وإجَازَتُهُمْ تَنْفِيذٌ في الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَلَا تَفْتَقِرُ إلَى شُرُوطِ الْهِبَةِ، وَلَا تَثْبُتُ أحكَامُهَا فِيهَا. فَلَوْ كَانَ الْمُجِيزُ أبا لِلْمُجَازِ لَهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ الْمُجَازُ عِتْقًا كَانَ الْوَلَاءُ لِلْمُوصِي يَخْتَصُّ بِهِ عَصبَتُهُ، وَلَوْ كَانَ وَقْفًا عَلَى الْمُجِيزِينَ، صَحَّ. وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أنَّ الْإجَازَةَ هِبَة، فَتَنْعكِسُ هَذِهِ الْأحْكَامُ.
ــ
وبَطَل برَدِّهم (وإجازتُهم تَنْفِيذْ في الصحيح مِن المَذْهَبِ) لأنَّ ظاهِرَ المَذْهَبِ، أنَّ الوَصِيَّةَ للوارِثِ وللأجْنَبِيِّ بالزِّيادَةِ على الثُّلُثِ صَحيحةٌ مَوْقوفةٌ على إجازَةِ الوَرَثَةِ. فعلى هذا، تكونُ إجازَتُهُم تَنْفِيذًا وإجازَةً مَحْضةً، يَكْفِي فيها قولُ الوارِثِ: أجَزْتُ -أو- أمْضَيتُ -أو- نَفَّذْتُ. فإذا قال ذلك لَزِمَتِ الوَصِيَّةُ، ولا خِلافَ في تَسْمِيَتها إجازَةً، فعلى هذا (لا تَفْتَقِرُ إلى شُرُوطِ الهِبَةِ، ولا تَثْبُتُ فيها أحْكامُ الهِبَةِ) لأنَّها ليست هِبَةً. وقال بعضُ أصْحابِنا: الوَصِيَّةُ باطِلَةٌ. فعلى هذا، تكونُ هِبَةً تَفْتَقِرُ إلى شُرُوطِ الهِبَةِ، وتَثْبُتُ فيها أحْكامُها (فلو كان المُجِيزُ أبا للمُجازِ له، لم يكنْ له الرُّجُوعُ فيه) إذا قُلْنا: إنَّها إجازَةٌ مُجَرَّدَةٌ. وإن قُلْنا: هي هِبَةٌ مُبْتَدَأةٌ. فله الرُّجُوعُ. ولو أعْتَقَ عَبْدًا لا مال له سِواه في مَرَضِه، أو وَصَّى بعِتْقِه فأعْتَقُوه بوَصِيَّته، نَفَذ العِتْقُ في ثُلُثِه، ووَقَف عِتْقُ باقِيه على إجازَةِ الوَرَثَةِ، فإن أجازُوه عَتَقَ جَميعُه، واخْتَصَّ عَصَباتُ المَيِّتِ بولائِه
стр. 8367
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كلِّه، على قولِنا بصِحَّةِ إعْتاقِه ووَصِيَّتِه. وكذلك لو تَبَرَّعَ بثُلُثِ مالِه في مَرَضِه، ثم أعْتَقَ أو وَصَّى بالإِعْتاقِ، فالحُكْمُ فيه على ما ذَكَرْنا. وإن قُلْنا: الوَصِيَّةُ باطِلَةٌ والإجازةُ عَطِيَّة مُبْتَدَأة. اخْتَصَّ عَصَباتُ المَيِّتِ بثُلُثِ وَلائِه، وكان ثُلُثاه لجميعِ الوَرَثَةِ بينَهم على قَدْرِ مِيراثِهم؛ لأنَّهم باشَرُوه بالإِعْتاقِ. ولو تَزوَّجَ رجلٌ ابنة عَمِّه، فأوْصَتْ له بوَصِيَّةٍ أو أعْطَتْه في مَرَضِ مَوْتِها، ثم ماتت وخَلَّفَتْه وأباه، فأجازَ أبوه وَصِيته وعَطِيته، ثم أراد الرُّجُوعَ، فليس له ذلك إن قُلْنا: هي تَنْفِيذٌ. وله الرُّجُوعُ إن قلنا: هي هِبَةٌ مُبْتَدأةٌ. ولو وَقَف في مَرَضِه على وَرَثَتِه، فأجازُوا الوَقفَ، صَحَّ إن قُلْنا: إجازَتُهم تَنْفِيذ. وإن قُلْنا: هي عَطِيَّة مُبْتَدَأة. انْبَنَى على صِحَّةِ وَقْفِ الإِنْسانِ على نَفْسِه، على ما ذُكِر مِن الخِلافِ فيه (١).
стр. 8368
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ولا فَرْقَ في الوَصِيَّةِ بينَ المَرَضِ والصِّحَّةِ. وقد رَوى حَنْبَلٌ عن أحمدَ، أنَّه قال: إن وَصَّى في المَرَضِ فهو مِن الثُّلُثِ، وإن كان صحيحًا فله أن يُوصِيَ بما شاء. قال القاضي: يُرِيدُ بذلك العَطِيَّةَ. أمّا الوَصيَّةُ فهي عَطية بعدَ المَوْتِ، فلا يجوزُ منها إلَّا الثُّلُثُ على كلِّ حالٍ.
стр. 8369
وَمَنْ أوصِىَ لَهُ وَهُوَ في الظَّاهِرِ وَارِثٌ، فَصَارَ عِنْدَ الْمَوْتِ غَيرَ وَارِثٍ صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ لَهُ. وَإنْ أُوصِيَ لَهُ وَهُوَ غَيرُ وَارِثٍ، فَصَارَ عِنْدَ الْمَوْتِ وَارِثًا، بَطَلَتْ؛ لأنَّ اعْتِبَارَ الْوَصِيَّةِ بِالْمَوْتِ.
ــ
٢٦٦٠ - مسألة: (ومَن أُوصِيَ له وهو في الظّاهِرِ وارِثٌ، فصار عندَ المَوْتِ غيرَ وارِثٍ، صَحَّتِ الوَصِيَّةُ. وإن أوصِىَ له وهو غيرُ وارِثٍ، فصار عندَ المَوْتِ وارِثًا، بَطَلَتْ؛ لأنَّ اعْتِبارَ الوَصِيَّةِ بالمَوْتِ) لا نَعْلَمُ خِلافًا بينَ أهْلِ العِلمِ في أنَّ اعْتِبارَ الوَصِيَّةِ بالمَوْتِ، فلو وَصَّى لثلاثةِ إخْوَةٍ
стр. 8370
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
له مُفْتَرِقِين، ولا وَلَدَ له، ومات ولم يُولَدْ له (١)، لم تَصِحّ الوَصِيَّةُ لغيرِ الأخِ مِن الأبِ إلَّا بإجازَةِ الورثةِ. وإن وُلِد له ابن، صَحَّتِ الوَصِيَّةُ للجَمِيعِ مِن غيرِ إجازَةٍ، إذا لم تَتَجاوَزِ الثُّلُثَ. وإن وُلِد له بنتٌ، جازَتِ الوَصِيَّةُ لغيرِ الأخِ مِن الأبوَينِ، فيكونُ لهما ثُلُثا المُوصَى به بينَهما, ولا يجوزُ للأخِ مِن الأبوَينِ؛ لأنَّه وارِثٌ. وبهذا يقولُ الشافعي، وأبو ثَوْرٍ، وابن المُنْذِرِ، وأصحابُ الرأي. ولا نَعْلَمُ عن غيرِهم خِلافَ ذلك. وْلو وَصَّى لهم وله ابنٌ، فمات ابنُه قبلَ مَوْتِه، لم تَجُزِ الوَصِيَّةُ لأخِيه مِن أبوَيه، ولأ لأخيه مِن أمِّه، لي جازت لأخيه مِن أبيه. وإن مات الأخ مِن الأبوَين قبلَ مَوْتِه، لم تَجُزِ الوَصِيَّةُ للأخِ مِن الأبِ أيضًا؛ لأنَّه صار وارِثًا.
فصل: ولو وَصَّى لامرأةٍ أجْنَبِيَّةٍ وأوْصَتْ له، ثم تَزَوَّجَها, لم تَجُزْ وَصِيَّتهما (٢) إلَّا بإجازَةِ الوَرَثَةِ. وإن أوْصَى أحَدُهما للآخرِ ثم طَلَّقَها، جازَتِ الوَصِيَّةُ؛ لأنَّه صار غيرَ وارِثٍ، إلَّا أنَّه إن طَلَّقَها في مَرَضِ مَوْتِه، فقِياسُ المَذْهَبِ أنَّها لا تُعْطَى أكْثَرَ مِن مِيراثِها؛ لأنَّه يُتَّهَمُ أنّه طَلَّقَها ليُوصِلَ إليها ماله بالوَصِيَّةِ، فلم يُنَفَّذْ لها ذلك، كما لو طَلَّقَها في مَرَضِ موتِه وأوْصَى لها بأكثرَ مِن مِيراثِها.
