← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 8331–8370 · переход к 8336.

стр. 8331

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رسولُ اللهِ ﷺ يعُودُنِي عامَ حَجةِ الوَداع مِن وَجَعٍ اشْتَدَّ بي، فقُلْتُ: يا رسولَ الله، قد بَلَغ لي مِن الوَجَعَ ما ترَى، وأنا ذو مالٍ، ولا يَرثُنِي إلَّا ابنةٌ، أفأتصَدَّقُ بثُلثَيْ مالِي؟ قال: «لا». قُلْتُ: فبِالشَّطْرِ يا رسولَ اللهِ؟ قال: «لا». قلتُ: فبالثُّلُثِ؟ قال: «الثُّلُثُ، والثُّلُثُ كَثِيرٌ، إنَّكَ أن تَذَرَ وَرَثَتَكَ أغْنِياءَ خير مِنْ أنْ نَذَرَهُم عالة يَتَكَفَّفُونَ النّاسَ». مُتَّفقٌ عليه (١). وعن ابنِ عُمَرَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: «مَا حَقُّ امْرِئ مسلِم لَهُ ما يُوصِي فِيه يَبيتُ لَيلَتَينِ إلا وَوَصيَّته مَكْتُوبَة عِنْدَه». مُتفَقٌ عليه (٢). وعن أبي أمامَةَ قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «إن الله قَدْ أعْطَى كُلَّ ذِي حَق حَقهُ، فلا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ». رَواه أبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ (٣)، وقال: حديث حَسَن صحيح. وعن عَلِيٍّ، ﵁، قال: إنَّكُم تَقْرَءونَ هذه الآيةَ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَينٍ﴾. وإنَّ النبي ﷺ قَضَى بالدينِ قبلَ الوَصِيَّةِ. رَواه التِّرْمِذِيُّ (٤).

стр. 8332

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأجْمَعَ العلَماء في جَميعِ الأمْصارِ والأعْصارِ على جَوازِ الوَصِيَّةِ. فصل: ولا تَجب إلَّا على مَن عليه دَين، أو عندَه وَدِيعَةٌ، أو عليه واجِبٌ يُوصَى بالخَروجِ منه؛ لأنَّ الله تعالى أوْجَبَ أداءَ الأماناتِ إلى أهلِها، وطَرِيقُه الوَصِيَّةُ، فتكونُ واجِبَةً عليه. فأمّا الوَصِيَّةُ ببعضِ مالِه، فليست واجِبَةً عندَ الجُمْهورِ. يُرْوى ذلك عن الشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، والثَّوْرِيِّ، ومالكٍ، وأصحابِ الرأي، والشافعيِّ، وغيرِهم. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: أجْمَعُوا على أن الوَصِيَّةَ غيرُ واجِبَةٍ إلَّا على مَن عليه حَقٌّ بغيرِ بَينةٍ، أو أمانَة بغيرِ إشْهادٍ، إلَّا طائِفَةً شَذَّتْ فأوْجَبَتْها. فرُوىَ عن الزُّهْرِيِّ أنَّه قال: جَعَل اللهُ الوَصِيةَ حَقًّا ممّا قَلَّ أو كَثُر. وقِيلَ لأبي مِجْلَزٍ: على كلِّ مَيِّتٍ وَصِيَّة؟ قال: إن تَرَك خَيرًا. وقال أبو بكر عبدُ العزيزِ: هي واجِبَةٌ للأقْرَبِين الذين لا يَرِثُون. وبه قال داودُ. وحُكِيَ ذلك عن مَسْرُوقٍ، وطاوُس، وإياس، وقتادَةَ، وابنِ جَرِيرٍ. واحْتَجُّوا بالآيَةِ، وبخَبَرِ ابنِ عُمَرَ، فقالُوا: نُسِخَتِ (١) الوَصِيَّةُ للوالِدَين والأقرَبِين الوارِثِين، وبَقِيَتْ في مَن لا يَرِثُ مِن الأقرَبِين. ولَنا، أنَّ أكْثَرَ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ لم يُوصُوا، ولم يُنْقَلْ لذلك نَكِيرٌ، ولو كانت واجِبَةً

стр. 8333

وَتَصِحُّ مِنَ الْبَالِغِ الرشِيدِ، عَدْلًا كَانَ أوْ فَاسِقًا، رَجُلًا أو امْرَأةً، مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا. ــ لم يخِلوا بذلك، ولَنُقِلَ عنهم نَقْلًا ظاهِرًا, ولأنَّها عَطيَّةٌ لا تَجِبُ في الحَياةِ فلم تَجِبْ بعدَ المَوْتِ، كعَطيةِ الأجانِبِ. فأمّا الآية، فقال ابن عباس: نَسَخَها قَوْله سبحانه: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ (١)، الآية. وقال ابن عُمَرَ: نَسَخَتْها آية المِيرَاثِ (٢). وبه قال عِكْرِمَة، ومجاهِدٌ، ومالكٌ، والشافعيُّ. وذَهَب جَماعَةٌ ممَّن يَرَى نَسْخَ القرآنِ بالسنَّةِ، إلى أنّها نسِخَتْ بقولِ النبي ﷺ : «إنَّ الله قَدْ أعْطَى كُلَّ ذِي حَقّ حَقَّه، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارثٍ». وحديث ابنِ عُمَرَ مَحْمولٌ على مَن عليه واجبٌ أو عندَه وَدِيعَةٌ. ٢٦٥٠ - مسألة: (وتَصِح مِن البالِغِ الرّشِيدِ، عَدْلًا كان أو فاسِقًا، رجلًا أو امرأةً، مُسْلِمًا أو كافرًا) لأنَّ هِبَتَهم صَحِيحَةٌ، فالوَصِيَّةُ أوْلَى.

стр. 8334

وَمِنَ السَّفِيهِ في أصَحِّ الْوَجْهَينِ، ــ ٢٦٥١ - مسألة: (و) تَصِحُّ (مِن السفِيهِ في أصَحِّ الوَجْهَين) المَحْجُورُ عليه للسَّفَهِ تَصِحُّ وَصِيته في قياسِ قولِ أحمدَ. قال الخَبْرِي: وهو قولُ الأكْثَرِين. وفيه وَجْه آخَرُ، أنها لا تَصِحُّ. حَكاه أبو الخَطّابِ؛ لأنّه مَحْجُورٌ عليه في تَصَرُّفاتِه، فلم تَصِحّ منه، كالهِبَةِ. ولَنا، أنّه عاقِلٌ مُكَلفٌ، فصَحَّت وَصِيَّتُه، كالرشِيدِ، ولأن وَصِيَّتُه مَحْضُ مَصلحةٍ مِن غيرِ ضَرَرٍ؛ لأنّه إن عاش لم يَذْهَبْ مِن مالِه شيءٌ، وإن مات فهو مُحْتاجٌ إلى الثَّوابِ، فصَحَّتْ وَصِيَّتُه، كعِباداتِه.

стр. 8335

وَمِنَ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ إذَا جَاوَزَ الْعَشْرَ، وَلَا تَصِحُّ مِمنْ لَهُ دُونَ السَّبْعِ، وَفِيمَا بَينَهُمَا رِوَايَتَانِ. ــ فصل: (و) تَصِحُّ (مِن الصبِيِّ العاقِلِ إذا جاوَزَ العَشْرَ، ولا تَصِحُّ ممن له دُونَ السَّبْعِ، وفيما بينَهما رِوايتان) المَنْصُوصُ عن أحمدَ صِحة وَصيةِ الصَّبِيِّ العاقِلِ إذا جاوَزَ العَشْرَ. رَواه عنه صالِحٌ، وحَنْبَلٌ. قال أبو بكر: لا يَخْتَلِفُ المَذْهَبُ أن مَن له عَشْرُ سِنِين تَصِحُّ وصيتُه، ومَن له دُونَ السَّبْعِ لا تَصِحُّ وَصمته، وفيما بينَ السَّبْعِ والعَشْرِ رِوايتان. وقال ابن أبي مُوسى: لا تَصِحُّ وَصِيَّةُ الغُلامِ لدُونِ العَشْرِ، ولا الجارِيَةِ لدونِ

стр. 8336

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تِسْعٍ، قولًا واحِدًا. وما زاد على العَشْرِ، فتَصِحُّ على المَنْصُوصِ. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، لا تَصِح حتى يبلُغ. وقال القاضي، وأبو الخَطّابِ: تَصِحُّ وصيةُ الصَّبِيِّ إذا عَقَل. وقد رُوِيَ عن عُمَرَ، ﵁، أنّه أجاز وَصِيَّةَ الصَّبِيِّ. وهو قولُ عُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وشُرَيحٍ، وعَطاءٍ، والزُّهرِيِّ، وإياس، وعبدِ اللهِ بنِ عُتْبَةَ، والشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، ومالكٍ، وإسحاقَ. قال إسحاقُ: إذا بَلَغ اثنَتَى عَشْرَةَ. وحَكاه ابنُ المُنْذِرِ عن أحمدَ. وعن ابنِ عباسٍ، لا تصِحُّ وصيتُه حتى يَبْلُغ. وبه قال الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وأصحابُ الرأي. وللشافعيِّ قولان كالمَذْهَبَين. ولأنَّه تَبَرُّعٌ بالمالِ، فلا يَصِحُّ مِن الصَّبِي، كالهبة والعتقِ. ولَنا، ما رُوِيَ أن صَبيًّا مِن غَسّانَ لَه عَشْرُ سِنين أوْصَى لأخوالٍ له، فرُفِعَ ذلك إلى عُمَرَ بنِ الخَطّابِ، ﵁، فأجازَ وَصِيَّتَه. رَواه سعيد (١). وروَى مالكٍ في «مُوَطَّئِه» (٢) عن عبدِ اللهِ بنِ أبي بكرٍ، عن أبيه، أنَّ عمرو بنَ سُلَيم أخْبَرَه أنه قِيلَ لعُمَرَ بنِ الخَطّابِ: إنَّ ها هُنا غُلَامًا يَفَاعًا لم يَحْتَلِمْ، ووَرَثته بالشّامِ، وهو ذو مالٍ، وليس له ها هُنا إلَّا ابنَةُ

