ذُو فَرْضٍ أخَذَ فَرْضَهُ، ثُمَّ لِلْجَدِّ الْأَحَظُّ مِنَ الْمُقَاسَمَةِ كَأَخٍ أَوْ ثُلُثِ الْبَاقِي أَوْ سُدْسِ جَمِيعِ الْمَالِ.
ــ
فَرْضَه، ثم للجَدِّ الأحَظُّ؛ مِن المُقاسَمَةِ كأخٍ أو ثُلُثِ الباقِي أو سُدْسِ جَميعِ المالِ) وسوف نَذْكُرُ الاخْتِلافَ فيه إن شاءَ الله تعالى. فرَوَى أبو داوُدَ (١) بإسْنادِه عن عِمرانَ بنِ حُصَينٍ، أَنَّ رجلًا أتَى النبيَّ ﷺ فقال: إنَّ ابْنَ ابنِيَ مات، فما لِى مِن مِيراثِه؟ قال: «لكَ السُّدْسُ». فلمَّا أدْبَرَ دَعاه فقال: «إنَّ لَكَ سُدْسًا آخَرَ». فلمَّا أدْبَرَ دَعاه فقال: «إنَّ لَكَ السُّدْسَ الآخَرَ طُعْمَةً». قال قَتادَةُ: فلا نَدْرِي مع أيِّ شيءٍ وَرَّثَه. قال قَتادَةُ: أقَلُّ شيءٍ وَرِثَ الْجَدُّ السُّدْسُ. ورَوَى (٢) عن عُمَرَ، ﵁، أنَّه قال: أيُّكم يَعْلَمُ ما وَرَّثَ رسولُ اللهِ ﷺ الْجَدَّ؟ فقال مَعْقِلُ بْنُ يَسارٍ: أنا، وَرَّثَه رسولُ الله ﷺ السُّدْسَ. قال: مع مَن؟ قال: لا أدْرِي. قال: لا دَرَيتَ، فما تُغْنِي إذًا! رَواهُ سَعِيدٌ في «سُنَنِهِ» (٣). قال أبو بكرٍ بنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ مِن أصْحابِ رسولِ اللهِ ﷺ على أنَّ الجَدَّ أبا الأبِ لا يَحْجُبُه عن المِيراثِ
стр. 8647
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
غيرُ الأبِ، وأنْزَلُوا الجَدَّ في الحَجْبِ والمِيراثِ مَنْزِلَةَ الأبِ في جميعِ المَواضِعِ، إلَّا في ثلاثةِ أشياءَ؛ أحدُها، زَوْجٌ وأبَوانِ، والثانيةُ، زوْجَةٌ وأبَوَانِ، للأُمِّ ثُلُثُ الباقِي فيهما مع الأبِ، وثُلُثُ جميعِ المالِ مع الجَدِّ. والثالثةُ، اخْتَلَفُوا في الْجَدِّ مع الإِخْوَةِ والأخَواتِ للأبَوَينِ أو للأبِ. ولا خِلافَ بينَهم في إسْقاطِه بَنِي الإِخْوَةِ وولدَ الأُمِّ ذَكَرَهم وأُنْثاهم. فذَهَب الصِّدِّيقُ، ﵁، إلى أنَّ الجَدَّ يُسْقِطُ جميعَ الإِخوةِ والأخَوَاتِ مِن جميعِ الجهاتِ، كما يُسْقِطُهم الأبُ. وبه قال ابنُ عَبَّاسٍ، وابنُ الزُّبَيرِ. ورُوِيَ ذلك عن عثمانَ، وعائشةَ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وأبي الدَّرْداءِ، ومُعاذِ بنِ جَبَلٍ، وأبي موسى، وأبي هُرَيرَةَ، ﵃. وحُكِيَ أيضًا عن عِمْرانَ بنِ حُصَينٍ، وجَابِرِ بنِ عبدِ اللهِ، وأبي الطُّفَيلِ (١)، وعُبادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وعَطاءٍ، وطاوُسٍ، وجَابرِ بنِ زَيدٍ. وبه قال قَتَادةُ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، ونُعَيمُ بنُ حَمّادٍ، وأبو حنيفةَ، والْمُزَنِيُّ، وابنُ سُرَيجٍ (٢)، وابنُ اللَّبَّانِ (٣)، وداودُ، وابنُ
стр. 8648
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المُنْذِرِ. وكان عليُّ بنُ أبي طالِبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وزَيدُ بْنُ ثابِتٍ، يُوَرِّثُونَهم معه ولا يَحْجُبُونَهم به. وبه قال مالِكٌ، والأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ، لأنَّ الأخَ ذَكَرٌ يُعَصِّبُ أُخْتَه فلم يُسْقِطْهُ الْجَدُّ، كالابْنِ، ولأنَّ مِيراثَهم ثَبَت بالكِتابِ فلا يُحْجَبُون إلَّا بِنَصٍّ أو إجْمَاعٍ (١)، وما وُجِدَ شَيْءٌ مِن ذلك فلا يُحْجَبُون، ولأنَّهم تَساوَوْا في سَبَبِ الاسْتِحْقاقِ فيَتَساوَوْن فيه، فإنَّ الأخَ والجَدَّ يُدْلِيانِ بالأبِ، الجَدُّ أبُوه، والأخُ ابْنُه، وقَرابَةُ البُنُوَّةِ لا تَنْقُصُ عن قَرابَةِ الأُبُوةِ، بل رُبَّما كانتْ أقْوَى منها؛ فإنَّ الابْنَ يُسْقِطُ تَعْصِيبَ الأبِ، ولذلك مَثَّلَه عليٌّ، ﵁، بشَجَرَةٍ أنْبَتَتْ غُصْنًا، فانْفَرَقَ منه غُصْنانِ، كلٌّ منهما أقْرَبُ إليه (٢) منه إلى أصْلِ الشَّجَرةِ. ومَثَّلَه زَيدٌ بوادٍ خَرَج مِنه نَهْرٌ، وانْفَرَقَ منه جَدْوَلان، كُلُّ واحِدٍ منهما إلى الآخَرِ أقْرَبُ منه إلى الوادِي.
واحْتَجَّ مَن ذَهَب مَذْهَبَ أبي بكرٍ، ﵁، بقَوْلِ النبيِّ ﷺ : «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَلأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ». مُتَّفَقٌ عليه. والجَدُّ أوْلَى مِن الأخِ بِدَلِيلِ المَعْنَى والحُكْم؛ أمَّا المَعْنَى، فإنَّ له قَرابَةَ
стр. 8649
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إيلادٍ وبَعْضِيَّةٍ كالْأَبِ، وأمَّا الحُكْمُ، فإنَّ الفُرُوضَ إذا ازْدَحَمَتْ سَقَط الأخُ دُونَه، ولا يُسْقِطُه أحَدٌ إلَّا الأبُ، والأخُ والأخَواتُ يَسْقُطُون بثلاثةٍ، ويُجْمَعُ له بينَ الفَرْضِ والتَّعْصِيبِ كالأبِ، وهم يَنْفَرِدُون بواحدٍ منهما، ويُسْقِطُ ولدَ الأُمِّ، ووَلَدُ الأبِ يَسْقُطُون بهم بالإِجْماعِ إذا اسْتَغْرَقَتِ الفُرُوضُ المال وكانوا عَصَبَةً، وكذلك ولدُ الأبوينِ في المُشَرَّكَةِ عندَ الأكْثَرِين، ولأنَّه لا يُقْتَلُ بقَتْلِ ابْنِ ابْنِه ولا يُحَدُّ بقَذْفِه. ولا يُقْطَعُ بسَرِقَةِ مالِه، ويَجِبُ عليه نفَقَتُه ويُمْنَعُ مِن دَفعِ زَكاتِه إليه، كالأبِ سَواءً، فدلَّ ذلك على قُرْبِه. فإن قيلَ: فالحديثُ حُجَّةٌ في تَقْديمِ الأخَواتِ؛ لأن فُرُوضَهُنَّ في كتابِ اللهِ تَعالى، فيَجِبُ أن تُلْحَق بهِنَّ فُروضُهُنَّ، ويكونَ للجَدِّ ما بَقِيَ. فالجوابُ، أنَّ هذا الخَبَرَ حُجَّةٌ في الذُّكُورِ المُنْفَرِدين، وفي الذُّكُورِ مع الإِناثِ. أو نقولُ: هو حُجَّةٌ في الجميعِ، ولا فَرْضَ لوَلَدِ الأبِ مع الجَدِّ؛ لأنَّهم كَلالةٌ، والكَلالةُ اسمٌ للوارِثِ مع عَدَمِ الوَلَدِ والوالِدِ، فلا يكونُ لهم معه إذًا فرضٌ. حُجَّةٌ أُخْرَى، قالوا: الجَدُّ أبٌ، فيَحْجُبُ وَلَدَ الأبِ، كالأبِ الحقيقيِّ. ودليلُ كونِه أبًا قولُه تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ (١). وقولُ يوسُفَ:
стр. 8650
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾ (١). وقَوْلُه: ﴿كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾ (٢). وقال النبيُّ ﷺ : «ارْمُوا بَنِي إسْماعِيلَ فَإنَّ أباكُمْ كان رَامِيًا» (٣). وقال: «سَامٌ أبُو العَرَبِ، وحَامٌ أبو الحَبَشِ» (٤). [وقال: «نَحْنُ بَنُو النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ، لَا نَقْفُوا أُمَّنَا، ولا نَنْتَفِي مِنْ أبِينَا] (٥). وقال الشاعرُ (٦):
إِنَّا بَنِي نَهْشَلٍ لا نَدَّعِي لأبٍ ... عنه ولا هو بالأبْناءِ يَشْرِينا
فوجَب أن يَحْجُبَ الإِخوةَ، كالأبِ الحَقِيقيِّ. يُحقِّقُ هذا أنَّ ابنَ الابنِ وإن سَفَل يَقومُ مَقامَ أبِيه (٧) في الحَجْبِ، كذلك أبو الأبِ يقومُ مَقامَ ابنهِ؛ ولذلك قال ابنُ عباسٍ: ألا يَتَّقِي اللهَ زيدٌ؟ يَجْعَلُ ابنَ الابنِ ابنًا، ولا يَجْعَلُ أبا الأبِ أبًا. ولأنَّ بينَهما إيلادًا وبَعْضِيَّةً وجُزْئِيَّةً، وهو يُساوي الأبَ في أكثرِ أحكامِه، فيُساويه في هذا الحَجْبِ. يُحقِّقُه أنَّ أبا الأبِ وإن عَلا يُسْقِطُ بَنِي الإِخْوَةِ، ولو كانت قَرابةُ الأخِ والجَدِّ واحدةً لوَجَب أن يكونَ أبو الجَدِّ مُساويًا لبَنِي الأخِ؛ لتَساوي دَرَجَةِ مَن أدْلَيا به. ولا
стр. 8651
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَفْرِيعَ على هذا القولِ لوُضُوحِه.