стр. 8371
وَلَا تَصِحُّ إجَازَتُهُمْ وَرَدُّهُمْ إلا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، وَمَا قَبْلَ ذَلِكَ لَا عِبْرَةَ بِهِ.
ــ
٢٦٦١ - مسألة: (ولا تَصِحُّ إجازَتُهم ورَدُّهم إلَّا بعدَ مَوْتِ المُوصِي، وما قبلَ ذلك لا عِبْرَةَ به) فلوْ أجازُوا قبلَ ذلك ثم رَدُّوا، أو أذِنُوا لمَوْرُوثِهم بالوَصِيَّةِ في حَياتِه بجَمِيعِ المالِ، أو بالوَصِيّةِ لبعضِ الوَرَثَةِ، ثم بَدا لهم فرَدُّوا بعدَ وَفاتِه، فلهم الرّدُّ، سواءٌ كانتِ الإجازَةُ في صِحَّةِ المُوصِي أو مَرَضِه. نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ أبي طالِبٍ. ورُوِيَ ذلك عن ابنِ مسعودٍ. وهو قولُ شُرَيح، وطاوُسٍ، والحَكَمِ، والثَّوْرِيِّ، والحسنِ بنِ صالِحٍ، والشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ، وأبي حنيفةَ وأصحابِه. وقال الحسنُ، وعَطاءٌ، وحَمّادُ بنُ أبي سُلَيمانَ، وعبدُ الملِكِ بنُ يَعْلَى، والزُّهْرِيُّ، ورَبِيعَةُ، والأوْزَاعِيُّ، وابنُ أبي ليلى: ذلك جائِزٌ عليهم؛ لأن الحَقَّ للوَرَثَةِ، فإذا رَضُوا بتَرْكِه، سَقَط حَقُّهم،
стр. 8372
وَمَنْ أجَازَ الْوَصِيَّةَ ثُمَّ قَال: إِنَّمَا أجَزْتُ لأننِي ظَنَنْتُ الْمَال قَلِيلًا. فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينهِ، وَلَهُ الرُّجُوع بِمَا زَادَ عَلَى مَا ظَنَّهُ، في أظْهَرِ الْوَجْهينِ، إلّا أن تقُومَ عَلَيهِ بَيِّنة.
ــ
كما لو رَضِيَ المُشْتَرِي بالعَيبِ. وقال مالكٌ: إن أذِنُوا له في صِحَّتِه، فلهم أن يَرْجِعُوا، وإن كان ذلك في مَرَضِه وحينَ يُحْجَبُ عن مالِه، فذلك (١) جائِزٌ عليهم. ولَنا، أنَّهم أسْقَطُوا حُقُوقَهم فيما لم يَمْلِكُوه، فلم يَلْزَمْهم، كالمرأةِ إذا أسْقَطَتْ (٢) صَداقَها قبلَ النِّكاح، أو أسْقَطَ الشَّفِيعُ حَقَّه مِن الشفْعَةِ قبلَ البَيعِ، ولأنَّها حالة لا يَصِحُّ فيها رَدُّهم للوَصِيَّةِ، فلم تَصِحَّ فيها إجازَتُهم، كما قبلَ الوَصِيَّةِ.
٢٦٦٢ - مسألة: (ومَن أجاز الوَصِيَّةَ ثم قال: إنَّما أجَزْتُ لأنِّي ظَنَنْتُ المال قَلِيلًا. فالقولُ قَوْلُه مع يَمِينه، وله الرُّجُوعُ بما زاد على ما ظَنَّه، في أظْهَرِ الوَجْهَين، إلَّا أن تَقُومَ به بَيِّنةٌ) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا وَصَّى بزِيادَةٍ على الثُّلُثِ، فأجازَ الوارِثُ الوَصِيَّةَ، ثم قال: إنَّما أجَزْتُها ظَنًّا أنَّ المال قَلِيلٌ فبان كَثِيرًا. فإن كانت للمُوصَى له بَيِّنة تَشْهَدُ باعْتِرافِه بقَدْرِ المالِ، أو كان
стр. 8373
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المالُ ظاهِرًا لا يَخْفَى عليه، لم يُقْبَلْ قَوْلُه إذا قُلْنا: الإجازَةُ تَنْفِيذ. فإن قُلْنا: هي هِبَة مُبْتَدَأة. فله الرُّجُوعُ فيما يجوزُ الرُّجُوعُ في الهِبَةِ في مِثْلِه. وإن لم تَشْهَدْ بَيِّنة باعْتِرافِه، ولم يكنِ المالُ ظاهِرًا، فالقولُ قَوْلُه مع يَمينه؛ لأنَّ الإجازَةَ تَنَزَّلَتْ مَنْزِلَةَ الإبراءِ، فلا تَصِحُّ في المَجْهُولِ، والقولُ قَوْلُه في الجَهْلِ به مع يَمينه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ العلمِ، فإذا وَصَّى بنِصْفِ مالِه، فأجازه الوارِثُ، وكان المالُ سِتَّةَ آلافٍ، فقال: ظَنَنْتُه ثلاثةَ آلافٍ. فله الرُّجُوعُ بخَمْسِمائةٍ؛ لأنَّه رَضِيَ بإجازَةِ الوَصِيَّةِ على أنَّ الزّائِدَ على الثُّلُثِ خَمْسُمائةٍ، فكانتْ ألفًا، فيَرْجِعُ بخَمْسِمائةٍ، فيَحْصُلُ للموُصَى له ألفان وخَمْسُمائةٍ. وفيه وَجْه آخَرُ، أنَّه لا يُقْبَلُ قَوْلُه؛ لأنَّه أجاز عَقْدًا له الخِيارُ في فَسْخِه، فبَطَلَ خِيارُه، كما لو أجاز البَيعَ مَن له الخِيارُ في فَسْخِه بعَيبٍ أو خِيارٍ، أو أقَرَّ بدَينٍ ثم قال: غَلِطْتُ.
стр. 8374
وإنْ كَانَ الْمُجَازُ عَينًا، فَقَال: ظَنَنْتُ بَاقِيَ الْمَالِ كَثِيرًا. لَمْ يقْبَلْ قَوْلُهُ، في أظْهَرِ الْوَجْهَينِ.
ــ
٢٦٦٣ - مسألة: (وإن كان المُجازُ عَيْنًا) كعَبْدٍ (١) أو فَرَسٍ يَزِيدُ على الثُّلُثِ، فأجازَ الوَصِيَّةَ بها (ثم قال: ظَنَنْتُ باقِيَ المالِ كَثِيرًا) تَخْرُجُ الوَصِيَّةُ مِن ثُلُثِه فبان قَلِيلًا. أو: ظَهَر عليه دَين لم أعْلَمْه. لم تَبْطُل الوَصيَّةُ؛ لأنَّ العَبْدَ مَعْلُومٌ لا جَهالةَ فيه. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنه يَمْلِكُ الفَسْخَ؛ لأنَّه قد يَسْمَحُ بذلك ظَنًّا منه أن يَبْقَى له مِن المالِ ما يَكْفِيه، فإذا بأن خِلافُ ذلك لَحِقَه الضَّرَرُ في الإجازَةِ، فمَلَكَ الرُّجُوعَ، كالمسألةِ التي قبلَها.
فصل: ولا تَصِحُّ الإجازَةُ إلا مِن جائِزِ التَّصَرُّفِ، ولا تَصِحُّ مِن الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ والمَحْجُورِ عليه للسَّفَهِ؛ لأنَّها تَبَرعٌ بالمالِ، فلم تصِحَّ منهم، كالهِبَةِ. فأمّا المَحْجُورُ عليه لفَلَسٍ، فتَصِح منه إن قُلْنا: هي تَنْفِيذٌ. وإن قلنا: هي هِبَة. لم تَصِحَّ منه؛ لأنَّه ليس له هِبَةُ مالِه.
стр. 8375
وَلَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْمُوصَى لَهُ إلا بِالْقَبُولِ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَأمَّا قَبُولُهُ وَرَدُّهُ قَبْلَ الْمَوْتِ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ.
