ابْتِدَائِه، وَالسُّلِّ فِي انْتِهَائِه، وَمَا قَال عَدْلَانِ مِنْ أهْلِ الطِّبِّ: إنَّهُ مَخُوفٌ،
ــ
البَدَنِ. وأمّا الإسْهالُ، فإن كان مُتَحَرِّكًا لا يُمْكِنُه إمْساكُه، فهو مَخُوفٌ وإن كان ساعَةً؛ لأنَّ مَن لَحِقَه ذلك أسْرَعَ في هَلاكِه. وإن كان يَجْرِي تارَةً ويَنْقَطِعُ أُخْرَى، فإن كان يَوْمًا أو يَوْمَين فليس بمَخُوفٍ؛ لأن ذلك قد يكونُ مِن فَضْلَةِ الطَّعامِ، إلَّا أنَّ يكونَ معه زَحِيرٌ (١) أو تَقْطِيعٌ، كأنَّه يَخْرُجُ مُتَقَطِّعًا، فإنَّه يكونُ مَخُوفًا؛ لأن ذلك يُضْعِفُ. وإن دام الإسْهالُ فهو مَخُوفٌ، سَواءٌ كان معه ذلك أو لم يكنْ (و) كذلك (الفَالِجُ (٢) في ابْتِدائِه؛ والسُّلُّ في انْتِهائِه) والحُمَّى المُطبقَةُ. وما أشْكَلَ مِن ذلك رُجِع فيه إلى قولِ عَدْلَين مِن الأطِبّاءِ؛ لأنهم أهْلُ الخِبْرَةِ بذلك. ولا يُقْبَلُ قولُ واحِدٍ؛ لأنَّه يتَعَلَّقُ به حَقُّ الوارِثِ والمُعْطِي. وقِياسُ قولِ الخِرَقِيِّ،
стр. 8262
فَعَطَايَاهُ كَالْوَصِيَّةِ فِي أَنَّهَا لَا تَجُوزُ لِوَارِثٍ، وَلَا تَجُوزُ لِأَجْنَبِيٍّ
ــ
أنَّه يُقْبَلُ قولُ واحِدٍ عَدْلٍ، إذا لم يُقدَرْ على طَبِيبين. فهذا الضرْبُ وما أشْبَهَه، عَطاياه صَحِيحَة؛ لأنَّ عُمَرَ، ﵁، أوْصَى حينَ جُرِح فسَقاه الطَّيبُ لَبَنًا فخَرَجَ مِن جُرْحِه، فقال له الطَّيبُ: اعْهَدْه إلى النّاسِ. فعَهِدَ اليهم ووَصَّى (١). فاتَّفَقَ الصحابةُ على قَبُولِ عَهْدِه ووَصيَتِّيه. وكذلك أبو بكر، ﵁، عَهِد إلى عُمَرَ حينَ اشْتَدَّ مَرَضُه، فَنَفَّذَ عَهْدَه.
فصل: فإن كان المَرِيضُ يَتَحَقَّقُ تَعْجِيلُ مَوْتِه، فإن كان عَقْلُه قد اخْتَلَّ، مثلَ مَن ذُبِح، أو أُبِينَتْ حَشْوَتُه، فلا حُكْمَ لكَلامِه ولا لعَطيَّتِه. وإن كان ثابتَ العَقْلِ، كمَن خُرِقَتْ حَشْوَتُه، أو اشْتَدَّ مَرَضُه ولم يَتَغيَّرْ عَقْلُه، صَحَّ تَصَرُّفُه وعَطيَّتُه؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ عُمَرَ، ﵁. وكذلك عليٌّ، ﵁، بعدَ ضَرْبِ ابنِ مُلْجِمٍ، وَصَّى وأمَرَ ونَهَى (٢). ولم يُخْتَلَفْ في صِحَّةِ ذلك.
٢٦٣٠ - مسألة: (فعَطاياه كالوَصِيَّةِ في أنَّها لا تصِحُّ لوارِثٍ، ولا
стр. 8263
بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ إلَّا بِإجَازَةِ الْوَرَثَةِ، مِثْلَ الْهِبَةِ وَالْعِتْقِ وَالْكِتَابَةِ وَالْمُحَابَاةِ.
ــ
لأجْنَبِيٍّ بزِيادَةٍ على الثُّلُثِ إلَّا بإجازَةِ الوَرَثَةِ؛ كالهِبَةِ، والعِتقِ، والكِتابةِ، والمُحاباةِ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ التَّبرُّعاتِ المُنْجَزَةَ؛ كالعِتْقِ، والمُحاباةِ، والهِبَةِ المَقْبُوضَةِ، والصدَقَةِ، والوَقْفِ، والإبراءِ مِن الدَّينِ، والعَفْو عن الجِنايَةِ المُوجِبَةِ للمالِ، والكِتابَةِ، إذا كانت في الصِّحَّةِ، فهي مِن رَأْسِ المالِ. لا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا. وإن كانت في مَرَض مَخُوفٍ اتَّصَلَ به المَوْتُ، فهي مِن ثُلُثِ المالِ، في قولِ الجُمْهُورِ. وحُكِيَ عن أهلِ الظّاهِرِ في الهِبَةِ المَقْبُوضَةِ، أنها مِن رَأسِ المالِ. ولَنا، ما روَى أبو هُرَيرَةَ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ الله تَصَدَّقَ عَلَيكُم عِندَ وَفَاتِكُم بثُلُثِ أمْوالِكُم، زِيادَةً لَكُم في أعْمالِكُم». رَواه ابنُ ماجه (١). وهذا يَدُلُّ بمَفْهُومِه على أنَّه ليس له أكْثَرُ مِن الثُّلُثِ. وروَى عِمْرانُ بنُ حُصَين، أنَّ رجلًا أعْتَقَ سِتَّةَ أعْبُدٍ (٢) له في مَرَضِه، لا مال له غيرُهم، فاسْتَدعاهم رسولُ اللهِ ﷺ ، فجَزَأهم ثلاثةَ
стр. 8264
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أجْزاءٍ وأقْرَعَ بينَهم، فأعْتَقَ اثْنَين وأرَقَّ أرْبَعَةً. رَواه مسلمٌ (١). وإذا لم يَنْفُذِ العِتْقُ مع سِرايَتِه، فغيرُه أوْلَى. ولأنَّ هذه الحال الظّاهِرُ منها المَوْتُ، فكانت عَطيَّتُه فيها في حَقِّ وَرَثَتِه لا تَتَجاوَزُ الثُّلُثَ، كالوَصِيَّةِ.
فصل: وحُكْمُ العَطايا في مَرَضِ المَوْتِ حُكْمُ الوَصِيَّةِ في خَمْسَةِ أشياءَ؛ أحَدُها، أن يَقِفَ نُفُوذُها على خُرُوجِها مِن الثُّلُثِ، أو (٢) إجازَةِ الوَرَثَةِ. الثانِي، أنَّها لا تَصِحُّ للوارِثِ إلَّا بإجازَةِ الوَرَثَةِ. الثالثُ، أنَّ فَضِيلَتَها ناقِصَةٌ عن فَضِيلةِ الصَّدَقَةِ في الصِّحَّةِ؛ لأن النبيَّ ﷺ سُئِل عن
стр. 8265
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أفْضَلِ الصَّدَقَةِ، قال: «أنْ تَصَدَّقَ وأنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَأْمُلُ الغِنَى وتَخْشَى الفَقْرَ، ولا تُمْهِلْ حَتَّى إذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ قُلْتَ: لفلانٍ كَذَا، ولِفُلانٍ كَذا، وقَدْ كان لفُلانٍ». مُتَّفَق عليه (١). الرابعُ، أنَّ العَطايا تَتَزاحَمُ في الثُّلُثِ إذا وَقَعَتْ دَفْعَةً واحِدَةً، كتَزاحُمِ الوَصايا فيه. الخامسُ، أنَّ خروجَها مِن الثُّلُثِ يُعْتَبَرُ حال المَوْتِ لا قبلَه ولا بعدَه.
стр. 8266
فَأمَّا الْأمْرَاضُ الْمُمْتَدَّةُ؛ كَالسُّلِّ، وَالْجُذَامِ، وَالْفَالِج فِي دَوَامِهِ، فَإِنْ صَارَ صَاحِبُهَا صَاحِبَ فِرَاشٍ فَهِيَ مَخُوفَةٌ، وَإلَّا فَلَا، وَقَال أَبُو بَكْرٍ: فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّ عَطِيَّتَهُ مِنَ الثُلُثِ.
ــ
٢٦٣١ - مسألة: (فأمّا الأمْراضُ المُمْتَدَّةُ؛ كالجُذامِ) وحُمَّى الرِّبْعِ (١) (والسُّلِّ) في ابْتِدائِه (والفالِجِ في دَوامِه، فإن صار صاحِبُها صاحِبَ فِراشٍ فهي مَخُوفةٌ، وإلَّا فلا) قال القاضي: إذا كان يَذْهَبُ ويَجِئُ، فعَطاياه مِن جَمِيعِ المالِ، هذا تَحْقِيقُ المَذْهَبِ. وقد روَى حَرْبٌ، عن أحمدَ، في وَصِيَّةِ المَجْذُومِ والمَفْلُوجِ: مِن الثُّلُثِ. وهو مَحْمُولٌ على أنَّه صار صاحِبَ فِرَاشٍ وبه يقولُ الأوْزاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، ومالِكٌ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُه، وأبو ثَوْرٍ. وذكر أبو بكرٍ وَجْهًا آخَرَ، أنَّ عَطايا هؤلاء مِن المالِ كلِّه. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه لا يُخافُ تَعْجِيلُ المَوْتِ فيه، وإن كان لا يَبْرأُ منه فهو كالهَرِمِ. ولَنا، أنَّه مَرِيضٌ صاحِبُ فِرَاشٍ يَخْشَى التَّلَفَ، أشْبَهَ صاحِبَ الحُمَّى الدّائِمةِ، وأمّا الهَرِمُ فإن صار صاحِبَ فِرَاشٍ، فهو كمَسْألَتِنا.
стр. 8267
وَمَنْ كَانَ بَينَ الصَّفَّينِ عِنْدَ الْتِحَامِ الْحَرْب، أوْ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ عِنْدَ هَيَجَانِهِ، أوْ وَقَعَ الطَّاعُونُ بِبَلَدِهِ، أَوْ قُدِّمَ لِيُقْتَصَّ مِنْهُ، وَالْحَامِل عِنْدَ الْمَخَاضِ، فَهُوَ كَالْمَرِيضِ. وَقَال الْخِرَقِيُّ: وَكَذَلِكَ الْحَامِلُ إذَا صَارَ لَهَا سِتَّةُ أشْهُرٍ. وَقِيلَ عَنْ أحْمَدَ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَطَايَا هَؤُلَاءِ مِنَ الْمَالِ كُلِّهِ.