فصل: واخْتَلَفَ القائِلونَ بتَوْريثهم معه (١) في كَيفِيَّةِ تَوْرِيِثِهم، فكان عليٌّ، ﵁، يَفْرِضُ للأخَواتِ فُرُوضَهُنَّ، والباقِيَ للجَدِّ، إلَّا أن يَنْقُصَه ذلك مِن السُّدْسِ، فيَفْرِضَه له. فإن كانت أُخْتٌ لأبَوَين، وإخْوةٌ لأبٍ، فَرَض للأُختِ النِّصفَ، وقاسَم الجدُّ الإِخوةَ فيما بَقِيَ، إلَّا أن تَنْقُصَه المُقاسَمةُ مِن السُّدْسِ فنَفْرِضَه له. فإن كان الإِخْوَةُ كلُّهم عَصَبةً، قاسَمَهم الجَدُّ إلى (٢) السُّدْسِ. فإنِ اجْتَمَعَ وَلَدُ الأبِ ووَلَدُ الأبَوَينِ مع الجَدِّ، سَقَط ولدُ الأبِ ولم يَدْخُلُوا في المُقاسَمَةِ ولا يُعْتَدُّ بهم. وإنِ انْفَرَدَ وَلَدُ الأبِ قاموا مَقامَ وَلدِ الأبَوين مع الجَدِّ.
وصَنَع ابنُ مسعودٍ في الجَدِّ مع الأخَواتِ كصُنْعِ عليٍّ، وقاسَمَ به الإِخْوَةَ إلى الثُّلُثِ، فإن كان معهم (٣) أصحابُ فَرائِضَ، أعْطَى أصحابَ الفَرائِضِ فَرائِضَهم، ثمَّ صَنَعَ صَنِيعَ زيدٍ في إعْطاءِ الجَدِّ (٣) الأحَظَّ؛ مِن المُقاسَمَةِ أو ثُلُثِ الباقِي أو سُدْسِ جميعِ المالِ، وعليٌّ يُقاسِمُ به بعدَ أصحابِ الفرائِضِ، إلَّا أن يكونَ أصحابُ الفَرائِضِ بنتًا أو بناتٍ، فلا يزيدُ الجَدُّ على الثُّلُثِ، ولا يُقاسِمُ به. وقال بقولِ عليٌّ؛ الشَّعْبِيُّ،
стр. 8652
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والنَّخَعِيُّ، والمُغِيرَةُ بنُ مِقْسَمٍ (١)، وابنُ أبي لَيلَى، والحَسَنُ بنُ صَالِحٍ. وذَهَب إلى قولِ ابنِ مسعودٍ؛ مَسْرُوقٌ، وعَلْقَمَةُ، وشُرَيحٌ. فأمَّا مَذْهَبُ زيدٍ، فهو الذي ذَكَرَه شَيخُنا في الكتابِ المَشْروحِ، وذَكَرَه الخِرَقِيُّ، وسنَشْرَحُه إن شاء اللهُ تعالى. وإليه ذَهَب أحمدُ. وبه قال أهلُ المدينةِ والشّامِ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والحَجّاجُ بنُ أرْطاةَ (٢)، ومالِكٌ، والشافعيُّ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدُ بنُ الحسنِ، وأبو عُبَيدٍ، وأكثرُ أهلِ العلمِ. فمذْهَبُ زيدٍ في الجَدِّ معِ الإِخْوةِ والأخَواتِ للأبَوَين أو للأبِ، أنَّه يُقاسِمُهُم كأخٍ، إلَّا أن يَكون ثُلُثُ المالِ أحَظَّ له، فإن نَقَصَتْه المُقاسَمَةُ عن الثُّلُثِ فله الثُّلُثُ، والباقِي لهم.
فعلى هذا، إذا كان معه أخَوان، أو أرْبَعُ أخَواتٍ، أو أخٌ وأُخْتان، فالثُّلُثُ والمُقاسَمةُ سواءٌ، فإن نَقَصُوا عن ذلك فالمُقاسَمةُ أحظُّ له فقاسِمْ به لا غَيرُ. وإن زادُوا فأعْطِه الثُّلُثَ، فإن كان معهم ذُو فرضٍ أخَذ فَرْضَه، وكان للجَدِّ الأحَظُّ مِن المُقاسَمَةِ كأخٍ أو ثُلُثِ الباقي أو سُدْسِ جميعِ المالِ. أمّا كونُه لا يَنْقُصُ عن سُدْسِ جميعِ المالِ؛ فلأنَّه لا يَنْقُصُ عن ذلك مع الوَلَدِ الذي هو أقْوَى، فمع غيرِهم أَولى. وأمّا إعطاؤُه ثُلُثَ البَاقي إذا
стр. 8653
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كان أحَظَّ، فلأنَّ له الثُّلُثَ مع عَدَمِ الفُرُوضِ، فما أُخِذَ بالفَرْضِ (١) كأنَّه معدومٌ قد ذَهَب مِن المالِ، فصار ثُلُثُ الباقِي بمنزلَةِ ثُلُثِ جَميعِ المَالِ. وأمّا المُقاسمةُ فهي له مع عَدَمِ الفُرُوضِ فكذلك مع وجودِها. فعلى هذا، متى زاد الإخوةُ عن اثنَين أو مَن يَعْدِلُهم مِن الإناثِ فلا حَظَّ له في المُقاسَمةِ، وإن نَقَصُوا عن ذلك فلا حَظَّ له في ثُلُثِ الباقي، ومتى زادتِ الفُرُوضُ عن النِّصْفِ فلا حظَّ له في ثُلُثِ الباقي، وإن نَقَصت عن النصفِ فلا حَظَّ له في السُّدْسِ، وإن كان الفرضُ النصفَ. فقط، استوى السُّدْسُ وثُلُثُ الباقي، وإن كان الإِخوةُ اثنين والفرضُ النصفَ، استوى المقاسمةُ وثُلُثُ الباقِي وسُدْسُ جميعِ المالِ.
فصل: ولا يَنْقُصُ الْجَدُّ عن سُدْسِ المالِ، أو تَسْمِيَتِه إذا زادَتِ السِّهَامُ. هذا قولُ عامَّةِ أهلِ العِلْمِ، إلَّا أنَّه رُوِيَ عن الشَّعْبِي أنَّه قال: إنَّ ابنَ عباسٍ كَتَب إلى عليٍّ في سِتَّةِ إخوةٍ وجَدٍّ، فكتب إليه: اجْعَلِ الجَدَّ سابِعَهم وامْحُ كتابِي هذا (٢). ورُوِيَ عنه في سَبْعَةِ إخوةٍ وجَدٍّ، أنَّ الجدَّ ثامِنُهم. وحُكِيَ عن عِمرانَ بنِ حُصَينٍ، والشَّعْبيِّ، المقاسمةُ إلى نِصفِ سُدْسِ المَالِ. ولَنا، أنَّ الجَدَّ لا يَنْقُصُ عن السُّدْسِ مع البَنِينَ، وهم أقْوَى مِيِراثًا من الإِخْوةِ، فإنَّهم يَسْقُطُونَ بهم، فلِئلَّا يَنْقُصَ عنه مع الإِخوةِ أوْلَى، ولأن النبيَّ ﷺ أطْعَمَ الجدَّ السُّدْسَ (٣)، فلا ينبغي
стр. 8654
فَإنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنِ الْفَرْضِ إلا السُّدْسُ فَهُوَ لَهُ، وَسَقَطَ مَنْ مَعَهُ مِنْهُمْ، إلَّا فِي الْأَكْدَرِيَّةِ، وَهِيَ زَوْجٌ وَأُمٌّ وَأُخْتٌ وَجَدٌّ، فَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ، وَلِلْأُمِّ الثُّلُثُ، وَلِلْجَدِّ السُّدْسُ، وَلِلْأُخْتِ النِّصْفُ، ثمَّ يُقْسَمُ نِصْفُ الْأُخْتِ وَسُدْسُ الْجَدِّ بَينَهُمَا عَلَى ثَلَاثَةٍ فَتَضْرِبُهَا فِي الْمَسْأَلَةِ وَعَوْلِهَا تَكُنْ سَبْعَةً وَعِشْرِينَ؛
ــ
أن يَنْقُصَ منه. وقولُنا: أو تَسْمِيَتِه إذا زادَتِ السِّهامُ. هو إذا عالتِ المَسْألةُ، فإنَّه يُسَمَّى له السُّدْسُ، وهو ناقِصٌ عن السُّدْسٍ، فإذا كان زَوْجٌ وأُمٌّ وابْنَتان وجَدٌّ، له السُّدْسُ، ونُعْطِيه سَهْمَين مِن خمْسَةَ عَشَرَ وهما ثُلُثَا الخُمْسِ.