ــ
٢٦٦٤ - مسألة: (ولا يَثْبُتُ المِلْكُ للمُوصَى له إلَّا بالقَبُولِ بعدَ المَوْتِ، فأمّا رَدُّه وقَبُولُه قبلَ ذلك فلا عِبْرَةَ به) يُشْتَرطُ لثُبُوتِ المِلْكِ للمُوصَى له شَرْطان؛ أحَدُهما، القَبُولُ إذا كانت لمُعَيَّن يُمْكِنُ القَبُولُ منه، في قولِ جُمْهُورِ الفُقَهاءِ؛ لأنَّها تَمْلِيكُ مالٍ لمَن هو مِن أهْلِ المِلْكِ، مُتَعَيِّنٌ، فاعْتُبِرَ قَبُولُه، كالهِبَةِ والبَيعِ. قال أحمدُ: الهِبَةُ والوَصِيَّةُ واحِدٌ. فإن كانت لغيرِ مُعَيَّن؛ كالفُقَراءِ والمَساكِينِ، أو لمَن لا يُمكِنُ حَصْرُهم؛ كبَنى تَمِيمٍ، أو على مَصْلَحَةٍ؛ كمسجدٍ أو حَجٍّ، لم تَفْتَقِرْ إلى قَبُولٍ، ولَزِمَتْ بمُجَرَّدِ المَوْتِ؛ لأنَّ اعْتِبارَ القَبُولِ مِن جَميعِهم مُتَعَذِّرٌ، فسَقَطَ اعْتِبارُه، كالوَقْفِ عليهم، ولا يَتَعَيَّنُ واحِدٌ منهم فيُكْتَفَى
стр. 8376
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بقَبُولِه (١)، ولذلك لو كان منهم ذو رَحِمٍ مِن المُوصَى به، مثلَ أن يُوصِيَ بعَبْدٍ للفُقَراءِ، وأبوه فَقِير، لم يَعْتِقْ عليه. ولأن المِلْكَ لا يَثْبُتُ للمُوصَى لهم، بدَلِيلِ ما ذَكَرْنا مِن المسألةِ، وإنَّما يَثْبُتُ لكلِّ واحِدٍ منهم بالقَبْضِ، فيَقُومُ قَبْضُه مَقامَ قَبُولِه. أمّا الآدَمِي المُعَيَّنُ، فيَثْبُتُ له المِلْكُ، فيُعْتَبَرُ قَبُولُه، لكنْ لا يَتَعَيَّنُ القَبُولُ باللَّفْظِ، بل يَحْصُلُ بما قام مَقامه مِن الأخْذِ والفِعْلِ الدّالِّ على الرِّضا، كقَوْلِنا في الهِبَةِ والبَيعِ. ويَجُوزُ القَبُولُ على الفَوْرِ والتَّراخِي: الثاني، أن يَقْبَلَ بعدَ مَوْتِ المُوصِي؛ لأنه قبلَ ذلك لم يَثْبُتْ له حَقٌّ، ولذلك لم يَصِحَّ رَدُّه.
стр. 8377
فَإِنْ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي، بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ.
ــ
٢٦٦٥ - مسألة: (وإن مات المُوصَى له قبلَ مَوْتِ المُوصِي، بَطَلَتِ الوصيةُ) هذا قولُ أكثَرِ أهلِ العلمِ. رُوِيَ ذلك عن عليٍّ، ﵁. وبه قال الزُّهْرِيُّ، وحَمّادُ بنُ أبي سُلَيمانَ، ورَبِيعةُ، ومالكٌ،
стр. 8378
وَإنْ رَدَّهَا بَعْدَ مَوْتِهِ، بَطَلَتْ أَيضًا.
ــ
والشافعي، وأصحابُ الرأي. وقال الحسنُ: تكونُ لوَلَدِ المُوصَى له. وقال عَطاءٌ: إذا عَلِم المَرِيضُ بمَوْتِ المُوصَى له، ولم يُحْدِثْ فيما أوْصَى به شيئًا فهو لوارِثِ المُوصَى له؛ لأنَّه مات بعدَ عَقْدِ الوَصِيَّةِ، فيَقُومُ الوارِثُ مَقامَه، كما لو مات بعدَ مَوْتِ المُوصِي وقبلَ القَبُولِ. ولَنا، أنها عَطِيَّةٌ صادَفَتِ المُعْطَى مَيِّتًا، فلم تَصِحَّ، كما لو وَهَبَ مَيِّتًا؛ وذلك لأنَّ الوَصِيَّةَ عَطِيَّةٌ بعدَ الموتِ. وإذا مات قبلَ القَبُولِ، بَطَلَتِ الوَصِيَّةُ أيضًا. وإن سَلَّمْنا صِحَّتَها، فإنَّ العَطِيَّةَ صادَفَتْ حَيًّا، بخِلافِ مسألتِنا.
٢٦٦٦ - مسألة: (وإن رَدَّها بعدَ موتِه، بَطَلَتْ أيضًا) لا يَخْلُو رَدُّ الوَصِيَّةِ مِن أرْبَعَةِ أحْوالٍ؛ أحَدُها، أن يَرُدَّها قبلَ مَوْتِ المُوصِي، فلا يَصِحُّ الرَّدُّ؛ لأنَّ الوَصِيَّةَ لم تَقَعْ بعدُ، أشْبَهَ رَدَّ المَبِيعِ قبلَ إيجابِ البَيعِ،
стр. 8379
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولأنَّه ليس بمَحَلٍّ للقَبُولِ، فلا يكونُ مَحَلًّا للرَّدِّ، كما قبلَ الوصيةِ. الثاني، أن يَرُدَّها بعدَ المَوْتِ وقبلَ القَبُولِ، فيَصِحُّ الرَّدُّ وتَبْطُلُ الوَصِيَّةُ. لا نَعْلَمُ فيه خِلافا؛ لأنَّه أسْقَطَ حَقَّه في حالٍ يَمْلِكُ قَبُولَه وأخْذَه، فأشْبَهَ عَفْوَ الشَّفِيعِ عن الشفْعَةِ بعدَ البَيعِ. الثالثُ، أن يَرُدَّ بعدَ القَبُولِ والقَبْضِ، فلا يَصِحُّ الرَّدُّ؛ لأنَّ مِلْكَه قد اسْتَقَرَّ عليه، فأشْبَهَ رَده لسائِرِ مِلْكِه، إلَّا أن يَرْضَى الوَرَثَةُ بذلك، فتكونَ هِبَة منه لهم تَفْتَقِرُ إلى شُرُوطِ الهِبَةِ. الرّابعُ، أن يَرُدَّ بعدَ القَبُولِ وقبلَ القَبضِ، فيُنْظَرُ؛ فإن كان المُوصَى به مَكِيلًا أو مَوْزُونًا، صَحَّ الرَّدُّ؛ لأنَّه لا يَسْتَقِرُّ. مِلْكه عليه قبلَ قَبْضِه، فأشْبَهَ رَدَّه قبلَ القَبُولِ، وإن كان غيرَ ذلك، لم يَصِحَّ الرَّد (١)؛ لأنَّ مِلْكَه قد اسْتَقَرَّ عليه، فهو كالمَقْبُوضِ. ويَحْتَمِل أن يَصِحَّ الرَّدُّ، بناءً على أن القَبْضَ مُعْتَبَر فيه. ولأصحابِ الشافعيِّ في هذه الحالِ وَجْهانِ، أَحَدُهما، يَصِحُّ الرَّدُّ في الجميعِ، فلا فرقَ بينَ المَكِيلِ والموزونِ وغيرِهما. وهو المنصوصُ عن الشافعيِّ؛ لأنَّهم لمّا مَلَكُوا الرَّدَّ مِن غيرِ قَبُولٍ، مَلَكُوا الرَّدَّ مِن غيرِ قَبْض، ولأنَّ مِلْكَ الوَصِيِّ لم يَستَقِرَّ عليه قبلَ القَبْصِ، فصَحَّ رَدُّه كما قبلَ القَبُولِ. والثاني، لا يَصِحُّ الرَّدّ؛ لأنَّ المِلْكَ يَحْصُلُ بالقَبُولِ مِن غيرِ قَبْضٍ.
стр. 8380
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وكلُّ مَوْضِعٍ صَحَّ الرَّدُّ فيه، فإنَّ الوَصِيَّةَ تَبْطُلُ بالرُّدِّ، ويَرْجِعُ المُوصَى به إِلى التَّرِكَةِ، فيكونُ الجَميعُ للوارِثِ؛ لأنَّ الأصْلَ ثُبُوتُ الحَقِّ لهم، وإنَّما خرَج بالوَصِيَّةِ، فإذا بَطَلَتْ رَجَع إلى ما كان عليه، كأنَّ الوَصِيَّةَ لم تُوجَدْ. ولو عَيَّنَ بالرَّدِّ واحِدًا فقَصَدَ تَخْصِيصَه بالمَرْدُودِ، لم يكنْ له ذلك، وكان لجَمِيعِهم؛ لأنَّ رَدَّه امْتِناعٌ مِن تَمَلُّكِه، فبَقِيَ على ما كان عليه، ولأنَّه لا يَمْلِكُ دَفْعَه إلى أجْنَبِي، فلم يَمْلِكْ دَفْعَه إلى وارِثٍ يَخُصُّه به. وكلُّ موضعٍ امْتَنَعَ الرَّدُّ لاسْتقْرارِ مِلْكِه عليه، فله أن يَخصَّ به بعضَ الوَرَثَةِ، لأنَّه ابْتِداءُ هِبَةٍ، ولأنَّه يَمْلِكُ دَفْعَه إلى أجْنَبِيٍّ، فمَلَكَ دَفْعَه إلى الوارِثِ. فلو قال: رَدَدْتُ هذه الوَصِيَّةَ لفُلانٍ. قِيلَ له: ما أرَدْتَ بقَوْلِك لفُلانٍ؟ فإن قال: أرَدْتُ تَمْلِيكَه إيّاها وتَخْصِيصَه بها. فقَبِلَها، اخْتَصَّ بها. وإن قال: أرَدْتُ رَدَّها إلى جميعِهم ليَرْضَى فُلانٌ. عادت إلى الجميعِ إذا قَبِلُوها، فإن قَبِلَها بعضُهم دُونَ بعض فلمَن قَبِل حِصَّتُه منها.