стр. 8337

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عَمٍّ. فقال عُمَرُ: فلْيُوصِ لها. فأوْصَى لها (١) بمالٍ يُقالُ له: بِئْرُ جُشَمَ (٢). قال عمرُو بنُ سليم: فبِعْتُ (٣) ذلك المال بثَلاثين ألْفًا. وابنةُ عَمِّه التي أوْصَى لها هي أُمُّ عمرٍو (٤) بنِ سُلَيمٍ. قال أبو بكرٍ: وكان الغُلامُ ابنَ عَشْر أو اثْنَتَى عَشْرَةَ سنة. وهذه قَضِيَّة انْتَشَرَتْ ولم تُنْكَرْ؛ ولأنه تَصَرُّفٌ تَمَحَّضَ نَفْعًا للصَّبِيِّ، فصَحَّ منه كالإسْلامِ والصلاةِ، وذلك لأنَّ الوَصِيَّةَ صَدَقَةٌ يَحْصُلُ ثَوابُها له بعدَ غِناه عن مِلْكِه، فلا يَلْحَقُه ضَرَرٌ في عاجِلِ دُنْياه ولا أخْراه، بخِلافِ الهِبَةِ والعِتْقِ المُنْجَزِ، فإنَّه يُفَوِّت مِن مالِه ما يَحْتاجُ إليه، وإذا رُدَّتْ رَجَعَتْ إليه، وها هُنا لا يَرْجِعُ إليه بالرَّدِّ، والطِّفْلُ لا عَقلَ له، ولا تَصِحُّ عِباداتُه ولا إسْلامُه. وأمّا مَن له فوقَ السَّبْعِ ولم يَبْلُغِ العَشْرَ، فقد ذَكَرْنا فيه رِوايَتَين؛ إحْداهما، تَصِحُّ وَصِيته. وهو

стр. 8338

وَلَا تَصِح مِنْ غَيرِ عَاقِل؛ كَالطفْلِ، وَالْمَجْنُونِ، وَالْمُبَرْسَمِ. وَفِي السَّكْرَانِ وَجْهَانِ. ــ ظاهِرُ قولِ القاضي، وأبي الخَطّابِ؛ لأنه عاقِل يَصِحُّ إسلامُه، يُؤْمَرُ بالصلاةِ وتَصِحُّ منه، أشْبَهَ مَن جاوَزَ العَشْرَ. والثانيةُ، لا تَصِحُّ، كمن له دُونَ السبْعِ. والأولُ أقْيَسُ. واللهُ أعلمُ. قال الخِرَقِي: ومَن جاوَزَ العَشْرَ فوَصِيته جائِزَة إذا وافَقَ الحَق. يُرِيدُ إذا وَصَّى وَصيَّة يَصِحُّ مِثْلُها مِن البالِغِ صَحَّتْ منه، وما لا فلا. قال شُرَيحٌ، وعبدُ اللهِ بنُ عُتْبَةَ، وهما قاضِيان: مَن أصاب الحَق أجَزْنا وَصِيَّتَه. ٢٦٥٢ - مسألة: (ولا تَصِحُّ مِن غيرِ عاقِلٍ؛ كالطِّفْلِ، والمَجْنُونِ، والمُبَرْسَمِ. وفي السكرانِ وَجْهان) أمّا الطِّفْلُ، [وهو مَنْ] (١)

стр. 8339

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لهُ دُونَ سَبْعِ سِنِين، والمَجْنُونُ، والمُبَرْسَمُ، فلا وَصِيةَ لهم، في قولِ الأكْثَرِين؛ منهم حُمَيدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، ومالكٌ، والأوْزَاعِيُّ، والشافعي، وأصحابُ الرأي، ومَن تَبِعَهم. قال شيخُنا (١): ولا نَعْلَمُ أحَدًا خالفَهم إلَّا إياسَ بنَ مُعاويَةَ، فإنّه قال في الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ: إذا وافَقَت وَصِيتهما الحَق جازت. وليس بصِحيِحٍ، فإنَّه لا حُكْمَ لكَلامِهما, ولا تَصِح عِباداتُهما ولا شيءٌ مِن تصَرُّفاتِهما، فكذلك الوَصِيَّةُ، بل أوْلَى، فإنَّه إذا لم يَصِح إسْلامُه، وصَلاُته التي هي مَحْضُ نَفْعٍ لا ضَرَرَ فيها، فأوْلَى أن لا يَصِح بَذْلُه لمالٍ يَتَضَرَّرُ به وارِثُه. فأمّا مَن يُفِيقُ في الأحْيانِ، فإذا أوْصَى حالَ جُنُونِه لم يَصِحَّ، وإن أوْصَى حال إفاقَتِه صَحَّتْ وَصِيَّتُه؛ لأنّه بمَنْزِلَةِ العُقَلاءِ في شَهادَتِه ووُجُوبِ العِباداتِ عليه، فكذلك وَصِيته. ولا تَصِحُّ وَصِيَّةُ السكْرانِ في أصَحِّ الوَجهين. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّها تَصِحُّ، بِناءً على طَلاقِه. والأولُ أصَح؛ لأنّه غيرُ عاقِلٍ، أشْبَهَ المجْنُونَ، وطَلاقُه إنَّما أوْقَعَه مَن أوْقعَه تَغْلِيظًا عليه، لارْتكابِه المَعصِيَةَ، فلا يَتَعَدَّى هذا إلى وَصِيَّته، فإنَّه لا ضَرَرَ عليه فيها،

стр. 8340

وَتَصِحُّ وَصِيَّةُ الْأخْرَسِ بِالإشَارَةِ، وَلَا تَصِحُّ وَصِيَّةُ مَنِ اعْتَقَلَ لِسَانُهُ بِهَا، وَيحْتَمِلُ أنْ تَصِحَّ. ــ إنَّما الضَّرَرُ على وارِثِه. فأمّا الضعِيفُ في عَقْلِه، فإن مَنَع ذاك رُشْدَه في مالِه، فهو كالسفِيهِ، وإلا فهو كالعاقِلِ. والله أعلمُ. ٢٦٥٣ - مسألة: (وتَصِحُّ وَصِيَّةُ الأخْرَسِ بالإشارَةِ، ولا تَصِحُّ مِمَّن اعْتَقَلَ لِسانُه بها. ويَحْتَمِلُ أن تَصِحَّ) إذا فُهِمَتْ إشارَةُ الأخْرَسِ، صَحَّتْ وَصِيته بها؛ لأنها أُقِيمَتْ مُقامَ نُطقه في طَلاقِه ولِعانِه وغيرِهما، فإن لم تُفْهَمْ إشارَتُه، فلا حُكْمَ لها. وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعي، وغيرُهما. فأمّا النّاطِقُ إذا اعْتُقِلَ لِسانُه، فعُرِضَتْ عليه وَصِيَّتُه، فأشارَ بها وفُهِمَتْ إشارته، فلا تصحُّ وَصيته إذا لم يكنْ مَأيوسًا مِن نُطقه. ذَكَره القاضي، وابنُ عَقِيل. وبه قال الثوْرِي، والأوْزَاعِي، وأبو حنيفةَ. ويَحْتَمِلُ أن تَصِحَّ. وهو قولُ الشافعيِّ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه غيرُ قادِرٍ على الكَلام، أشْبَهَ الأخْرَسَ. واحْتَجَّ ابنُ المُنْذِرِ بأنَّ رسولَ الله ﷺ صَلَّى وهو قاعِدٌ، فأشار إليهم فقَعَدُوا. رَواه البُخارِي (١). وخرَّجَه ابنُ عَقِيلٍ

стр. 8341

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَجْهًا إذا اتَّصَلَ باعْتِقالِ لِسانِه المَوْتُ. ولَنا، إنّه غيرُ مأيُوس مِن نُطْقِه، فلم تَصِحَّ وَصِيَّتُه بالإشارَةِ، كالقادِرِ على الكلامِ. والخَبَرُ لا يُلْزِمُ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ كان قادِرًا على الكَلامِ، ولا خِلافَ في أنَّ إشارَه القادِرِ لا تَصِحُّ بها وَصِيَّتُه ولا إقْرارُه، وفارَقَ الأخْرَسَ، فإنَّه مَأيوسٌ مِن نُطْقِه. فصل: وإن وَصَّى عَبْدٌ أو مُكاتَبٌ أو أمُّ وَلَدٍ وَصِيَّةً، ثم ماتُوا على الرقِّ، فلا وَصِيَّةَ لهم؛ لأنَّه لا مال لهم. وإن عَتَقُوا ثم ماتُوا ولم يُغيِّرُوا وَصِيتهم، صَحَّتْ؛ لأنَّ لهم قولًا صَحيحًا وأهْلِيَّةً تامَّةً، وإنَّما (١) فارَقُوا الحُرَّ بأنهم لا مال لهم، والوَصِيَّةُ تَصِحّ مع عَدَمِ المالِ، كما لو وَصَّي الفَقِيرُ ولا شيءَ له، ثم اسْتَغْنَى. وإن قال أحَدُهم: متى عَتَقْتُ ثم مِت، فثُلُثي لفُلان وَصِيَّة. فَعَتَقَ ثم مات، صَحَّتْ وَصِيَّتُه. وبه قال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ، وأبو ثَوْرٍ. ولا أعْلَمُ عن غيرِهم خِلافَهم.

