وَإِنِ انْفَسَخَ الْعَقْدُ بِإِقَالةٍ أَوْ غَيرِهَا، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْخُذَ عَنِ الثَّمَنِ عِوَضًا مِنْ غَيرِ جِنْسِهِ.
ــ
١٧٥١ - مسألة: (وإنِ انْفَسَخَ العَقْدُ بإقَالةٍ أو غيرِها، لم يَجُزْ أنْ يَأْخُذَ عن الثَّمَنِ عِوَضًا من غيرِ جِنْسِه) متى أرادَ أنْ يُعْطِيَه عِوَضًا عن الثَّمَنِ، فقال الشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ: لا يَجُوزُ له صَرْفُ ذلك الثمَنِ في عَقْدٍ آخرَ حتى يَقْبِضَه. وبه قال أبو حَنِيفَةَ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ أسْلَفَ في شيءٍ فلا يَصْرِفْه إلى غَيرِه» (١). ولأنَّ هذا مَضْمُونٌ على المُسْلَمِ إليه بعَقْدِ السَّلَمِ، فلم يَجُزِ التَّصَرُّفُ فيه قبلَ قَبْضِه، كما لو كان في يَدِ المُشْتَرِي. ولأنَّ هذا مَضْمُونٌ على المُسْلَمِ إليه بعَقْدِ السَّلَمِ، فلم يَجُزْ أخْذُ عِوَضِه، كالمُسْلَمِ فيه وقال القاضِي أبو يَعْلَى: يَجُوزُ أخْذُ العِوَضِ عنه. وهو قَوْلُ الشافعيِّ؛ لأنَّه عِوَضٌ مُسْتَقِرٌّ في الذِّمَّةِ، فجازَ أخْذُ العِوَضِ عنه، كما لو كان قَرْضًا. ولأنَّهُ مالٌ عادَ إليه بفَسْخِ العَقْدِ، فجازَ أخْذُ العِوَضِ عنه، كالثَّمَنِ في البَيعِ (٢)، والفَرْقُ بينَ المُسْلَمِ فيه والثَّمَنِ،
стр. 5847
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أنَّ المُسْلَمَ فيه مَضْمُونِّ بالعَقْدِ، والثَّمَنَ مَضْمُونٌ بعدَ فَسْخِه، والخَبَرُ أُرِيدَ به المُسْلَمُ فيه. فإن قُلْنا بهذا، فحُكْمُه حُكْمُ ما لو كان في قَرْضٍ، أو ثَمَنًا في بُيوعِ الأعْيانِ، لا يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ سَلَمًا في شيءٍ آخرَ؛ لأنَّه بَيعُ دَينٍ بدَينٍ، ويَجُوزُ فيه ما يَجُوزُ في القَرْضِ وأثْمانِ البِيَاعَاتِ إذا فُسِخَتْ، ويَأْخُذُ أحَدَ النَّقْدَينِ عن الآخَرِ، ويَقْبِضُه في مَجْلِسِ الإِقالةِ؛ لأنَّه صَرْفٌ.
стр. 5848
وَإنْ كَانَ لِرَجُلٍ سَلَمٌ، وَعَلَيهِ سَلَمٌ مِنْ جِنْسِهِ، فَقَال لِغَرِيِمِهِ: اقْبِضْ سَلَمِي لِنَفْسِكَ. فَفَعَلَ، لَمْ يَصِحَّ قَبْضُهُ لِنَفْسِهِ، وَهَلْ يَقَعُ قَبْضُه لِلْآمِرِ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
ــ
١٧٥٢ - مسألة: (وإذا كانَ لرَجُلٍ سَلَمٌ، وعليه سَلَمٌ من جِنْسِه، فقال لغَرِيمِه: اقْبِضْ سَلَمِي لنَفْسِك. فَفَعَلَ (١)، لم يَصِحَّ قَبْضُه لنَفْسِه) لأنَّ قَبْضَه لنَفْسِه حَوالةٌ به، والحَوالةُ بالسَّلَمِ لا تَجُوزُ (وهل يَقَعُ (٢) قَبْضُه للآمِرِ؟ على رِوَايَتَينِ) إِحْداهُما، يَصِحُّ؛ لأنَّه أَذِنَ له في القَبْضِ، فأَشْبَهَ قَبْضَ وَكِيلِه، وكما لو نوَى المَأْمُورُ القَبْضَ للآمِرِ. والثانِيَة، لا يَصِحُّ؛ لأَنه لم يَجْعَلْه نائِبًا له (١) في القَبْضِ، فلم يَقَعْ له (١)، بخِلافِ الوكِيلِ، فصارَ كالقابضِ بغَيرِ إذْنٍ. فإذا قُلْنا: لا يَصِحُّ القَبْضُ. بَقِيَ على مِلْكِ المُسْلَمِ إليه. ولو قال الأوَّلُ للثانِي: احْضُرِ اكْتِيالِي منه؛
стр. 5849
وَإِنْ قَال: اقْبِضْهُ لِي، ثُمَّ اقْبِضْهُ لِنَفْسِكَ. صَحَّ.
ــ
لأُقَبِّضَه لَكَ. فَفَعَلَ، لم يَصِحَّ قَبْضُه لِلثانِي. وهل يكونُ قابِضًا لنَفْسِه؟ على وَجْهَينِ؛ أَوْلاهُما، أنَّه يَكُونُ قابِضًا لنَفْسِه؛ لأنَّ قَبْضَ المُسْلَمِ فيه قد وُجِدَ من مُسْتَحِقِّه، فَصَحَّ (١)، كما لو نَوَى القَبْضَ لنَفْسِه. فعلى هذا، إذا قَبَضَه للآخَرِ صَحَّ.
١٧٥٣ - مسألة: (وإن قال: اقْبِضْه لِي، ثمّ اقْبِضْهُ لنَفْسِكَ. صَحَّ) لأنَّه اسْتَنَابَه في قَبْضِه له، فصَحَّ، كما لو لم يَقُلْ: ثم اقْبِضْهُ لنَفْسِك. وإذا وَقَعَ القَبْضُ للآمِرِ، مَلَكَه وقَبَضَه نائِبُه (٢)، فجازَ أن يَقْبِضَه لنَفْسِه،
стр. 5850
وَإِنْ قَال: أَنَا أَقْبِضُهُ لِنَفْسِي، وَخُذْهُ بِالْكَيلِ الَّذِى تُشَاهِدُهُ. فَهَلْ يَجُوزُ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
ــ
كما لو كانَ في يَدِ غَيرِه. وكذلك إن قال الآمِرُ: احْضُرْنا حتى أكتَاله لنَفْسِى، ثمّ تَكْتَاله أنْتَ. وفَعَلا (١) صَحَّ.
١٧٥٤ - مسألة: (وإنْ قال: أنا أَقْبِضُه لنَفْسِي، وخُذْه (٢) بالكَيلِ الذي تُشَاهِدُه) جازَ في إحْدَى الرِّوَايَتَينِ؛ لأنَّه عَلِمَه وشَاهد كَيلَه. والثانِيَةُ: لا يَجُوزُ. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عن بَيعِ الطّعامِ حتى يَجْرِيَ فيه الصّاعَانِ، صاعُ البائِعِ، وصاعُ المُشْتَرِي (٣). ولم يُوجَدْ ذلك. ولأنَّه قَبَضَه بغَيرِ كَيلٍ، أشْبَهَ ما لو قَبَضَه جُزَافًا.
стр. 5851
وَإِنِ اكْتَالهُ، ثُمَّ تَرَكَهُ فِي الْمِكْيَالِ، وَسَلَّمَهُ إِلَى غَرِيمِهِ، فَقَبَضَهُ، صَحَّ الْقَبْضُ لَهُمَا.
ــ
١٧٥٥ - مسألة: (وإنِ اكْتَاله، وتَرَكَهُ في المِكْيَالِ، وسَلَّمَه إلى غَرِيمِه، فقَبَضَه، صَحَّ القَبْضُ لهما) لأَنَّ اسْتِدامَةَ الكَيلِ بمَنْزِلَةِ ابْتدائِه، فلا مَعْنَى لابْتِداءِ الكَيلِ ها هنا؛ لأنَّه لا يَحْصُلُ به زِيادَةُ عِلْمٍ. [وقالتِ الشافعيَّةُ] (١): لا يَصِحُّ؛ للحَدِيثِ الذي ذَكَرْنَاه في المَسْأَلَةِ قَبْلَها. وهذا يمكنُ القَوْلُ بمُوجَبِه؛ لأنَّ قَبْضَ المُشْتَرِي له [في المِكْيالِ] (٢) جَرْيٌ لصاعِه فيه.