ــ
٢٦٣٢ - مسألة: (ومَن كان بينَ الصَّفَّينِ عندَ التِحامِ الحَرْبِ، أو في لُجَّةِ البَحْرِ عندَ هَيَجانِه، أو وَقَع الطّاعُونُ ببَلَدِه، أو قُدِّم ليُقْتَصَّ منه، والحامِلُ عندَ المَخاضِ، فهو كالمَرِيضِ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الخَوْفَ يَحْصُلُ في هذه المواضِعِ الخَمْسَةِ المَذْكُورَةِ، فيَقُومُ مَقامَ (١) المَرَضِ؛ أحَدُها، إذا الْتَحَمَ الحَرْبُ واخْتَلَطَتِ الطّائِفَتان للقِتالِ، وكانت كلُّ واحِدَةٍ منهما مُكافِئَةً للأُخْرَى أو مَقْهُورَةً. فأمّا القاهِرَةُ منهما بعدَ ظُهُورِها فليست خائِفَةً. وكذلك إذا لم يَخْتَلِطُوا، بل كانت كلُّ واحِدَةٍ منهما مُتَمَيِّزَةً، سَواء كان بينَهما رَمْيُ السِّهامِ أو لم يكُنْ، فليست حالةَ
стр. 8268
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خَوْفٍ. ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِ الطّائِفَتَين مُتَّفِقَتَين في الدِّينِ أوْ لا. وبه قال مالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ. ونحوُه عن مَكْحُولٍ. وعن الشافعيِّ قَوْلان؛ أحَدُهما، كقولِ الجَماعَةِ. والثانِي، ليس بخَوْفٍ؛ لأنَّه ليس بمَرِيضٍ (١). ولَنا، أنَّ تَوَقُّعَ التَّلَفِ ههُنا كتَوَقُّعِ المَرَضِ أو أكْثَرَ، فوَجَبَ أن يُلْحَقَ به، ولأنَّ المَرَضَ إنَّما جُعِل مَخُوفًا لخَوْفِ صاحِبِه التَّلَفَ، وهذا كذلك. قال أحمدُ: إذا حَضَر القِتال كان عِتْقُه مِن الثُّلُثِ. وعنه، إذا الْتَحَمَ الحَرْبُ فوَصِيَّتُه مِن المالِ كلِّه، لكنْ يَقِفُ الزَّائِدُ عن الثُّلُثِ على إجازَةِ الوَرَثَةِ، فإنَّ حُكْمَ وصِيَّةِ الصَّحِيحِ وخائِفِ التَّلَفِ واحِدٌ، فيَحْتَمِلُ أن يُجْعَلَ هذا رِوايَةً ثانيةً؛ وسَمَّى العَطيَّةَ وَصِيَّةً تَجَوُّزًا؛ لكَوْنِها في حُكْمِ الوَصِيَّةِ. ويَحْتَمِلُ أن يُحْمَلَ على حَقِيقَتِه في صِحَّةِ الوَصِيَّةِ مِن المالِ كلِّه. الثانيةُ، إذا قُدِّمَ ليُقْتَلَ، فهي حالةُ خَوْفٍ، سَواء أُرِيدَ قَتْلُه للقِصاصِ أو لغيرِه. وللشافعيِّ فيه قَوْلان؛ أحَدُهما، هو مَخُوفٌ.
стр. 8269
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والثانِي، إن جُرِح فهو مَخُوفٌ، وإلَّا فلا؛ لأنَّه صَحِيحُ البَدَنِ، والظّاهِرُ العَفْوُ عنه. ولَنا، أنَّ التَّهْدِيدَ بالقَتْلِ جُعِل إِكْراهًا يَمْنَعُ وُقُوعَ الطَّلاقِ وصِحَّةَ البَيعِ، ويُبِيحُ كَثِيرًا مِن المُحَرَّماتِ، ولولا الخَوْفُ لم تثْبُتْ هذه الأحْكامُ، وإذا حُكِم للمَرِيضِ وحاضِرِ الحَرْبِ بالخَوْفِ مع ظُهُورِ السَّلامَةِ وبُعْدِ وُجُودِ التَّلَفِ، فمع ظُهُورِ التَّلَفِ وقُرْبِه أوْلَى، ولا عِبْرَةَ بصِحَّةِ البَدَنِ، فإنَّ المَرَضَ لم يكنْ مُثْبِتًا لهذا الحُكْمِ لعَينِه، بل لخَوْفِ إفضائِه إلى التَّلَفِ، فيَثْبُتُ الحُكْمُ ههُنا بطَرِيقِ التَّنْبِيهِ، لظُهُورِ التَّلَفِ. الثالثةُ، إذا رَكِب البَحْرَ، فإن كان ساكِنًا، فليس بمَخُوفٍ، وإنِ اضْطَرَبَ وهَبَّتِ الرِّيحُ العاصِفُ، فهو مَخُوفٌ، وقد وَصَفَهَم الله تعالى بشِدَّةِ الخَوْفِ، فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ الآية إلى قَوْلِه: ﴿جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ (١). الرابعةُ، الأسِيرُ [والمَحْبُوس] (٢) إذا كان مِن عادَتِهم القَتْلُ، فهو خائِفٌ، عَطيَّتُه مِن الثُّلُثِ، وإلَّا فلا. وهذا قولُ أبي
стр. 8270
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حنيفةَ، ومالِكٍ، وابنِ أبي لَيلَى، وأحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ. وقال الحَسَنُ لَمّا حَبَسَ الحَجّاجُ إياسَ بنَ مُعاويةَ: ليس له مِن مالِه إلَّا الثُّلُثُ. وقال أبو بكرٍ: عَطِيَّةُ الأسِيرِ مِن الثُّلُثِ. ولم يُفَرِّقْ. وبه قال الزُّهْرِيُّ، والثَّوْرِيُّ، وإسحاقُ. وحَكاه ابنُ المُنْذِرِ عن أحمدَ. وتَأوَّلَ القاضِي ما رُوِيَ، وهو على ما ذَكَرْناه مِن التَّفْصِيلِ ابْتِداءً. وقال الشَّعْبِيُّ، ومالِكٌ: الغازِي عَطِيَّتُه مِن الثُّلُثِ. وقال مَسْرُوقٌ: إذا وَضَع رِجْلَه في الغَرْزِ. وقال الأوْزاعِيُّ: المَحْصُورُ في سِبيلِ الله والمَحْبُوسُ يَنْتَظِرُ القَتْلَ، هو في ثُلُثِه. والصَّحِيحُ، إن شاء اللهُ، ما ذَكَرْناه مِن التَّفْصِيلِ؛ لأنَّ مُجَرَّدَ الحَبْسِ والأسْرِ مِن غيرِ خَوْفِ القَتْلِ، ليس بمَرَضٍ، ولا هو في مَعْنَى المَرَضِ في الخَوْفِ، فلم يَجُزْ إلحاقُه به، وإذا كان المَرِيضُ الذي لا يَخافُ التَّلَفَ، عَطِيَّتُه مِن رَأْسِ مالِه، فغيرُه أوْلَى. الخامسةُ، إذا وَقَع الطّاعُونُ ببَلَدِه، فعن أحمدَ، أنَّه مَخُوفٌ. ويَحْتَمِلُ أنَّه ليس بمَخُوفٍ، فإنَّه ليس بمَرِيضٍ، وإنَّما يَخافُ المَرَضَ.
стр. 8271
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وكذلك الحامِلُ عندَ المَخاضِ؛ لأنَّه يَحْصُلُ لها أَلَمٌ شَدِيدٌ يُخافُ منه التَّلَفُ، أشْبَهَتْ سائِرَ أصحابِ الأمْراضِ المَخُوفةِ، وما قبلَ ذلك فلا ألَمَ بها، فلا يكونُ مَخُوفًا (وقال الخِرَقِيُّ: وكذلك الحامِلُ إذا صار لها سِتَّةُ أشْهُرٍ) يَعْنِي عَطِيُتها مِن الثُّلُثِ. وبه قال مالِكٌ. وقال إسحاقُ: إذا ثَقُلَتْ لا يَجُوزُ لها إلا الثُّلُثُ. ولم يَحُدَّ حَدًّا. وحَكاهُ ابنُ المُنْذِرِ عن أحمدَ. وقال سعيدُ بنُ المُسَيَّب، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ: عَطِيَّةُ الحامِلِ مِن الثُّلُثِ. وقال أبو الخَطّابِ: عَطيَّتُها مِن المالِ كلِّه ما لم يَضْرِبْها المَخاضُ، فإذا ضَرَبَها المَخَاضُ، فعَطيَّتُها مِن الثُّلُثِ. وبه قال النَّخَعِيُّ، ومَكْحُولٌ، ويَحْيىَ الأنْصارِيُّ، والأوْزاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والعَنبرِيُّ، وابنُ المُنْذِرِ. وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ؛ لأنَّها لا تَخافُ إلَّا إذا ضَرَبَها الطَّلْقُ، فأشْبَهَتْ صاحِبَ الأمْراضِ المُمْتَدَّةِ قبلَ أن يَصِيرَ
стр. 8272
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
صاحِبَ فِراشٍ. وقال الحَسَنُ، والزُّهْرِيُّ: عَطيَّتُها كعَطِيَّةِ الصَّحِيحِ. وهو القولُ الثانِي للشافعيِّ؛ لأن الغالِبَ سلامَتُها. ووَجْهُ قولِ الخِرَقِيِّ، أنَّ سِتَّةَ الأشْهُرِ وَقْتٌ يُمْكِنُ الولادَةُ فيه، وهو مِن أسْبابِ التَّلَفِ. والصَّحِيحُ، إن شاء اللهُ تعالى، ما ذَكَرْناه، مِن أنَّه إذا ضَرَبَها الطَّلْقُ كان مَخُوفًا، بخِلافِ ما قبلَ ذلك؛ لأنَّه لا ألَمَ بها، واحْتِمالُ وُجُودِه خِلافُ العادَةِ، فلا يَثْبُتُ الحُكْمُ باحْتِمالِه البَعِيدِ مع عَدَمِه، كالصَّحِيحِ. وقِيلَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّ عَطايا هؤلاءِ مِن المالِ كلِّه؛ لأنَّه لا مَرَضَ بهم. وقد ذَكَرْنا الخِلافَ في ذلك.
فصل: فأمّا بعدَ الولَادَةِ، فإن بَقِيَتِ المَشِيمَةُ معها، فهو مَخُوفٌ،
стр. 8273
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإن مات الوَلَدُ معها، فهو مَخُوفٌ؛ لأنَّه يَصْعُبُ خُرُوجُه. فإن وَضَعَتِ الوَلَدَ وخَرَجَتِ المَشِيمَةُ، فحَصَلَ ثَمَّ وَرَمٌ أو ضَرَبانٌ شَدِيدٌ، فهو مَخُوفٌ. وإن لم يكنْ شيءٌ مِن ذلك، فقد رُوِيَ عن أحمدَ في النُّفَساءِ: إن كانت تَرْمِي الدَّمَ، فعَطيَّتُها مِن الثُّلُثِ. فيَحْتَمِلُ أنَّه أراد بذلك إذا كان معه ألَمٌ للُزُومِه ذلك في الغالِبِ. ويَحْتَمِلُ أن يُحْمَلَ على ظاهِرِه، فإنَّها إذا كانت تَرَى (١) الدَّمَ كانت كالمَرِيضِ. وحُكْمُها بعدَ السَّقْطِ مثلُ حُكْمِها بعدَ الوَلَدِ التامِّ. فإن أسْقَطَتْ مُضْغَةً أو عَلَقَةً فلا حُكْمَ لها، إلَّا أن يكونَ ثَم مَرَضٌ أو ألَمٌ. وهذا كلُّه مَذْهَبُ الشافعيِّ، إلَّا أنَّ مُجَرَّدَ الدَّمِ عندَه ليس بمَخوفٍ.
