِ الأَمْرِ إلى الحاكِمِ؛ لأنَّه قد يَعْجِزُ عن إثْبَاتِه عِنْدَه، وقد يكونُ المَبِيعُ في مكانٍ لا حاكِمَ فيه، والغالِبُ أنَّه لا يَحْضُرُه مَنْ يَعْرِفُه الحاكِمُ بالعَدَالةِ، فإحالتُه على هذا تَضْيِيعٌ لمالِه. وهذه الفُرُوعُ تُقَوِّى ما ذَكَرْتُه، من أنَّ للبائِعِ مَنْعَ المُشْتَرِي مِن قَبْضِ المَبِيعِ قبلَ إحْضارِ ثَمَنِهِ؛ لما في ذلك من الضَّرَرِ. فصل: وليس للبَائِعِ الامْتِنَاعُ مِن تَسْلِيمِ المَبِيعِ بعد قَبْضِ الثَّمَنِ

стр. 5512

وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْخُلْفِ في الصِّفَةِ، وَتَغَيُّرِ مَا تَقَدَّمَتْ رُؤْيَتُهُ. وَقَدْ ذَكَرنَاهُ. ــ لأَجْلِ الاسْتِبْراءِ. وبهذا قال أبو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ. وحُكِيَ عن مالِكٍ في القَبِيحَةِ. وقال في الجَميلَةِ: يَضَعُها على يَدَيْ عَدْلٍ حتى تُسْتَبْرَأَ؛ لأنَّ التُّهْمَةَ تَلْحَقُه فيها، فمُنِعَ منها. ولَنا، أنَّه بَيعُ عَينٍ لا خِيارَ فيها (١)، قد قَبَضَ ثَمَنَها، فوَجَبَ تَسْلِيمُها، كسائِرِ المَبِيعات، وما ذَكَرَه مِن التُّهْمَةِ لا يُمَكِّنُه مِن المَنْعِ، كالقَبِيحَةِ. ولأنَّه إنْ كان اسْتَبْرَأَها قبلَ بَيعِها، فاحْتِمالُ وجُودِ الحَمْلِ منها بَعِيدٌ نادِرٌ، وإن كان لم يَسْتَبْرِئها، فهو الذي تَرَكَ التَّحَفُّظَ لنَفْسِه. ولو طالبَ المُشْتَرِي البائِعَ بكَفِيلٍ، لئَلَّا تَظْهَرَ حامِلًا، لم يكُنْ له ذلك؛ لأَنَّه تَرَكَ التَّحَفُّظَ لنَفْسِه حال العَقْدِ، فلم يَكُنْ له كَفِيلٌ, لو طالبَ كَفِيلًا بالثَّمَنِ المُؤجَّلِ. ١٦٦٧ - مسألة: (ويَثْبُتُ الخيارُ للخُلْفِ في الصِّفَةِ، وتَغَيُّرِ ما تَقَدَّمَتْ رُؤْيَتُه. وقد ذَكَرْنَاهُ) في الفَصْلِ السادِسِ (٢)، مِن كتابِ البَيعِ بما يُغْنِى عن إعادَتِه.

стр. 5513

فصْلٌ: وَمَنِ اشْتَرَى مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا، لَمْ يَجُزْ بَيعُهُ حَتَّى يَقْبِضَه. وَإِنْ تَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ، فَهُوَ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ، إلا أنْ يُتْلِفَهُ آدَمِيٌّ، فَيُخَيَّرُ الْمُشْتَرِي بَينَ فَسْخِ الْعَقْدِ، وَبَينَ إِمْضَائِهِ وَمُطَالبَةِ مُتْلِفِهِ ببَدَلِهِ. ــ فصل: قال، ﵁: (ومَن اشْتَرَى مَكِيلًا أو مَوْزُونًا، لم يَجُزْ بَيعُهُ حتى يَقْبِضَه. وإن تَلِفَ قبلَ قَبْضِه، فهو مِن مالِ البائِعِ، إلَّا أنْ يُتْلِفَه آدَمِي، فيُخَيَّرُ المُشْتَرِي بينَ فَسْخِ العَقْدِ، وإمْضَائِه ومُطَالبَةِ مُتْلِفِه ببَدَلِه) وعنه، في الصُّبْرَةِ المُتَعَيِّنَةِ أنّه يَجُوزُ بَيعُها قبلَ قَبْضِها، وإن تَلِفَتْ، فهي مِن ضَمانِ المُشْتَرِي. ظاهِرُ المَذْهَبِ، أنَّ المَكِيلَ والمَوْزُونَ لا يَدْخُلُ في ضمانِ المُشْتَرِي إلَّا بقَبْضِه. وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ وكذلك قال في المَعْدُودِ، سواءٌ كان مُتَعَيِّنًا كالصُّبْرَةِ، أو غيرَ مُتَعَيِّن كقَفِيزٍ منها. وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ. ونحوُه قولُ إسحاقَ. ورُوِيَ عن عثمانَ بنِ عَفّانَ، وسَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والحَسَنِ، والحَكَمِ، وحَمّادِ بنِ أَبِي سُلَيمانَ، أنَّ كُلَّ ما بِيعَ على الكَيلِ والوَزْنِ لا يَجُوزُ بَيعُه قبلَ قَبْضِه، وما ليس بمَكِيلٍ

