وَالإقَالةُ فَسْخٌ، تَجُوزُ في الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَلَا يُسْتَحَقُّ بِهَا شُفْعَة، وَلَا تجُوزُ إلا بِمِثْلِ الثَّمَن. وَعَنْهُ، أنَّهَا بَيعٌ، فَلَا يَثْبُتُ فِيهَا ذَلِكَ إلا بِمِثْلِ الثَّمَنِ، فِي أحدِ الْوَجْهَينِ.
ــ
١٦٧٣ - مسألة: (وَالإقَالةُ فَسْخٌ، تَجُوزُ في الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَلَا يُسْتَحَقُّ بِهَا شُفْعَةٌ، وَلَا تجُوزُ إلا بِمِثْلِ الثَّمَن. وَعَنْهُ، أنَّهَا بَيعٌ، فَلَا يَثْبُتُ فِيهَا ذَلِكَ إلا بِمِثْلِ الثَّمَنِ، فِي أحدِ الْوَجْهَينِ) إقالةُ النادِمِ مُسْتَحَبَّة؛ لِما رُوِيَ عن النَّبِيِّ ﷺ أنّه قال: «مَنْ أقال نادِمًا بَيعَتَه، أقالهُ الله عَثْرَتَه يومَ القِيامَةِ». رَواهُ ابنُ ماجَه.، وأبو دَاوُدَ (١). ولم يقلْ أبو داوُدَ: «يومَ القِيامَةِ». وهي فَسْخٌ في أصَحِّ الرِّوَايَتَينِ. اخْتَارَها أبو بكْر. وهي
стр. 5541
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ. والثانِيَةُ، هي بَيعٌ. وهي مَذْهَبُ مالِكٍ؛ لأنَّ المَبِيعَ عادَ إلى البائِعِ على الجِهَةِ التي خرَجَ عليها، فكانت بَيعًا، كالأوَّلِ، وكَوْنُها بمثْل الثَّمَنِ لا يَمْنَعُ من كَوْنِها بَيعًا، كالتَّوْلِيَةِ. وحُكِيَ عن أبي حَنِيفَةَ، أنها فسْخٌ في حَقِّ المُتَعاقِدَينِ، بَيعٌ في حَقِّ غَيرِهما، فلا تَثْبُتُ أحْكامُ البَيعِ في حَقِّهِما، بل تَجُوزُ في المَبِيعِ قبلَ قَبْضِه، وفي السَّلَمِ، ويَثْبُتُ حُكْمُ البَيعِ في حَقِّ الشَّفِيعِ، فيَجُوزُ له أخْذُ الشِّقْصِ الذي تَقَايَلَا فيه بالشُّفْعَةِ. ولَنا، أنّ الإقالةَ هي الرَّفْعُ والإزَالةُ. يقالُ: أقالكَ اللهُ عَثْرَتَك. أي أزَالها. فكانَتْ فَسْخًا للعَقْدِ الأوَّلِ، بدَلِيلِ جَوازِ. الإقالةِ في السَّلَمِ مع إجْماعِهِم على أنَّه لا يَجُوزُ بَيعُ المُسْلَمِ فيه قبلَ قَبْضِه.
стр. 5542
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولأنَّها مُقَدّرَةٌ بالثمَنِ الأوَّلِ، ولو كانت بَيعًا لم تَتَقَدَّرْ به، ولأنَّه عادَ إليه المَبِيعُ بلَفْظٍ لا يَنْعَقِدُ به البَيعُ، فكان فَسْخًا، كالرَّدِّ بالعَيبِ. ويَدُلُّ على (١) أبي حَنِيفَةَ أنَّ (٢) ما كان فَسْخًا في حَقِّ المُتَعاقِدَينِ، كان فَسْخًا في حَقِّ غَيرِهما، كالرَّدِّ بالعَيبِ، والفَسْخِ بالخِيارِ، ولأنَّ حَقِيقَةَ الفَسْخِ لا تَخْتَلِفُ بالنِّسْبَةِ إلى شَخْصٍ دونَ شَخْصٍ، والأصْلُ اعْتِبارُ الحَقائِقِ.
стр. 5543
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإنْ قُلْنا: هي فَسْخٌ. جازَتْ قبلَ القَبْضِ وبعدَه. وقال أبو بكْرٍ: لا بدَّ من كَيلٍ ثانٍ، ويقومُ الفَسْخُ مَقامَ البَيعِ في إيجابِ كَيلٍ ثانٍ، كقِيامِ فَسْخ النِّكَاحِ مَقامَ الطَّلاقِ في العِدَّةِ. ولَنا، أنّه فَسْخٌ. للبَيعِ، فجازَ قبلَ القَبْضِ، كالرَّدِّ بالعَيبِ والتَّدْلِيسِ، والفَسْخِ بالخِيارِ أو لاخْتِلَافِ المُتَبايعَينِ. وفارَقَ العِدَّةَ، فإنَّها اعْتُبِرَتْ للاسْتِبْرَاءِ، والحاجَةُ دَاعِيَةٌ إليه في كُلِّ فُرْقَةٍ بعدَ الدُّخُولِ، بخِلافِ مسألتِنا. وإنْ قُلْنا: هي بَيعٌ. لم يَجُزْ قبلَ القَبْضِ، فيما يُعْتَبَرُ فيه القَبْضُ؛ لأنَّ بَيعَه من بائِعِه قبلَ قَبْضِه لا يَجُوزُ، كما لا يَجُوزُ من غيرِه. ولا تُسْتَحَقُّ بها الشُّفْعَةُ إنْ كانت فَسْخًا؛ لأنَّها رَفعٌ للعَقْدِ وإزَالةٌ له، وليست مُعاوَضَةً، فأشْبَهَتْ سائِرَ الفُسُوخِ. ومَنْ حَلَفَ لا يَبيعُ، فأقال، لم يَحْنَثْ. وإن كانت بَيعًا اسْتُحِقَّتْ بها (١) الشُّفْعَةُ،