стр. 8342

وَإنْ وُجِدَتْ وَصِيتهُ بِخَطِّهِ، صَحتْ. وَيَحْتَمِلُ ألا تَصِح حَتى يُشهِدَ عَلَيهَا. ــ ٢٦٥٤ - مسألة: (وإن وُجِدَتْ وَصِيَّتُه بخَطِّه، صَحَّتْ) وعنه (لا تَصِحُّ حتى يُشْهِدَ عليها) نَقَل إسحاقُ بنُ إبراهيمَ عن أحمدَ، أنه قال: مَن مات فوُجِدَتْ وَصِيَّتُه مَكْتُوبَة عند رَأسِه ولم يُشْهِدْ عليها، وعُرِف خَطُّه وكان مَشْهُورَ الخَطِّ، يقْبَلُ ما فيها. ووَجْهُ ذلك قولُ النبيِّ ﷺ : «مَا حَق امْرِئ مُسْلِم لَهُ شيء يُوصِي فيه، يَبيتُ لَيلَتَين إلَّا ووَصِيته مَكْتُوبَة عِنْدَهُ» (١). ولم يَذْكُرْ شَهادَةً. ولأن الوَصِيَّةَ يُتَسامَحُ فيها، ويَصِح تَعْلِيقُها على الخَطَرِ والغرَرِ، وتَصِح للحَمْلِ وبالحَمْلِ، وبما لا يُقْدَرُ على تَسْلِيمِه، فجاز أن يُتَسامَحَ فيها بقَبُولِ الخَطِّ، كرِوايَةِ الحديثِ، وكما لو كَتَب الطلاقَ ولم يَلْفِظْ به. وعن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّه لا يُقْبَلُ الخَطُّ في الوَصِيَّةِ، ولا يُشْهِدُ على الوَصِيَّةِ المَخْتُومَةِ حتى يَسْمَعَها الشُّهُودُ منه،

стр. 8343

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أو تُقْرَأ عليه فيُقِرَّ بما فيها. وبهذا قال الحسنُ، وأبو قِلابَةَ، والشافعي، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأي؛ لأنَّ الحُكْمَ لا يجوزُ برُويَةِ خَط الشّاهِدِ بالشَّهادَةِ، فكذا ها هُنا, وأبلَغُ مِن هذا أنَّ الحاكِمَ لو رَأى حُكْمَه بخَطِّه تَحتَ خَتْمِه، ولم يَذْكُرْ أنَّه حَكَمَ به، أو رَأى الشّاهِدُ شَهادَتَه بخَطِّه، ولم يَذْكُرِ الشَّهادَةَ، لم يَجُزْ للحاكِمِ إنْفاذُ الحُكْمِ بما وَجَدَه، ولا للشّاهِدِ الشَّهادَةُ بما رَأى خَطَّه به، فها هُنا أوْلَى. فصل (١): وإن كَتَب وَصِيَّتَه، وقال: اشْهَدُوا عَلَيَّ بما في هذه الوَرَقَةِ. أو قال: هذه وَصِيتي فاشْهَدُوا عَلَيَّ بها. فقد حُكِيَ عن أحمدَ، أنَّ الرجلَ إذا كَتَب وَصِيَّتُه وختَم عَليها، وقال للشهُودِ: اشهَدُوا على بما في هذا الكتابِ. لا يجوزُ حتى يَسْمَعُوا منه ما فيه، أو يُقْرَأ عليه فيُقِر بما فيه. وهو قولُ مَن سَمَّينا في المسألةِ الأولَى. ويَحْتَمِلُ جوازُه على ما نَقَلَه عن أحمدَ إسحاقُ بنُ إبراهيمَ في المسألةِ قبلَها، وذَكَرَه الخِرَقِي. وممَّن

стр. 8344

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال ذلك؛ عبدُ المَلِكِ بنُ يَعْلَى (١)، ومَكْحُولٌ، ونُمَيرُ بنُ إبراهيمَ (٢)، ومالكٌ، واللَّيثُ، والأوْزاعِيُّ، ومحمدُ بنُ مَسْلَمَةَ، وأبو عُبَيدٍ، وإسحاقُ. ورُوِيَ عن سالمِ بنِ عبدِ اللهِ، وقَتادَةَ، ولسَوَّارِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الحسنِ، ومُعاذِ بنِ مُعاذٍ (٣) العَنْبَرِيَّيْن. وهو مَذْهَبُ فُقَهاءِ أهلِ البَصْرَةِ وقُضاتِهم، واحْتَجَّ أبو عُبَيدٍ بكُتُبِ رسولِ اللهِ ﷺ إلى عُمّالِه وأُمَرائِه في أمْرِ ولايته وأحْكامِه وسُنَنِه، ثم ما عَمِل به الخُلفاءُ الرّاشِدُون المَهْدِيُّون بعدَه مِن كُتُبِهم إلى وُلاتِهم بالأحْكامِ التي فيها الدِّماءُ والفُرُوجُ والأمْوالُ مَخْتُومَةً، لا يَعْلَمُ حامِلُها ما فيها، وأمْضَوْها على وَجْهِها. وذَكَرَ اسْتِخْلافَ سُلَيمانَ بنِ عبدِ المَلِكِ عُمَرَ بنَ عبدِ العزيزِ بكتابٍ كَتَبَه وخَتَم عليه. ولا نَعْلَمُ أحدًا أنْكَرَ ذلك مع شُهْرَتِه وانْتِشارِه في عُلَماءِ العَصْرِ، فيكونُ إجْماعًا. ووَجْهُ القولِ الأوَّلِ، أنَّه كِتابٌ لا يَعْلَمُ الشّاهِدُ ما فيه، فلم يَجُزْ أن يَشْهَدَ عليه، ككِتابِ القاضي إلى القاضي. والأوْلَى الجَوازُ إن شاء اللهُ تعالى؛ لظُهُورِ دَليلهِ. والأصْلُ لَنا فيه مَنْعٌ.

стр. 8345

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وأمّا إذا ثَبَتَتِ الوَصِيَّةُ بشَهادَةٍ، أو إقْرارِ الوَرَثَةِ به، فإنَّه يَثْبُتُ حُكْمُه ويُعْمَلُ به ما لم يُعْلَمْ رُجُوعُه عنه، وإن تطاوَلَتْ مُدَّتُه وتَغيرَتْ أحْوالُ المُوصِي، مثلَ أن يُوصِيَ في مَرَض فيَبْرَأ منه، ثم يَمُوتَ بعدُ أو يُقْتَلَ؛ لأن الأصْلَ بَقاؤه، فلا يَزُولُ حُكْمُه بمُجَرَّدِ الاحْتِمالِ والشكِّ، كسائِرِ الأحْكام. فصلَ: ويُسْتَحَب أن يَكْتُبَ المُوصِي وَصِيتَّه ويُشْهِدَ عليها؛ لأنه أحْوَطُ لها وأحْفَظُ لِما فيها، وقد ذَكَرنا حديثَ ابنِ عُمَرَ. وروَى أنَسٌ، ﵁، قال: كانوا يَكْتُبُون في صُدُورِ وَصاياهم: بسمِ الله الرحمنِ الرحيمِ، هذا ما أوْصَى به فلان، أنّه يَشْهَدُ أن لا إلهَ إلَّا الله وَحْدَه لا شَريكَ له وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، وأن السّاعَةَ آتِيَة لا رَيبَ فيها، وأن الله يَبعَثُ مَن في القُبُورِ، وأوْصَى مَن تَرَك مِن أهْلِه أن يَتَّقُوا الله ويُصْلِحُوا ذاتَ بينهم، ويُطعُوا الله ورسولَه إن كانوا مُؤْمِنِين، وأوْصاهم بما أوْصَى به إبراهيمُ بَنِيه ويَعْقُوبُ: ﴿يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١). أخْرَجَه سعيد (٢)، عن فُضَيلِ بنِ

стр. 8346

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عِياضٍ، عن هِشام بنِ حَسّان، عن ابنِ سِيرِينَ، عن أنَّس. ورُوِيَ عن ابنِ مسعودٍ. إنّه كتَب في وَصِيته: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، هذا ذِكْرُ ما وَصَّى به عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ، إن حَدَث لي حادِثُ المَوْتِ مِن مَرَضِي (١) هذا، أن مَرْجِعَ وَصِيتي إلى اللهِ تعالى، ثم إلى الزبير بنِ العَوّامِ، وابنه عبدِ اللهِ، وأنهما في حِلٍّ وبِلٍّ (٢) ممّا وَلِيا وَقضيا، وأنه لا تُزَوجُ امرأة مِن بَناتِ عبدِ اللهِ إلَّا بإذْنِهِما (٣). وروَى ابنُ عبدِ البَر قال: كان في وَصِيَّةِ أبي الدرْداءِ: بسمِ اللهِ الرحمن. الرحيمِ، هذا ما أوْصَى به أبو الدَّرْداءِ، أنَّه يَشْهَدُ أن لا إلَهَ إلَّا الله وَحْدَه لا شَرِيكَ لَه وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، وأنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ والنّارَ حَقٌّ، وأنَّ الله يَبعَثُ مَن في القُبُورِ، وأنَّه يُؤْمِنُ باللهِ ويَكْفُرُ بالطَّاغُوتِ، على ذلك يَحْيا ويَمُوتُ إن شاء الله، وأوْصَى فيما رَزَقه اللهُ بكذا وكذا، وأن هذه وَصِيته إن لم يُغيِّرْها.