стр. 5514

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولا مَوْزُونٍ يجوزُ بَيعُه قبلَ قَبْضِه. وقال القاضِي وأصحابُه: المرادُ بالمَكِيلِ والمَوْزُونِ والمَعْدُودِ، ما ليس بمُتَعَيِّن، كالقَفِيزِ مِن صُبْرَةٍ، والرَّطْلِ من زُبْرَةٍ (١)، فأمّا المُتَعَيِّنُ فيَدْخُلُ في ضَمانِ المُشْتَرِي، كالصُّبْرَةِ يَبِيعُها مِن غيرِ تَسْمِيَةِ كَيلٍ. وقد نُقِلَ عن أحمدَ نحوُ ذلك، فإنَّه قال في رِوَايَةِ أبي الحارِثِ، في رَجُلٍ اشْتَرَى طَعامًا، فطَلَبَ مَن يَحْمِلُه، فرَجَعَ وقد احْتَرَقَ: فهو من مالِ المُشْتَرِي. وذكَرَ الجُوزْجَانِيُّ عنه في مَن اشْتَرَى ما في السَّفِينَةِ صُبْرَةً، ولم يُسَمِّ كَيلًا: فلا بَأْسَ أنْ يَشْتَرِكَ فيها، ويَبِيعَ ما شاءَ، إلَّا أنْ يكونَ بينهما كَيلٌ، فلا يُوَلِّي حتى يُكَال عليه. ونحوَ هذا قال مالِكٌ، فإنّه قال فيما بِيِعَ من الطّعامَ مُكَايَلَةً أو مُوَازَنَةً: لم يَجُزْ بَيعُه قبلَ قَبْضِه. وما بِيعَ مُجَازَفَةَ، أو بِيعَ من غيرِ الطّعامِ مُكَايَلَةً أو مُوازَنَةً: جازَ بَيعُه قبلَ قَبْضِه. وَوَجْهُ ذلك، ما رَوَى الأَوْزَاعِيُّ، عن الزُّهْرِيِّ، عن حَمْزَةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أنّه سَمِعَ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ يقولُ: مَضَتِ السُّنَّةُ أنَّ ما أدْرَكَته الصَّفْقَةُ حَيًّا مَجْمُوعًا، فهو مِن مالِ

стр. 5515

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المُبْتَاعِ. رَواهُ البُخارِيُّ (١) عن ابنِ عمرَ، مِن قولِه، تَعْلِيقًا. وقَوْلُ الصَّحَابِيِّ: مَضَتِ السُّنَّةُ. يَقْتَضِي سُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ . ولأنَّ المَبِيعَ المُعَيَّنَ لا يَتَعَلَّقُ به حَقُّ تَوْفِيَةٍ، فكانَ مِن مالِ المُشْتَرِي، كغيرِ المَكِيلِ والمَوْزُونِ. ونُقِلَ عن أحمدَ، أنَّ المَطْعُومَ لا يَجُوزُ بَيعُه قبلَ قَبْضِه، سواءٌ كان مَكِيلًا أو مَوْزُونًا، أو لم يَكُنْ. فعَلَى هذا، يَخْتَصُّ ذلك بالمَطْعُومِ في أنَّه لا يَدْخُلُ في ضَمانِ المُشْتَرِي إلَّا بقَبْضِه، فإنَّ التِّرْمِذِيَّ رَوَى عن أحمدَ أنَّه أرْخَصَ في بَيعِ ما لا يُكَالُ ولا يُوزَنُ ممّا لا يُؤْكَلُ ولا يُشْرَب قبلَ قَبْضِه. وقال الأَثْرَمُ: سَأَلْتُ أبا عَبدِ اللهِ عن قَوْلِه: نَهَى عن رِبْح ما لم يُضْمَنْ (٢). قال: هذا في الطّعَامِ وما أَشْبَهَه مِن مَأْكُولٍ أو مَشْرُوبٍ، فلا يَبيعُه حتى يَقْبِضَه. وقال ابنُ عبدِ البَرِّ (٣): الأَصَحُّ عنِ أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ أنَّ الذي يُمْنَعُ مِن بَيعِه قبلَ قَبْضِه هو الطّعامُ. وذلك لأنَّ