فصل: ويَحْصُلُ الرَّدُّ بقَوْلِه: رَدَدْتُ الوَصِيَّةَ. وقَوْلِه: ما أقْبَلُها. وما أدَّى هذا المَعْنَى. قال أحمدُ: إذا وَصَّى لرجلٍ بألْفٍ، فقال: لا أقْبَلُها. فهي لوَرَثَتِه (١).
стр. 8381
وَإنْ مَاتَ بَعْدَهُ وَقَبْلَ الرَّدِّ وَالْقَبُولِ، قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ. ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ. وَقَال الْقَاضِي: تَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِ.
ــ
٢٦٦٧ - مسألة: (وإن مات بعدَه وقبلَ الرَّدِّ والقَبُولِ، قام وارِثُه مَقامَه. ذَكَرَه الخِرَقِيُّ. وقال القاضي: تَبْطُلُ على قِياسِ قَوْلِه) إذا مات المُوصَى له بعدَ مَوْتِ المُوصِي وقبلَ الرَّدِّ والقَبُولِ، قام وارِثُه مَقامَه في القَبُولِ والرَّدِّ. كذلك ذَكَرَه الخِرَقِيُّ؛ لأنَّه حَقٌّ يَثْبُت للمَوْرُوثِ، فثَبَتَ للوارِثِ بعدَ مَوْتِه؛ لقَوْلِه، ﵊: «مَنْ تَرَك حَقًّا فَلِوَرَثَتِه» (١). وكخِيارِ الرَّدِّ بالعَيبِ. وقال أبو عبدِ اللهِ بنُ حامِدٍ: تَبْطُلُ الوَصِيَّةُ؛ لأنَّه عَقْدٌ يَفْتَقِرُ إلى القَبُولِ، فإذا مات مَن له القَبُولُ قبلَ القَبُولِ، بَطَل العَقْدُ، كالهِبَةِ. قال القاضي: هو قِياسُ المَذْهَبِ؛ لأنَّه خِيارٌ لا يُعْتاضُ عنه، فبَطَلَ، كخِيارِ المَجْلِسِ والشَّرْطِ وخِيارِ الأخْذِ بالشُّفْعَةِ. وقال أصحابُ الرَّأْي: تَلْزَمُ الوَصِيَّةُ في حَقِّ الوارِثِ، وتَدْخُلُ في مِلْكِه حُكْمًا بغيرِ قَبُولٍ؛ لأنَّ الوَصِيَّةَ قد لَزِمَت مِن جِهَةِ المُوصِي، وإنَّما الخِيارُ للمُوصَى له، فإذا مات بَطَل خِيارُه ودَخَل
стр. 8382
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في مِلْكِه، كما لو اشْتَرَى شيئًا على أنَّ الخِيارَ له فمات قبل (١) انْقِضائِه. ولَنا على أنَّ الوَصِيَّةَ لا تَبْطُلُ بمَوْتِ الوَصِيِّ، أنَّها عَقْدٌ لازِمٌ مِن أحَدِ الطَّرَفَين، فلم يَبْطُلْ بمَوْتِ مَن له الخِيارُ، كعَقْدِ الرَّهْنِ والبَيعِ إذا شُرِط فيه الخِيارُ لأحَدِهما، ولأنَّه عَقْدٌ لا يَبْطُلُ بمَوْتِ المُوجِبِ له، فلا يَبْطُلُ بمَوْتِ الآخَرِ، كالذي ذَكَرْنا. ويُفارِقُ الهِبَةَ والبَيعَ قبلَ القَبُولِ مِن الوَجْهَين اللَّذَين ذَكَرْناهما، وهو أنَّه جائِزٌ مِن الطَّرَفَين، ويَبْطُلُ بمَوْتِ المُوجِبِ له، ولا يَصِحُّ قِياسُه على الخِياراتِ؛ لأنَّ ثَمَّ يَبْطُلُ الخِيارُ، ويَلْزَمُ العَقْدُ، فنَظِيرُه في مسألتِنا قولُ أصحابِ الرَّأْي. ولَنا على إبْطالِ قولِهم، أنَّه عَقْدٌ يَفْتَقِرُ إلى قَبُولِ المُتَمَلِّكِ، فلم يَلْزَمْ قبلَ القَبُولِ، كالبَيعِ والهِبَةِ. إذا ثَبَت هذا، فإنَّ الوارِثَ يَقُومُ مَقامَ المُوصَى له في الرَّدِّ والقَبُولِ؛ لأنَّ كلَّ حَقٍّ مات عنه المُسْتَحِقُّ فلم يَبْطُلْ بالمَوْتِ، قام الوارِثُ فيه مَقامَه، فإن رَدَّ الوارِثُ الوَصِيَّةَ بَطَلَتْ، وإن قَبِلَها صَحَّتْ. وإن كان الوارِثُ جماعَةً، اعْتُبرَ القَبُولُ والرَّدُّ مِن جَميعِهم، فإن رَدَّ بعضُهم وقَبِل بعضٌ، ثَبَتَ المِلْكُ لمَن قَبِل في حِصَّتِه، وبَطَلَتِ الوَصِيَّةُ في حَقِّ مَن رَدَّ. فإن كان منهم مَن ليس له التَّصَرُّفُ، قام وَلِيُّه مَقامَه في ذلك، وليس له أن يَفْعَلَ إلَّا ما للمُوَلَّى عليه فيه الحَظُّ، فإن فعَل غيرَه لم يَصِحَّ، فإذا كان الحظُّ في قَبولِها، لم يَصِحَّ
стр. 8383
وَإنْ قَبِلَهَا بَعْدَ الْمَوْتِ، ثَبَتَ الْمِلْكُ حِينَ الْقَبُولِ، فِي الصَّحِيحِ.
ــ
الردُّ وكان له قَبولُها بعدَ ذلك، وإن كان الحَظُّ في رَدِّها، لم يَصِحَّ قَبُولُه لها؛ لأنَّ الوَلِيَّ لا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ في حَقِّ المُوَلَّى عليه بغيرِ ما له الحَظُّ فيه. فلو وَصَّى لصَبيٍّ بذي رَحِمٍ يعْتِقُ بمِلْكِه له، وكان على الصَّبيِّ ضَرَرٌ في ذلك، بأن تَلْزَمَه نَفَقةُ المُوصَى به؛ لكَونِه فَقِيرًا لا كَسْبَ له، والمُولَّى عليه مُوسِرٌ، لم يكنْ له قَبُولُ الوَصِيَّةِ، وإن لم يكنْ عليه ضَرَرٌ، لكونِ المُوصَى به ذا كَسْبٍ، أو لكَوْنِ المُوَلَّى عليه فَقِيرًا لا تَلْزَمُه نَفَقَتُه، تَعَيَّنَ القَبُولُ؛ لأنَّ في ذلك نَفْعًا للمُوَلَّى عليه، لعِتْقِ قَرابَتِه مِن غيرِ ضَرَرٍ يَعُودُ عليه، فتَعَيَّنَ ذلك. والله أعلم.