стр. 8347

فَصْلٌ: وَالْوَصِيَّةُ مُسْتَحَبَّة لِمَنْ تَرَكَ خَيرًا -وهُوَ الْمَالُ الْكَثِيرُ- بِخُمْسِ مَالِهِ، وَتُكْرَهُ لِغَيرِهِ إنْ كَانَ لَهُ وَرَثَة. ــ فصل: قال ﵀: (والوَصِية مُسْتَحبة لمَن تَرك خَيرًا -وهو المالُ الكَثِير- بخمْسِ مالِه، وتكْرَهُ لغيرِه إن كان له وَرَثَة) وجملة ذلك، أن الوَصيةَ مسْتَحَبة لمَن تَرَك خَيرًا؛ لقولِ الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيكمْ إذَا حَضَرَ أحَدَكم الْمَوْتُ إن تَرَكَ خَيرًا الوَصِيَّة﴾ (١). فنسِخَ الوجُوب، وبَقِيَ الاسْتِحْباب في حَقِّ مَن لا يَرِثُ. وروَى ابن عُمَرَ قال: قال رسول اللهِ ﷺ : «يَا ابْنَ آدَمَ، جَعَلْت لَكَ نَصِيبًا مِن مالِكَ حِينَ أخَذْت بكَظَمِكَ (٢) لأطَهِّرَكَ وأزَكِّيَكَ». وعن أبي هريرَةَ قال: قال رسول اللهِ ﷺ : «إنَّ الله تَصَدقَ عَلَيكمْ عِنْدَ وَفَاتِكمْ بِثلُثِ أمْوالِكمْ». رَواهما ابن ماجه (٣). وقال الشعْبِي: مَن أوْصَى بوَصِيةٍ فلم يَجرْ ولم يَحِفْ، كان له مِن الأجْرِ مثلُ ما لو أعْطاها وهو صحيح. فأمّا الفَقِير الذي له وَرَثَةٌ

стр. 8348

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مُحْتاجُون فلا يُسْتَحَبُّ له أن يُوصِيَ؛ لأنَّ الله تعالى قال في الوَصِيَّةِ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيرًا الْوَصِيَّةُ﴾. وقال النبي ﷺ لسَعْدٍ: «إنَّكَ أنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أغْنِياءَ، خَير مِنْ أنْ تَدَعَهُمْ عالةً يَتَكَفَّفُونَ النّاسَ» (١). وقال: «ابْدَأ بنَفْسِك، ثم بمَن تَعُولُ» (٢). وقال عَلِيٌّ، ﵁، لرجل أرادَ أن يُوصِيَ: إنَّكَ لم تَدَعْ طائِلًا، إنَّما تَرَكْتَ شيئًا يَسِيرًا، فدَعْه لوَرَثَتِك. ورُوِيَ عنه أنَّه قال في أرْبَعِمائةِ دِينارٍ: ليس فيها فَضْل عن الوارِثِ. ورُوِيَ عن عائشَةَ، ﵂، أنَّ رجلًا قال لها: لي ثلاثةُ آلافِ دِرْهَم، وأرْبَعةُ أولادٍ، أفأوصِي؟ فقالت: اجْعَلِ الثَّلاثةَ للأرْبَعَةِ (٣). وعن ابنِ عباس قال: مَن تَرَكَ سَبْعَمائةِ دِرْهَم ليس عليه وَصِيَّة (٣). وقال عُرْوَةُ: دَخَل عَلِيٌّ على صَدِيقٍ له يَعُودُه، فقال الرجلُ: إنِّي أريدُ أن أوصِيَ. فقال له عليٌّ: إنَّ الله تعالى يقولُ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيرًا﴾ وإنَّك إنَّما تَدَعُ شيئًا يَسِيرًا، فدَعْه لوَرَثَتِكَ (٣). واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في القَدْرِ الذي لا تُسْتَحَبُّ الوَصِيَّةُ

стр. 8349

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لمالِكِه، فرُويَ عن أحمدَ: إذا تَرَك دُونَ الألْفِ لا تُسْتَحَبُّ له الوَصِيَّةُ. وعن علي، أرْبَعمائةِ دِينارٍ. وعن ابنِ عباس: إذا تَرَك المَيِّتُ سَبْعَمائةِ درْهم فلا يُوصِي. وقال: مَن تَرَك سِتِّين دِينارًا ما تَرَك خَيرًا. وقال طاوُسٌ الخَيرُ ثَمانون دينارًا. وقال النَّخَعِي: ألْفٌ إلى خَمْسِمائةٍ. وقال أبو حنيفةَ: القَلِيلُ أن يُصيبَ أقَل الوَرَثَةِ سَهْمًا خمسون درهَمًا. قال شيخُنا (١): والذي يَقْوَى عندِي، أنَّه متى كان المَتْرُوكُ لا يَفْضُلُ عن غِنَى الورثةِ، لم تُسْتَحَبَّ الوَصِيَّةُ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ عَلَّلَ المَنْعَ مِن الوَصِيَّةِ بقَوْلِه: «إنَّكَ أنْ تَتْرُكَ وَرَثَتَكَ أغْنِياءَ، خَير مِنْ أن تَدَعَهُمْ عالةً». ولأنَّ إعْطاءَ القَرِيبِ المُحْتاجِ خير مِن إعْطاءِ الأجْنَبِيِّ، فمتى لم يَبْلُغِ المِيراثُ غِناهم، كان تَرْكُه لهم كعَطِيَّتهم إيّاه، فيكونُ أفْضَلَ مِن الوَصِيَّةِ به لغيرِهم. فعلى هذا، تَخْتَلِف الحالُ باخْتِلافِ الوَرَثَةِ في كثَرتِهم وقِلَّتِهم وغِناهم وحاجَتِهم، فلا يَتَقَيَّدُ بقَدْرٍ مِن المالِ. وقد قال الشعْبِي: ما مِن مالٍ أعْظَمُ أجْرًا مِن مالٍ يَتْرُكُه الرجلُ لوَلَدِه، يُغْنِيهم به عن النّاسِ.

стр. 8350

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: والأوْلَى أن لا يَسْتَوْعِبَ الثُّلُثَ بالوَصِيَّةِ وإن كان غَنِيًّا؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «والثُّلُثُ كثِيرٌ». قال ابنُ عباس: لو أن الناسَ غَضُّوا (١) مِن الثُّلُثِ، فإنَّ النبيَّ ﷺ قال: «الثُّلُث كثيرٌ». مُتَّفَق عليه. وقال القاضي، وأبو الخَطّابِ: إن كان غَنِيًّا استُحِبَّ الوَصِيَّةُ بالثُّلُثِ. ولَنا، أنَّ النبي ﷺ قال لسَعْدٍ: «والثُّلُثُ كثير». مع إخْبارِه إيّاه بكَثْرَةِ مالِه وقِلَّةِ عيالِه، فإنَّه قال في الحديثِ: إنَّ لي مالًا كثيرًا, ولا يَرثُني إلَّا ابْنَتِي. وروَى سعيد (٢)، ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ، ثنا عَطاءُ بنُ السّائِبِ، عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَمِيِّ, عن سعدِ بنِ مالكٍ؛ قال: مَرِضْتُ مَرَضًا فعادَنِي رسولُ اللهِ ﷺ فقال لي: «أوْصَيتَ؟». فقُلْتُ: نعم، أوْصَيتُ بمالي كُلِّه للفُقَراءِ وفي سَبِيلِ اللهِ، فقال لي رسولُ اللهِ ﷺ : «أوْصِ بالعُشْرِ». فقُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، مالِي كثير، ووَرَثَتي أغْنِياءُ. فلم يَزَلْ رسولُ اللهِ ﷺ يُنَاقِصُني وأُناقِصُه حتى قال: «أوْصِ بالثُّلُثِ، والثُّلُثُ كثير». قال أبو عبدِ الرحمنِ: لم يكنْ منّا مَن يَبْلُغُ في وَصِيَّته الثُّلُثَ حتى يَنْقُصَ منه شيئًا؛ لقولِ رسولِ اللهِ ﷺ : «الثُّلُثُ والثُّلُثُ كثير». إذا ثَبَت هذا،