стр. 5516

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عن بَيعِ الطّعامِ قبلَ قَبْضِه (١). فمَفْهُومُه إباحَةُ بَيعِ ما سِواهُ قبلَ قَبْضِه. ورَوَى ابنُ عمرَ، قال: رَأَيتُ الذين يَشْتَرُونَ الطّعامَ مُجازَفَةً يُضْرَبُونَ على عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أنْ يَبِيعُوه حتى يُؤْوُوهُ إلى رِحالِهم. وهذا نَصٌّ في بَيعِ المُعَيَّنِ. وعُمُومُ قولِه ﵇: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فلا يَبِيعُه حتى يَسْتَوْفِيَه». مُتَّفَق عليهما (٢). ولمُسْلِمٍ (٣)،

стр. 5517

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عن ابنِ عمرَ، قال: كُنّا نَشْتَرِى الطَّعامَ مِن الرُّكْبانِ جُزَافًا، فَنَهانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ نَبِيعَه حتى نَنْقُلَه مِن مكانِه. وقال ابن المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ مَن اشْتَرَى طَعامًا فليس له أنْ يَبِيعَه حتى يَسْتَوْفِيَه، ولو دَخَلَ في ضَمانِ المُشْتَرِي، جازَ له (١) بَيعُه والتَّصَرُّفُ فيه, كما بعدَ قَبْضِه. وهذا يَدُلُّ على تَعْمِيمِ المَنْعِ في كلِّ طَعَامٍ، مع تَنْصِيصِه على البَيعِ مُجازَفَةً بالمَنْعِ، وهو خِلافُ قَوْلِ القاضِي وأَصْحابِه، ويَدُلُّ بمَفْهُومِه على أنّ ما عَدا الطّعامَ يُخالِفُه في ذلك. فصل: وكلُّ ما لا يَدْخل في ضَمانِ المُشْتَرِي إلَّا بقَبْضِه، لا يَجُوز له بَيعُه حتى يَقْبضَه. وقد ذَكَرْنا ذلك، وذَكَرْنا الذي يَحْتَاج إلى قَبْضٍ، والخِلافَ فيه، لِما ذَكَرْنا مِن الأَحادِيثِ. ولأَنَّه مِن ضَمانِ بائِعِه، فلم يَجُزْ بَيعُه، كالسَّلَمِ، ولم نَعْلَمْ بينَ أهْلِ العِلْمِ في ذلك خِلافًا، إلَّا ما

стр. 5518

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حُكِيَ عن البَتِّيِّ أنَّه قال (١): لا بَأْسَ بِبَيعِ كُلِّ شيءٍ قبلَ قَبْضِه. قال ابنُ عبدِ البَرِّ (٢): وهذا قوْلٌ مَرْدُودٌ بالسُّنَّةِ والحُجَّةِ المُجْمِعَةِ على الطّعامِ، وأَظُنُّه لم يَبْلُغْه الحَدِيثُ، ومثلُ هذا لا يُلْتَفَتُ إليه. فصل: والمَبِيعُ بصِفَةٍ، أو برُؤْيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ، مِن ضمانِ البائِعِ حتىِ يَقْبِضَه المُبْتَاعُ، فعلى هذا، لا يَجُوزُ بَيعُه قبلَ قَبْضِه؛ لأَنَّه يَتَعَلَّقُ به حَقُّ توْفِيَةٍ، فجَرَى مَجْرَى المَكِيلِ والمَوْزُونِ.

стр. 5519

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وما يَحْتَاجُ إلى القَبْضِ إذا تَلِفَ قبلَ قَبْضِه، فهو مِن ضَمانِ البائِعِ. فإنْ تَلِفَ بآفَةٍ سَماويَّةٍ، بَطَلَ العَقْدُ، ورَجَعَ المُشْتَري بالثمَنِ وإن تَلِفَ (١) بفِعْلِ المُشتَرِي، اسْتَقَرَّ عليه الثمَنُ، وكان كالقبْضِ؛ لأَنَّه تَصَرَّفَ فيه. وإن أَتْلَفَه أجْنَبِيٌّ، لم يَبْطُلِ العَقْدُ، على قِياسِ قَوْلِه في الجائِحَةِ، ويَثْبُتُ للمُشْتَرِي الخِيَارُ بينَ الفَسْخِ والرُّجُوعِ بالثَّمَنِ؛ لأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ في يَدِ البائِعِ، فهو كحُدُوثِ العَيبِ في يَدِه، وبين البَقاءِ على العَقْدِ ومُطَالبَةِ المُتْلِفِ بالمِثْلِ إنْ كان مِثْلِيًّا، وبالقِيمَةِ إنْ لم يَكُنْ مِثْلِيًّا.