٢٧٨٦ - مسألة: (فإِن لم يَفْضُلْ عن الفَرْضِ إلَّا السُّدْسُ فَهو له، وَيَسْقُطُ مَنْ مَعَهُ) مِن الإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ؛ كَأُمٍّ وابْنَتَينِ وَجَدٍّ وَأُخْتٍ أَو أخٍ، فإنَّ للأُمِّ السُّدْسَ، وللابْنَتَين الثُّلُثان، يَبْقَى السُّدْسُ للجَدِّ، ويَسقُطُ الإِخْوةُ (إلَّا في الأكْدَرِيَّةِ؛ وهي زوجٌ وأُمٌّ وأُختٌ وجَدٌّ) فإنَّ (للزَّوْجِ النِّصفَ، وللأُمِّ الثُّلُثَ، وللأُخْتِ النِّصْفَ، وللجَدِّ السُّدْسَ، ثم يُقسَمُ سُدْسُ الجَدِّ ونِصْفُ الأُختِ بينهما على ثَلاثَةٍ) وتَصِحُّ مِن سَبعَةٍ وعِشرِينَ
стр. 8655
لِلزَّوْجِ تِسْعَة، وَلِلأمِّ سِتّة، وَلِلْجَد ثَمَانِيَة، وَلِلأخْتِ أرْبَعَة، وَلَا يَعُولُ مِنْ مَسَائِلِ الْجَد غَيرُهَا، وَلَا يُفْرَضُ لأخْتٍ مَعَ جَدٍّ إلَّا فِيهَا.
ــ
(للزّوجِ تِسعة، وللأمِّ سِتة، وللجَدِّ ثمانِية، وللأخْتِ أربَعة، ولا يَعُولُ مِن مَسائلِ الجَدِّ غَيرُها، ولا يُفْرَضُ لأخْتٍ مع جَدٍّ إلَّا فيها) هذه المَسألَةُ تُسَمَّى الأكْدَرِيّةَ، سُمِّيَتْ بذلك لِتَكْدِيرِها أصُولَ زيدٍ في الجَدِّ؛ فإنَّه أعالها ولا عَوْلَ عندَه في مسائِلِ الجَدِّ، وفَرَض لأخْتِ معه ولا يَفْرِضُ لأختٍ مع جَدٍّ، وجَمَع سِهامَه وسهامَها فقَسَمَها بينَهما ولا نَظِيرَ لذلك. وقيل: سُمِّيَت أكْدَرِيَّةً؛ لأنَّ عبدَ الملِك بنَ مَرْوَانَ سَأل عنها رجلًا اسمُه الأكْدَرُ، فأفْتَى فيها على مذهبِ زيدٍ وأخْطَأ فيها، فنُسِبَت إليه (١).
واخْتَلَفَ أهلُ العلمِ فيها؛ فمذهبُ أبي بكر الصِّدِّيقِ ومُوافِقِيه إسْقاطُ الأخْتِ، ويَجْعَلُ للزّوْجِ النِّصْفَ، وللأمِّ الثُّلُثَ، والباقِيَ للجَدِّ. وقال عمرُ، وابنُ مَسْعُودٍ: للزوْجِ النِّصْفُ، وللأخْتِ النِّصفُ، وللجدِّ السُّدْسُ، وللأمِّ السُّدْسُ. وعالتْ إلى ثَمانيةٍ. وجعلوا للأمِّ السُّدْسَ،
стр. 8656
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لكيلا يُفَضِّلُوها على الجَدِّ. وقال عليٌّ، وزيدٌ: للزَّوْجِ النِّصفُ، وللأخْتِ النصفُ، وللأمِّ الثُّلُثُ، وللجَدِّ السُّدْسُ. وأعالَاها إلى تِسْعَةٍ، ولم يَحْجُبا الأمَّ عن الثُّلُثِ، لأنَّ الله تعالى إنَّما حَجَبَها بالوَلَدِ والإِخوةِ، وليس ههُنا وَلَدٌ ولا إخوة. ثم إنَّ عمرَ، وعليًّا، وابنَ مسعودٍ، أبْقَوُا النِّصف للأختِ والسُّدْسَ للجَدِّ، وزيدٌ ضَمَّ نصفَها إلى سُدْسِ الجَدِّ فقَسَمَه بينَهما؛ لأنَّها لا تَسْتَحِقُّ معه إلَّا بِحُكْم المقاسَمةِ. وإنما حَمَل زيدًا على إعالةِ المسألةِ ههُنا أنَّه لو لم يَفْرِضْ للأخْتِ لسَقَطَت، وليس في الفَريضةِ مَن يُسْقِطُها. وقد رُوِيَ عن قَبِيصَةَ بنِ ذُؤيبٍ أنَّه قال: ما قال ذلك زيدٌ، وإنَّما قاس أصحابُه على أصولِه، ولم يُبَيِّنْ هو شيئًا. فإن قيل: فالأختُ مع الجدِّ عَصَبَة، والعَصَبَةُ تَسْقُطُ باستكمالِ الفُروضِ. قُلْنا: إنَّما يُعَصِّبُها الجَدُّ، وليس بِعَصَبَةٍ جمع هؤلاءِ، بل يُفْرَضُ له، ولو كان مكانَ الأختِ أخ لسَقَط؛ لأنَّه عَصَبَة في نَفْسِه. ولو كان مع الأختِ أخت أخْرَى أو أخٌ أو أكثرُ مِن ذلك، لانْحَجَبَتِ الأمُّ إلى السُّدْسِ وبَقِي لهما السُّدْسُ فأخَذُوه ولم تَعُلِ المسألةُ. وأصلُ المسألةِ في الأكدَريَّةِ سِتَّةٌ عالت إلى تِسْعَةٍ، وسِهامُ الأختِ والجدِّ أرْبَعَةٌ بينَهما، على ثلاثةٍ لا تصِحُّ، فَتَضْرِبُ ثلاثةً في تسعةٍ، تكنْ سبعةً وعِشرينَ، ثمَّ كلُّ مَن له شيءٌ مِن أصْلِ المَسألةِ مَضْرُوبٌ في الثلاثةِ التي ضَرَبْتَها في المسألةِ، لِلزَّوْجِ ثلاثةٌ في
стр. 8657
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثلاثةٍ: تِسْعَةٌ، وللأُمِّ اثنان في ثلاثةٍ: سِتَّةٌ، يَبْقَى اثنا عَشَرَ بينَ الجَدِّ والأُختِ على ثلاثةٍ؛ للجدِّ ثمانيةٌ، وللأختِ أربعةٌ، ويُعَايَى بها، فيُقالُ: أربعةٌ وَرِثُوا مالًا، فأخَذ أحدُهم ثُلُثَه، والثّاني ثُلُثَ ما بَقِي، والثّالثُ ثُلُثَ ما بَقِي، والرّابعُ ما بَقِي. ويقالُ: امرأةٌ جاءَت قومًا، فقالت: إنِّي حاملٌ، فإن وَلَدْتُ ذَكَرًا فلا شيءَ له، وإن ولدتُ أُنْثَى فَلَها تُسْعُ المالِ وثُلُثُ تُسْعِه، وإن ولدتُ ولدَين فلهما السُّدْسُ. ويقالُ أيضًا: إن ولدتُ ذكرًا فَلِي ثُلُثُ المالِ، وإن ولدتُ أُنثى فَلِي تُسْعَاه، وإن ولدتُ ولدين فلي سُدْسُه. وأَنْشَد شيخُنا في ذلك لِنَفْسِه:
ماذا تَقُولونَ في مِيراثِ أربَعَةٍ ... أصاب أكْبَرُهُم جُزْءًا مِن المالِ
ونصفُ ذلكَ للِثّاني ونصفُهما ... لثالثٍ تَرِبٍ للخَيرِ فَعّالِ
ونصفُ ذلك مَجْمُوعًا لرابِعِهم ... فَخَبِّرُونِي فَهذي جُمْلَةُ الحَالِ
أكبرُهم الجَدُّ له ثَمانيةٌ، ونصفُها للأختِ أرْبَعةٌ، ونصفُهُما سِتَّةٌ للأُمِّ، صارَت ثَمانِيةَ عَشَرَ، ونِصْفُ الجَميعِ للزَّوْجِ، وذلك تِسْعَةٌ.
فصل: زوجةٌ وأُمٌّ وأُختٌ وجَدٌّ، للزَّوْجَةِ الرُّبعُ، وللأُمِّ الثُّلُثُ، والباقي بينَ الأُختِ والجدِّ على ثلاثةٍ، أصْلُها مِن اثْنَيْ عَشرَ؛ للزَّوجَةِ ثَلاثَةٌ، وللأمِّ أرْبَعةٌ، يَبْقَى خَمْسةٌ بينَ الجَدِّ والأُختِ على ثَلاثةٍ، وتَصِحُّ مِن سِتَّةٍ وثلاثينَ. فإن كان مكانَ الأختِ أخٌ، فالباقِي بينَهما نِصْفَين، وتَصِحُّ مِن أربعةٍ وعشرينَ. وإن كانَا أُخْتَين قاسَمَهما، وتَصِحُّ من ثمانيةٍ وأربعينَ. فإن كان أخٌ وأُختٌ، أو ثلاثُ أخَواتٍ، حَجَبُوا الأُمَّ إلى
стр. 8658
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
السُّدْسِ وقَسَمُوا الباقِيَ بينَهم على خَمْسةٍ، وصَحَّت من سِتِّينَ. فإن زادُوا على ذلك اسْتَوَى ثُلُثُ الباقِي والمُقاسَمةُ، فافْرِضْ له ثُلُثَ الباقِي واضْرِبِ المسألةَ في ثلاثةٍ تَكنْ سِتَّةً وثلاثينَ، ويَبْقَى له ولهم أحَدٌ وعِشْرُونَ، يَأْخُذُ ثُلُثَها سَبْعَةً، والباقِي لهم، فإن لم تَصِحَّ عليهم، ضَرَبْتَهم أو (١) وَفْقَهم في سِتَّةٍ وثلاثينَ، فما بَلَغَ فمنه تَصِحُّ. فإن كانوا مِن جِهَتَينِ اخْتَصَّ بالباقِي ولَدُ الأبَوَين.
