← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 8611–8650 · переход к 8616.

стр. 8611

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الدَّوامِ كاعْتِبارِها في الابتِداءِ، سِيَّما إذا كانت لمَعْنًى يُحْتاجُ إليه في الدَّوامِ، وإذا لم يكنْ بُدٌّ مِن التَّفْرِيقِ، فاعْتِبارُ العدالةِ في الدَّوامِ أوْلَى، مِن قِبَلِ أنَّ الفِسْقَ إذا كان مَوْجُودًا حال الوصيةِ، فقد رَضِيَ به المُوصِي مع عِلْمِه بحالِه، وأوْصَى إليه راضِيًا بتَصَرُّفِه مع فِسْقِه، فيُشْعِرُ ذلك بأنَّه عَلِم أنَّ عندَه مِن الشَّفَقَةِ على اليَتِيمِ ما يَمْنَعُه مِن التَّفْرِيطِ فيه وخِيانَتِه في مالِه، بخِلافِ ما إذا طَرَأ الفِسْقُ، فإنَّه لم يَرْضَ به على تلك الحالِ، والاعْتِبارُ برِضائِه، ألا تَرَى أنه إذا وَصَّى إلى واحدٍ، جاز له التَّصَرُّفُ وحدَه، ولو وَصَّى إلى اثْنَين، لم يَجُزْ للواحدِ التَّصَرُّفُ. فصل: إذا تَغَيَّرت حالُ المُوصَى إليه بمَوْتٍ أو فِسْقٍ أو جُنُونٍ أو سَفَهٍ، فقد ذَكَرْنا حُكْمَه. فإن تَغَيَّرَت حالُه قبلَ المَوْتِ وبعدَ الوصيةِ، ثم عاد فكان عندَ المَوْتِ جامِعًا لشُرُوطِ الوصيةِ، صَحَّتِ الوصيَّةُ إليه؛ لأنَّ الشّرُوطَ مَوْجُودَةٌ حال العَقْدِ والمَوْتِ، فصَحَّتِ الوصيةُ، كما لو لم تَتَغَيَّرْ حالُه. ويَحْتَمِلُ أن تَبْطُلَ؛ لأنَّ كلَّ حالةٍ منها حالةٌ للقَبُولِ والرَّدِّ، فاعْتُبِرَتِ الشُّرُوطُ فيها. فأمّا إن زالت بعدَ المَوْتِ فانْعَزَلَ، ثم عاد فكَمَّلَ الشّرُوطَ، لم تَعُدْ وَصِيَّتُه؛ لأنَّها زالتْ فلا تَعُودُ إلَّا بعَقدٍ جَدِيدٍ.

стр. 8612

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فأمّا العَدْلُ الذي يَعْجزُ عن النَّظَرِ لعِلَّةٍ أو ضَعْفٍ، فإن الوصيةَ تَصِحُّ إليه، ويَضُمُّ الحاكِمُ إليه أَمِينًا، ولا يُزِيلُ يَدَه عن المالِ ولا نَظَرَه؛ لأنَّ الضَّعِيفَ أهلٌ للولايةِ والأمانةِ، فصَحَّتِ الوصيةُ إليه. وهكذا إن كان قَويًّا فحَدَثَ فيه ضَعْفٌ أو عِلَّةٌ، ضَمَّ الحاكِمُ إليه يَدًا أُخْرَى، ويكونُ الأوَّلُ الوَصِيَّ دُونَ الثانِي، وهذا مُعاونٌ؛ لأنَّ ولايةَ الحاكمِ إنَّما تكونُ عندَ عَدَمِ المُوصَى إليه. وهذا قولُ الشافعيِّ، وأبي يُوسُفَ. وما نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا.

стр. 8613

وَيَصِحُّ قَبُولُهُ لِلْوَصِيَةِ في حَيَاةِ الْمُوصِي وَبَعْدَ مَوْتِهِ. وَلَهُ عَزْلُ نَفْسِهِ مَتَى شَاءَ. وَعَنْهُ، لَيسَ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ. ــ ٢٧٧٢ - مسألة: (ويَصِحُّ قَبُولُه للوصيةِ) ورَدُّه (في حَياةِ المُوصِي) لأنَّه إذْنٌ في التَّصَرفِ، فصَحَّ قَبُولُه بعدَ العَقْدِ، كالتَّوْكِيلِ، بخِلافِ الوصيةِ له، فإنَّها تَمليكٌ في وقتٍ، فلم يصِحَّ القَبُولُ قبلَ الوقتِ. ويجوزُ تَأْخيرُ القَبُولِ إلى ما بعدَ المَوْتِ؛ لأنَّها نوْعُ وصيةٍ، فصَحَّ قَبُولُها بعدَ المَوْتِ، كالوصيةِ له، ومتى قَبِلَ (١) صار وصيًّا. ٢٧٧٣ - مسألة: (وله عَزْلُ نَفْسِه متى شاء) مع القُدْرَةِ والعَجْزِ، في حياةِ المُوصِي وبعدَ موتِه، في حُضُورِه وغَيبَتِه. وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفةَ: لا يجوزُ له ذلك بعدَ الموت، ولا يجوزُ في حَياتِه إلَّا

стр. 8614

وَلِلْمُوصِى عَزْلُهُ مَتَى شَاءَ. وَلَيسَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يُوصِيَ إلا أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ إِلَيهِ. وَعَنْهُ، لَهُ ذَلِكَ. ــ بحَضْرَتِه؛ لأنَّه غَرَّه بالتِزامِ وصييه، ومَنَعَه بذلك الإِيصاءَ إلى غيرِه. وعن أحمدَ، أنَّه لا يجوزُ له عزلُ نَفْسِه بعدَ الموتِ. ذَكَرَه ابنُ أبي موسى في «الإرْشادِ»؛ لِما ذَكَرْنا. ولَنا، أنَّه مُتَصَرِّفٌ بالإذنِ، فكان له عزلُ نفسِه، كالوَكِيلِ. ٢٧٧٤ - مسألة: (وللمُوصِي عزلُه متى شاء) لأنَّه مُتَصَرِّفٌ بإذْنِه، فكان له عزلُه، كالمُوَكِّلِ له عزلُ وَكِيله متى شاء. ٢٧٧٥ - مسألة: (وليس للوصيِّ أن يُوصِيَ إلَّا أن يَجْعَلَ ذلك إليه. وعنه، له ذلك) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا وَصَّى إلى رجلٍ، وأذِنَ له

стр. 8615

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في الإِيصاءِ لمَن شاء، نحوَ أن يقولَ: أذِنْتُ لك (١) أن تُوصِيَ إلى مَن شِئْتَ. أو: كلُّ مَن أوْصَيتَ إليه فقد أوْصَيتُ إليه. أو: فهو وَصِيِّي. صَحَّ. وبه قال أكْثَرُ أهلِ العلمِ. وحُكِيَ عن الشافعيِّ في أحَدِ قَوْلَيه أنَّه قال: ليس له أن يُوصِيَ؛ لأنَّه يلِي بتَوَليه، فلا يَصِحُّ أن يُوصِيَ، كالوَكِيلِ. ولَنا، أنَّه مَأذُون له في الإِذْنِ في التَّصَرُّفِ، فجاز له أن يَأْذَنَ لغيرِه، كالوَكِيلِ إذا أُمِر بالتَّوْكِيلِ، فالوكيلُ حُجَّةٌ عليه مِن الوَجْهِ الذي ذَكَرْناه. فإن وَصَّى إليه وأطْلَقَ، فلم يَأْذَن له ولم يَنْهَه عنه، ففيه رِوايَتان؛ إحْداهما، له أن يُوصِيَ إلى غيرِه. وهو قولُ مالكٍ، وأبي حنيفةَ، وأبي يُوسُفَ؛ لأنَّ الأبَ أقامه مُقامَ نَفْسِه، فكان له الوصيةُ كالأبِ. والثاني، ليس له ذلك. اخْتارَه أبو بكر. وهو مَذْهَبُ الشافعي، وإسحاقَ. وهو الظاهِرُ مِن قولِ الخِرَقِيِّ؛ لقولِه ذلك في الوكِيلِ (٢)؛ لأنَّه تَصَرَّفَ بتَوْلِيةٍ، فلم يكنْ له ذلك التَّفْويضُ كالوَكِيلِ. ويُخالِفُ الأبَ؛ لأنَّه يَلِي بغيرِ تَوْليةٍ.