стр. 5520

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وبهذا قال الشّافِعِيُّ. ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا. وإنْ أَتْلَفَه البائِعُ، فقال أَصْحَابُنا: الحُكْمُ فيهكما لو أَتْلَفَه أَجْنَبِيٌّ. وقال الشّافِعِيُّ: يَنْفَسِخ العَقْدُ، ويَرْجِعُ المُشْتَرِي بالثَّمَنِ لا غيرُ؛ لأَنَّه تَلَفٌ يضْمَنُه به البائِعُ، أَشْبَهَ تَلَفَه بفِعْلِ الله تِعالى. وفَرَّقَ أَصْحَابُنا بينهما؛ لكَوْنِه إِذا تَلِفَ بفِعْلِ الله تِعالى، لم يُوجَدْ مُقْتضٍ للضَّمَانِ سِوَى حُكْمِ العَقْدِ، بخِلافِ ما إذا أتْلَفَه، فإنَّ إتْلَافَه يَقْتَضِي الضّمانَ بالمِثْلِ، وحُكْمَ العَقْدِ يَقْتَضِي الضّمانَ بالثَّمَنِ، فكانتِ الخِيَرَةُ إلى المُشْتَرِي في التَّضْمِينِ بأيِّهما شاءَ.

стр. 5521

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وإنْ تَعَيَّبَ في يَدِ البائِعِ، أو تَلِفَ بَعْضُه بأمْرٍ سَماويٍّ، فالمُشْتَرى مُخيَّرٌ بينَ أَخْذِه ناقِصًا ولا شيءَ له، وبينَ فَسْخِ العَقْدِ والرُّجُوعِ بالثَّمَنِ؛ لأَنَّه إنْ رَضِيَه مَعِيبًا، فكَأَنَّه اشْتَرَى مَعِيبًا عالِمًا بعَيبِه، لا يَسْتَحِقُّ شيئًا مِن أَجْلِ العَيبِ. وإنْ فَسَخَ العَقْدَ، لم يكُنْ له أكْثَرُ مِن الثَّمَنِ؛ لأَنَّه لو تَلِفَ المَبِيعُ كُلُّه، لم يَكُنْ له أكْثَرُ مِن الثَّمَنِ، فإذا تَعَيَّبَ أو تَلِفَ بَعْضُه،

стр. 5522

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [كان أوْلَى. وإن تَعَيَّبَ بفِعْلِ المُشْتَرِي، أو تَلِفَ بعضُه] (١)، لم يَكُنْ له الفَسْخُ لذلك؛ لأَنَّه أَتْلَفَ مِلْكَه، فلم يَرْجِعْ علِى غيرِه. وإن كانَ بِفِعْل البائِعِ، فقِيَاسُ قَوْلِ أصْحَابِنَا، أنَّ المُشْتَرِيَ مُخيَّرٌ بينَ الفَسْخِ والرُّجُوعِ بالثَّمَنِ، وبينَ أخْذِهِ والرُّجُوعِ على البائِعِ بِعِوَضِ ما أتْلَفَ أو عَيَّبَ. وقياسُ قَوْلِ الشّافِعِيِّ، أنّه بمَنْزِلَةِ ما لو تَلِفَ بفِعْل اللهِ تَعالى. وإنْ كان بفِعْلِ أجْنَبِيٍّ، فله الفَسْخُ والمُطَالبَةُ بالثَّمَنِ، وَأَخْذُ المَبِيعِ ومُطَالبَةُ الأَجْنَبِيِّ بِعِوَضِ ما أَتْلَفَ. فصل: ولو باعَ شاةً بشَعِيرٍ، فأَكَلَتْه قبلَ قَبْضِه، فإنْ كانت في يَدِ

стр. 5523

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المُشْتَرِي، فهو كما لو أَتْلَفَه، وإن كانَتْ في يَدِ البائِعِ، فهو كإتْلَافِه، وكذلك إنْ كانت في يَدِ أجْنَبِيٍّ، فهو كإتْلَافِه. وإن لم تَكُنْ في يَدِ أحَدٍ، انْفَسَخَ البَيعُ؛ لأَنَّ المَبِيعَ هَلَكَ قبلَ قَبْضِه بأمْرٍ لا يُنْسَبُ إلى آدَمِيٍّ، فهو كتَلَفِه بفِعْلِ اللهِ تَعالى. فصل: ولو اشْتَرَى شاةً أو عَبْدًا أو شِقْصًا بطعامٍ، فَقَبَضَ الشّاةَ أو العَبْدَ وباعَهُما، أو أُخِذَ الشِّقْصُ بالشُّفْعَةِ، ثم تَلِفَ الطّعامُ قبلَ قَبْضِه، انْفَسَخَ الأَوَّلُ دونَ الثانِي، ولا يَبْطُلُ الأَخْذُ بالشُّفْعَةِ؛ لأَنَّه كَمَلَ قَبْلَ فَسْخِ العَقْدِ، ويَرْجِعُ مُشْتَرِى الطّعامِ على مُشْتَرِى الشّاةِ أو العَبْدٍ أو الشِّقْصِ بقِيمةِ ذلك؛ لتَعَذُّرِ رَدِّه، وعلى الشَّفِيعِ مثلُ الطّعامِ؛ لأَنَّه عِوَضُ الشِّقْصِ.