فصل: زوجةٌ وأختٌ وجدٌّ وجدَّةٌ، فهي كالتي قبلَها في فُروعِها، إلَّا في أنَّ للجدَّةِ السُدْسَ معَ الأختِ الواحدةِ والأخِ الواحدِ. فإن كانوا أكثرَ مِن واحدٍ فحكمُ الجَدَّةِ والأُمِّ واحدٌ. وإن لم يكنْ معهم جدَّةٌ فهي مِن أربعةٍ، للزَّوْجةِ الرُّبْعُ، ويَبْقَى ثلاثةٌ؛ للجَدِّ سَهْمَان، وللأُختِ سَهْمٌ. فإن كان معها أُختٌ أُخْرَى، فالباقي بينَهم على أربعةٍ، وتَصِحُّ مِن سِتَّةٍ عَشَرَ. وإن كان مكانَهما (٢) أخٌ صَحَّت مِن ثمانيةٍ، فإن كان أخٌ وأُختٌ أو ثَلاثُ أخَواتٍ فالباقِي بينَهم على خَمْسَةٍ، وتَصِحُّ مِن عِشرينَ. وإن زادوا على هذا فأعْطِه ثُلُثَ الباقِي سَهْمًا، واقْسِمِ الباقِيَ (٣) على الباقِين، فإن كانوا مِن الجِهَتَين فلا شيءَ لولدِ الأبِ؛ لأنَّ الباقيَ بعدَ نصيبِ الجَدِّ لا يزيدُ على النِّصْفِ، وهو أقلُّ فَرْضٍ لولدِ الأبَوَين.
فَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ أَخٌ آخَرُ صَحَّتْ مِنْ تِسْعِينَ، وَتُسَمَّى تِسْعِينِيَّةَ زَيدٍ.
ــ
مِن أربعةٍ وخَمْسينَ على ما ذَكَرنا، وإن قاسَم الإِخوَةَ أعطَيتَ الأُمَّ السُّدْسَ سَهْمًا، يَبْقَى خَمْسَةٌ مَقْسُومَةٌ على الجَدِّ والأخِ وأُختين على سِتَّةٍ، فتَضْرِبُها في أَصلِ المَسألةِ تَكُنْ سِتَّةً وثلاثينَ؛ للأُمِّ سِتةٌ، وللجَدِّ عَشَرَةٌ، وللأُخْتِ للأبوَين ثمانِيةَ عَشَرٍ، يَبْقَى سَهْمان على الأخِ مِن الأبِ وأُختِه، لا يَصِحُّ، فإذا ضَرَبْتَ ثلاثَةً في ستةٍ وثلاثِينَ تكنْ مِائةً وثمانِيَةً، وتَرْجِعُ بالاخْتِصارِ إلى نِصْفِها أرْبعةٍ وخمسين؛ لأنَّها تَتَّفِقُ بالنِّصْفِ، فلهذا سُمِّيَت مُخْتَصَرَة زَيدٍ (ولو كانَ معهم أخٌ آخرُ) مِن أبٍ (صَحَّت من تِسعينَ، وتُسَمَّى تِسْعِينِيَّةَ زَيدٍ) لأنَّا نَدْفَعُ إلى الأُمِّ ثلاثَةً، وإلى الجَدِّ ثُلُثَ الباقِي خَمْسةً، وإلى الأُخْتِ للأَبوَين تِسعَةً، يَبْقَى سهمٌ لأولادِ الأبِ على خَمْسَةٍ، لا تَصِحُّ عليهم، إذا ضَرَبْتَها في ثمانِيةَ عَشَرَ تكُنْ تِسعينَ. وهذا التَّفْرِيعُ كُلُّه على مَذْهبِ زيدٍ؛ لكونِه يُوَرِّثُ الإِخوةَ مع الجَدِّ.
فصل: أُمٌّ أو جَدَّةٌ وأُختان وجَدٌّ، المُقاسَمَةُ خيرٌ للجَدِّ، ويَبْقَى خَمْسَةٌ على أَرْبَعةٍ، وتَصِحُّ من أربعةٍ وعِشْرين. أُمٌّ وأخٌ وأُختٌ وَجَدٌّ، تَصِحُّ مِنْ سِتَّةٍ، للجَدِّ سَهْمان. أُمٌّ وأخَوانِ، أو أخٌ وأُختان، أو أربعُ أخواتٍ، وجَدٌّ، المُقاسَمَةُ وثُلُثُ الباقِي سواءٌ، فإن زَادُوا على ذلكَ فُرِض للجَدِّ ثُلُثُ الباقِي، وصَحَّت من ثَمانيةَ عَشرَ؛ للأُمِّ ثلاثةٌ، وللجَدِّ خَمْسَةٌ، يبقَى عَشَرَةٌ للإِخْوةِ والأخَواتِ، فتَصِحُّ عليهم. بِنْتٌ وأُخْتٌ وجَدٌّ، للبِنْتِ
стр. 8665
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النِّصْفُ، وما بَقِي بينَ الأُخْتِ والجَدِّ على ثَلاثَةِ أسْهُمٍ؛ للجَدِّ سَهْمان، وللأُخْتِ سَهْمٌ؛ لأنَّ المُقاسَمَةَ ههُنا أحَظُّ له. وفي [قولِ عليٍّ] (١)، ﵁: للبِنْتِ النِّصْفُ، وللجَدِّ السُّدْسُ، والباقِي للأُخْتِ. وعندَ ابنِ مسعودٍ، الباقي بينَ الجَدِّ والأُخْتِ نِصْفَين؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما إذا انفرَد أخَذ المال بالتَّعْصِيبِ، فإذا اجْتَمَعا اقْتَسَما، كما لو كان مَكانَها أخٌ. وأمّا عليٌّ فبَنَى عَلَى أصْلِه في أنَّ الأخَواتِ لا يُقاسِمْنَ الجَدَّ، وإنَّما يُفْرَضُ لَهُنَّ، فلم يَفْرِضْ لها ههُنا؛ لأنَّ الأُخْتَ مع البنتِ عَصَبَةٌ، وأعْطَى الجَدَّ السُّدْسَ، كما لو انْفَرَدَ معها، وجَعَل الباقيَ لها. ولنَا، أنَّ الجَدَّ يُقاسِمُ الأُخْتَ فيأْخُذُ مِثْلَيها إذا كان معها أخٌ، فكذلكَ إذا انْفَرَدَت. وهذه إحدى مُرَبَّعاتِ ابنِ مسعودٍ.
فصل: بِنْتٌ وأخٌ وجَدٌّ، للبِنْتِ النِّصْفُ، والباقِي بينَ الأخِ والجَدِّ نِصْفَين. وإنْ كان معه أُخْتُه فالباقي بينَهم على خَمْسَةٍ. وإن كان أخَوان، أو أخٌ وأُخْتان، أو أرْبَعُ أخَواتٍ، اسْتَوَى ثُلُثُ الباقي والسُّدْسُ والمُقاسَمَةُ، فإن زادُوا فلا حَظَّ له في المُقَاسَمَةِ ويأْخُذُ السُّدْسَ، والباقي لهم. فإن كانوا مِن الجِهَتَين فليس لوَلَدِ الأبِ شيءٌ، والباقي لولدِ الأبوَين. بِنْتٌ وأُخْتان وجَدٌّ، الباقي بينَ الجَدِّ والأُخْتَين على أربَعَةٍ، وتَصِحُّ مِن ثمانِيَةٍ. فَإن كُنَّ ثلاثَ أخَوَاتٍ فالباقي بينَهم على خَمْسَةٍ. فإن كُنَّ أكثَرَ مِن أَرْبَعٍ فله الثُّلُثُ
стр. 8666
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أو سُدْسُ الباقي، والباقي لَهُنَّ.
فصل: بِنْتَان أو أكْثَرُ، أو بِنْتٌ وبِنْتُ ابنٍ وأُخْتٌ وجَدٌّ، للبِنتَين الثُّلُثان، والباقي بينَ الجَدِّ والأُخْتِ على ثلاثةٍ، وتَصِحُّ مِن تِسْعَةٍ، وإن كان مَكَانَها أَخٌ، فالباقي بينَهما نِصْفَين، وتَصِحُّ من سِتَّةٍ. وإن كان مَكَانَه أُخْتان صَحَّت مِن اثْنَيْ عَشَرَ. ويَسْتَوي في هاتَين المَسْألَتَين السُّدْسُ والمُقاسَمَةُ. فإن زادوا عن أخٍ أو عن أُخْتَين فَرَضْتَ للجَدِّ السُّدْسَ وكان الباقِي لهم، فإن كان معَهم أُمٌّ أو جَدَّةٌ فللجَدِّ السُّدْسُ، ولا شيءَ للإِخْوَةِ والأخَوَاتِ.