стр. 5544
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وحَنِثَ الحالِفُ على تَرْكِ البَيعِ بفِعْلِها، كالتَّوْلِيَةِ. والصَّحِيحُ أنّها لا تَجُوزُ إلَّا بمِثْلِ الثَّمَنِ، سواءٌ قُلْنَا: هي فَسْخٌ أو بَيعٌ؛ لأنَّها خُصَّتْ بمِثْلِ الثَّمَنِ، كالتَّوْلِيَةِ. وفيه وَجْه آخَرُ، أنّها تجُوزُ بأكْثَرَ من الثمَنِ الأوَّلِ، وأقَلَّ منه، كسائِرِ البِيَاعَاتِ. فإذا قُلْنا: لا تَجُوزُ إلَّا بمِثْلِ الثَّمَنِ. وأقال بأقَلَّ منه أو أكْثَرَ، لم تَصِحَّ الإقَالةُ، وكان المِلْكُ باقِيًا للمُشْتَرِي. وبهذا قال الشّافِعِيُّ. وعن أبي حَنِيفَةَ، أنّها تَصِحُّ بالثَّمَنِ الأوَّلِ، ويَبْطُلُ الشَّرْطُ؛ لأنَّ لَفْظَها اقْتَضَى مثلَ الثَّمَنِ، والشَّرْطَ يُنافِيهِ، فبَطَل،
стр. 5545
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وبَقِيَ (١) الفَسْخُ على مُقْتَضَاهُ، كسائِرِ الفُسُوخِ. ولَنا، أنّه شَرَطَ التَّفَاضُلَ فيما يُعْتَبَرُ فيه التَّماثُلُ، فبَطَل، كبَيعِ دِرْهَمٍ بدِرْهَمَينِ. ولأنَّ القَصْدَ بالإقَالةِ رَدُّ كُلِّ حَقٍّ إلى صاحِبِه، فإذا شَرَط زِيَادَةً أو نَقْصًا، أخْرَجَ العَقْدَ عن مَقْصُودِه، فبَطَل، كما لو باعَهُ بشَرْطِ أنْ لا يُسَلِّمَ إليه. وفارَقَ سائِرَ الفَسْخِ (٢)؛ لأنَّه لا يُعْتَبَرُ فيه الرِّضَا مِنْهما، بل يَسْتَقِلُّ (٣) به أحَدُهما، فإذا شُرِطَ عليه شيءٌ، لم يَلْزَمْه؛ لتَمَكُّنِه من
стр. 5546
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الفَسْخِ بدونِه. وإنْ شَرَطَ لنَفسِه شيئًا، لم يَلْزَمْ أْيضًا؛ لأنَّه لا يَسْتَحِقُّ أكثرَ من الفَسْخِ. وفي مسألتِنا لا تَجُوزُ الإقَالةُ إلا برِضاهما، وإنّما رَضِيَ
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م
المكتب: ٤ ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة
تليفون: ٣٤٥٢٥٧٩ - فاكس: ٣٤٥١٧٥٦
المطبعة: ٢، ٦ ش عبد الفتاح الطويل
أرض اللواء - تليفون: ٣٤٥٢٩٦٣
ص. ب: ٦٣ إمبابة
стр. 5549
يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه
أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته
стр. 5550
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بَابُ الرِّبَا والصَّرْفِ
ــ
بابُ الرِّبَا والصَّرْفِ
الرِّبَا في اللُّغةِ: الزِّيادَةُ. قال الله تَعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ (١). وقال: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ (٢). أي أكثرُ عَدَدًا. وهو في الشَّرْعِ: الزِّيَادَةُ في أشْياءَ مَخصُوصَةٍ. وهو مُحَرَّمٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ والإِجْمَاعِ؛ أمّا الكِتَابُ، فقولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٣). وما عَداها من الآياتِ. وأمّا السُّنَّةُ، فقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ». قيل: يا رَسُولَ اللهِ، ما هي؟ قال: «الشِّرْكُ باللهِ، والسِّحْرُ، وقَتْلُ النَّفْسِ التي حَرَّمَ الله إلَّا بالحَقِّ، وأكْلُ الرّبَا، وأكلُ مالِ اليَتيمِ، والتَّوَلِّي يومَ الزَّحْفِ، وقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤمِناتِ الغَافِلَاتِ». ورُوِيَ عن النَّبِيِّ ﷺ أنّه لَعَنَ آكِلَ الرِّبَا،
стр. 5551
وَهُوَ نَوْعَانِ؛ رِبَا الْفَضْلِ، وَرِبَا النَّسِيئَةِ.
ــ
ومُوكِلَه، وشَاهِدَيه، وكاتِبَه. مُتَّفَقٌ عليهما (١). وأجمَعَتِ الأمَّةُ على أنَّ الرِّبَا مُحَرَّمٌ.