стр. 8351

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فالأفْضَلُ للغَنِيِّ الوَصِيةُ بالخُمْسِ. رُوِيَ نحوُ هذا عن أبي بكر الصِّدِّيقِ، وعليِّ بنِ أبي طالِبٍ، ﵄ (١). وهو ظاهِرُ قولِ السَّلَفِ، وعُلَماءِ أهلِ البَصْرَةِ. ويُرْوَى عن عُمَرَ، ﵁، أنه جاءَه شيخٌ، فقال: يا أميرَ المؤمنينَ، أنا شيخ كَبِير، ومالِي كَثِير ويرِثُني أعْرابٌ مَوالٍ كَلالةٌ، مَنْزُوحٌ نَسَبُهم (٢)، أفأوصِي بمالِي كُلِّه؟ قال: لا. فلم يَزَلْ يَحُطُّهُ حتى بَلَغ العُشْرَ (٣). وقال إسحاقُ: السُّنةُ الرُّبْعُ، إلَّا أن يكونَ الرجلُ يَعْرِفُ في مالِه حُرْمَةَ شُبُهاتٍ أو غيرها، فله اسْتِيعابُ الثُّلُثِ. ولَنا، أنَّ أبا بكر الصِّدِّيقَ، ﵁، أوْصَى بالخُمْسِ، وقال: رَضِيتُ بما رَضِيَ اللهُ به لنَفْسِه. يُرِيدُ قوْلَه تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (٤). ورُوِيَ أنَّ أبا بكر وعليًّا، رَضِيَ الله

стр. 8352

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عنهما، أوْصَيا بالخُمْسِ. وعن عليّ، ﵁، أنَّه قال: لأن أوصِيَ بالخُمْسِ، أحَبُّ إليَّ مِن أن أوصِيَ بالرُّبْعِ (١). وعن إبراهيمَ، قال: كانوا يقولون: صاحِبُ الرُّبْعِ أفْضَلُ مِن صاحِبِ الثُّلُثِ، وصاحِبُ الخُمْسِ أفْضَلُ مِن صاحِبِ الرُّبْعِ. وعن الشُّعْبِيِّ، قال: كان الخُمْسُ أحَبَّ إليهم مِن الثُّلثِ، فهو مُنْتَهَى الجامِحِ (٢). وعن العَلاءِ بنِ زِيادٍ، قال: أوْصَى أبي أن أسألَ العُلَماءَ: أيُّ الوَصِيَّةِ أعْدَلُ؟. فما تَتَابَعُوا عليه فهو وَصِيَّة، فَتتابَعُوا على الخُمسِ (٣).

стр. 8353

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: والأفْضَلُ أن يَجْعَلَ وَصِيَّتَه لأقَارِبِه الذين لا يَرِثُونَ، إذا كانوا فُقَراءَ، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ (١): لا خِلافَ بينَ العُلَماءِ عَلِمْتُ في ذلك، إذا كانوا ذَوي حاجَةٍ، وذلك لأنَّ الله تعالى كَتَب الوَصِيَّةَ للوالِدَين والأقْرَبِين، فخرَجَ منه الوارِثُون بقولِ النبيِّ ﷺ : «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ». وبَقِيَ سائِرُ الأقارِبِ على الوَصِيَّةِ لهم، وأقلُّ ذلك الاسْتِحْبابُ، وقد قال اللهُ تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَآتَى الْمَال عَلَى حُبِّهِ ذَوي الْقُرْبَى﴾ (٣). فبَدَأ بهم. ولأنَّ الصدقةَ عليهم في الحَياةِ أفْضَلُ، فكذلك بعدَ المَوْتِ. فإن أوْصَى لغيرِهم وتَرَكهم، صَحَّتْ وَصِيَّتُه في قولِ أكثرَ أهلِ العلمِ، منهم؛ سالمٌ،

стр. 8354

فَأمَّا مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ، فَتَجُوزُ وَصِيَّتُهُ بِجَمِيعِ مَالِهِ. وَعَنْهُ، لَا يَجُوزُ إلَّا الثُّلُثُ. ــ وسُلَيمانُ بنُ يَسارٍ، وعَطاءٌ، ومالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزَاعِيُّ، وأصحابُ الرأي، والشافعي، وإسحاقُ. وحُكِيَ عن طاوُسٍ، والضَّحّاكِ، وعبدِ المَلَكِ بنِ يَعْلَى، أنهم قالُوا: يُنْزَعُ عنهم ويُرَدُّ إلى قَرابَتِه. وعن سعيدِ بنِ المُسَيَّب، والحسنِ، وجابِرِ بنِ زيدٍ: للذي أوْصَى له ثُلُثُ الثُّلُثِ، والباقِي يُرَدُّ إلى قَرابَةِ المُوصِي؛ لأنه لو أوْصَى بِمالِه كلِّه، لجاز منه الثُّلُثُ، والباقِي يُرَدُّ على الوَرَثَةِ، وأقَارِبُه الذين لا يَرِثُونَه في اسْتِحْقاقِ الوَصِيَّةِ كالوَرَثَةِ في اسْتِحْقاقِ المالِ كلِّه. ولَنا، ما روَى عِمْرانُ بنُ حُصَين، أنَّ رجلًا أعْتَقَ في مَرَضِه سِتَّةَ أعْبُدٍ، لم يكنْ له مالٌ غيرُهم، فبَلَغَ ذلك النبيَّ ﷺ ، فدَعاهم فجَزَّأهم ثلاثةَ أجْزاء ثم أقْرَعَ بينهم، فأعْتَقَ اثْنَين وأرَقَّ أربعةً (١). فأجاز العِتقَ في ثُلُثِه لغيرِ أقاربِه. ولأنَّها عَطِيَّةٌ فجازت لغيرِ أقاربِه، كالعَطِيَّةِ في الحَياةِ. ٢٦٥٥ - مسألة: (فأمّا مَن لا وارِثَ له، فتَجُوزُ وَصِيته بجَمِيعِ مالِه. وعنه، لا يَجُوزُ إلَّا الثُّلُثُ) اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، ﵀،

стр. 8355

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في مَن لم يُخَلِّف مِن وُرّاثِه عَصَبَةً ولا ذا فَرْضٍ، فرُوِيَ عنه، أنَّ وَصِيَّتَه جائِزَةٌ بكلِّ مالِه. ثَبَت ذلك عن ابنِ مسعودٍ. وبه قال عَبِيدَةُ السّلْمانِيُّ، ومَسْرُوقٌ، وإسحاقُ، وأهلُ العراقِ. والرِّوايَةُ الأخْرَى، لا يجوزُ إلَّا الثُّلُثُ. وبه قال مالكٌ، والأوْزاعِيُّ، وابنُ شبْرُمَةَ، والشافعيُّ، والعَنْبَرِيُّ؛ لأنَّ له مَن يَعْقِلُ عنه، فلم تَنْفُذْ وَصِيَّتُه في أكْثَرَ مِن الثُّلُثِ، كما لو تَرَك وارِثًا, ولأنَّ المسلمين يَرِثُونَه، وهو بَيتُ المالِ. ولَنا، أن المَنْعَ مِن الزِّيادَةِ على الثُّلُثِ إنَّما كان لتَعَلُّقِ حَقِّ الوَرَثَةِ به، بدَلِيلِ قولِ النبيِّ ﷺ : «إنَّكَ أن تَدَعَ وَرَثَتَكَ أغْنِياءَ، خَيرٌ مِن أن تَدَعَهُم عَالةً يتَكَففُونَ النّاسَ». وهَا هُنا لا وارِثَ (١) له يَتَعَلقُ حَقُّه بمالِه، فأشْبَهَ حال الصِّحّةِ، ولأنَّه لم يَتَعَلَّقْ بمالِه حَقُّ وارِثٍ ولا غَرِيمٍ، أشْبَهَ حال الصِّحَّةِ، والثُّلُثَ.

стр. 8356

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وإن خَلَّفَ ذا فَرْض لا يَرِثُ جَمِيعَ المالِ، كبنتٍ أو أُمٍّ، لم تكنْ له الوَصِيَّةُ بأكْثَرَ مِن الثُّلُثِ؛ لأنَّ سعدًا قال للنبيِّ ﷺ : لا يَرِثُنِي إلا ابنةٌ. فمَنَعَه النبيُّ ﷺ مِن الزِّيادَةِ على الثُّلُثِ، ولأنَّها تَسْتَحِقُّ جَمِيعَ المالِ بالفَرْضِ والرَّدِّ، فأشْبَهَ العَصَبَةَ. وإن كان للمَيِّتةِ زوجٌ، أو كان للرجلِ امرأة، فكذلك؛ لأنَّ الوَصِيَّةَ تَنْقُصُ حَقَّه؛ لأنَّه إنَّما يَسْتَحِقُّ فرْضَه بعدَ الوَصِيَّةِ، لقولِ الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَينٍ﴾ (١). وقيل: تَبْطُلُ في قَدْرِ فرْضِه مِن الثلُثَين. فإذا كان للمَيتةِ زوجٌ، فله الثُّلُثُ، وإن كان للمَيِّتِ امرأة، فلها السُّدْسُ، وهو رُبْعُ الباقِي بعدَ الثُّلُثِ، والباقِي للمُوصَى له. وهذا أوْلَى، إن شاء الله تعالى؛ لأن الثلثَ ليس للوارِثِ فيه أمر، إنَّما إجازَتُه ورَدُّه في الثُّلُثَين، ولم يَنْقصْ عليه منهما شيء. فأمّا ذَوو الأرْحامِ، فظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، أنَّه لا يمْنَعُ الوَصِيَّةَ بجَمِيعِ المالِ؛ لأنَّه قال: ومَن أوْصَى بجَمِيعِ مالِه ولا عَصَبَةَ له ولا مَوْلَى، فجائِزٌ. وذلك لأنَّ ذا الرَّحمِ إرْثُه كالفَضْلَةِ والصِّلَةِ، ولذلك لا يُصْرَفُ