فصل: زَوْجٌ وأُخْتٌ وجَدٌّ، للزَّوْجِ النِّصْفُ، والباقي بينَهما على ثلاثةٍ. وعندَ عليٍّ وابنِ مسعودٍ: للأُخْتِ النِّصفُ، وللجَدِّ السُّدْسُ، وعَالت إلى سَبْعَةٍ. وإن كان مع الأُخْتِ أخْرَى، فالباقي بينَهم على أَرْبَعَةٍ. وعندَهما، لهما الثُّلُثان، وتَعُولُ إلى ثَمانِيَةٍ. وإن كان مَكانَهما أخٌ، فالباقي بينَهما نِصْفين. وإن كان أخٌ وأُخْتٌ، أو ثَلاثُ أَخَواتٍ، قاسَمَهُمُ (١) الجَدُّ. وإن كان أَخَوانِ أو مَنْ يَعْدِلُهما، اسْتَوى السُّدْسُ والمُقاسَمَةُ. فإنْ زادُوا فَرَضْتَ له السُّدْسَ، والباقي لهم. فإن كان زَوْجٌ وبِنْتٌ وأُخْتٌ وجَدٌّ، فللزَّوْجِ الرُّبْعُ، وللبِنْتِ النِّصفُ، والباقي بينَهما على ثلاثَةٍ. ويَسْتَوي السُّدْسُ ههُنا والمُقاسَمَةُ. فإن زادوا على أُخْتٍ فَرَضْتَ للجَدِّ السُّدْسَ، والباقي لهم. وإن كان مع الزَّوْجِ بِنْتان، أو بنتٌ وبنتُ ابنٍ،
стр. 8667
فَصْلٌ: وَلِلْأُمِّ أَرْبَعَةُ أحْوَالٍ؛ حَالٌ لَهَا السُّدْسُ، وَهِيَ مَعَ وُجُودِ الْوَلَدِ أَوْ وَلَدِ الابْنِ أَو اثْنَينِ مِنَ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ. وَحَالٌ
ــ
أو بنتٌ وأُمٌّ أو جَدّةٌ، سقَط الإِخوةُ والأخواتُ، وفرضْتَ للجَدِّ السُّدْسَ، وعالت إلى ثلاثةَ عَشَرَ.
فصل: زوجةٌ وبنتٌ وأُختٌ وجَدٌّ، الباقِي بينَ الجَدِّ والأختِ على ثلاثةٍ، وتَصِحُّ مِن ثمانيةٍ. فإن كان مكانَ الأُختِ أخٌ أو أُخْتان، فالباقي بينَهم نِصفَين، وتَصِحُّ مع الأخِ مِن سِتَّةَ عَشَرَ، ومع الأُخْتَين مِن اثْنَين وثَلاثِينَ. وإن زادُوا فُرِضَ للجَدِّ السُّدْسُ، وانتَقَلَتِ المَسأَلةُ إلى أربَعَةٍ وعشرين، ثم تُصَحِّحُ (١) على المُنْكَسِر علَيهم. وإن كان معِ الزَّوْجَةِ ابْنَتَانِ أو أكْثَرُ، أو بِنْتٌ وبِنْتُ ابْنٍ، أو بِنْتٌ وأُمٌّ وجَدَّةٌ، فَرَضْت للجَدِّ السُّدْسَ، ويَبْقَى للإِخْوَةِ والأَخَواتِ سَهْمٌ مِن أربَعةٍ وعِشرينَ.
فصل: قال، ﵁: (وللأُمِّ أربَعةُ أحوالٍ؛ حالٌ لها السُّدْسُ، وهي مع وُجُودِ الوَلَدِ ووَلَدِ الابنِ أو اثنَين مِن الإِخْوَةِ
стр. 8668
لَهَا الثُّلُثُ، وَهِيَ مَعَ عَدَمِ هَؤُلَاءِ. وَحَالٌ لَهَا ثُلُثُ مَا بَقِيَ، وَهِيَ فِي زَوْجٍ وَأَبَوَينِ، وَامْرأَةٍ وَأَبَوَينِ، لَهَا ثُلُثُ الْبَاقِي بَعْدَ فَرْضِ الزَّوْجَينِ. وَحَالٌ رَابعٌ، وَهِيَ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِوَلَدِهَا أَبٌ، لِكَوْنِهِ وَلَدَ زِنًى أَوْ مَنْفِيًّا بِلِعَانٍ، فَإِنَّهُ يَنْقَطِعُ تَعْصِيبُهُ مِنْ جِهَةِ مَنْ نَفَاهُ، فَلَا يَرِثُهُ هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ عَصَبَاتِهِ، وَتَرِثُ أُمُّهُ وَذَوُو الْفَرْضِ مِنْهُ فُرُوضَهُمْ.
ــ
والأخَواتِ. وحالٌ لها الثُّلُثُ، وهي مع عَدَمِ هؤلاء. وحالٌ لها ثُلُثُ ما بَقِيَ، وهي في زَوْجٍ وأبَوَين، وامرأةٍ وأبوين، لها ثُلُثُ الباقي بعدَ فَرْضِ الزَّوْجَين. وحالٌ رابعٌ، وهي إذا لم يكنْ لوَلَدِها أَبٌ؛ لِكونِه وَلَدَ زِنًى أو مَنْفِيًّا بلِعانٍ، فإنَّه يَنْقَطِعُ تعصِيبُه مِن جِهَةِ مَن نَفاه، فلا يَرِثُه هو ولا أحَدٌ مِن عَصَباتِه) وجملتُه، أنَّ الأُمَّ لها الأربعةُ الأحوالُ المَذْكُورَةُ، أمّا اسْتِحْقاقُها الثُّلُثَ مع عَدَمِ الوَلَدِ ووَلَدِ الابنِ، والاثْنَين مِن الإِخوةِ والأخواتِ مِن أيِّ الجِهاتِ كانوا، فلا نَعلَمُ في ذلك خِلافًا بينَ أَهلِ العلم. وقد دَلّ عليه قوْلُه تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾. وأمّا اسْتِحْقاقُها السُّدْسَ إذا كان للمَيِّتِ وَلَدٌ أو وَلَدُ ابنٍ أو
стр. 8669
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اثْنان (١) مِن الأخَواتِ، فهو قولُ الجُمْهُورِ. وقال ابنُ عباسٍ: لا يَحْجُبُ الأُمَّ عن الثُّلُثِ إلى السُّدْسِ مِن الإِخْوَةِ والأخَواتِ إلا ثلاثةٌ. وحُكِي ذلك عن معاذٍ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾. وأقلُّ الجمعِ ثلاثةٌ.
ورُوِيَ أنَّ ابنَ عباسٍ قال لعُثمانَ، ﵄: ليس الأخَوانِ إِخْوَةً في لِسانِ قومِكَ، فَلِمَ تَحْجُبُ بهما الأُمَّ؟ فقال: لا أستطيعُ أنْ أرُدَّ شيئًا كانَ قَبْلِي ومَضَى في البُلدانِ وتوارَثَ النّاسُ به (٢). ولَنا، قولُ عثمانَ هذا، فإنَّه يَدُلُّ على الإِجْماعِ، ثم (٣) هو قبلَ مُخالفَةِ ابنِ عبَّاسٍ. ولأنَّ كلَّ حَجْبٍ تَعَلَّقَ بعَدَدٍ كان أوَّلُه اثنينِ، كحَجْبِ البناتِ بناتِ الابْنِ، والأَخواتِ مِن الأبوَينَ الأخواتِ مِن الأَبِ، والإِخوةُ تُسْتعْمَلُ في الاثْنينِ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَينِ﴾ (٤). وهذا الحُكمُ ثابتٌ في أخٍ وأُخْتٍ. ومِن أهلِ اللُّغةِ مَن يَجْعلُ الاثنين جَمْعًا حَقِيقةً، ومنهم مَن يَسْتَعْمِلُه مَجازًا فيَصْرِفُ إليه بالدَّلِيلِ. ولا فَرْقَ في حَجْبِها بينَ الذَّكرِ والأُنثى؛ لقولِه تعالى: ﴿إِخْوَةٌ﴾. وهذا يَقعُ على الجَميعِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً
стр. 8670
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رِجَالًا وَنِسَاءً﴾. ففَسَّرَهم بالرِّجالِ والنِّساءِ.
وأمَّا اسْتِحْقَاقُها ثُلُثَ الباقِي في زوجٍ وأبَوين، وامْرَأةٍ وأبَوَينٍ، فهاتان المَسألَتان تُسَمَّى العُمَرِيَّتَينِ (١)؛ لأنَّ عمرَ، ﵁، قَضَى بذلك فاتَّبَعَه عُثمانُ، وزَيدُ بنُ ثابِتٍ، وابنُ مسعودٍ. ورُوِيَ ذلك عن عليٍّ. وبه قال الحَسَنُ، والثَّوْرِيُّ، ومالِكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي. وجَعَل ابنُ عبَّاسٍ ثُلُثَ المالِ كُلَّه للأُمِّ في المَسألَتَينِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى فَرَض لها الثُّلُثَ عند عَدَمِ الوَلَدِ والإِخْوَةِ، وليسَ ههُنا وَلَدٌ ولا إِخْوَةٌ. ويُرْوَى ذلك عن عليٍّ. ويُروَى عن شرَيحٍ ذلك في زَوْجٍ وأَبَوَينِ. وقال ابنُ سِيرِينَ كقَوْلِ الجَماعَةِ في زَوْجٍ وأَبَوينِ، وكقَولِ ابنِ عبَّاسٍ في امْرَأَةٍ وأَبَوينِ. وبه قال أبو ثَوْرٍ؛ لأنَّنا لو فَرَضْنا للأُمِّ ثُلُثَ المالِ في زَوْجٍ وأبَوينِ، لفَضَّلْناهَا على الأبِ، ولا يَجوزُ ذلك، وفي مَسألةِ الزَّوجَةِ لا يُؤَدِّي إلى ذلك. واحتجَّ ابنُ عبَّاسٍ بعُمومِ قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾. وقولِه ﵇: «أَلْحِقُوا الفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فما بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» (٢). والأَبُ ههُنا عَصَبَةٌ، فيَكونُ له ما فَضَلَ عن ذَوي الفُروضِ، كما لو كان مَكانَه جَدٌّ.