١٦٧٤ - مسألة: (وهو نَوْعَانِ؛ رِبَا الفَضْلِ، ورِبَا النَّسِيئَةِ) وأجْمَعَتِ الأمَّةُ على تَحْرِيمِهِما. وقد كان في رِبَا الفَضْلِ اخْتِلَافٌ بينَ الصَّحَابَةِ، فحُكِىَ عن ابنِ عَبَّاس، وأُسَامَةَ بنِ زَيدٍ، وزَيدِ بنِ أرْقَمَ، وابْنِ الزُّبَيرِ، أنَّهم قالُوا: إنَّما الرِّبَا في النَّسِيئَةِ؛ لقَوْلِه ﵇: «لا رِبًا إلَّا في النَّسِيئَةِ». رَواهُ البُخَارِيُّ (٢). والمَشْهُورُ من ذلك قَوْلُ ابنِ
стр. 5552
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَبّاسٍ، ثمّ إنَّه رَجَعَ إلى قَوْلِ الجَماعَةِ. رَوَى ذلك الأثْرَمُ، وقاله التِّرْمِذِيُّ (١)، وابنُ المُنْذِرِ. ورَوَى سَعِيدٌ بإسْنَادِه، عن أبي صَالِحٍ، قال: صَحِبْتُ ابنَ عَبَّاسٍ حتى ماتَ، فواللهِ ما رَجَعَ عن الصَّرْفِ (٢). وعن سَعيدِ بنِ جُبَيرٍ، قال: سَألتُ ابنَ عَبَّاس قبلَ مَوْتِه بعِشْرِينَ لَيلَةً عن الصَّرْفِ، فلم يَرَ به بَأسًا، وكان يَأمُرُ بِهِ (٣). والصَّحِيحُ قولُ الجُمْهُورِ؛ لما رَوَى أبو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قال: «لا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بالذَّهَبِ إلَّا مِثْلًا بمِثْل، ولا تُشِفُّوا (٤) بَعْضَها على بَعْضٍ، ولا تَبِيعُوا الوَرِقَ بالوَرِقِ إلَّا مِثْلًا بمِثْل، ولا تُشِفُّوا بَعْضَها على بَعْض، ولا تَبيعُوا منها غائِبًا بناجِزٍ». وعن أبي سَعِيدٍ قال: جاءَ بِلالٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ بتَمْرٍ بَرْنِيٍّ (٥)، فقال له النَّبِيّ ﷺ : «مِن أينَ هذا يا بِلالُ؟» قال: كان عِنْدَنا تَمْرٌ رَدِئٌ، فبِعْتُ صَاعَينِ بصَاعٍ؛ لِيَطْعَمَ
стр. 5553
فَأَمَّا رِبَا الْفَضْلِ، فَيَحْرُمُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِن كُلِّ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ وَإنْ كَان يَسِيرًا كَتَمْرَةٍ بِتَمْرَتَينِ وَحَبَّةٍ بِحَبتين. وَعَنْهُ، لَا يَحْرُمُ إلا فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَكُلِّ مَطْعُومٍ.
ــ
النَّبِيُّ ﷺ . فقال له النَّبِيّ ﷺ : «أوَّه، عَينُ الرِّبَا، عَينُ الرِّبَا، لا تَفْعَل، وَلَكِنْ إنْ أردْتَ أنْ تَشْتَرِىَ، فَبعِ التَّمْرَ بِبَيعٍ آخرَ، ثمَّ اشْتَرِ بِه». مُتَّفقٌ عليهما (١). قال التِّرْمِذِيُّ: على حَدِيثِ أبي سَعِيدٍ العَمَلُ عندَ أهْلِ العِلْمِ من أصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وغيرِهم، وقولُ النَّبِيِّ ﷺ : «لا رِبًا إلَّا في النّسِيئَةِ». مَحْمُولٌ على الجِنْسَينِ.
١٦٧٥ - مسألة: (فأمَّا رِبَا الفَضْلِ، فيَحْرُمُ في الجِنْسِ الواحِدِ من كُلِّ مَكِيلٍ أو مَوْزُونٍ وإن كان يَسِيرًا كتَمْرَةٍ بتَمْرَتَينِ وحَبَّةٍ بحَبَتينِ. وعنه، لا يَحْرُمُ إلَّا في الجِنْسِ الوَاحِدِ من الذَّهَبِ والفِضَّةِ وكُلِّ مَطْعُومٍ .
стр. 5554
وَعَنْهُ، لَا يَحْرُمُ إلا فِي ذَلِكَ إِذَا كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا.
ــ
وعنه، لا يَحْرُمُ إلَّا في ذلك إذا كانَ مَكِيلًا أو مَوْزُونًا) رُوِيَ عن النَّبِيِّ ﷺ في الرِّبَا أحَاديثُ كَثِيرَةٌ، مِن أتَمِّها حَدِيثُ عُبادَةَ بنِ الصَّامِتِ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: «الذَّهَبُ بالذَّهَبِ مِثْلًا بمِثْل، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ مِثْلًا بمِثْل، والتَّمْرُ بالتَّمْرِ مِثْلًا بمِثْل، والبُرُّ بالبُرِّ مِثْلًا بمِثْلٍ، والمِلْحُ بالمِلْحِ مِثْلًا بمِثْلٍ، والشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ مِثْلًا بمِثْل، فمَنْ زادَ أو ازْدَادَ فقد أرْبَى، بِيعُوا الذَّهَبَ بالفضَّةِ كيفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ، وبِيعُوا الشَّعِيرَ بالتَّمْرِ كيفَ شِئتُمْ يَدًا بِيَدٍ، وبِيعوا البُرَّ بالتَّمْرِ كيفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ». رَواهُ مُسْلِمٌ (١). فهذه الأعْيَانُ السِّتَّةُ المَنْصُوصُ عليها يَثْبُتُ الرِّبَا فيها بالنَّصِّ والإِجْمَاعِ (٢). واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ فيما سِوَاها. فحُكِيَ عن طاوُس، وقَتَادَةَ، أنّهما قَصَرا الرِّبَا عليها. وبه قال دَاودُ ونُفَاةُ القِيَاسِ، وقالُوا: ما عَدَاها على أصْلِ الإِباحَةِ؛ لقَوْلِ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيعَ﴾ (٣). واتَّفَقَ القائِلُونَ