стр. 8357

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إليه شيءٌ إلَّا عندَ عَدَمِ الرَّدِّ والمَوْلَى، ولا تَجبُ نَفَقَتُهم في الصحيح. ويَحْتَمِلُ كلامُ شيخِنا في الكِتابِ المَشْرُوحِ أَنَّه لا تَنْفُذُ وَصِيته فيما زاد على الثُّلُثِ؛ لأنَّ له وارِثًا، فيَدْخُلُ في مَعْنَى قَوْلِه ﵇: «إنَّكَ أن تترُكَ وَرَثَتَكَ أغْنِياءَ، خَير مِن أن تَدَعَهُمْ عَالةً يتَكَفَّفُونَ النّاسَ». ولأنَّهم وَرَثَة يَسْتَحِقُّون ماله بعدَ مَوْتِه، فأشبَهُوا ذوي الفُرُوضِ والعَصَباتِ، وتَقْدِيمُ غيرِهم عليهم لا يَمْنَعُ مُساوَاتهم لهم في مسألتِنا، كذوي الفُرُوضِ الذين يَحْجُبُ بعضُهم بعضًا. فصل: فإن خَلَّف ذا فَرْضٍ لا يَرِثُ المال كُلَّه بفَرْضِه، و (١) قال: أوْصَيت لفلانٍ بثُلُثِي، على أنَّه لا يَنْقُصُ ذا الفَرْضِ شيئًا مِن فَرْضِه. أو خَلَّفَ امرأةً، وقال: أوْصَيتُ لكَ بما فَضَل مِن المال عن فَرْضِها. صَحَّ في المسألةِ الأولَى؛ لأنَّ ذا الفَرْض يَرِثُ المال كلَّه لولا الوَصِيَّةُ، فلا فَرْق في الوَصِيَّةِ بينَ أن يَجْعَلَها مِن رأسِ المالِ، أو يَجْعَلَها مِن الزّائِدِ على

стр. 8358

وَلَا تَجُوزُ لِمَنْ لَهُ وَارِث بِزِيَادَةٍ عَلى الثُّلُثِ لأجْنَبِيٍّ، وَلَا لِوَارِثِهِ بِشَيْءٍ إلَّا بِإجَازَةِ الْوَرَثَةِ. ــ الفَرْضِ. فأمّا المسألةُ الثانيةُ، فتَنْبَنِي على الوَصِيَّةِ بجَمِيعِ المالِ، فإن قُلْنا: تَصِحُّ ثَمَّ. صَحَّتْ ها هُنا؛ لأنَّ الباقِيَ عن فَرْضِ الزوجةِ مالٌ لا وارِثَ له، فصَحَّتِ الوَصِيَّةُ به، كما لو لم تكنْ زوجة. وإن قُلْنا: لا تَصِحُّ ثَمَّ. فها هنا مِثْلُه؛ لأنَّ بَيتَ المالِ جُعِل كالوارِثِ، فصار كأنه ذو وَرَثَةٍ يَسْتَغْرِقُون المال إذا عَيَّنَ الوَصِيَّةَ مِن نَصِيبِ العَصَبَةِ منهم. فعلى هذا، يُعْطَى المُوصَى له الثُّلُثَ مِن رَأسِ المالِ، ويَسْقُطُ تَخْصِيصُه. ٢٦٥٦ - مسألة: (ولا تجوزُ لمن له وارِث بزِيادَةٍ على الثُّلُثِ لأجْنَبِيٍّ، ولا لوارثه بشيءٍ إلَّا بإجازةِ الوَرَثَةِ) وجملةُ ذلك، أنَّ الوَصِيَّةَ

стр. 8359

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لغيرِ الوارِثِ تَلْزَمُ في الثُّلُثِ مِن غيرِ إجازةٍ، وما زاد على الثُّلُثِ يَقِفُ على إجازَةِ الوَرَثَةِ، فإن أجازُوه جاز، وإن رَدُّوه بَطَل، في قولِ أكْثَرِ العُلَماءِ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ لسعدٍ حينَ قال: أوصِي بمالِي كُلِّه؟ قال: «لَا». الحديثُ، إلى أن قال: فبالثُّلُثِ؟ [قال: «الثُّلُثُ] (١)، والثُّلُثُ كثِيرٌ» (٢). وقَوْلُه ﵇: «إنَّ الله تَصَدَّقَ عَلَيكُمْ بثُلُثِ أمْوالِكُمْ عِنْدَ مَمَاتِكُمْ» (٣). يَدُلُّ على أنَّه لا شيءَ له في الزّائدِ عليه. وحديثُ عِمْرانَ بنِ حُصَين في المَمْلُوكِينَ السِّتَّةِ الذين أعْتَقَهم المَرِيضُ ولم يكنْ له مالٌ سِواهُم، فجزَّأهم النبي ﷺ ثلاثةَ أجْزاءٍ، فأعْتَقَ اثْنَين وأرَقَّ (٤) أربعةً، وقال له قولًا شَدِيدًا. يَدُل على أنَّه لا يَصِحُّ تَصَرُّفه فيما زاد على الثُّلُثِ إذا لم يُجِزِ الوَرَثَةُ، ويجوزُ بإجازَتِهم؛ لأنَّ الحَقَّ لهم. وقد قِيلَ: إنَّ الوَصِيَّةَ بما زاد على الثُّلُثِ باطِلَةٌ. كما يُذْكَرُ فيما إذا أوْصَى للوارِثِ.

стр. 8360

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وحُكْمُ الوَصِيَّةِ للوارِثِ كالحُكْمِ في الوَصِيَّةِ لغَيرِه بالزِّيادَةِ على الثُّلُثِ، في أنَّها تَبْطُلُ بالرَّدِّ، بغيرِ خِلافٍ بينَ العُلَماءِ. قال ابنُ المُنْذِرِ، وابنُ عبدِ البَرِّ: أجْمَعَ أهلُ العلمِ على هذا، وجاءتِ الأخْبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ بذلك، فرَوَى أبو أمامَةَ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «إنَّ الله قَدْ أعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ». رواه أبو داودَ، وابنُ ماجه، والتِّرْمِذِيُّ (١). ولأنَّ النبيَّ ﷺ مَنَع مِن تَفْضِيل بعضِ وَلَدِه على بعض في حالِ الصِّحَّةِ (٢)، مع إمْكانِ تَلافي العَدْلِ بينَهم بإعْطاءِ الذي لم يُعْطِه فيما بعدَ ذلك، لِما فيه مِن إيقاعِ العَداوَةِ والحَسَدِ بينَهم، ففي حالِ مَوْتِه وتَعَلُّقِ الحُقُوقِ به وتَعَذّرِ تَلافِي العَدْلِ بينَهم، أوْلَى وأحْرَى. فإن أجازَها باقي الوَرَثَةِ، جازَتْ، في قولِ الجُمْهُورِ مِن أهلِ العلمِ. وقال بعضُ أصحابِنا: الوَصِيَّةُ باطِلَةٌ وإن أجازَها الوَرَثَةُ، إلَّا أن يُعْطُوه عَطِيَّةً مُبْتَدَأةً. أخْذًا مِن ظاهِرِ قولِ أحمدَ، ﵀، في رِوايَةِ حَنْبَلٍ: لا وَصِيَّةَ لوارِثٍ. وهذا قولُ المُزَنِيِّ، وأهلِ الظّاهِرِ، وقولٌ للشافعيِّ. واحْتَجُّوا بظاهِرِ قولِ النبيِّ ﷺ : «لَا وَصِيَّةَ لِوارِثٍ».

