← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.

стр. 5566

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والشَّعِيرِ بالشَّعِيرِ، والمِلْحِ بالمِلْحِ، إلَّا سواءً بسواءٍ، عينًا بعَينٍ، فمَن زادَ أو ازْدَادَ فقد أرْبَى. ورَوَى الأثْرَمُ (١)، عن عَطاءِ بنِ يَسارٍ، أنَّ مُعَاويَةَ باعَ سِقَايَةً من ذَهَبٍ أو وَرِقٍ بأكْثَرَ من وَزْنِها، فقال أبو الدَّرْدَاءِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَنْهَى عن مِثْلِ هذا، إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ. ولأنَّهُما تَسَاوَيَا في الوَزْنِ، فلا يُوثِّرُ اخْتِلافُهما في الِقيمَةِ، كالجَيِّدِ بالرَّدِئِ. فأما إنْ قال لصائِغٍ: اصْنَعْ لي خَاتَمًا وَزْنُه دِرْهَمٌ، وأعْطِيكَ مثلَ زِنَتِه، وأُجْرَتَك دِرْهَمًا. فليس ذلك بَيعَ دِرْهَمٍ بدِرْهَمَينِ. وقال أصْحابُنا: للصائِغِ أخْذُ الدِّرْهَمَينِ؛ أحَدِهما في مُقابَلَةِ الخاتَمِ، والثَّاني (٢) أُجْرَةً له. فصل: وكُلُّ ما حُرِّمَ فيه رِبَا الفَضْلِ، حُرِّمَ فيه النَّساءُ، بغَيرِ خِلافٍ عَلِمْناهُ. ويَحْرُمُ التَّفَرُّقُ قبلَ القَبْضِ؛ لقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «عَينًا بعَينٍ».

стр. 5567

وَلَا يُبَاعُ مَا أصْلُهُ الكَيلُ بِشَيْءٍ مِنْ جِنْسِهِ وَزْنًا، وَلَا مَا أَصْلُهُ الْوَزْنُ كَيلًا. ــ وقَوْلِه: «يَدًا بِيَدٍ». ولأنَّ تَحْرِيمَ النَّسَاءِ آكَدُ، ولذلك جَرَى في الجِنْسَينِ المُخْتَلِفَينِ، فإذا حُرِّمَ التّفاضُلُ، فالنَّساءُ أولَى بالتَّحْرِيمِ. ١٦٧٦ - مسألة: (ولا يُبَاعُ ما أصلُه الكَيلُ بشَيءٍ من جِنْسِه وَزْنًا، ولا ما أصلُه الوَزْنُ كَيلًا) لا خِلاف بينَ أهْلِ العِلْمِ في وجُوبِ المُماثَلَةِ

стр. 5568

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في بَيعِ الأمْوالِ التي يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ فيها، وأنَّ المُسَاوَاةَ (١) المَرْعِيّةَ هي المُسَاوَاة في المَكِيلِ كَيلًا وفي المَوْزونِ وَزْنًا؟ ومتى تَحَقَّقَتْ هذه المُسَاوَاةُ، لم يَضُرَّ اخْتِلافُهما فيما سِواها. وإنْ لم توجَدْ، لم يَصِحّ البَيعُ. وهذا قولُ أبي حَنِيفَةَ، والشّافِعِيِّ، وأكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. وقال مالِكٌ: يَجوز بَيعُ بَعْضِ المَوْزونَاتِ بِبَعْضٍ جُزَافًا. ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «الذَّهَبُ بالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ وَزْنًا بوَزْنٍ، والبُرُّ بالبُرِّ كَيلًا بكَيل، والشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ كَيلًا بكَيل». رَواهُ الأثْرَم (٢) عن عُبادَةَ، ورَواه أبو دَاوُدَ (٣). وَلفْظُه (٤): «البُرُّ بالبُرِّ [مُدْىٌ بمُدْىٍ] (٥)، والشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ مُدْىٌ بمُدْىٍ، والمِلْحُ بالمِلْحِ مُدْىٌ بمُدْىٍ، فمَنْ زَادَ أو ازْدَادَ فَقَدْ أرْبَى». فأمرَ بالمُسَاوَاةِ في المَوْزونَاتِ المَذْكورَةِ في الوَزْنِ، كما أمَرَ بالمُسَاوَاةِ في المَكِيلَاتِ بالكَيلِ، وما عدا الذّهَبَ والفِضَّةَ من المَوْزُونَاتِ مَقِيسٌ عَلَيهِما، ولأنَّه جِنْسٌ يَجْرِي فيه الرِّبَا، فلم يَجُزْ بَيعُ بَعْضِه بِبَعْض جُزافًا، كالمَكِيلِ، ولأنَّ حقيقةَ الفضلِ مُبْطِلَةٌ للبيعِ، ولا يُعْلَمُ عدَمُ ذلك إلَّا بالوزنِ، فوَجَبَ ذلك، كما في المَكِيلِ والأثمانِ. إذا

стр. 5569

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ثَبَتَ هذا، فإنّه لا يَجُوزُ بَيعُ المَكِيلِ بالمَكِيلِ وَزْنًا، ولا بَيعُ المَوْزُونِ بالمَوْزُونِ كَيلًا؛ لأنَّ التَّمَاثُلَ في الكَيلِ مُشْتَرَطٌ في المَكِيلِ، وفي الوَزْنِ في المَوْزونِ، وقد عُدِمَتْ، ولأنَّه مَتَى باعَ رَطْلًا من المَكِيلِ برَطْلٍ، حَصَلَ في الرَّطْلِ من الخَفِيفِ أكثرُ ممّا يَحْصُلُ من الثَّقِيلِ، فيَخْتَلِفَانِ في الكَيلِ، وإنْ لم يَعْلَم الفَضْلَ، لكنْ يَجْهَلُ التَّسَاويَ، فلا يَصِحُّ، كما لو باعَ بَعْضَه ببَعْضٍ جُزَافًا. وكذلك إذا باعَ المَوْزُونَ بالمَوْزُونِ بالكَيلِ، لا يَتَحَقَّقُ التَّمَاثُلُ في الوَزْنِ، فلم يَصِحَّ، كما ذَكَرْنا في المَكِيلِ. فصل: ولو باعَ بَعْضَه بِبَعْضٍ جُزَافًا، أو كان جُزَافًا من أحَدِ الطَّرَفَينِ، لم يَجُزْ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ ذلك لا يَجُوزُ إذا كانَا من صِنْفٍ واحِدٍ؛ لِما رَوَى مُسْلِمٌ (١) عن جابِرٍ، قال: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عن بَيعِ الصُّبْرَةِ من التَّمْرِ لا يُعْلَمُ مَكِيلُها بالكَيل المُسَمَّى من التَّمْرِ. وفي قولِ النَّبِيِّ ﷺ : «الذَّهَبُ بالذَّهَب وَزْنًا بوَزْنٍ». إلى تَمامِ الحَدِيثِ، دَلِيلٌ على أنّه لا يَجُوزُ بَيعُه إلَّا كذلك، ولأنَّ التَّماثُلَ شَرْطٌ، والجَهْلُ به يُبْطِلُ البَيعَ بحَقِيقةِ (٢) التَّفَاضُلِ.

стр. 5570

فَإِنِ اخْتَلَفَ الْجِنْسُ، جَازَ بَيعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ كَيلًا، وَوَزْنًا، وَجُزَافًا. ــ ١٦٧٧ - مسألة؛ قال: (فإنِ اخْتَلَفَ الجنْسُ، جازَ بَيعُ بَعْضِه ببَعْضٍ كَيلًا، وَوَزْنًا، وجُزَافًا) ما لا يُشْتَرَطُ فيه التَّماثُلُ، كالجِنْسَينِ، وما لا رِبًا فيه، يَجُوزُ بَيعُ بَعْضِه ببَعْضٍ كَيلًا وَوَزْنًا وجُزَافًا. وهذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، وهو قولُ أكْثَرِ العُلَمَاءِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ بَيعَ الصُّبْرَةِ من الطَّعَامِ بالصُّبْرَةِ، لا يُدْرَى كم كَيلُ هذه، ولا كم كَيلُ هذه، من صِنْفٍ واحِدٍ، غيرُ جائِزِ، ولا بَأسَ به من صِنْفَينِ؛ اسْتِدْلَالًا بقَوْلِه ﵇: «فإذَا اخْتَلَفَ الجِنْسَانِ فَبِيعُوا كيفَ شِئْتُم» (١). وذَهَبَ بعضُ أصْحَابِنا إلى مَنْعِ بَيعِ المَكِيلِ بالمَكِيلِ والمَوْزُونِ بالمَوْزُونِ جُزافًا. وقال أحمدُ، في رِوايةِ محمّدِ بنِ الحَكَمِ:

стр. 5571

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أكْرَهُ ذلك. قال ابنُ أبي مُوسَى: لا خَيرَ فيما يُكَالُ بما يُكالُ جُزَافًا، ولا فيما يُوزَنُ بما يُوزَنُ جُزَافًا، اتَّفَقَتِ الأجْنَاسُ أو اخْتَلَفَتْ، ولا بَأسَ بِبَيع المَكِيلِ بالمَوْزُونِ جُزَافًا. وقال ذلك القاضِي، والشَّرِيفُ أبو جَعْفرِ، قالوا: لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ نهَى عن بَيعِ الطَّعَام بالطَّعَامِ مُجَازَفَةً (١). وقِياسًا على الجِنْسِ الوَاحِدِ. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : «فإذا اخْتَلَفَتْ هذه الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كيفَ شِئتُمْ يَدًا بِيَدٍ». ولأنه يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فيه، فجازَ جُزَافًا، كالمَكِيلِ بالمَوْزُونِ، يُحَققُه أنّه إذا كان حَقِيقَةُ الفَضْلِ لا يَمْنَعُ، فاحْتِمالُه أوْلَى أنْ لا يَمْنَعَ، وحَدِيثُهم أراد به الجنْسَ الواحِدَ، ولهذا جاءَ في بَعْضِ ألفَاظِه: نَهَى أنْ تُباعَ الصُّبْرَةُ لا يُعْلَمُ مكِيلُها من التَّمْرِ بالصُّبْرَةِ لا يُعْلَمُ مَكِيلُها من التَّمْرِ (٢). ثم هو مَخْصُوصٌ بالمَكِيلِ بالمَوْزُونِ، فنَقِيسُ عليه مَحَلَّ النِّزَاعِ. والقِيَاسُ لا يَصِحُّ، لأَنَّ الجِنسَ الواحِدَ يَجِبُ التماثُلُ فيه، فمُنِعَ من بَيعِه مُجازَفَةً؛ لفَواتِ المُماثَلَةِ المُشْتَرَطَةِ، وفي الجِنْسَينِ لا يُشْتَرَطُ التّماثُلُ، ولا يُمْنَعُ حَقِيقَةُ التَّفاضُلِ، فاحْتِمالُه أوْلَى.

стр. 5572

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: إذا قال: بِعْتُكَ هذه الصُّبْرَةَ بهذه الصُّبْرَةِ. وهما من جِنْسٍ واحِدٍ، وقد عَلِمَا كَيلَهُما وتَسَاويَهُما، صَحَّ البَيعُ؛ لوُجُودِ التَّماثُل المُشْتَرَطِ. وإنْ قال: بِعْتُكَ هذه الصُّبْرَةَ بهذه الصُّبْرَةِ مِثْلًا بمِثْلٍ. فَكِيلَتَا، فكَانَتَا سواءً، صَحَّ البَيعُ، [وإلَّا فلا. وإن باعَ صُبْرَةً بِصُبْرةٍ من غيرِ جِنسِها، صَحَّ عندَ من يُجَوِّزُ بَيعَ المَكِيلِ بالمَكِيلِ جُزَافًا. فإن قيل: بِعْتُكَ هذه الصُّبْرَةَ بهذه، مِثْلًا بمِثْلٍ. فَكِيلَتا فكانتا سَوَاءً، صَحَّ البَيعُ] (١). وإن زَادَت إحْدَاهُما، فرَضِيَ صاحِبُ النَّاقِصَةِ بها مع نَقْصها، أو رَضِيَ صاحِبُ الزَّائِدَةِ برَدِّ الفَضْلِ على صاحِبِه، جازَ، وإنِ امْتَنَعَا (٢)، فُسِخَ البَيعُ بَينَهُما. ذَكَرَه القاضِي. وهو مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.

стр. 5573

وَالْجنْسُ: مَا لَهُ اسْمٌ خَاصٌّ يَشْمَلُ أَنْوَاعًا؛ كَالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَالْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ، والْمِلْحِ. ــ ١٦٧٨ - مسألة: (وَالْجِنْسُ: مَا لَهُ اسْمٌ خَاصٌّ يَشْمَلُ أنْواعًا، كالذَّهَبِ، والْفِضَّةِ، وَالبُرِّ، وَالشَّعِيرِ، والتَّمْرِ، والْمِلْحِ) الجِنْسُ: الشَّامِلُ لأشْياءَ مُختَلِفَةٍ بأنْواعِها. والنَّوْعُ: الشَّامِلُ لأشْياءَ مُخْتَلِفَةٍ بأشْخَاصِها. وقد يكونُ النَّوْعُ جِنْسًا بالنِّسْبَةِ إلى ما تَحْتَه، والجِنْسُ نَوْعًا بالنِّسْبَةِ إلى ما فَوْقَه. والمرادُ هاهنا الجِنْسُ الأَخَصُّ، والنَّوْعُ الأخَصُّ. فكُلُّ نَوْعَينِ اجْتَمَعَا في اسمٍ خاصٍّ، فهما جِنْسٌ؛ كأنْواعِ التَّمْرِ، وأنواعِ الحِنْطَةِ، وأنْواعِ الشَّعِيرِ. فالتُّمُورُ كُلُّها جِنْسٌ وإنْ كَثُرَتْ أنْواعُها؛ كالبَرْنِيِّ، والمَعْقِليِّ (١)، وغيرِهما. وكُلُّ شَيئَينِ اتَّفَقَا في الجِنْسِ، ثَبَتَ فيهما حُكْمُ الشَّرْعِ بتَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ وإنِ اخْتَلَفَتِ الأنْواعُ، لِما ذَكَرْنا من قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «التَّمْرُ بالتَّمْرِ مِثْلًا بمِثْلٍ» (٢). الحَدِيثُ بتَمامِه. فاعتْبَرَ المُسَاوَاةَ في جنْسِ التَّمْرِ بالتَّمْرِ، والبُرِّ بالبُرِّ. ثم قال: «فإذَا اخْتَلَفَتْ هذه الْأَصْنَافُ (٣) فبِيعُوا كيفَ شِئْتُمْ».

стр. 5574

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ في البُرِّ والشَّعِيرِ، فظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّهُما جِنْسَانِ. وهو قوْلُ الثَّوْرِيِّ، والشّافِعِيِّ، [وإسحاقَ] (١)، وأصحابِ الرأي. وعنه، أنّهما جنْسٌ واحِدٌ. يُرْوَى ذلك عن سَعْدِ بنِ أبي وَقّاص وعبدِ الرَّحْمَنِ بنِ الأسْوَدِ بنِ عبدِ يَغُوثَ (٢)، والحَكَمِ، وحَمّادٍ، ومالِكٍ، واللَّيثِ؛ لِما رُوِيَ عن مَعْمَرِ بنِ عبدِ اللهِ، أنّه أرْسَلَ غُلامَه بصَاعِ قمْحٍ، فقال: بِعْهُ، ثم اشْتَرِ به شَعِيرًا. فذَهَبَ الغُلامُ، فأخَذَ صَاعًا وزيَادَةَ بعْضِ صاعٍ، فلما جاءَ مَعْمَرًا أخْبَرَهُ، فقال له مَعْمَرٌ: لِمَ فَعَلْتَ ذلك؟ انْطَلِقْ فرُدَّه، ولا تَأخُذَنَّ إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ، فإنّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عن بَيعِ الطّعامِ بالطّعامِ، إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ، وكان طعامُنا يَوْمَئِذٍ الشَّعِيرَ. قيل: فإنَّه ليس بمِثْلِه. قال: إنِّي أخافُ أنْ يُضارِعَ. أخرَجَه مُسْلِمٌ (٣)، ولأنَّ أحَدَهما يُعْتَبَرُ بالآخَرِ، فكانا كنَوْعَي الجِنْسِ. ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «بِيعُوا البُرَّ بالشَّعِيرِ كيفَ شِئْتُم يَدًا بِيَدٍ» (٤). وفي لَفْظٍ: «لا بَأسَ بِبَيعِ البُرِّ بالشَّعِيرِ، والشَّعِيرُ أكثرُهما (٥) يَدًا بِيَدٍ، وأمّا

стр. 5575

وَفُرُوعُ الْأَجْنَاسِ أَجنَاسٌ، كَالْأَدِقَّةِ، وَالْأَخْبَازِ، وَالْأَدْهَانِ. ــ نَسِيئَةً فَلَا» (١) وفي لَفْظٍ: «فإذا اخْتَلَفَتْ هذه الأصْنَافُ فَبِيعُوا كيف شِئْتُمْ» (٢). وهذا صَرِيحٌ، لا يَجُوزُ تَرْكُه بغَيرِ مُعارِضٍ مِثْلِه. وحَدِيثُ مَعْمَرٍ لابُدَّ فيه من إضْمارِ الجِنْسِ، بدَلِيلِ سائِرِ أجْناسِ الطَّعامِ، ويَحْتَمِلُ أنّه أرادَ الطَّعامَ المَعْهُودَ عِنْدَهم، وهو الشَّعِيرُ نَسِيئَةً، فإنّه قال في الخَبَرِ: وكان طعَامُنا يَوْمَئِذٍ الشَّعِيرَ. ثم لو كانَ عامًّا لوَجَبَ تَقْدِيمُ الخاصِّ الصَّرِيحِ عليه، وفِعْلُ مَعْمَرٍ وقَوْلُه لا يُعارَضُ به فِعْلُ (٣) النَّبِيِّ ﷺ ، وقِياسُهم مَنْقُوضٌ بالذَّهَبِ والفِضَّةِ. ١٦٧٩ - مسألة: (وفُرُوعُ الأَجْنَاسِ أجْنَاسٌ، كالأدِقَّةِ، والأخْبَازِ، والأدْهَانِ) إذا كان المُشْتَرِ كانِ في الاسْمِ الخاصِّ من جِنْسَينِ، فهما جِنْسَانِ، كالأَدِقةِ، والأخْبَازِ، والخُلُولِ، والأدْهَانِ، وعَصِيرُ الأَشْياءِ المُخْتَلِفَةِ كُلّها أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ باخْتِلافِ أُصُولِها. وحُكِيَ عن

стр. 5576

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أحمدَ، أنَّ خَلَّ التَّمْرِ وخَلَّ العِنَبِ جِنْسٌ. وحُكِيَ أيضًا عن مالِكٍ، لأنَّ الاسْمَ الخاصَّ يَجْمَعُهما. والصَّحِيحُ الأَوَّلُ، لأنَّهُما من جِنْسَينِ مُخْتَلِفَينِ، فكانا جِنْسَينِ؛ كدَقِيقِ الحِنْطَةِ، ودَقِيقِ الدُّخْنِ. وما ذُكِرَ للرِّوايةِ الأخْرَى مَنْقُوضٌ بسائِرِ فرُوعِ الأصُولِ التي ذَكَرْناها. فكُلُّ فَرْعٍ مَبْنِيٌّ على أصْلِه، فزَيتُ الزَّيتُونِ، وزَيتُ البُطْمِ (١)، وزَيتُ الفُجْلِ، أجْنَاسٌ. ودُهْنُ السَّمَكِ، والشَّيرَجُ، والجَوْزِ، واللَّوْزِ، والبزْرِ، أجْنَاسٌ. وعَسَلُ النَّحْلِ، وعَسَلُ القَصَبِ، جِنْسان. وتَمْرُ النَّخْلِ، وتَمْرُ الهِنْدِ، جِنْسَان. وكُلُّ شَيئَينِ أصْلُهما واحِدٌ، فهما جِنْسٌ، وإنِ اخْتَلَفَتْ مَقاصِدُهما؛ فدُهْنُ الوَرْدِ والبَنَفْسَجِ، والزَّنْبَقُ (٢) والياسَمِينِ، إذا كانت من دُهْنٍ واحِدٍ، فهي جِنْسٌ واحِدٌ. وهذا الصَّحِيحُ من مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ، وله قولٌ آخرُ: لا يَجْرِي الرِّبَا فيها؛ لأنَّها لا تُقْصَدُ للأَكْلِ. وقال أبو حَنِيفَةَ: هي أجْنَاسٌ؛ لاخْتِلافِ مَقاصِدِها. ولَنا، أنّها كُلَّها شَيرَجٌ، وإنّما طُيِّبَتْ بهذه الرَّيَاحِينِ، فنُسِبَتْ إليها، فلم تَصِرْ أجْنَاسًا،

стр. 5577

وَاللَّحْمُ أَجْنَاسٌ بِاخْتِلَافِ أُصُولِهِ. وَعَنْهُ، جِنْسٌ وَاحِدٌ. وَكَذَلِكَ اللَّبَنُ. وَعَنْهُ، فِي اللَّحْمِ، أَنَّهُ أَرْبَعَةُ أَجْنَاسٍ؛ لَحْمُ الْأَنْعَامِ، وَلَحْمُ الْوَحْشِ، وَلَحْمُ الطَّيرِ، وَلَحْمُ دَوَابِّ الْمَاءِ. ــ كما لو طُيِّبَ سائِرُ أنْواعِ الأَجْنَاسِ. وقَولُهم: لا تُقْصَدُ للأَكْلِ. قلنا: هي صالِحَةٌ للأكلِ، وإنّما تُعَدُّ لما هو أعْلَى منه، فلا تَخْرُجُ عن كَوْنِها مَأكُولَةً بصَلاحِها لغَيرِه. وقَوْلُهم: إنّها أجْنَاسٌ. لا يَصِحُّ؛ لأنَّها من أصْلٍ واحِدٍ، ويَشْمَلُها اسْمٌ واحِدٌ، فكانَتْ جِنْسًا، كأنوَاعِ التَّمْرِ، والحِنْطَةِ. فصل: وقد يكونُ الجِنْسُ الواحِدُ مُشْتَمِلًا على جِنْسَينِ، كالتَّمْرِ يَشْتَمِلُ على النَّوَى وغَيرِه، وهما جِنْسَانِ، واللَّبَنِ يَشْتَمِلُ على المَخِيضِ والزُّبْدِ، وهما جِنْسَانِ، فما دَاما مُتَّصِلَينِ اتِّصال الخِلْقَةِ فهما جِنْسٌ واحِدٌ، فإذا مُيِّزَ أحَدُهما من الآخَرِ، صارا جِنْسَينِ، حُكْمُهُما حُكْمُ الجِنْسَينِ الأصْلِيَّينِ. ١٦٨٠ - مسألة: (واللَّحْمُ أجنَاسٌ باخْتِلافِ أُصُولِه. وكذلك اللَّبَنُ. وعنه، جِنْسٌ واحِدٌ. وعنه، في اللَّحْمِ، أنَّه أرْبَعَةُ أجْنَاسٍ؛ لَحْمُ الأنْعَامِ، ولَحْمُ الوَحْشِ، ولَحْمُ الطَّيرِ، ولَحْمُ دَوابِّ الماءِ) اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عن أحمدَ، ﵀، في اللَّحْمِ، فرُوىَ عنه أنّه جِنْسٌ واحِدٌ.

стр. 5578

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهذا الذي ذَكَرَه الخِرَقِيُّ. وهو قَوْلُ أبِي ثَوْرٍ، وأحَدُ قَوْلَي الشّافِعِيِّ. وأنْكَرَ القاضِي أبو يَعْلَى كونَ هذه رِوايَةً عن أحمدَ، وقال: الأنْعَامُ والوَحْشُ والطَّيرُ ودَوابُّ الماءِ أجْنَاسٌ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فيها، رِوَايَةً واحِدةً، وإنَّما في اللَّحْمِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُما، أنّه أرْبَعَةُ أجْنَاسٍ، كما ذَكَرْنَا. وهو مَذْهَبُ مالِكٍ، إلَّا أنّه يَجْعَلُ (١) الأنْعَامَ والوَحْشَ جِنْسًا وَاحِدًا فيكونُ عندَه ثَلاثةُ أصْنَافٍ. ورُوِيَ عنه، أنّه أجْنَاسٌ باخْتِلافِ أُصُولِه. وهو قول أبي حَنِيفَةَ، وأحَدُ قَوْلَي الشافِعِيِّ. وهي أصَحُّ؛ لأنها فُرُوعُ أُصُولٍ هي أجنَاسٌ، فكانت أجْنَاسًا، كالأدقَّةِ، والأخبَازِ. وهذا اخْتِيارُ ابنِ عَقِيلٍ. وعنه في اللَّحْمِ، أنّه أرْبَعَةُ أجْنَاس على ما ذَكَرْنَا. وهذا اخْتِيَارُ القَاضِي، واحْتَجَّ بأن لَحْمَ هذه الحَيَواناتِ تَخْتَلِفُ المَنْفَعَةُ بها، والقَصْدُ إلى أكْلِها، فكانت أجْنَاسًا. قال شيخُنا (٢): وهذا ضَعِيفٌ؛ لأنَّ كَوْنَها أجْنَاسًا لا يُوجِبُ حَصْرَها في أرْبَعَةِ أجْنَاس، ولا نَظيرَ لهذا فيُقاسُ عليه. والصَّحِيحُ، أنّه أجْنَاسٌ باخْتِلافِ أُصُولِه. ووَجْهُ

стр. 5579

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلِ الخِرَقِيِّ، أنَّه اشْتَرَكَ في الاسمِ الواحِدِ حال حُدُوثِ الرِّبَا فيه، فكان جِنْسًا واحِدًا، كالطَّلْعِ. والصَّحِيحُ، ما ذَكَرْنا. وما ذَكَرَه من الدَّلِيل مُنْتَقِضٌ بعَسَلِ النَّحْلِ وعَسَلِ القَصَبِ، وغيرِ ذلك. فعَلى هذا، لَحْمُ الإِبِلِ كُلُّه صِنْفٌ، بَخَاتِيِّها وعِرابِها، والبَقَرُ عِرابُها وجَوامِيسُها صِنْفٌ، والغَنَمُ ضَأنها ومَعْزُها جِنْسٌ (١). ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَا صِنْفَينِ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى سَمَّاهَا في الأزْوَاجِ الثّمانِيَةِ، ققال: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَينِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَينِ﴾ (٢). فَفَرَّقَ بَينَهُما، كما فَرَّق بينَ الإِبِل والبَقَرِ، فقال: ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَينِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَينِ﴾ (٣). والوَحْشُ أصنَافٌ؛ بَقَرُها صِنْفٌ، وغَنَمُها صِنْفٌ، وظِباؤها صِنْفٌ، وكُلُّ ما لَه اسْمٌ يخُصُّه فهو صِنْفٌ. والطَّيرُ أَصْنَافٌ، كُلُّ ما انْفَرَدَ باسْم وصِفةٍ فهو صِنْفٌ، فيَجُوزُ أنْ يُباعَ لَحْمُ صِنْفٍ بلَحْمِ صِنْفٍ آخَرَ، مُتَفَاضِلًا ومُتماثِلًا، ويُبَاعُ بصِفَةٍ (٤) مُتَماثِلًا، ومَنْ جَعَلَها صِنْفًا واحِدًا، لم يُجِزْ بَيعَ لَحْمٍ بلَحْمٍ إلَّا (٥) مُتَماثِلًا.

стр. 5580

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وفي اللَّبَن رِوَايَتَانِ؛ إحْداهُما، هو جِنْسٌ واحِدٌ؛ لما ذَكَرنا في اللَّحْمِ. والثانِيَةُ، هو أجنَاسٌ باخْتِلَافِ أُصُولِه، كاللَّحْمِ. وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ. وقال مالِكٌ: لَبَنُ الأَنْعَامِ كُلِّها جِنْسٌ واحِدٌ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: لَبَنُ البَقَرِ الأهْلِيَّةِ والوَحْشِيَّةِ جِنْسٌ واحِدٌ على الرِّوَايَاتِ كُلِّها، لأنَّ اسْمَ البَقَرِ يَشْمَلُهُمَا (١). ولا يَصِحُّ؛ لأنَّ لَحْمَهما جِنْسانِ، فكان لَبَنُهما جِنْسَينِ، كالإِبِلِ والبَقَرِ. ويَجُوزُ بَيعُ اللَّبَنِ بغَيرِ جِنْسِه مُتَفاضِلًا،

стр. 5581

وَاللَّحْمُ والشَّحْمُ وَالْكَبِدُ أَجْنَاسٌ. ــ وكيف شاءَ، يَدًا بِيَدٍ، وبجِنْسِه مُتماثِلًا كَيلًا، ولا فرقَ بين أنْ يَكُونَا حَلِيبَينِ أو حامِضَينِ، أو أحَدُهما حَلِيبًا والآخَرُ حامِضًا؛ لأنَّ تَغَيُّرَ الضفَةِ لا يَمْنَعُ جوازَ البَيعِ، كالجَوْدَةِ والرَّداءَةِ. وإنْ شِيبَ أحَدُهُما بماءٍ أو غيرِه، لم يَجُزْ بَيعُه بخَالِصٍ ولا بمَشُوبٍ من جِنْسِه، وسَنَذْكُرُ ذلك. ١٦٨١ - مسألة: (واللَّحمَ والشَّحْمُ والكَبِدُ أجْنَاسٌ) اللَّحْمُ والشَّحْمُ جِنْسَانِ، والكَبِدُ جِنْسٌ (١) , والطِّحَالُ جِنْسٌ (١)، والقَلْبُ جِنْسٌ، والمُخُّ جِنْسٌ. ويَجُوزُ بَيعُ جِنْسٍ بجِنْسٍ آخرَ مُتَفاضِلًا.

стр. 5582

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقال القاضِي: لا يَجُوزُ بَيعُ اللَّحْمِ بالشَّحْمِ. وكَرِهَ مالِكٌ ذلك، إلَّا أنْ يَتَمَاثَلَا. وظاهِرُ المَذْهَبِ إباحَةُ البَيعِ فيهما مُتَماثِلًا ومُتَفَاضِلًا. وهو قَوْلُ أبي حَنِيفةَ، والشّافِعِيِّ؛ لأنهُما جِنْسَانِ، فجازَ التَّفَاضُلُ فيهما، كالذَّهَبِ والفِضَّةِ. فإن مُنِعَ منه لكَوْنِ اللَّحْمِ لا يَخْلُو من شَحْم، لم

стр. 5583

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَصِحَّ؛ لأنَّ الشَّحْمَ لا يَظْهَرُ، وإنْ كان فيه شيءٌ فهو غيرُ مَقْصُودٍ، فلا يَمْنَعُ البَيعَ، ولو مَنَعَ لِذَلك، لم يَجُزْ بَيعُ لَحْمٍ بلَحْمٍ؛ لاشْتِمالِ كُلِّ واحِدٍ منهما على ما ليس من جِنْسِه. ثم لا يَصِحُّ هذا عند القاضِي، لأنَّ السَّمِينَ الذي يكونُ مع اللَّحْمِ عنده لَحْمٌ، فلا يُتَصَوَّرُ اشْتِمَالُ اللَّحْمِ عَلَى الشَّحْمِ. وذَكَرَ القَاضِي، أنَّ الأبيَضَ الذي (١) ظَاهِرَ اللَّحْمِ الأحْمَرِ، هو والأحْمَرُ جنْسٌ واحِدٌ، وأنَّ الأليَةَ والشَّحْمَ جِنْسَانِ. وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، أنَّ كُلَّ ما هو أبيَضُ في الحَيَوانِ، يَذُوبُ بالإِذَابَةِ، ويَصِيرُ دُهْنًا،

стр. 5584

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فهو جِنْسٌ واحِدٌ. قال شَيخُنا (١): وهو الصَّحِيحُ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى؛ لقَوْلِه سبحانه: (حَرَّمْنَا عَلَيهِمْ شُحُومَهُمَا إلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا) (٢). فاسْتَثْنَى ما حَمَلَتِ الظُّهُورُ من الشَّحْمِ، ولأنَّه يُشْبِهُ الشَّحْمَ في لَوْنِه وذَوْبِه ومَقْصِدِه، فكان شَحْمًا، كالذي في البَطْنِ.

стр. 5585

وَلَا يَجوزُ بَيعُ لَحْمٍ بِحَيَوَانٍ مِنْ جِنْسِهِ. وَفِي بَيعِهِ بِغَيرِ جِنْسِهِ وَجْهَانِ. ــ ١٦٨٢ - مسألة: (ولا يَجُوزُ بَيعُ لَحْم بحَيَوانٍ من جِنْسِه. وفي بَيعِه بغيرِ جِنْسِه وَجْهانِ) لا يَخْتَلِفُ المَذْهَبُ أنّه لا يَجُوزُ بَيعُ اللَّحْمِ بحَيَوانٍ من جِنْسِه. وهو مَذْهَبُ مالِكٍ، والشَّافِعِيِّ، وقَوْلُ الفُقَهاءِ السَّبْعَةِ. وحُكِيَ عن مالِكٍ، أنَّه لا يَجُوزُ بَيعُ اللَّحْم بحَيوانٍ مُعَدٍّ للَّحْمِ، ويَجُوزُ بغَيرِه. وقال أبو حَنِيفة: يَجُوزُ مُطْلَقًا؛ لأنه باعَ مال الرِّبَا بما لا

стр. 5586

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رِبًا فيهِ، أشْبَهَ بَيعَ الحَيَوانِ بالدَّراهِمِ، أو بِلَحْمٍ من غيرِ جِنْسِه. ولَنا، ما رَوَى مالِكٌ (١)، عن زَيدِ بنِ أسْلَمَ، عن سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عن بَيعَ اللَّحْمَ بالحَيَوانِ. قال ابنُ عبدِ البَر: هذا أحْسَنُ أسانِيدِه. ورُوِيَ (٢) أنّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أنْ يُباعَ حَيٌّ بمَيِّتٍ. ذَكَرَه الإِمامُ أحمدُ (٣). ورَوَى ابنُ عَبّاسٍ أنَّ جَزُورًا نُحِرَتْ، فجاءَ رَجُل بعَنَاقٍ، فقال: أعْطُونِي جُزْءًا بهذا العَناقِ. قال أبو بَكْرٍ: لا يَصْلُحُ هذا (٤). قال الشّافِعِيُّ: لا أعْلَمُ مُخالِفًا لأَبِي بَكْر في ذلك. وقال أبو الزِّنادِ: كُلُّ مَنْ أَدْرَكْتُ يَنْهَى عن بَيعِ اللَّحْمِ بالحَيَوانِ. ولأنَّ اللَّحْمَ نوْع فيه الرِّبَا بِيعَ بأَصْلِه الذي فيه منه، فلم يَجُزْ، كبَيعِ السِّمْسِمِ بالشَّيرَجِ، وبهذا فارَق ما قاسُوا عليه. فأمّا بَيعُه بحَيَوانٍ من غيرِ جِنْسِه، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ والخِرَقِيِّ أنّه لا يَجُوزُ؛ لِما ذَكَرْنا من الأحَادِيثِ. واخْتَارَ القاضِي جَوازَهُ.

стр. 5587

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وللشَّافِعِيِّ فيه قَوْلَانِ. واحْتَجَّ مَنْ أجازَهُ بأنَّ مال الربَا بيعَ بغَيرِ أصْلِه ولا جِنْسِه، فجازَ، كما لو باعَهُ بالأثْمانِ. والظَّاهِرُ أنَّ الاختِلافَ مَبْنِيٌّ على الاختِلافِ في اللَّحْمِ، فإنْ قُلْنا بأنَّه جِنْسٌ واحِدٌ، لم يَجُزْ. وإنْ قُلْنَا: إنّه أجْنَاسٌ. جازَ بَيعُه بغَيرِ جِنْسِه؛ لما ذَكَرْنا. فإنْ باعَه

стр. 5588

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بحَيَوانٍ غيرِ مَأْكُولٍ، جازَ في ظاهِرِ قَوْلِ أصْحابِنَا. وهو قَوْلُ عامَّةِ الفُقَهاءِ.

стр. 5589

وَلَا يَجُوزُ بَيعُ حَبٍّ بِدَقِيقِهِ وَلَا سَويقِهِ، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَينِ. ــ ١٦٨٣ - مسألة: (ولا يَجُوزُ بَيعُ حَبٍّ بدَقِيقِه ولا بسَويقِه؛ في أَصَحِّ الرِّوَايَتَينِ) لا يَجُوزُ بَيعُ الحَبِّ بالدَّقِيقِ، في الصَّحِيحِ من المَذْهَبِ. وهو قَوْلُ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والحَسَنِ، والحَكَمِ، وحَمَّادٍ، وَمَكْحُولٍ، والثَّوْرِيِّ، وأبي حَنِيفَةَ. وهو المَشْهُورُ عن الشَّافِعِيِّ. وعن أحمدَ، أنَّه جائِزٌ. وبه قال رَبِيعَةُ، ومالِكٌ. وحُكِيَ عن النَّخَعِيِّ، وقَتَادَةَ، وابنِ شُبْرُمَةَ، وإسْحاقَ، وأبي ثَوْرٍ؛ لأنَّ الدَّقِيقَ نفْسُ الحِنْطَةِ، وإنَّما تَكَسَّرَتْ أجْزاؤها، فجازَ بَيعُ بَعْضِها بِبَعْض، كالحِنْطَةِ المُكَسَّرَةِ بالصِّحاحِ. فعلى هذا، إنَّما يُباعُ الحَبُّ بالدَّقيقِ (١) وَزْنًا؛ لأنَّ

стр. 5590

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أجْزَاءَه قد تَفَرَّقَتْ بالطَّحْنِ وانْتَشَرَتْ، فَيَأْخُذُ من المِكْيالِ مَكانًا كَبِيرًا، والحَبُّ يأخُذُ مكانًا صَغِيرًا، والوَزْنُ يُسَوِّي بَينَهُما. وبهذا قال إسحاق. ولَنا، أنَّ بَيعَ الحَبِّ بالدَّقِيقِ بَيع لمالِ الرِّبَا بجِنْسِه مُتَفَاضِلًا، فَحَرُمَ، كبَيعِ مَكِيلَةٍ بِمَكِيلَتَينِ؛ وذلك لأنَّ الطَّحْنَ قد فَرَّقَ أجْزَاءَه، فيَحْصُلُ في مِكْيالِه دونَ ما يَحْصُلُ في مِكْيَالِ الحَبِّ، وإنْ لم يَتَحَقَّقِ التَّفَاضُلُ، فقد جُهِلَ التَّماثُلُ، والجَهْلُ بالتَّمَاثُلِ كالعِلْمِ بالتَّفَاضُلِ فيما يُشْتَرَطُ التّماثُلُ فيه، ولذلك لم يَجُزْ بَيعُ بَعْضِه بِبَعْض جُزافًا، والتَّسَاوي في الوَزْنِ لا يَلْزَمُ منه التَّسَاوي في الكَيلِ، والحَبُّ والدَّقِيقُ مَكِيلَانِ؛ لأنَّ الأصْلَ الكَيلُ، ولم يُوجَدْ ما يَنْقُلُ عنه، ثم لو ثَبَتَ أنَّ الدَّقِيقَ كان مَوْزُونًا، لم يَتَحَقَّقِ التَّماثُلُ؛ لأنَّ المَكِيلَ لا يُقَدَّرُ بالوَزْنِ، لا يُقَدَّرُ المَوْزُونُ بالكَيلِ. فصل: ولا يَجُوزُ بيعُ الحَبِّ بالسَّويقِ. وبه قال الشَّافِعِيُّ. وحُكِيَ عن مالِكٍ، وأَبِي ثَوْرٍ جَوازُ ذلك مُتَماثِلًا ومُتَفَاضِلًا. ولَنا، أنَّه بَيعُ الحَبِّ

стр. 5591

وَلَا يَجُوزُ بَيعُ نِيئِهِ بِمَطْبُوخِهِ، وَلَا: أَصْلِهِ بِعَصِيرِهِ، وَلا خَالِصِهِ بِمَشُوبِهِ، وَلَا رَطْبِهِ بِيَابِسِهِ. ــ بِبَعْضِ أجْزَائِه مُتَفَاضِلًا، فلم يَجُزْ، كبَيعِ مَكُّوكِ (١) حِنْطَةٍ بمَكُّوكَيْ دَقِيقٍ، ولا سَبِيلَ إلى التّماثُلِ، لأنَّ النارَ قد أخَذَتْ من أحَدِهما دُونَ الآخرِ، فأشْبَهَتِ المَقْلِيَّةَ بالنِّيئَةِ. فأمّا الخُبْزُ، والهَرِيسَة، والفالُوذَجُ (٢)، والنَّشاءُ، وأَشْبَاهُها، فلا يَجُوزُ بَيعُه بالحِنْطَةِ. وقال أصْحابُ أبي حَنِيفَةَ: يَجُوزُ، بناءً على مسألةِ مُدِّ عَجْوَةٍ. وسَنَذْكُرُ ذلك إنْ شاءَ الله تعالى. ويَجُوزُ بَيعُ الحَبِّ بالدَّقِيقِ من غيرِ جنْسِه، والخُبْزِ وغيرِ ذلك، لعَدَم اشْتِراطِ المُماثَلَةِ بَينَهما. وقال ابنُ أَبِي مُوسَى: لا يَجُوزُ بَيعُ سَويقِ الشًّعِيرِ بالبُرِّ في رِوَايَةٍ. وذلك مَبْنِيٌّ على أنّ البُرَّ والشَّعِيرَ جِنْسٌ واحِدٌ، وقد ذَكَرْنَاهُ. ١٦٨٤ - مسألة: (ولا يَجُوزُ بَيعُ أصْلِه بعَصِيرِه، ولا خالِصِه بمَشُوبِه، ولا رَطْبِه بِيَابِسِه، ولا نِيئه بمَطْبُوخِه) لا يَجُوزُ بَيعُ شَيءٍ من

стр. 5592

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مالِ الرِّبَا بأَصْلِه الذي فيه منه، كالسِّمْسِمِ بالشَّيرَجِ، والزَّيتُونِ بالزَّيتِ، وسائِرِ الأدْهانِ بأُصُولِها، والعَصِيرِ بأَصلِه؛ كعَصِيرِ العِنَبِ، والرُّمَّانِ، والتُّفَّاحِ، والسَّفَرْجَلِ، وقَصَبِ السُّكَّرِ، لا يُباعُ شيءٌ منها بأَصْلِه. وبه قال الشّافِعِيُّ، و (١) ابنُ المُنْذِرِ. وقال أبو ثَوْرٍ: يَجُوزُ وقال أبو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ إذا عَلِمَ أنّ ما في الأصْلِ من الدُّهْن والعَصِيرِ أقَلُّ من المُنْفَرِدِ، وإنْ لم يَعْلَمْ، لم يَجُزْ. ولَنا، أنّه مالٌ بِيعَ بأَصْلِه الذي هو منه، فلم يَجُزْ، كَبَيعِ اللَّحْمِ بالحَيَوانِ، وقد أثْبَتْنا ذلك بالنَّصِّ. فصل: ولا يَجُوزُ بَيعُ اللَّبَنِ بالزُّبْدِ، ولا بالسَّمْنِ، ولا بشيءٍ منِ فُرُوعِه؛ كاللِّبَأ (٢) والمَخِيضِ، وسواءٌ كان فيه من غَيرِه أوْ لَا؛ لأنَّه مُسْتَخْرَجٌ من اللَّبَنِ، فلم يَجُزْ بَيعُه بأَصْلِه الذي فيه، كالسِّمْسِمِ بالشَّيرَجِ. وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ. وعن أحمدَ، أنَّه يَجُوزُ بَيعُ اللَّبَنِ بالزُّبْدِ إذا كان الزُّبْدُ المُنْفَرِدُ أكثرَ من الزُّبْدِ الذي في اللَّبَنِ. وهذا يَقْتَضِي جوازَ بَيعِه به مُتَفَاضِلًا، ومَنْعَ جَوازِه مُتَماثِلًا. قال القاضِي: وهذه الرِّوَايَةُ لا تُخَرَّجُ على المَذْهَبِ؛ لأنَّ الشَّيئَينِ إذا دَخَلَهُما الرِّبَا، لم يَجُزْ بَيعُ أحَدِهما بالآخرِ ومعه من غيرِ جِنْسِه، كمُدِّ عَجْوَةٍ. والصَّحِيحُ أنّ هذه الرِّوَايَةَ دَالَّة على جَوازِ البَيعِ في مسألةِ مُدِّ عَجْوَةٍ، وكَوْنُها مُخالِفَةً لروايَاتٍ أُخَرَ

стр. 5593

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لا يَمْنَعُ كَوْنَها رِوَايَةً كسائِرِ الرِّوَاياتِ المُخَالِفَةِ لغَيرِها لكَوْنِها مُخَالِفَةً لظَاهِرِ المَذْهَبِ. والحُكْمُ في السَّمْنِ كالحُكْمِ في الزُّبْدِ. وأما اللَّبَنُ بالمَخِيضِ، فلا يَجُوزُ. نَصَّ عليه أحمدُ. ويَتَخَرَّجُ الجَوازُ، كالتي قَبْلَها. وأمّا اللَّبَنُ باللِّبَأَ فإنْ كان قبلَ أنْ تَمَسَّهُ النَّارُ، جازَ مُتَماثِلًا؛ لأنَّهُ لَبَن بِلَبَنٍ. وإنْ مَسَّتْهُ النّارُ، لم يَجُزْ. وذَكَرَ القاضِي وجْهًا، أنّه يَجُوزُ. وليس بصحِيحٍ؛ لأنَّ النّارَ عَقَدَتْ أجْزَاءَ أحَدِهما، وذَهَبَتْ بِبَعْضِ رُطوبَتِه، فلم يَجُزْ بَيعُه بما لم تَمَسَّهُ النّارُ، كالخُبْزِ بالعَجِينِ، والمَقْلِيَّةِ بالنِّيئَةِ. وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ. فصل: ولا يَجُوزُ بَيعُ الخالِصِ بالمَشُوبِ، كحِنْطَةٍ فيها شَعِيرٌ أو زُوانٍ (١) بخَالِصَةٍ أو غيرِ خالِصَةٍ، أو لَبَن مَشُوبٍ بخالِص أو مَشُوبٍ، أو اللَّبَنِ بالكِشْكِ أو الكَامَخِ (٢). ويَتَخَرَّجُ الجوازُ إذا كان اللَّبَنُ أكثَرَ من اللَّبَنِ الذي في الكِشْكِ والكَامَخِ، بناغ على مُدِّ عَجْوَةٍ. ولا يَجُوزُ بَيعُ العَسَلِ في شَمْعِه بمِثْلِه، فإنْ كان الخَلْطُ يَسِيرًا، كحَبَّاتِ الشَّعِيرِ [في الحِنْطَةِ] (٣)، ويَسِيرِ الترابِ والزُّوانِ الذي لا يَظْهَرُ في الكَيلِ، لم يُمْنَعْ؛ لأنَّه لا يُخِلُّ بالتَّمَاثُلِ. ولا يَجُوزُ بَيعُ التَّمْرِ بالدِّبْسِ والخَلِّ

стр. 5594

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والنّاطِفِ (١)، والقُطارَةِ (٢)؛ لأنَّ بَعْضَها معه من غيرِ جِنْسِه، وبَعْضَها مائِعٌ، والتَّمْرُ جامِدٌ. ولا يَجُوزُ بَيعُ الناطِفِ بَعْضِه بِبَعْض، ولا بغَيرِه من المَصْنُوعِ من التَّمْرِ؛ لأنَّ مَعَهُما شَيئًا مَقْصُودًا من غيرِ جِنْمسِهما، فهو كمُدِّ عَجْوَةٍ، والعِنَبُ كالتَّمْرِ فيما ذَكَرْناه. فصل: ولا يَجُوزُ بَيعُ المَشُوبِ بالمَشُوبِ، كالكِشْكِ والكامَخِ، ولا يَجُوزُ بَيعُ أَحَدِهِما بالآخَر، كمسألةِ مُدِّ عَجْوَةٍ، ولا يَجُوزُ بَيعُ (٣) نِيئهِ بمَطْبُوخِه؛ كالخُبْزِ بالعَجِينِ، والحِنْطَةِ المَقلِيَّةِ بالنِّيئةِ؛ لانه لا يَحْصُلُ التَّمَاثُلُ؛ لأنَّ النّارَ ذَهَبَت بِبَعْضِ رُطُوبَتِها وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ. فصل: [ويَجُوزُ] (٤) بَيعُ نَوْعٍ بنَوْعٍ آخَرَ إذا لم يَكُنْ فيه منه، فيَجُوزُ بَيعُ الزُّبْدِ بالزُّبْدِ، والسَّمْنِ بالمَخِيضِ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ، مُتَماثِلًا ومُتَفَاضِلًا؛ لأنَّهُما جِنْسَانِ من أصْلٍ واحِدٍ، أشْبَها اللَّحْمَ والشَّحْمَ. وممَّنْ أجازَ بَيعَ الزُّبْدِ بالمَخِيضِ؛ الثَّوْرِيُّ، والشَّافِعِيُّ، وإسْحاقُ؛ لأنَّ اللَّبَنَ الذي في الزُّبْدِ غيرُ مَقْصُودٍ، وهو يَسِيرٌ، فلم يَمْنَعْ، كالمِلْحِ في الشَّيرَجِ. وبَيعُ السَّمْنِ بالمَخِيضِ أوْلَى بالجَوازِ؛ لخُلُوِّه من اللَّبَنِ

стр. 5595

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المَخِيضِ. ولا يَجُوزُ بَيعُ الزُّبْدِ بالسَّمْنِ؛ لأنَّ في الزُّبْدِ لَبَنًا يَسِيرًا، ولا شيءَ في السَّمْنِ، فيَخْتَلُّ التَّماثُلُ، ولأنَّه من الزُّبْدِ، فلم يَجُزْ بَيعُه، كالزَّيتُونِ بالزَّيتِ. وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ. واخْتَارَ القاضِي جَوازَهُ؛ لأنَّ اللَّبَنَ الذي في الزُّبْدِ غيرُ مَقْصُودٍ، فوُجُودُه كعَدَمِه، ولهذا جازَ بَيعُ الزُّبْدِ بالمَخِيضِ. ولا يَصِحُّ ذلك؛ لأنَّ التماثُلَ شَرْطٌ، وانْفِرادُ أحَدِهما بوُجُودِ اللَّبَنِ فيه يُخِلُّ بالتّماثلِ، فلم يَجُزِ البَيعُ، كتَمْرٍ مَنْزُوعِ النَّوَى بما نَواهُ فيه، ولأنَّ أحَدَهما يَنْفَرِدُ برُطُوبَةٍ لا تُوجَدُ في الآخَرِ، أشْبَهَ الرُّطَبَ بالتَّمْرِ، وكُلَّ رَطْبٍ بِيابِسٍ من جِنْسِه. ولا يَجُوزُ بَيعُ شيءٍ من الزُّبْدِ والسَّمْنِ والمَخِيضِ بشيءٍ من أنْواعِ اللَّبَنِ، كالجُبْنِ واللِّبَأَ ونحوهِما؛ لأنَّ هذه الأنْواعَ لم يُنْزَعْ منها شيء، فهي كاللَّبَنِ الذي فيه زُبْدُه، فلم يَجُزْ بَيعُها به، كبَيعِ اللَّبَنِ بها. وأمّا بَيعُ الجبْنِ بالأقطِ، فلا يَجُوزُ بَيعُ رُطُوبَتِهما أو رُطُوبَةِ أحَدِهما، كما لا يَجُوزُ بَيع الرُّطَبِ بالتمْرِ. وإنْ كانَا يابِسَينِ احْتَمَلَ المَنْعَ؛ لأنَّ الجُبْنَ مَوْزُونٌ والأقِطَ مَكِيلٌ، فأشْبَهَ بَيعَ الخُبْزِ بالدَّقِيقِ. ويحْتَمِلُ الجَوازَ إذا تَماثَلَا، كبَيعِ الجُبْنِ بالجُبْنِ. فصل: ولا يَجُوزُ بَيعُ رَطْبٍ بِيابِس، كالرُّطَبِ بالتمْرِ، والعِنَبِ بالزَّبِيبِ، والحِنْطَةِ المَبْلُولَةِ أو الرَّطْبَةِ باليابِسَةِ، والمَقْلِيَّةِ بالنِّيئَةِ، ونحو ذلك. وبه قال سَعْدُ بنُ أبي وَقّاصٍ، وسَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، واللَّيثُ، ومالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وإسْحاقُ، وأبو يُوسُفَ، ومحمّدٌ. وقال أبو

стр. 5596

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حَنِيفَةَ: يَجُوزُ (١)؛ لأنَّه إمّا أنْ يكونَا جِنْسًا، فيَجُوزُ مُتَماثِلًا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «التَّمْرُ بالتَّمْرِ مِثْلًا بمِثْلٍ» (٢). أو يكُونَا جِنْسَينَ، فيَجُوزُ؛ لقَوْلِه ﵇: «فإذا اخْتَلَفَتْ هذه الأصْنَافُ، فبِيعُوا كيفَ شِئْتُمْ يدًا بِيَدٍ» (٣). ولَنا، قَوْلُه ﵇: «لا تَبِيعُوا التَّمْرَ بالتَّمْرِ». وفي لَفْظٍ: نَهَى عن بَيعِ التَّمْرِ بالتَّمْرِ، ورَخَّصَ في (٤) العَرِيَّةِ أنْ تُباعَ بخَرْصِهَا، يأكُلُها أهلُها رُطَبًا. مُتَّفَقٌ عليهما (٥). وعن سَعْدٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عنِ بَيعِ الرُّطَبِ بالتَّمْرِ، قال: «أيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذا يَبِسَ؟» قالُوا: نعم. فنَهَى. عن ذلك. رَواهُ مالِكٌ، وأبو داوُدَ، والأثْرَمُ، وابنِ ماجه (٦). وفي رِوَايَةِ الأثْرَمِ، قال: «فَلَا إذَنْ». نَهَى وعَلَّلَ بأنَّه

стр. 5597

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَنْقُصُ إذا يَبِسَ. ورَوَى مالِكٌ (١) عن نافِع، عن ابنِ عمرَ، أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عن المُزَابَنَةِ؛ والمُزَابَنَةُ: بَيعُ الرُّطَب بالتَّمْرِ كَيلًا، وبَيعُ العِنَبِ بالزَّبِيبِ كَيلًا. ولأنَّه جِنْسٌ فيه الرِّبَا بِيعَ بَعْضُه بِبَعْضٍ على وَجْهٍ يَنْفَرِدُ أحَدُهما بالنُّقْصَانِ، فلم يَجُزْ، كبَيعِ المَقْلِيَّةِ بالنيئَةِ، ولا يَلْزَمُ الحدِيثُ (٢) بالعَتِيقِ؛ لأنَّ التَّفاوُتَ يَسِيرٌ. قال الخَطّابِيُّ (٣): وقد تَكَلَّمَ بعضُ النّاسِ في إسْنادِ حَدِيثِ سَعْدِ بنِ أبي وَقّاصٍ في بَيعِ الرُّطَبِ بالتَّمْرِ. وقال: زيدٌ أبو عَيَّاش رَاويه ضَعِيف. وليس الأمْرُ على ما تَوَهَّمَه، وأبو عَيَّاشٍ مَوْلَى بَنِي زُهْرَةَ مَعْرُوفٌ، وقد ذَكَرَه مالِكٌ في «المُوَطَّأ»،

стр. 5598

وَيَجُوزُ بَيعُ دَقِيقِهِ بِدَقِيقِهِ إِذَا اسْتَوَيَا فِي النُّعُومَةِ، وَمَطْبُوخِهِ بِمَطْبُوخِهِ، وَخُبْزِهِ بِخُبْزِهِ إِذَا اسْتَوَيَا فِي النَّشَافِ، وَعَصِيرِهِ بِعَصِيرِهِ، وَرَطْبِهِ بِرَطْبِهِ. ــ وهو لا يَرْوي عن مَتْرُوكِ الحَدِيثِ. ١٦٨٥ - مسألة: (ويَجُوزُ بَيعُ دَقِيقِه بدَقِيقِه إذا اسْتَوَيَا في النُّعُومَةِ، ومَطْبُوخِه بمَطْبُوخِه، وخُبْزِ؛ بخُبْزِه إذا اسْتَوَيَا في النّشافِ، وعَصِيرِه بعَصِيرِه، ورَطْبِه برَطْبِه) يَجُوزُ بَيعُ كُلِّ واحِدٍ مِن الدَّقِيقِ والسَّويقٍ بنَوْعِه مُتَسَاويًا. وبه قال أبو حَنِيفَةَ. والمَشْهُورُ عن الشَّافِعِيِّ المَنْعُ؛ لأَنَّه يُعْتَبَرُ تَساويهما حالةَ الكَمَالِ، وهو حالُ كَوْنِها (١) حبًّا، وقد فات ذلك؛ لأنَّ أحَدَ الدَّقِيقَينِ يكونُ مِن حِنْطَةٍ رَزِينَةٍ، والآخَرَ مِن خَفِيفَةٍ، فيَسْتَويانِ دَقِيقًا، ولا يَسْتَويَانِ حَبًّا. ولَنا، أنَّهُما تَسَاوَيَا حال العَقْدِ على وَجْهٍ لا يَنْفَرِدُ أحَدُهما بالنُّقْصَانِ، فجازَ، كبَيعِ التَّمْرِ بالتَّمْرِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّما يُبَاعُ بَعْضُه بِبَعْضٍ كَيلًا؛ لأنَّ الحِنْطَةَ مَكِيلَة، ولم يُوجَدْ في الدَّقِيقِ والسَّويقِ ما يَنْقُلُهُما عن ذلك. ويُشْتَرَطُ تَساويهما في النُّعُومَةِ. ذَكَرَه أصْحَابُنا. وهو قَوْلُ أبي حَنِيفَةَ؛ لأنَّهُما إذا تَفَاوَتا في النُّعُومَةِ، تَفَاوَتَا في

стр. 5599

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ثانِي الحالِ، فيَصِيرُ كبَيعِ الحَبِّ بالدَّقِيقِ وَزْنًا. وذكَرَ القاضِي أنَّ الدَّقِيقَ يُباعُ بالدَّقِيقِ وَزْنًا. ولا وَجْهَ له، وقد سَلَّمَ في السَّويقِ أنَّه يُباعُ بالكَيلِ، والدَّقِيقُ مِثْلُه. فصل: ولا يَجُوزُ بَيعُ الدَّقِيقِ بالسَّويقِ. وبه قال الشّافِعِيُّ. وعنه الجَوَازُ؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما أجزَاءُ حِنْطَةٍ ليس معه غيرُه، أشْبَهَ السَّويقَ بالسَّويقِ. ولَنا، أنَّ النَّارَ قد أخَذَت مِن السَّويقِ، فلم يَجُزْ بَيعُه بالدَّقِيقِ، كالمَقْلِيَّةِ بالنِّيئَةِ. ورُوِيَ عن مالِكٍ، وأبي يُوسُفَ، ومحمّدٍ، وأبي ثَوْرٍ، جَواز بَيعِ أحَدِهما بالآخَرِ مُتَفَاضِلًا؛ لأنَّهُما جِنْسَانِ. ولَنا، أنَّهما أجْزَاءُ جِنْسٍ واحِدٍ؛ فأَشْبَهَ بَيعَ أحَدِهما بجِنْسِه. فصل: ويَجُوزُ بَيعُ مَطْبُوخِه بمَطْبُوخِه، كاللِّبَأَ بمِثْلِه، والجُبْنِ بالجُبْنِ، والأَقِطِ بالأَقِطِ، والسَّمْنِ بالسَّمْنِ، مُتَسَاويًا. ويُعْتَبَر التَّسَاوي بينَ الأقِطِ والأَقِطِ بالكَيلِ، ولا يُباعُ ناشِفٌ مِن ذلك برَطْبٍ، كما لا يُباعُ الرّطَبُ بالتمْرِ، ويُباعُ الجبنُ بالجبنِ بالوَزْنِ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ كَيلُه، أَشْبَهَ الخُبْزَ. وكذلك الزُّبْدُ والسَّمْن. ويَتَخرَّجُ أنْ يُباعَ السَّمْنُ بالكَيلِ، كالشَّيرَجِ.

стр. 5600

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ويَجُوزُ بَيعُ الخُبْز بالخُبْز وَزْنًا، وكذلك النَّشاءُ بنَوْعِه، إذا تَسَاوَيَا في النَّشَافَةِ والرُّطُوبَةِ. ويُعْتَبَرُ التَّسَاوي في الوَزْنِ، لأنَّه يُقَدَّرُ به عادَةً، ولا يُمْكِنُ كَيلُه. وقال مالِكٌ: إذا تَحَرَّى المُمَاثَلَةَ، فلا بَأْسَ به وإنْ لم يُوزَنْ. وبه قال الأوْزَاعِيُّ، وأبو ثَوْرٍ. وحُكِيَ عن أبي حَنِيفةَ: لا بَأْسَ به قُرْصًا بقُرْصَينِ. وقال الشّافِعِيُّ: لا يَجُوزُ بَيعُ بَعْضِه بِبَعْض بحالٍ، إلَّا أنْ يَيبَسَ ويُدَقَّ دَقًّا ناعِمًا ويُباعَ بالكَيلِ، ففيه قَوْلانِ؛ لأنَّه مَكِيل، ويَجبُ التَّسَاوي فيه، ولا يمكِنُ كَيلُه، فَتَعَذَّرَتِ المُسَاوَاةُ فيه، ولأنَّ في كُلِّ واحِدٍ منهما مِن غيرِ جِنْسِه، فلم يَجُزْ بَيعُه، كالمَغْشُوشِ مِن الذَّهَبِ والفِضَّةِ وغَيرِهما. ولَنا على وُجُوبِ التَّسَاوي، أنَّه مَطْعُومٌ مَوْزُونٌ، فَحَرُمَ التَّفَاضُلُ بَينَهُما، كاللَّحْمِ واللَّبَنِ. ومتى وَجَبَ التَّسَاوي، وَجَبَتْ مَعْرِفَةُ حَقِيقَةِ التَّسَاوي في المِعْيَارِ الشَّرْعِيِّ، كالحِنْطَةِ بالحِنْطَةِ، والدَّقِيقِ بالدَّقِيقِ. ولَنا على الشّافِعِيِّ، أنَّ مُعْظَمِ نَفْعِه في حالِ رُطُوبَتِه، فجازَ بَيعُه به، كاللَّبَنِ باللَّبَنِ. ولا يَمْتَنِعُ أنْ يكون مَوْزُونًا أصْلُه مَكِيلٌ، كالأدْهانِ. ولا يجوزُ بَيعُ الرَّطْبِ باليابِسِ، لانْفِرَادِ أحَدِهما

стр. 5601

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بالنَّقْصِ ثانِي الحالِ، فأشْبَهَ الرُّطَبَ بالتَّمْرِ. ولَا يَمْنَعُ زِيَادَة أخْذِ النّارِ من أحَدِهما أكثَرَ من الآخَرِ إذا لم يَكْثرْ؛ لأنَّ ذلك يَسِيرٌ، ولا يُمكِن التَّحَرُّز منه، أشْبَهَ بَيعَ الحَدِيثَةِ بالعَتِيقَةِ، وما فيه من المِلْحِ والماءِ غير مَقْصودٍ، ويُرَادُ لمَصْلَحَتِه، فهو كالمِلْحِ في الشَّيرَجِ. فإنْ يَبِسَ الخُبْزُ ودُقَّ وصارَ فَتِيتًا، بِيعَ بمِثْلِه كَيلًا؛ لأَنَّه أمْكَنَ كَيلُه، فَردَّ إلى أصْلِه. وقال ابنُ عَقِيلٍ: فيه وَجْهٌ أنّه يُباعُ بالوَزْنِ؛ لأنَّه انْتَقَلَ إليه. فصل: فأمّا ما فيه غيره من فرُوعِ الحِنْطَةِ ممّا هو مَقْصُودٌ، كالهَرِيسَةِ، والخَزِيرَةِ (١)، والفالُوذَجِ، وخبْزِ الأبازِيرِ، والخُشْكَنَانَجِ (٢)، والسَّنْبُوسَكِ (٣)، ونحوه، فلا يَجُوزُ بَيعُ بَعْضِه بِبَعْضٍ، ولا بَيعُ نَوعٍ بنَوْعٍ آخرَ؛ لأنَّ كُل واحِدٍ منهما يَشْتَمِلُ على ما ليس من جِنْسِه، وهو مَقْصُود، كاللَّحْمِ في الهَرِيسَةِ، والعَسَلِ في الفَالُوذَجِ، والماءِ والدُّهْنِ في الخَزِيرَةِ، ويكْثُرُ التَّفَاوتُ في ذلك، نلا يَتَحَقَّق التَّماثُلُ فيه. وحُكْمُ سائِرِ الحُبُوبِ حُكْمُ الحِنْطَةِ فيما ذَكَرْنا.

стр. 5602

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ويَجُوزُ بَيعُ الحِنْطَةِ والمَصْنُوعِ منها، بغيرِها من الحبُوبِ والمَصْنُوعِ منها؛ لعَدَمِ اشْتِراطِ المُماثَلَةِ بَينَهُما. فصل: ويَجُوزُ بَيعُ العَصِيرِ بجِنْسِه، مُتَماثِلًا ومُتَفَاضِلًا بغيرِ جِنْسِه وكيف شاءَ؛ لأنَّهُما جِنْسَانِ، ويُعْتَبَرُ التَّسَاوي فيهما بالكَيلِ؛ لأنَّه يُقَدَّرُ به ويُباعُ به عادَةً. وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ. وسَواءٌ كانَا مَطْبُوخَينِ أو نِيئَينِ. وقال أصْحابُ الشّافِعِيِّ: لا يَجُوزُ بَيعُ المَطْبُوخِ بجِنْسِه؛ لأنَّ النّارَ تَعْقِدُ أجْزَاءَهما، فيَخْتَلِفُ، ويُؤَدِّي إلى التَّفَاضُلِ. ولَنا، أنّهُما مُتَسَاويَانِ في الحالِ على وَجْهٍ لا يَنْفَرِدُ أحَدُهما بالنَّقْصِ (١)، فأَشْبَهَ النِّئَ بالنِّئِ. فأَمّا بَيعُ النِّئِ بالمَطْبُوخِ من جِنْس واحِدٍ، فلا يَجُوزُ؛ لأنَّ أحَدَهُما يَنْفَرِدُ بالنَّقْصِ في ثانِي الحالِ، أشْبَهَ الرُّطَبَ بالتَّمْرِ، وقد ذَكَرْناه. وإنْ باعَ عَصِيرَ شيءٍ من ذلك بِثُفْلِهِ (٢)، فإنْ كان فيه بَقِيَّةٌ من المُسْتَخْرَجِ منه، لم يَجُز بَيعُه به، فلا يَجُوزُ بَيعُ الشَّيرَجِ بالكُسْبِ، ولا الزَّيتِ بِثُفْلِه الذي فيه بَقِيَّةٌ من الزَّيتِ، إلَّا على قَوْلِنا بجَوَازِ مُدِّ عَجْوَةٍ.

стр. 5603

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وإنْ لم يَبْقَ فيه شيءٌ من عَصِيرِه، جازَ بَيعُه به مُتَفَاضِلًا ومُتَمَاثِلًا؛ لأنَّهُما جِنْسَانِ. فصل: ويَجُوزُ بَيعُ الرُّطَبِ بالرُّطَبِ، والعِنَبِ بالعِنَبِ، ونحوه من الرُّطَبِ بمِثْلِه، في قَوْلِ الأَكْثَرِينَ. ومَنَعَ منه الشّافِعِيُّ فيما يَيبَسُ. فأمّا ما لا يَيبَسُ، كالقِثَّاءِ والخِيارِ ونحوه، فعلى قَوْلَينِ؛ لأنَّه لا يُعْلَمُ تَساويهما حالةَ الادِّخارِ، فأشْبَهَ الرُّطَبَ بالتَّمْرِ. وذهَبَ أبو حَفْصٍ العُكْبَرِيُّ إلى هذا، وقال: ويَحْتَمِلُه كلامُ الخِرَقِيِّ؛ لقَوْلِه في اللَّحْمِ: لا يَجُوزُ بَيعُ بَعْضِه بِبَعْض رَطْبًا. قال شَيخُنا (١): ومَفْهُومُ كلامِ الخِرَقِيِّ إباحَتُه ههُنا؛ لأنّه قال: ولا يُباعُ شيءٌ من الرَّطْبِ بِيابِس من جِنْسِه. مَفْهُومُه جَوازُ الرُّطَبِ بالرُّطَبِ. ولَنا، أنَّ نَهْيَهُ ﵇ عن بيعِ التَّمْرِ بالتَّمْرِ، يَدُلُّ بمَفْهُومِه على إباحَةِ بَيعِ كُلِّ واحِدٍ منهما بمِثْلِه. ولأنَّهُما تَسَاوَيَا في الحالِ على وَجْهٍ لا يَنْفَرِدُ أحَدُهما بالنُّقْصَانِ، فجازَ، كبَيعِ اللَّبَنِ باللَّبَنِ، والتَّمْرِ بالتَّمْرِ، ولأنَّ قولَه تَعالى: (وَأحلَّ الله الْبَيعَ) (٢). عامٌّ خرَجَ منه المَنْصُوصُ عليه، وهو بَيعُ التَّمْرِ بالتَّمْرِ، وليس هذا في مَعْناهُ فبَقِيَ على العُمُومِ، وقِياسُهم لا يَصِحُّ، فإنَّ التَّفَاوُتَ كَثِيرٌ، ويَنْفَرِدُ أحَدُهما

стр. 5604

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بالنُّقْصَانِ، بخِلافِ مَسْألتِنا. ولا بَأْسَ بِبَيعِ الحَدِيثِ بالعَتِيقِ؛ لأنَّ التَّفَاوُتَ فيه يَسِيرٌ ولا يُمْكِنُ ضَبْطُه، فَعُفِيَ عنه. فصل: ويَجُوزُ بَيعُ القُطَارَةِ والدِّبْس والخَلِّ، كلُّ نوْعٍ بَعْضُه بِبَعْضٍ مُتَسَاويًا. قال أحمدُ في رِوايَةِ مُهَنّا في خَلِّ الدَّقَلِ: يَجُوزُ بَيعُ بعْضِه ببَعْضٍ مُتَسَاويًا؛ لأنَّ الماءَ في كُلِّ واحِدٍ منهما غيرُ مَقْصُودٍ، وهو من مَصْلَحَتِه، فلم يَمْنَعْ جوازَ البَيعِ، كالخُبْزِ بالخُبْزِ، والتَّمْرِ بالتَّمْرِ، في كُلِّ واحِدٍ منهما نَواهُ. ولا يُباعُ نوعٌ بآخَرَ، لأنَّ في كُلِّ واحِدٍ منهما من غيرِ جِنْسِه يَقِلّ ويَكْثُرُ، فيُفْضِي إلى التَّفاضُلِ. والعِنَبُ كالتَّمْرِ، إلَّا أنّه لا يُباعُ خَلّ العِنَبِ بخَلِّ الزَّبِيبِ؛ لانْفِرادِ أحَدِهما بما ليس من جِنْسِه. ويَجُوزُ بَيعُ خَلِّ الزَّبِيبِ بعضِهِ بِبَعْض، كخَلِّ العِنَبِ، وخَلِّ التَّمْرِ. فصل: ويَجُوزُ بَيعُ اللَّحْمِ باللَّحْمِ رَطْبًا. نَصَّ عليه. وقال الخِرَقِيُّ: لا يَجُوزُ بَيعُ بَعْضِه ببَعْضٍ إلَّا إذا تَناهَى جَفافُه. وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ. واخْتَارَه أبو حَفْصٍ العُكْبَرِيُّ في «شَرْحِه». قال القاضِي: والمذْهَبُ جَوازُ بَيعِه. ونَصُّ أحمدَ على جَوازِ بَيعِ الرُّطَبِ بالرُّطَبِ، تَنْبِيهٌ على إباحَةِ بَيعِ اللَّحْمِ باللَّحْمِ، من حيث كان اللَّحْمُ حالُ كمالِه ومُعْظَمُ نَفْعِه في حالِ رُطُوبَتِه دونَ حالِ يُبْسِه، فجَرَى مَجْرَى اللَّبَنِ، بخِلافِ الرُّطَبِ؛ فإنّ

стр. 5605

وَلَا يَجُوزُ بَيعُ الْمُحَاقَلَةِ؛ وَهُوَ بَيعُ الْحَبِّ فِي سُنْبُلِهِ بِجِنْسِهِ. وَفِي بَيعِهِ بِغَيرِ جِنْسِهِ وَجْهَانِ. ــ حال كمالِه ومُعْظَمَ نَفْعِه في حالِ يُبْسِه، فإذا جازَ فيه البَيعُ، ففي اللَّحْمِ أوْلَى. فأمّا بَيعُ رَطْبِه بيابِسِه، ونِيئِه بمَطْبُوخِه، فلا يَجُوزُ، لانْفِرادِ أحَدِهما بالنَّقْصِ ثانِي الحالِ، فلم يَجُزْ، كالرُّطَبِ بالتَّمْرِ. قال القاضِي: ولا يَجُوزُ بَيعُ بَعْضِه بِبَعْضٍ إلَّا مَنْزُوعَ العِظَامِ، كما لا يَجُوزُ بَيعُ العَسَلِ بمِثْلِه إلَّا بعدَ التَّصْفِيَةِ. وهذا أحَدُ الوَجْهَينِ لأصْحَابِ الشافِعِيِّ. وكلامُ أحمدَ، ﵀، يَقْتَضِي الإِباحَةَ مُطْلَقًا، فإنَّه قال في رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: إذا صارَ إلى الوَزْنِ رَطْلًا برَطْل، مِثْلًا بمِثْلٍ. فأطْلَقَ ولم يَشْتَرِطْ شَيئًا. ولأنَّ العَظْمَ تاجٌ للَّحْمِ بأَصْلِ الخِلْقَةِ، فأشْبَهَ النَّوَى في التَّمْرِ. وفارَقَ العَسَلَ في أنَّ اخْتِلاطَ الشَّمْعِ به من فِعْل النَّحْلِ، لا من أصْلِ الخِلْقَةِ. ١٦٨٦ - مسألة: (ولا يَجُوزُ بَيعُ المُحاقَلَةِ؛ وهو بَيعُ الحَبِّ في سُنْبُلِه بجِنْسِه. وفي بَيعِه بغَيرِ جِنْسِه وَجْهانِ) وذلك لِما رَوَى
следующие страницы →