٢٦٦٨ - مسألة: (وإن قَبِلَها بعدَ المَوْتِ، ثَبَت المِلْكُ حينَ القَبُولِ، في الصَّحِيحِ) مِن المَذْهَبِ. وهو قولُ مالِكٍ، وأهلِ العِراقِ،
стр. 8384
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ورُوِيَ عن الشافعيِّ. وفيه وَجْهُ آخَرُ ذَكَرَه أبو الخَطّابِ، أنه إذا قَبِل تَبَيَّنَّا أنَّ المِلْكَ ثَبَت حينَ مَوْتِ المُوصِي. وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ؛ لأنَّ ما وَجَب انْتِقالُه بالقَبُولِ، وَجَب انْتِقالُه مِن جِهَةِ المُوجِبِ عندَ الإِيجابِ، كالهِبَةِ والبَيعِ، ولأنَّه لا يجوزُ أن يَثْبُتَ المِلْكُ فيه للوارِثِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَينٍ﴾ (١). والإِرْثُ بعدَ الوَصِيَّةِ، ولا يَبْقَى للمَيِّتِ؛ لأنَّه صار جَمادًا لا يَمْلِكُ شيئًا. وللشافعيِّ قولٌ ثالثٌ غيرُ مَشْهُورٍ، أنَّ الوَصِيَّةَ تُمْلَكُ بالمَوْتِ، ويُحْكَمُ بذلك قبلَ القَبُولِ؛ لِما ذَكَرْنا. ولَنا، أنَّه تَمْلِيكُ عَينٍ لمُعَيَّنٍ يَفْتَقِرُ إلى القَبُولِ،
стр. 8385
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فلم يَسْبِقِ المِلْكُ القَبُولَ، كسائِرِ العُقُودِ، ولأنَّ القَبُولَ مِن تَمامِ السَّبَبِ، والحُكْمُ لا يَتَقَدَّمُ سَبَبَه، ولأنَّ القَبُولَ لا يَخْلُو مِن أن يكونَ شَرْطًا أو جُزْءًا مِن السَّبَبِ، والحُكْمُ لا يَتَقَدَّمُ سَبَبَه ولا شَرْطَه، ولأنَّ المِلْكَ في الماضِي لا يجوزُ تَعْلِيقُه بشَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ. فإن قِيلَ: فلو قال لامرأتِه: أنت طالقٌ قبلَ مَوْتِي بشَهْرٍ. ثم مات، تَبَيَّنّا وُقُوعَ الطلاقِ قبلَ مَوْتِه بشَهْرٍ. قُلْنا: ليس هذا شَرْطًا في وُقُوعِ الطَّلاقِ، وإنَّما نَتَبَيَّنُ الوَقْتَ الذي يَقَعُ فيه الطَّلاقُ. ولو قال: إذا مِتُّ فأنتِ طالِقٌ قبلَه بشَهْرٍ. لم يَصِحَّ. وأمّا انْتِقالُه مِن جِهَةِ الموُجِب في سائِرِ العُقُودِ فإنَّه لا يَنْتَقِلُ إلَّا بعدَ القَبُولِ، فهو كمسألتنا، غيرَ أنَّ ما بينَ الإيجابِ والقَبُولِ ثَمَّ يَسِير لا يَظْهَرُ له أثرٌ، بخِلافِ مسألتِنا. قولُهم: إنَّ المِلْكَ لا يَثْبُتُ للوارِثِ. مَمْنُوعٌ؛ فإنَّ المِلْكَ يَنْتَقِلُ إلى الوارِثِ بحُكْمِ الأصْلِ، إلَّا أن يَمْنَعَ منه مانِع، فأمّا قولُ اللهِ تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَينٍ﴾. قُلْنا: المُرادُ به وَصِيَّةٌ مَقْبُولةٌ، بدَلِيلِ أنَّه لو لم يَقْبَلْ، لكان مِلْكًا للوارِثِ، وقبلَ قَبُولِها فليست مَقْبُولَةً. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ المُرادُ بقَوْلِه: ﴿فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا﴾ (١). أي لكم ذلك مُسْتَقِرٌّ. ولا يَمْنَعُ هذا ثُبُوتَ المِلْكِ غيرَ مُسْتَقِرٍّ. ولهذا لا يَمْنَعُ الدَّينُ ثُبُوتَ المِلْكِ في التَّرِكَةِ، وهو آكَدُ مِن
стр. 8386
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الوَصِيَّةِ. وإن سَلَّمْنا أنَّ المِلْكَ لا يَبْقَى للوارِثِ، فإَّنه يَبْقَى مِلْكًا للمَيِّتِ، كما إذا كان عليه دَينٌ وقولُهم: لا يَبْقَى له مِلْكٌ. مَمْنُوعٌ، فإّنه يَبْقَى مِلْكُه فيما يَحْتاجُ إليه مِن مُؤْنَةِ تَجْهِيزِه ودَفْنِه، وقَضاءِ دُيُونِه. ويجوزُ أن يَتَجَدَّدَ له مِلْكٌ في دِيَتِه إذا قُتِل، وفيما إذا نَصَب شَبَكَةً فوَقَعَ فيها صَيدٌ بعدَ مَوْتِه، بحيث تُقْضَى دُيُونُه، وتَنْفُذُ وصاياه، ويُجَهَّزُ إن كان قبلَ تَجْهِيزِه، فهذا يَبْقَى على مِلْكِه، لتَعَذُّرِ انْتِقالِه إلى الوارِثِ مِن أجْلِ الوَصِيَّةِ، وامْتِناعِ انْتِقالِه إلى الوَصِيِّ قبلَ تَمامِ السَّبَبِ، فإن رَدَّ المُوصَى له، أو قَبِل، انْتَقَلَ حِينَئِذٍ. فإن قلنا بالأوَّلِ، وأنَّه يَنْتَقِلُ إلى الوارِثِ، فإنَّه يَثْبُتُ له المِلْكُ على وَجْهٍ لا يُفِيدُ إباحَةَ التَّصَرُّفِ، كثُبُوتِه في العَينِ المَرْهُونَةِ، فلو باع المُوصَى به، أو رَهَنَه، أو أعْتَقَه، أو تَصَرَّفَ بغيرِ ذلك، لم يَنْفُذْ شيءٌ مِن تَصَرُّفاتِه. ولو كان الوارِثُ ابنًا للمُوصَى به، مثلَ أن تَمْلِكَ امرأةٌ زَوْجَها الذي لها منه ابْنٌ، فتُوصِيَ به لأجْنَبِيٍّ، فإذا ماتت،
стр. 8387
فَمَا حَدَثَ قَبْلَهُ مِنْ نَمَاءٍ مُنْفَصِلٍ فَهُوَ لِلْوَرَثَةِ، وإِنْ كَانَ مُتَّصِلًا تَبِعَهَا.
ــ
انْتَقَلَ المِلْكُ فيه إلى ابْنِه إلى (١) حينِ القَبُولِ، ولا يَعْتِقُ عليه.
٢٦٦٩ - مسألة: فما حَصَل مِن كَسْبٍ أو (نَماءٍ مُنْفَصِلٍ) في المُوصَى به بعدَ مَوْتِ المُوصِي وقبلَ القَبُولِ، كالوَلَدِ والثَّمَرَةِ والكَسْبِ (فهو للوَرَثَةِ) على الوَجْهِ الأوَّلِ؛ لأنَّه مِلْكُهم (فإن كان مُتَّصِلًا تَبعَها) لأنَّه يَتْبَعُ في العُقُودِ والفُسُوخِ.
стр. 8388
وَإنْ كَانَتِ الوَصِيَّةُ بِأَمَةٍ فَوَطِئَهَا الْوَارِثُ قَبْلَ الْقَبُولِ وَأَوْلَدَهَا، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَلَا مَهْرَ عَلَيهِ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ لَا تَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ، وَعَلَيهِ قِيمَتُهَا لِلْوَصِيِّ لَهُ.
ــ
٢٦٧٠ - مسألة: (وإن كانتِ الوَصِيَّةُ بأمَةٍ فَوَطِئَها الوارِثُ قبلَ القَبُولِ فأوْلَدَها، صارت أُمَّ وَلَدٍ له، وولَدُها حُرٌّ) لأنَّه وَطِئَها في مِلْكِه (وعليه قِيمَتُها للوَصِيِّ) إذا قَبِلَها؛ لأنَّه فوَّتَها عليه (ولا مَهْرَ عليه، ولا تَلْزَمُه قِيمَةُ الوَلَدِ) لذلك. فإن قِيلَ: فكيف قَضَيتُم بعتْقِها ههُنا، وهي لا تَعْتِقُ بإعْتاقِها؟ قلنا: الاسْتِيلادُ أقْوَى، ولذلك يَصِحُّ مِن المَجْنُونِ، والرّاهِنِ، والأبِ، والشَّرِيكِ المُعْسِرِ، وإن لم يَنْفُذْ إعْتاقهم. وعلى
стр. 8389
وَإنْ وَصّى لَهُ بزَوْجَتِهِ فَأَوْلَدَهَا قَبْلَ الْقَبُول لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَوَلَدُهُ رَقِيقٌ. وَمَنْ أُوْصِيَ لَهُ بِأَبِيهِ فَمَاتَ قَبْلَ الْقَبُولِ، فَقَبِلَ ابْنُهُ، عَتَقَ الْمُوصَى بِهِ حِيَنَئِذٍ، وَلَمْ يَرِثْ شَيئًا.
ــ
الوَجْهِ الآخَرِ، يكونُ وَلَدُه رَقِيقًا والأمَةُ باقِيَةً على الرِّقِّ. فإن وَطِئَهَا المُوصَى له [قبلَ قَبُولِها، كان ذلك قَبُولًا لها] (١)، ويَثْبُتُ المِلْكُ له به؛ لأنَّه لا يجوزُ إلَّا في المِلْكِ، فإقْدامُه عليه دَلِيلٌ على اخْتِيارِه المِلْكَ، فأشْبَهَ ما لو وَطِئَ مَن له الرَّجْعَةُ زَوْجَتَه الرَّجْعِيَّةَ، أو وَطِئَ مَن له الخِيارُ في البَيعِ الأمَةَ المَبِيعَةَ، أو وَطِئَ مَن له خِيارُ فَسْخِ النِّكاحِ امرأتَه.