стр. 8616

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ويجوزُ أن يَجْعَلَ للوَصِيِّ جُعْلًا؛ لأنَّها بمنزلةِ الوَكالةِ، والوَكالةُ تجوزُ بجُعْلٍ، فكذلك الوصيةُ. ونَقَل إسحاقُ بنُ إبراهيمَ في الرجلِ يُوصِي إلى الرجلِ ويَجْعَلُ له دَراهِمَ مُسَمَّاةً، فلا بَأسَ. ومُقاسَمَة الوَصِيِّ المُوصَى له جائِزَةْ على الورثةِ؛ لأنَّه نائِبٌ عنهم، ومُقاسَمَتُه للورثةِ على المُوصَى له لا تجوزُ؛ لأنَّه ليس نائِبًا عنه.

стр. 8617

وَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إلا فِي مَعْلُومٍ يَمْلِكُ الْمُوصِي فِعْلَهُ؛ كَقَضَاءِ الدَّينِ، وَتَفْرِيقِ الْوَصِيَّةِ، وَالنَّظَرِ فِي أمْرِ الْأطْفَالِ. ــ فصل: إذا اخْتَلَفَ الوَصِيّان: عندَ مَن يُجْعَلُ المالُ منهما؟ لم يُجْعَلْ عندَ واحدٍ منهما، ولم يُقْسَمْ بينَهما، وجُعِل في مكانٍ تحتَ أيدِيهما جميعًا؛ لأنَّ المُوصِيَ لم يَأْمَنْ أحَدَهما على حِفْظِه ولا التَّصَرُّفِ فيه. وقال مالكٌ: يُجْعَلُ عندَ أعْدَلِهما. وقال أصحابُ الرَّأْي: يُقْسَمُ بينَهما. وهو المَنْصُوصُ عن الشافعيِّ، إلَّا أنَّ أصحابَه اخْتَلَفُوا في مُرادِه بكَلامِه، فقال بعضُهم: إنَّما أراد إذا كان كلُّ واحدٍ مُوصًى إليه مُنْفَرِدًا. وقال بعضُهم: بل هو عامٌّ فيهما. ولَنا، أنَّ حِفْظَ المال مِن جملةِ المُوصَى به، فلم يَجُزْ لأحَدِهما الانْفِرادُ به، كالتَّصَرُّفِ، ولأنَّه لو جاز لكلِّ واحدٍ منهما أن يَنْفَرِدَ بحِفْظِ بعضِه، لجاز له أن يَنْفَرِدَ بالتَّصَرُّفِ في بعضِه. ٢٧٧٦ - مسألة: (ولا تَصِحُّ الوصيةُ إلَّا في مَعْلُومٍ يَمْلِكُ المُوصِي فِعْلَه؛ كقَضاءِ الدَّينِ، وتفرِيقِ الوصيةِ، والنَّظَرِ في أمرِ الأطْفالِ) لأنَّ الوَصِيَّ يَتَصَرَّفُ بالإِذْنِ، فلم يَجُزْ إلَّا في مَعْلُومٍ يَمْلِكُ المُوصِي فِعْلَه،

стр. 8618

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كالوَكالةِ، فيَجُوزُ أن يُوصِيَ إليه بقَضاءِ دُيُونِه واقْتِضائِها، ورَدِّ الوَدائِعِ واسْتِرْدادِها؛ لأنَّه يَمْلِكُ ذلك، فمَلَكَه وَصِيُّه. فأمّا النَّظَرُ لورثتِه في أمْوالِهِم، فإن كان ذا ولايةٍ عليهم، كأولادِه الصِّغارِ والمَجانِينِ، ومَن لم يُؤْنَسْ رُشْدُه، فله أن يُوصِيَ إلى مَن يَنْظُرُ لهم في أمْوالِهم بحِفْظِها، ويَتَصَرَّفُ لهم فيها بما لهمُ الحَظُّ فيه. فأمّا مَن لا ولايةَ له عليهم، كالعُقلاءِ الراشِدِين، وغيرِ أولادِه مِن الإِخوةِ والأعْمامِ وسائِرِ مَن عَدَا الأولادِ، فلا تصحُّ الوصيةُ عليهم؛ لأنَّه لا ولايَةَ للمُوصِي عليهم في الحياةِ، فلا يكونُ ذلك لنائِبهِ بعدَ المماتِ. ولا نَعْلَمُ في هذا كُلِّه خِلافًا. وبه يقولُ أبو حنيفةَ، والشافعيُّ، ومالكٌ، إلَّا أنَّ أبا حنيفةَ والشافعيَّ قالا: للجَدِّ ولايةٌ على ابنِ ابْنِه وإن سَفَل؛ لأنَّ له ولادَةً وتَعْصِيبًا، فأشْبَهَ الأبَ. ولأصحابِ الشافعيِّ في الأُمِّ عندَ عَدَمِ الأبِ والجَدِّ وَجْهان؛ أحَدُهما، لها ولايةٌ؛ لأنَّها أحَدُ الأبَوَين، فأشْبَهَتِ الأَبَ. ولَنا، أنَّ الجَدَّ يُدْلِي بواسطَةٍ، أشْبَهَ الأخَ والعَمَّ، بخلافِ الأبِ، فإنَّه يُدْلِي بنَفْسِه، ويَحْجُبُ الجَدَّ، ويُخالِفُه في مَنْزِلَتِه وحَجْبِه، فلا يَصِحُّ إلْحاقُه به ولا قِياسُه عليه. وأمّا المرأةُ فلا تَلِي؛ لأنَّها قاصِرَةٌ لا تَلي النِّكاحَ بحالٍ، ولا تَلِي مال غيرِها، كالعبدِ.

стр. 8619

وَإِذَا أَوْصَى إِلَيهِ فِي شَيْءٍ لَمْ يَصِرْ وَصِيًّا فِي غَيرِهِ. ــ ٢٧٧٧ - مسألة: (وإذا أوْصَى إليه في شيءٍ لم يَصِرْ وَصيًّا في غيرِه) يجوزُ أن يوُصِيَ إلى رجلٍ بشيءٍ دُونَ شيءٍ، مثلَ أن يُوصِيَ إليه بتفريقِ ثُلُثِه دُونَ غيرِه، أو بقَضاءِ دُيُونِه، أو بالنَّظَرِ في أمرِ أطْفالِه حَسْبُ، فلا يكونُ له غيرُ ما جَعَل إليه. ويجوزُ أن يُوصِيَ إلى إنْسانٍ بتفرِيقِ وصيتِه، وإلى آخَرَ بقَضاءِ دُيُونِه، وإلى آخَرَ بالنَّظَرِ في أمرِ أطفالِه، فيكونُ لكلِّ واحدٍ ما جَعَل إليه دُونَ غيرِه. ومتى أوْصَى إليه بشيءٍ، لم يَصِرْ وصيًّا في غيرِه. وبهذا قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: يكونُ وصيًّا في كلِّ ما يَمْلِكُه المُوصِي؛ لأنَّ هذه ولايَةٌ تَنْتَقِلُ مِن الأبِ بمَوْتِه، فلا تَتَبَعَّضُ، كولايةِ الجَدِّ. ولَنا، أنَّه استفادَ التَّصَرُّفَ بالإذْنِ مِن جِهَةِ الآدَمِيِّ، فكان مَقْصُورًا على ما أذِنَ فيه، كالوَكِيلَ، وولايةُ الجَدِّ ممنوعةٌ، ثم تلك ولايةٌ استفادَها بقَرابَتِه، وهي لا تَتَبَعَّضُ، والإذْنُ يَتَبَعَّضُ، فافْتَرَقا. فصل: ولا بَأْس بالدُّخُولِ في الوصيةِ، فإنَّ الصحابةَ ﵃، كان بعضُهم يُوصِي إلى بعضٍ فيَقْبَلُون الوصيةَ، فرُوىَ عن أبي عُبَيدَةَ أنَّه لَمّا عَبَر الفُراتَ أوْصَى إلى عُمَرَ. وأوْصَى إلى الزُّبَيرِ سِتَّةٌ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ ؛ عُثْمانُ، وابنُ مسعودٍ، والمِقْدادُ، وعبدُ الرحمنِ بنُ عَوْفٍ،