стр. 5555
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بالقِياسِ على أنَّ الرِّبَا فيها بعِلَّةٍ، وأنَّه يَثْبُتُ في كُلِّ ما وُجِدَت فيه عِلَّتُها؛ لأنَّ القِياسَ دَلِيلٌ شَرْعِيّ، فيَجِبُ اسْتِخْرَاج عِلَّةِ هذا الحُكْمِ وإثْبَاتُه حَيثُ وُجِدَتْ عِلَّتُه. ولأنَّ قولَ الله تِعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. يَقْتَضِي تَحْرِيمَ كُلِّ زِيَادَةٍ، إذ الرِّبَا في اللُّغةِ الزِّيادةُ، إلَّا ما أجْمَعْنا على تَخْصِيصِه. وهذا يُعارِضُ ما ذَكَرُوه. ثم اتَّفَقَ أهلُ العلمِ على أنَّ رِبا الفَضْلِ لا يَجْرِى إلَّا في الجِنْسِ الوَاحِدِ، إلَّا سَعِيدَ بنَ جُبَير، فإنّه قال: كُلُّ شَيئَينِ يَتَقَارَبُ الانْتِفَاعُ بهما لا يَجُوزُ بَيعُ أحَدِهما بالآخَرِ مُتَفَاضِلًا، كالحِنْطَةِ والشَّعِيرِ، والتَّمْرِ والزَّبيبِ، والذُّرَةِ والدُّخْنِ؛ [لأنَّهما يَتَقَارَبُ نَفْعُهُما، فجَرَيا] (١) مَجْرَى نوْعَىِ الجِنْسِ. وهذا مُخَالِفٌ لقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «بيعُوا الذَّهَبَ بالفِضَّةِ كيفَ شِئْتُم يَدًا بِيَدٍ، وبيعُوا التَّمْرَ بالبُرِّ كيفَ شِئْتُم». فلا يُعَوَّلُ عليه. واتَّفَقَ المُعَلِّلُونَ على أنَّ عِلَّةَ الذَّهَب والفِضَّةِ واحِدَةٌ، وعِلَّةَ الأعْيَانِ الأرْبَعَةِ واحِدَةٌ، ثمَّ اخْتَلَفُوا في عِلَّةِ كُلِّ واحِدٍ منهما، فرُويَ عن أحمدَ في ذلك ثلاثُ رِوَايَاتٍ، أشْهَرُهُنَّ أنَّ عِلَّةَ الرِّبَا في الذَّهَبِ والفِضَّةِ كَوْنُه مَوْزُونَ جِنْس، وعِلَّةَ الأعْيَانِ الأرْبَعَةِ كَوْنُه مَكِيلَ جِنْسٍ. نَقَلَها عن أحمدَ الجماعَةُ، وذَكَرَها الخِرَقِيُّ، وابنُ أبي مُوسَى، وأكثَرُ الأصْحَابِ. وبه قال النَّخَعِيّ، والزُّهْرِيّ،
стр. 5556
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والثَّوْرِيُّ، وإسْحاقُ، وأَصْحابُ الرَّأي. فعلى هذه الرِّوَايَةِ، يَجْرِي الرِّبَا في كُلِّ مَكِيلٍ أو مَوْزُونٍ بجِنْسِه، مَطْعُومًا كان أو غيرَ مَطْعُومٍ، كالحُبُوبِ، والأُشْنَانِ، والنُّورَةِ، والقُطْنِ، والصُّوفِ، والكَتَّانِ، والحِنَّاءِ، والحَدِيدِ، والنُّحاسِ، ونحو ذلك. ولا يَجْرِي في مَطْعُومٍ لا يُكَالُ ولا يُوزَنُ، كالمَعْدُودَاتِ؛ لِما رَوَى ابنُ عمرَ، قال: قال رسُول اللهِ ﷺ : «لا تَبِيعُوا الدِّينَارَ بالدِّينَارَينِ، ولا الدِّرْهَمَ بالدِّرْهَمَينِ، ولا الصّاع بالصَّاعَينِ، فإنِّي أَخافُ عليكم الرَّمَاءَ». وهو الرِّبَا. فَقامَ إليه رَجُلٌ، فقال: يا رَسُولَ اللهِ، أرأيتَ الرَّجُلَ يَبِيعُ الفَرَسَ بالأَفْرَاس، والنَّجِيبَةَ بالإِبِلِ؟ فقال: «لا بَأسَ إذا كان يَدًا بِيَدٍ». رَواهُ أحمدُ في المُسْنَدِ (١) عن [أبي جَنَابٍ] (٢)، عن أبِيه، عن ابنِ عمرَ. وعن أنَسٍ، أنّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «ما وُزِنَ مِثْلًا بمِثْلٍ إذا كان نَوْعًا واحِدًا». رَواه الدّارَقُطْنِيُّ (٣). وعن عمّارٍ أنَّه قال: العَبْدُ خَيرٌ مِن العَبْدَينِ، والثَّوْبُ خَيرٌ من الثَّوْبَينِ، فما كان يَدًا بيَدٍ فلا بَأسَ به، إنَّما الرِّبَا في النَّساءِ، إلَّا ما كِيلَ أو وُزِن (٤). ولأنَّ قَضِيَّةَ البَيعِ المُسَاوَاةُ، والمعْتَبَرُ في تَحْقِيقِها الكَيلُ والوَزْنُ والجِنْسُ، فإنَّ الوَزْنَ أو الكَيلَ يُسَوِّي بَينَهُما صُورَةً،
стр. 5557