стр. 8671
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال شَيخُنا (١): والحُجَّةُ معه لَوْلا انْعِقادُ الإِجْماعِ مِن الصَّحابةِ على مُخالفَتِه. ولأنَّ الفَرِيضَةَ إذا جَمَعَت أبَوَين وذا فَرْضٍ، كان للأُمِّ ثُلُثُ الباقِي، كما لو كان معهم بِنْتٌ. ويُخالِفُ الأبُ الجَدَّ؛ لأنَّ الأبَ في دَرَجتِها، والجَدَّ أَعْلى منها. وما ذَهَب إليه ابنُ سِيرِينَ تَفْرِيقٌ في مَوْضِعٍ أجْمَع الصَّحابَةُ على التَّسْويَةِ فيه، ثم إنَّه مع الزَّوْجِ يَأْخُذُ مثلَ ما أَخَذَتِ الأُمُّ، كذلك مع المَرْأَةِ، قِياسًا عليه. فَأمّا الحالُ الرابعُ، وهي إذا كان وَلَدُها مَنفيًّا بلِعانٍ، فإنَّ الرجلَ إذا لاعَن امرأتَه وانْتَفَى مِن (٢) ولدِها وفَرَّقَ الحاكِمُ بينَهما، انتَفَى ولدُها عنه وانْقَطعَ تعْصِيبُه مِن جِهَةِ المُلاعِنِ، فلم يَرِثْه هو ولا أحَدٌ مِن عَصَباتِه، وتَرِثُ أُمُّه وذَوُو الفُرُوضِ منه فُرُوضَهم، ويَنْقَطِعُ التَّوارُثُ بينَ الزَّوْجَين. لا نَعْلَمُ بينَ أهلِ العِلمِ في هذه المسألَةِ خِلافًا. فأمّا إن ماتَ أحدُهم قبلَ تَمامِ اللِّعانِ بينَ الزَّوْجَين وَرِثَه الآخَرُ
стр. 8672
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في قولِ الجمهورِ. وقال الشَّافِعِيُّ: إذا أكْمَلَ الزَّوْجُ لِعانَهُ لم يَتَوارثا. وقال مالكٌ: إن مات الزوجُ بعدَ لِعانِه، فإن لاعَنَتِ المرأةُ لمْ تَرِثْ ولم تُحَدَّ، وإن لم تُلاعِنْ وَرِثَتْ وحُدَّتْ. وإن ماتَت هي بعدَ لِعانِ الزَّوْجِ وَرِثَها في قولِ جميعِهم، إلَّا الشافعيَّ. فإن تَمَّ اللِّعانُ بينَهما فمات أحَدُهما قبلَ تَفْرِيقِ الحاكِمِ بَينَهما لم يَتَوارَثا، في إحدَى الرِّوايَتَين. وهو قَوْلُ مالكٍ، وزُفَرَ. ورُوِيَ نحوُ ذلك عن الزُّهْرِيِّ، ورَبِيعَةَ، والأوْزاعِيِّ، وداودَ؛ لأنَّ اللِّعانَ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ المُؤبَّدَ، فلم يُعْتَبَرْ في حُصولِ الفُرْقَةِ به التفريقُ بينَهما، كالرَّضاعِ. والثانيةُ، يَتَوارَثان ما لم يُفَرِّقِ الحاكمُ. وهو قَوْلُ أبي حنيفةَ وصاحبَيه؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ فَرَّق بينَ المُتَلاعِنَين، ولو حَصَل التَّفْرِيقُ باللِّعانِ لم يُحْتَجْ إلى تَفرِيقِه. وإن فَرَّق الحاكِمُ بينَهما قبلَ تَمامِ اللِّعانِ لم تَقَعِ الفُرْقَةُ ولم يَنْقَطِعِ التَّوارُثُ في قولِ الجمهورِ. وقال أبو حنيفَةَ وصاحِباهُ: إن فَرَّق بينَهما بعدَ أن تَلاعَنا ثلاثًا وَقَعَتِ الفُرْقَةُ وانْقَطَع التَّوارُثُ؛ لأنَّه وُجِدَ منهما مُعْظَمُ اللِّعانِ، وإن فَرَّقَ بينَهما قبلَ ذلك لم يَنْقَطِعِ التَّوارُثُ ولم تَقَعِ الفُرْقَةُ. ولَنا، أنَّه تَفْرِيقٌ قبلَ تَمامِ اللِّعانِ، أَشْبَهَ التَّفْرِيقَ قبلَ الثَّلاثِ. وهذا الخِلافُ في تَوارُثِ الزَّوجَين. فأمّا الولدُ، فالصَّحيحُ أنَّه يَنْتَفِي عن المُلاعِنَ (١) إذا تمَّ اللِّعانُ
стр. 8673
وَعَصَبَتُهُ عَصَبَةُ أُمِّهِ. وَعَنْهُ، أَنَّهَا هِيَ عَصَبَتُهُ
ــ
بينَهما مِن غيرِ اعْتبارِ تفريقِ الحاكِمِ؛ لأنَّ انتفاءَه بنَفْيِه لا بِقولِ الحاكِمِ: فرَّقْتُ بَينَكما. فإن لم يَذْكُرْه في اللِّعانِ لم يَنْتَفِ عن المُلاعِنِ ولم يَنْقَطِعِ التَّوارُثُ بَينَهُما. وقال أبو بكرٍ: يَنْتَفِي بزَوالِ الفِراشِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ نَفَى الوَلَدَ عن المُلاعِنِ وألْحَقه بأمِّه (١)، ولم يَذْكُرْه الرجلُ في لِعانِه. ويُحَقِّقُ ذلك أنَّ الولدَ كان حَمْلًا في البَطْنِ، فقال النبيُّ ﷺ : «انْظُرُوهَا، فَإن جاءَت بِه أُحَيمِرَ كَأنَّه وَحَرَةٌ حَمْشَ السَّاقَين، فَلَا أَرَاهُ إلا قَدْ كَذَبَ عَلَيهَا، وَإنْ جَاءَتْ بِهِ جَعْدًا جُمَالِيًّا خَدَلَّجَ السَّاقَينِ سَابِغَ الألْيَتَينِ، فهو لِلَّذِي رُمِيَتْ بِهِ» (٢). فأتَتْ به على النَّعْتِ المَكْرُوهِ.
٢٧٩١ - مسألة: (وعَصَبَتُه عَصَبَةُ أُمِّه. وعنه، أَنَّهَا هي عَصَبَتُه) اخْتَلَفَ أهلُ العِلْمِ في مِيراثِ الوَلَدِ المَنْفِيِّ باللِّعانِ، فرُوىَ عن أحمدَ فيه
стр. 8674
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَعَصَبَتُهَا عَصَبَتُهُ.
ــ
روايتان؛ إحداهما، أنَّ عَصَبَتَه عَصَبَةُ أُمِّه. نَقَلَها الأثْرَمُ وحنبلٌ. يُرْوَى ذلك عن عليٍّ، وابنِ عباسٍ، وابنِ عمرَ. وبه قال الحسنُ، وابنُ سيرينَ، وجابِرُ بنُ زَيدٍ، وعطاءٌ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والحَكَمُ، وحَمَّادٌ، والثَّوْرِيُّ، والحَسَنُ بنُ صالحٍ، إلَّا أنَّ عليًّا يَجْعَلُ ذا السهم مِن ذَوي الأرحامِ أحَقَّ ممَّن لا سهمَ له، وقَدَّمَ الرَّدَّ على غيرِه. والرِّوايةُ الثانيةُ، أنَّ الأمَّ عَصَبَتُه، (فإن لم تَكُنْ، فعَصَبَتُها عَصَبَتُه). نَقَلَها أبو الحارِثِ ومُهَنَّا. وهذا قولُ ابنِ مسعودٍ. ورُوِيَ نحوُه (١) عن عليٍّ، ومكحولٍ، والشَّعْبِيِّ؛ لما روَى عمرُو بنُ شُعَيبٍ عن أبيهِ عن جَدِّه، أنَّ النبيّ ﷺ جَعَل ميراثَ ابنِ المُلاعِنَةِ لأُمِّه ولوَرَثَتِها مِن بعدِها (٢). ورواه أيضًا مكحولٌ عن النبيِّ ﷺ مرسلًا (٣). وروَى واثِلَةُ
стр. 8675
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ابنُ الأسقَعِ عن النبيِّ ﷺ قال: «تَحُوزُ المَرْأةُ ثَلَاثةَ مَوَارِيثَ؛ عَتِيقَهَا، وَلَقِيطَهَا، وَوَلَدَهَا الَّذِي لاعَنَتْ عَلَيهِ» (١). وعن عبدِ اللهِ بنِ عُبَيدِ بنِ عُمَير، قال: كَتَبْتُ إلى صديق لي مِن أهلِ المدينةِ مِن بني زُرَيقٍ أسألُه عن ولدِ المُلاعِنَةِ، لمَن قَضَى به رسولُ اللهِ ﷺ ؟ فكَتَب إليَّ: إنِّي سَأَلْتُ، فَأُخْبِرْتُ أنَّ النبيَّ ﷺ قَضَى به لأمِّه، هي بمنزِلَةِ أَبيه وأُمِّه (٢). رواهُنَّ أبو داودَ. ولأنَّها قامَتْ مَقامَ أُمِّه وأبيه في انتِسابِه إليها، فقامَت مَقامَهما في حِيازَةِ مِيراثِه، ولأنَّ عَصَباتِ الأُمِّ أدْلَوْا بها، فلم يَرِثُوا معها، كأقارِبِ الأبِ معه. وكان زيدُ بنُ ثابتٍ يُوَرِّثُ مِن ابنِ المُلاعِنَةِ، كما يُوَرِّثُ مِن غيرِ ابنِ المُلاعِنَةِ، ولا يَجْعَلُها عَصَبَةَ ابْنِها (٣)، ولا عَصَبَتَها عَصَبَتَه، فإن كانَتْ أُمُّه مَوْلَاةً لقومٍ جَعَل الباقِيَ مِن مِيراثِها لمَوْلاها، فإن لم تَكُنْ مَوْلاةً جُعِلَ (٤) لبيتِ المالِ. وعن ابنِ عباس نَحْوُه. وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعُرْوَةُ، وسليمانُ بنُ يَسارٍ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، والزُّهْرِيُّ، ورَبِيعَةُ، وأبو الزِّنادِ، ومالكٌ، وأهلُ المدينةِ، والشافعيُّ،
стр. 8676
فَإذَا خَلَّفَ أُمًّا وَخَالًا، فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ وَبَاقِيهِ لِلْخَالِ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الأخْرَى، الْكُلُّ لِلأُمِّ.