٢٦٧١ - مسألة: (وإن وَصَّى له بزَوْجَتِه فأوْلَدَها) بعدَ مَوْتِ المُوصِي و (قبلَ القَبُولِ، فوَلَدُه رَقِيقٌ) للوارِثِ. وعلى الوَجْهِ الآخَرِ، يكونُ (٢) حُرَّ الأصْلِ، ولا وَلاءَ عليه، وأُمُّه أُمُّ وَلَدٍ؛ لأنَّها عَلِقَتْ منه بحُرٍّ في مِلْكِه.
٢٦٧٢ - مسألة: (وإن وَصَّى له بأبيه فمات قبلَ القَبُولِ، فقَبِلَ
стр. 8390
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ابنه، عَتَقَ المُوصَى به، ولم يَرِثْ شيئًا) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا وَصَّى له بأبِيه، فمات المُوصَى له بعدَ مَوْتِ المُوصِي وقبلَ الرَّدِّ والقَبُولِ، فلوَارِثِه قَبُولُها، على قولِ الخِرَقِيِّ. وهو الصحيحُ، إن شاء اللهُ تعالى. فإن قَبِلَها ابنه، صَحَّ، وعَتَقَ عليه الجَدُّ، ولم يَرِثْ مِن ابنِه شيئًا؛ لأنَّ حُرِّيَّتَه إنَّما حَدَثَتْ حينَ القَبُولِ بعدَ أن صار المِيراثُ لغيرِه. وعلى الوَجْهِ الآخَرِ، تَثْبُت حُرِّيَّتُه مِن حينِ مَوْتِ المُوصِي، ويَرِثُ مِن ابنِه السُّدْسَ. وقال بعضُ أصحابِ الشافعيِّ: لا يَرِثُ أيضًا؛ لأنَّه لو وَرِث لاعْتبِرَ قَبُولُه، ولا يجوز اعْتِبارُ قَبُولِه قبلَ الحُكْمِ بحُرِّيَّتِه، وإذا لم يَجُزِ اعْتِبارُه لم يَعْتِقْ، فيُؤَدِّي تَوْرِيثُه إلى إبْطالِ تَوْرِيثِه. وهذا فاسِدٌ؛ فإنَّه لو أقَرَّ جَميعُ الوَرَثَةِ بمُشارِكٍ لهم في المِيرَاثِ، ثَبَتَ نَسَبُه، ووَرِث، مع أنَّه يَخْرُجُ المُقِرُّون
стр. 8391
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَثْبُتَ الْمِلْكُ حِينَ الْمَوْتِ، فَتَنْعَكِسَ هَذِهِ الْأَحْكَامُ.
ــ
به عن كونِهم جَمِيعَ الوَرَثَةِ. ومِن فُرُوعِ ذلك، أنَّه لو مات المُوصَى له فقَبِلَ وارِثُه، لثَبَتَ المِلْكُ للوارِثِ القابِلِ ابْتِداءً مِن جِهَةِ المُوصِي، لا مِن جِهَةِ مَوْرُوثِه، ولم يَثْبُتْ للموصَى له شيءٌ، فحِينَئِذٍ لا تُقْضَى دُيُونُه ولا تَنْفُذُ وصاياه، ولا يَعْتِقُ مَن يَعْتِقُ عليه. فإن كان منهم مَن يَعْتِقُ على الوارِثِ، عَتَقَ عليه، وكان وَلاؤُه له دُونَ المُوصَى له. وعلى الوَجْهِ الآخَرِ، نَتبَيَّنُ أنَّ المِلْكَ كان ثابِتًا للمُوصَى له، وأنَّه انْتَقَلَ منه إلى وارِثِه، فتَنْعَكِسُ هذه الأحْكامُ، فتُقْضَى دُيُونُه، وتَنْفُذُ وصاياه، ويَعْتِقُ مَن يَعْتِقُ عليه، وله وَلاؤُه يَخْتَصُّ به الذُّكُورُ مِن وَرَثَتِه (ويَحْتَمِلُ أن يَثْبُتَ المِلْكُ مِن حينِ المَوْتِ، فتَنْعَكِسَ هذه الأحْكامُ) وقد ذَكَرْناه.
فصل: وتَصِحُّ الوَصِيَّةُ مُطْلَقَةً ومُقَيَّدةً: فالمُطلَقَة، أن يقولَ: إن مِتُّ فثُلُثِي للمَساكِينِ. أو: لزيدٍ. والمُقَيَّدَةُ، أن يقولَ: إن مِتُّ في مَرَضِي هذا. أو: في هذه البَلْدَةِ. أو: في سَفَرِي هذا، فثُلُثِي للمَساكِينِ. فإن بَرَأ مِن مَرَضِه، أو قَدِمَ مِن سَفَرِه، أو خرَج مِن البلدةِ، ثم مات، بطَلَتِ الوَصِيَّةُ المُقَيَّدَةُ دُونَ المُطْلَقَةِ. قال أحمدُ، في مَن وَصَّى وَصِيَّةً إن مات مِن مَرَضِه هذا أو مِن سَفَرِه هذا، ولم يُغَيِّرْ وَصِيَّتَه، ثم مات بعدَ ذلك: فليس له وَصِيَّةٌ. وبهذا قال الحسن، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ،
стр. 8392
فَصْلٌ: وَيَجُوزُ الرُّجُوعُ فِي الْوَصِيَّةِ.
ــ
وأصحابُ الرَّأْي. وقال مالكٌ: إن قال قولًا، ولم يَكْتُبْ كِتابًا، فهو كذلك، وإن كَتَب كتابًا ثم صَحَّ مِن مَرَضِه، وأقَرَّ الكِتابَ، فوَصِيَّتُه بحالِها ما لم يَنْقُضْها. ولَنا، أنَّها وصيةٌ بشَرْطٍ لم يُوجَدْ شَرْطُها، فبَطَلَتْ، كما لو لم يَكْتُبْ كتابًا، أو كما لو وَصَّى لقَوْمٍ فماتُوا قبلَه، ولأنَّه قَيَّدَ وَصِيته بقَيدٍ، فلا تَتَعدَّاه، كما ذَكَرْنا. وإن قال لأحَدِ عَبْدَيه: أنت حُرٌّ بعدَ مَوْتي. وقال للآخَرِ: أنت حُرٌّ إن مِتُّ مِن مَرَضِي هذا. فمات مِن مَرَضِه، فالعَبْدانِ سَواءٌ في التَّدْبِيرِ. وإن بَرَأ مِن مَرَضِه ذلك، بَطَل تَدْبِيرُ المُقَيَّدِ وبَقِيَ تَدْبِيرُ المُطْلَقِ بحالِه. ولو وَصَّى لرجلٍ بثُلُثِه، وقال: إن مِتَّ قبلِي فهو لعمرٍو. صَحَّتْ وَصِيَّتُه على حَسَبِ ما شَرَطَه. وكذلك سائِرُ الشُّرُوطِ، فإنّ النبيَّ ﷺ قال: «المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (١).
فصل: قال، ﵁: (ويَجُوزُ الرُّجُوعُ في الوَصِيَّةِ) اتَّفَقَ أهلُ العلمِ على أنَّ للمُوصِي أن يَرْجِعَ في كلِّ ما وَصَّى به، وفي بعضِه،
стр. 8393
فَإذَا قَال: قَدْ رَجَعْتُ فِي وَصِيَّتِي. أوْ: أَبْطَلْتُهَا. وَنَحْوَ ذَلِكَ، بَطَلَتْ.
ــ
إلَّا الوَصِيَّةَ بالإِعْتاقِ، فقد اخْتُلِفَ فيها، فالأكْثَرُون على جَوازِ الرُّجُوعِ فيها أيضًا. رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ، ﵁، أنَّه قال: يُغيِّرُ الرجلُ ما شاء مِن وَصِيَّتِه (١). وبه قال عَطاءٌ، وجابرُ بنُ زيدٍ، والزُّهْرِيُّ، وقتادَةُ، ومالِكٌ، والشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. وقال الشَّعْبِيُّ، وابنُ سِيرِينَ، وابنُ شُبْرُمَةَ، والنَّخَعِيُّ: يُغَيِّرُ ما شاء منها إلَّا العِتْقَ؛ لأَنه إعْتاقٌ بعدَ المَوْتِ، فلم يَمْلِكْ تَغْيِيرَه، كالتَّدْبيرِ. ولَنا، أنَّها وَصِيَّةٌ، فمَلَكَ الرُّجُوعَ عنها، [كغيرِ العِتْقِ] (٢)، ولأنَّها عَطِيَّةٌ تَنْجُزُ بالمَوْتِ، فجاز له الرُّجُوعُ عنها قبلَ تَنْجِيزِها، كهِبَةِ ما يَفْتَقِرُ إلى القَبْضِ قبلَ قَبْضِه. وأمّا التَّدْبِيرُ، فلَنا فيه مَنْعٌ، وإن سُلِّمَ، فإنَّ الوَصِيَّةَ تُفارِقُ التَّدْبِيرَ، فإنَّه تَعْلِيقٌ على شَرْطٍ، فلم يَمْلِكْ تَغْيِيرَه، كتَعْلِيقِه (٣) على صِفَةٍ في الحَياةِ.