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والجِنْسَ يُسَوَّى بينهما مَعْنًى، فكانا عِلَّةً، وَوَجَدْنَا الزِّيَادَةَ في الكَيلِ مُحَرَّمَةً دونَ الزِّيادَةِ في الطَّعْمِ؛ بدَلِيلِ بَيعِ الثَّقِيلَةِ بالخَفِيفَةِ، فإنَّه جائِزٌ إذا تَسَاوَيَا في الكَيلِ. والرِّوَايَةُ الثانِيَةُ، أنَّ العِلَّةَ في الأثْمانِ الثَّمَنِيَّةُ، وفيما عَدَاها كونُه مَطْعُومَ جِنْسٍ، فيَخْتَصُّ بالمَطْعُومَاتِ، ويَخْرُجُ منه ما عَدَاها. قال أبو بَكْرٍ: رَوَى ذلك عن أحمدَ جماعَةٌ. ونحوُ ذلك قولُ الشّافِعِيِّ، فإنّه قال: العِلَّةُ الطَّعْمُ، والجِنْسُ شَرْطٌ. والعِلَّةُ في الذَّهَبِ والفِضَّةِ جَوْهَرِيَّةُ الثَّمَنِيَّةِ غالِبًا، فيَخْتَصُّ بالذَّهَبِ والفِضَّةِ؛ لما رَوَى مَعْمَرُ بنُ عبدِ الله أنّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عن بَيعِ الطَّعامِ بالطَّعَامِ، إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ. رَواهُ مُسلِمٌ (١). ولأنَّ الطَّعْمَ وَصْفُ شرَفٍ، إذْ به قِوامُ الأُبْدَانِ، والثَّمَنِيَّةُ وَصْفُ شَرَفٍ، إذْ بها قِوامُ الأموالِ، فيَقْتَضِي التَّعْلِيلَ بهما، ولأنَّه لو كانتِ العِلَّةُ في الأثمانِ الوَزْنَ، لم يَجُزْ إسْلامُهما في المَوْزُوناتِ؛ لأنَّ أحَدَ وَصْفَيْ عِلَّةِ الرِّبا يَكْفِي في تَحْرِيمِ النَّسَاءِ. والرِّوَايَةُ الثالِثَةُ، العِلَّةُ فيما عَدا الذَّهَبَ والفِضَّةَ كَوْنُه مَطْعُومَ جِنْسٍ مَكِيلًا أو مَوْزُونًا، فلا يَجْرِي الرِّبَا في مَطْعُومٍ لا يُكَالُ ولا يُوزَنُ، كالتُّفَّاحِ، والرُّمّانِ، والبِطيخِ، والجَوْزِ، والبَيضِ، ولا فيما ليس بمَطْعُومٍ، كالزَّعْفَرَانِ، والأُشْنانِ، والحَدِيدِ. ويُرْوَى ذلك عن
стр. 5558
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ. وهو قَدِيمُ قَوْلَي الشَّافِعِيِّ؛ لِما رُوِيَ عن سَعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، عن رسولِ اللهِ ﷺ أنّه قال: «لا رِبًا إلَّا فيما كِيلَ أو وُزِنَ ممّا يُؤْكَلُ أو يُشْرَبُ» أخْرَجَه الدّارَقُطْنِيُّ (١)، وقال: الصَّحِيحُ أنَّه من قَوْلِ سعيدٍ، ومَنْ رَفَعَه فقد وَهَمَ. ولأنَّ لكلِّ واحدٍ مِن هذه الأوصافِ أثرًا، والحكمُ مقرونٌ بجميعِها في المنصوصِ عليه، فلا يَجُوزُ حذفُه. ولأنَّ الكَيلَ والوَزْنَ والجِنْسَ لا يَقْتَضِي وجوبَ المُماثَلَةِ، وإنّما أثَرُه في تَحْقِيقِها، و (٢) العِلَّةُ ما يَقْتَضِي ثُبُوتَ الحُكْمِ، لا ما تَحَقَّقَ شَرْطُه، والطَّعْمُ بمُجَرَّدِه لا تَتَحَقَّقُ المُماثَلَةُ به؛ لعَدَمِ المِعْيَارِ الشَّرْعِيِّ فيه، وإنّما تَجِبُ المُماثَلَةُ في المِعْيارِ الشَّرْعِيِّ، وهو الكَيلُ والوَزْنُ، ولهذا وجَبَتِ المُسَاوَاةُ في المَكِيلِ كَيلًا، وفي المَوْزُونِ وَزْنًا، فَوَجَبَ أن يَكُونَ الطَّعْمُ مُعْتَبَرًا في المَكِيلِ والمَوْزُونِ دُونَ غَيرِهما. والأحَادِيثُ الوَارِدَةُ في هذا البابِ يَجِبُ الجَمْعُ بينها، وتَقْيِيدُ كُلِّ واحِدٍ منها بالآخَرِ، فنَهْيُ النَّبِيِّ ﷺ عن بَيعِ الطّعامِ إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ، يَتَقَيَّدُ بما فيه مِعْيارٌ شَرْعِيٌّ من كَيلٍ أو وَزْنٍ، ونهْيُه عن بَيعِ الصّاعِ بالصّاعَينِ، يَتَقَيَّدُ بالمَطْعُومِ المَنْهِيِّ عن التَّفاضُلِ فيه. وهذا اخْتِيَارُ شَيخِنا. وقال مالِكٌ: العِلَّةُ القُوتُ، أو ما يَصْلُحُ به القُوتُ من جِنْسٍ واحِدٍ من المُدَّخَراتِ. وقال رَبِيعَةُ: يَجْرِي
стр. 5559
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الرِّبَا فيما تَجِبُ فيه الزَّكَاةُ دونَ غَيرِه. وقال ابنُ سِيرِينَ: في الجِنْسِ الواحِدِ. وهذا القَوْلُ لا يَصِحُّ؛ لقَوْلِ النَّبِي ﷺ في بَيعِ الفَرَسِ بالأفْرَاسِ، والنَّجِيبَةِ بالإِبِلِ: «لا بَأسَ إذا كان يَدًا بِيَدٍ» (١). ورُوِيَ أنّ النَّبِيَّ ﷺ ابْتَاعَ عَبْدًا بعَبْدَينِ. رواه أبو داوُدَ والتّرْمِذِيُّ (٢)، وقال: هو حَدِيثٌ حَسَنٌ (٣) صَحِيحٌ. وقولُ مالِكٍ يَنْتَقِضُ بالحَطَبِ والإِدَامِ يُسْتَصْلَحُ به القُوتُ ولا رِبًا فيه. عنده، وتَعْلِيلُ رَبِيعَةَ يَنْعَكِسُ بالمِلْحِ، والعَكْسُ لازِمٌ عندَ اتِّحادِ العِلَّةِ. فالحاصِلُ أنَّ ما اجْتَمَعَ فيه الكَيلُ والوَزْنُ والطَّعْمُ، من جنْسٍ واحِدٍ، ففيه الرِّبَا رِوايَةً واحِدَةً؛ كالأُرْزِ، والدُّخْنِ، والذُّرَةِ، والقُطْنِيَّاتِ، والدُّهْنِ، واللَّبنِ، ونحوه. وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العِلْمِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: هذا قَوْلُ عُلَماءِ الأمْصَارِ في القَدِيمِ والحَدِيثِ. وما يُعْدَمُ فيه الكَيلُ والوَزْنُ والطَّعْمُ واخْتَلَفَ جِنْسُه،