стр. 5852
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإنْ دَفَعَ زَيدٌ إلى عَمْرٍو دَراهِمَ، فقال: اشْتَرِ لَكَ بها مِثْلَ الطَّعَامِ الذي لَكَ عَلَيَّ. فَفَعَلَ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ دَرَاهِمَ زَيدٍ لا تكونُ عِوَضًا لعَمْرٍو. فإنِ اشْتَرَى الطَّعَامَ بعَينِها أو في ذِمَّتِه، فهو كتَصَرُّفِ الفُضُولِيِّ. وإنْ قال: اشْتَرِ لِي بها طَعامًا، ثم اقْبِضْهُ لنَفْسِكَ. فَفَعَلَ، صَحَّ الشِّراءُ، ولم يَصِحَّ القَبْضُ لنَفْسِه، على ما تَقَدَّمَ في مثلِ هذه الصُّورَةِ. وإنْ قال: اقبِضْهُ لي، ثم اقبضْهُ لنَفْسِكَ. فَفَعَلَ، صَحَّ (١). نَصَّ عليه. وقال أصْحابُ الشّافِعِيِّ: لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لا يَجُوزُ أنْ يكونَ قابِضًا من نَفْسِه لنَفْسِه. ولَنا، أنَّه يَجُوزُ أنْ يَشْتَرِيَ لنَفْسِه (١) من مالِ وَلَدِه، ويَبِيعَه،
стр. 5853
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويَقْبِضَ لنَفْسِه من نَفْسِه، ولوَلَدِه من نَفْسِه، وكذلك لو وَهَبَ وَلَدَه الصَّغِيرَ شَيئًا، جازَ أنْ يَقْبَلَ له من نَفْسِه، ويَقْبِضَ منها، فكذا ها هنا.
стр. 5854
وَإِنْ قَبَضَ الْمُسْلَمَ فِيهِ جُزَافًا، فَالْقَولُ قَوْلُهُ فِي قَدْرِهِ.
ــ
١٧٥٦ - مسألة: (وإنْ قَبَضَ المُسْلَمَ فيه جُزافًا، فالقَوْلُ قولُه في قَدْرِه) لا يَقْبِضُ ما أَسْلَمَ فيه كَيلًا إلَّا بالكَيلِ، ولا وَزْنًا إلَّا بالوَزْنِ، ولا بغَيرِ ما قُدِّرَ به وقْتَ العَقْدِ؛ لأنَّ الكَيلَ والوَزْنَ يَخْتَلِفانِ، فإنْ قَبَضَه بذلك، فهو كقَبْضِه جُزَافًا، ومتى قَبَضَه جُزَافًا، فإنَّه يَأْخُذُ قَدْرَ حَقِّه، ويَرُدُّ الباقِيَ، ويُطَالِبُ بالنَّقْصِ إنْ نَقَصَ. وهل له أنْ يَتَصَرَّفَ في قَدْرِ حَقِّه منه قبلَ أنْ يَعْتَبِرَه؟ على وَجْهَينِ، مَضَى ذِكْرُهُما في كتابِ البَيعِ. وإن اخْتَلَفا في قَدْرِه، فالقَوْلُ قولُ القابِضِ مع يَمِينِه؛ لأنَّه أعْلَمُ بكَيلِه، ولأنَّه مُنكِرٌ للزَّائِدِ، والقَوْلُ قولُ المُنْكِرِ.
стр. 5855
وَإِنْ قَبَضَهُ كَيلًا، أَوْ وَزْنًا، ثُمَّ ادَّعَى غَلَطًا، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَينَ.
ــ
١٧٥٧ - مسألة: (وإنْ قَبَضَه كَيلًا، أو وَزْنًا، ثمَّ ادَّعَى غَلَطًا، لم يُقْبَلْ قَوْلُه، في أحَدِ الوَجْهَينِ) لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الغَلَطِ، والآخَرُ، يُقْبَلُ؛ لأنَّه أَعْلَمُ بكَيلِ ما قَبَضَ، يعني إذا كاله فوَجَدَه ناقِصًا.
стр. 5856
وَهَلْ يَجُوزُ الرَّهْنُ وَالْكَفِيلُ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
ــ
١٧٥٨ - مسألة: (وهل يَجُوزُ الرَّهْنُ والكَفِيلُ بالمُسْلَمِ فيه؟ على رِوَايَتَينِ) اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ في الرَّهْنِ والضَّمِينِ في السَّلَمِ، فرَوَى المَرُّوذِيُّ، وابنُ القاسِمِ، وأبو طَالِبٍ، مَنْعَ ذلك. وهو الذي ذَكَرَه الخِرَقِيُّ. واخْتارَهُ أبو بَكْرٍ. ورُويَتْ كَرَاهَتُه عن عَلِيٍّ، وابنِ عمرَ، وابنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وسَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ، والأوْزَاعِيِّ. ورَوَى حَنْبَلٌ جَوَازَه. وهو قَوْلُ عَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وعَمْرِو بنِ دِينارٍ، والحَكَمِ، ومالِكٍ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، وأصْحَابِ الرَّأْي، وابنِ المُنْذِرِ، لقَوْلِ اللهِ تَعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَينٍ﴾ إلى قولِه ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (١). وقد رُوِيَ عن ابنِ عَبّاسٍ، وابنِ عمرَ، أنَّ المُرادَ به السَّلَمُ. ولأنَّ اللَّفْظَ عامٌّ، فيَدْخُلُ فيه السَّلَمُ. ولأنَّه أحَدُ نَوْعَيِ البَيعِ، فجازَ أخْذُ الرَّهْنِ بما في الذِّمَّةِ منه، كبُيُوعِ الأعْيَانِ. وَوَجْهُ الأُولَى أنَّ الرَّهْنَ والضَّمِينَ إنْ أخذَ برَأْسِ مالِ السَّلَمِ، فقد أخَذَ بما ليس بوَاجِبٍ،
стр. 5857
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولا (١) مآلُه إلى الوُجُوبِ؛ لأنَّ المُسْلَمَ إليه قد مَلَكَه، وإنْ أخَذَ بالمُسْلَمِ فيه، فالرَّهْنُ إنَّما يَجُوزُ بشيءٍ يمكنُ اسْتِيفاؤُه من ثَمَنِ الرَّهْنِ، والمُسْلَمُ فيه لا يُمْكِنُ اسْتِيفاؤُه من ثمَنِ الرَّهْنِ، ولا من ذِمَّةِ الضّامِنِ، ولأنَّه لا يَأْمَنُ هَلاكَ الرَّهْنِ في يَدِه بعُدْوَانٍ، فيَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا لحَقِّه من غيرِ المُسْلَمِ فيه، وقد قال النبيُّ ﷺ : «مَنْ أسْلَفَ في شيءٍ فلا يَصْرِفْه إلى غَيرِه». رَواهُ أبو دَاودَ (٢). ولأنَّه يُقِيمُ ما في ذمَّةِ الضّامِنِ مُقَامَ ما في ذمَّةِ المَضْمُونِ عنه، فيَكُونُ في حُكْمِ أخْذِ العِوَضِ والبَدَلِ عنه، ولا يَجُوزُ ذلك.
فصل: فإن أخَذَ رَهْنًا أو ضَمِينًا بالمُسْلَمِ فيه، ثم تَقَايَلَا السَّلَمَ، أو فُسِخَ العَقْدُ لِتَعَذُّرِ المُسْلَمِ فيه، بَطَلَ الرَّهْنُ؛ لزَوَالِ الدَّينِ الذي به الرَّهْنُ، وبَرِئَ الضامِنُ، وعلى المُسْلَمِ إليه رَدُّ رَأْسِ مالِ السَّلَمِ في الحالِ، ولا يُشْتَرَطُ قَبْضُه في المَجْلِسِ؛ لأنَّه ليس بعِوَضٍ. ولو أقْرَضَه ألْفًا، وأخَذَ به رَهْنًا، ثم صالحَه من الأَلْفِ على طَعامٍ مَعْلُومٍ في ذِمَّتِه، صَحَّ، وزال الرَّهْنُ؛ لِزَوَالِ دَينِه من الذِّمَّةِ، وبَقِيَ الطَّعامُ في الذِّمَّةِ، ويُشْتَرَطُ قَبْضُه في المَجْلِسِ كَيلَا يكونَ بَيعَ دَينٍ بدَينٍ. فإنْ تَفَرَّقَا قبلَ القَبْضِ،
стр. 5858
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بَطَلَ الصُّلْحُ، ورَجَعَ الألْفُ إلى ذِمَّتِه برَهْنِه؛ لأنَّه يَعُودُ إلى ما كان عليه، كالعَصِيرِ إذا تَخَمَّرَ ثم عادَ خَلًّا. وكذا لو صَالحَه عن الدَّرَاهِمِ بدَنانِيرَ في ذِمَّتِه، فالحُكْمُ على ما بَيَّنَّا في هذه المَسْأَلَةِ.