стр. 8620

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومُطِيعُ بنُ الأسْوَدِ، وآخَرُ (١). ورُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه كان وَصِيًّا لرجلٍ. وفي وصيةِ ابنِ مسعودٍ: إن حَدَث بي حادِثُ الموتِ مِن مَرَضِي هذا، أنَّ مَرْجِعَ وَصِيَّتِي إلى اللهِ ، ثم إلى الزُّبَيرِ بنِ العَوّامِ وابنِه عبدِ الله (٢). ولأنها (٣) وكالةٌ وأمانَةٌ، فأشْبَهَتِ الوَدِيعَةَ والوَكالةَ في الحياةِ. وقِياسُ مَذْهَبِ أحمدَ أنَّ تَرْكَ الدُّخُولِ فيها أوْلَى؛ لِما فيها مِن الخَطَرِ، وهو لا يَعْدِلُ بالسَّلامَةِ شيئًا، ولذلك يَرَى تَرْكَ الالْتِقاطِ وتَرْكَ الإِحْرام قبلَ المِيقاتِ أفْضَلَ؛ طلبًا للسلامةِ واجْتِنابًا للخَطَرِ، وقد رُوِيَ أنَّ النبيَّ ﷺ قال لأبي ذَرٍّ: «إنِّي أرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، فَلَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَينِ، وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَال يَتِيمٍ». أخرَجَه مسلمٌ (٤). فصل: فإن مات رجلٌ لا وَصِيَّ له، ولا حاكمَ في بَلَدِه، فظاهرُ كلامِ أحمدَ، ﵀، أنَّه يجوزُ لرجلٍ مِن المسلمين أن يَتَولَّى أمْرَه، ويَبِيعَ ما دَعَتِ الحاجةُ إلى بَيعِه، فإنَّ صالِحًا نَقَل عنه، في رجلٍ بأرْضَ غُرْبَةٍ لا قاضِيَ بها، مات وخَلَّفَ جَوارِيَ ومالًا، أتَرَى لرجلٍ

стр. 8621

وَإِذَا أَوْصَى إِلَيهِ بِتَفْرِيقِ ثُلُثِهِ فَأَبَى الْوَرَثَةُ إِخْرَاجَ ثُلُثِ مَا فِي أَيدِيهِمْ، أَخْرَجَهُ كَلَّهُ مِمَّا فِي يَدِهِ. وَعَنْهُ؛ يُخْرِجُ ثُلُثَ مَا فِي يَدِهِ وَيَحْبِسُ بَاقِيَهُ حَتَّى يُخْرِجُوا. ــ مِن المسلمين بَيعَ ذلك؟ فقال: أمّا المَنافِعُ والحَيَوانُ، فإنِ اضْطُرُّوا إلى بَيعِه ولم يكُنْ قاضٍ، فلا بَأْسَ، وأمّا الجَوارِي فأُحِبُّ أن يَتَوَلَّى بَيعَهُنَّ حاكمٌ مِن الحُكَّامِ. وإنَّما تَوَقَّفَ عن بَيعِ الإِماءِ على طَريقِ الاخْتِيارِ احْتِياطًا؛ لأنَّ بَيعَهُنَّ يَتَضَمَّنُ إباحَةَ فَرْجٍ، وأجاز بَيعَ ذلك؛ لأنَّه مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ. ٢٧٧٨ - مسألة: (وإذا أوْصَى إليه بتَفْرِقَةِ ثُلُثِه فأبَى الورثةُ إخْراجَ ثُلُثِ ما في أيدِيهم) ففيه روايَتان؛ إحْداهما (يُخرِجُ الثُّلُثَ كلَّه ممّا في يَدِه) نَقَلَها أبو طالِبٍ؛ لأنَّ حَقَّ المُوصَى له مُتَعَلِّقٌ بأجْزاءِ التَّرِكَةِ، فجاز أن يَدْفَعَ إليه ممّا في يَدِه، كما يَدْفَعُ إلى بعضِ الورثةِ. والأُخْرَى، يَدْفَعُ إليه ثُلُثَ ما في يَدِه، ولا يُعْطِيهم شيئًا ممّا في يَدِه حتى يُخْرِجُوا ثُلُثَ ما

стр. 8622

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في أيدِيهم. نَقَلَها أبو الحارِثِ؛ لأنَّ صاحِبَ الدَّينِ إذا كان في يَدِه مالٌ، لم يَمْلِكِ اسْتِيفاءَه ممّا في يَدِه، كذا ههُنا. ويُمْكِنُ حَمْلُ الرِّوايتَين على اخْتِلافِ حالينِ، فالرِّوايةُ الأُولَى مَحْمُولَةٌ على ما إِذا كان المالُ جِنْسًا واحِدًا، فللوَصِيِّ أن يُخرِجَ الثُّلُثَ كلَّه ممّا في يَدِه؛ لأنَّه لا فائِدَةَ في انْتِظارِ إخْراجِهم ممّا في أيدِيهم مع اتِّحادِ الجِنْسِ، والروايةُ الثانيةُ محمولةٌ على ما إذا كان المالُ أجْناسًا، فإنَّ الوصيةَ تَتَعلَّقُ بثُلُثِ كل جنْسٍ، فليس له أن يُخْرِجَ عِوَضًا عن ثُلُثِ ما في أيدِيهم ممّا في يَدِه؛ لأنَّه مُعاوَضَةٌ لا تجوزُ إلَّا برِضاهم. واللهُ أعلمُ.

стр. 8623

وَإنْ أَوْصَاهُ بِقَضَاءِ دَينٍ مُعَيَّنٍ فَأَبَى ذَلِكَ الْوَرَثَةُ، قَضَاهُ بِغَيرِ عِلْمِهِمْ. وَعَنْهُ، فِي مَنْ عَلَيهِ دَينٌ لِمَيِّتٍ وَعَلَى الْمَيِّتِ دَينٌ، أَنَّهُ يَقْضِي دَينَ الْمَيِّتِ إِنْ لَمْ يَخَفْ تَبِعَةً. ــ ٢٧٧٩ - مسألة: (وإن أوْصاه بقَضاءِ دَينٍ مُعَيَّنٍ فأبَى الورثةُ ذلك، قَضاه بغيرِ عِلْمِهم) لأنه واجِبٌ سواءٌ رَضُوا به أو أبَوْه، فإذا أبَوْه قَضاهُ، كما لو وَصَّى لرجلٍ بمُعَيَّنٍ يَخْرُجُ مِن الثُّلُثِ فلم يَقْبَلُوا الوصيةَ، فإنَّه يَدْفَعُ إليه وصيتَه بغيرِ رِضاهم، ولا يُعْتَبرُ عِلْمُهم، كذا ههُنا. وعن أحمدَ (في مَن عليه دَينٌ لمَيِّتٍ وعلى المَيِّتِ دَينٌ، أنَّه يَقْضِي دَينَ المَيِّتِ إن لم يَخَفْ تَبِعَةً) يَعْنِي إذا خاف أن يَطْلُبَه الورثةُ بما عليه ويُنْكِرُوا الدَّينَ الذي على مَوْرُوثِهم، فلا يَقْضِيه؛ لأنَّه لا يَأْمَنُ رُجُوعَهم عليه. وإن لم يَخَفْ ذلك قَضَى دَينَ المَيِّتِ الذي عليه بدَينِ المَيِّتِ الذي له، لِما فيه مِن تَبْرِئَةِ ذِمَّتِه وذِمَّةِ المَيِّتِ.