стр. 8274
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وما لَزِم المَرِيضَ في مَرَضِه مِن حَقٍّ لا يُمْكِنُه دَفْعُه وإسْقاطُه، كأَرْشِ جِنايته، وجِنايَهَ عَبْدِه، وما عاوَضَ عليه بثَمَنِ المِثْلِ، وما يَتغابَنُ النّاسُ بمِثْلِه، فهو مِن رَأْسِ المالِ. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. وهو قولُ الشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي. وكذلك النِّكاحُ بمَهْرِ المِثلِ، يَجُوزُ مِن رَأْسِ المالِ؛ لأنَّه صَرَف ماله في حاجَةِ نَفْسِه، فقُدِّمَ بذلك على وارِثِه. وكذلك لو اشْتَرَى أمَةً للاسْتِمْتاعِ بها كَثِيرَةَ الثَّمَنِ بثَمَنِ مِثْلِها، أو اشْتَرَى مِن الأطْعِمَةِ التي لا يَأْكُلُ مثلُه مثلَها، جاز، وصَحَّ شِراؤُه له؛ لأنَّه صَرَفَ ماله في حاجَتِه. وإن كان عليه دَينٌ، أو مات وعليه دَينٌ، قُدِّمَ بذلك على وارِثِه؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَينٍ﴾ (١).
стр. 8275
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فأمّا إن قَضَى المَرِيضُ بعضَ غُرَمائِه، ووَفَّتْ تَرِكَتُه بسائِرِ الدُّيُونِ، صَحَّ قَضاؤُه، ولم يكنْ لسائِرِ الغُرَماءِ الاعْتِراضُ عليه. وإن لم تَفِ بها، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، أنَّ لسائِرِ الغُرَماءِ الرُّجُوعَ عليه، ومُشارَكَتَه فيما أخَذَه. وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ حَقَّهم تَعَلَّقَ بمالِه بمَرَضِه، فمَنَعَ تَصَرُّفَه فيه بما يَنْقُصُ دُيُونَهم، كتَبَرُّعِه، ولأنَّه لو وَصَّى بقَضاءِ بعضِ دُيُونِه، لم يَجُزْ، فكذلك إذا قَضاها. والثانِي، لا يَمْلِكُون الاعْتِراضَ عليه ولا مُشارَكَتَه. وهو قِياسُ قولِ أحمدَ، ومَنْصُوصُ الشافعيِّ؛ لأنَّه أدَّى واجِبًا عليه، فصَحَّ، كما لو اشْتَرَى شيئًا فأدَّى ثَمَنَه، أو باع بعضَ مالِه وسَلَّمَه. ويُفارِقُ الوَصِيَّة، فإنَّه لو اشْترى ثِيابًا مُثَمَّنَةً، صَحَّ، ولو وَصَّى بتَكْفِينِه بثِيابٍ مُثَمَّنَةٍ، لم يَصِحَّ. يُحَقِّقُ هذا أنَّ إيفاءَ ثَمَنِ المَبِيعِ قَضاءٌ لبعضِ غُرَمائِه، وقد صَحَّ عَقِيبَ البَيعِ، فكذلك إذا تَراخَى، إذ لا أثَرَ لتَراخِيه.
فصل: وإذا تبرعَ المَرِيضُ أو أعْتَقَ ثم أقَرَّ بدَينٍ، لم يَبْطُلْ تَبَرُّعُه. نَصَّ عليه أحمدُ، في مَن أعْتَقَ عَبْدَه في مَرَضِه ثم أقَرَّ بدَينٍ، عَتَق العَبْدُ، ولم يُرَدَّ إلى الرِّقِّ؛ لأنَّ الحَقَّ ثَبَت بالتَّبَرُّعِ في الظّاهِرِ، فلم يُقْبَلْ إقْرارُه فيما يَبْطُلُ به حَقُّ غيرِه.
стр. 8276
وَإنْ عَجَزَ الثُّلُثُ عَنِ التَّبَرُّعَاتِ الْمُنْجَزَةِ بُدِئَ بِالأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ مِنْهَا.
ــ
٢٦٣٣ - مسألة: وإن لم يَفِ (الثُّلُثُ بالتَّبرُّعاتِ المُنْجَزةِ، بُدِئَ بالأوّلِ فالأوّلِ) سَواءٌ كان الأوَّلُ عِتْقًا أو غيرَه. وبهذا قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: الجَمِيعُ سَواءٌ إذا كانت مِن جِنْس واحِدٍ، وإن كانت مِن أجْناس، وكانتِ المُحاباةُ مُتَقدِّمَةً، قُدِّمتْ، وإن تَأَخَّرَتْ سُوِّيَ بينَها وبينَ العِتْقِ، وإنَّما كان كذلك؛ لأنَّ المُحاباةَ حَقُّ آدَمِيٍّ على وَجْهِ المُعاوضَةِ، فقُدِّمَتْ إذا تَقدَّمَتْ، كقَضاءِ الدَّينِ، وإذا تَساوَى جِنْسُها سُوِّيَ بينَها، لأنَّها عَطايا مِن جِنْسٍ واحِدٍ، تُعْتَبرُ مِن الثُّلُثِ، فسُوِّيَ بينَها، كالوَصِيَّةِ. وقال أبو يُوسُف، ومحمدٌ: يُقَدَّمُ العِتْقُ، تقَدَّمَ أو تَأخَّرَ. ولَنا، أنَّهما عَطِيَّتانِ مُنْجَزَتانِ، فكانت أُولاهما أوْلَى، كما لو كانتِ الأُولَى مُحاباةً عندَ أبي حنيفةَ، أو عِتْقًا عندَ صاحِبِه، ولأنَّ العَطِيَّةَ المُنْجَزَةَ لازِمَةٌ في حَقِّ المُعْطِي، فإذا كانت خارِجَةً مِن الثُّلُثِ، لَزِمَتْ في حَقِّ الوَرَثَةِ، فلو شارَكَتْها الثانيةُ، لَمَنَع ذلك لُزُومَها في حَقِّ المُعْطِي؛ لأنَّه يَمْلِكُ الرُّجُوعَ في بعضِها بعَطِيَّةٍ أُخْرَى، بخِلافِ الوَصايا، فإنَّها غيرُ لازِمَةٍ في حَقِّه، وإنَّما تَلْزَمُ بالمَوْتِ [في حالٍ واحِدَةٍ، فاسْتَوَيا لاسْتِوائِهما في حالِ لُزُومِها، بخِلافِ المُنْجَزتَين. وما قاله في المُحاباةِ لا يَصِحُّ، فإنَّها] (١) بمَنْزِلَةِ الهِبَةِ، ولو كانت بمَنْزِلَةِ المُعاوَضَةِ أو الدَّين لَمَا كانت مِن الثُّلُثِ.
стр. 8277
فَإِنْ تَسَاوَتْ قُسِمَ بَينَ الْجَمِيعِ بالْحِصَصِ. وَعَنْهُ، يُقَدَّمُ الْعِتْقُ.
ــ
٢٦٣٤ - مسألة: (وإن تَساوَتْ قُسِمَ بينَ الجَمِيعِ بالحِصَصِ. وعنه، يُقَدَّمُ العِتْقُ) أمّا إذا وقَعَتْ دَفْعَةً واحِدَة، بأن وَكَّلَ جَماعَةً في هذه التَّبَرُّعاتِ، فأوْقَعُوها دَفْعَة واحِدَةً، فإن كانت كلُّها عِتْقًا أقْرَعْنا بينَهم، فكَمَّلْنا العِتْقَ في بعضِهم، وإن لم يكنْ فيها عِتْق قَسَمْنا الثُّلُثَ بينَهم على قَدْرِ عَطاياهم؛ لأنهم تَساوَوْا في الاسْتِحْقاقِ، فقسِمَ بينَهم على قَدْرِ حُقُوقِهم، كغُرَماءِ المُفْلِسِ. وإنَّما خُولِفَ هذا الأصْلُ في العِتْقِ؛ لحديثِ عِمْرانَ بنِ حُصَينٍ (١). وسَنَذْكُرُ ذلك في مَوْضِعِه. وإن كان فيها عِتْقٌ وغيرُه، ففيه رِوايتان؛ إحْداهما، يُقَدَّمُ العِتْقُ لتَأكُّدِه. والثانيةُ، يُسَوَّى بينَ الكلِّ؛ لأنَّها حُقُوقٌ تَساوَتْ في اسْتِحْقاقِها، فتَساوَتْ في تَنْفِيذِها، كما لو كانت مِن جِنْسٍ واحِدٍ؛ لأنَّ اسْتِحْقاقَها حَصَل في حالٍ واحِدَةٍ.
فصل: إذا قال المَرِيضُ: إذا أعْتَقْتُ سَعْدًا فسعيدٌ حُرٌّ. ثم أعْتَقَ سعدًا، عَتَقَ سعيدٌ إن خَرَج مِن الثُّلُث، وإن لم يَخْرُجْ مِن الثُّلُثِ إلَّا أحَدُهما،
стр. 8278
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَتَقَ سعدٌ وَحْدَه، ولم يُقْرَع بينَهما؛ لوَجْهَين؛ أحَدُهما، أنَّ سعدًا سَبَق بالعِتْقِ. والثانِي، أنَّ عِتْقَه شرْطٌ لعِتْقِ سعيدٍ، فلو رَقَّ بعضُه فات إعْتاقُ سعيدٍ أيضًا؛ لفَواتِ شَرْطِه، وإن بَقِيَ مِن الثُّلُثِ ما يَعْتِقُ به بعضُ سعيدٍ، عَتَقَ تَمامُ الثُّلُثِ منه. وإن قال: إن أعْتَقْتُ سعدًا فسعيدٌ وعَمْرٌو حُرّان. ثم أعْتَقَ سعدًا، ولم يَخْرُجْ مِن الثُّلُثِ إلَّا أحَدُهم، عَتَقَ سعدٌ وَحْدَه؛ لِما ذَكَرْنا. وإن خَرَج مِن الثُّلُثِ اثْنانِ، أو واحِدٌ وبعضُ آخَرَ، عَتَقَ سعدٌ، وأُقْرِعَ بينَ سعيدٍ وعَمْرٍو فيما بَقِيَ مِنِ الثُّلُثِ؛ لأنَّ عِتْقَهما في حالٍ واحِدَةً، وليس عِتْقُ أحَدِهما شَرْطًا في عِتْقِ الآخرِ. ولو خَرَج مِن الثُّلُثِ اثنانِ وبعضُ الثالثِ، أقْرَعْنا بينَهما؛ لتَكْمِيلِ الحُرِّيَّةِ في أحَدِهما، وحُصُولِ التَّشْقِيصِ في الآخَرِ. وإن قال: إن أعْتَقْتُ سعدًا (١) فسعيدٌ حرٌّ. أو: فسعيدٌ وعَمْرٌو حُرّان في حالِ إعْتاقِي سعدًا. فالحُكْمُ سَواءٌ لا يَخْتَلِفُ؛ لأنَّ عِتْقَ سعدٍ شَرْطٌ لعِتْقِهما، فلو رَقَّ بعضُه لفات شَرْطُ عِتْقِهما، فوَجَبَ تَقْدِيمُه. فإن كان الشَّرْطُ في الصِّحَّةِ والإعْتاقُ في المَرَضِ، فالحُكْمُ على ما ذَكَرناه.