стр. 8361

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وظاهِر مَذْهَبِ أحمدَ، والشافعيِّ، أنَّ الوَصِيَّةَ صحيحة في نَفْسِها؛ لأنَّه تَصَرُّف صَدَر مِن أهلِه في مَحَلِّه، فصَحَّ، كما لو وَصَّى لأجْنَبِي، والخَبَرُ قد رُوِيَ فيه: «إلَّا أن يُجِيزَ الورَثَةُ» (١). والاسْتِثْناءُ مِن النَّفْي إثْبات، فيكونُ ذلك دَلِيلًا على صِحَّةِ الوَصِيَّةِ عندَ الإِجازَةِ، ولو خلا مِن الاسْتِثْناءِ، جازَ أن يكونَ معناه: لا وصيةَ نافِذَةٌ أو لازمةٌ، أو ما أشْبَهَ هذا، أو يُقَدرُ فيه: لا وَصِيَّةَ لوارِثٍ عندَ عَدَمِ الإِجازَةِ مِن غيرِه مِن الوَرَثَةِ. وفائِدَةُ الخِلافِ أنَّ الوَصِيَّةَ إذا كانت صحيحةً، فإجازَةُ الوَرَثَةِ تنْفِيذٌ وإجازَةٌ مَحْضةٌ يَكْفِي فيها قولُ الوارِثِ: أجَزْتُ. وإن كانت باطِلَةً كانتِ الإِجازَةُ هِبَةً مُبْتَدَأةً. وسَنَذْكُرُ ذلك إن شاء اللهُ تعالى. فصل: وإن أسْقَطَ عن وارِثِه دَينًا، أو وَصَّى بقَضاء دَينه، أو أسْقَطَتِ المرأةُ صَداقَها عن زوجِها، أو عَفا عن جِنايَةٍ مُوجَبُها المالُ، فهو كالوَصِيَّةِ

стр. 8362

إلا أنْ يُوصِيَ لِكُلِّ وَارِثٍ بِمُعَيَّن بِقَدْرِ مِيرَاثِهِ، فَهَلْ يَصِحُّ؟ عَلَى وَجْهَينَ. ــ له. وإن عَفا عن القِصاصِ، وقُلْنا: الواجِبُ القِصاصُ عَينًا. سَقَط إلى غيرِ بَدَلٍ. وإن قُلْنا: الواجِبُ أحَدُ شَيئَين. سَقَط القِصاصُ، ووَجَب المالُ. وإن عَفا عن حَدِّ القَذْفِ، سَقَط مُطْلَقًا. وإن وَصَّى لغَرِيمِ وارِثِه، صَحَّتِ الوَصِيَّةُ. وكذلك إن وَهَب له. وبهذا قال الشافعي، وأبو حنيفةَ. وقال أبو يُوسُفَ: هي وصِيَّةٌ للوارِثِ؛ لأن الوارِثَ يَنْتَفِعُ بهذه الوَصِيَّةِ ويَسْتَوْفِي دَينَه منها. ولَنا، أنَّه وَصَّى لأجْنَبِيٍّ، فصَحَّ، كما لو وَصَّى لمَن عادَتُه الإِحْسانُ إلى وارِثِه. وإن وَصَّى لولدِ وارِثِه، صَح، فإن كان يَقْصِدُ بذلك نَفْعَ الوارِثِ، لم يَجُزْ فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى. قال طَاووسٌ في قَوْلِه تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ (١). قال: أن يُوصِيَ لولدِ ابْنَتِه، وهو يُريدُ ابنتَه. رَواه سعيدٌ (٢). وقال ابنُ عباس: الجَنَفُ في الوَصِيَّةِ والإِضْرارُ فيها مِن الكَبائِرِ (٣). ٢٦٥٧ - مسألة: فإن وَصَّى (لكلِّ وارِثٍ بمُعَيَّن بقَدْرِ) نَصِيبِه؛

стр. 8363

وَإنْ لَمْ يَفِ الثُّلُثُ بِالْوَصَايَا، تَحَاصُّوا فِيهِ، وَأُدْخِلَ النَّقْصُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ بِقَدْرِ وَصِيَّتهِ. وَعَنْهُ، يُقَدَّمُ الْعِتْقُ. ــ كرجلٍ خَلّف ابنًا وبنتًا، وعَبْدًا قِيمَتُه مائة، وأمَةً قِيمَتُها خَمْسُون، فوَصَّى للابنِ بالعبدِ، وللبنتِ بالأمَةِ، صَحَّتِ الوَصِيَّةُ في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّ حَقَّ الوارِثِ في القَدْرِ لا في العَينِ، بدَلِيلِ ما لو عاوَضَ المَرِيضُ بعضَ وَرَثَتِه أو أجْنَبِيًّا بجَمِيعِ مالِه، فإنَّه يَصِحُّ إذا كان بثَمَنِ المِثْلِ وإن تَضَمَّنَ فَواتَ عَينَ المالِ. والثانِي، يَقِفُ على إجازَةِ الوَرَثَةِ؛ لأنَّ في الأعْيانِ غَرَضًا صَحيحًا، فكما لا يجوزُ إبْطالُ حَقِّ الوارِثِ مِن قَدْرِ حَقه، لا يجوزُ مِن عَيْنه. ٢٦٥٨ - مسألة: (وإن لم يَفِ الثُّلُثُ بالوصايا، تحاصُّوا فيه، وأُدْخِلَ النَّقْصُ على كلِّ واحِدٍ بقَدْرِ وَصِيَّته. وعنه، يُقَدَّمُ العِتْقُ) إذا خَلَتِ

стр. 8364

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الوصايا مِن العِتْقِ، وتَجاوَزَتِ الثُّلُثَ، فرَدَّ الوَرَثَةُ الزِّيادَةَ، فإنَّ الثلُثَ يُقْسمُ بينَ المُوصَى لهم على قَدْرِ وَصاياهم، ويَدْخُلُ النَّقْصُ على كلِّ واحِدٍ منهم بقَدْرِ ما لَه في الوَصِيَّةِ، كمَسائِلِ العَوْلِ إذا زادَتِ الفُرُوضُ عن المالِ. فلو وَصَّى لرجلٍ بثُلُثِ مالِه، ولآخَرَ بمائةٍ، ولآخَرَ بمُعَيَّن قِيمَتُه خَمْسُون، ووصَّى بفِداءِ أسِيرٍ بثَلاثين، ولعِمارَةِ مسجدٍ بعِشْرِين، وثُلُثُ مالِه مائةٌ، جمعت الوصايا كلَّها فبَلَغَتْ ثلاثَمائةٍ، ونَسَبْتَ منها الثلُثَ فكان ثُلُثَها، فتُعْطِي كلَّ واحِدٍ منهم ثُلُثَ وَصيَّته، فلصاحِبِ الثُّلُثِ ثُلُثُ المائةِ، وكذلك صاحِبُ المائةِ، ولصاحِبِ الخَمْسِين سُدْسُها, ولفِداءِ الأسِيرِ عَشَرَةٌ، ولعِمارَةِ المَسْجِدِ سِتَّةٌ وثُلُثان. وإن كان فيها عِتْقٌ، ففيها رِوايَتان؛ إحْداهما، أنَّ الثُّلُثَ يُقْسَمُ بينَ الوصايا والعِتْقِ، كما هو لم يكنْ فيها عِتْقٌ. وهذا قولُ ابنِ سِيرِينَ، والشَّعْبِيِّ، وأبي ثَوْرٍ؛ لأنهم تَساوَوْا في سَبَبِ الاسْتِحْقاقِ، فَتساوَوْا فيه، كسائِرِ الوصايا. والرِّوايَةُ الثانيةُ، يُقَدَّمُ العِتْقُ، وما فَضَلَ منه يُقْسَمُ بينَ سائِرِ الوصايا (١) على قَدْرِ وَصاياهم.

стр. 8365

وإِنْ أجَازَ الْوَرَثَةُ الْوَصِيَّةَ، جَازَتْ. ــ رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ. وبه قال شُرَيح، ومَسْرُوق، وعَطاء الخُراسانِيُّ، وقَتادةُ، والزُّهْرِي، ومالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، وإسحاقُ؛ لأنَّ فيه حَقًّا لله تعالى وللآدَمِيِّ، فكان آكَدَ، ولأنَّه لا يَلْحَقُه فَسْخ ويَلْحَقُ غيرَه، ولأنَّه أقْوَى، بدَلِيلِ سِرايته ونُفُوذِه مِن الرّاهِنِ والمُفْلِسِ. ورُوِيَ عن الحسنِ، والشافعيِّ، كالرِّوايَتَين. فصل: والعَطايا المُعَلَّقَةُ بالمَوْتِ، كقَوْلِه: إذا مِتُّ فأعْطُوا فُلانًا كذا -أو- أعْتِقُوا فلانًا. ونحوه، وَصايا حُكْمُها حُكْمُ غيرِها مِن الوصايا في [التَّسْويَةِ بينَ] (١) مُقَدَّمِها ومُؤَخَّرها، والخِلافِ في تَقدِيمِ العِتْقِ منها؛ لأنَّها تَلْزَمُ بالمَوْتِ، فتَتساوَى كلها. فصل: إذا وَصَّى بعِتْقِ عَبْدِه، لَزِم الوارِثَ إعْتاقُه، ويُجْبِرُه الحاكِمُ عليه إن أبَى؛ لأنَّه حَقٌّ واجِبٌ عليه، فأجْبِرَ عليه، كتَنْفِيذِ الوَصِيَّةِ بالعَطِيَّةِ. وإن أعْتَقَه الوارِثُ أو الحاكِمُ، فهو حُرٌّ مِن حينَ أعْتَقَه؛ لأنَّه حِينَئِذٍ عَتَقَ، ووَلَاؤه للمُوصِي؛ لأنَّه السَّبَبُ، وهؤلاء نُوّاب عنه، ولهذا لزِمِهم إعْتاقُه. فإن كانتِ الوَصِيَّةُ بعِتْقِه إلى غيرِ الوارِثِ، كان الإِعْتاقُ إليه؛ لأنّه نائِبُ المُوصِي في إعْتاقِه، فلم يَمْلِكْ ذلك غيرُه إذا لم يَمْتَنِعْ، كالوَكِيلِ في الحَياةِ. ٢٦٥٩ - مسألة: (وإن أجاز الوَرَثَةُ الوَصِيَّةَ، جازت) لأنَّ الحَقَّ لهم. وإن رَدُّوها، بَطَلَتْ، بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ الحَقَّ لهم، فجاز بإجازَتِهم