стр. 8624

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: إذا عَلِم المُوصَى إليه أنَّ على المَيِّتِ دَينًا، إمّا بوصيةِ المَيِّتِ أو غيرِها، فقال أحمدُ: لا يَقْضِيه إلَّا بِبَيِّنَةٍ. قيل له: فإن كان ابنُ المَيِّتِ يُصَدِّقُه. قال: يكونُ ذلك في حِصَّةِ مَن أقَرَّ بقَدْرِ حِصَّتِه. وقال في مَن اسْتَوْدَعَ رجلًا ألْفَ دِرهمٍ، فقال: إن أنا مِتُّ، فادْفَعْها إلى ابْنِي الكَبِيرِ. وله ابْنان، أو قال: ادْفَعْها إلى أجْنَبِيٍّ. فقال: إن دَفَعَها إلى أحَدِ الابْنَين ضَمِن للآخَرِ قَدْرَ حِصَّتِه، وإن دَفَعَها إلى الآخَرِ ضَمِن. وَلَعَلَّ هذا مِن أحمدَ فيما إذا لم يُصَدِّقِ الورثةُ الوَصِيَّ ولم يُقِرُّوا، فلا يُقْبَلُ قولُه عليهم، وليس له الدَّفْعُ بغيرِ إذْنِهم؛ لأنَّ قولَه: أقَرَّ عندِي، وأذِنَ لي. إثْباتُ ولايَةٍ (١)، فلا يُقْبَلُ قولُه فيه، ولا شَهادَتُه؛ لأنَّه يَشْهَدُ لنفسِه

стр. 8625

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بالولايةِ. وقد نَقَل أبو داودَ، في رجلٍ أوْصَى أنَّ لفُلانٍ عَلَيَّ كذا: يَنْبَغِي للوَصِيِّ أن يُنْفِذَه، ولا يَحِلُّ له إن لم يُنْفِذْه. فهذه المسألةُ محمولةٌ على أنَّ الورثةَ يُصَدِّقُون الوَصِيَّ أو المُدَّعِيَ، أو له بَيِّنةٌ بذلك، جمعًا بينَ الرِّوايَتَين، ومُوافَقَةَ الدَّلِيلِ. قيل لأحمدَ: فإن عَلِم المُوصَى إليه لرجلٍ حَقًّا على المَيِّتِ، فجاء الغرِيمُ يُطالِبُ الوَصِيَّ، وقَدَّمَهْ إلى القاضي ليَسْتَحْلِفَه أنَّ مالي في يَدَيكَ حَقٌّ. فقال: لا يَحْلِفُ، ويُعْلِمُ القاضِيَ بالقَضِيَّةِ، فإن أعْطاه القاضي فهو أعْلَمُ. فإنِ ادَّعَى رجلٌ دَينًا على المَيِّتِ وأقامَ بَيِّنَةً، فهل يجوزُ للوَصِيِّ قَبُولُها وقَضاءُ الدَّينِ بها مِن غيرِ حُضُورِ حاكمٍ؟ فكلامُ أحمدَ يَدُلُّ على رِوايَتَين؛ إحْداهما، لا يجوزُ الدَّفْعُ إليه بدَعْواه، إلَّا أن تَقُومَ بَيِّنَةٌ. فظاهِرُ هذا أنَّه جَوَّزَ الدَّفْعَ بالبينةِ مِن غيرِ حُكمِ حاكمٍ؛ لأنَّ البيِّنَةَ حُجَّةٌ له. وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ: إلَّا أن تَثْبُتَ بَيِّنةٌ عندَ الحاكمِ بذلك. فأمّا إن صَدَّقَهم الورثةُ، قُبِل؛ لأنَّه إقْرارٌ منهم على أنْفسِهم.

стр. 8626

وَتَصِحُّ وَصِيَّةُ الْكَافِرِ إِلَى الْمُسْلِمِ، وَإلَى مَنْ كَانَ عَدْلًا فِي دِينِهِ. ــ ٢٧٨٠ - مسألة: (وتَصِحُّ وصيةُ الكافِرِ إلى المُسْلِمِ) إذا لمْ تكُنْ تَرِكَتُه خَمْرًا أو خِنْزِيرًا؛ لأنَّ المُسلمَ مَقْبُولُ الشَّهادَةِ عليه وعلى غيرِه. فأمّا وصيةُ الكافِرِ إلى الكافرِ العَدْلِ في دِينِه، ففيها وَجْهان؛ أحَدُهما، تصحُّ الوصيةُ إليه. وهو قولُ أصحابِ الرَّأْي، لأنَّه يَلِي بالنَّسِبِ فيَلِي بالوصيةِ، كالمسلمِ. والثاني، لا يصحُّ -وهو قولُ أبي ثَوْرٍ؛ لأنه فاسِقٌ، فلم تصحَّ الوصيةُ إليه، كفاسِقِ المسلمين. ولأصحابِ الشافعيِّ وَجْهانِ كهَذَين. فإن لم يكنِ الكافِرُ عَدْلًا في دِينِه، لم تصحَّ الوصيةُ إليه؛ لأنَّ عَدَمَ العَدالةِ في المسلمِ تَمْنَعُ صحةَ الوصيةِ إليه، فالكافِرُ أوْلَى.

стр. 8627

وَإِذَا قَال: ضَعْ ثُلُثِي حَيثُ شِئْتَ. أَوْ: أعْطِهِ مَنْ شِئْتَ. لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُهُ وَلَا دَفْعُهُ إِلَى وَلَدِهِ. وَيَحْتَمِل جَوَازُ ذَلِكَ؛ لِتَنَاوُلِ اللَّفْظِ لَهُ. ــ ٢٧٨١ - مسألة: (إذا قال: ضَعْ ثُلُثِي حيثُ شِئْتَ. أو: أعْطِه مَن شِئْتَ. لم يَجُزْ له أخْذُه ولا دَفْعُه إلى وَلَدِه) ولا والِدِه. قال أحمدُ: إذا كان في يَدِه مالٌ للمَساكِينِ وأبْوابِ البِرِّ، وهو مُحْتاجٌ إليه، فلا يَأْكُلْ منه شيئًا، إنَّما أُمِرَ بتَنْفِيذِه. وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ. وقال أبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي: إذا قال المُوصِي: جَعَلْتُ لك أن تَضَعَ ثُلُثِي حيثُ شِئْتَ. أو: حيث رأيتَ. فله أخْذُه لنَفْسِه ووَلَدِه. ويَحْتَمِلُ أن يجوزَ ذلك عندَنا أيضًا؛ لأنَّ لَفْظَ المُوصِي يَتناوَلُه. ويَحْتَمِلُ أن يُنْظَرَ

стр. 8628

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إلى قَرائِنِ الأحْوالِ، فإن دَلَّتْ على أنَّه أراد أخْذَه منه، مثلَ أن يكونَ من جُمْلَةِ المُسْتَحِقِّينَ الذين يُصْرَفُ إليهم ذلك، أو عادَتُه الأخْذُ مِن مِثْلِه، فله الأخْذُ منه، وإلَّا فلا. ويَحْتَمِلُ أنَّ له إعْطاءَ وَلَدِه وسائِرِ أقارِبِه إذا كانوا مُسْتَحِقِّين دُونَ نَفْسِه؛ لأنَّه مَأْمُورٌ بالتَّفْرِيقِ، وقد فَرَّقَ في مَن يَسْتَحِقُّ، فأشْبَهَ الدَّفْعَ إلى الأجْنَبِيِّ. ولَنا، أنَّه تَمْلِيكٌ مَلَكَه بالإِذْنِ، فلا يجوزُ أن يكونَ قابِلًا، كما لو وَكَّلَه في بَيعِ سِلْعةٍ، لم يَجُزْ بَيعُها مِن نَفْسِه.

стр. 8629

وَإِنْ دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى بَيعِ بَعْضِ الْعَقَارِ لِقَضَاءِ دَينِ الْمَيِّتِ، أَوْ حَاجَةِ الصِّغَارِ، وَفِي بَيعِ بَعْضِهِ نَقْصٌ، فَلَهُ الْبَيعُ عَلَى الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَيسَ لَهُ الْبَيعُ عَلَى الْكِبَارِ، وَهُوَ أَقْيَسُ. ــ ٢٧٨٢ - مسألة: (وإن دَعَتِ الحاجَةُ إلى بَيعِ بعضِ العَقَارِ لقَضاءِ دَينِ المَيِّتِ، أو حاجةِ الصِّغارِ، وفي بَيعِ بعضِه نَقْصٌ، فله البَيعُ على الكِبارِ والصِّغارِ) وقال أبو حنيفةَ، وابنُ أبي لَيلَى: يجوزُ البَيعُ على الصِّغارِ والكِبارِ فيما لا بُدَّ منه، وكذلك إن كان جَمِيعُهم كِبارًا وهناك دَينٌ أو وصيةٌ. وقيل: لا يَمْلِكُ أن يَبِيعَ إلَّا ما يَخْتَصُّ (١) الصِّغارَ، وبقَدْرِ الدَّينِ والوصيةِ. ولَنا، أنَّه وَصِيٌّ يملِكُ بيعَ بعضِ التَّرِكَةِ، فمَلَكَ بيعَ جَمِيعِها، كما لو كان جميعُ الورثةِ (٢) صِغارًا وكان الدَّينُ يَسْتَغْرِقُ التَّرِكَةَ، ولأنَّ

стр. 8630

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الوَصِيَّ قائِمٌ مَقامَ الأبِ، وللأبِ أن يَبِيعَ الجميعَ، ولأنَّه لَمّا جاز بَيعُها في الدَّينِ المُسْتَغْرِقِ، جاز بَيعُها فيما لا يَسْتَغْرِقُ، كالعَينِ المَرْهُونَةِ، ولأنَّ في بَيعِ البعضِ نَقْصًا على الصِّغارِ، فيَتَعَيَّنُ بَيعُ الجميعِ؛ دَفْعًا للضَّرَرِ

стр. 8631

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عنهم. ويَحْتَمِلُ أن لا يجوزَ البَيعُ على الكِبارِ. وبه قال الشافعيُّ (وهو أقْيَسُ) إن شاء الله تعالى؛ لأنَّه لا يَجِبُ على الإنْسانِ بيعُ مِلْكِه ليَزْدادَ ثَمَنُ مِلكِ غيرِه، كما لو كان شَرِيكُهم غيرَ وارِثٍ. وهذا اخْتِيارُ شيخِنا. وهو الصحيحُ. والله أعلمُ.

стр. 8632

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م المكتب: ٤ ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: ٣٤٥٢٥٧٩ - فاكس: ٣٤٥١٧٥٦ المطبعة: ٢، ٦ ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: ٣٤٥٢٩٦٣ ص. ب: ٦٣ إمبابة

стр. 8633

يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته

стр. 8634

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الْفَرَائِضِ وَهِيَ قِسْمَةُ الْمَوَارِيثِ. ــ كتابُ الفَرائِض (وهي قِسْمةُ المَوارِيثِ) روَى أبو داودَ بإسْنادِه في عبدِ الله بِنِ عمرِو بنِ العاصِ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «الْعِلْمُ ثَلَاثَةٌ، وَمَا سِوى ذَلِكَ فَهُوَ فَضْلٌ؛ آيَةٌ مُحْكَمَةٌ، وسُنَّةٌ قائِمَةٌ، وفَريضَةٌ عادِلَةٌ» (١). وعن أبي هُرَيرَةَ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «تَعَلَّمُوا الْفَرائِضَ وعَلِّمُوهُ، فَإنَّهُ نِصْفُ الْعِلْمِ، وَهُوَ يُنْسَى، وَهُوَ أوَّلُ شَيْءٍ يُنْزَعُ مِن أُمَّتِي». أخْرَجَهُ ابنُ ماجه (٢). ويُرْوَى عن عبدِ اللهِ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ

стр. 8635

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ، فَإنِّي امْرُؤٌ مَقْبُوضٌ، وإنَّ العِلْمَ سَيُقْبَضُ حَتَّى يَخْتَلِفَ الرَّجُلَانِ فِي الفَرِيضَةِ فَلَا يَجِدَانِ مَنْ يَفْصِلُ بَينَهُمَا» (١). ورَوَى سعيدٌ (٢) عن جَرِيرِ بنِ عبدِ الحميدِ عن الأعْمَشِ عن إبراهيمَ، قال: قال عمرُ: تَعَلَّمُوا الفَرائِضَ فَإنَّها مِن دِينِكُم. وعن جَرِيرٍ عن عاصِمٍ الأحْوَلِ عن مُوَرِّقٍ العِجْلِيِّ، قال: قال عمرُ بنُ الخطّابِ، ﵁: تَعَلَّمُوا الفَرائِضَ، واللَّحْنَ، والسُّنَّةَ، كما تَعَلَّمُونَ القُرْآنَ (٣). وقال (٤): ثَنَا أبو الْأحْوَصِ، ثَنَا أبو إسحاقَ، عن أبي الْأَحْوَصِ، عن عبدِ اللهِ قال: مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ فلْيتَعَلَّمِ الفَرائِضَ. وروَى جابِرُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: جاءَتِ امرأةُ سَعْدِ بنِ الرَّبِيعِ إلى رسولِ اللهِ ﷺ بابْنَتَيها مِن سَعْدٍ، فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، هاتان ابْنَتا سَعْدِ بنِ الرَّبِيعِ، قُتِل أبُوهُما معك في أُحُدٍ شَهِيدًا، وإنَّ عمَّهُما أخَذَ مالهما، ولا يُنْكَحان إلَّا ولَهُما مالٌ. فنزلَتْ آيةُ المِيراثِ، فأرْسلَ رسولُ اللهِ ﷺ إلى عمِّهِما، فقال: «أَعْطِ ابْنَتَيْ سَعْدٍ الثُّلُثَينِ، وَأُمَّهُمَا الثُّمْنَ، ومَا بَقِيَ فَهُوَ لَكَ». رَوَاه الإِمامُ أحمدُ،

стр. 8636

وَأَسْبَابُ التَّوَارُثِ ثَلَاثَةٌ؛ رَحِمٌ، وَنِكَاحٌ، وَوَلَاءٌ، لَا غَيرُ. ــ في «مُسْنَدِه»، وروَاه التِّرْمِذِيُّ، وأبو داودَ (١). ٢٧٨٣ - مسألة: (وأسْبابُ التَّوارُثِ ثَلاثَةٌ؛ رَحِمٌ، ونِكاحٌ، ووَلاءٌ، لا غيرُ) لأنَّ الشَّرْعَ وَرَد بالتَّوارُثِ بها بقَوْلِه تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (٢). وقَوْلِه سبحانه: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (٣). وقَوْلِه: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ - ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾. الآية (٤). وقَوْلِ النبيِّ

стр. 8637

وَعَنْهُ، أَنَّهُ يَثْبُتُ بِالْمُوَالاةِ، وَالْمُعَاقَدَةِ، وإسْلَامِهِ عَلَى يَدَيهِ، وَكَوْنِهِمَا مِنْ أَهْلِ الدِّيوَانِ. وَلَا عَمَلَ عَلَيهِ. ــ ﷺ : «إنَّما الْوَلَاءُ لِمَنْ أعْتَقَ» (١). (وعنه، أنَّها تَثْبُتُ بالمُوالاةِ، والمُعاقَدَةِ) لقَوْلِ اللهَ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ (٢) أَيمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ (٣). والمُوالاةُ كالمُعاقَدَةِ (وبإسْلامِه على يَدَيهِ) رُوِيَ ذلك عن عمرَ، ﵁؛ لِما روَى راشِدُ بنُ سعدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيهِ رَجُلٌ فَهُوَ مَوْلَاهُ، وَيَرِثُهُ ويَدِي عَنْه». رَواه سعيدٌ. ورَوى أبو أُمامَةَ، عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «مَنْ أَسْلَمَ على يَدَيهِ رَجُلٌ فَهُوَ مَوْلَاهُ، يَرِثُهُ ويَدِي عَنْه». وعن تَمِيمٍ الدّارِيِّ، أنَّه قال: يا رسولَ اللهِ، ما السُّنَّةُ في الرجلِ يُسْلِمُ على يَدَيِ الرجلِ مِن المُسْلِمِين؟ فقال: «هُوَ أوْلَى النَّاسِ بمَحْيَاهُ ومَماتِه». رَواهُنَّ سعيدٌ في

стр. 8638

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ «سننِه» (١). ورَواه التِّرْمِذِيُّ (٢)، وقال: لا أظُنُّه مُتّصِلًا. ولَنا، قَوْلُ النبيِّ ﷺ : «إِنَّما الْوَلَاءُ لمَن أعْتَقَ». فأمّا أحادِيثُهم؛ فحديثُ راشدٍ مُرْسَلٌ، وحديثُ أبي أُمامَةَ فيه معاويةُ الصّدَفِيُّ، وهو ضَعِيفٌ، وحديثُ تَمِيمٍ ليس بصَرِيحٍ في المِيراثِ. وقِيل: يَثْبُتُ (بكونِهما مِن أهْلِ الدِّيوانِ. ولا عملَ عليه) وهذا كان في بَدْءِ الإِسْلامِ ثم نُسِخ بقَوْلِه تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾. فصل: إذا مات الإِنْسانُ بُدِئَ بتَكْفِينِه وتَجْهِيزِه مُقَدَّمًا على ما سِواه، كما يُقَدَّمُ المُفْلِسُ بنَفَقَتِه على ما سِواه، ثم تُقْضَى دُيُونُه؛ لقَوْلِه سبحانه: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَينٍ﴾ (٣). قال عليٌّ ﵁: إنَّ