стр. 8279
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن قال: إن تَزَوَّجْتُ فعَبْدِي حُرٌّ. فتَزَوَّجَ في مَرَضِه بأكْثَرَ مِن مَهْرِ المِثْلِ، فالزِّيادَةُ مُحاباةٌ تُعْتَبرُ مِن الثُّلُثِ. فإن لم يَخْرُجْ مِن الثُّلُثِ إلَّا المُحاباةُ أو العَبْدُ، قُدِّمَتِ المُحاباةُ؛ لأنَّها وَجَبَتْ قبلَ العِتْقِ، لكون التَّزْويجِ شَرْطًا في العِتْقِ، فقد سَبَقَتِ العِتْقَ. ويَحْتَمِلُ أن يتَساوَيا؛ لأنَّ التَّزْويجَ سَبَبٌ لثُبُوتِ المُحاباةِ، وشَرْطٌ للعِتْقِ، فلا يَسْبِقُ وُجُودُ أحَدِهما صاحِبَه، فيكونان سَواءً. ثم هل يُقَدَّمُ العِتْقُ على المُحاباةِ؟ على روايَتَين. وهذا فيما إذا ثَبَتَتِ المُحاباةُ بأن لا تَرِثَ المرأةُ الزَّوْجَ، إمّا لوُجُودِ مانِعٍ مِن الإرْثِ، أو لمُفارَقَتِه إيّاها في حَياتِه، إمّا بمَوْتِها أو طَلاقِها أو نحوه. فأمّا إن وَرِثَتْه تَبَيَّنّا أنَّ المُحاباةَ لا تَثْبُتُ لها إلَّا بإجازَةِ الوَرَثَةِ، فيَنْبَغِي أن يُقَدَّمَ العِتْقُ عليها؛ لأَنه لازِم غيرُ مَوْقُوفٍ على الإِجازَةِ، فيكونُ مُتَقَدِّمًا. وإن قال: أنت حُرٌّ في حالِ تَزْويجي. فتَزَوَّجَ بأكْثَرَ مِن مَهْرِ المِثْلِ، فعلى القولِ الأوَّلِ يَتَساويَان؛ لأنَّ التَّزْويجَ جعِل حالةً لإيقاعِ العِتْقِ كما في عِتْقِ سعدٍ وسعيدٍ، وبُطْلانُ المُحاباةِ لا يُبْطِلُ التَّزْويجَ ولا يُؤثِّرُ فيه. وعلى الاحْتِمالِ المَذْكُورِ يكونُ العِتْقُ سابقًا؛ لأنَّ المُحاباةَ إنَّما تَثْبُتُ بتَمامِ التَّزْويجِ، والعِتْقُ قبلَ تَمامِه، فيكونُ سابِقًا على المحُاباةِ، فيتَقَدَّمُ لهذا المَعْنَى، سِيّما إذا تأكّدَ بقُوَّتِه وكونِه غيرَ وارِثٍ.
فصل: إذا أعْتَقَ المَرِيضُ شِقْصًا مِن عَبْدٍ، ثم أعْتَقَ شِقْصًا مِن آخَرَ، ولم يَخْرُجْ مِن الثُّلُثِ إلَّا العَبْدُ الأوَّلُ، عَتَقَ وَحْدَه؛ لأنَّه يَعْتِقُ حينَ تَلَفُّظِه بإعْتاقِ بعضِه. وإن خَرَج الأوَّلُ وبعضُ الثانِي، عَتَقَ ذلك. وإن أعْتَقَ
стр. 8280
وَأمَّا مُعَاوَضَةُ الْمَرِيضِ بِثَمَنِ الْمِثْلِ، فَتَصِحُّ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَإنْ كَانتْ مَعَ وَارِثٍ. وَيَحْتَمِلُ أَلَّا تَصِحَّ لِوَارِثٍ.
ــ
الشِّقْصَين معًا فلم يَخْرُجْ مِن الثُّلُثِ إلَّا الشِّقْصان، عَتَقَا ورَقَّ باقِي العَبْدَين. وإن لم يَخْرُجْ إلَّا أحَدُهما أُقْرِعَ بينَهما. وإن خَرَج الشِّقصانِ وباقِي أحَدِ العَبْدَين ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، تَكْمِيلُ العِتْقِ مِن أحَدِهما بالقُرْعَةِ بينَهما، كما لو أعْتَقَ العَبْدَين فلم يَخْرُجْ مِن الثلُث إلَّا أحَدُهما. والثانِي، يُقْسَمُ ما بَقِيَ مِن الثُّلُثِ بينَهما بغيرِ قُرْعَةٍ؛ لأنَّه أوقَعَ عِتْقًا مُشَقَّصًا فلم يُكْمِلْه، بخِلافِ ما لو أعْتَقَ العَبْدَين، ولهذا إذا لم يَخْرُجْ مِن الثلُثِ إلَّا الشِّقْصان أعْتَقْناهما بغيرِ قُرْعَةٍ، ولم نُكْمِلْه مِن أحَدِهما. ولو وَصَّى بإعْتاقِ النَّصِيبَين وأن يُكْمَلَ عِتْقُهما مِن ثُلُثِه، ولم يَخْرُجْ مِن الثلُثِ إلَّا النَّصِيبان وقِيمَةُ باقِي أحَدِهما، أقْرَعْنا بينَهما، فمَن خرَجَتْ قُرْعَتُه كَمَل العِتْقُ فيه؛ لأنَّ المُوصِيَ أوْصَى بتَكْمِيلِ العِتْقِ، فجَرَى مَجْرَى إعْتاقِهما، بخِلافِ التي قبلَها.
٢٦٣٥ - مسألة: (وأمّا مُعاوَضَةُ المَرِيضِ بثَمَنِ المِثْلِ، فتَصِح مِن رَأسِ المالِ وإن كانت مع وارِثٍ) لأنَّه ليس بوَصِيَّةٍ؛ لأن الوَصِيَّةَ تَبَرُّعٌ، وليس هذا تَبَرُّعًا، فاسْتَوَى فيه الوارِثُ وغيرُه (ويَحْتَمِلُ أن لا تَصِحَّ لوارِثٍ) لأنَّه خَصَّهُ بعَينِ المالِ، أشْبَهَ ما لو حاباه.
стр. 8281
وَإنْ حَابَى وَارِثَهُ، فَقَال الْقَاضِي: تَبْطُلُ فِي قَدْرِ مَا حَابَاهُ، وَتَصِحُّ فِيمَا عَدَاهُ،
ــ
٢٦٣٦ - مسألة: (وإن حابَى وارِثَه، فقال القاضي: تَبْطُلُ في قَدْرِ ما حاباه، وتَصِحُّ فيما عَداه) مثلَ أن يَبِيعَ شيئًا بنِصْفِ
стр. 8282
وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ؛ لِأنَّ الصَّفْقَةَ تَبَعَّضَتْ فِي حَقِّهِ. فَإن كَانَ لَهُ شَفِيعٌ، فَلَهُ أَخْذُهُ، فَإنْ أخَذَهُ فَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي.
ــ
ثَمَنِه، فله نِصْفُه بجَمِيعِ الثَّمَنِ؛ لأنَّه تَبرَّعَ له بنِصْفِ الثَّمَنِ، فبَطَلَ التصَرُّفُ فيما تَبَرَّعَ له به (وللمُشْتَرِي الخِيارُ؛ لأنَّ الصَّفْقَةَ تَبَعَّضَتْ في
حَقِّه).
٢٦٣٧ - مسألة: (فإن كان له شَفِيعٌ، فله أخْذُه، فإن أخَذَه فلا خِيارَ للمُشتَرِي) لزَوالِ الضَّرَرِ عنه؛ لأنَّه لو فسَخ البَيعَ رَجَع بالثَّمَنِ، وقد حَصَل له الثَّمَنُ مِن الشَّفِيعِ.
فصل: فإن باع أجْنَبِيًّا وحاباه، لم يَمْنَعْ ذلك صِحَّةَ العَقْدِ عندَ الجُمْهُور. وقال أهلُ الظّاهِرِ: يَبْطُلُ العَقْدُ. ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيعَ﴾ (١). ولأنَّه تَصَرُّفٌ صَدَر مِن أهْلِه في مَحَلِّه،
стр. 8283
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصَحَّ، كغيرِ المَرِيضِ. فعلى هذا، لو باع عَبْدًا لا يَمْلِكُ غيرَه قِيمَتُه ثَلاثُونَ بعَشَرَةٍ، فقد حابَى المُشْتَرِيَ بثُلُثَيْ مالِه، وليس له المحاباةُ بأكْثَرَ مِن الثُّلُثِ، فإن أجاز الوَرَثَةُ ذلك، لَزِم البَيعُ، وإن رَدُّوا فاخْتارَ المُشْتَرِي فَسْخَ البَيعِ، فله ذلك؛ لأن الصَّفْقَةَ تَبَعَّضَتْ في حَقِّه، فإنِ اخْتارَ إمْضاءَ البَيعِ، فقال شيخُنا (١): عندِي أَنه يَأْخُذُ نِصْفَ المَبِيعِ بنِصْفِ الثَّمَنِ، ويُفْسخُ البَيعُ في الباقِي. وهذا أحَدُ الوَجْهَين لأصحابِ الشافعيِّ. والوَجْهُ الثانِي، أنَّه يَأْخُذُ ثُلُثَيِ المَبِيعِ بالثَّمَنِ كلِّه. وإلى هذا أشارِ القاضي في نحو هذه المَسْألَةِ؛ لأنَّه يَسْتَحِقُّ الثُّلُثَ بالمُحاباةِ والثُّلُثَ الآخرَ بالثمنِ. وقال أهلُ العِراقِ: يقالُ له: إن شِئْتَ أدَّيتَ عَشَرَةً أُخْرى وأخَذْتَ المَبِيعَ، وإن شِئْتَ فَسَخْتَ ولا شيءَ لك. وعندَ مالِكٍ، له أن يَفْسَخَ ويَأْخُذَ ثُلُثَ المَبِيعِ بالمُحاباةِ، ويُسَمِّيه أصْحابُه خُلْعَ الثُّلُثِ. ولَنا، أنَّ ما ذَكَرْناه مُقابَلَةُ بعضِ المَبِيعِ بقِسْطِه مِن الثَّمَنِ عندَ تَعذُّرِ أخْذِ جَمِيعِه بجَمِيعِه، فصَحَّ ذلك، كما لو اشْتَرَى سِلْعَتَين بثَمَنٍ فانْفسَخَ البَيعُ في إحْداهما لعَيبٍ أو غيرِه، أو كما لو اشْتَرَى شِقْصًا وسَيفًا، فأخَذَ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ، أو كما لو اشْتَرَى قَفِيزًا يُساوى ثَلاثينَ بقَفِيزٍ قِيمَتُه عَشَرَةٌ. وأمّا الوَجْهُ الثاني الذي اخْتارَه القاضي، فلا يَصِحُّ؛ لأنَّه أوْجَبَ له المَبِيعَ بثَمَنٍ، فيَأْخُذُ بعضه بالثَّمَنِ كلِّه، فلا يَصِحُّ،؛ لو قال: بِعْتُكَ هذا بمائةٍ. فقال: قد قَبِلْتُ نِصْفَه بها. ولأَنه إذا فَسَخ البَيعَ في بعضِه وَجَب أن يَفْسَخَه بقَدْرِه مِن ثَمَنِه،
стр. 8284
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولا يَجُوزُ فَسْخُ البَيعِ (١) فيه مع بَقاءِ ثَمَنِه، كما لا يَجُوزُ فَسْخُ البَيعِ (١) في الجَمِيعِ مع بَقاءِ ثَمَنِه. وأمّا قولُ أهلِ العِراقِ، فإنَّ فيه إجْبارًا للوَرَثَةِ على المُعاوَضَةِ على غيرِ الوَجْهِ الذي عاوَضَ مَوْرُوثُهم. وأمّا قولُ مالِكٍ، فلا يَصِحُّ؛ لأنَّه إذا فَسَخ البَيعَ لم يَسْتَحِقَّ شيئًا؛ لأنَّ المُحاباةَ إنَّما حَصَلَتْ في ضِمْنِ البَيعِ، فإذا بَطَل البَيعُ بَطَلَتْ، كما لو وَصَّى لرجلٍ بعَينِه أن يَحُجَّ عنه بمائةٍ، وأجْرُ المِثْلِ خَمْسُون، فطَلَبَ الخَمْسِين الفاضِلَةَ بدُونِ الحَجِّ. وإنِ اشْتَرَى عَبْدًا يُساوي عَشَرَةً بثَلاثِينَ، فإَّنه يَأْخُذُ [نِصْفَه بنِصْفِ الثَّمَنِ] (٢). وإن باع العَبْدَ الذي يُساوي ثَلاثِين بخَمْسَةَ عَشَرَ، جاز البَيعُ في ثُلُثَيه بثُلُثَي الثَّمَنِ في قولِ شيخِنا. وعلى قولِ القاضي، للمُشْتَرِي خَمْسَةُ أسْداسِه بكلِّ الثمَنِ. وطَرِيقُ هذا أن يُنْسَبَ الثَّمَنُ وثُلُثُ المَبِيعِ إلى قِيمَتِه، فيَصِحَّ البَيعُ في مِقْدارِ تلك النِّسْبَةِ، وهو خَمْسَةُ أسْداسِه. وعلى الوَجْهِ الأوَّلِ، يَسْقُطُ الثَّمَنُ مِن قِيمَةِ المَبِيعِ، ويُنْسَبُ الثلُثُ إلى الباقِي، فيَصِحُّ البَيعُ في قَدْرِ تلك النِّسْبَةِ، وهو ثُلُثاه بثُلُثَي الثّمَنِ. فإن خَلَّفَ البائِعُ عَشَرَةً أخْرَى، فعلى الوَجْهِ الأوَّلِ، يَصِحُّ في ثَمانيةِ أتْساعِه بثمانيةِ أتْساعِ الثَّمَنِ، وعلى الوَجْهِ الثانِي، يَأْخُذ المُشْتَرِي نِصْفَه وأرْبَعَةَ أتْساعِه بجَمِيعِ الثمنِ.
стр. 8285
وَإنْ بَاعَ الْمَرِيضُ أجْنَبِيًّا وَحَابَاهُ، وَكَانَ شَفِيعُهُ وَارِثًا، فَلَهُ الْأخْذُ بِالشُّفْعَةِ؛ لِأنَّ الْمُحَابَاةَ لِغَيرِهِ.
ــ
٢٦٣٨ - مسألة: (وإن باع المَرِيضُ أجْنَبِيًّا وحاباه، وكان شَفِيعُه وارِثًا، فله الأخْذُ بالشُّفْعَةِ؛ لأنَّ المُحاباةَ لغيرِه) يَعْني إذا باع شِقْصًا تَجِبُ فيه الشُّفْعَةُ؛ لأن المُحاباةَ إنَّما وَقَعَتْ للأجْنَبِيِّ، فأشْبَهَ ما لو وَصَّى لغَرِيمِ وارِثِه. ويَحْتَمِلُ أن لا يَمْلِكَ الوارِثُ الشُّفعَةَ ههُنا (١)؛ لإفْضائِه إلى جَعْلِ سَبِيلٍ للإنْسانِ إلى إثباتِ حَقِّ وارِثِه في المُحاباةِ. وقد ذَكَرْنا ذلك والخِلافَ فيه في الشُّفْعَةِ.
стр. 8286
وَيُعْتَبَرُ الثُّلُثُ عِنْدَ الْمَوْتِ. فَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا لَا يَمْلِكُ غَيرَهُ، ثُمَّ مَلَكَ مَالًا يَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِهِ، تَبَيَّنَّا أَنَّهُ عَتَقَ كُلُّهُ. وَإنْ صَارَ عَلَيهِ دَينٌ يَسْتَغْرِقُهُ، لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ شَيْءٌ.
ــ
٢٦٣٩ - مسألة: (ويُعْتَبَرُ الثُّلُثُ عندَ المَوْتِ) لأنَّه وَقْتُ لُزُومِ الوَصِيَّةِ واسْتِحْقاقِها، وتَثْبُتُ له ولايَةُ القَبُولِ والرَّدِّ (فلو أعْتَقَ عَبْدًا لا يَمْلِكُ غيرَه، ثم مَلَك مالًا يَخْرُجُ مِن ثُلُثِه، تَبَيَّنّا أنَّه عَتَقَ كلُّه) لخُرُوجه مِن الثُّلُثِ عندَ المَوْتِ (وإن صار عليه دَينٌ يَسْتَغْرِقُه، لم يَعْتِقْ منه شيءٌ) لأنَّ الدَّينَ يُقَدَّمُ على الوَصِيَّةِ؛ لِما رُوِيَ عن عليٍّ، ﵁، أنَّ النبيَّ ﷺ قَضَى بالدَّينِ قبلَ الوَصِيَّةِ (١). ويَحْتَمِلُ أن يَعْتِقَ ثُلُثُه؛ لأنَّ تَصَرُّفَ المَرِيضِ في الثُّلُثِ كتَصَرُّفِ الصَّحِيحِ في الجَمِيعِ.
стр. 8287
فَصْلٌ: وَتفَارِقُ الْعَطِيَّة الوَصِيَّةَ فِي أَرْبَعَةِ اشيَاءَ، أَحَدُهَا، أَنَّهُ يُبْدَأُ بِالأَوَّلِ فَالأَوَّلِ مِنْهَا، وَالْوَصَايَا يُسَوِّي بَينَ الْمُتَقَدِّمِ وَالْمُتَأَخِّرِ مِنْهَا. وَالثَّانِي، أَنَّه لَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ فِي الْعَطِيَّةِ بخِلَافِ الْوَصِيَّةِ. الثَّالِثُ، أَنَّهُ يُعْتَبَر قَبُولهُ لِلعَطِيَّةِ عِنْدَ وُجُودِهَا، وَالوَصِيَّةُ بِخِلَافِهِ.
ــ
فصل: قال الشيخُ، ﵁: (وتُفارِقُ العَطِيَّةُ الوَصِيَّةَ في أرْبَعَةِ أشْياءَ؛ أحَدُها، أنَّه يُبْدَأُ بالأوَّلِ فالأوّلِ منها، والوَصايا يُسَوَّى بينَ المُتَقَدِّمِ والمُتَأخِّرِ منها) أمّا العَطايا فقد ذَكَرْنا حُكْمَها والخِلافَ فيها. وأمّا الوَصايا فإنها تَبَرُّعٌ بعدَ المَوْتِ، فتُؤْخَذُ دَفْعةً واحِدَةً، ولذلك اسْتَوَى فيها المُتَقَدِّمُ (١) والمُتَأخِّرُ. (الثانِي، أنَّه لا يَجُوزُ الرُّجُوعُ في العَطِيَّةِ، بخِلافِ الوَصِيَّةِ) لأنَّ العَطِيَّةَ تَقَعُ لازِمَةً في حَقِّ المُعْطِي، تَنْتَقِلُ إلى المُعْطَى في الحَياةِ إذا اتَّصَلَ بها القَبُولُ والقَبْضُ، وإن كَثُرَتْ، فلم يكنْ له الرجُوعُ فيها، كالهِبَةِ، وإنَّما مُنِع المَرِيضُ مِن التَّبَرُّعِ بزِيادَةٍ على الثُّلُثِ لحَقِّ الوَرَثةِ، لا لِحَقِّه، فلم يَمْلِكْ إجازَتَها ولا رَدَّها بخِلافِ الوَصِيَّةِ [وإنَّما كان له الرُّجُوعُ في الوَصِيَّةِ] (٢)؛ لأنَّ التَّبَرُّعَ بها مَشْرُوطٌ بالمَوْتِ، ففِيما قبلَ المَوْتِ لم يُوجَدِ التَّبَرُّعُ ولا العَطِيَّةُ، فهي كالهِبَةِ قبلَ القَبُولِ. (الثالثُ، أنَّه يُعْتَبَرُ قَبُولُه للعَطِيَّةِ عندَ وُجُودِها) ويَفْتَقِرُ إلى شُرُوطِ الهِبَةِ
стр. 8288
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المَذْكُورَةِ؛ لأنَّها هِبَةٌ مُنْجَزَةٌ. فاعْتُبِرَ لها القَبُولُ عندَ وُجُودِها، كعَطِيَّةِ الصَّحِيحِ، بخِلافِ الوَصِيَّةِ، فإنَّه لا حُكْمَ لقَبُولِها ولا رَدها إلَّا بعدَ المَوْتِ على ما يَأْتِي.
فصل: والعَطِيَّةُ تُقَدَّمُ على الوَصِيَّةِ. وهو قولُ الشافعيِّ وجُمْهُورِ العُلَماءِ. وبه قال أبو حنيفةَ، وأبو يُوسُفَ، وزُفَرُ، إلَّا في العِتْقِ، فإنَّه حُكِيَ عنهم تَقْدِيمُه؛ لأنَّ العِتْقَ يتَعَلَّقُ به حَقُّ اللهِ تعالي، ويَسْرِي ويَنْفُذُ في مِلْكِ الغيرِ، فيَجبُ تَقْدِيمُه. ولَنا، أنَّ العَطِيَّةَ لازِمَةٌ في حَقِّ المَرِيضِ، فقُدِّمَتْ على الوَصِيَّةِ، كعَطِيَّةِ الصِّحَّةِ، أو فقُدِّمَتْ على العِتْق، كعَطِيَّةِ الصِّحَّةِ.
стр. 8289
وَالرَّابعُ أَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ فِي الْعَطِيَّةِ حينِهَا وَيَكُونُ مُرَاعًى، فَإِذَا خَرَجَ مِنَ الثُّلُثِ عِنْدَ الْمَوْتِ،، تَبَيَّنَّا أَنَّ الْمِلْكَ كَانَ ثَابِتًا مِنْ حِينِهِ. فَلَوْ أعْتَقَ فِي مَرَضِهِ عَبْدًا، أوْ وَهَبَهُ لإنْسَانٍ، ثُمَّ كَسَبَ فِي حَيَاةِ سَيِّدِهِ شَيئًا، ثُمَّ مَاتَ سَيِّدُهُ فَخَرَجَ مِنَ الثُّلُثِ، كَانَ كَسْبُهُ لَهُ إنْ
ــ
(الرابعُ، أنَّ المِلْكَ يَثْبُتُ في العَطِيَّةِ مِن حينِها ويكونُ مُراعًى، فإذا خَرَج مِن الثُّلُثِ عندَ المَوْتِ، تَبَيَّنّا أنَّ المِلْكَ كان ثابِتًا مِن حينِه) لأنَّ العَطيَّةَ في المَرَضِ تَمْلِيكٌ في الحالِ؛ لأنَّها إن كانت هِبَةً، فمُقْتَضاها تَمْلِيكُه المَوْهُوبَ في الحالِ، ولهذا يُعْتَبَرُ قَبُولُها في المَجْلِسِ، كما لو كانت في الصِّحَّةِ، وكذلك إن كانت مُحاباةً أو إعْتاقًا. وأمّا كونُها مُراعاةً، فلأنّا لا نَعْلَمُ هل هذا مَرَضُ المَوْتِ أو لا، ولا نَعْلَمُ هل يَسْتَفِيدُ مالًا أو يَتْلَفُ شيء مِن مالِه أو لا، فتَوَقَّفْنا لنَعْلَمَ عاقِبَةَ أَمْرِه فنَعْمَلَ عليها، فإذا انْكَشَفَ الحالُ عَلِمْنا حِينَئِذٍ ما ثَبَت حال العَقْدِ. ومثلُ ذلك، ما لو أسْلَمَ أحَدُ الزَّوْجَين بعدَ الدُّخُولِ، فإنَّا لا نَدْرِي هل يُسْلِمُ الثاني أم لا، فنَقِفُ الأمْرَ حتى تَنْقَضِيَ العِدَّةُ، فإن أسْلَمَ الآخرُ في العِدَّةِ تَبَيَّنّا أنَّ النِّكاحَ كان صَحِيحًا باقِيًا، وإنِ انْقَضَتِ العِدَّةُ قبلَ إسْلامِه تَبَيَّنّا أنَّ النِّكاحَ انْفَسَخَ مِن حينَ اخْتَلَفَ دِينُهما.
٢٦٤٠ - مسألة: (فلو أعْتَقَ في مَرَضِه عَبْدًا، أو وَهَبَه لإنْسانٍ، ثم كَسَب في حَياةِ سَيِّدِه شيئًا، ثم مات سَيِّدُه فخَرَجَ مِن الثُّلُثِ، كان كَسْبُه
стр. 8290
كَانَ مُعْتَقًا، وَلِلْمَوْهُوبِ لَهُ إنْ كَانَ مَوْهُوبًا، وَإنْ خَرَجَ بَعْضُهُ، فَلَهُمَا مِنْ كَسْبِهِ بِقَدْرِ ذَلِكَ. فَلَوْ أعْتَقَ عَبْدًا لَامَال لَهُ سِوَاهُ، فَكَسَبَ مِثْلَ قِيمَتِهِ قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهِ، فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ شيءٌ، وَلَهُ مِنْ كَسْبِهِ شَيْءٌ، وَلِوَرَثَةِ سَيِّدِهِ شَيئَانِ، فَصَارَ الْعَبْدُ وَكَسْبُهُ نِصْفَينِ فَيَعْتِقُ
ــ
له إن كان مُعْتَقًا، وللمَوْهُوبِ إن كان مَوْهُوبًا، وإن خَرَج بعضُه، فلهما مِن كَسْبِه بقَدْرِ ذلك) فنقولُ (١): إذا (أعْتَقَ عَبْدًا لا مال له (٢) سِوَاه، فكَسَبَ مثلَ قِيمَتِه قبلَ مَوْتِ سَيِّدِه) فللعَبْدِ مِن كَسْبه بقَدْرِ ما عَتَقَ منه، وباقِيه لسَيِّدِه، فيَزْدادُ به مالُ السَّيِّدِ، وتَزْدادُ الحُرِّيَّةُ لذلك، ويَزْدادُ حَقه مِن كَسْبِه، فيَنْقُصُ به حَقُّ السَّيِّدِ مِن الكَسْبِ، ويَنْقُصُ بذلك قَدْرُ المُعْتَقِ منه، فيَدْخُلُ الدَّوْرُ (٣)، فيُسْتَخْرَجُ ذلك بالجَبْرِ، فيُقالُ: (عَتَق مِن العَبْدِ شيءٌ، وله مِن كَسْبِه شيءٌ) لأنّ كَسْبَه مثلُه، وللوَرَثَه مِن العَبْدِ [وكَسْبِه] (٤) شَيئان؛ لأنَّ لهم مِثْلَيْ ما عَتَقَ، منه، وقد عَتَقَ منه شيءٌ، ولا يُحْسَبُ على العَبْدِ ما حَصَل له مِن كَسْبِه؛ لأنَّه اسْتَحَقَّه بجُزْئِه الحُرِّ لا مِن جِهَةِ سَيِّدِه، فصار للعَبْدِ شَيئان، وللوَرَثَةِ شَيئان، مِن العَبْدِ وكَسْبِه، فيُقْسَمُ العَبْدُ وكَسْبُه نِصْفَين، (فيَعْتِقُ منه
стр. 8291
مِنْهُ نِصْفُهُ، وَلَهُ نِصْفُ كَسْبِهِ، وَلِلْوَرَثَةِ نِصْفُهُمَا. وَإنْ كَسَبَ مِثْلَيْ قِيمَتِهِ صَارَ لَهُ شَيئَانِ وَعَتَقَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلِلْوَرَثَةِ شَيئَانِ، فَيَعْتِقُ ثَلَاثَةُ أخْمَاسِهِ، وَلَهُ ثَلاثَةُ أخْمَاسِ كَسْبِهِ وَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ. وَإنْ كَسَبَ نِصْفَ قِيمَتِهِ، عَتَقَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَهُ نِصْفُ شيْءٍ مِنْ كَسْبِهِ، وَلِلْوَرَثَةِ شَيئَانِ فَيَعْتِقُ مِنْهُ ثَلَاثَةُ أسْبَاعِهِ، وَلَهُ ثَلَاثَةُ أسْبَاعِ كَسْبِهِ وَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ.
وَإنْ كَانَ مَوْهُوبًا لإِنْسَانٍ، فَلَهُ مِنَ الْعَبْدِ بِقَدْرٍ مَا عَتَقَ مِنْهُ وَبِقَدْرِه
ــ
نِصْفُه، وله نِصْفُ كَسْبِه، وللوَرَثَةِ نِصْفُهما. وإن كَسَب مِثْلَيْ قِيمَتِه) فله مِن كَسْبِه شَيئان، صار له ثلاثةُ أشْياءَ، ولهم شَيئان، فيُقْسَمُ العَبْدُ وكَسْبُه أخْماسًا (يَعْتِقُ منه ثلاثةُ أخْماسِه، وله ثلاثةُ أخماسِ كَسْبِه، وللوَرَثَةِ خُمْساه وخُمْسَا كَسْبِه) وإن كَسَب ثلاثةَ أمْثالِ قِيمَتِه، فله مِن كَسْبِه ثلاثةُ أشياءَ مع ما عَتَقَ منه، وللوَرَثَةِ شَيئان، فيَعْتِقُ منه ثُلُثاه، وله ثُلُثا كَسْبِه، وللوَرَثَةِ ثُلُثهما. (وإن كَسَب نِصْفَ قِيمَتِه، عَتَقَ منه شيءٌ، وله مِن كَسْبِه نِصْفُ شيءٍ، ولهم شَيئان) فالجميعُ ثلاثةُ أشياءَ ونِصفُ شيءٍ، فإذا بَسَطْتَها أنْصافًا، صارت سَبْعَةً، فله ثلاثةُ أسْباعِها (فيَعْتِقُ منه ثلاثةُ أسْباعِه، وله ثلاثةُ أسْباعِ كَسْبِه، والباقِي للوَرَثَةِ) وذلك مِثْلَا ما عَتَقَ منه.
٢٦٤١ - مسألة: (وإن كان مَوْهُوبًا لإِنسانٍ) فللمَوْهُوبِ له (مِن
стр. 8292
مِنْ كَسْبِهِ.
ــ
العَبْدِ بقَدْرِ ما عَتَقَ منه) وله مِن كَسْبِه بقَدْرِ ذلك. فإن كانت قِيمَتُه مائةً، فكَسَبَ تِسْعَةً، فاجْعَلْ له مِن كلِّ دِينارٍ شيئًا، فقد عَتَقَ منه مائةُ شيءٍ (١)، وله مِن كَسْبِه تِسْعَةُ أشياءَ، ولهم مائَتا شيءٍ، فيَعْتِقُ منه مائةُ جُزْءٍ وتِسْعَةُ أجْزاءٍ مِن ثَلاثمائةٍ وتِسْعَةٍ، وله مِن كَسْبِه مثلُ ذلك، ولهم مائَتا جُزْءٍ مِن كَسْبِه. فإن كان على السَّيِّدِ دَين يَسْتَغْرِقُ قِيمَتَه وقِيمةَ كَسْبِه، صُرِفا في الدَّينِ، ولم يَعْتِقْ منه شيءٌ؛ لأنَّ الدَّينَ مُقَدَّمٌ على التَّبَرُّعِ، وإن لم يَسْتَغْرِقْ قِيمَتَه وقيمةَ كَسْبِه، صُرِف مِن العَبْدِ وكَسْبِه ما يُقضَى به الدَّينُ، وما بَقِيَ منهما يُقْسَمُ على ما يُعْمَلُ في العَبْدِ الكامِلِ وكَسْبِه. فعلى هذا، لو كان على المَيِّتِ دَين بقِيمَةِ العَبْدِ، صُرِف فيه نِصْفُ العَبْدِ ونِصْفُ كَسْبِه، وقُسِم النِّصْفُ الباقِي بينَ الوَرَثَةِ والعِتْقِ نِصْفَين، وكذلك بَقِيَّةُ الكَسْبِ. فإن كَسَب العَبْدُ مثلَ قيمَتِه، وللسَّيِّدِ ماذ بقَدْرِ الكَسْبِ، قَسَمْتَ العَبْدَ ومِثْلَ قِيمَتِه على الأشياءِ الأرْبَعَةِ، لكلِّ شيءٍ ثلاثةُ أرْباعٍ، فيَعْتِقُ مِن العَبْدِ ثلاثةُ أرْباعِه، وله ثلاثةُ أرْباعِ كَسْبِه.
فصل: وإن أعْتَقَ عَبْدًا قِيمَتُه عِشْرُون، ثم أعْتقَ عَبْدًا قِيمَتُه عَشَرَةٌ، فكَسَبَ كلُّ واحِدٍ منهما مثلَ قِيمَتِه، أُكْمِلَتِ الحُرِّيَّةُ في العَبْدِ الأوَّلِ، فيَعْتِقُ
стр. 8293
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
منه شيءٌ، وله مِن كَسْبِه شيءٌ، وللوَرَثَةِ شَيئان، ويُقْسَمُ العَبْدانِ وكَسْبُهما على الأشْياء الأرْبَعَةِ، لكلِّ شيءٍ خَمْسَةَ عَشَرَ، فيَعْتِقُ منه بقَدْرِ ذلك، وهو ثلاثةُ أرباعِه، وله ثلاثةُ أرْباعِ كَسْبِه، والباقِي للوَرَثَةِ. وإنِ بَدَأ بعِتْقِ الأدْنى، عَتَقَ كلُّه، وأخَذَ كَسْبَه، ويَسْتَحِقُّ الوَرَثَةُ مِن العَبْدِ الآخرِ وكَسْبِه مِثْلَي العَبْدِ الذي عَتَقَ، وهو نِصْفُه ونِصْفُ كَسْبِه، ويَبْقَى نِصْفُه ونِصْفُ كَسْبِه بينَهما نِصْفَين، فيَعْتِقُ رُبْعُه، وله رُبْعُ كَسْبِه، ويَرِقُّ ثلاثةُ أرْباعِه، ويَتْبَعُه ثلاثةُ أرْباعِ كَسْبِه، وذلك مِثْلَا ما عَتَقَ منهما. وإن أعْتَقَ العَبْدَين دَفْعَةً واحِدَةً، أقْرَعْنا بينَهما، فمَن خَرَجَتْ له قُرْعَةُ الحُرِّيَّةِ، فهو كما لو بَدَأ بإعْتاقِه.
فصل: فإن أعْتَقَ ثلاثةَ أعْبُدٍ قِيمَتُهم سَواءٌ، وعليه دَين بقَدْرِ قِيمَةِ أحَدِهم، وكَسْبُ أحَدِهم مِثْلُ قِيمَتِه، أقْرَعْنا بينَهم لإخْراجِ الدَّينِ، فإن وَقَعَتْ على غيرِ المُكْتَسِبِ، [بِيعَ في الدَّينِ، ثم أقْرَعْنا بينَ المُكْتَسِبِ والآخَرِ لأجْلِ الحُرِّيَّةِ، فإن وَقَعَتْ على غيرِ المُكْتَسِبِ] (١)، عَتَقَ كلُّه، والمُكْتَسِبُ ومالُه للوَرَثَةِ، وإن وَقَعَتْ قُرْعَةُ الحُرِّيَّةِ على المُكْتَسِبِ، عَتَقَ منه ثلاثةُ أرْباعِه، وله ثلاثةُ أرْباعِ كَسْبِه، وباقِيه وباقِي كَسْبِه والعَبْدُ الآخَرُ للوَرَثَةِ، كما قُلْنا فيما إذا كان للسَّيِّدِ مالٌ بقَدْرِ قِيمَتِه. ولو وَقَعَتْ قرْعَةُ الدَّينِ ابْتداءً على المُكْتَسِبِ، لقَضَينا الدَّينَ بنِصْفِه ونِصْفِ كَسْبِه، ثم
стр. 8294
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أقْرَعْنا بينَ باقِيه وبينَ العَبْدَين الآخَرَين في الحُرِّيَّةِ، فإن وقَعَتْ على غيرِه عَتَقَ كلُّه، وللوَرَثَةِ ما بَقِيَ، فإن وَقَعَتْ على المُكْتَسِبِ عَتَقَ باقِيه، وأخَذْنا باقِيَ كَسْبِه، ثم يُقْرَعُ بينَ العَبْدَين لإتْمامِ الثُّلُثِ، فمن وَقَعَتْ عليه القُرْعَةُ عَتَقَ ثُلُثُه، ويَبْقَى ثُلُثاه، والعَبْدُ الآخَرُ للوَرَثَةِ.
فصل: رجلٌ أعْتَقَ عَبْدَين مُتَساويِي القِيمَةِ بكَلِمةٍ واحِدَةٍ لا مال له غيرُهما، ثم مات أحَدُهما في حَياتِه، أُقْرِعَ بينَ الحَيِّ والمَيِّتِ، فإن وَقَعَتْ على المَيِّتِ، فالحَيُّ رَقِيقٌ، وتَبَيَّنَ أنَّ المَيِّتَ نِصْفُه حُرٌّ؛ لأنَّ مع الوَرَثَةِ مِثْلَيْ نِصْفِه، وإن وَقَعَتْ على الحَيِّ، عَتَقَ ثُلُثُه، ولا يُحْسَبُ المَيِّتُ على الوَرَثَةِ؛ لأنَّه لم يَصِلْ إليهم.
فصل: رجلٌ أعْتَقَ عَبْدًا لا مال له سِواه، قِيمَتُه عَشَرَةٌ، فمات قبلَ سَيِّدِه وخَلَّفَ عِشْرِين، فهي لِسَيِّدِه بالوَلاءِ، وتَبَيَّنَ أنَّه مات حُرًّا. وكذلك إن خَلَّفَ أرْبَعِين وبِنْتًا. وإن خَلَّفَ عَشَرَةً، عَتَقَ منه شيءٌ، وله مِن كَسْبِه شيءٌ، ولسَيِّدِه شَيئانِ، وقد حَصَل في يَدِ سَيِّدِه عَشَرَةٌ تَعْدِلُ شَيئَين (١)، فتَبَيَّنَ أنَّ نِصْفَه حُرٌّ، وباقِيَه رَقِيقٌ، والعَشَرَةُ يَسْتَحِقُّها السَّيِّدُ، نِصْفُها بحُكْمِ الرِّقِّ، ونِصْفُها بالوَلاءِ. فإن خَلَّفَ العَبْدُ ابنًا، فله مِن رَقَبَتِه شيءٌ، ومِن كَسْبِه شيءٌ لِابْنِه بالمِيراثِ، ولسَيِّدِه شَيئان، فتُقْسَمُ العَشَرَةُ على ثلاثةٍ، للابنِ ثُلُثها، وللسَّيِّدِ ثُلُثاها، ونَتَبَيَّنُ أنَّه عتَقَ مِن العَبْدِ ثُلُثُه. وإن خَلَّفَ بنتًا، فلها نِصْفُ شيءٍ، وللسَّيِّدِ شَيئان،
стр. 8295
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصارَتِ العَشَرَةُ على خَمْسَةٍ، للبِنْتِ خُمْسُها، وللسَّيِّدِ أرْبَعَةُ أخْماسِها، تَعْدِلُ شَيئَينَ (١)، فتَبَيَّنَ أن خُمْسَي العَبْدِ مات حُرًّا. وإن خَلَّفَ العَبْدُ عِشْرِين وابنًا، فله مِن كَسْبِه شَيئانِ، يكونان لابنه، ولسَيِّدِه شَيئان، فصارَتِ العِشرُون بينَ السَّيِّدِ وبينَ ابنِه نِصْفَين، وتَبَيَّنَ أنَّه عَتَقَ منه نِصْفُه. فإن مات الابنُ قبلَ مَوْتِ السَّيِّدِ، [وكان] (٢) ابنَ مُعْتَقِه (٣)، وَرِثَه السَّيِّدُ؛ لأنَّنا تَبيَّنَا أنَّ أباه مات حُرًّا، لكونِ السَّيِّدِ مَلَك عِشرِين، وهي مِثْلَا قِيمَتِه، فعَتَقَ، وجَرَّ وَلاءَ ابنِه إلى سَيِّدِه فوَرِثَه. وإن لم يكنْ الابنُ ابنَ مُعْتَقِه (٣)، لم يَنْجَرَّ وَلاؤُه، ولم يَرِثه سَيِّدُ أبِيه. وكذلك الحُكْمُ لو خَلَّفَ هذا الابنُ عِشْرِين ولم يُخَلِّفْ أبُوه شيئًا، أو مَلَك السَّيِّدُ عِشْرِين مِن أيِّ جِهَةٍ كانت. وإن لم يَمْلِكْ عِشْرِين، لم يَنجَرَّ وَلاءُ الابنِ إليه؛ لأنَّ الأبَ لم يَعْتِقْ، وإن عَتَقَ بعضُه جَرَّ مِن وَلاءِ ابنِه بقَدْرِه، فلو خَلَّفَ الابنُ عَشَرَةً، ومَلَك السَّيِّدُ خَمْسَةً، فإنَّكَ تقولُ: عَتَقَ مِن العَبْدِ شيءٌ، ويَجُرُّ مِن وَلاءِ ابنِه مِثْلَ ذلك، ويَحْصُلُ له مِن مِيراثِه شيءٌ مع خَمْسَةٍ، وهما يَعْدِلان شَيئَينِ، وباقِي العَشَرَةِ لمَوْلَى أُمِّه، فيُقْسَمُ بينَ السَّيِّدِ وبينَ مَوْلَى الأُمِّ نِصْفَين، ونتَبيَّنُ أنَّه قدْ عَتَقَ مِن العَبْدِ نِصْفُه، ويَحْصُلُ للسَّيِّدِ خَمْسَةٌ مِن مِيراثِ ابنِه. وكانت له خَمْسَةٌ، وذلك مِثْلَا ما عَتَقَ مِن العَبْدِ. فإن مات الابنُ في
стр. 8296
وَإنْ أَعْتَقَ جَارِيَةً ثُمَّ وَطِئَهَا، وَمَهْرُ مِثْلِهِا نِصْفُ قِيمَتِهَا، فَهُوَ كَمَا لَوْ كَسَبَتْ نِصْفَ قِيمَتِهَا، يَعْتِقُ مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهَا.
وَلَوْ وَهَبَهَا مَرِيضًا آخَرَ لَا مَال لَهُ أيضًا، فَوَهَبَهَا الثَّانِي لِلْأَوَّلِ، صَحَّتْ هِبَةُ الأَوَّلِ فِي شَيْءٍ، وَعَادَ إِلَيهِ بِالْهِبَةِ الثَّانِيَةِ ثُلُثُهُ، بَقِيَ لِوَرَثَةِ الْآخَرِ ثُلُثَا شَيْءٍ، وَلِلأَوَّلِ شَيئَانِ، فَلَهُمْ ثَلَاثَةُ أرْبَاعِهَا، وَلِوَرَثَةِ الثَّانِي رُبْعُهَا.
ــ
حَياةِ أبيه قبلَ مَوْتِ سَيِّدِه وخَلَّفَ مالًا، وحَكَمْنا بعِتْقِ الأبِ أو عِتْقِ بَعْضِه، وَرِثَ مال ابنه (١) إن كان حُرًّا، أو بقَدْرِ ما فيه مِن الحُرِّيَّةِ إن كان بَعضُه حُرًّا، ولم يَرِثْ سَيِّدُه منه شيئًا. وفي هذه المَسائِلِ خِلافٌ تَرَكْنا ذِكْرَه مَخافَةَ التَّطْويلِ.
٢٦٤٢ - مسألة: (وإن أعْتَقَ جارِيَةً) لا مال له غيرُها (ثم وَطِئَها، ومَهْرُ مِثْلِها نِصْفُ قِيمَتِها، فهو كما لو كَسَبَتْ نِصْفَ قِيمَتِهَا، يَعْتِقُ منها ثلاثةُ أسْباعِها) وقد ذَكَرْنا ذلك.
٢٦٤٣ - مسألة: (وإن وَهَبَها مَرِيضًا آخَرَ لا مال له غيرُها، ثم وَهَبَها الثاني للأَوَّلِ) وماتا جَمِيعًا، فنقولُ: (صَحَّتْ هِبَةُ الأَوَّلِ فِي شَيْءٍ، وَعَادَ إِلَيهِ بِالْهِبَةِ الثَّانِيَةِ ثُلُثُهُ، بَقِيَ لِوَرَثَةِ الثَّانِي ثُلُثَا شَيْءٍ، وَلِوَرَثَةِ لِلأَوَّلِ شَيئَانِ) فاضْرِبْها في ثُلُثِه ليَزولَ الكَسْرُ، يكنْ ثمانيةَ أشياءَ، تَعْدِلُ الأمَةَ
стр. 8297
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المَوْهُوبَةَ، فلوَرَثَةِ الواهِبِ الأوَّلِ (ثلاثةُ أرْباعِها) سِتَّةٌ، (ولوَرَثَةِ الثانِي رُبْعُها) شَيئان، وإن شِئْتَ قُلْتَ: المسأَلةُ مِن ثلاثةٍ (١)؛ لأنَّ الهِبَةَ صَحتْ في ثُلُثِ المالِ، وهِبَةَ الثانِي صَحَّتْ في ثُلُثِ الثُّلُثِ، فتكونُ مِن ثلاثةٍ، اضْرِبْها في أصْلِ المسأَلةِ، تكُنْ تِسْعَةً، أسْقِطِ السَّهْمَ الَّذي صَحَّتْ فيه الهِبَةُ الثانيةُ؛ لأننا لو رَدَدْناه على الأوَّلِ لوَجَبَ رَدُّه على جَمِيعِ السِّهامِ الباقِيَةِ، إذ يَلْزَمُ مِن زِيادَةِ الباقِي للواهِبِ الأوَّلِ زِيادَةُ الجُزْءِ الَّذي صَحَّتْ فيه الهِبَةُ الأُوْلَى، فيَسْقُطُ كما يَسْقُطُ الباقِي في مَسْأَلةِ الرَّدِّ؛ إذِ العِلَّةُ في إسْقاطِه ثَمَّ أنَّنا لو رَدَدْناه لرَدَدْناه على جَمِيعِ السِّهامِ بالسَّويَّةِ، فإذا أسْقَطْا ذِكْرَه، عاد على جَمِيعِ السِّهامِ بالسَّويَّةِ (٢) كذلك ههُنا، إذا أسْقَطْا هذا السَّهْمَ بَقِيَتِ المسألةُ مِن ثَمانِيَةٍ، كما ذكَرْنا.
فُصُولٌ في هِبَةِ المَريضِ: رجلٌ وَهَب أخاه مائةً لا يَمْلِكُ غيرَها، فَقَبَضها ثم مات وخَلَّفَ بِنتًا، فقد صَحَّتِ الهِبَةُ في شيءٍ، والباقي للواهِبِ، ورَجَع إليه بالمِيراثِ نِصْفُ الشيءِ الَّذي جازَتِ الهِبَةُ فيه، صار معه مائةٌ إلا نِصْفَ شيءٍ يَعْدِلُ شَيئَينِ، فالشيءُ خُمْسَا ذلك أرْبَعُون (٢)، رَجَع إلى الواهِبِ نِصْفُها عِشْرُونَ، صار معه ثَمانون، وبَقِيَ لوَرَثَةِ المَوْهُوبِ له عِشْرُون. وطَرِيقُها بالبابِ (٣) أن تَأُخُذَ عَدَدًا لثُلُثِه
стр. 8298
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نِصْفٌ، وهو سِتَّةٌ، فَتَأْخُذَ ثُلُثَه اثْنَين، وتُلْغِيَ نِصْفَه سَهْمًا، يَبْقَي سَهْمٌ، فهو للمَوْهُوبِ له، ويَبْقَى للواهِبِ أرْبَعةٌ، فتَقْسِمَ المائةَ بينَهما على خَمْسَةٍ، والسَّهْمُ الَّذي أسْقَطْتَه لا يُذْكَرُ؛ لأنَّه يَرْجِعُ على جَمِيعِ السِّهامِ الباقِيَةِ بالسَّويَّةِ، فيَجِبُ اطِّراحُه، كالسِّهامِ الفاضِيَةِ عن الفُرُوضِ في مسألةِ الرَّدِّ. [وقد ذَكَرْناه في المسألةِ قبلَها] (١). ولو كان (٢) تَرَك ابْنَتَين، ضَرَبْتَ ثلاثةً في ثلاثةٍ، صارتْ تِسْعَةً، وأسْقَطْتَ منْهما سَهْمًا، يَبقَى سَهْمانِ، فهي التي تَبْقَى لوَرَثَةِ المَوْهُوبِ له، وتَبْقَى سِتَّةٌ للواهِبِ، وهي مِثْلا ما جازَتِ الهِبَةُ فيه. وإن خَلَّفَ امرأةً وبِنتًا، فمسألتُها مِن ثمانيةٍ، نَضْرِبُها في ثلاثةٍ، تكونُ أرْبَعَةً وعِشْرِين، يَسْقُطُ منها الثلَاثَةُ التي وَرِثَها الواهِبُ، يَبْقَى أحَدٌ وعِشْرُون، فهي المالُ، ويَأْخُذُ ثُلُثَ الأرْبَعَةِ والعِشْرِين وهي ثمانيةٌ، يُلْغَى منها الثلاثَةُ، يَبْقَى خَمْسَةٌ، فهي (٣) الباقِيَةُ لوَرَثَةِ المَوْهُوبِ له، والباقِي للواهِبِ، فتُقْسَمُ المائةُ على هذه السِّهامِ.
فصل: فإن وَهَب رجلًا جارِيَةً، فقَبَضَها المَوْهُوبُ له وَوَطِئَها، ومَهْرُ مِثْلِها (٤) ثُلُثُ قِيمَتِها، ثم مات الواهِبُ ولا شيءَ له سِواها، وقِيمَتُها ثَلاثُونَ، ومَهْرُها عَشَرَةٌ، فقد صَحَّتِ الهِبَةُ في شيءٍ، وسَقَط عنه مِن مَهْرِها ثُلُثُ شيءٍ، وبَقِيَ للواهِبِ أرْبَعُونَ إلا شيئًا وثُلُثًا يَعْدِلُ شَيئَين، اجْبُرْ
стр. 8299
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقابِلْ، يَخْرُجِ الشيءُ، خُمْسُ ذلك وعُشْرُه، وهو اثْنا عَشَرَ وذلك خُمْسَا الجارِيَةِ، فقد صَحَّتِ الهِبَةُ فيه، ويَبْقَى لِلْواهِبِ (١) ثلاثةُ أخْماسِها، وله على المَوْهُوبِ له ثلاثةُ أخْماسِ مَهْرِها وهو سِتَّةٌ. ولو كان الواطِيءُ أجْنَبِيًّا فكذلك، ويكونُ عليه مَهْرُها، ثلاثةُ أخْماسِه للواهِبِ، وخُمْساه للمَوْهُوبِ له، إلَّا أنَّ نُفُوذَ (٢) الهِبَةِ فيما زاد على الثُّلُثِ منها مَوْقُوفٌ على حُصُول المَهْرِ مِن الواطِئ، فإن لم يَحْصُلْ منه شيءٌ لم تَزِدِ الهِبَةُ على ثُلُثِها. وكلَّما حَصَل منه شيءٌ نَفَذَتِ الهِبَةُ في الزِّيادَةِ بقَدْرِ ثُلُثِه. فإن وَطِئَها الواهِبُ، فعليه (٣) مِن عُقْرِها (٤) بقَدْرِ ما جازَتِ الهِبَةُ فيه، وهو ثُلُثُ شيءٍ يَبْقَى معه ثَلاثُون إلَّا شيئًا وثُلُثًا، يَعْدِلُ شَيئَين، فالشيءُ تِسْعَةٌ، وهو خُمْسُ الجارِيَةِ وعُشْرُها، وسَبْعَةُ أعْشارِها لوَرَثَةِ الواطِئِ، وعليه عُقْرُ الَّذي جازَتِ الهِبَةُ فيه ثُلُثُه (٥)، فإن أخَذَ مِن الجارِيَةِ بقَدْرِها، صار له خُمْساها.
فصل: وإن وَهَب مَرِيضٌ عَبْدًا لا يَمْلِكُ غيرَه، فقَتَلَ العَبْدُ الواهِبَ، قِيلَ للمَوْهُوبِ له: إمّا أن نَفْدِيَه، وإمّا أن تُسَلِّمَه. فإنِ اخْتارَ تَسْلِيمَه سَلَّمَه كلَّه، نِصْفَه بالجِنايَةِ، ونِصْفَه لانْتِقاصِ الهِبَةِ؛ وذلك لأنَّ
стр. 8300
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
العَبْدَ كلَّه قد صار إلى وَرَثَةِ الواهِبِ، وهو مِثْلَا نِصْفِه، فتَبَيَّنَ أنَّ الهِبَةَ جازَتْ في نِصْفِه. فإنِ اخْتارَ فِداءَه، ففيه رِوايَتان؛ إحْداهما، يَفْدِيه بأقَلِّ الأمْرَين مِن قِيمَةِ نَصِيبِه فيه أو أرْشِ جِنايَتِه. والأُخْرَى، يَفْدِيه بقَدْرِ ذلك مِن أرْشِ جِنايَتِه، بالِغَةً ما بَلَغَتْ. فإن كانت قِيمَتُه دِيَةً، فإنَّك تقولُ: صَحَّتِ الهِبَةُ في شيءٍ. وتَدْفَعُ إليهم نِصْفَ العَبْدِ وقِيمَةَ نِصْفِه، وذلك يَعْدِلُ شَيئَين، فتَبَيَّنَ أنَّ الشيءَ نِصْفُ العَبْدِ. وإن كانتْ قِيمَتُه دِيَتَين، واخْتارَ دَفْعَه، فإنَّ الهِبَةَ تَجُوزُ في شيءٍ، وتَدْفَعُ إليهم نِصْفَه، يَبْقَى معهم عبدٌ إلَّا نِصْفَ شيءٍ، يَعْدِلُ شَيئَين، فالشيءُ خُمْساه، وتَرُدُّ إليهم ثلاثَةَ أخْماسِه لانْتِقاصِ (١) الهِبَةِ، وخُمْسًا مِن أجْلِ جِنايَتِه، فيَصِيرُ لهم أرْبَعَةُ أخْماسِه، وذلك مِثْلَا ما جازَتِ الهِبَةُ فيه. وإنِ اخْتارَ فِداءَه، فَداه بخُمْسَيِ الدِّيَةِ [ويَبْقَى لهم ثلاثةُ أخْماسِه وخُمْسَا الدِّيَةِ، وهي بمَنْزِلَةِ خُمْسِه، ويَبْقَى له خُمْساه. وإن كانت قِيمَتُه نِصْفَ الدِّيَةِ] (٢) أو أقَلَّ، وقُلْنا: يَفْدِيه بأرْشِ جِنايَتِه. نَفَذَتِ الهِبَةُ في جَمِيعِه؛ لأنَّ أَرْشَها أكْثَرُ مِن مِثْلَيْ قِيمَتِه. وإن كانت قِيمَتُه ثلاثَةَ أخْماسِ الدِّيَةِ، فاخْتارَ فِداءَه بالدِّيَةِ، فقد صَحَّتِ الهِبَةُ في شيءٍ، ويَفْدِيه بشيءٍ وثُلُثَين، فصارَ مع الوَرَثَةِ عَبْدٌ وثُلُثَا شيءٍ يَعْدِلُ شَيئَين، فالشيءُ يَعْدِلُ ثلاثَةَ أرباعٍ، فتَصِحُّ الهِبَةُ في ثلاثَةِ أرْباعِ العَبْدِ، ويَرْجِعُ إلى الواهِبِ رُبْعُه مائةٌ وخمْسُون،