стр. 5524

وَعَنْهُ، في الصُّبْرَةِ الْمُتَعَيِّنَةِ، أَنَّهُ يَجُوزُ بَيعُهَا قَبْلَ قَبْضِهَا، فَإِنْ تَلِفَتْ، فَهِيَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي. وَمَا عَدَا الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَإِنْ تَلِفَ، فَهُوَ مِنْ مَاكِ الْمُشْتَرِي. وذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهِ رِوَايَةً أُخْرَى، أنَّهُ كَالْمَكِيلِ والْمَوزُونِ في ذَلِكَ. ــ ١٦٦٨ - مسألة: (وعنه، في الصُّبْرَةِ المُتَعَيِّنَةِ، أنّه يَجُوزُ بَيعُها قبلَ قَبْضِها، وإنْ تَلِفَتْ فهي مِن ضَمانِ المُشْتَرِي) نَقَلَها عنه أبو الحارِثِ والجُوزْجَانِيُّ. واخْتَارَهُ القاضِي وأَصْحابُه. ونحوُه قولُ مالِكٍ؛ لقَوْلِ ابنِ عمرَ: مَضَتِ السُّنَّةُ أنّ ما أَدْرَكَتْه الصَّفْقَةُ حَيًّا مَجْمُوعًا، فهو من مالِ المبْتاعِ (١). وقد ذَكَرْنا ذلك. ١٦٦٩ - مسألة: (وما عَدَا المَكِيلَ والمَوْزُونَ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فيه قبلَ قَبْضِه، وإن تَلِفَ، فهو مِن مالِ المُشْتَرِي. وحَكَى أبو الخَطّابِ رِوَايَةً أُخْرَى، أنّه كالمَكِيلِ والمَوْزُونِ في ذلك) كُلِّه، ما عدا المَكِيلَ والمَوْزُونَ والمَعْدُودَ والمَطْعُومَ، على ما ذَكَرْنا فيه من الخِلافِ، يَجُوز التَّصَرُّفُ فيه قبلَ قَبْضِه، في أَظْهَرِ الرِّوَايَتَينِ. ويُرْوَى مثلُ هذا عن عثمانَ بنِ عَفّانَ، وسَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والحَكَمِ، وحَمّادٍ، والأَوْزَاعِيِّ،

стр. 5525

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وإسحاقَ. وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، لا يَجُوزُ بَيعُ شيءٍ قبلَ القَبْضِ. اخْتارَها ابنُ عَقِيلٍ. ورُوِيَ ذلك عن ابنِ عَبّاسٍ. وهو قولُ أبي حَنِيفةَ، والشّافِعِيِّ، إلَّا أنّ أبا حَنِيفَةَ اخْتَارَ بَيعَ العَقارِ قَبْلَ قَبْضِه. وإذا قُلْنَا بجوازِ التَّصَرُّفِ فيه، فَتَلِفَ، فهو مِن ضَمانِ المُشْتَري. وقال أبو حَنِيفَةَ: كُلُّ مَبِيعٍ قبلَ قَبْضِه مِن ضمانِ البائِعِ، إلَّا العَقارَ. وقال الشافِعِيُّ: هو مِن ضَمانِ البائِعِ في الجَمِيعِ. وحَكَى أبو الخّطاب عن أحمدَ مثلَ ذلك، واحْتَجُّوا بنَهْي النَّبِيِّ ﷺ [عَنْ بَيعِ] (١) الطعامِ قبلَ قَبْضِه (٢). وبما رُوِيَ عن ابنِ عَبّاس، أنّه قال: أرَى كُلَّ شَئٍ بمَنْزِلَةِ الطّعامِ. وبما رَوَى أبو داودَ (٣)، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أنْ تُباعَ السِّلَعُ حيث تُبْتَاعُ حتى يَحُوزَها التُّجَّارُ إلى رِحالِهم. وروَى ابنُ ماجه (٤) أنَّ النَّبِيَّ

стр. 5526

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﷺ نَهَى عن شِراءِ الصَّدَقاتِ حيث تُقْبَضُ. ورُوِيَ أنّ النبيَّ ﷺ لَمّا بَعَثَ عَتَّابَ بنَ أُسَيدٍ إلى مَكّةَ قال: «انْهَهُمْ عَنْ بَيعِ ما لم يَقْبِضُوا، وعن رِبْحِ ما لم يَضْمَنُوا» (١). ولأَنَّه لم يَتِمَّ المِلكُ عليه، فلم يَجُزْ بَيعُه، كغَيرِ المُتَعَيِّنِ، أو كالمَكِيلِ والمَوْزُونِ. ولَنا على جَوازِ بَيعِه قبلَ قَبْضِه، ما رَوَى ابنُ عمرَ، قال: كُنَّا نَبِيعُ الإِبِلَ بالبَقِيعِ بالدّرَاهِمِ فَنَأْخُذُ بَدَلَ الدَّرَاهِمِ الدَّنَانِيرَ، ونَبِيعُها بالدَّنَانِيرِ فنَأْخُذُ بَدَلَها الدَّرَاهِمَ، فَسَأَلْنَا النَّبِيَّ ﷺ عن ذلك، فقال: «لا بَأْسَ إذا تَفَرَّقْتُما وليس بَينَكُما شيءٌ» (٢).