стр. 8639

وَالْمُجْمَعُ عَلَى تَوْرِيثِهِمْ مِنَ الذُّكُورِ عَشَرَةٌ؛ الابْنُ، وَابْنُهُ وَإِنْ نَزَلَ، وَالْأَبُ، وَأَبُوهُ وَإِنْ عَلَا، وَالْأَخُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، وَابْنُ الْأَخِ إلا مِنَ الْأُمِّ، وَالْعَمُّ، وَابْنُهُ كَذَلِكَ، وَالزَّوْجُ، وَمَوْلَى النِّعْمَةِ. وَمِنَ الْإِنَاثِ سَبْعٌ؛ الْبِنْتُ، وَبِنْتُ الابْنِ، وَالْأُمُّ، وَالْجَدَّةُ، وَالْأُخْتُ، وَالْمَرْأَةُ، وَمَوْلَاةُ النِّعْمَةِ. ــ رسولَ اللهِ ﷺ قَضَى أنَّ الدَّينَ قبلَ الوَصِيَّةِ (١). ولأنَّ الدَّينَ تَسْتَغْرِقُه حاجَتُه فقُدِّمَ، كمُؤْنَةِ تَجْهِيزِه، ثم تُنَفَّذُ وَصِيَّتُه، للآيَةِ، ثم ما بَقِيَ قُسِمَ على الوَرَثَةِ؛ للآياتِ الثّلاثِ المَذْكُورَةِ في سُورةِ النِّساءِ. ٢٧٨٤ - مسألة: (والمُجْمَعُ على تَوْرِيثِهم مِن الذُّكُورِ عَشَرَةٌ؛ الابنُ، وابْنُه وإن نَزَل، والأبُ، وأبُوه وإن عَلا، والأخُ مِن كلِّ جِهَةٍ، وابْنُ الأخِ إلَّا مِن الأُمِّ، والعَمُّ، وابنُه كذلك، والزَّوْجُ، ومَوْلَى النِّعْمَةِ. ومِنَ النِّساءِ سَبْعٌ؛ البِنْتُ، وبنْتُ الابْنِ، والأُمُّ، والْجَدَّةُ، والأُخْتُ، والمرأةُ، ومَوْلاةُ النِّعْمَةِ) أكَثَرُ هؤلاءِ ثَبَت تَوْرِيثُهم بالكِتابِ والسُّنَّةِ، فالابنُ والبِنتُ ثَبَت مِيراثُهما بقَوْلِه تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَينِ﴾ (٢). ويَدْخُلُ في ذلك ولدُ الابنِ. والأبَوان بقَوْلِه تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ (٢). والْجَدُّ

стр. 8640

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَحْتَمِلُ أنْ يَتَناوَلَه هذا النَّصُّ، كما دَخَل ولدُ الابنِ في عُمومِ: ﴿أَوْلَادِكُمْ﴾. والأخُ والأُخْتُ مِن الأبَوين أو الأبِ ثَبَت إرْثُهما بقَوْلِه سبحانه: ﴿وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ (١). والأخُ والأُخْتُ مِن الأُمِّ ثَبَت إرْثُهما بقَوْلِه تعالى: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ (٢). وأمّا ابْنُ الأخِ للأبَوَين أو للأبِ، والعَمُّ وابْنُه، وعَمُّ الأبِ وابنُه، فثَبَتَ مِيراثُهم بقَوْلِ النبيِّ ﷺ : «مَا أبْقَتِ الفُرُوضُ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» (٣). ولم يَدْخُلْ فيهم ولدُ الأُمِّ، ولا العمُّ للأُمِّ، ولا ابنُه، ولا الخالُ، ولا أبو الأُمِّ؛ لأنَّهم لَيسُوا مِن العَصَباتِ. وأمّا المَوْلَى المُعْتِقُ والمَوْلاةُ، فثَبَت إرْثُهما بقَوْلِه ﵊: «إنَّمَا الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ». والجَدَّةُ أطْعَمَها رسولُ اللهِ ﷺ السُّدْس (٤). والزَّوْجُ ثَبَت إرْثُه بقَوْلِه تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ

стр. 8641

وَالْوُرَّاثُ ثَلَاثَةٌ؛ ذُو فَرْضٍ، وَعَصَبَاتٌ، وَذُو رَحِمٍ. ــ أَزْوَاجُكُمْ﴾ (١). والزَّوْجَةُ (٢) بقَوْلِه تعالي: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ الآية. وجَميعُهم ذو فَرْضٍ، وعَصَبَةٌ. فالذُّكُورُ كلُّهم عَصَباتٌ إلّا الزَّوْجَ، والأخَ مِن الأُمِّ، والأبَ، والجَدَّ مع الابْنِ. والإِناثُ كلُّهُنَّ إذا انْفَرَدْن عن إخْوَتِهِنَّ ذَواتُ فُرُوضٍ، إلَّا المُعْتِقَةَ، وإلَّا الأخَواتِ مع البَناتِ. ومَن لا يَسْقُطُ بحالٍ خَمْسَةٌ؛ الزَّوْجان، والأبَوان، ووَلَدُ الصُّلْبِ؛ لأنَّهم يَمُتُّون بأنْفُسِهم مِن غيرِ واسِطَةٍ بينَهم وبينَ المَيِّتِ يَحْجُبُهم، ومَن سِواهم مِن الوُرَّاثِ (٣) إنَّما يَمُتُّ بواسِطَةٍ سِواهُ، فيَسْقُطُ بمَن هو أوْلَى بالمَيِّتِ منه. ٢٧٨٥ - مسألة: (والوُرَّاثُ ثلاثَةٌ؛ ذَوُو فَرْضٍ، وعَصَباتٌ، وذَوُو رَحِمٍ) .

стр. 8642

بَابُ مِيرَاثِ ذَوي الْفُرُوضِ وَهُمْ عَشَرَةٌ؛ الزَّوْجَانِ، وَالْأَبَوَانِ، وَالْجَدُّ، وَالْجَدَّةُ، وَالْبِنْتُ، وَبِنْتُ الابْنِ، وَالْأُخْتُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، وَالْأَخُ مِنَ الْأُمِّ. فَلِلزَّوْجِ الرُّبْعُ إِذَا كَانَ لَهَا وَلَدٌ أَوْ وَلَدُ ابْنٍ، وَالنِّصْفُ مَعَ عَدَمِهِمَا. وَلِلْمَرْأَةِ الثُّمْنُ إِذَا كَانَ لَهُ وَلَدٌ أَوْ وَلَدُ ابْنٍ، والرُّبْعُ مَعَ عَدَمِهِمَا. ــ بابُ مِيراثِ ذَوي الفُرُوضِ (وهم عَشَرَةٌ، الزَّوْجانِ، والأبَوان، والجَدُّ، والجَدّةُ، والبِنْتُ، وبِنْتُ الابنِ، والأُخْتُ مِن كلِّ جِهَةٍ، والأخُ مِن الأُمِّ) فللزَّوْجِ النِّصْفُ إذا لم يكنْ للمَيِّتَةِ وَلَدٌ ولا وَلَدُ ابنٍ، والرُّبْعُ إذا كان معه أحَدُهما. وللزَّوْجَةِ الرُّبْعُ مع عَدَمِ الوَلَدِ ووَلَدِ الابْنِ، والثُّمْنُ مع أحَدِهما. وهذا إجماعٌ مِن أهْلِ العِلْمِ؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَينٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَينٍ﴾ (١).