стр. 5560
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فلا رِبًا فيه، رِوايَةً واحِدةً. وهو قولُ أكثرِ أهْلِ العِلْمِ، وذلك كالتِّينِ، والنَّوَى، والقَتِّ، والماءِ، والطِّينِ إلَّا (١) الأرمَنِيَّ، فإنَّه يُؤكَلُ دواءً، فيَكونُ مَوْزُونًا مَأكُولًا، فهو إذًا من القِسْمِ الأوَّلِ، وما عَداهُ إنّما يُؤكَلُ سَفَهًا، فجَرَىَ مَجْرَى الرَّمْلِ والحَصَى. وما وُجِدَ فيه الطَّعْمُ وَحْدَه، أو الكَيلُ والوَزْنُ من جِنْس واحِدٍ، ففيه رِوَايَتَانِ، واخْتَلَفَ أهلُ العِلْمِ فيه. والأولَى، إنْ شاءَ اللهُ، حِلُّه؛ إذْ ليس في تَحْرِيمِه دَلِيلٌ مَوْثُوقٌ به، ولا مَعْنًى يُقَوِّي التَّمَسُّكَ به، وهي مع ضَعْفِها. يُعَارِضُ بَعْضُها بَعْضًا، فوَجَبَ اطِّراحُها، والجَمْعُ بَينَها، والرُّجُوعُ إلى أصْلِ الحِلِّ الذي يَقْتَضِيهِ الكِتَابُ والسُّنَّةُ والاعْتِبَارُ. ولا فرقَ في المَطْعُوماتِ بينَ ما يُؤكَلُ قُوتًا، كالأُرْزِ والذُّرَةِ، أو أُدْمًا كالقُطنِيَّاتِ، واللَّحْمِ، واللَّبَنِ، أو تَفَكُّهًا، كالثِّمارِ، أو تَداويًا، كالإِهْلِيلَجِ، والسَّقَمُونْيا، فإنَّ الكُلَّ في بَابِ الرِّبا واحِدٌ.
فصل: وقَولُه: في كُلِّ مَكِيلٍ أو مَوْزُونٍ. أي ما كانَ جِنْسُه مَكِيلًا أو مَوْزُونًا، وإنْ لم يَتَأَتَّ فيه كَيلٌ ولا وَزْنٌ؛ إمّا لقِلَّتِه، كالحَبَّةِ
стр. 5561
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والحَبَّتَينِ، والحَفْنَةِ والحَفْنَتَينِ، وما دُونَ الأُرْزَةِ مِن الذَّهَبِ والفِضَّةِ، أو لكَثْرَتِه، كالزُّبْرَةِ العَظِيمَةِ، فإنَّه لا يَجُوزُ بَيعُ بَعْضِه بِبَعْضٍ إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ، ويَحْرُمُ التَّفَاضُلُ فيه. وبهذا قال الثَّوْرِيُّ، والشّافِعِيُّ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ. ورَخَّصَ أبو حَنِيفَةَ في بَيعِ الحَفْنَةِ بالحَفْنَتَين، والحَبَّةِ بالحَبَتّينِ، وسائِرِ المَكِيلِ الذي لا يَتَأتى كيله، ووافَقَ في المَوْزُونِ، واحْتَجَّ بأنَّ العِلَّةَ الكَيلُ، ولم يُوجَدْ في اليَسِيرِ. ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «التَّمْرُ بالتَّمْرِ مِثْلًا بمِثْل، والبُرُّ بالبُرِّ مِثْلًا بمِثْل، من زَادَ أو ازْدَادَ فقد أربَى» (١). ولأنَّ ما جَرَى الرِّبَا في كَثِيرِه جَرَى في قَلِيله، كالمَوْزُونِ. ولا يَجُوزُ بَيعُ تَمْرَةٍ بتَمْرَةٍ، ولا حَفْنَةٍ بحَفْنَةٍ. وهذا قولُ الثَّوْرِيِّ؛ لأنَّ ما أصْلُه الكَيلُ لا تَجُوزُ (٢) المُماثَلَةُ في غَيرِه.
стр. 5562
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فأمّا ما لا وَزْنَ للصِّناعةِ فيه، كمَعْمُولِ الحدِيدِ، والرَّصاصِ، والنُّحاسِ، والقُطْنِ، والكَتَّانِ، والصُّوفِ، والحَرِيرِ، فالمَنْصُوصُ عن أحمدَ في الثِّيابِ والأكْسِيَةِ أنّه لا يَجْرِى فيه الرِّبَا، فإنّه قال: لا بَأسَ بالثَّوْبِ بالثَّوْبَينِ، والكِسَاءِ بالكِسَاءَينِ. وهذا قولُ أكْثَرِ أهلِ العِلْمِ. وقال: لا يُبَاعُ الفَلْسُ بالفَلْسَينِ، ولا السِّكِّينُ بالسِّكِّينَينِ، ولا الإِبرَةُ بالإِبرَتَينِ، أصْلُه الوَزْنُ. ونَقَلَ القاضِي حُكْمَ إحْدَى المسألَتَين إلى الأُخرَى، فجَعَلَ في الجَمِيعِ رِوَايَتَينِ، إحداهُما، لا يَجْرِي في الجَمِيع. وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وأبي حَنِيفَةَ، وأكثَرِ أهْلِ العِلمِ؛ لأنَّه ليس بمَوْزُونٍ ولا مَكِيلٍ. وهذا هو الصَّحِيحُ؛ إذ لا مَعْنَى لثُبُوتِ الحُكْمِ مع انْتِفاءِ العِلَّةِ، وعَدَمِ النَّصِّ والإِجْماعِ فيه. والثانِيَةُ، يَجْرِي الرِّبَا في
стр. 5563
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الجمِيعِ. اخْتَارَها ابنُ عَقِيلٍ؛ لأنَّ أصْلَه الوَزْنُ، فلا يَخْرُجُ بالصِّنَاعَةِ عنه، كالخُبْزِ، وذَكَرَ أنَّ اخْتِيارَ القاضِي، أنَّ ما كانَ يُقْصَدُ وَزْنُه بعد عملِه كالأسْطالِ (١) ففيه الرِّبا، وإلَّا فَلَا.