стр. 5527

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهذا تَصَرُّفٌ في الثَّمَنِ قبلَ قَبْضِه، وهو أحَدُ العِوَضَينِ. ورَوَى ابنُ عمرَ أنّه كان على بَكْرٍ صَعْبٍ، يَعْنِي لعمرَ، فقال النَّبِيُّ ﷺ : «بِعْنِيهِ». فقال: هو لَكَ يا رَسُولَ اللهِ. فقال النَّبِيُّ ﷺ : «هو لَكَ يا عبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ، فَاصْنَعْ بِهِ ما شِئْتَ» (١). وهذا ظاهِرٌ في التَّصَرُّفِ في المَبِيعِ بالهِبَةِ قبلَ قبْضِه. واشْتَرَى مِن جابِرٍ جَمَلًا، ونَقَدَه ثَمَنَه، ثمّ وَهَبَه إيّاهُ قبلَ قَبْضِه (٢). ولأَنَّه أحَدُ نوْعَي المَعْقُودِ عليه، فجازَ التَّصَرُّفُ فيه قبلَ قَبْضِه، كالمنافِعِ في الإِجَارَةِ، يجوزُ له إجارَةُ العَينِ المُسْتَأْجَرَةِ قبلَ قَبْضِ المنافِعِ، ولأنَّه مَبِيعٌ لا يَتَعَلَّقُ به حَقُّ تَوْفِيَةٍ، فصَحَّ بَيعُه، كالمالِ في يَدِ المودِعِ والمُضارِب. ولَنا، على أنَّه إذا تَلِفَ فهو مِن ضَمانِ المُشْتَرِي، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : «الخَرَاجُ بالضَّمَانِ» (٣). وهذا المَبِيعُ

стр. 5528

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نماؤه للمُشْتَرِي، فضَمانُه عليه. وقولُ ابنِ عمرَ: مَضَتِ السُّنَّةُ أنّ ما أدْرَكَتْهُ الصَّفْقَةُ حَيًّا مَجْمُوعًا، فهو من مالِ المُبْتَاعِ. وأمّا أحادِيثُهم، فقد قيلَ: لم يَصِحَّ منها إلَّا حَدِيثُ الطَّعامِ. وهو حُجَّةٌ لنا بمَفْهُومِه، فإنَّ تَخْصِيصَ الطّعامِ بالنَّهْي عن بَيعِه قبلَ قَبْضِه، يَدُلُّ على جَوازِه فيما سِواهُ. وقَوْلُهم: لم يَتِمَّ المِلْكُ عليه. مَمْنُوعٌ؛ فإنَّ السَّبَبَ المُقْتَضِىَ للمِلْكِ مُتَحَقِّقٌ، وأكثَرُ ما فيه تَخَلُّفُ القَبْضِ، واليَدُ ليست شَرْطًا في صِحَّةِ البَيعِ، بدَلِيلِ جَوازِ بَيعِ المالِ المُودَعِ والمَوْرُوثِ، والتَّصَرُّفِ في الصَّدَاقِ وعِوَضِ الخُلْعِ عند أبي حَنِيفَةَ.

стр. 5529

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وما لا يَجُوزُ بَيعُه قبلَ قَبْضِه، لا يَجُوزُ بَيعُه لبائِعِه؛ لعُمُومِ الخَبَرِ فيه. قال القاضِي: ولو ابْتَاعَ شيئًا ممّا يَحْتاجُ إلى قَبْضٍ، فلَقِيَه بِبَلَدٍ آخَرَ، لم يكُنْ له أخْذُ بَدَلِه إنْ تَرَاضَيَا؛ لأنَّه مَبِيعٌ لم يُقْبَضْ. فإنْ كان ممّا لا يَحْتَاجُ إلى قَبْض، جازَ أخْذُ البَدَلِ عنه، إلَّا أنْ يكونَ سَلَمًا؛ لأنَّه لا يَجُوزُ بيعُ السَّلَمِ قبلَ قَبْضِه. فصل: وكلُّ عِوَضٍ مُلِكَ بعَقْدٍ يَنْفَسِخُ بهَلاكِه قبلَ القَبْضِ، لا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فيه قبلَ قَبْضِه، كالذي ذَكَرْنا. والأجْرَةُ وبَدَلُ الصُّلْحِ، إذا كانَا من المَكِيلِ أو المَوْزُونِ أو المَعْدُودِ، وما لا يَنْفَسِخُ العَقْدُ بهَلَاكِه، يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فيه قبلَ القَبْضِ، كعِوَضِ الخُلْعِ، والعِتْقِ على مالٍ، وبَدَلِ الصُّلْحِ عن دَمِ العَمْدِ، وأرشِ الجِنَايَةِ، وقِيمَةِ المُتْلَفِ؛ لأنَّ المُقْتَضِيَ