стр. 8643

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ووَلَدُ الابْنِ وَلَدٌ؛ بدليلِ قَوْلِه تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ و: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. وإنَّما جَعَل لجماعةِ الزَّوْجاتِ مثلَ الواحِدَةِ؛ لأنَّه لو جَعَل لكلِّ واحِدَةٍ الرُّبْعَ، وهُنَّ أرْبَعٌ، لأخَذْنَ جميعَ المالِ وزاد فَرْضُهُنَّ على فرْضِ الزَّوْجِ. ومثلُ هذا في الجَدَّاتِ، للجَماعةِ مثلُ ما للواحِدةِ؛ لأنَّه لو أخَذَتْ كلُّ واحدةٍ السُّدْسَ، لأخَذْنَ النِّصْفَ إذا كُنَّ ثلاثةً وزِدْنَ على مِيراثِ الجَدِّ. فأمّا سائِرُ أصْحابِ الفُرُوضِ؛ كالبَناتِ، وبَناتِ الابْنِ، والأخَواتِ المُفْتَرِقاتِ (١) كلِّهِنَّ، فإنَّ لكلِّ جماعةٍ مِنهُنَّ مثلَ ما للابْنَتَين (٢)، على ما يُذْكَرُ في مَوْضِعِه، وزِدْنَ على فَرْضِ الواحدَةِ؛ لأنَّ الذَّكَرَ الذي يَرِثُ في دَرَجَتِهِنَّ لا فَرْضَ له إلَّا وَلَدَ الأُمِّ، فإنَّ ذَكَرَهم وأُنْثاهم سَواءٌ؛ لأنَّهم يَرِثُون بالرَّحِمِ وقَرابَةِ الأُمِّ المُجَرَّدَةِ.

стр. 8644

فَصْلٌ: وَلِلْأَبِ ثَلَاثةُ أَحْوَالٍ؛ حَالٌ يَرِثُ فِيهَا السُّدْسَ بِالْفَرْضَ، وَهِيَ مَعَ ذُكُورِ الْوَلَدِ أَوْ وَلَدِ الابْنِ. وَحَالٌ يَرِث فِيهَا بِالتَّعْصِيبِ، وَهِيَ مَعَ عَدَمِ الْوَلَدِ أوْ وَلَدِ الابْنِ. وَحَالٌ يَجْتَمِعُ لَهُ الْفَرْضُ وَالتَّعْصِيبُ، وَهِيَ مَعَ إِنَاثِ الْوَلَدِ أوْ وَلَدِ الابْنِ. ــ فصل: قال، ﵁: (وللأبِ ثلاثةُ أحْوالٍ؛ حالٌ يَرِثُ فيها بالفَرْضِ) المُجَرَّدِ (وهي مع ذُكورِ الوَلَدِ أو وَلَدِ الابْنِ، يَرِثُ السُّدْسَ) والباقِي للابْنِ ومَن معه. لا نعلمُ في هذا خلافًا؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾. (وحالٌ يَرِثُ فيها بالتَّعصِيبِ) المُجَرَّدِ (وهي مع عَدَمِ الوَلَدِ ووَلَدِ الابْنِ) فيأْخُذُ المال إنِ انْفَردَ، وإنْ كان معه ذُو فَرْضٍ غَيرُ الوَلَدِ؛ كزَوْجٍ، أو أُمٍّ، أو جَدَّةٍ، فلذي الفَرْضِ فَرْضُه، وباقِي المالِ له؛ لقَوْلِ الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾. أضاف المِيراثَ إليهما ثم جَعَل للأُمِّ الثُّلُثَ، فكان الباقِي للأبِ، ثم قال: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾. فجَعَلَ لِلأُمِّ مع الإِخْوَةِ السُّدْسَ، ولم يَقْطَعْ إضافةَ المِيراثِ إلى الأبَوينِ، ولا ذَكَرَ للإِخوَةِ مِيراثًا، فكان الباقِي كلُّه للْأَبِ. الحالُ الثالِثُ، (يَجْتمِعُ له الفَرْضُ والتَّعْصِيبُ، وهي

стр. 8645

فَصْلٌ: وَلِلْجَدِّ هَذِهِ الْأَحْوَالُ الثَّلَاثَةُ، وَحَالٌ رَابعٌ، وَهِيَ مَعَ الْإِخْوَةِ وَالأَخَوَاتِ مِنَ الْأَبَوَينِ أَو الْأَبِ، فَإِنَّهُ يُقَاسِمُهُمْ كَأَخٍ، إلا أَنْ يَكُونَ الثُّلُثُ خَيرًا لَهُ فَيَأْخُذَهُ، وَالْبَاقِي لَهُمْ. فَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ ــ مع إناثِ الوَلَدِ أو وَلَدِ الابْنِ) فيَأْخُذُ السُّدْسَ؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾. ولهذا كانَ للأبِ (١) السُّدْسُ مع البِنْتِ إِجْماعًا، ثم يأْخُذُ ما بَقِيَ بالتَّعْصِيب؛ لما رَوَى ابنُ عبَّاسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «أَلْحِقُوا الفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فلأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ». مُتَّفَقٌ عليه (٢). والأبُ أوْلَى رجلٍ بعدَ الابْنِ وابْنِه. وهذا كلُّه مُجْمَعٌ عليه، ليسَ فيه خِلافٌ نعلَمُه. فصل: قال: وللجَدِّ ثلاثةُ أحْوالِ الأب الثَّلاثةِ، إلَّا أنَّه يَسْقُطُ بالأبِ؛ لأنَّه (٣) يُدْلِي به، ويَنْقُصُ (٤) عن رُتْبَةِ الأبَ في زَوْجٍ وأبَوَين، وامرأةٍ وأَبَوَينِ، فيُفْرَضُ للأُمِّ فيهما ثُلُثُ جميعِ المالِ. (و) له (حالٌ رابعٌ مع الإِخْوَةِ والأخَواتِ مِن الأبَوينِ والأبِ، فإنَّه يُقاسِمُهم كأخٍ، إلَّا أن يَكونَ الثُّلُثُ خيرًا له فيَأْخُذَه، والباقِي لهم. فإن كان معهم ذُو فرْضٍ أخَذَ

стр. 8646

ذُو فَرْضٍ أخَذَ فَرْضَهُ، ثُمَّ لِلْجَدِّ الْأَحَظُّ مِنَ الْمُقَاسَمَةِ كَأَخٍ أَوْ ثُلُثِ الْبَاقِي أَوْ سُدْسِ جَمِيعِ الْمَالِ. ــ فَرْضَه، ثم للجَدِّ الأحَظُّ؛ مِن المُقاسَمَةِ كأخٍ أو ثُلُثِ الباقِي أو سُدْسِ جَميعِ المالِ) وسوف نَذْكُرُ الاخْتِلافَ فيه إن شاءَ الله تعالى. فرَوَى أبو داوُدَ (١) بإسْنادِه عن عِمرانَ بنِ حُصَينٍ، أَنَّ رجلًا أتَى النبيَّ ﷺ فقال: إنَّ ابْنَ ابنِيَ مات، فما لِى مِن مِيراثِه؟ قال: «لكَ السُّدْسُ». فلمَّا أدْبَرَ دَعاه فقال: «إنَّ لَكَ سُدْسًا آخَرَ». فلمَّا أدْبَرَ دَعاه فقال: «إنَّ لَكَ السُّدْسَ الآخَرَ طُعْمَةً». قال قَتادَةُ: فلا نَدْرِي مع أيِّ شيءٍ وَرَّثَه. قال قَتادَةُ: أقَلُّ شيءٍ وَرِثَ الْجَدُّ السُّدْسُ. ورَوَى (٢) عن عُمَرَ، ﵁، أنَّه قال: أيُّكم يَعْلَمُ ما وَرَّثَ رسولُ اللهِ ﷺ الْجَدَّ؟ فقال مَعْقِلُ بْنُ يَسارٍ: أنا، وَرَّثَه رسولُ الله ﷺ السُّدْسَ. قال: مع مَن؟ قال: لا أدْرِي. قال: لا دَرَيتَ، فما تُغْنِي إذًا! رَواهُ سَعِيدٌ في «سُنَنِهِ» (٣). قال أبو بكرٍ بنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ مِن أصْحابِ رسولِ اللهِ ﷺ على أنَّ الجَدَّ أبا الأبِ لا يَحْجُبُه عن المِيراثِ

стр. 8647

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ غيرُ الأبِ، وأنْزَلُوا الجَدَّ في الحَجْبِ والمِيراثِ مَنْزِلَةَ الأبِ في جميعِ المَواضِعِ، إلَّا في ثلاثةِ أشياءَ؛ أحدُها، زَوْجٌ وأبَوانِ، والثانيةُ، زوْجَةٌ وأبَوَانِ، للأُمِّ ثُلُثُ الباقِي فيهما مع الأبِ، وثُلُثُ جميعِ المالِ مع الجَدِّ. والثالثةُ، اخْتَلَفُوا في الْجَدِّ مع الإِخْوَةِ والأخَواتِ للأبَوَينِ أو للأبِ. ولا خِلافَ بينَهم في إسْقاطِه بَنِي الإِخْوَةِ وولدَ الأُمِّ ذَكَرَهم وأُنْثاهم. فذَهَب الصِّدِّيقُ، ﵁، إلى أنَّ الجَدَّ يُسْقِطُ جميعَ الإِخوةِ والأخَوَاتِ مِن جميعِ الجهاتِ، كما يُسْقِطُهم الأبُ. وبه قال ابنُ عَبَّاسٍ، وابنُ الزُّبَيرِ. ورُوِيَ ذلك عن عثمانَ، وعائشةَ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وأبي الدَّرْداءِ، ومُعاذِ بنِ جَبَلٍ، وأبي موسى، وأبي هُرَيرَةَ، ﵃. وحُكِيَ أيضًا عن عِمْرانَ بنِ حُصَينٍ، وجَابِرِ بنِ عبدِ اللهِ، وأبي الطُّفَيلِ (١)، وعُبادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وعَطاءٍ، وطاوُسٍ، وجَابرِ بنِ زَيدٍ. وبه قال قَتَادةُ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، ونُعَيمُ بنُ حَمّادٍ، وأبو حنيفةَ، والْمُزَنِيُّ، وابنُ سُرَيجٍ (٢)، وابنُ اللَّبَّانِ (٣)، وداودُ، وابنُ

стр. 8648

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المُنْذِرِ. وكان عليُّ بنُ أبي طالِبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وزَيدُ بْنُ ثابِتٍ، يُوَرِّثُونَهم معه ولا يَحْجُبُونَهم به. وبه قال مالِكٌ، والأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ، لأنَّ الأخَ ذَكَرٌ يُعَصِّبُ أُخْتَه فلم يُسْقِطْهُ الْجَدُّ، كالابْنِ، ولأنَّ مِيراثَهم ثَبَت بالكِتابِ فلا يُحْجَبُون إلَّا بِنَصٍّ أو إجْمَاعٍ (١)، وما وُجِدَ شَيْءٌ مِن ذلك فلا يُحْجَبُون، ولأنَّهم تَساوَوْا في سَبَبِ الاسْتِحْقاقِ فيَتَساوَوْن فيه، فإنَّ الأخَ والجَدَّ يُدْلِيانِ بالأبِ، الجَدُّ أبُوه، والأخُ ابْنُه، وقَرابَةُ البُنُوَّةِ لا تَنْقُصُ عن قَرابَةِ الأُبُوةِ، بل رُبَّما كانتْ أقْوَى منها؛ فإنَّ الابْنَ يُسْقِطُ تَعْصِيبَ الأبِ، ولذلك مَثَّلَه عليٌّ، ﵁، بشَجَرَةٍ أنْبَتَتْ غُصْنًا، فانْفَرَقَ منه غُصْنانِ، كلٌّ منهما أقْرَبُ إليه (٢) منه إلى أصْلِ الشَّجَرةِ. ومَثَّلَه زَيدٌ بوادٍ خَرَج مِنه نَهْرٌ، وانْفَرَقَ منه جَدْوَلان، كُلُّ واحِدٍ منهما إلى الآخَرِ أقْرَبُ منه إلى الوادِي. واحْتَجَّ مَن ذَهَب مَذْهَبَ أبي بكرٍ، ﵁، بقَوْلِ النبيِّ ﷺ : «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَلأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ». مُتَّفَقٌ عليه. والجَدُّ أوْلَى مِن الأخِ بِدَلِيلِ المَعْنَى والحُكْم؛ أمَّا المَعْنَى، فإنَّ له قَرابَةَ

стр. 8649

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إيلادٍ وبَعْضِيَّةٍ كالْأَبِ، وأمَّا الحُكْمُ، فإنَّ الفُرُوضَ إذا ازْدَحَمَتْ سَقَط الأخُ دُونَه، ولا يُسْقِطُه أحَدٌ إلَّا الأبُ، والأخُ والأخَواتُ يَسْقُطُون بثلاثةٍ، ويُجْمَعُ له بينَ الفَرْضِ والتَّعْصِيبِ كالأبِ، وهم يَنْفَرِدُون بواحدٍ منهما، ويُسْقِطُ ولدَ الأُمِّ، ووَلَدُ الأبِ يَسْقُطُون بهم بالإِجْماعِ إذا اسْتَغْرَقَتِ الفُرُوضُ المال وكانوا عَصَبَةً، وكذلك ولدُ الأبوينِ في المُشَرَّكَةِ عندَ الأكْثَرِين، ولأنَّه لا يُقْتَلُ بقَتْلِ ابْنِ ابْنِه ولا يُحَدُّ بقَذْفِه. ولا يُقْطَعُ بسَرِقَةِ مالِه، ويَجِبُ عليه نفَقَتُه ويُمْنَعُ مِن دَفعِ زَكاتِه إليه، كالأبِ سَواءً، فدلَّ ذلك على قُرْبِه. فإن قيلَ: فالحديثُ حُجَّةٌ في تَقْديمِ الأخَواتِ؛ لأن فُرُوضَهُنَّ في كتابِ اللهِ تَعالى، فيَجِبُ أن تُلْحَق بهِنَّ فُروضُهُنَّ، ويكونَ للجَدِّ ما بَقِيَ. فالجوابُ، أنَّ هذا الخَبَرَ حُجَّةٌ في الذُّكُورِ المُنْفَرِدين، وفي الذُّكُورِ مع الإِناثِ. أو نقولُ: هو حُجَّةٌ في الجميعِ، ولا فَرْضَ لوَلَدِ الأبِ مع الجَدِّ؛ لأنَّهم كَلالةٌ، والكَلالةُ اسمٌ للوارِثِ مع عَدَمِ الوَلَدِ والوالِدِ، فلا يكونُ لهم معه إذًا فرضٌ. حُجَّةٌ أُخْرَى، قالوا: الجَدُّ أبٌ، فيَحْجُبُ وَلَدَ الأبِ، كالأبِ الحقيقيِّ. ودليلُ كونِه أبًا قولُه تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ (١). وقولُ يوسُفَ:

стр. 8650

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾ (١). وقَوْلُه: ﴿كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾ (٢). وقال النبيُّ ﷺ : «ارْمُوا بَنِي إسْماعِيلَ فَإنَّ أباكُمْ كان رَامِيًا» (٣). وقال: «سَامٌ أبُو العَرَبِ، وحَامٌ أبو الحَبَشِ» (٤). [وقال: «نَحْنُ بَنُو النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ، لَا نَقْفُوا أُمَّنَا، ولا نَنْتَفِي مِنْ أبِينَا] (٥). وقال الشاعرُ (٦): إِنَّا بَنِي نَهْشَلٍ لا نَدَّعِي لأبٍ ... عنه ولا هو بالأبْناءِ يَشْرِينا فوجَب أن يَحْجُبَ الإِخوةَ، كالأبِ الحَقِيقيِّ. يُحقِّقُ هذا أنَّ ابنَ الابنِ وإن سَفَل يَقومُ مَقامَ أبِيه (٧) في الحَجْبِ، كذلك أبو الأبِ يقومُ مَقامَ ابنهِ؛ ولذلك قال ابنُ عباسٍ: ألا يَتَّقِي اللهَ زيدٌ؟ يَجْعَلُ ابنَ الابنِ ابنًا، ولا يَجْعَلُ أبا الأبِ أبًا. ولأنَّ بينَهما إيلادًا وبَعْضِيَّةً وجُزْئِيَّةً، وهو يُساوي الأبَ في أكثرِ أحكامِه، فيُساويه في هذا الحَجْبِ. يُحقِّقُه أنَّ أبا الأبِ وإن عَلا يُسْقِطُ بَنِي الإِخْوَةِ، ولو كانت قَرابةُ الأخِ والجَدِّ واحدةً لوَجَب أن يكونَ أبو الجَدِّ مُساويًا لبَنِي الأخِ؛ لتَساوي دَرَجَةِ مَن أدْلَيا به. ولا
следующие страницы →