٢٦٧٣ - مسألة: (فإذا قال: قد رجعتُ في وَصِيَّتِي. أو: أبْطلْتُها. أو نحوَ ذلك) كقولِه: غيَّرتُها (بَطَلَتْ) لأنَّه صريحٌ في
стр. 8394
وَإنْ قَال فِي الْمُوصَى بِهِ: هَذَا لِوَرَثَتِي. أوْ: مَا أوْصَيتُ بِهِ لِفُلَانٍ فَهُوَ لِفُلَانٍ. كَانَ رُجُوعًا. وَإنْ وَصَّى بِهِ لِآخَرَ وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ، فَهُوَ بَينَهُمَا.
ــ
الرجوعِ (وإن قال في المُوصَى به: هو لوَرَثَتي) أو: في ميراثي. فهو رُجوعٌ؛ لأنَّ ذلك يُنافِي كونَه وصيَّةً.
٢٦٧٤ - مسألة: وإن قال: (ما أوْصَيتُ به لفُلانٍ فهو لفلانٍ .
كان رُجُوعًا) وبه قال الشافعي، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي. ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا؛ لأنَّه صَرَّحَ بالرُّجُوعِ عن الأوَّلِ بذِكْرِه أنَّ ما أوْصَى به مَرْدُودٌ إلى الثانِي، أشْبَهَ ما لو قال: رَجَعْتُ عن وَصِيَّتِي لفلانٍ وأوْصَيتُ بها لفلانٍ.
٢٦٧٥ - مسألة: (وإن وَصَّى به لآخَرَ ولم يَقُلْ ذلك، فهو بينَهما) إذا وَصَّى لإِنسانٍ بمُعَيَّنٍ مِن مالِه ثم وَصَّى به لآخَرَ، أو وَصَّى
стр. 8395
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لرجلٍ بثُلُثِه ثم وَصَّى لآخَرَ بثُلُثِه، أو وَصَّى بجَمِيعِ مالِه لرجلٍ ثم وَصَّى به لآخرَ، فهو بينَهما، وليس ذلك رُجُوعًا في الوَصِيَّةِ الأولَى. وبه قال رَبيعَةُ، ومالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ، وأَصحابُ الرَّأْي. وقال جابرُ بن زيدٍ، والحسنُ، وعَطاءٌ، وطاوُسٌ، وداودُ: وَصِيَّتُه للأخِيرِ منهما؛ لأنه وَصَّى للثانِي بما وَصَّى به للأوَّلِ، فكان رُجُوعًا، كما لو قال: ما وَصَّيتُ به لفلانٍ فهو لفلانٍ. ولأن الثانيةَ تُنافِي الأُولَى، فإذا أتَى بها كان رُجُوعًا، كما لو قال: هذا لوَرَثَتِي. ولَنا، أنَّه وَصَّى بها لهما، فاسْتَوَيا فيها، كما لو قال: وَصَّيتُ لكما بهذه العَينِ. وما قاسُوا عليه صَرَّحَ فيه بالرُّجُوعِ عن وَصِيَّةُ للأوَّلِ، وفي مسألتِنا يَحْتَمِلُ أنَّه قَصَد التَّشْرِيكَ، فلم تَبْطُلْ وَصِيَّةُ الآخَرِ بالشَّكِّ.
فصل: إذا وَصَّى بعَبْدٍ لرجل ثم وَصَّى لآخَرَ بثُلُثِه، فهو بينَهما أرْباعًا. وعلى قولِ الآخَرِين يَنْبَغِي أن يكونَ للثانِي ثُلثه كامِلًا. وإن وَصَّى بعَبْدِه لاثْنَين، فرَدَّ أحَدُهما وَصِيتَّهَ، فللآخَرِ نِصْفُه. وإن وَصَّى لاثْنَين بثُلُثَي ماله، فرَدَّ الوَرَثَةُ ذلك، ورَدَّ أحَدُ الوَصِيَّين وَصِيَّتَه، فللآخَرِ الثُّلُثُ كامِلًا؛ لأنَّه وَصَّى له به مُنْفَرِدًا وزالتِ المُزاحَمَةُ، فكَمُلَ له، كما لو انْفَرَدَ به.
стр. 8396
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: إذا أقَرَّ الوارِثُ أنَّ أباه وَصَّى بالثُّلُثِ لرجل، وأقام آخَرُ شاهِدَين أنَّه أوْصَى له بالثُّلُثِ، فرَدَّ الوارِثُ الوَصِيَّين، وكان الوارِثُ رجلًا عَدْلًا، وشَهِد بالوَصِيَّةِ، حَلَف معه المُوصَى له، واشتَرَكا في الثُّلُثِ. وبهذا قال أبو ثَوْرٍ. وهو قِياسُ قولِ الشافعيِّ. وقال أصحابُ الرَّأْي: لا يُشارِكُه المُقَرُّ له. بناءً منهم على أنَّ الشّاهِدَ واليَمِينَ ليس بحُجَّةٍ شَرْعِيَّةٍ. وقد ثَبَت أنَّ النبيَّ ﷺ قَضَى بشاهِدٍ ويَمِينٍ. رَواهُ مسلمٌ (١). وإن كان المُقِرُّ ليس بعَدْلٍ، أو كان امرأةً، فالثُّلُثُ لمَن شَهِدَتْ له البَيِّنَةُ؛ لأنَّ وَصِيَّتَه ثابِتةٌ، ولم تَثبُتْ وَصِيَّةُ الآخَرِ. وإن لم يكنْ لواحدٍ منهما بَيِّنَةٌ، فأقَرَّ الوارِثُ أنَّه أقَرَّ لفُلانٍ بالثُّلُثِ، أو بهذا العَبْدِ، و (٢) أقَرَّ لآخَرَ به بكلامٍ مُتَّصِلٍ، فالمُقَرُّ به بينَهما. وبهذا قال أبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي. ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا. وإن أقَرَّ به لواحِدٍ، ثم أقَرَّ به لآخَرَ في مجلِس آخَرَ، لم يُقْبَلْ إقْرارُه؛ لأنَّه ثَبَت للأوَّلِ بإقْرارِه، فلا يُقْبَلُ قولُه فيما يَنْقُصُ به حَقُّ الأوَّلِ، إلَّا أن يكونَ عَدْلًا فيَشْهَدَ بذلك ويَحْلِفَ معه المُقَرُّ له، فيُشارِكَه، كما لو ثَبَت للأوَّل ببَيِّنَةٍ. وإن أقَرَّ للثانِي، في المَجْلِسِ بكَلامٍ مُنْفَصِلٍ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يُقْبَلُ؛ لأنَّ حَقَّ الأوَّلِ ثَبَت في الجميعِ، فأشْبَهَ ما لو أقَرَّ له في مَجْلِسٍ آخَرَ. والثانِي، يُقْبَلُ؛ لأن المَجْلِسَ الواحِدَ كالحالِ الواحِدَةِ.
стр. 8397
وَإِنْ بَاعَهُ، أَوْ وَهَبَهُ، أَوْ رَهَنَهُ، كَانَ رُجُوعًا.
ــ
٢٦٧٦ - مسألة: (وإن باعَه، أو وَهَبَه، أو رَهَنَه، كان رُجُوعًا) إذا وَهَب المُوصَى به، أو تَصَدَّقَ به، أو أكَلَه، أو أطْعَمَه، أو أتْلَفَه، أو كان ثَوْبًا ففَصَّلَه ولَبِسَه، أو جارِيَةً فأحْبَلَها، أو ما أشْبَهَ ذلك، فهو رُجُوعٌ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن أحْفَظُ عنه مِن أهلِ العِلْمِ، أنَّه إذا أوْصَى لرجلٍ بطَعامٍ فأكَلَه، أو بشيءٍ فأتْلَفَه، أو وَهَبَه، أو تَصَدَّقَ به، أو بجارِيَةٍ فأحْبَلَها، أو أوْلَدَها، فإنه يكونُ رُجُوعًا، وكذلك إن باعَها. وحُكِيَ عن أصحابِ الرَّأي، أنَّ بَيعَه ليس برُجُوعٍ؛ لأنَّه أخَذَ بَدَلَه، بخِلافِ الهِبَةِ. ولَنا، أنَّه أزال مِلْكَه عنه، فكان رُجُوعًا، كما لو وَهَبَه. وإن عَرَضَه على البَيعِ، أو وَصَّى ببَيعِه، أو أوْجَبَ الهِبَةَ فلم يَقْبَلْها المَوْهُوبُ له، كان رُجُوعًا؛ لأنَّه يَدُلُّ على اخْتِيارِه للرُّجُوعِ، ووَصِيَّتُه بِبَيعِه أو إعْتاقِه رُجُوعٌ، لكونِه وَصَّى بما يُنافِي الوَصِيَّةَ الأُولَى.