стр. 8366

وإجَازَتُهُمْ تَنْفِيذٌ في الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَلَا تَفْتَقِرُ إلَى شُرُوطِ الْهِبَةِ، وَلَا تَثْبُتُ أحكَامُهَا فِيهَا. فَلَوْ كَانَ الْمُجِيزُ أبا لِلْمُجَازِ لَهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ الْمُجَازُ عِتْقًا كَانَ الْوَلَاءُ لِلْمُوصِي يَخْتَصُّ بِهِ عَصبَتُهُ، وَلَوْ كَانَ وَقْفًا عَلَى الْمُجِيزِينَ، صَحَّ. وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أنَّ الْإجَازَةَ هِبَة، فَتَنْعكِسُ هَذِهِ الْأحْكَامُ. ــ وبَطَل برَدِّهم (وإجازتُهم تَنْفِيذْ في الصحيح مِن المَذْهَبِ) لأنَّ ظاهِرَ المَذْهَبِ، أنَّ الوَصِيَّةَ للوارِثِ وللأجْنَبِيِّ بالزِّيادَةِ على الثُّلُثِ صَحيحةٌ مَوْقوفةٌ على إجازَةِ الوَرَثَةِ. فعلى هذا، تكونُ إجازَتُهُم تَنْفِيذًا وإجازَةً مَحْضةً، يَكْفِي فيها قولُ الوارِثِ: أجَزْتُ -أو- أمْضَيتُ -أو- نَفَّذْتُ. فإذا قال ذلك لَزِمَتِ الوَصِيَّةُ، ولا خِلافَ في تَسْمِيَتها إجازَةً، فعلى هذا (لا تَفْتَقِرُ إلى شُرُوطِ الهِبَةِ، ولا تَثْبُتُ فيها أحْكامُ الهِبَةِ) لأنَّها ليست هِبَةً. وقال بعضُ أصْحابِنا: الوَصِيَّةُ باطِلَةٌ. فعلى هذا، تكونُ هِبَةً تَفْتَقِرُ إلى شُرُوطِ الهِبَةِ، وتَثْبُتُ فيها أحْكامُها (فلو كان المُجِيزُ أبا للمُجازِ له، لم يكنْ له الرُّجُوعُ فيه) إذا قُلْنا: إنَّها إجازَةٌ مُجَرَّدَةٌ. وإن قُلْنا: هي هِبَةٌ مُبْتَدَأةٌ. فله الرُّجُوعُ. ولو أعْتَقَ عَبْدًا لا مال له سِواه في مَرَضِه، أو وَصَّى بعِتْقِه فأعْتَقُوه بوَصِيَّته، نَفَذ العِتْقُ في ثُلُثِه، ووَقَف عِتْقُ باقِيه على إجازَةِ الوَرَثَةِ، فإن أجازُوه عَتَقَ جَميعُه، واخْتَصَّ عَصَباتُ المَيِّتِ بولائِه

стр. 8367

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كلِّه، على قولِنا بصِحَّةِ إعْتاقِه ووَصِيَّتِه. وكذلك لو تَبَرَّعَ بثُلُثِ مالِه في مَرَضِه، ثم أعْتَقَ أو وَصَّى بالإِعْتاقِ، فالحُكْمُ فيه على ما ذَكَرْنا. وإن قُلْنا: الوَصِيَّةُ باطِلَةٌ والإجازةُ عَطِيَّة مُبْتَدَأة. اخْتَصَّ عَصَباتُ المَيِّتِ بثُلُثِ وَلائِه، وكان ثُلُثاه لجميعِ الوَرَثَةِ بينَهم على قَدْرِ مِيراثِهم؛ لأنَّهم باشَرُوه بالإِعْتاقِ. ولو تَزوَّجَ رجلٌ ابنة عَمِّه، فأوْصَتْ له بوَصِيَّةٍ أو أعْطَتْه في مَرَضِ مَوْتِها، ثم ماتت وخَلَّفَتْه وأباه، فأجازَ أبوه وَصِيته وعَطِيته، ثم أراد الرُّجُوعَ، فليس له ذلك إن قُلْنا: هي تَنْفِيذٌ. وله الرُّجُوعُ إن قلنا: هي هِبَةٌ مُبْتَدأةٌ. ولو وَقَف في مَرَضِه على وَرَثَتِه، فأجازُوا الوَقفَ، صَحَّ إن قُلْنا: إجازَتُهم تَنْفِيذ. وإن قُلْنا: هي عَطِيَّة مُبْتَدَأة. انْبَنَى على صِحَّةِ وَقْفِ الإِنْسانِ على نَفْسِه، على ما ذُكِر مِن الخِلافِ فيه (١).

стр. 8368

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ولا فَرْقَ في الوَصِيَّةِ بينَ المَرَضِ والصِّحَّةِ. وقد رَوى حَنْبَلٌ عن أحمدَ، أنَّه قال: إن وَصَّى في المَرَضِ فهو مِن الثُّلُثِ، وإن كان صحيحًا فله أن يُوصِيَ بما شاء. قال القاضي: يُرِيدُ بذلك العَطِيَّةَ. أمّا الوَصيَّةُ فهي عَطية بعدَ المَوْتِ، فلا يجوزُ منها إلَّا الثُّلُثُ على كلِّ حالٍ.

стр. 8369

وَمَنْ أوصِىَ لَهُ وَهُوَ في الظَّاهِرِ وَارِثٌ، فَصَارَ عِنْدَ الْمَوْتِ غَيرَ وَارِثٍ صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ لَهُ. وَإنْ أُوصِيَ لَهُ وَهُوَ غَيرُ وَارِثٍ، فَصَارَ عِنْدَ الْمَوْتِ وَارِثًا، بَطَلَتْ؛ لأنَّ اعْتِبَارَ الْوَصِيَّةِ بِالْمَوْتِ. ــ ٢٦٦٠ - مسألة: (ومَن أُوصِيَ له وهو في الظّاهِرِ وارِثٌ، فصار عندَ المَوْتِ غيرَ وارِثٍ، صَحَّتِ الوَصِيَّةُ. وإن أوصِىَ له وهو غيرُ وارِثٍ، فصار عندَ المَوْتِ وارِثًا، بَطَلَتْ؛ لأنَّ اعْتِبارَ الوَصِيَّةِ بالمَوْتِ) لا نَعْلَمُ خِلافًا بينَ أهْلِ العِلمِ في أنَّ اعْتِبارَ الوَصِيَّةِ بالمَوْتِ، فلو وَصَّى لثلاثةِ إخْوَةٍ

стр. 8370

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ له مُفْتَرِقِين، ولا وَلَدَ له، ومات ولم يُولَدْ له (١)، لم تَصِحّ الوَصِيَّةُ لغيرِ الأخِ مِن الأبِ إلَّا بإجازَةِ الورثةِ. وإن وُلِد له ابن، صَحَّتِ الوَصِيَّةُ للجَمِيعِ مِن غيرِ إجازَةٍ، إذا لم تَتَجاوَزِ الثُّلُثَ. وإن وُلِد له بنتٌ، جازَتِ الوَصِيَّةُ لغيرِ الأخِ مِن الأبوَينِ، فيكونُ لهما ثُلُثا المُوصَى به بينَهما, ولا يجوزُ للأخِ مِن الأبوَينِ؛ لأنَّه وارِثٌ. وبهذا يقولُ الشافعي، وأبو ثَوْرٍ، وابن المُنْذِرِ، وأصحابُ الرأي. ولا نَعْلَمُ عن غيرِهم خِلافَ ذلك. وْلو وَصَّى لهم وله ابنٌ، فمات ابنُه قبلَ مَوْتِه، لم تَجُزِ الوَصِيَّةُ لأخِيه مِن أبوَيه، ولأ لأخيه مِن أمِّه، لي جازت لأخيه مِن أبيه. وإن مات الأخ مِن الأبوَين قبلَ مَوْتِه، لم تَجُزِ الوَصِيَّةُ للأخِ مِن الأبِ أيضًا؛ لأنَّه صار وارِثًا. فصل: ولو وَصَّى لامرأةٍ أجْنَبِيَّةٍ وأوْصَتْ له، ثم تَزَوَّجَها, لم تَجُزْ وَصِيَّتهما (٢) إلَّا بإجازَةِ الوَرَثَةِ. وإن أوْصَى أحَدُهما للآخرِ ثم طَلَّقَها، جازَتِ الوَصِيَّةُ؛ لأنَّه صار غيرَ وارِثٍ، إلَّا أنَّه إن طَلَّقَها في مَرَضِ مَوْتِه، فقِياسُ المَذْهَبِ أنَّها لا تُعْطَى أكْثَرَ مِن مِيراثِها؛ لأنَّه يُتَّهَمُ أنّه طَلَّقَها ليُوصِلَ إليها ماله بالوَصِيَّةِ، فلم يُنَفَّذْ لها ذلك، كما لو طَلَّقَها في مَرَضِ موتِه وأوْصَى لها بأكثرَ مِن مِيراثِها.
следующие страницы →