فصل: ويَجْرِي الرِّبَا في لَحْمِ الطَّيرِ، وعن أبي يُوسُفَ: لا يَجْرِي فيه؛ لأنَّه يُباعُ بغيرِ وَزْنٍ. ولَنا، أنَّه لَحْمٌ، فأشْبَهَ سائِرَ اللُّحْمَانِ. وقَوْلُه: لا يُوزَنُ. قلنا: هو مِن جِنْسِ ما يُوزَنُ، ويُقْصَدُ ثِقْلُهُ، وتَخْتَلِفُ قِيمَتُه بثِقْلِه وخِفَّتِه، أشْبَهَ ما يُباعُ من الخُبْزِ عَدَدًا (٢).
стр. 5564
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: والجَيِّدُ والرَّدِئُ، والتِّبرُ والمَضْرُوبُ، والصَّحِيحُ والمَكْسُورُ، سواءٌ في جَوازِ البَيعِ مع التَّماثُلِ. وهذا قَوْلُ أكثَرِ العُلَماءِ، منهم، أبو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ. وحُكِيَ عن مالِكٍ جَوازُ بَيعِ المَضْرُوبِ بقِيمَتِه من جِنْسِه، وأنْكَرَ ذلك أصْحابُه. وحَكَى بعضُ أصْحابِنَا عن أحمدَ رِوَايَةً، أنّه لا يَجُوزُ بَيعُ الصِّحاحِ بالمُكَسَّرَةِ؛ لأنَّ للصِّنَاعَةِ قِيمَةً بدَلِيلِ
стр. 5565
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حالةِ الإِتْلَافِ، فَيَصِيرُ كأنَّه ضَمَّ قِيمَةَ الصِّنَاعَةِ إلى الذَّهَبِ. ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «الذَّهَبُ بالذَّهَبِ مِثْلًا بمِثْلٍ، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ مِثْلًا بمِثْلٍ». وعن عُبادَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: «الذَّهَبُ بالذَّهَبِ تِبْرُهَا وعَينُها، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ تِبْرُهَا وعَينُها». رواهُ أبو داوُدَ (١). ورَوَى مُسْلِم (٢) عن أبي الأشْعَثِ أنَّ مُعَاويَةَ أمَرَ بِبَيعِ آنِيَةٍ من فِضَّةٍ في أُعْطِياتِ النّاسِ، فبَلَغَ عُبادَةَ، فقَدِمَ، فقال: إنِّي سَمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَنْهَى عن بَيعِ الذَّهَبِ بالذَّهَبِ، والفِضَّةِ بالفِضَّةِ، والبُرِّ بالبُرِّ،
стр. 5566
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والشَّعِيرِ بالشَّعِيرِ، والمِلْحِ بالمِلْحِ، إلَّا سواءً بسواءٍ، عينًا بعَينٍ، فمَن زادَ أو ازْدَادَ فقد أرْبَى. ورَوَى الأثْرَمُ (١)، عن عَطاءِ بنِ يَسارٍ، أنَّ مُعَاويَةَ باعَ سِقَايَةً من ذَهَبٍ أو وَرِقٍ بأكْثَرَ من وَزْنِها، فقال أبو الدَّرْدَاءِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَنْهَى عن مِثْلِ هذا، إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ. ولأنَّهُما تَسَاوَيَا في الوَزْنِ، فلا يُوثِّرُ اخْتِلافُهما في الِقيمَةِ، كالجَيِّدِ بالرَّدِئِ. فأما إنْ قال لصائِغٍ: اصْنَعْ لي خَاتَمًا وَزْنُه دِرْهَمٌ، وأعْطِيكَ مثلَ زِنَتِه، وأُجْرَتَك دِرْهَمًا. فليس ذلك بَيعَ دِرْهَمٍ بدِرْهَمَينِ. وقال أصْحابُنا: للصائِغِ أخْذُ الدِّرْهَمَينِ؛ أحَدِهما في مُقابَلَةِ الخاتَمِ، والثَّاني (٢) أُجْرَةً له.
فصل: وكُلُّ ما حُرِّمَ فيه رِبَا الفَضْلِ، حُرِّمَ فيه النَّساءُ، بغَيرِ خِلافٍ عَلِمْناهُ. ويَحْرُمُ التَّفَرُّقُ قبلَ القَبْضِ؛ لقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «عَينًا بعَينٍ».
стр. 5567
وَلَا يُبَاعُ مَا أصْلُهُ الكَيلُ بِشَيْءٍ مِنْ جِنْسِهِ وَزْنًا، وَلَا مَا أَصْلُهُ الْوَزْنُ كَيلًا.
ــ
وقَوْلِه: «يَدًا بِيَدٍ». ولأنَّ تَحْرِيمَ النَّسَاءِ آكَدُ، ولذلك جَرَى في الجِنْسَينِ المُخْتَلِفَينِ، فإذا حُرِّمَ التّفاضُلُ، فالنَّساءُ أولَى بالتَّحْرِيمِ.