ــ
وأبو حنيفةَ، وصاحِباه، وأهلُ البصرةِ، إلَّا أنَّ أبا حنيفةَ وأهلَ البصرةِ جَعَلُوا الرَّدَّ وذَوي الأرْحامِ أحقَّ مِن بيتِ المالِ؛ لأنَّ الميراثَ إنَّما يَثْبُت بالنَّصِّ، ولا نَصَّ في تَوْرِيثِ الأمِّ أكثرَ مِن الثُّلُثِ، ولا في تَوْرِيثِ أخٍ مِن أُمٍّ أكثرَ مِن السُّدْسِ، ولا في تَوْرِيثِ أبي الأُمِّ وأشْباهِه مِن عَصَباتِ الأُمِّ، ولا قِياسَ أيضًا، فلا وَجْهَ لإثْباتِه. ووجهُ الرِّوايةِ الأُولَى قولُ النبيِّ ﷺ : «ألْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَلِأوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» (١). وأَوْلَى الرجالِ بهِ أقاربُ أُمِّهِ. وعن عمرَ، ﵁، أنَّه ألْحَق وَلَدَ المُلاعِنَةِ بعَصَبَةِ أمِّه. وعن عليٍّ، ﵁، أنَّه لمَّا رَجَم المرأةَ دعا أولياءَها، فقال: هذا ابنُكم، ترِثُونه ولا يَرِثُكِم، وإن جَنَى جِنايَةً فعليكم (٢). حَكاه الامامُ أحمدُ عنه. ولأنَّ الأُمَّ لو كانتْ عَصَبَةً كأبيه لحَجَبَت إخوتَه. ولأنَّ مَوْلاها مَوْلَى أوْلادِها، فيَجِبُ أن يكونَ عَصَبَتُها عَصَبَتَه، كالأبِ.
٢٧٩٢ - مسألة: (فإذا خَلَّفَ أُمًّا وخالًا، فلأُمِّه الثُّلُثُ) بلا خِلافٍ (والباقِي للخالِ) لأنَّه عَصَبَةُ أُمِّه (وعلى الرِّوايَةِ الأُخْرَى، الكلُّ للأمِّ) وهذا قولُ عليٍّ، وابنِ مسعودٍ، وأبي حنيفةَ
стр. 8677
فَإنْ كَانَ مَعَهُمْ أخٌ لأُمٍّ فَلَهُ السُّدْسُ وَالْبَاقِي لَهُ، أوْ لِلْأُمِّ عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ.
ــ
ومُوافِقِيه، إلَّا أنَّ ابنَ مسعودٍ يُعْطِيها إيَّاهُ؛ لكَوْنِها عَصَبَتَه، والباقونَ بالرَّدِّ، وعن زيدٍ، الباقي لبيتِ المالِ (فإن كان معهما أخٌ لأمٍّ فله السُّدْسُ، والباقِي له) إن قُلْنا: إنَّه العَصَبَةُ. على الرِّوايةِ الأُولَى. وعلى الأُخْرَى، الكلُّ للأمِّ. ولا شيءَ للخالِ على الرِّوايَتَين. فإن كانَ معهما مَوْلَى أُمٍّ فلا شيءَ له عندَنا. وقال زيدٌ ومَن وافَقَه، وأبو حنيفةَ: الباقي له. وإن لم يَكُنْ لأمِّه عَصَبَةٌ إلَّا مَوْلاها، فالباقي له إذا قُلْنا: عَصَبَتُها عَصَبَتُه. وعلى الرِّوايةِ الأخرَى، هو للأُمِّ. وهو قولُ ابنِ مسعودٍ؛ لأنَّها عَصَبَةُ ابنِها.
فصل: فإن لم يُخلِّفْ إلَّا أُمَّه، فلها الثُّلُثُ فَرْضًا والباقي بالرَّدِّ. وهو قولُ عليٍّ وسائرِ مَن يرَى الرَّدَّ. وفي الرِّوايةِ الأُخْرَى، لها الباقي بالتَّعْصِيبِ. فإن كان مع الأُمِّ عَصَبَة لها، فهل يكونُ الباقي لها أولَه؟ على رِوايَتَين ذَكَرناهما.
فإن كان لها عَصَباتٌ، فهو لأقْربِهم منها على الرِّوايةِ الأُولَى. فإذا كان معها أبوها وأخُوها فهو لأبيها، فإن كان مكانَ الأبِ جَدٌّ فهو بينَ أخيها وجَدِّها نِصْفين، فإن كان معهم ابْنُها -وهو أخوه لأُمِّه- فلا شيءَ لأخيها، ويكونُ لأمِّه الثُّلُثُ ولأخيه السُّدْسُ ولأخيه الباقي، أو (١) ابنِ أخيهِ. وإن خَلَّفَ أُمَّه وأخاه وأختَه، فلكلِّ واحدٍ منهمُ السُّدْسُ، والباقي لأخيه دونَ أُخْتِه. وإن خَلَّفَ ابنَ أخيِه وبِنْتَ أَخِيه، أو خاله وخالته،
стр. 8678
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فالبَاقِي للذَّكَرِ. وإن خَلَّف أُخْتَه وابنَ أُخْتِه، فلأُخْتِه السُّدْسُ والباقي لابنِ أخْتِه. وعلى الرِّوايةِ الأُخْرَى، الكلُّ للأمِّ في [هذه المَواضِعِ] (١).
فصل: ابنُ مُلاعِنَةٍ مات وتَرَك بِنْتًا وبِنْتَ ابْن ومَوْلَى أُمِّه، البَاقِي لمَوْلَى الأُمِّ في قولِ الجمهورِ. وقال ابنُ مَسْعودٍ: الرَّدُّ أوْلى مِن المَوْلَى. فإن كان معهم أُمٌّ فلها السُّدْسُ، وفي الباقي رِوايتان؛ إحْداهما، للمَوْلَى. وهو قولُ الأكْثَرينَ. والثانيةُ، للأُمِّ. وهو قولُ ابنِ مسعودٍ. فإن لم يكنْ معهم مَوْلًى فالباقي مَرْدُودٌ عليهم في إحْدَى الرِّوايَتَين. والأُخْرى، هو للأمِّ. فإن كان معهم أخٌ فلا شيءَ له بالفَرْضِ، وله الباقي في روايةٍ. والأُخْرى، هو للأُمِّ.
بنتٌ وأخٌ، أو ابنُ أخٍ أو خالٌ، أو أبو أُمٍّ، أو غيرُهم مِن العَصبَاتِ؛ للبنتِ النِّصْفُ، والباقي للعَصَبَةِ، في قولِ العبادِلَةِ. وإن كان معها أخٌ و (٢) أخْتٌ، أو ابنُ أخٍ وأخْتُه، أو خالٌ وخالةٌ، فالباقي للذَّكَرِ وَحْدَه في قولِهم. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: المالُ للبنْتِ بالفَرْضِ والرَّدِّ. ورَوَوْا ذك عن عليٍّ، ﵇، أنَّه جَعَل ذا السَّهْمِ أحَقَّ ممَّن لا سَهْمَ له، وأنَّه وَرَّث ابنَ مُلاعِنَةٍ ذَوي أرْحامِه كما يَرِثُون من غَيرِه. قال ابنُ اللَّبَّانِ: وليس هذا مَحْفُوظًا عن عليٍّ، إنَّما المشْهورُ عنه قولُه لأولياءِ المرْجومَةِ عنٍ ابْنِها: هذا ابْنُكم، تَرِثُونه ولا يَرِثُكم، فإن جَنَى جِنايةً
стр. 8679
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فعليكم. وفسَّر القاضي قولَ أحمدَ: إن، يكنْ أمٌّ فَعَصَبَتُها عَصَبَتُه. بتقديمِ الردِّ على عَصَبَةِ الأُمِّ، كقولِه في أُخْتٍ وابنِ أخٍ: المالُ كلُّه للأُخْتِ. قال شيخُنا (١): وهذا تفسيرٌ للكلامِ بضِدِّ ما يَقْتَضِيه، وحَمْلٌ للَّفْظِ على خلافِ ظاهرِه، وإنَّما هذه الرِّوايةُ كمذهبِ ابنِ مسعودٍ وروايةِ الشَّعْبيِّ عن عليٍّ وعبدِ اللهِ، أنَّهما قالا: عصبةُ ابنِ المُلاعِنَةِ أمُّه، تَرِثُ ماله أجْمَعَ، فإن لم يكْن أمٌّ فعصبتُها عصبتُه.