стр. 8398
وَإنْ كَاتَبَهُ، أَوْ دَبَّرَهُ، أَوْ جَحَدَ الْوَصِيَّةَ، فَعَلَى وَجْهَينِ.
ــ
وإن رَهَنَه، كان رُجُوعًا؛ لأنَّه عَلَّقَ به حَقًّا يجوزُ بَيعُه، فكان أعْظَمَ مِن عَرْضِه على البَيعِ. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه ليس برُجُوعٍ. وهو وَجْهٌ لأصحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّه لا يُزِيلُ المِلْكَ، أشْبَهَ إجارَتَه.
٢٦٧٧ - مسألة: (وإن كاتَبَه، أو دَبَّرَه، أو جَحَد الوَصِيَّةَ، فعلى وَجْهَين) أحَدُهما، يكونُ رجُوعًا؛ لأنَّ الكِتابةَ بَيعٌ، والتَّدْبِير أقْوى مِن الوَصِيَّةِ؛ لأنَّه يَنْتَجِزُ بالموتِ، فسَبَق أخْذَ المُوصَى له، وجَحْدُ الوَصِيَّةِ
стр. 8399
فَإن خَلَطَهُ بِغَيرِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَمَيَّزُ، أَوْ أَزْال اسْمَهُ فَطَحَنَ
ــ
رُجُوعٌ؛ لأنَّه يدُلُّ (١) على الرُّجُوعِ، ولأنَّ جَحْدَه يَدُلُّ على أنَّه لا يريدُ إيصاله إلى المُوصَى له. والثانِي، لا يكونُ رُجُوعًا؛ لأنَّ الكِتابَةَ والتَّدْبِيرَ لا يَخْرُجُ بهما عن مِلْكِه، ولأنَّ الوَصيةَ عَقْدٌ، فلا تَبْطُلُ بالجُحُودِ، كسائِرِ العُقُودِ. وهو رِوايَةٌ عن أبي حنيفةَ.
٢٦٧٨ - مسألة: (وإن خَلَطَه بغيرِه على وَجْهٍ لا يَتَمَيَّزُ) منه، كان رُجُوعًا؛ لأنَّه يَتَعَذَّرُ تَسْلِيمُه، فيَدُلُّ على رُجُوعِه. وإن خَلَطَه بما يَتَمَيَّزُ منه، لم يكن رُجُوعًا؛ لأنَّه لا يَمْنَعُ التَّسْلِيمَ. وإن (أزال اسْمَه، فطَحَنَ
стр. 8400
الْحِنْطَةَ أوْ خَبَزَ الدَّقِيقَ، أوْ جَعَلَ الْخُبْزَ فَتِيتًا، أَوْ نَسَجَ الْغَزْلَ، أوْ نَجَرَ الْخَشَبَةَ بَابًا وَنَحْوَهُ، أو انْهَدَمَتِ الدَّارُ وَزَال اسْمُهَا، فَقَال الْقَاضِي: هُوَ رُجُوعٌ. وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهِ وَجْهَينِ.
ــ
الحِنْطَةَ) أو عَجَن الدَّقِيقَ، أو خَبَز العَجِينَ (١) (أو جَعَلَ الخُبْزَ فَتِيتًا) فهو رُجُوعٌ؛ لأنَّه أزال اسْمَه. وذَكَرَه القاضِي؛ لأنَّه أزال اسْمَه وعَرَّضَه للاسْتِعْمالِ، وذلك دَلِيلٌ على رُجُوعِه. وبهذا قال الشافعيُّ. وعلى قِياسِ ذلك إذا (نَجَر الخَشَبَةَ بابًا ونحوَه) لأنَّه أزال اسْمَه، فهو في مَعْناه. وإن كان قُطْنًا أو كَتّانًا فغَزَلَه، أو غَزْلًا فنَسَجَه، أو ثَوْبًا فقَطَعَه، أو نُقْرَةً (٢) فضَرَبَها، أو شاةً فذَبَحها، كان رُجُوعًا. وبه قال أصحابُ الرَّأي، والشافعيُّ في ظاهِرِ مَذْهَبِه. واخْتارَ أبو الخَطّابِ، أنَّه ليس برُجُوعٍ. وهو قولُ أبي ثَوْرٍ؛ لأنَّه لا يُزِيلُ اسْمَه. ولَنا، أنَّه عَرضَه للاسْتِعْمالِ، فكان رُجُوعًا؛ لأن فِعْلَه يَدُلُّ على الرُّجُوعِ. وقولُهم: إنَّه لا يُزِيلُ اسْمَه. لا يَصِحُّ؛ فإنَّ الثَّوْبَ لا يُسَمَّى غَزْلًا، والغَزْلَ لا يُسَمَّى كَتَّانًا.
стр. 8401
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإن حَدَث بالمُوصَى به ما يُزِيلُ اسْمَه مِن غيرِ (١) فِعْل المُوصِي، مِثْلَ أن سَقَط الحَبُّ في الأرْضِ فصار زَرْعًا، أو انْهَدَمَتِ الدّارُ فصارت فَضاءً في حَياةِ المُوصِي، بَطَلَتِ الوَصِيّةُ بها؛ لأنَّ الباقيَ لا يَتَناوَلُه
стр. 8402
وَإنْ وَصَّى لَهُ بِقَفِيزٍ مِنْ صُبْرَةٍ، ثُمَّ خَلَطَ الصُّبْرَةَ بِأُخْرَى، لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا.
ــ
الاسْمُ. وهو اخْتِيارُ القاضي. وذَكَر أبو الخَطّابِ، في الدّارِ إذا انْهَدَمَتْ وزال اسمُها وَجْهًا، أنَّه لا يكونُ رُجُوعًا؛ لأنَّ المُوصِيَ لم يَقْصِدْ ذلك. والأوَّلُ أوْلَى. وإن كان انْهِدامُ الدّارِ لا يُزِيلُ اسْمَها، سُلِّمَتْ إليه.
٢٦٧٩ - مسألة: (وإن وَصَّى له بقَفِيزٍ مِن صُبْرَةٍ، ثم خَلَط الصُّبْرةَ بأُخْرَى، لم يكن رُجُوعًا) سَواءٌ خَلَطَها بمِثْلِها، أو خَيرٍ منها، أو دُونِهَا؛
стр. 8403
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لأنَّه كان مُشاعًا، وبَقِيَ مُشاعًا، وقِيلَ: إن خَلَطَه بخيرٍ منه، كان رُجُوعًا؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه تَسْلِيمُ المُوصَى به إلَّا بتَسْلِيمِ خَيرٍ منه، ولا يَجِبُ على الوارِثِ تَسْلِيمُ خَيرٍ منه، فصار مُتَعَذِّرَ التَّسْلِيمِ، بخِلافِ ما إذا خَلَطَه بمِثْلِه أو دُونِه.
стр. 8404
وَإنْ زَادَ فِي الدَّارِ عِمَارَةً، أو انْهَدَمَ بَعْضُهَا، فَهَلْ يَسْتَحِقُّهُ المُوصَى لَهُ؟ عَلَى وَجْهَينَ.
ــ
٢٦٨٠ - مسألة: (وإن زاد في الدّارِ عِمارَةً، أو انْهَدَمَ بعضُها، فهل يَسْتَحِقُّه المُوصَى له؟ على وَجْهَين) أحَدُهما، لا يَسْتَحِقُّه؛ لأنَّ
стр. 8405
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الزِّيادَةَ لم تَتَناوَلْها الوصيةُ، والأنْقاضَ لا تَدْخُلُ في مُسَمَّى الدارِ، وإنَّما يَتْبَعُ الدارَ في الوصيةِ ما (١) يَتْبَعُها في البَيعِ. والوَجْهُ الآخَرُ، يَدْخُلانِ في الوَصِيَّةِ؛ لأن الزِّيادَةَ تابِعَةٌ للمُوصَى به، فأشْبَهَ سِمَنَ العَبْدِ وتَعْلِيمَه، والمُنْهدِمُ قد دَخَل في الوصيةِ، فتَبْقَى الوصيةُ ببَقائِه.
فصل: نَقَل الحسنُ بنُ ثَوَابٍ، عن أحمدَ، في رجلٍ قال: هذا ثُلُثِي لفُلانٍ، ويُعْطَى فُلانٌ منه مائة في كلِّ شهر إلى أن يَمُوت. فهو للآخَرِ منهما، ويُعْطَى هذا مائةً في كلِّ شهرٍ، فإن مات وفَضَل شيءٌ؛ رُدَّ إلى صاحِبِ الثلُثِ. فحَكَمَ بصِحَّةِ الوَصِيَّةِ وإنْفاذِها، على ما أمَرَ به المُوصِي.