فصل: وإذا حَكَمْنَا بصِحَّةِ ضَمانِ السَّلَمِ، فلِصاحِبِ الحَقِّ مُطَالبَةُ مَن شاءَ منهما، وأَيُّهما قَضَاهُ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُما منه. فإن سَلَّمَ المُسْلَمُ إليه المُسْلَمَ فيه إلى الضامِنِ لِيَدْفَعَه إلى المُسْلِمِ، جازَ، وكان وَكِيلًا. وإن قال: خُذْه عن الذي ضَمِنْتَ عَنِّي. لم يَصِحَّ، وكان قَبْضًا فاسِدًا مَضْمُونًا عليه؛ لأنَّه إنّما يَسْتَحِقُّ الأَخْذَ بعد الوَفاءِ، فإنْ أوْصَلَه إلى المُسْلِمِ بَرِئَ بذلك؛ لأنَّه سَلَّمَ إليه ما سَلَّطَه المُسْلَمُ إليه في التَّصَرُّفِ فيه. وإن تَلِفَ، فعليه ضَمانُه؛ لأنَّه قَبَضَه على ذلك. وإنْ صالحَ المُسْلِمُ الضَّامِنَ عن المُسْلَمِ فيه بثَمَنِه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه إقالةٌ، فلا يَصِحُّ مِن غيرِ المُسْلَمِ إليه. وإنْ صالحَه المُسْلَمُ إليه بثَمَنِه، صَحَّ، وبَرِئَتْ ذِمَّتُه وذِمَّةُ الضامِنِ؛ لأنَّ هذا إقالةٌ. وإنْ صالحَه على غيرِ ثَمَنِه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه بَيعٌ للمُسْلَمِ فيه قبلَ القَبْضِ.
стр. 5859
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: والذي يَصِحُّ أخْذُ الرَّهْنِ به: كُلُّ دَينٍ ثابِتٍ في الذِّمَّةِ يَصِحُّ اسْتِيفاؤُه من الرَّهْنِ؛ كأثْمانِ البِياعَاتِ، والأُجْرَةِ في الإِجَارَاتِ، والمَهْرِ، وعِوَضِ الخُلْعِ، والقَرْضِ، وأرْشِ الجِنايَاتِ، وقِيَمِ المُتْلَفَاتِ. ولا يَجُوزُ أخْذُ الرَّهْنِ بما ليس بواجِبٍ، ولا (١) مآلُه إلى الوُجُوبِ؛ كالدِّيَةِ على العاقِلَةِ قبلَ الحَوْلِ؛ لأنَّها لم تَجِبْ بعدُ، ولا يُعْلَمُ إفْضَاؤُها إلى الوُجُوبِ، لأنَّها قد تَسْقُطُ بالجُنُونِ و (٢) الفَقْرِ و (٢) المَوْتِ، فلم يَصِحَّ أخْذُ الرَّهْنِ بها. ويَحْتَمِلُ جَوازُ أخْذِ الرَّهْنِ بها قبلَ الحَوْلِ؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ الحياةِ واليَسارِ والعَقْلِ. فأمّا بعدَ الحَوْلِ فيَجُوزُ أخْذُ الرَّهْنِ بها؛ لأنَّها قد اسْتَقَرَّتْ. ولا يَجُوزُ أخْذُ الرّهْنِ بالجُعْلِ في الجَعَالةِ قبلَ العَمَلِ؛ لأنَّه لم يَجِبْ، ولا يُعْلَمُ إفْضاؤُه إلى الوُجُوبِ. ويَحْتَمِلُ جَوازُ أخْذِ (٣) الرَّهْنِ به. ذكَرَه القاضِي؛ لأنَّ مآله إلى الوُجُوبِ
стр. 5860
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
واللُّزُومِ، فأَشْبَهَتْ أثْمانَ البِيَاعَاتِ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأَنَّ إفْضَاءَها [إلى الوُجُوبِ] (١) مُحْتَمِلٌ، فأَشْبَهَتِ الدِّيَةَ قبلَ الحَوْلِ. ويَجُوزُ أخْذُ الرَّهْنِ به بعدَ العَمَلِ؛ لأَنَّه قد وَجَبَ. ولا يَجُوزُ أخْذُ الرَّهْنِ بمالِ الكِتَابَةِ؛ لأنَّه غيرُ لازِمٍ؛ فإنّ للعَبْدِ تَعْجِيزَ نَفْسِه. ولا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ دَينِه من الرَّهْنِ؛ لأَنَّه لو عَجَزَ، صارَ الرَّهْنُ للسَّيِّدِ؛ لأنَّه من جُمْلَةِ مالِ المُكَاتَبِ. وقال أبو حَنِيفَةَ: يجُوزُ. ولَنا، أنَّها وَثِيقَةٌ لا يمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الحَقِّ منها، فلم يَصِحَّ، كضَمَانِ الخَمْرِ. ولا يَجُوزُ أخْذُ الرَّهْنِ بعِوَضِ المُسابَقَةِ؛ لأنَّها جَعَالةٌ، ولا يُعْلَمُ إفْضاؤُها إلى الوُجُوبِ؛ لأنَّ الوُجُوبَ إنَّما يَثْبُتُ بسَبْقِ غيرِ المُخْرجِ، وهو غيرُ مَعْلُومٍ ولا مَظْنُونٍ. وقال بَعْضُ أصْحابِنَا: فيها وَجْهانِ، هل هي إجَارَةٌ أو جَعَالةٌ؟ فإن قُلْنا: هي إجارَةٌ، جاز أخْذُ الرَّهْنِ بعِوَضِها. وقال القاضي: إن لم يكنْ فيها مُحَلِّلٌ، فهي جَعالةٌ، وإن كان فيها مُحَلِّلٌ، فعلى وَجْهَينِ. وهذا كُلُّه بَعِيدٌ؛ لأنَّ الجُعْلَ ليس في مُقابَلَةِ العَمَلِ، بدَلِيلِ أنَّه لا يَسْتَحِقّه إذا كان مَسْبُوقًا وقد عَمِلَ العَمَلَ، وإنَّما هو عِوَضٌ عن السَّبْقِ، ولا تُعْلَمُ القُدْرَةُ عليه. ولأنَّه لا فائِدَةَ للجَاعِلِ فيه، ولا هو مُرَادٌ له، وإذا لم يَكُنْ إجارَةً مع عَدَمِ المُحَلِّلِ، فمع وُجُودِه أَوْلَى؛ لأنَّ مُسْتَحِقَّ الجُعْلِ هو السَّابِقُ، وهو غيرُ مُعَيَّنٍ،
стр. 5861
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولا يَجُوزُ اسْتِئْجارُ رَجُلٍ غيرِ مُعَيَّنٍ، ثم لو كانت إجَارَةً، لكانَ عِوَضُها غيرَ واجِبٍ في الحالِ، ولا يُعْلَمُ إفْضَاؤُه (١) إلى الوُجُوبِ، ولا يُظنُّ، فلم يَجُزْ أخْذُ الرَّهْن به، كالجُعْلِ في رَدِّ الآبِقِ. ولا يَجُوزُ أخذُ الرَّهْنِ بعِوَضٍ غيرِ ثابِتٍ في الذِّمَّةِ؛ كالثَّمَنِ المُعَيَّنِ، والأُجْرَةِ المُعَيَّنَةِ في الإِجَارَةِ، والمَعْقُودِ عليه في الإِجَارَةِ إذا كان مَنافِعَ مُعَيَّنَةً؛ كإجارَةِ الدَّارِ، والعَبْدِ المُعَيَّنِ، والدَّابَّةِ المُعَيَّنَةَ مُدَّةً مَعْلُومَةً، أو لحَمْلِ شيءٍ مُعَيَّنٍ إلى مَكانٍ مَعْلُومٍ؛ لأنَّ هذا حَقٌّ تَعَلَّقَ بالعَينِ لا بالذِّمَّةِ، ولا يُمْكِنُ اسْتِيفاؤُه من الرَّهْنِ؛ لأنَّ مَنْفَعَةَ العَينِ لا يمْكِنُ اسْتِيفَاؤُها من غَيرِها، وتَبْطُلُ الإِجارَةُ بتَلَفِ العَينِ. فأمّا إنْ وَقَعَتِ الإِجَارَةُ على مَنْفَعَةٍ في الذِّمَّةِ، كخِيَاطَةِ ثَوْبٍ، وبناءِ دَارٍ، جازَ (٢) أخْذُ الرَّهْنِ به؛ لأنَّه ثابِتٌ في الذِّمَّةِ، ويُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُه مِن الرَّهْنِ، بأَنْ يَسْتَأْجِرَ مِن ثمَنِه مَن يَعْمَلُ ذلك العَمَلَ، فجازَ أخْذُ الرَّهْنِ به؛ كالدَّينِ. ومَذْهَبُ الشافعيِّ في هذا كُلِّه كما قُلْنَا.
فصل: فأمَّا الأعْيَانُ المَضْمُونَةُ؛ كالمَغْصُوبِ، والعَوَارِي، والمَقْبُوضِ على وَجْهِ السَّوْم، ففيها وَجْهانِ؛ أحَدُهُما، لا يَصِحُّ الرَّهْنُ بها. وهو مَذْهَبُ الشافعيّ؛ لَأنَّ الحَقَّ غيرُ ثابِتٍ في الذِّمَّةِ، أشْبَهَ ما ذَكَرْنا،
стр. 5862
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولأنَّه إنْ رَهَنَه على قِيمَتِها إذا تَلِفَتْ، فهو رَهْنٌ على ما ليس بوَاجِبٍ، ولا يُعْلَمُ إفْضَاؤُه إلى الوُجُوبِ، وإن كان الرَّهْنُ على عَينِها، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ اسْتِيفاءُ عَينِها من الرَّهْنِ، فأشْبَهَ أثْمانَ البِياعَاتِ المُتَعَيِّنَةِ. والثاني، يَصِحُّ أخْذُ الرَّهْنِ بها. وهو مَذْهَبُ أبي حنيفةَ، وقال: كلُّ عَينٍ كانت مَضْمُونةً بنَفْسِها، جاز أَخْذُ الرَّهْنِ بها. يُرِيدُ ما يُضْمَنُ بمِثْلِه أو قِيمَتِه، كالمَبِيعِ يَجُوزُ أخْذُ الرَّهْنِ به؛ لأنَّه مَضْمُونٌ بفَسادِ العَقْدِ، ولأنَّ مَقْصُودَ الرَّهْنِ الوَثِيقَةُ بالحَقِّ، وهذا حاصِلٌ، فإنَّ الرَّهْنَ بهذه الأعْيانِ يَحْمِلُ الرّاهِنَ على أدائِها، وإن تَعَذَّرَ أداؤُها، اسْتَوْفَى بَدَلَها مِن ثَمَنِ الرَّهْنِ، فأشْبَهَتِ الدَّينَ في الذِّمَّةِ.
فصل: قال القاضِي: كُلُّ ما جاز أخْذُ الرَّهْنِ به، جاز أخْذُ الضَّمِينِ به، وما لم يَجُزِ الرَّهْنُ به، لم يَجُزْ أَخْذُ الضَّمِينِ به، إلَّا ثَلاثَةَ أشْياءَ؛ عُهْدَةُ المَبِيعِ يَصِحُّ ضَمانُها، ولا يَصِحُّ الرَّهْنُ بها. والكِتابَةُ لا يَصِحُّ الرَّهْنُ بدَينِها، ويَصِحُّ ضَمانُها في إحْدَى الرِّوايَتَينِ. وما لا يَجِبُ لا يَصِحُّ الرَّهْنُ به، ويَصِحُّ ضَمانُه. والفَرْقُ بينَهما مِن وَجْهَينِ؛ أحَدُهما، أنَّ الرَّهْنَ بهذه الأشْياءِ يُبْطِلُ الإِرْفاقَ، فإنَّه إذا باع عَبْدَه بألْفٍ، ودَفَع رَهْنًا يُساوي ألْفًا، فكَأنَّه ما قَبَض الثَّمَنَ، ولا ارْتَفَقَ به، والمُكاتَبُ إذا دَفَع ما يُساوي كِتَابَتَه، فما ارْتَفَق بالأَجَلِ؛ لأَنَّه كان يُمْكِنُه بَيعُ الرَّهْنِ وإبْقاءُ الكِتابَةِ ويَسْتَرِيحُ، والضَّمانُ بخِلافِ هذا. والثّانِي، أنَّ ضَرَرَ الرَّهْنِ يَعُمُّ؛ لأنَّه يَدُومُ بقاؤُه عندَ المُشْتَرِي، فيَمْنَعُ البائِعَ التَّصَرُّفَ فيه، والضَّمان بخِلافِهِ.
стр. 5863
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإذا اخْتَلَفَ المُسْلِمُ والمُسْلَمُ إليه في حُلُولِ الأجَلِ، فالقولُ قولُ المُسْلَمِ إليه؛ لأنَّهُ مُنْكِرٌ. وإنِ اخْتَلَفَا في أداءِ المُسْلَمِ فيه، فالقولُ قولُ المُسْلِمِ كذلك (١). وإنِ اخْتَلَفَا في قَبْضِ الثمَنِ، فالقولُ قولُ المُسْلَمِ إليه؛ لذلك (٢). وإنِ اتَّفَقَا عليه، وقال أحَدُهما: كان في المَجْلِسِ قبلَ التَّفَرُّقِ. وقال الآخَرُ: بعدَه. فالقولُ قولُ مَن يَدَّعِي القَبْضَ في المَجْلِسِ؛ لأنَّ معه سَلامَةَ العَقْدِ. وإن أقامَ كلُّ واحِدٍ بَيِّنَةً بما ادَّعاه، قُدِّمَتْ أيضًا بَيِّنَتُه؛ لأنَّها مُثْبِتَةٌ، بخِلافِ الأُخْرَى.
стр. 5864
بَابُ القَرْضِ
ــ
بابُ القَرْضِ
وهو نَوْعٌ مِن السَّلَفِ، وهو جائِزٌ بالسُّنَّةِ والإِجْماعِ؛ أمّا السُّنَّةُ، فرَوَى أبو رافِعٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ اسْتَسْلَفَ مِن رجلٍ بَكْرًا (١)، فقَدِمَتْ على النبيِّ ﷺ إبِلُ الصَّدَقَةِ، فأمَرَ أبا رافِعٍ أن يَقْضِيَ الرجلَ بَكْرَه، فرَجَعَ إليه أبو رافِعٍ، فقال: يا رَسُولَ اللهِ، لم أجِدْ فيها إلَّا خِيارًا رَباعِيًّا. فقال: «أعْطِهِ، فَإنَّ خَيرَ النَّاسِ أحْسَنُهُمْ قَضَاءً». رَواه مُسْلِمٌ (٢). وعن ابنِ مسعودٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُقْرِضُ مُسْلِمًا قَرْضًا مَرَّتَينِ، إلَّا كَانَ كصَدَقَةٍ مَرَّةً». وعن أنَسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «رَأَيتُ لَيلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى بَابِ الجَنَّةِ مَكْتُوبًا: الصَّدَقَة بِعَشْرِ أمْثَالِهَا، والقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ. فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَا بَالُ الْقَرْضِ أفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ؟ قَال: لأنَّ السَّائِلَ يَسْأَلُ وَعِنْدَهُ، والْمُسْتَقْرِضَ لَا
стр. 5865
وَهُوَ مِنَ الْمَرَافِقِ الْمَنْدُوبِ إِلَيهَا.
ــ
يَسْتَقْرِضُ إلَّا مِنْ حَاجَةٍ». رَواهما ابنُ ماجه (١). وأجْمَعَ المُسْلِمُون على جوازِ القَرْضِ.
١٧٥٩ - مسألة: (وهو مِن المَرافِقِ المَنْدُوبِ إليها) في حَقِّ المُقْرضِ؛ لِما رَوَينا مِن الأحادِيثِ، ولِما رُوِيَ عن أبي الدَّرْداءِ، أنَّه قال: لَأنْ أُقْرِضَ دِينارَين، ثم يُرَدّانِ، ثم أُقْرِضَهما، أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أتَصَدَّقَ بِهما. ولأنَّ فيه تَفرِيجًا عن أخِيهِ المُسْلِمِ، وقَضاءً لحاجَتِه، فكان مَندُوبًا إليه، كالصَّدَقَةِ. وليس بواجِبٍ. قال أحمدُ: لا إثْمَ على مَن سُئِلَ فلم يُقْرِضْ. وذلك لأنَّه مِن المَعْرُوفِ، أشْبَهَ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ. وهو مُباحٌ للمُقْتَرِضِ، وليس مَكْرُوهًا. قال أحمدُ: ليس القَرْضُ مِن المَسْألةِ. يُرِيدُ أنَّه لا يُكْرَهُ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ كان يَسْتَقْرِضُ، وقد ذَكَرْنا حَدِيثَ أبي رافعٍ، ولو كان مَكْرُوهًا، كان أَبْعَدَ النّاسِ منه. قال ابنُ أبي موسى: لا أُحِبُّ أن يَتَحَمَّلَ بأمانَتِه ما ليس عِنْدَه. يُرِيدُ ما لا يَقْدِرُ على وَفائِه. ومَن أرادَ أن يَسْتَقْرِضَ، فلْيُعْلِمِ المُقْرِضَ بحالِه، ولا يَغُرُّه مِن نَفْسِه، إلَّا الشيءَ اليَسِيرَ الذي لا يَتَعَذَّرُ رَدُّ (٢) مِثْلِه. وقال أحمدُ: إذا اقْتَرَضَ لغَيرِه ولم يُعْلِمْه بحالِه، لم يُعْجِبْنِي. وقال: ما أُحِبُّ أن يَقْتَرِضَ بجاهِه لإِخْوانِه. قال القاضي: إذا كان مَن يَقْتَرِضُ له غَيرَ مَعْرُوفٍ بالوَفاءِ؛ لكَوْنِه تَغْرِيرًا بمالِ
стр. 5866
وَيَصِحُّ فِي كُلِّ عَينٍ يَجُوزُ بَيعُهَا، إلا بَنِي آدَمَ، وَالْجَوَاهِرَ وَنَحْوَهَا، مِمَّا لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ فِيهِمَا.
ــ
المُقْرِضِ وإضْرارًا به، أمّا إن كان مَعْرُوفًا بالوَفاءِ، لم يُكْرَهْ؛ لكوْنِه إعانَةً له، وتَفْرِيجًا لكُرْبَتِه.
فصل: ولا يَصِحُّ إلَّا مِن جائِزِ التَّصَرُّفِ؛ [لأنَّه عَقْدٌ على المالِ، فلم يَصِحَّ إلَّا مِن جائِزِ التَّصَرُّفِ] (١)، كالبَيعِ. وحُكْمُه في الإِيجابِ والقَبُولِ حُكْمُه (٢)، على ما مَضَى. ويَصِحُّ بلفظِ السَّلَفِ (٣)، والقَرْضِ؛ لوُرُودِ الشَّرْعِ بهما، وبكلِّ لَفْظٍ يُؤَدِّي مَعْناهُما، نحوَ قَوْلِه: مَلَّكْتُكَ هذا، على أن تَرُدَّ عليَّ بَدَلَه. أو تُوجَدُ قَرِينَةٌ دالَّةٌ على إرادَتِه. وإن لم يَذْكُرِ البَدَلَ، ولم توجَدْ قَرِينَةٌ، فهو هِبَةٌ. فإنِ اخْتَلَفا، فالقولُ قولُ المَوْهُوبِ له؛ لأنَّ الظّاهِرَ معه؛ لأنَّ التَّمْلِيكَ مِن غيرِ عِوَضٍ هِبَةٌ. ولا يَثْبُتُ فيه خِيارٌ؛ لأنَّ المُقْرِضَ دَخَل على بَصِيرَةِ أنَّ الحَظَّ لغَيرِه، والمُقْتَرِضُ متى شاء رَدَّه، وذلك يُغْنِيه عن ثُبُوتِ الخِيارِ.
١٧٦٠ - مسألة: (ويَصِحُّ في كلِّ عَينٍ يَجُوزُ بَيعُها، إلَّا بَنِي آدَمَ، والجَواهِرَ ونحوَها، ممّا لا يَصِحُّ السَّلَمُ فيه، في أحَدِ الوَجْهَينِ فيهما)
стр. 5867
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَجُوزُ قَرْضُ المَكِيلِ والمَوْزُونِ بِغيرِ خِلافٍ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ، على أنَّ اسْتِقْراضَ ما لَهُ مِثْلٌ، مِن المَكِيلِ والمَوْزُونِ والأطْعِمَةِ، جائِزٌ. ويَجُوزُ قَرْضُ كلِّ ما يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ سَلَمًا، غيرَ بني آدَمَ. وبه قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَجُوزُ قَرْضُ غيرِ (١) المَكِيلِ والمَوْزُونِ؛ لأنَّه لا مِثْلَ له، أشْبَهَ الجَواهِرَ. ولَنا، أنَّ النبيَّ ﷺ اسْتَسْلَفَ بَكْرًا. وليس بمَكِيلٍ ولا مَوْزُونٍ. ولأنَّ ما يَثْبُتُ سَلَمًا، يُمْلَكُ بالبَيعِ، ويُضْبَطُ بالوَصْفِ، فجاز قَرْضه، كالمَكِيلِ والمَوْزُونِ. وقَوْلُهم: لا مِثْلَ له. خِلافُ أصْلِهِم، فإنَّ عندَ أبي حنيفةَ: لو أتْلَفَ ثَوْبًا، ثَبَت في ذِمَّتِه مِثْلُه، ويَجُوزُ الصُّلْعُ عنه بأكْثَرَ مِن قِيمَتِه. فأمّا ما لا يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ سَلَمًا، كالجَواهِرِ وشِبْهِها، فقال القاضِي: يَجُوزُ قَرْضُها، ويَرُدُّ المُسْتَقْرِضُ القِيمَةَ؛ لأنَّ ما لا مِثْلَ له يُضْمَنُ بالقِيمَةِ، والجواهِرُ كغَيرِها في القِيَمِ. وقال أبو الخَطّابِ: لا يَجُوزُ؛ لأنَّ القَرْضَ يَقْتَضِي رَدَّ المِثْلِ، وليس لها مِثْلٌ، ولأنَّه لم يُنْقَلْ قَرْضُها، ولا هي في مَعْنَى ما نُقِلَ القَرْضُ فيه؛ لكَوْنِها ليست مِن المرافِقِ،
стр. 5868
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولا تَثْبُتُ في الذِّمَّةِ سَلَمًا، فيَجِبُ إبْقاؤُها على المَنْعِ. ويُمْكِنُ بِنَاءُ هذا الخِلافِ على الوَجْهَينِ في الواجِبِ في بَدَلِ غيرِ المَكِيلِ والمَوْزُونِ، فإذا قُلْنا: يَجِبُ رَدُّ المِثْلِ. لم يَجُزْ قَرْضُ الجَواهِرِ، ولا ما لا يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ سَلَمًا؛ لتَعَذُّرِ رَدِّ مِثْلِها. وإنْ قُلْنا: الواجِبُ رَدُّ القِيمَةِ. جاز قَرْضُه؛ لإِمْكانِ رَدِّ القِيمَةِ. ولأصْحابِ الشافعيِّ وَجْهان كهذَين.
стр. 5869
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فأمّا بنو آدمَ، فقال أحمدُ: أكْرَهُ قَرْضَهم. فيَحْتَمِلُ كَراهَةَ التَّنْزِيهِ، ويَصِحُّ قَرْضُهم. وهو قولُ ابنِ جُرَيجٍ، والمُزَنِيِّ؛ لأنَّه مالٌ يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ سَلَمًا، فصَحَّ قَرْضُه، كسائِرِ الحَيَوانِ. ويَحْتَمِلُ [أنَّه أرادَ كَراهَةَ التَّحْرِيمِ، فلا يَصِحُّ قَرْضُهم. اخْتاره القاضِي؛ لأنَّه لم يُنْقَل قَرْضُهم، ولا هو مِن المَرافِقِ. ويَحْتَمِلُ] (١) صِحَّةَ قَرْضِ العَبْدِ دُونَ الأَمَةِ. وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، إلَّا أن يُقْرِضَهُنَّ مِن ذَوى مَحارِمِهِنَّ؛ لأنَّ المِلْكَ بالقَرْضِ ضَعِيفٌ، فإنَّه لا يَمْنَعُها مِن رَدِّها على المُقْرِضِ، فلا يُسْتَبَاحُ به الوطءُ، كالمِلْكِ في مُدَّةِ الخِيارِ، وإذا لم يُبَحِ الوَطْءُ، لم يَصِحَّ القَرْضُ؛ لعَدَمِ القائِلِ بالفَرْقِ، ولأنَّ الأبْضاعَ ممّا يُحْتاطُ لها، ولو أبَحْنا قَرْضَهُنَّ، أفْضَى إلى أنَّ الرجلَ يَسْتَقْرِضُ أمَةً فيَطَؤُها ثم يَرُدُّها
стр. 5870
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِن يَوْمِه، ومتى احْتاجَ إلى وَطْئِها اسْتَقْرَضَها فوطِئَهأ ثم رَدَّها، كما يَسْتَعِيرُ المَتاعَ فيَنْتَفِعُ به ثم يَرُدُّه. ولَنا، أنَّه عَقْدٌ ناقِلٌ للْمِلْكِ، فاسْتَوَى فيه العَبْدُ والأمَةُ، كسائِرِ العُقُودِ. ولا نُسَلِّمُ ضَعْفَ المِلْكِ، فإنَّه مُطْلَقٌ لسائِرِ (١) التَّصَرُّفاتِ، بخِلافِ المِلْكِ في مُدَّةِ الخِيارِ. وقَوْلُهم: متى شاء المُقْتَرِضُ رَدَّها. مَمْنُوعٌ؛ فإنَّنا إذا قُلْنا: الواجبُ رَدُّ القِيمَةِ. لم يَمْلِكِ المُقْتَرِضُ رَدَّ الأمَةِ، وإنّما يَرُدُّ قِيمَتَها، وإن سَلَّمْنا ذلك، لكنْ مَتَى قَصَد المُقْتَرِضُ هذا، لم يَحِلَّ له فِعْلُه، ولا يَصِحُّ اقْتِراضة، كما لو اشْتَرَى أمَةً ليَطَأَها ثم يَرُدَّها بالمُقابَلَةِ أو بِعَيبٍ فيها، وإن وَقَع هذا بحُكْمِ الاتِّفاقِ لم يَمْنَعِ الصِّحَّةَ، كما لو وَقَع ذلك في البَيعِ، وكما لو أسْلَمَ جارِيَةً في أُخْرَى مَوْصُوفَةٍ بصِفاتِها، ثم رَدَّها بعَينِها عند حُلُولِ الأَجَلِ. ولو ثَبَت أنَّ القَرْضَ ضَعِيفٌ لا يُبيحُ الوَطْءَ، لم يَمْنَعْ منه في الجَوارِي، كالبَيعِ في مُدَّةِ الخِيارِ. وعَدَمُ القائِلِ بالفَرْقِ ليس بشيءٍ، على ما عُرِفَ في مَواضِعِه. وعَدَمُ نَقْلِه ليس بحُجَّةٍ؛ فإنَّ أكْثَرَ الحَيواناتِ لم يُنْقَلْ قَرْضُها، وهو جائِزٌ.
فصل: ولو اقْتَرَضَ دَراهِمَ أو دَنانِيرَ غيرَ مَعْرُوفَةِ الوَزْنِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّ القَرْضَ فيها يُوجِبُ رَدَّ المِثْلِ، فإذا لم يُعْرَفِ القَدْرُ، لم يُمْكِنِ
стр. 5871
وَيَثْبُتُ الْمِلْكُ فِيهِ بَالْقَبْضِ،
ــ
القَضَاءُ. وكذلك لو اقْتَرَضَ مَكِيلًا أو مَوْزُونًا جُزافًا، لِم يَجُزْ؛ لذلك. ولو قَدَّرَه بمِكْيالٍ بعَينِه، أو صَنْجَةٍ بعَينِها، غيرِ مَعْرُوفَين عند العامَّةِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه لا يَأْمَنُ تَلَفَ ذلك، فيَتَعَذَّرُ رَدُّ المِثْلِ، فأشْبَهَ السَّلَمَ. وقد قال أحمدُ، في ماءٍ بينَ قَوْمٍ، لهم نُوَبٌ في أيامٍ مُسَمّاةٍ، فاحْتاجَ بَعْضُهم إلى أن يَسْتَقِيَ في غير نَوْبَتِه، فاسْتَقرَضَ مِن نوْبَةِ غيرِه، ليَرُدَّ عليه بَدَلَه في يومِ نَوْبَتِه: فلا بَأْسَ، وإن كان غيرَ مَحْدُودٍ كَرِهْتُه. فكَرِهَه إذا لم يَكُنْ مَحْدُودًا؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ رَدُّ مِثْلِه. فإن كانتِ الدَّراهِمُ يُتَعامَلُ بها عَدَدًا، جاز قَرْضُها عَدَدًا، ويَرُدُّ عَدَدًا. وإنِ اسْتَقْرَضَ وَزْنًا رَدَّ وَزْنًا. وهذا قولُ الحَسَنِ، وابنِ سِيرِينَ، والأوْزاعِيِّ. واسْتَقْرَضَ أيُّوبُ مِن حَمّادِ بنِ زَيدٍ دَراهِمَ بمَكَّةَ عَدَدًا. وأعْطاهُ بالبَصْرَةِ عَدَدًا. ولأنَّه وَفَّاه مِثْلَ ما اقْتَرَضَ فيما يَتَعامَلُ به النّاسُ، فأشْبَهَ ما لو كانُوا يَتَعامَلُون بالوَزْنِ، فاقْتَرَضَ وَزْنًا ورَدَّ وَزْنًا.
١٧٦١ - مسألة: (ويَثْبُتُ المِلْكُ فيه بالقَبْضِ) لأنَّه عَقْدٌ يَقِفُ
فَلَا يَمْلِكُ الْمُقْرِضُ اسْتِرْجَاعَهُ، وَلَهُ طَلَبُ بَدَلِهِ،
ــ
١٧٦٢ - مسألة: (فلا يَمْلِكُ المُقْرِضُ اسْتِرْجاعَه) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ القَرْضَ عَقْدٌ لازِمٌ مِن جِهةِ المُقْرِضِ، جائِزٌ في حَقِّ المُقْتَرِضِ، فلو أرادَ المُقْرِضُ الرُّجُوعَ في عَينِ مالِه لم يَمْلِكْ ذلك. وقال الشافعيُّ: له ذلك؛ لأنَّ كلَّ ما يَمْلِكُ المُطالبَةَ بمِثْلِه، يَمْلِكُ أخْذَه إذا كان مَوْجُودًا، كالمَغْصُوبِ والعارِيَّةِ. ولَنا، أنَّه أزال (١) مِلكَه عنه بعَقْدٍ لازِمٍ مِن غيرِ خِيارٍ، فلم يَكُنْ له الرُّجُوعُ فيه، كالبَيعِ، ويُفارِقُ المَغْصُوبَ والعارِيَّةَ، فإنَّه لم يَزُلْ مِلْكُه عنهما، ولأنَّه لا يَمْلِكُ المُطالبَةَ بمثْلِهِما مع وُجُودِهما، وفي مَسْألَتِنا بخِلافِه.
١٧٦٣ - مسألة: (وله طَلَبُ بَدَلِه) في الحالِ؛ لأنَّه سَبَبٌ يُوجِبُ رَدَّ المِثْلِ في المِثْلِيّاتِ، فأوْجَبَه حالًّا، كالإِتْلافِ. ولو أقْرَضَه تَفارِيقَ، ثم طالبَه بها جُمْلَةً، فله ذلك؛ لأنَّ الجَمِيعَ حالٌّ، فأشْبَهَ ما لو باعَهُ بُيُوعًا حالَّةً، ثم طالبَه بثَمَنِها جُمْلَةً. وإن أجَّلَ القَرْضَ، لم يَتَأَجَّلْ. وكلُّ دَينٍ حَلَّ أجَلُه، لم يَصِرْ مُؤَجَّلًا بتَأْجِيلِه. وبه قال الأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال مالِكٌ، واللَّيثُ: يَتَأَجَّلُ الجمِيعُ بالتَّأْجِيلِ؛ لقَوْلِ النبيِّ ﷺ : «الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» (٢). ولأنَّ المُتَعاقِدَين يَمْلِكانِ التَّصَرُّفَ في هذا العَقْدِ بالإِقالةِ والإِمْضاءِ، فملَكَا
стр. 5874
فَإِنْ رَدَّهُ الْمُقْتَرِضُ عَلَيهِ، لَزِمَهُ قَبُولُهُ مَا لَمْ يَتَعَيَّبْ، أَوْ يَكُنْ فُلُوسًا،
ــ
الزِّيادَةَ فيه، كخِيارِ المَجْلِس. وقال أبو حنيفةَ في القَرْضِ وبَدَلِ المُتْلَفِ كقَوْلِنا، وفي ثَمَنِ المَبِيعِ والأُجْرَةِ والصَّداقِ وعِوَضِ الخُلْعِ كقَوْلِهما؛ لأنَّ الأجَلَ يَقْتَضِي جُزْءًا بِن المُعَوَّضِ، والقَرْضُ لا يَحْتَمِلُ الزِّيادَةَ والنَّقْصَ في عِوَضِه، وبَدَلُ المُتْلَفِ يَجِبُ فيه المِثْلُ مِن غيرِ زِيادَةٍ ولا نَقصٍ؛ فلذلك لم يَتَأَجَّلْ، وبَقِيَّةُ الأعْواضِ يَجُوزُ الزِّيادَةُ فيها، فجاز تَأْجِيلُها. ولَنا، أنَّ الحَقَّ يَثْبُتُ حالًّا، والتَّأْجِيلُ تَبَرُّعٌ ووَعْدٌ، فلا يَلْزَمُ الوَفاءُ به، كما لو أعارَه شيئًا، وهذا لا يَقَعُ عليه اسْمُ الشَّرْطِ، ولو سُمِّيَ، فالخَبَرُ مَخْصُوصٌ بالعارِيَّةِ (١)، فيَلْحَقُ به ما اخْتَلَفْنا فيه؛ لأنَّه مِثْلُه. ولَنا على أبي حنيفةَ، أنَّها زِيادَةٌ بعد اسْتِقْرارِ العَقْدِ، فأشْبَه القَرْضَ. وأمّا الإِقالةُ، فهي فَسْخٌ وابْتِداءُ عَقْدٍ آخَرَ، بخِلافِ مَسْألَتِنا، وأمّا خِيارُ المَجْلِسِ، فهو بمَنْزِلَةِ ابْتِداءِ العَقْدِ، بدَلِيلِ أنه [يُجْزِئُ فيه] (٢) القَبْضُ لِما يُشْتَرَطُ قَبْضُه، والتَّعْيِينُ لِما في الذِّمَّةِ.
١٧٦٤ - مسألة: (فإن رَدَّه المُقْتَرِضُ عليه، لَزِمَه قَبُولُه ما لم
стр. 5875
أَوْ مُكَسَّرَةً، فَيُحَرِّمَهَا السُّلْطَانُ، فَتَكُونُ لَهُ الْقِيمَةُ وَقْتَ الْقَرْضِ.
ــ
يَتَعَيَّبْ، أو يَكُنْ فُلُوسًا، أو مُكَسَّرَةً، فيُحَرِّمَها السُّلْطانُ، فتكونُ له القِيمَةُ وَقْتَ القَرْضِ) يَجُوزُ للمُقْتَرِضِ رَدُّ ما اقْتَرَضَه على المُقْرِضِ إذا كان على صِفَتِه لم يَنْقُصْ، ولم يَحْدُثْ به عَيبٌ، ويَلْزَمُ المُقْرِضَ قَبُولُه؛ لأنَّه على صِفَةِ حَقِّه، أشْبَهَ ما لو أعْطَاه غَيرَه، وقِياسًا على المُسْلَمِ فيه، وسواءٌ تَغَيَّرَ سِعْرُه، أو لم يَتَغَيَّرْ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَ المُقْرِضَ قَبُول غيرِ المِثْلِيِّ؛ لأنَّ القَرْضَ فيه يُوجِبُ رَدَّ القِيمَةِ، على أحَدِ الوَجْهَينِ، فإذا رَدَّهُ بعَينِه لم يَرُدَّ الواجِبَ عليه، فلم يَجِبْ قَبُولُه، كالبَيعِ.
стр. 5876
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصلِ: فإن تَعَيَّبَ أو تَغَيَّرَ، لم يَجِبْ قَبُولُه؛ لأنَّ عليه في قَبُولِه ضَرَرًا، لأنَّه دُون حَقِّه، فأشْبَهَ ما لو نَقَصَ. وكذلك إن كان القَرْضُ فُلُوسًا، أو مُكَسَّرَةً، فحَرَّمَها السُّلْطَانُ وتُرِكَتِ المُعامَلَةُ بها؛ لأنَّه كالعَيبِ، فلا يَلْزَمُهُ قَبُولُها، ويَكُونُ له قِيمَتُها وَقْتَ القَرْضِ، سواءٌ كانت باقِيَةً أو اسْتَهْلَكَها. نَصَّ عليه أحمدُ في الدَّراهِمِ المُكَسَّرَةِ، فقال: يُقَوِّمُها كم تُسَاوِي يومَ أخَذَها؟ ثم يُعْطِيه، وسواءٌ نَقَصَتْ قِيمَتُها قَلِيلًا أو كَثِيرًا. وذَكَر أبو بكْرٍ في «التَّنْبِيهِ» أنَّه يَكُونُ له قِيمَتُها وَقْتَ فَسَدَتْ وتُرِكَتِ المُعامَلَةُ بها؛ لأنَّه كان يَلْزَمُه رَدُّ مِثْلِها ما دامَتْ نافِقَةً (١)، فإذا فَسَدَت، انْتَقَلَ إلى قيمَتِها حِينَئِذٍ، كما لو عَدِمَ المِثل قال القاضي: هذا إذا اتَّفَقَ النّاسُ على تَرْكِها، فأمّا إن تَعامَلُوا بها مع تَحْرِيمِ السُّلْطانِ
стр. 5877
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لها، لَزِمَهُ أخْذُها. وقال مالِكٌ، واللَّيثُ، والشافعيُّ: ليس له إلَّا مِثْلُ ما أقْرَضَه؛ لأنَّ ذلك ليس بعَيبٍ حَدَثَ فيها، فجَرَى مَجْرَى رُخْصِ سِعْرِها. ولَنا، أنَّ تَحْرِيمَ السُّلْطانِ مَنَعَ إنْفاقَها، وأبْطَلَ مالِيَّتَهَا، فأشْبَهَ كَسْرَها، أو تَلَفَ أَجْزائِها، وأمّا رُخْصُ السِّعْرِ، فلا يَمْنَعُ، سواءٌ كان قَلِيلًا أو كَثِيرًا؛ لأنَّه لم يَحْدُثْ فيها شيءٌ، إنَّما تَغَيَّرَ السِّعْرُ، فأشْبَهَ الحِنْطَةَ إذا رَخُصَتْ أو غَلَتْ. وكذلك يُخَرَّجُ في المَغْشُوشَةِ إذا حَرَّمَها السُّلْطَانُ.
стр. 5878
وَيَجِبُ رَدُّ الْمِثْلِ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، وَالْقِيمَةِ فِي الْجَوَاهِرِ وَنَحْوهَا، وَفِيمَا سِوَى ذَلِكَ وَجْهَانِ.
ــ
١٧٦٥ - مسألة: (ويَجِبُ رَدُّ المِثْلِ في المَكِيلِ والمَوْزُونِ، والقِيمَةِ في الجَواهِرِ ونَحْوها. وفيما سِوَى ذلك وَجْهانِ) لا نَعْلَمُ خِلافًا في وُجُوبِ رَدِّ المِثْلِ في المَكِيلِ والمَوْزُونِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العِلْمِ على أنَّ مَن أسْلَفَ سَلَفًا ممّا يَجُوزُ أنْ يُسْلَفَ، فرُدَّ عليه مِثْلُه، أنَّ ذلك جائِزٌ، وأنَّ للمُسْلِفِ أخْذَ ذلك. ولأنَّ المَكِيلَ والمَوْزُونَ يُضْمَنُ في الغَصْبِ والإِتْلافِ بمِثْلِه، فكذا ها هنا. فإنْ أعْوَزَ المِثْلُ، لَزِمَتْهُ قِيمَتُه يومَ الإِعْوَازِ؛ لأنَّها حِينَئِذٍ ثَبَتَتْ في الذِّمَّةِ. ويَرُدُّ القِيمَةَ في الجَواهِرِ ونَحْوها، إذا قُلْنا بجَوازِ قَرْضِها؛ لأنَّها مِن ذَواتِ القِيَمِ ولا مِثْلَ لها؛ لأنَّها لا تَنْضَبطُ بالصِّفَةِ (١). وفيما سِوَى ذلك وَجْهانِ؛ أحَدُهما، يَرُدُّ القِيمَةَ؛ لأنَّ ما أوْجَبَ المِثْلَ في المِثْلِيّاتِ أوْجَبَ القِيمَةَ فيما
стр. 5879
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا مِثْلَ له، كالإِتْلافِ. والثَّانِي، يَجِبُ رَدُّ مِثْلِه؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ اسْتَسْلَفَ مِن رجلٍ بَكْرًا، فرَدَّ مِثْلَه. ولأنَّ ما ثَبَت في الذِّمَّةِ في السَّلَمِ، ثَبَت في القَرْضِ، كالمِثْلِيِّ. ويُخالِفُ الإِتْلافَ، فإنَّه لا مُسامَحَةَ فيه، فوَجَبَتِ القِيمَةُ؛ لأنَّها أحْصَرُ، والقَرْضُ أسْهَلُ، ولهذا جازتِ النَّسِيئَةُ فيما فيه الرِّبا. ويَعْتَبِرُ مِثْلَ صِفاتِه تَقْرِيبًا، فإنَّ حَقِيقَةَ المِثْلِ إنَّما تُوجَدُ في المَكِيلِ والمَوْزُونِ. فإنْ تَعَذَّرَ المِثْلُ، فعليه قِيمَتُه يومَ التَّعَذُرِ. وإذا قُلْنا: تَجِبُ القِيمَةُ. وَجَبَتْ حينَ القَرْضِ؛ لأنَّها حِينَئِذٍ ثَبَتَتْ في الذِّمَّةِ.
стр. 5880
وَيَثْبُتُ الْعِوَضُ فِي الذِّمَّةِ حَالًّا، وَإِنْ أَجَّلَهُ.
ــ
١٧٦٦ - مسألة: (ويَثْبُتُ العِوَضُ في الذِّمَّةِ حالًّا، وإن أجَّلَه) لأنَّ التَّأْجِيلَ في الحالِّ عِدَة وتَبَرُّعٌ، فلم يَلْزَمِ الوَفاءُ به. وفيه اخْتِلافٌ ذَكَرْناه فيما مَضَى. ويَنْبَغِي أن يَفِيَ له بما وَعَدَه.
стр. 5881
وَيَجُوزُ شَرطُ الرَّهْنِ وَالضَّمِينِ فِيهِ.
ــ
١٧٦٧ - مسألة: (ويَجُوزُ شَرْطُ الرَّهْنِ والضَّمِينِ فيه) لأنَّ النبيَّ ﷺ رَهَن دِرْعَه على شعِيرٍ أخَذَه لأهْلِه. مُتَّفَقٌ عليه (١).
فصل: ويَجُوزُ قَرْضُ الخُبْزِ. ورَخَّصَ فيه أبو قِلابَةَ، ومالكٌ. ومَنَع منه أبو حنيفةَ. ولَنا، أنَّه مَوْزُونٌ، فجاز قَرْضُه، كسائِرِ المَوْزُوناتِ. وإذا أقْرَضَه بالوَزْنِ رَدَّ المُقْتَرِضُ مِثْلَه بالوَزْنِ. وإنِ اسْتَقْرَضَه عَدَدًا رَدَّه عَدَدًا. وقال الشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ: فيه رِوايَتانِ؛ إحداهما، لا يَجُوزُ، كسائِرِ المَوْزُوناتِ. والثانيةُ، يَجُوزُ. وقال ابنُ أبي موسى: إذا كان يَتَحَرَّى أن يَكُونَ مِثْلًا بمِثْلٍ، فلا يَحْتاجُ إلى وَزْنٍ، والوَزْنُ أحَبُّ إليَّ. وَوَجْهُ الجَوازِ، ما رَوَتْ عائشةُ، ﵂، قالت: قُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ الجِيرانَ يَقْتَرِضُونَ الخُبْزَ والخَمِيرَ، ويَرُدُّونَ زِيادَةً
стр. 5882
وَلَا يَجُوزُ شَرْطُ مَا يَجُرُّ نَفْعًا؛ نَحْوَ أَنْ يُسْكِنَهُ دَارَهُ، أَوْ يَقْضِيَهُ خَيرًا مِنْهُ، أَوْ فِي بَلَدٍ آخَرَ. وَيَحْتَمِلُ جَوَازُ هَذَا الشَّرْطِ.
ــ
ونُقْصانًا. فقال: «لَا بَأْسَ، إنَّ ذلِكَ مِنْ مَرَافِقِ النَّاسِ، لَا يُرَادُ بِهِ الفَضْلُ». رَواه أبو بَكْرٍ في «الشَّافِي» بإسْنَادِهِ. ورَوَى أيضًا بإسْنادِه، عن مُعاذِ بنِ جَبَلٍ، أنَّه سُئِلَ عن اسْتِقْراضِ الخُبْزِ والخَمِيرِ، فقال: سُبْحَانَ اللهِ، إنَّما هذَا مِنْ مَكَارِمِ الأَخْلاقِ، فخُذِ الكَبِيرَ وأعْطِ الصَّغِيرَ، وخُذِ الصَّغِيرَ وأعْطِ الكَبيرَ، خيرُكُمْ أحْسَنُكُم قَضَاءً. سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ ذلك (١). ولَأنَّ هذا ممّا تَدْعُو الحاجَةُ إليه، ويَشُقُّ اعُتِبارُ الوَزْنِ فيه، وتَدْخُلُه المُسامَحَةُ، فأشْبَهَ دُخُولَ الحمَّامِ، والرُّكُوبَ في سَفِينَةِ المَلَّاحِ مِن غيرِ تَقْدِيرِ أُجْرَةٍ. فإن شَرَط أنْ يُعْطِيَه أكْثَرَ ممّا أقْرَضَه أو أَجْوَدَ، كان ذلك حَرامًا. وكذلك إن أقْرَضَه صَغِيرًا، قَصْدًا أن يُعْطِيَه كَبِيرًا؛ لأنَّ الأصْلَ تحْرِيمُ ذلك، وإنَّما أُبِيحَ لمَشَقَّةِ إمْكانِ التَّحَرُّزِ منه، فإذا قَصَد أو شَرَط، أو أُفْرِدَتِ الزِّيادَةُ، فقد أمْكَنَ التَّحَرُّزُ منه، فَحَرُمَ بِحُكْمِ الأصْلِ، كما لو فَعَل ذلك في غيرِه.
١٧٦٨ - مسألة: (ولا يَجُوزُ شَرْطُ ما يَجُرُّ نَفْعًا؛ نَحْوَ أن يُسْكِنَه دارَه، أو يَقْضِيَه خَيرًا منه، أو في بَلَدٍ آخرَ. ويَحْتَمِلُ جَوازُ هذا الشَّرْطِ) كلُّ قَرْضٍ شَرَط فيه الزِّيادَةَ فهو حَرامٌ، بغيرِ خِلافٍ. قال ابنُ المُنْذِرِ:
стр. 5883
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أجْمَعُوا على أنَّ المُسْلِفَ إذا شَرَط على المُسْتَسْلِفِ زِيادَةً أو هَدِيَّةً، فأسْلَفَ على ذلك، أنَّ أخْذَ الزِّيادَةِ على ذلك رِبًا. وقد رُوِيَ عن أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ، وابنِ عباسٍ، وابنِ مسعودٍ، أنهم نَهَوْا عن قرْضٍ جَرَّ مَنْفعَةً. ولأنَّه عَقْدُ إرْفاقٍ وقُرْبَةٍ، فإذا شَرَط فيه الزِّيادَةَ أخْرَجَه عن مَوْضُوعِه. ولا فرْقَ بينَ الزِّيادَةِ في القَدْرِ أو في الصِّفَةِ، مثلَ أنْ يُقْرِضَهُ مُكَسَّرَةً، فيُعْطَيه صِحاحًا، أو نَقْدًا ليُعْطِيَه خَيرًا منه. فإن شَرَط أن يُعْطِيَه إيّاه في بَلَدٍ آخَرَ، لم يَجُزْ إن كان لحَمْلِه مُؤْنَةٌ؛ لأَنه زِيادَةٌ. وإن لم يَكُنْ لحَمْلِه مُؤْنَةٌ، فقد رُوِيَ عن أحمدَ أنَّه لا يَجُوزُ أيضًا. ورُويَتْ كَراهَتُه عن الحسنِ البَصْرِيِّ، ومَيمُونِ بنِ أبي شَبِيبٍ (١)، وعَبْدَةَ بنِ أبي لُبابَةَ (٢)، ومالكٍ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ؛ لأنَّه قد يَكُونُ في ذلك زِيادَةٌ. وقد نَصَّ أحمدُ على (٣) أنَّ مَن شَرَط أن يَكْتُبَ له بها سُفْتَجَةً (٤)، لم يَجُزْ. ومَعْناهُ: اشْتِراطُ القَضاءِ في بَلَدٍ آخَرَ. ورُوِيَ عنه جَوازُ ذلك. حَكاهُ عنه ابنُ المُنْذِرِ؛ لكَوْنِه مَصْلَحَةً لهما. وحَكاه عن عليٍّ، وابنِ عباسٍ،
стр. 5884
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والحسنِ بنِ عليٍّ، وابنِ الزُّبَيرِ، وابنِ سِيرِينَ، وعبدِ الرحمنِ بنِ الأسْوَدِ، وأيُّوبَ السَّخْتِيانِيِّ، والثَّوْرِيِّ، وإسْحاقَ، واخْتارَه. وذَكَرَ القاضِي أنَّ للوَصِيِّ قَرْضَ مالِ اليَتِيمِ في بَلَدٍ ليُوَفِّيَه في بَلَدٍ آخَرَ، ليَرْبَحَ خَطَرَ الطَّرِيقِ. قال شيخُنا (١): والصَّحِيحُ جَوازُه؛ لأنَّه مَصْلَحَةٌ لهما مِن غيرِ ضَرَرٍ بواحِدٍ منهما، والشَّرْعُ لا يَرِدُ بتَحْرِيمِ المَصالِحِ التي لا مَضَرَّةَ فيها، ولأنَّ هذا ليس بمَنْصُوصٍ عليه، ولا في مَعْنَى المَنْصُوصِ، فوَجَبَ إبْقاؤُه على الإِباحَةِ.
فصل: وإن شَرَط أن يُؤْجِرَه دارَه، أو يَبيعَه شيئًا، أو أن يُقْرِضَه المُقْتَرَضَ مَرَّةً أُخْرَى، لم يَجُزْ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عن بَيعٍ وسَلَفٍ (٢).
стр. 5885
وَإِنْ فَعَلَهُ بِغَيرِ شَرْطٍ، أَوْ قَضَى خَيرًا مِنْهُ، أَوْ أَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً بَعْدَ
ــ
ولأَنه شَرَط عَقْدًا في عَقْدٍ، فلم يَجُزْ، كما لو باعَه دارَه بشَرْطِ أنْ يَبِيعَه الآخَرُ دارَه. وإن شَرَط أن يُؤْجرَه دارَه بأقَلَّ مِن أُجْرَتِها، أو على أنْ يَسْتَأْجِرَ دارَ المُقْرِضِ بأكْثَرَ مِن أُجْرَتِها، أو على أن يُهْدِيَ له، أو يَعْمَلَ له عَمَلًا، كان أبْلَغَ في التَّحْرِيمِ.
فصل: وإن شَرَط أنْ يُوَفِّيَه أنْقَصَ ممّا أقْرَضَه، لم يَجُزْ، إذا كان ممّا يَجْرِي فيه الرِّبا؛ لإِفْضائِه إلى فَواتِ المُماثَلَةِ فيما تُشْتَرَطُ (١) فيه، وإن كان في غيرِه، فكذلك. وهو أحَدُ الوَجْهَين لأصْحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّ القَرْضَ يَقْتَضِي رَدَّ المِثْلِ، وشَرْطُ النُّقْصانِ يُخالِفُ (٢) مُقْتَضاه، فلم يَجُزْ، كشَرْطِ الزِّيادَةِ. ولهم وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يَجُوزُ؛ لأنَّ القَرْضَ جُعِلَ للرِّفْقِ بالمُسْتَقْرِضِ، وشَرْطُ النُّقْصانِ لا يُخْرِجُه عن مَوْضُوعِه، بخِلافِ الزِّيادَةِ.
١٧٦٩ - مسألة: (وإن فَعَل ذلك مِن غيرِ شَرْطٍ، أو قَضَى خَيرًا