стр. 5530

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ للتَّصَرُّفِ المِلْكُ، وقد وُجِدَ. لكنْ ما يُتَوَهَّمُ فيه غرَرُ الانْفِسَاخِ بهَلاكِ المَعْقُودِ عليه، لم يَجُزْ بناءُ عَقْدٍ آخَرَ عليه؛ تَحَرُّزًا مِن الغَرَرِ، وما لا يُتَوَهَّمُ فيه ذلك الغَرَرُ، انْتَفَى المانِعُ، فجازَ العَقْدُ عليه. وهذا قَوْلُ أبي حَنِيفَةَ. والمَهْرُ كذلك عند القاضِي. وهو قَوْلُ أبي حَنِيفَةَ؛ لأنَّ العَقْدَ لا يَنْفَسِخُ بهَلَاكِه. وقال الشّافِعِيُّ: لا يِجُوزُ التَّصَرُّفُ فيه قبلَ قَبْضِه. ووَافَقَه أبو الخَطّابِ في غيرِ المُتَعَيِّنِ؛ لأنه يَخْشَى رُجُوعَه بانْتِقاضِ سَبَبِه بالرِّدَّةِ قبلَ الدّخُولِ، أو انْفِساخَه بسَبَبٍ من جِهَةِ المَرْأةِ، أو نِصْفَهُ (١) بالطَّلاقِ، أو انْفِسَاخَه بسَبَبِ من غيرِ جِهَتِها. وكذلك قال الشّافِعِيُّ في عِوَضِ الخُلْعِ. وهذا التَّعْلِيل باطِلٌ بما بعدَ القَبْضِ؛ فإنَّ قَبْضَه لا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ فيه قبلَ الدُّخُولِ. فأمّا ما مُلِكَ بإرْثٍ أو وَصِيَّةٍ أو غَنِيمَةٍ، وتَعَيَّنَ مِلْكُه فيه، فإنَّه يَجُوزُ له التَّصَرُّفُ فيه بالبَيعِ وغَيرِه قبلَ قَبْضِه؛ لأنه غيرُ مَضْمُونٍ بعَقْدِ مُعاوَضَةٍ، فهو كالمَبِيعِ المَقْبُوضِ. وهذا مَذْهَبُ أبي حَنِيفَةَ، والشّافِعِيِّ. وإن كان لإنْسَانٍ في يدِ غيره وَدِيعَةٌ أو عارِيَةٌ أو مُضارَبَة، أو جَعَلَه وَكِيلًا فيه، جازَ له بَيعُه ممَّنْ هو في يَدِه ومِن غيرِه؛

стр. 5531

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لأنَّه عَينُ مالٍ مَقْدُورٌ على تَسْلِيمِها، لا يُخْشَى انْفِساخُ المِلْكِ فيها، فهي كالتي في يَدِه. فإن كان غَصْبًا، فقد ذَكَرْنا حُكْمَه. فصل: فإنِ اشْتَرَى اثْنانِ طَعامًا فقَبَضَاهُ، ثمّ باعَ أحَدُهما الآخَرَ نَصِيبَه قبلَ أنْ يَقْتَسِماه، احْتَمَلَ أنْ لا يَجُوزَ. وكَرِهَهُ الحَسَنُ، وابنُ سِيرِينَ فيما يُكالُ أو يُوزَنُ؛ لأنه لم يَقْبضْ نَصِيبَه مُنْفَرِدًا، فأشْبَهَ غيرَ المَقْبُوضِ. ويَحْتَمِل الجوازَ؛ لأنه مَقبُوضٌ لهما، يَجُوزُ بَيعُه لأجْنَبِي، فجازَ بَيعُه لشَرِيكِه، كسائِرِ الأمْوالِ. فإنْ تَقَاسَمَاه وتَفَرَّقَا، ثمّ باعَ أحَدُهما نَصِيبَه بذلك الكَيلِ الذي كالهُ لَه، لم يَجُزْ، كما لو اشْتَرَى مِنِ رَجُلٍ طَعامًا، فاكْتَاله وتَفَرَّقَا، ثمّ باعَهُ إيّاهُ بذلك الكَيلِ. وإنْ لِم يَتَفرَّقَا، خُرِّجَ على الرِّوَايَتَينِ اللَّتَينِ ذَكَرْنَاهُما. فصل: وكُلُّ ما لَا يَجُوزُ بَيعُه قبلَ قَبْضِه، لا تَجُوزُ فيه الشرِكَةُ ولا التَّوْلِيَةُ، ولا الحَوالةُ به. وبهذا قال أبو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ. وقال مالِكٌ:

стр. 5532

وَيَحْصُلُ الْقَبْضُ فِيمَا بِيعَ بِالْكَيلِ وَالْوَزْنِ، بِكَيلهِ وَوَزْنِهِ، ــ يَجُوزُ هذا كُلّه في الطّعامِ قبلَ قَبْضِه؛ لأنَّها تَخْتَصُّ بمثلِ الثَّمَنِ الأوَّلِ، فجازَتْ قبلَ القَبْضِ، كالإقَالةِ. ولَنا، أنَّ التَّوْلِيَةَ والشَّرِكَةَ من أنْواعِ البَيعِ، فإنَّ الشَّرِكَةَ بَيعُ بَعْضِه بقِسْطِه من ثَمَنِه، والتَّوْلِيَةَ بَيعُ جَمِيعِه بمثلِ ثَمَنِه. فَيَدْخُلُ في عُمُومِ النَّهْي عن بَيعِ الطّعامِ قبلَ قَبْضِه. ولأنه تَمْلِيكٌ لغيرِ مَنْ هو في ذِمَّتِه، فأشْبَهَ البَيعَ. وأمّا الإِقَالةُ، فهي فَسْخ للبَيعِ، فأشْبَهَتِ الرَّدَّ بالعَيبِ. وكذلك لا يَصِحُّ هِبَتُه ولا رَهْنُه ولا دَفْعُهِ أُجْرَة وما أشْبَهَ ذلك من (١) التَّصَرُّفاتِ المُفْتَقِرةِ (٢) إلى القَبْضِ، لأنه غيرُ مَقْبُوضٍ، فلا سَبِيلَ إلى إقْبَاضِه. ١٦٧٠ - مسألة: (ويَحْصُلُ القَبْضُ فيما بِيعَ بالكَيلِ والوَزْنِ ،

стр. 5533

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بكَيلِه وَوَزْنِه) وبهذا قال الشافِعِيُّ. وقال أبو حَنِيفَةَ: التَّخْلِيَةُ في ذلك قَبْضٌ. وقد رُوِيَ عن أحمدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّ القَبْضَ في كُلِّ شيءٍ بالتخْلِيَةِ مع التَّمْيِيزِ، لأنه خلَّى بَينَه وبينَ المَبِيعِ من غيرِ حائِلٍ، فكان قَبْضًا له، كالعَقَارِ. ولَنا، ما رَوَى عثمانُ بنُ عَفانَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قال: «إذا بِعْتَ فكِلْ، وإذا ابْتَعْتَ فاكْتَلْ» رَواه البُخَارِيُّ (١). ورَوَى أَبو هُرَيرَةَ أنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: «منِ اشْتَرَى طَعَامًا، فلا يَبِيعُه حَتَّى يَكْتَالهُ». رَواهُ مُسْلِم (٢). وعن النَّبِيِّ ﷺ أنه نهَى عن بَيعِ الطّعَامِ حتى يَجْرِيَ فيه الصّاعَان، صاعُ البائِعِ وصَاعُ المُشْتَرِي. رَواهُ ابنُ ماجَه (٣). وهذا فيما بِيعَ كَيلًا.

стр. 5534

وَفِي الصُّبْرةِ وَفِيمَا يُنْقَلُ، بِالنَّقْلِ، ــ ١٦٧١ - مسألة: (وفي الصُّبرَةِ وما يُنْقَلُ، بالنَّقْلِ) لأنَّ ابنَ عمرَ قال: كانُوا يُضْرَبُونَ على عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إذا اشْتَرَوُا الطَّعَامَ جُزَافًا أنْ لا يَبِيعُوه في مكانِه حتى يُحَوِّلُوه. وفي لَفْظٍ: كُنّا نَبْتَاعُ الطّعامَ جُزَافًا، فَيَبْعَثُ عَلَينا مَن يَأمُرُنا بانْتِقالِه من مكانِه الذي ابْتَعْناه إلى مكانٍ سِواهُ قبلَ أنْ نَبيعَه. وفي لَفْظٍ: كُنَّا نَشْتَرِي الطّعامَ من الرُّكْبانِ جُزَافًا، فنَهانَا رسولُ اللهِ ﷺ أنْ نَبِيعَه حتى نَنْقُلَه. روَاهُنَّ مُسْلِمٌ (١). وهذا يُبَيِّنُ أنَّ الكَيلَ إنّما

стр. 5535

وَفِيمَا يُتَنَاوَلُ، بِالتَّنَاوُلِ، وَفِيمَا عَدَا ذَلِكَ، بِالتَّخْلِيَةِ. وَعَنْهُ، أنَّ قَبْضَ جَمِيعِ الْأشْيَاءِ بِالتَّخْلِيَةِ مَعَ التَّمْيِيزِ. ــ وَجَبَ فيما بِيعَ بالكَيلِ، وقد دَلَّ على ذلك أيضًا قولُه ﵊: «إذا سَمَّيتَ الكَيلَ فكِلْ» (١). ١٦٧٢ - مسألة: (وفيما يُتَنَاوَلُ، بالتَّنَاوُلِ، وفيما عَدَا ذلك، بالتَّخْلِيَةِ. وعنه، أنَّ قَبْضَ جميعِ الأشْيَاءِ بالتَّخْلِيَة مع التَّمْيِيزِ) إذا كان
следующие страницы →