١٦٧٦ - مسألة: (ولا يُبَاعُ ما أصلُه الكَيلُ بشَيءٍ من جِنْسِه وَزْنًا، ولا ما أصلُه الوَزْنُ كَيلًا) لا خِلاف بينَ أهْلِ العِلْمِ في وجُوبِ المُماثَلَةِ
стр. 5568
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في بَيعِ الأمْوالِ التي يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ فيها، وأنَّ المُسَاوَاةَ (١) المَرْعِيّةَ هي المُسَاوَاة في المَكِيلِ كَيلًا وفي المَوْزونِ وَزْنًا؟ ومتى تَحَقَّقَتْ هذه المُسَاوَاةُ، لم يَضُرَّ اخْتِلافُهما فيما سِواها. وإنْ لم توجَدْ، لم يَصِحّ البَيعُ. وهذا قولُ أبي حَنِيفَةَ، والشّافِعِيِّ، وأكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. وقال مالِكٌ: يَجوز بَيعُ بَعْضِ المَوْزونَاتِ بِبَعْضٍ جُزَافًا. ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «الذَّهَبُ بالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ وَزْنًا بوَزْنٍ، والبُرُّ بالبُرِّ كَيلًا بكَيل، والشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ كَيلًا بكَيل». رَواهُ الأثْرَم (٢) عن عُبادَةَ، ورَواه أبو دَاوُدَ (٣). وَلفْظُه (٤): «البُرُّ بالبُرِّ [مُدْىٌ بمُدْىٍ] (٥)، والشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ مُدْىٌ بمُدْىٍ، والمِلْحُ بالمِلْحِ مُدْىٌ بمُدْىٍ، فمَنْ زَادَ أو ازْدَادَ فَقَدْ أرْبَى». فأمرَ بالمُسَاوَاةِ في المَوْزونَاتِ المَذْكورَةِ في الوَزْنِ، كما أمَرَ بالمُسَاوَاةِ في المَكِيلَاتِ بالكَيلِ، وما عدا الذّهَبَ والفِضَّةَ من المَوْزُونَاتِ مَقِيسٌ عَلَيهِما، ولأنَّه جِنْسٌ يَجْرِي فيه الرِّبَا، فلم يَجُزْ بَيعُ بَعْضِه بِبَعْض جُزافًا، كالمَكِيلِ، ولأنَّ حقيقةَ الفضلِ مُبْطِلَةٌ للبيعِ، ولا يُعْلَمُ عدَمُ ذلك إلَّا بالوزنِ، فوَجَبَ ذلك، كما في المَكِيلِ والأثمانِ. إذا
стр. 5569
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثَبَتَ هذا، فإنّه لا يَجُوزُ بَيعُ المَكِيلِ بالمَكِيلِ وَزْنًا، ولا بَيعُ المَوْزُونِ بالمَوْزُونِ كَيلًا؛ لأنَّ التَّمَاثُلَ في الكَيلِ مُشْتَرَطٌ في المَكِيلِ، وفي الوَزْنِ في المَوْزونِ، وقد عُدِمَتْ، ولأنَّه مَتَى باعَ رَطْلًا من المَكِيلِ برَطْلٍ، حَصَلَ في الرَّطْلِ من الخَفِيفِ أكثرُ ممّا يَحْصُلُ من الثَّقِيلِ، فيَخْتَلِفَانِ في الكَيلِ، وإنْ لم يَعْلَم الفَضْلَ، لكنْ يَجْهَلُ التَّسَاويَ، فلا يَصِحُّ، كما لو باعَ بَعْضَه ببَعْضٍ جُزَافًا. وكذلك إذا باعَ المَوْزُونَ بالمَوْزُونِ بالكَيلِ، لا يَتَحَقَّقُ التَّمَاثُلُ في الوَزْنِ، فلم يَصِحَّ، كما ذَكَرْنا في المَكِيلِ.
فصل: ولو باعَ بَعْضَه بِبَعْضٍ جُزَافًا، أو كان جُزَافًا من أحَدِ الطَّرَفَينِ، لم يَجُزْ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ ذلك لا يَجُوزُ إذا كانَا من صِنْفٍ واحِدٍ؛ لِما رَوَى مُسْلِمٌ (١) عن جابِرٍ، قال: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عن بَيعِ الصُّبْرَةِ من التَّمْرِ لا يُعْلَمُ مَكِيلُها بالكَيل المُسَمَّى من التَّمْرِ. وفي قولِ النَّبِيِّ ﷺ : «الذَّهَبُ بالذَّهَب وَزْنًا بوَزْنٍ». إلى تَمامِ الحَدِيثِ، دَلِيلٌ على أنّه لا يَجُوزُ بَيعُه إلَّا كذلك، ولأنَّ التَّماثُلَ شَرْطٌ، والجَهْلُ به يُبْطِلُ البَيعَ بحَقِيقةِ (٢) التَّفَاضُلِ.
стр. 5570
فَإِنِ اخْتَلَفَ الْجِنْسُ، جَازَ بَيعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ كَيلًا، وَوَزْنًا، وَجُزَافًا.
ــ
١٦٧٧ - مسألة؛ قال: (فإنِ اخْتَلَفَ الجنْسُ، جازَ بَيعُ بَعْضِه ببَعْضٍ كَيلًا، وَوَزْنًا، وجُزَافًا) ما لا يُشْتَرَطُ فيه التَّماثُلُ، كالجِنْسَينِ، وما لا رِبًا فيه، يَجُوزُ بَيعُ بَعْضِه ببَعْضٍ كَيلًا وَوَزْنًا وجُزَافًا. وهذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، وهو قولُ أكْثَرِ العُلَمَاءِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ بَيعَ الصُّبْرَةِ من الطَّعَامِ بالصُّبْرَةِ، لا يُدْرَى كم كَيلُ هذه، ولا كم كَيلُ هذه، من صِنْفٍ واحِدٍ، غيرُ جائِزِ، ولا بَأسَ به من صِنْفَينِ؛ اسْتِدْلَالًا بقَوْلِه ﵇: «فإذَا اخْتَلَفَ الجِنْسَانِ فَبِيعُوا كيفَ شِئْتُم» (١). وذَهَبَ بعضُ أصْحَابِنا إلى مَنْعِ بَيعِ المَكِيلِ بالمَكِيلِ والمَوْزُونِ بالمَوْزُونِ جُزافًا. وقال أحمدُ، في رِوايةِ محمّدِ بنِ الحَكَمِ: