. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إذا قال: إلى رَأْسِ السَّنَةِ. ولَنا، قولُ ابنِ عَبّاس: لا تَتَبَايَعُوا إلى الحَصادِ والدِّيَاسِ، ولا تَتَبَايَعُوا إلَّا إلى شَهْرٍ مَعْلُومٍ (١). ولأنَّ ذلك يَخْتَلِفُ ويَقْرُبُ ويَبْعُدُ، فلا يَجُوزُ أنْ يكونَ أجَلًا، كقُدُومِ زَيدٍ. فإنْ قيل: فقد رُوِيَ عن عائِشَةَ أنّها قالت: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ إلى يَهُوديٍّ: «أنَّ ابْعَثْ إلَيَّ بثَوْبَينِ إلى المَيسَرَةِ» (٢). قُلْنا: قال ابنُ المُنْذِرِ: رَوَاهُ حَرَمِيُّ بنُ عُمَارَةَ. وقال أحمدُ: فيه غَفْلَةٌ، وهو صَدُوقٌ. قال ابنُ المُنْذِرِ: فأَخَاف أنْ يكُونَ من غَفَلَاته، إذْ لم يُتَابَعْ عليه. ثمّ إنَّه لا خِلَافَ في أنَّه لو جَعَلَ الأجَلَ إلى المَيسَرَةِ لم يَصِحَّ، وإنْ جَعَلَ الخِيَارَ إليه فهو في مَعْنَى الأَجَلِ.
стр. 5812
وَإذَا جَاءَهُ بِالسَّلَمِ قَبْلَ مَحِلِّهِ، وَلَا ضَرَرَ فِي قَبْضِهِ، لَزِمَهُ قَبْضُهُ، وَإلَّا فَلَا.
ــ
١٧٣٨ - مسألة: (وإذَا جاءَهُ بالسَّلَمِ قَبْلَ مَحِلِّه، ولا ضَرَرَ في قَبْضِه، لَزِمَهُ قَبْضُه، وإلَّا فَلَا) عَبَّرَ بالسَّلَمِ عن المُسْلَمِ فيه، كما يُعَبَّرُ بالسَّرِقَةِ عن المَسْرُوقِ، وبالرَّهْنِ عن المَرْهُونِ. [إذا أحْضَرَ] (١) المُسْلَمَ فيه على الصِّفَةِ المَشْرُوطَةِ، لم يَخْلُ من أَحْوالٍ ثَلَاثةٍ؛ أحدُها، أنْ يُحْضِرَه في مَحِلِّه، فَيَلْزَمُ قَبُولُه؛ كالمَبِيعِ (٢) المُعَيَّنِ، سَواءٌ تَضَرَّرَ بقَبْضِه أَوْ لَا؛ لأنَّ عَلَى المُسْلَمِ إليه ضَرَرًا في بقائِه في يَدِه. فإنِ امْتَنَعَ، قِيلَ له: إمَّا أنْ تَقْبِضَ حَقَّكَ، أو تُبْرِئَ منه. [فإن أبى، قَبَضَه الحَاكمُ له، وبَرِئَت ذِمَّةُ المُسْلَمِ إليه منه] (٣)، لأنَّ قَبْضَ الحاكِمِ قامَ مَقامَ قَبْضِ المُمْتَنِعِ،
стр. 5813
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بولَايِته، إلَّا أنّه ليس له الإِبرَاءُ. الحالُ الثانِي، أنْ يُحْضِرَهَ بعدَ مَحِلِّ الوُجُوبِ، فهو كما لو أحْضَرَ المَبِيعَ بعدَ تَفَرُّقِهِما. الحالُ الثالِثُ، أنْ يُحْضِرَهُ قبلَ مَحِلِّه، فيُنْظَرُ؛ فإن كان في قَبْضِه قبلَ المَحِلِّ ضَرَرٌ، إمّا لكَوْنِه ممَّا يَتَغَيَّرُ، كالفاكِهَةِ والأطْعِمَةِ كُلِّها، أو كان قَدِيمُه دُونَ حَدِيِثه، كالحُبُوبِ ونحو هذا، لم يَلْزَمِ المُسْلِمَ قَبُولُه؛ لأنَّ له غَرَضًا في تَأْخِيرِه، بأَن يَحْتَاج إلى أَكْلِه أو إِطْعَامِهِ (١) في ذلك الوَقْتِ، وكذلك الحَيَوانُ؛ لأنَّه لا يأُمَنُ تَلَفَه، ويَحْتَاجُ إلى المُؤْنَةِ. وهكذا إن كان مما (٢) يُحْتَاجُ في حِفْظِه إلى مُؤْنَةٍ، كالقُطْنِ ونحوه، أو كان الوَقْتُ مَخُوفًا يَخْشَى على ما يَقْبِضُه، فلا يَلْزَمُه الأَخْذُ في هذه الأَحْوالِ؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا في قَبْضِه، ولم يأْتِ مَحِلُّ اسْتِحْقَاقِه له، ففو كنَقْصِ صِفَةٍ فيه. وإنْ كان ممّا لا ضَرَرَ في قَبْضِه، ولا يَتَغَيَّرُ؛ كالحَدِيدِ، والرَّصَاصِ، والنُّحَاسِ؛ فإنّه يَسْتَوي فيه (٣) قَدِيمُه وحَدِيثُه، ونحوُ ذلك الزَّيتُ والعَسَلُ، ولم يَكُنْ
стр. 5814
فَصْلٌ: الْخَامِسُ، أَنْ يَكُونَ الْمُسْلَمُ فِيهِ عَامَّ الْوُجُودِ فِي مَحِلِّهِ،
ــ
في قَبْضِه ضَرَرُ الخَوْفِ، ولا تحَمُّلُ مُؤْنَةٍ، فَعَلَيه قَبْضُه؛ لحُصُولِ غَرَضِه مع زِيادَةِ تَعْجِيلِ المَنْفَعَةِ، فَجَرى مَجْرَى زِيادَةِ الصِّفَةِ، وزِيَادَةِ الجَوْدَةِ في المُسْلَمَ فيه.
فصل: وليس له إلّا أقَلُّ ما تَقَعُ عليه الصِّفَةُ؛ لأنَّه قد سَلَّمَ إليه ما تَنَاوَلَه العَقْدُ، فبَرِئَتْ ذِمَّتُه منه. وعليه أنْ يُسْلِمَ الحُبُوبَ نَقِيَّةً، فإن كان فيها تُرابٌ يَأْخُذُ مَوْضِعًا من المِكْيَالِ، لم يَجُزْ. وإنْ كان يَسيرًا لا يُوثِّرُ في الكَيلِ ولا يَعِيبُ، لَزِمَهُ أخْذُه. ولا يَلْزَمُه أخْذُ التَّمْرِ إلَّا جَافًّا. ولا يَلْزَمُ أنْ يَتَنَاهَى جَفَافُه؛ لأنَّه يَقَعُ عليه الاسْمُ. ولا يَلْزَمُه أنْ يَقْبَلَ مَعِيبًا بحالٍ، وإن قَبَضَه، فوَجَدَه مَعِيبًا، فله المُطَالبَةُ بالبَدَلِ، كالمَبِيعِ، واللهُ أعْلَمُ.
فصل: الشَّرْطُ (الخامِسُ، أنْ يكونَ المُسْلَمُ فيه عامَّ الوُجُودِ في
стр. 5815
فَإِنْ كَانَ لَا يُوجَدُ فِيهِ، أَوْ لَا يُوجَدُ إلا نَادِرًا، كَالسَّلَمِ فِي الْعِنَبِ وَالرُّطَبِ إِلَى غَيرِ وقْتِهِ، لَمْ يَصِحَّ. وَإنْ أَسْلَمَ فِي ثمَرَةِ بُسْتَانٍ بِعَينِهِ، أَوْ قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ، لَمْ يَصِحَّ.
ــ
مَحِلِّهِ) لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه إذا كان ظاهرًا (١) أمْكَنَ تَسْلِيمُه عندَ وجُوبِ التَّسْلِيمِ. وإذا لم يَكُنْ عَامَّ الوُجُودِ، لم يَكُنْ مَوْجُودًا عندَ المَحِلِّ كذلك (٢)، فلا يُمْكِنُ تَسْلِيمُه، فلم يَصِحَّ، كبَيعِ الآبِقِ، بل أوْلَى، فإنَّ السَّلَمَ احْتَمَلَ فيه أنْواعٌ من الغَرَرِ للحَاجَةِ، فلا يَحْتَمَلُ فيه غرَرٌ آخَرُ؛ لئَلَّا يَكْثُرَ الغَرَرُ (فإن كان لا يُوجَدُ فيه، أوْ لا يُوجَدُ إلَّا نادِرًا، كالسَّلَمِ في العِنَبِ والرُّطَبِ) إلى شُبَاط، أو آذار، أو أسْلَمَ إلى مَحِلٍّ لا يَعُمُّ وجُودُه فيه، كزَمَانِ أوَّلِ العِنَبِ أو آخِرِه الذي لا يُوجَدُ فيه إلا نادِرًا (لم يَصِحَّ) لأنَّه لا يُؤْمَنُ انْقِطَاعُه، فلا يَغْلِبُ على الظَّنِّ القُدْرَةُ على تَسْلِيمِه عند وجُوبِ التَّسْلِيمِ.
١٧٣٩ - مسألة: (وإنْ أسْلَمَ في ثَمَرَةِ بُسْتَانٍ بعَينِه، أو قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ، لم يَصِحَّ) لأنَّه لا يُؤْمَنُ تَلَفُه وانْقِطاعُه. قال ابنُ المُنْذِرِ: إبْطالُ
стр. 5816
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
السَّلَمِ إذا أسْلَمَ في ثَمَرَةِ بُسْتَانٍ بعَينِه كالإجْماعِ من أهْلِ العِلْمِ؛ منهم الثَّوْرِيُّ، ومالِكٌ، والشّافِعِيُّ، والأوْزَاعِيُّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْي. قال: وَرَوَينَا عن النَّبِيِّ ﷺ أنّه أسْلَفَ إليه رَجُلٌ من اليَهُودِ دَنانِيرَ في تَمْرٍ مُسَمًّى، فقال اليَهُودِيُّ: من تَمْرِ حائِطِ بَنِي فُلانٍ. فقال النَّبِيُّ ﷺ : «أمّا مِن حائِطِ بَنِي فُلانٍ فَلَا، ولكنْ كَيلٌ مُسَمًّى إلى أجَلٍ مُسَمًّى». رَواهُ ابنُ ماجَه (١) وغيرُه. ورَواهُ الجُوزْجَانِيُّ في «المُتَرْجَمِ»، وقال: أجْمَعَ النَّاسُ على الكَرَاهَةِ لهذا البَيعِ. ولأنَّه لا يُؤْمَنُ انْقِطَاعُه وتَلَفُه، أشْبَهَ ما لو أسْلَمَ في شيءٍ قَدَّرَهُ بمِكْيَالٍ مُعَيَّنٍ، أو صَنْجَةٍ مُعَيَّنَةٍ، أو أحْضَرَ خِرْقَةً وأسْلَمَ في مِثْلِها.
فصل: ولا يُشْتَرَطُ وجودُ المُسْلَمِ فيه حال العَقْدِ، بل يَجُوزُ أنْ يُسلِمَ في الرُّطَبِ في أوَانِ الشِّتَاءِ، وفي كُلِّ مَعْدُومٍ إذا كان مَوْجُودًا عند المَحِلِّ.
стр. 5817
وَإنْ أَسْلَمَ إِلَى مَحِلِّ يُوجَدُ فِيهِ عَامًّا، فَانْقَطَعَ، خُيِّرَ بَينَ الصَّبْرِ وَبَينَ
ــ
وهو قَوْلُ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ. وقال الثَّوْرِيُّ، والأوْزَاعِيُّ، وأصْحابُ الرَّأْي: يُشْتَرَط أنْ يكونَ جِنْسُه مَوْجُودًا حال العَقْدِ إلى حالِ المَحِلِّ؛ لأَنَّ كُلَّ زَمَانٍ يَجُوز أنْ يكونَ مَحِلًّا للمُسْلَم فيه لمَوْتِ المُسْلَمِ إليه، فاعْتُبِرَ وُجُودُه فيه، كالمَحِلِّ. ولَنا، أنَّ النبيَّ ﷺ قَدِمَ المَدِينَةَ وهم يُسْلِفُونَ في الثِّمارِ [السَّنةَ والسَّنَتَين] (١)، فقال: «مَنْ أَسْلَفَ فَلْيُسْلِفْ في كَيلٍ مَعْلُومٍ، ووَزْنٍ مَعْلُومٍ، إلى أجَلٍ معْلُومٍ» (٢). ولم يَذْكُرِ الوُجُودَ، ولو كان شَرْطًا لذَكَرَه، ولَنَهاهُم عن السَّلَفِ سَنَتَينِ (٣)؛ لأَنَّه يَلْزَمُ منه انْقِطاعُ المُسْلَمِ فيه أوْسَطَ السَّنَةِ، ولأنَّه (٤) يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ، ويُوجَدُ في مَحِلِّه غالِبًا، أشْبَه المَوْجُودَ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ الدَّينَ يَحِلُّ بالمَوْتِ، وإنْ سَلَّمْنا، فلا يَلْزَمُ أنْ يشْتَرِطَ ذلك الوُجُودَ، إذْ لو لَزِمَ أفْضَى إلى أنْ تكُونَ آجالُ السَّلَمِ مَجْهُولَةً، والمَحِلُّ ما جَعَلَة المُتَعاقِدَانِ مَحِلًّا، وههنا لم يَجْعَلَاهُ.
١٧٤٠ - مسألة: (وإنْ أَسْلَمَ إلى مَحِلٍّ يُوجَدُ فيه عَامًّا، فانْقَطَعَ ،
стр. 5818
الْفَسْخِ وَالرُّجُوعِ بِرأَسِ مَالِهِ، أَو عِوَضِهِ إِنْ كَانَ مَعْدُومًا، فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ. وَفِي الْآخَرِ، يَنْفسِخُ بِنَفْسِ التَّعَذُّرِ.
ــ
خُيِّرَ بينَ الصَّبْرِ وبينَ الفَسْخِ والرُّجُوعِ برَأْسِ مالِه، أو عِوَضِه إنْ كان مَعْدُومًا، في أحَدِ الوَجْهَينِ. وفي الآخَرِ، يَنْفَسِخُ بنَفْسِ التَّعَذُّرِ) وجُمْلَةُ ذلك، أنّه إذا (١) تَعَذَّرَ تَسْلِيمُ المُسْلَمِ فيه عندَ مَحِلِّه، إمّا لغَيبَةِ المُسْلَمِ إليه، أو عَجْزِه عن التَّسْلِيمِ حتى عَدِمَ المُسْلَمَ فيه، أو لم تَحْمِلِ الثّمارُ تلك السنَةَ، فالمُسْلِمُ بالخِيَارِ بينَ الصَّبْرِ إلى أنْ يُوجَدَ فيُطَالِبَ به، وبينَ أن يَفْسَخَ العَقْدَ ويَرْجِعَ بالثَّمَنِ إن كان مَوْجُودًا، أو بمِثْلِه إنْ كان مِثْلِيًّا، وإلَّا قِيمَتِه. وبذلك قال الشافعيُّ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ. وفيه وَجْهٌ آخرُ، أنَّه يَنْفَسِخُ بنَفْسِ التَّعَذُّرِ، لكَوْنِ المُسْلَمِ فيه من ثَمَرَةِ العامِ،
стр. 5819
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بدَلِيلِ وجُوبِ التَّسْلِيمِ منها (١)، فإذا هَلَكَتِ انْفَسَخَ العَقْدُ به (٢)، كما لو باعَهُ قَفِيزًا من صُبْرَةٍ فهَلَكَتْ. والأَوَّلُ أصَحُّ؛ فإنَّ العَقْدَ قد صَحَّ، وإنَّما تَعَذَّرَ التَّسْلِيمُ، فهو كَمن اشْتَرَى عَبْدًا فأبَقَ قبلَ القَبْضِ. ولا يَصِحُّ دَعْوَى التَّعْيِينِ في هذا العامِ، فإنَّهُما لو تَرَاضَيَا على دَفْعِ المُسْلَمِ فيه من غيرِها، جازَ، وإنّما أُجْبِرَ على دَفْعِهِ من ثمَرَةِ العامِ؛ لتَمَكُّنِه من دَفْعِ ما هو بصِفةِ (٣) حَقِّه، ولذلك يَجِبُ عليه (٤) الدَّفْعُ من ثمَرَةِ نَفْسِه إذا قَدَرَ ولم يَجِدْ غَيرَها، وليست مُتَعَيِّنَةً. فإن تَعَذَّرَ البَعْضُ، فللمُشْتَرِي الخِيارُ بينَ الفَسْخِ في الكُلِّ والرُّجوعِ بالثَّمَنِ، وبينَ أن يَصبِرَ إلى حينِ الإمكانِ ويُطالِبَ بحَقِّه. فإن أحبَّ الفَسْخَ في المُتَعَذِّرِ وَحْدَه، فله ذلك؛ لأنَّ الفَسَادَ طَرَأ بعدَ صِحَّةِ العَقْدِ، فلم يُوجِبِ الفَسادَ في الكُلِّ، [كما لو اشترى صُبْرَتَينِ فَتَلِفَتْ إحداهما. وفيه وجهٌ آخرُ، ليس له الفَسْخُ إلَّا في الكُل] (٥) أو يَصْبِرُ، على ما نَذْكُرُه من الخِلافِ في الإقَالةِ في بَعْضِ السَّلَمِ.
стр. 5820
فَصْلٌ: السَّادِسُ، أَنْ يَقْبِضَ رأْسَ مَالِ السَّلَمِ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ.
ــ
وإنْ قُلْنا: إنَّ الفَسْخَ يَثْبُتُ بنَفْسِ التَّعَذُّرِ. انْفَسَخَ في المَفْقُودِ (١) دونَ المَوْجُودِ؛ لما ذَكَرْنا من أنَّ الفَسَادَ الطَّارِئَ على بَعْضِ المَعْقُودِ عليه لا يُوجِبُ فسادَ الجَمِيعِ، ويَثْبُتُ للمُشْتَرِي خِيَارُ الفَسْخِ في المَوْجُودِ، كما ذَكَرْنَا في الوَجْهِ الأَوَّلِ.
فصل: وإذا أسْلَمَ ذِمِّيٌّ إلى ذِمِّيٍّ في خَمْرٍ، ثم أسْلَمَ أحَدُهما. فقال ابنُ المُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ من نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ، أنَّ المُسْلِمَ يَأْخُذُ دَراهِمَه؛ لأنَّه إنْ كان المُسْلِمُ المُسَلِّمَ فليس له اسْتِيفاءُ الخَمْرِ، فقد تَعَذَّرَ اسْتِيفاءُ المَعْقُودِ عليه، وإن كان الآخَرُ فقد تَعَذَّرَ عليه الإيفَاءُ، فصارَ الأمْرُ إلى رَأْسَ مَالِه.
فصل: الشّرْطُ (السّادِسُ، أنْ يَقْبِضَ رَأْسَ مالِ السَّلَمِ في مَجْلِسِ
стр. 5821
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
العَقْدِ) فإنْ تَفَرَّقَا قبلَ ذلك، بَطَلَ العَقْدُ (١). وبذلك قال أبوٍ حَنِيفَةَ، والشافعيُّ. وقال مالِكٌ: يَجُوزُ أنْ يَتَأَخَّرَ قَبْضُه يَوْمَينِ وثَلاثة وأكْثَرَ، ما لم يكُنْ ذلك شَرْطًا؛ لأَنَّه مُعَاوَضَةٌ لا تَخْرُجُ بتَأْخِيرِ قَبْضِه من أنْ تكونَ سَلَمًا، فأشْبَهَ تَأْخِيرَه إلى آخِرِ المَجْلسِ. ولَنا، أنّه عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ لا يَجُوزُ فيه شَرْطُ تَأْخِيرِ العِوَضِ المُطْلَقِ، فلا يَجُوزُ التَّفَرُّقُ فيه قبلَ القَبْضِ، كالصَّرْفِ، ولا يَصِحُّ قِياسُه على المَجْلِسِ، بدَلِيلِ الصَّرْفِ. وإنْ قَبَضَ بَعْضَه ثمَّ تَفَرَّقَا، فكَلامُ الخِرَقِيِّ يَقْتَضِي أنْ لا يَصِحَّ. وحُكِيَ ذلك عن ابنِ شُبْرُمَةَ، والثَّوْرِيِّ. وقال أبو الخَطَّابِ: هل يَصِحُّ في غيرِ (١) المَقْبُوضِ؟ على وَجْهَينِ، بِناءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. وهذا الذي يَقْتَضِيهِ مَذْهبُ الشافعيِّ. وقد نَصَّ أحمدُ في رِوَايَةِ ابنِ مَنْصُور، إذا أَسْلَمْتَ ثلاثمائةِ دِرْهَمٍ في أصْنافٍ شَتَّى؛ مائَةً في حِنْطَةٍ، ومائَة في شَعِيرٍ، ومائَةً في شيءٍ آخرَ، فخَرَجَ فيها زُيُوفٌ، رُدَّ على الأصْنافِ الثَّلَاثَةِ، على كُلِّ صِنْفٍ بقَدْرِ ما وُجِدَ من الزُّيُوفِ. فصَحَّحَ العَقْدَ في الباقِي بحِصَّتِه من الثَّمَنِ. وقال الشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ، في مَن أسْلَفَ ألْفًا إلى رَجُلٍ، فَقَبَّضَهُ نِصْفَهُ، وأحَاله بنِصْفِه، أو كان له دَينٌ على المُسْلَمِ إلَيهِ بقَدْرِ نِصْفِه،
стр. 5822
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فحَسَبَهُ عليه من الأَلْفِ، صَحَّ السَّلَمُ في النِّصْفِ المَقْبُوضِ، وبَطَلَ في الباقِي. وحُكِيَ عن أبي حَنِيفَةَ أنّه قال: يَبْطُلُ في الحَوَالةِ في الكُلِّ. وفي المسألِة (١) الأُخْرَى؛ يَبْطُلُ فيما لم يُقْبَضْ وحدَه، بناءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
فصل: وإنْ قَبَضَ الثَّمَنَ، فوَجَدَه رَدِيئًا فَردَّهُ، والثَّمَنُ مُعَيَّنٌ، بَطَلَ العَقْدُ برَدِّهِ، فإن كان الثَّمَنُ أحَدَ النَّقْدَينِ، وقُلْنا: تَتَعَيَّنُ النُّقُودُ بالتَّعْيِينِ، بَطَلَ، ويَبتَدِئانِ عَقْدًا آخَرَ إنِ اخْتَارَا (٢). وإن كان في الذِّمَّةِ، فله إبْدَالُه في المَجْلِسِ، ولا يَبْطُلُ العَقْدُ برَدِّهِ؛ لأنَّ العَقْدَ إنَّما وَقَعَ على ثَمَن سَلِيم،
стр. 5823
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإذا دَفَع إليه مَعِيبًا، كان له رَدُّه والمُطَالبَةُ بالسَّلِيمِ، ولم يُؤَثِّرْ قَبْضُ المَعِيبِ في العَقْدِ. وإن تَفَرَّقَا، ثم عَلِم (١) عَيبَه، فَرَدَّه، ففيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، يَبْطُلُ العَقْدُ برَدِّهِ؛ لوُقُوعِ القَبْضِ بعدَ التَّفَرُّقِ. والثانِي، لا يَبْطُلُ؛ لأنَّ القَبْضَ الأوَّلَ كان صَحِيحًا، بدَلِيلِ ما لو أمْسَكَه ولم يَرُدَّه، وهذا بَدَلٌ (٢) عن المَقْبُوضِ. وهذا قَوْلُ أبي يُوسُفَ، ومحمدٍ. وأحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ. واخْتِيارُ المُزَنِيِّ، لكنْ من شَرْطِهِ أنْ يَقْبِضَ البَدَلَ في مَجْلِسِ الرَّدِّ. فإن تَفَرَّقَا عن مَجْلِسِ الرَّدِّ قبلَ قَبْضِ البَدَلِ، بَطَلَ، وَجْهًا واحِدًا؛ لخُلُوِّ العَقْدِ عن قَبْضِ الثَّمَنِ بعدَ تَفَرُّقِهما. فإن وَجَدَ بعضَ الثَّمَنِ رَدِيئًا فرَدَّه، ففي المَرْدُودِ ما ذَكَرْنا من التَّفْصِيلِ. وهل يَصِحُّ في غيرِ الرَّدِئِ إذا قُلْنا بفَسادِه في الرَّدِئِ؟ على وَجْهَينِ، بناءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
стр. 5824
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإن ظَهَرَتِ الدَّرَاهِمُ مُسْتَحَقَّةً، والثَّمَنُ مُعَيَّنٌ، لم يَصِحَّ. قال أحمدُ: إذا خَرَجَتِ الدَّرَاهِمُ مَسْرُوقَةً، فليس بينهما بَيعٌ. وذلك لأنَّ الثَّمَنَ إذا كان مُعَيَّنًا (١) فقد اشْتَرَى بعَينِ [مالِ غيرِه] (٢) بغيرِ إذْنِه، وإنْ كان غيرَ مُعَيَّن، فله المُطَالبَةُ بِبَدَلِه في المَجْلِسِ. وإنْ قَبَضَه ثم تَفَرَّقَا، بَطَلَ العَقْدُ؛ لأنَّ المَقْبُوضَ لا يَصْلُحُ عِوَضًا، فقد تَفرَّقَا قبلَ أخْذِ الثَّمَنِ، إلَّا على الرِّوَايَةِ التي تَقُولُ بصِحَّةِ تصَرُّفِ الفُضُولِيِّ. أو أنَّ النُّقُودَ لا تَتَعَيَّنُ بالتَّعْيِينِ. وإن وجد بعضه مُسْتَحَقًّا، بَطَلَ العَقْدُ فيه. وفي الباقِي وَجْهانِ (٣)، بناءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
فصل: وإنْ كان له في ذِمَّةِ رَجُلٍ دِينارٌ، فجَعَلَه سَلَمًا في طَعَامٍ إلى أجَلٍ، لم يَصِحَّ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ على هذا كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ. ورُوِيَ عن ابنِ عمرَ، أنّه قال: لا [يصْلُحُ ذلك] (٤). وذلك لأنَّ المُسْلَمَ فيه دَينٌ. فإذا جَعَلَ الثمَنَ دَينًا، كان بَيعَ دَينٍ بدَينٍ،
стр. 5825
وَهَلْ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مَعْلُومَ الصِّفَةِ وَالْقَدْرِ كَالْمُسْلَمِ فِيهِ؟ عَلَى وَجْهَينَ.
ــ
ولا يَصِحُّ بالإِجْماعِ. ولو قال: أَسْلَمْتُ إليك مائةً (١) في كُرِّ طَعامٍ. وشَرَط (٢) أنْ يُعَجِّلَ له منها خَمْسِينَ، ويُؤجِّلَ خَمْسِينَ، لم يَصِحَّ العَقْدُ في الكُلِّ، قى قَوْلِ الخِرَقِيِّ. ويُخرَّجُ في صِحَّتِه في قَدْرِ المَقْبُوضِ وَجْهانِ؛ أحَدُهما، يَصِحُّ. وهو قَوْلُ أبي حَنِيفَةَ، بِناءً علي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. والثاني، لا يَصِحُّ. وبه قال الشّافِعِيُّ. وهو أصَحُّ؛ لأنَّ للمُعَجَّلِ فَضْلًا على المُؤجَّلِ، فيَقْتَضِي أنْ يكونَ في مُقَابَلَتِه أكْثَرَ ممّا في مُقابَلَةِ المُؤَخَّرِ (٣)، والزِّيادَةُ مَجْهُولَةٌ، فلا يَصِحُّ.
١٧٤١ - مسألة: (وهل يُشْتَرَطُ كَوْنُه مَعْلُومَ الصِّفَةِ والقَدْرِ كالمُسْلَمِ فيه؟ على وَجْهَينِ) اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ في مَعْرِفَةِ صِفَةِ الثَّمَنِ
стр. 5826
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المُعَيَّنِ. ولا خِلافَ في اشْتِراطِ مَعْرِفَةِ صِفَتِه إذا كان في الذِّمَّةِ؛ لأنَّه أحَدُ عِوَضَي السَّلَمِ، فإذا لم يكُنْ مُعَيَّنًا، اشْتُرِطَ مَعْرِفَةُ صِفَتِه، كالآخَرِ، إلَّا أنَّه إذا أطْلَقَ وفي البَلَدِ نَقْدٌ واحِدٌ، انْصَرَفَ إليه، وقامَ مَقامَ وَصْفِه، وإنْ كان الثَّمَنُ مُعَيَّنًا، فقال القاضِي، وأبو الخَطّابِ: يُشْتَرَطُ ذلك؛ لأنَّ أحمدَ قال: يقولُ: أسْلَمْتُ إليك كذا وكذا دِرْهَمًا. ويَصِفُ (١) الثَّمَنَ. فاعْتَبَرَ [ضَبْطَ صِفَتِه] (٢). وهذا قَوْلُ مالِكٍ، وأبي حَنِيفَةَ؛ لأنَّه عَقْدٌ لا يُمْكِنُ إتْمامُه في الحالِ، ولا تَسْلِيمُ المَعْقُودِ عليه، ولا يُؤْمَنُ انْفِسَاخُه، فوَجَبَ مَعْرِفَةُ رَأْسِ مالِ السَّلَمِ فيه، لِيَرُدَّ بدَلَه، كالقَرْضِ. ولأنَّه لا يُؤْمَنُ أنْ يَظْهَرَ بَعْضُ الثَّمَنِ مُسْتَحَقًّا، فيَنْفَسِخُ العَقْدُ في قَدْرِه، فلا يَعْلَمُ في كم بَقِيَ وكم انْفَسَخَ؟ فإن قيل: هذا مَوْهُومٌ، والمَوْهُومَاتُ لا تُعْتَبَرُ. قُلْنا: الوَهْمُ ها هنا مُعْتَبَرٌ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الجَوازِ، وإنّما جازَ إذا وَقَعَ الأمْنُ من الغررِ، ولم يُوجَدْ ها هنا، بدَلِيلِ ما إذا أسْلَمَ في ثَمَرَةِ بُسْتَانٍ بعَينِه، أو قَدَّرَ السَّلَمَ بِصَنْجَةٍ بعَينِها. وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، أنّه لا يُشْتَرَطُ؛ لأنَّه لم يَذْكُرْه في شُرُوطِ السَّلَمِ. وهو أحَدُ قَوْلَي الشّافِعِيِّ؛
стр. 5827
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لأنَّه عِوَضٌ مُشاهَدٌ، فلم يَحْتَجْ إلى مَعْرِفَةِ قَدْرِه، كبُيُوعِ الأعْيانِ. وكلامُ أحمدَ إنَّما تَناوَلَ غيرَ المُعَيَّنِ، ولا خِلافَ في اعْتِبارِ أوْصافِه. ودَلِيلُهم يَنْتَقِضُ بعَقْدِ الإِجارَةِ، فَإنَّه يَنْفَسِخُ بتَلَفِ العَينِ المُسْتَأْجَرَةِ، ولا يَحْتَاجُ مع التَّعْيِينِ إلى مَعْرِفَةِ الأوْصَافِ. ولأنَّ رَدَّ مِثلِ الثَّمَنِ إنَّما يُسْتَحَقُّ عندَ فَسْخِ العَقْدِ، لا من جِهَةِ عَقْدِه، وجَهَالةُ ذلك لا تُؤَثِّرُ، كما لو باعَ المَكِيلَ والمَوْزُونَ. ولأنَّ العَقْدَ قد تَمَّتْ شَرائِطُه، فلا يَبْطُلُ بأمْرٍ مُوهِمٍ (١). فعلى القَوْلِ الأوَّلِ، لا يَجُوزُ أنْ يَجْعَلَ رَأْسَ مالِ السَّلَمِ ما لا يُمْكِنُ ضَبْطُه بالصِّفَةِ، كالجَواهِرِ، وسائِرِ ما لا يَجُوزُ السَّلَمُ فيه، فإنْ فَعَلَا، بَطَلَ العَقْدُ، ويَرُدُّه إنْ كان مَوْجُودًا، وإلَّا يَرُدُّ قِيمَتَه، فإنِ اخْتَلَفَا في القِيمَةِ، فالقَوْلُ قَوْلُ المُسْلَمِ إليه؛ لأنَّه غارِمٌ. وكذلك إنْ حَكَمْنا بصِحَّةِ العَقْدِ ثم انْفَسَخَ. فإنِ اخْتَلَفَا في المُسْلَمِ فيه، فقال أحَدُهما: في كذا مُدْىٍ (٢) حِنْطَةٍ. وقال الآخَرُ: في كذا مُدْىٍ (٢) شَعِيرٍ. تَحالفَا، وتَفاسَخَا. وبه قال الشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي، كما لو اخْتَلَفَا في ثَمَنِ المَبِيعِ.
فصل: وكُلُّ مالَيْنِ حَرُم النَّسَاءُ فيهما، لا يجوزُ أنْ يُسَلَّمَ أحَدُهما في
стр. 5828
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الآخَرِ؛ لأنَّ السَّلَمَ من شَرْطِه النَّسَاءُ والتَّأْجِيلُ. والذي ذَكَرَه الخِرَقِيُّ في أنّه لا يَجُوزُ النَّساءُ في العُرُوضِ. وهو إحْدَى الرِّوَايَتَينِ. فعلى هذا، لا يَجُوزُ إسْلامُ بَعْضِها في بَعْضٍ. وقال ابنُ أبي مُوسَى: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَأْسُ مالِ السَّلَمِ إلَّا عَينًا، أو وَرِقًا (١). قال القاضِي: وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ. قال ابنُ المُنْذِرِ: قيلَ لأحْمَدَ: يُسْلِمُ ما يُوزُنُ فيما يُكالُ، وما يُكالُ فيما يُوزَنُ؟ فلم يُعْجِبْه. فعلى هذا، لا يَجُوزُ أنْ يكونَ المُسْلَمُ فيه ثَمَنًا. وهو قَوْلُ أبي حَنِيفَةَ؛ لأنَّها لا تَثْبُتُ في الذِّمَّةِ إلَّا ثَمَنًا، فلا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُثْمَنَةً. وعلى الرِّوَايَةِ التي تَقُولُ: يَجُوزُ النَّسَاءُ في العُرُوضِ. يَجُوزُ أنْ يكونَ رَأْسُ المالِ عَرْضًا، كالثَّمَنِ سَواءً، ويَجُوزُ إسْلامُها في الأَثْمانِ. قال الشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ: يَجُوزُ السَّلَمُ في الدَّرَاهِمِ والدَّنَانِيرِ. وهذا مَذْهَبُ مالِكٍ، والشافعيِّ؛ لأنَّها تَثْبُتُ في الذِّمَّةِ صَدَاقًا، فَتَثْبُتُ في الذِّمَّةِ سَلَمًا، كالعُرُوضِ. ولأنّه لا رِبًا بَينَهُما من حيث التَّفَاضُلُ ولا النَّسَاءُ، فصَحَّ إسْلامُ أحَدِهما في الآخَرِ، كالعَرْضِ بالعَرْضِ (٢). ولا يَصِحُّ ما قاله أبو حَنِيفةَ، فإنّه لو باعَ دَرَاهِمَ بدَنَانِيرَ، صَحَّ، ولا بُدَّ أنْ يكونَ أحَدُهما مُثْمَنًا. فعلى هذا، إذا أسْلَمَ عَرْضًا في عَرْضٍ مَوْصُوفٍ بصِفَاتِه، فجاءَهُ عندَ الحُلُولِ بذلك العَرْضِ بعَينِه، لَزِمَهُ قَبُولُه على أحَدِ
стр. 5829
وَإِنْ أَسْلَمَ ثَمَنًا وَاحِدًا فِي جِنْسَينِ، لَمْ يَجُزْ حَتَّى يُبَيِّنَ ثَمَنَ كُلِّ جِنْسٍ.
ــ
الوَجْهَينِ؛ لأنَّه أتاهُ بالمُسْلَمِ فيه على صِفَتِه، فلَزِمَه قَبُولُه، كما لو كان غيرَه. والثانِي، لا يَلْزَمُه؛ لأنَّه يُفْضِي إلى كَوْنِ الثَّمَنِ هو المُثْمَنَ. ومن نَصَرَ الأوَّلَ، قال: هذا لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الثَّمَنَ إنّما هو في الذِّمَّةِ، وهذا عِوَضٌ عنه. وهكذا لو أسْلَمَ جارِيَة صَغِيرَةً في كَبِيرَةٍ، فجاءَ المَحِلُّ، وهي على صِفَةِ المُسْلَمِ فيه، فأَحْضَرَها، خُرِّجَ فيها الوَجْهانِ؛ أحدُهما، لا يَجُوزُ؛ لأَنَّه يُفْضِي إلى أنْ يكونَ قد اسْتَمْتَعَ بها ورَدَّها خالِيَةً عن عُقْرٍ (١). والثاني، يَجُوزُ؛ لأنَّه أحْضَرَ المُسْلَمَ فيه على صِفَتِه. ويَبْطُلُ الأوَّلُ بما إذا وَجَدَ بها عَيبًا، فرَدَّها. [ولأصْحَابِ الشافعيِّ] (٢) في هاتَينِ، المسألتَين وَجْهانِ كهذين. فإنْ فَعَلَ ذلك حِيلَةً لِيَنْتَفِعَ بالعَينِ، أو لِيَطَأَ الجارِيَةَ ثمّ يَرُدَّها بغيرِ عِوَضٍ، لم يَجُزْ، وَجْهًا واحِدًا.
١٧٤٢ - مسألة: (وإنْ أسْلَمَ ثَمَنًا واحِدًا في جِنْسَينِ، لم يَجُزْ حتى يُبَيِّنَ ثمَنَ كُلِّ جِنْسٍ) نحوَ (٣) أنْ يُسْلِمَ دِينارًا في قَفِيزِ حِنْطَةٍ وقَفِيزٍ شَعِيرٍ،
стр. 5830
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[ولا] (١) يُبَيِّنَ ثَمَنَ الحِنْطَةِ من [الدِّينارِ فلا] (٢) يَصِحُّ ذلك. وقال مالِكٌ: يَجُوزُ. وللشافعيِّ قَوْلانِ، كالمَذْهَبَينِ؛ لأنَّ كُلَّ عَقْدٍ جازَ على جِنْسَينِ في عَقْدَينِ، جازَ عليهما في عَقْدٍ واحِدٍ، كبيُوعِ الأعْيَانِ. ولَنا، أنّ ما يُقَابِلُ كُلَّ واحِدٍ من الجنْسَينِ مَجْهُولٌ، فلم يَصِحَّ، كما لو عَقَدَ عليه مُفْرَدًا بثَمَنٍ مَجْهُولٍ. ولأنَّ فيه غَرَرًا؛ لأَنَّا لا نَأْمَنُ الفَسْخَ بتَعَذُّرِ أحَدِهما فلِم نَدْرِ بكم يَرْجِعُ؟ وهذا غَرَرٌ يُؤَثِّرُ مثلُه في السَّلَمِ. وبمثلِ هذا عَلَّلْنَا مَعْرِفَةَ صِفَةِ الثَّمَنِ. وقد ذَكَرْنا ثَمَّ وَجْهًا أنّه لا يُشْتَرَطُ. فيُخَرَّجُ ها هنا مثلُه؛ لأنَّه في مَعْناهُ. والجَوازُ ها هنا أوْلَى؛ لأَنَّ العَقْدَ ثَمَّ إذا انْفَسَخَ لا يَعْلَمُ مِقْدارَ ما يَرْجِعُ به، وههنا يَرْجِعُ بقِسْطِه من رأْسِ مالِ السَّلَمِ. ولأنَّه لو باعَ عَبْدَه وعَبْدَ غَيرِه بثَمَنٍ واحِدٍ، جازَ، في أَظْهَرِ الوَجْهَينِ، وهذا مثلُه. ولأنَّه لمَّا جازَ أنْ يُسْلِمَ في شيءٍ واحِدٍ إلى أجَلَينِ ولا يُبَيِّنُ ثمنَ كُلِّ واحِدٍ (٣) منهما، يَنْبَغِي أنْ يَجُوزَ ها هنا. قال ابنُ أبي مُوسَى: ولا يَجُوزُ أنْ يُسْلِمَ خَمْسَةَ دَنانِيرَ وخَمْسِينَ دِرْهَمًا في كُرِّ حِنْطَةٍ، إلَّا أنْ يُبَيِّنَ حِصَّةً لكلِّ (٤)
стр. 5831
فَصْلٌ: السَّابعُ، أَنْ يُسْلِمَ فِي الذِّمَّةِ. فَإِنْ أَسْلَمَ فِي عَينٍ لَمْ يَصِحَّ.
ــ
واحِدٍ منهما [من المُثْمَنِ] (١). والأَوْلَى صِحَّةُ هذا؛ لأنَّه إذا تَعَذَّرَ بعضُ المُسْلَمِ (٢) رَجَعَ بقِسْطِه منهما؛ إن (٣) تَعَذَّرَ النِّصْفُ رَجَعَ بالنِّصْفِ، وإن تَعَذَّرَ الخُمْسُ رَجَعَ بدِينارٍ وعَشْرَةِ دَراهِمَ.
فصل: (السابعُ، أنْ يُسْلِمَ في الذِّمَّةِ. فإنْ أَسْلَمَ في عَينٍ، لم يَصِحَّ) لأنَّه رُبَّما تَلِفَ قَبْلَ أوَانِ تَسْلِيمِه، فلم يَصِحَّ، كما لو شَرَطَ مِكْيالًا بعَينِه، أو صَنْجَةً بعَينِها غيرَ مَعْلُومَةٍ. ولأنَّ المُعَيَّنَ يمكِنُ بَيعُه في الحالِ، فلا حاجَةَ إلى السَّلَمِ فيه.
стр. 5832
وَلَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ مَكَانِ الإِيفَاءِ، إلا أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ الْعَقْدِ لَا يُمْكِنُ الْوَفَاءُ فِيهِ، كَالْبَرِّيَّةِ، فَيُشْتَرَطُ ذِكْرُهُ،
ــ
١٧٤٣ - مسألة: (ولا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ مَكانِ الإِيفاءِ) ذَكَرَهُ القاضِي. وحَكَاهُ ابنُ المُنْذِرٍ، عن أحمدَ، وإسْحاقَ، وطائِفَةٍ من أهْلِ الحَدِيثِ. وبه قال أبو يُوسُف، ومحمّدٌ. وهو أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ؛ لقَوْلِ النبيِّ ﷺ : «مَنْ أَسْلَمَ فَلْيُسْلِمْ في كَيلٍ مَعْلُومٍ، أو وَزْنٍ مَعْلُومٍ، إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ» (١). ولم يَذْكُرْ مكانَ الإِيفاءِ، ولو كان شَرْطًا لذَكَرَه. وفي الحَدِيثِ الذي فيه أنّ اليَهُودِيَّ أسْلَمَ إلى النبيِّ ﷺ ، فقال النبيُّ ﷺ : «أمّا مِن حَائِطِ بني فُلانٍ فَلَا، ولكن كَيلٌ مُسَمًّى، إلى أجَلٍ مُسَمًّى» (٢). ولم يَذْكُرْ مكانَ الإِيفاءِ. ولأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، أَشْبَهَ بُيُوعَ الأَعْيَانِ. وقال الثَّوْرِيُّ: يُشْتَرَطُ. وهو القَوْلُ الثانِي للشافعيِّ. وقال الأوْزَاعِيُّ: هو مَكْرُوهٌ؛ لأنَّ القَبْضَ يَجِبُ بحُلُولِه، ولا يُعْلَمُ مَوْضِعُهُ حِينَئِذٍ. وقال أبو حَنِيفَةَ، وبَعْضُ أصْحابِ الشافعيِّ: إنْ كان لحَمْلِه مُؤْنَةٌ، وجَبَ شَرْطُه، وإلَّا فلا، لأنَّه إذا كان لِحَمْلِه مُؤْنَةٌ، اخْتَلَفَ فيه الغَرَضُ، بخِلافِ ما لا مُؤْنَةَ فيه.
١٧٤٤ - مسألة: (إلَّا أنْ يكُونَ مَوْضِعُ العَقْدِ لا يُمْكِنُ الوَفاءُ فيه ،
стр. 5833
وَيَكُونَ الْوَفَاءُ فِي مَكَانِ الْعَقْدِ،
ــ
كالبَرِّيَّةِ (١)، فيُشْتَرَطُ ذِكْرُه) لأنَّه متى كانَا في بَرِّيَّةٍ، لم يمكِنِ التَّسْلِيمُ في مكانِ العَقْدِ، فإذا تُرِكَ ذِكْرُه كان مَجْهُولًا.
١٧٤٥ - مسألة: (ويَكُونُ الوَفَاءُ في مَكَانِ العَقْدِ) إذا كانا في مكانٍ يُمْكِنُ الوَفاءُ فيه، اقْتَضَى العَقْدُ التَّسْلِيمَ في مكانِه، فاكْتَفَى بذلك عن ذِكْرِه.
стр. 5834
فَإِنْ شَرَطَ الْوَفَاءَ فِيهِ، كَانَ تَأْكِيدًا، وَإِنْ شَرَطَهُ فِي غَيرِهِ، صَحَّ. وَعَنْهُ، لَا يَصِحُّ.
ــ
١٧٤٦ - مسألة: (فإنْ شَرَطَ الوَفاءَ فيه، كان تَأْكِيدًا) وهو حَسَنٌ؛ لأنَّه شَرَطَ ما يَقْتَضِيه العَقْدُ، أشْبَهَ ما لو شَرَطَ الحُلُولَ في ثَمَنِ المَبِيعِ.
١٧٤٧ - مسألة: (وإنْ شَرَطَه في غَيرِه، صَحَّ) لأنَّه بَيعٌ، فَصَحَّ شَرْطُ الإِيفاءِ في غيرِ مكانِه، كبُيُوعِ الأعْيَانِ. ولأنَّه شَرَطَ ذِكْرَ مكانِ الإِيفاءِ، فَصَحَّ، كما لو ذَكَرَه في مكانِ العَقْدِ (وعنه، لا يَصِحُّ) ذَكَرَهَا ابنُ أبي مُوسَى؛ لأنَّه شَرَطَ خِلافَ ما اقْتَضَاهُ العَقْدُ، لأنَّ العَقْدَ يَقْتَضِي الإِيفاءَ في مكانِه. وقال القاضِي، وأبو الخَطّابِ: متى ذكَرَ مكانَ الإِيفاءِ، ففيه رِوايَتَانِ، سَوَاءٌ شَرَطَه في مكانِ العَقْدِ، أوَ في غيرِه؛ لأنَّه رُبَّما تَعَذَّرَ تَسْلِيمُه في ذلك المكانِ، فأَشْبَهَ تَعْيِينَ المِكْيالِ. واخْتَارَهُ أبو بكْرٍ. ولَنا،
стр. 5835
وَلَا يَصِحُّ بَيعُ الْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَلَا هِبَتُهُ، وَلَا أَخْذُ غَيرِهِ مَكَانَهُ، وَلَا الْحَوَالةُ بِهِ (١).
ــ
أنَّ في تَعْيِينِ المَكانِ غَرَضًا ومَصْلَحَةً لهما، أشْبَهَ تَعْيِينَ الزَّمَانِ، وبهذا يَبْطُلُ ما ذَكَرُوه. ثم لا يَخْلُو؛ إمّا أنْ يكونَ مُقْتَضَى العَقْدِ التَّسْلِيمَ في مكانِه، فإذا شَرَطَه فقد شَرَطَ مُقْتَضَى العَقْدِ، أو لا يكونَ ذلك مُقْتَضَى العَقْدِ، فيَتَعَيَّنُ ذِكْرُ مكانِ الإِيفاءِ، نَفْيًا للجَهالةِ عنه، وقَطْعًا للتَّنازُعِ، فالغَرَرُ في تَرْكِه لا في ذِكْرِه. وتَعْيِينُ المِكْيَالِ يُفارِقُ هذا، فإنّه لا حاجَةَ إليه، ويَفُوتُ به عِلْمُ المِقْدارِ المُشْتَرَطِ لصِحَّةِ العَقْدِ، ويُفْضِي إلى التَّنَازُعِ، وفي مسألتِنا لا يَفُوتُ به شَرْطٌ، ويَقْطَعُ التَّنازُعَ، فالمَعْنَى المانِعُ من التَّقدِيرِ بمِكْيالٍ بعَينِه مَجْهُولٍ هو المُقْتَضِي لذِكْرِ مكانِ الإِيفاءِ، فكيفَ يَصِحُّ قِياسُهم عليه؟.
١٧٤٨ - مسألة: (ولا يَجُوزُ بَيعُ المُسْلَمِ فيه قبلَ قَبْضِه، ولا هِبَتُه، ولا أَخْذُ غَيرِه مكانَه، ولا الحَوالةُ به) لا يَجُوزُ بَيعُ المُسْلَمِ فيه
стр. 5836
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قبلَ قَبْضِه، بغَيرِ خِلافٍ عَلِمْناهُ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عن بَيعِ الطَّعامِ قبلَ قَبْضه، وعن رِبْحِ ما لم يَضْمَنْ (١). ولأنَّه مَبِيعٌ لم يَدْخُلْ في ضَمانِه، فلم يَجُزْ بَيعُه، كالطَّعام قبلَ قَبْضِه. وكذلك التَّوْلِيَةُ والشَّرِكَةُ. وبهذا قال أكثَرُ أهلِ العِلْمِ. وحُكِيَ جَوازُ الشَّرِكَةِ والتَّوْلِيَةِ عنِ مالِكٍ؛ لما رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنّه نَهَى عن بَيعِ الطَّعَامِ قبلَ قَبْضِه، وأرْخصَ في الشَّرِكَةِ والتَّوْلِيَةِ (٢). وقِياسًا على الإِقالةِ. ولَنا، أنَّها مُعَاوَضَةٌ في المُسْلَمِ فيه قبلَ القَبْضِ، فلم يَصِحَّ، كما لو كانت بلَفْظِ البَيعِ. ولأنَّهُما نَوْعَا بَيعٍ، فلا يَجُوزُ في (٣) السَّلِمِ قبلَ قَبْضِه، كالنَّوْعِ الآخَرِ. والحَدِيثُ لا نعْرِفُه، وهو حُجَّةٌ لَنَا؛ لأَنَّه نَهَى عن بَيعِ الطَّعَامِ قبل قَبْضِه، والشَّرِكَةُ والتَّوْلِيَةُ بَيعٌ، فيَدْخُلانِ في النَّهْي. ويُحْمَلُ قَوْلُه: وأَرْخَصَ في الشَّرِكَةِ والتَّوْلِيَةِ. على أنّه أرْخَصَ فيهما في الجُمْلَةِ، لا في هذا المَوْضِعِ. وأمّا
стр. 5837
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الإِقَالةُ فإنَّها فَسْخٌ، وليست بَيعًا. [ولا يَجُوزُ هِبَتُه، قِياسًا على البَيعِ] (١). وأمّا أخْذُ غَيرِه مكانَه فهو أنْ يَأْخُذَ غيرَ المُسْلَمِ فيه عِوَضًا عن المُسْلَمِ فيه. وذلك حَرامٌ، سواءٌ كان المُسْلَمُ فيه مَوْجُودًا أو مَعْدُومًا، وسواءٌ كان العِوَضُ مثلَ المُسْلَمِ فيه في القِيمَةِ، أو أقَلَّ، أو أكْثَرَ. وبه قال أبو حَنِيفَةَ، والشافعيُّ. وذَكَرَ ابنُ أبي مُوسَى رِوايَةً في مَن أسْلَمَ في بُرٍّ، فعَدِمَه عند المَحِلِّ، فرَضِيَ أنْ يَأْخُذَ شَعِيرًا مثلَه، جازَ. وذلك مَحْمُولٌ على أنّ البُرَّ والشَّعِيرَ جِنْسٌ. والصَّحِيحُ في المَذْهَبِ خِلافه. وقال مالِكٌ: يَجُوزُ أنْ يَأْخُذَ غيرَ المُسْلَمِ فيه مكانه، يَتَعَجَّلُه ولا يُؤَخِّرُه إلَّا الطَّعامَ. قال ابنُ المُنْذِرِ: وقد ثَبَتَ أنَّ ابنَ عَبّاسٍ قال: إذا أسْلَمْتَ في شيءٍ إلى أجَلٍ، فإن أخَذْتَ ما أَسْلَفْتَ فيه، وإلَّا فَخُذْ عِوَضًا أَنْقَصَ منه،
стр. 5838
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولا تَرْبَحْ مَرَّتَينِ. رَواهُ سَعِيدٌ في «سُنَنِه». ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : «مَنْ أَسْلَمَ في شَيْءٍ، فلا يَصْرِفْه إلى غَيرِه». رَواهُ أبو دَاوُدَ، وابنُ ماجَه (١). ولأنَّ أخْذَ العِوَضِ عن المُسْلَمِ فيه بَيعٌ له، فلم يَجُزْ، كبَيعِه لغَيرِه.
فصل: ولا تَجُوزُ الحَوَالةُ به؛ لأنَّها إنّما تَجُوزُ على دَينٍ مُسْتَقِرِّ، والسَّلَمُ بعَرَضِ الفَسْخِ، فليس بمُسْتَقِرٍّ. ولأنَّه نَقْلٌ للمِلْكِ في المُسْلَمِ فيه على غيرِ وَجْهِ الفَسْخِ، فلم يَجُزْ، كالبَيعِ. ومعنى الحَوالةِ به (٢)،
стр. 5839
وَيَجُوزُ بَيعُ الدَّينِ الْمُسْتَقِرِّ لِمَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ، بِشَرْطِ أَنْ يَقْبِضَ عِوَضَهُ فِي الْمَجْلِسِ، وَلَا يَجُوزُ لِغَيرِهِ.
ــ
أنْ يكونَ لرَجُلٍ سَلَمٌ، وعليه مِثْلُه من قَرْضٍ، أو سَلَمٍ آخَرَ، أو بَيعٍ، فيُحِيلُ بما عليه من الطَّعَامِ على الذي عِنْدَه السَّلَمُ، فلا يَجُوزُ، وإنْ أحال المُسْلمُ إليه المُسْلِمَ بالطَّعامِ الذي عليه، لم يَصِحَّ أيضًا؛ لأنَّه مُعاوَضَةٌ بالمُسْلَمِ فيه قبلَ قَبْضِه، فلم يَجُزْ، كالبَيعِ.
١٧٤٩ - مسألة: (ويَجُوزُ بَيعُ الدَّينِ المُسْتَقِرِّ لمَنْ هو في ذِمَّتِه، بشَرْطِ أنْ يَقْبِضَ عِوَضَه في المَجْلِسِ، ولا يَجُوزُ لغَيرِه) لحَدِيثِ ابنِ
стр. 5840
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عمرَ: كُنّا نَبِيعُ الأَبْعِرَةَ بالبَقِيعِ بالدَّنانِيرِ، ونَأْخُذُ عِوَضَها الدّرَاهِمَ، وبالدَّراهِمِ ونَأْخُذُ عِوَضَها الدَّنانِيرَ، فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فقال: «لا بَأْسَ، إذا تَفَرَّقْتُما وليس بَينَكَما شيءٌ» (١). فقد دَلَّ الحَدِيثُ على جَوازِ بَيعِ ما في الذِّمَّةِ من أحَدِ النَّقْدَينِ بالآخَرِ، وغَيرُه مُقاسٌ عليه، ودَلَّ على اشْتِراطِ القَبْضِ في المَجْلِسِ قَوْلُه: «إذا تَفَرَّقْتُما وليس بَينَكُما شيءٌ». وفي ذلك اخْتِلافٌ ذَكَرْناه في الصَّرْفِ. وفيه رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّه لا يَصِحُّ بَيعُه لمَنْ هو في ذِمَّتِه، كما لا يَصِحُّ في السَّلَمِ. والأَوَّلُ أوْلَى. فإنِ اشْتَرَاهُ منه بمَوْصُوفٍ في الذِّمَّةِ من غَيرِ جِنْسِه، جازَ، ولا يَتَفَرَّقَا قَبْلَ القَبْضِ؛ لأنَّه يكونُ (٢) بيعَ دَينٍ بدَينٍ، وإنْ أَعْطَاهُ مُعَيَّنًا بما يُشْتَرَطُ فيه التَّقَابُضُ، مثلَ أنْ أعْطاه عِوَضَ الحِنْطَةِ شَعِيرًا، جازَ، ولم يَجُزِ التَّفَرُّقُ قبلَ القَبْضِ، وإنْ أَعْطَاهُ مُعَيَّنًا لا يُشْتَرَطُ فيه التَّقَابُضُ، جازَ التَّفَرُّقُ قبلَ
стр. 5841
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
القَبْضِ، كما لو قال: بِعْتُكَ هذا الشَّعِيرَ بمائَةِ دِرْهَمٍ في ذِمَّتِك. ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَجُوزَ؛ لأنَّ المَبِيعَ في الذِّمَّةِ، فلم يَجُزِ التَّفَرُّقُ قبلَ القَبْضِ، كالسَّلَمِ.
стр. 5842
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن باعَ الدَّينَ لغَيرِ مَنْ هو في ذِمَّتِه، لم يَصِحَّ. وبه قال أبو حَنِيفَةَ، والثَّوْرِيُّ، وإسحاقُ. قال أحمدُ: إذا كان لَكَ على رَجُلٍ طَعامٌ قَرْضًا، فبِعْه مِن الذي هو عليه بنَقْدٍ، ولا تَبِعْهُ من غيرِه بنَقْدٍ ولا نسِيئَةٍ، وإذا أَقْرَضْتَ رَجُلًا دَراهِمَ أو دَنانِيرَ، فلا تَأْخُذْ من غَيرِه عِوَضًا بما لَكَ عليه. وقال الشافعيُّ: إن كانَ الدَّينُ على مُعْسِرٍ أو مُماطِلٍ لم يَصِحَّ البَيعُ؛ لأنَّه مَعْجُوزٌ عن تَسْلِيمِه، وإنْ كان على مَلئٍ باذِلٍ له، ففيه قَوْلانِ؛ أحَدُهما، يَصِحُّ؛ لأنَّه ابْتَاعَ بمالٍ ثابِتٍ في الذِّمَّةِ، فصَحَّ، كما لو اشْتَرَى في ذِمَّتِه، ويُشْتَرَطُ أنْ يَشْتَرِيَ بعَينٍ، أو يَتَقَابَضَا في المَجْلِسِ؛ لئَلَّا يكونَ بَيعَ دَينٍ بدَينٍ. ولَنا، أنَّه غيرُ قادِرٍ على تَسْلِيمِه، فلم يَصِحَّ، كبَيعِ الآبِقِ، والطَّيرِ في الهَواءِ.
стр. 5843
وَتَجُوزُ الْإِقَالةُ فِي السَّلَمِ، وَتَجُوزُ فِي بَعْضِهِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ، إِذَا قَبَضَ رَأْسَ مَالِ السَّلَمِ أَوْ عِوَضَهُ فِي مَجْلِسِ الْإِقَالةِ.
ــ
١٧٥٠ - مسألة: (وتَجُوزُ الإِقالةُ في السَّلَمِ، وتَجُوزُ في بَعْضِه في [إحْدَى الرِّوايَتَين] (١)، إذَا قَبَضَ رَأْسِ مالِ السَّلَمِ أو عِوَضَه في مَجْلِسِ الإِقَالةِ) الإِقَالةُ في السَّلَمِ جائِزَةٌ؛ لأَنَّها فَسْخٌ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عنه منِ أَهْلِ العِلْمِ على أنَّ الإِقالةَ في جَمِيعِ ما أسْلَمَ فيه جائِزَةٌ. ولأنَّ الإِقالةَ فسْخٌ للعَقْدِ، ورَفْعٌ من أصْلِه، وليست بَيعًا. قال القاضِي: ولو قال: لي عِنْدَكَ هذا الطَّعَامُ، صَالِحْنِي على ثَمَنِه. جازَ؛ لأنَّه أقاله. فأمّا الإِقَالةُ في بَعْضِ السَّلَمِ، فاختَلفتِ الرِّوَايَةُ فيها، فرُوِيَ
стр. 5844
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عنه أنَّها لا تَجُوزُ. وقد رُويَتْ كَرَاهَتُها عن ابنِ عمرَ، وسَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والحَسَنِ، وابنِ سِيرِينَ، والنَّخَعِيِّ، وسَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ، ورَبِيعَةَ، وابنِ أبي لَيلَى، وإسحاقَ. ورَوَى حَنْبَلٌ عن أحْمَدَ، أنَّه قال: لا بَأْسَ بها. رُوِيَ ذلك عن ابنِ عَبّاسٍ، وعَطاءٍ، وطَاوُسٍ، ومُحَمَّدِ بنِ عَلِيٍّ، وحُمَيدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، وعَمْرِو بنِ دِينارٍ، والحَكَمِ، والثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، وأبي حَنِيفَةَ، وأصحابِه، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّ كُلَّ مَعْرُوفٍ جازَ في الجميعِ، جازَ في البَعْضِ، كالإِبرَاءِ والإِنْظَارِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الأُولَى، أنَّ السَّلَفَ في الغالِبِ يُزادُ فيه في الثَّمَنِ من أجْلِ التَّأْجِيلِ، فإذا أقالهُ في البَعْضِ، بَقِيَ البَعْضُ بالباقِي من الثَّمَنِ،
стр. 5845
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وبِمَنْفَعَةِ (١) الجُزْءِ الذي حَصَلَتِ الإِقَالةُ فيه، فلم يَجُزْ، كما لو شَرَطَ ذلك في ابْتِداءِ العَقْدِ. ويُخَرَّجُ عليه (٢) الإِبْراءُ والإِنْظَارُ؛ فإنّه لا يَتَعَلَّقُ به شيءٌ من ذلك.
فصل: إذا أقاله، رَدَّ الثَّمَنَ إنْ كان باقِيًا، وإلَّا رَدَّ مِثْلَه إنْ كان مِثْلِيًّا، أو قِيمَتَه إنْ لم يَكُنْ مِثْلِيًّا، ويُشْتَرَطُ رَدُّه في المَجْلِسِ، كما يُشْتَرَطُ في السَّلَمِ.
стр. 5846
وَإِنِ انْفَسَخَ الْعَقْدُ بِإِقَالةٍ أَوْ غَيرِهَا، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْخُذَ عَنِ الثَّمَنِ عِوَضًا مِنْ غَيرِ جِنْسِهِ.
ــ
١٧٥١ - مسألة: (وإنِ انْفَسَخَ العَقْدُ بإقَالةٍ أو غيرِها، لم يَجُزْ أنْ يَأْخُذَ عن الثَّمَنِ عِوَضًا من غيرِ جِنْسِه) متى أرادَ أنْ يُعْطِيَه عِوَضًا عن الثَّمَنِ، فقال الشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ: لا يَجُوزُ له صَرْفُ ذلك الثمَنِ في عَقْدٍ آخرَ حتى يَقْبِضَه. وبه قال أبو حَنِيفَةَ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ أسْلَفَ في شيءٍ فلا يَصْرِفْه إلى غَيرِه» (١). ولأنَّ هذا مَضْمُونٌ على المُسْلَمِ إليه بعَقْدِ السَّلَمِ، فلم يَجُزِ التَّصَرُّفُ فيه قبلَ قَبْضِه، كما لو كان في يَدِ المُشْتَرِي. ولأنَّ هذا مَضْمُونٌ على المُسْلَمِ إليه بعَقْدِ السَّلَمِ، فلم يَجُزْ أخْذُ عِوَضِه، كالمُسْلَمِ فيه وقال القاضِي أبو يَعْلَى: يَجُوزُ أخْذُ العِوَضِ عنه. وهو قَوْلُ الشافعيِّ؛ لأنَّه عِوَضٌ مُسْتَقِرٌّ في الذِّمَّةِ، فجازَ أخْذُ العِوَضِ عنه، كما لو كان قَرْضًا. ولأنَّهُ مالٌ عادَ إليه بفَسْخِ العَقْدِ، فجازَ أخْذُ العِوَضِ عنه، كالثَّمَنِ في البَيعِ (٢)، والفَرْقُ بينَ المُسْلَمِ فيه والثَّمَنِ،
стр. 5847
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أنَّ المُسْلَمَ فيه مَضْمُونِّ بالعَقْدِ، والثَّمَنَ مَضْمُونٌ بعدَ فَسْخِه، والخَبَرُ أُرِيدَ به المُسْلَمُ فيه. فإن قُلْنا بهذا، فحُكْمُه حُكْمُ ما لو كان في قَرْضٍ، أو ثَمَنًا في بُيوعِ الأعْيانِ، لا يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ سَلَمًا في شيءٍ آخرَ؛ لأنَّه بَيعُ دَينٍ بدَينٍ، ويَجُوزُ فيه ما يَجُوزُ في القَرْضِ وأثْمانِ البِيَاعَاتِ إذا فُسِخَتْ، ويَأْخُذُ أحَدَ النَّقْدَينِ عن الآخَرِ، ويَقْبِضُه في مَجْلِسِ الإِقالةِ؛ لأنَّه صَرْفٌ.
стр. 5848
وَإنْ كَانَ لِرَجُلٍ سَلَمٌ، وَعَلَيهِ سَلَمٌ مِنْ جِنْسِهِ، فَقَال لِغَرِيِمِهِ: اقْبِضْ سَلَمِي لِنَفْسِكَ. فَفَعَلَ، لَمْ يَصِحَّ قَبْضُهُ لِنَفْسِهِ، وَهَلْ يَقَعُ قَبْضُه لِلْآمِرِ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
ــ
١٧٥٢ - مسألة: (وإذا كانَ لرَجُلٍ سَلَمٌ، وعليه سَلَمٌ من جِنْسِه، فقال لغَرِيمِه: اقْبِضْ سَلَمِي لنَفْسِك. فَفَعَلَ (١)، لم يَصِحَّ قَبْضُه لنَفْسِه) لأنَّ قَبْضَه لنَفْسِه حَوالةٌ به، والحَوالةُ بالسَّلَمِ لا تَجُوزُ (وهل يَقَعُ (٢) قَبْضُه للآمِرِ؟ على رِوَايَتَينِ) إِحْداهُما، يَصِحُّ؛ لأنَّه أَذِنَ له في القَبْضِ، فأَشْبَهَ قَبْضَ وَكِيلِه، وكما لو نوَى المَأْمُورُ القَبْضَ للآمِرِ. والثانِيَة، لا يَصِحُّ؛ لأَنه لم يَجْعَلْه نائِبًا له (١) في القَبْضِ، فلم يَقَعْ له (١)، بخِلافِ الوكِيلِ، فصارَ كالقابضِ بغَيرِ إذْنٍ. فإذا قُلْنا: لا يَصِحُّ القَبْضُ. بَقِيَ على مِلْكِ المُسْلَمِ إليه. ولو قال الأوَّلُ للثانِي: احْضُرِ اكْتِيالِي منه؛
стр. 5849
وَإِنْ قَال: اقْبِضْهُ لِي، ثُمَّ اقْبِضْهُ لِنَفْسِكَ. صَحَّ.
ــ
لأُقَبِّضَه لَكَ. فَفَعَلَ، لم يَصِحَّ قَبْضُه لِلثانِي. وهل يكونُ قابِضًا لنَفْسِه؟ على وَجْهَينِ؛ أَوْلاهُما، أنَّه يَكُونُ قابِضًا لنَفْسِه؛ لأنَّ قَبْضَ المُسْلَمِ فيه قد وُجِدَ من مُسْتَحِقِّه، فَصَحَّ (١)، كما لو نَوَى القَبْضَ لنَفْسِه. فعلى هذا، إذا قَبَضَه للآخَرِ صَحَّ.
١٧٥٣ - مسألة: (وإن قال: اقْبِضْه لِي، ثمّ اقْبِضْهُ لنَفْسِكَ. صَحَّ) لأنَّه اسْتَنَابَه في قَبْضِه له، فصَحَّ، كما لو لم يَقُلْ: ثم اقْبِضْهُ لنَفْسِك. وإذا وَقَعَ القَبْضُ للآمِرِ، مَلَكَه وقَبَضَه نائِبُه (٢)، فجازَ أن يَقْبِضَه لنَفْسِه،
стр. 5850
وَإِنْ قَال: أَنَا أَقْبِضُهُ لِنَفْسِي، وَخُذْهُ بِالْكَيلِ الَّذِى تُشَاهِدُهُ. فَهَلْ يَجُوزُ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
ــ
كما لو كانَ في يَدِ غَيرِه. وكذلك إن قال الآمِرُ: احْضُرْنا حتى أكتَاله لنَفْسِى، ثمّ تَكْتَاله أنْتَ. وفَعَلا (١) صَحَّ.
١٧٥٤ - مسألة: (وإنْ قال: أنا أَقْبِضُه لنَفْسِي، وخُذْه (٢) بالكَيلِ الذي تُشَاهِدُه) جازَ في إحْدَى الرِّوَايَتَينِ؛ لأنَّه عَلِمَه وشَاهد كَيلَه. والثانِيَةُ: لا يَجُوزُ. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عن بَيعِ الطّعامِ حتى يَجْرِيَ فيه الصّاعَانِ، صاعُ البائِعِ، وصاعُ المُشْتَرِي (٣). ولم يُوجَدْ ذلك. ولأنَّه قَبَضَه بغَيرِ كَيلٍ، أشْبَهَ ما لو قَبَضَه جُزَافًا.