امرأةٌ وجَدَّةٌ وأُخْتان وابنُ أخٍ؛ للمرأَةِ الرُّبْعُ، وللجَدَّةِ السُّدْسُ، وللأُخْتَين الثُّلُثُ، والباقي لابنِ الأخِ، في الروايتَين جميعًا. وقال أبو حنيفةَ: الباقي يُرَدُّ على الأُخْتَين والجَدَّةِ. وهو قولُ القاضي في الروايةِ الثَّانيةِ.
أبو أمٍّ وبنتٌ وابنُ أخٍ وبنتُ أخٍ، الباقي لابنِ الأخِ وَحْدَه. ويَحْتَمِلُ أن يكون لأبي الأُمِّ سُدْسُ باقِي المالِ، وخَمْسَةُ أسْداسِه لابنِ الأخِ. وقال أبو حنيفةَ: المالُ بينَ أبي الأُمِّ والبِنْتِ، على أرْبَعَةٍ، بالفَرْضِ والرَّدِّ.
فصل: فإن لم يَتْرُكِ ابنُ المُلاعِنَةِ ذا سَهْمٍ فالمالُ لعَصَبَةِ أُمِّه في قولِ الجماعةِ. وقد رُوِيَ ذلك عن عليٍّ. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: هو بينَ ذَوي الأرْحامِ كمِيراثِ غيرِه. ورَوَوْه عن عليٍّ. وذلك مِثلُ خالٍ وخالةٍ، وابنِ أخٍ وأُختِه، المالُ للذَّكَرِ. وفي قولِ أبي حنيفةَ، هو بينَهما في المسْألَتَين نِصْفَين.
стр. 8680
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خالةٌ لأبٍ وأُمٍّ وخالٌ لأبٍ، المالُ للخالِ. وقال أبو حنيفةَ: هو للخالةِ.
خالةٌ وبنتُ بنتٍ، المالُ بينَهما على أربعةٍ. وإذا لم يُخَلِّفِ ابنُ المُلاعِنَةِ إلَّا ذا رحِمٍ، فحكمُهم في ميراثِه كحكمِهم في ميراثِ غيرِه، على ما نذكرُه.
فصل: وإذا قُسِم ميراثُ ابنِ المُلاعِنَةِ ثُمَّ أكْذَبَ المُلاعِنُ نَفْسَه، لحِقَه الولدُ ونُقِضَتِ القِسْمَةُ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَلْحَقُه النَّسَبُ بعدَ موتِه إلَّا أن يكُونا تَوْأمَين مات أحدُهما وأكذَب نَفْسَه والأخُ باقٍ، فيَلْحَقُه نَسَبُ الباقي والميِّتِ معًا. وقد مضَى الكلامُ معه في غيرِ هذا المَوْضِعِ.
فصل: ولو كان المَنْفِيُّ باللِّعانِ تَوْأمَينْ، ولهما أخٌ آخَرُ من الزَّوجِ لم يَنْفِه، فماتَ أحدُ التَّوْأمَين، فميراثُ تَوْأمِه منه كمِيراثِ الآخَرِ في قولِ الجمهورِ. وقال مالكٌ: يرثُه تَوْأمُه كمِيراثِ أخٍ لأبَوَين؛ لأنَّه أخُوهُ لأبَوَيه، بدليلِ أنَّ الزُّوْجَ لو أقَرَّ بأحَدِهما لَحِقَه الآخرُ. وهذا أَحَدُ الوَجْهَين لأصْحابِ الشَّافعيِّ. ولَنا، أنَّهما تَوْأمان لم يثْبُتْ لهما أبٌ يَنْتَسِبان إليه، فَأشْبَها (١) تَوْأَمَي الزَّانيةِ، ولا خلافَ في تَوْأَمَي الزَّانيةِ. وفارَق هذا ما إذا اسْتَلْحَق أحدَهما؛ لأنَّه ثَبَت باستِلْحاقِه أنَّه أبُوهما.
فصل: قولُهم: إنَّ الأُمَّ عَصَبَةُ ولدِها. أو: إنَّ عَصَبَتَها عَصَبتُه. إنَّما
стр. 8681
وَإِذَا مَاتَ ابْنُ ابْنِ مُلَاعِنَةٍ وَخَلَّفَ أُمَّهُ وَجَدَّتَهُ، فَلأُمِّهِ
ــ
هو في الميراثِ خاصَّةً، كقولِنا في الأخَواتِ مع البناتِ. فعلى هذا، لا يَعْقِلُون عنه، ولا تَثْبُتُ لهم ولايةُ التَّزْويجِ ولا غيرِه. هذا قولُ الأكْثرينَ. وقد رُوِيَ عن عليٍّ، ﵁، أنَّه قال لأولياءِ المرجومةِ في ولدِها: هذا ابْنُكم، تَرِثُونَه ولا يَرِثُكُم، وإنْ جَنى فعليكم (١). ورُوي هذا عن عبدِ اللهِ، وإبراهيمَ. ولَنا، أنَّهم إنَّما ينْتَسِبون إليه بقَرابةِ الأُمِّ فلم يَعْقِلوا عنه، ولم تثْبُتْ لهم ولايةُ التَّزويجِ، كما لو عَلِم أبُوه، ولا يلزمُ مِن التَّعْصيبِ في الميراثِ التَّعْصيبُ في العَقْلِ والتَّزْويجِ، بدليلٍ الأخَواتِ مع البناتِ. فأمّا إِن أَعْتَقَ ابنُ المُلاعِنَةِ عَبْدًا ثم مات، ثم مات المَوْلَى وخَلَّف أُمَّ مَوْلاه وأخا مَوْلاه، احْتَملَ أن يَثْبُتَ لهما الإِرْثُ بالولاءِ؛ لأنَّ التَّعْصيبَ ثابتٌ. وحُكِي ذلك عن أبي يوسفَ. وهل يكونُ للأُمِّ أو للأخ؟ على الرّوايتينِ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَثْبُتَ لهما ميراثٌ؛ لأنَّ النِّساءَ لا يَرِثْنَ من الوَلاءِ إلَّا ما أعْتَقْنَ أو أعْتَق مَن أعتقْنَ، فكذلك مَن يُدْلِي بهنّ. وما ذكرْناه للاحْتمالِ الأوَّلِ يَبْطُلُ بالأخواتِ مع البناتِ، ومَن عَصَّبَهُنَّ أخوهُنَّ من الإِناثِ.
٢٧٩٣ - مسألة: (وإذا مات ابنُ ابنِ المُلاعِنَةِ وخَلَّفَ أُمَّهُ
стр. 8682
الثُّلُثُ وَبَاقِيهِ لِلْجَدَّةِ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَين. وَهَذِهِ جَدَّةٌ وَرِثَتْ مَعَ أُمٍّ أكْثَرَ مِنْهَا.
ــ
وجَدَّتَه، فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ والبَاقِي للجَدَّةِ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَين. وهَذِه جَدَّة وَرثَتْ مع أُمٍّ أكْثَرَ مِنها) إذا مات ابنُ ابنِ المُلاعِنَةِ وخَلَّف أُمَّه وأمَّ أبيه، فلأُمِّه الثُّلُثُ والبَاقي لها بالرَّدِّ. وهذا قولُ عليٍّ وعلى الرِّوايةِ الأُخْرى الباقي لأُمِّ أبيه؛ لأنَّها عَصَبَةُ أبيه. وهذا قولُ ابنِ مَسْعودٍ. ويُعايَىَ بها فيُقالُ: جدّةٌ ورِثَتْ مع أُمٍّ أكْثَرَ منها. وإن خَلَّف جَدَّتَيه، فالمالُ بينهما بالفرضِ والرَّدِّ على قولِ عليٍّ وفي قولِ ابنِ مَسْعودٍ، لهما السُّدْسُ فَرضًا بينهما وباقي المالِ لأمِّ أبيه.
أمُّ أمٍّ وخالُ أبٍ لأمٍّ؛ الأمُّ السُّدْسُ. وفي الباقي قولان (١)؛ أحدُهما، أنَّه لها بالرَّدِّ. والثّاني، لخالِ الأبِ. وفي قول عليٍّ، الكلُّ للجَدَّةِ.
خالٌ وعَمٌّ وخالُ أبٍ وأبو أمِّ أبٍ، المالُ للعمِّ؛ لأنَّه ابنُ المُلاعِنَةِ، فإن لم يكنْ عمٌّ فلأبي أمِّ الأبِ؛ لأنَّه أُبُوها، فإن لم يكنْ [فلخالِ الأبِ، فإن لم يكنْ] (٢) فللْخالِ؛ لأنَّه ذو رَحِمِه.
بِنْتٌ وعَمٌّ، للبِنْتِ النِّصْفُ والباقي للعَمِّ. وفي قولِ عليٍّ الكلُّ للبِنْتِ؛ لأنَّه يُقَدِّمُ الرَّدَّ على تَوْريثِ عَصَبَةِ أُمِّه.
стр. 8683
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِنْتٌ وأُمٌّ وخالٌ، المالُ بينَ البِنْتِ والأُمِّ على أربعةٍ، بالفَرْضِ والرَّدِّ، ولا شيءَ للخالِ؛ لأنَّه ليس بعَصَبَةِ المُلَاعِنَةِ، ولو كان بَدَلَ الخالِ خَالُ أبٍ كان الباقي له؛ لأنَّه عَصَبَةُ المُلاعِنَةِ.
فأمّا ابنُ ابنِ ابنِ الملاعِنَةِ، فإذا خَلَّف عَمَّه وعَمَّ أبيه، فالمالُ لعَمِّهِ؛ لأنَّه عَصَبَتُه، وهذا يَنْبَغِي أن يكونَ إجْماعًا. وقد قال بعضُ النّاسِ: يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ عَمُّ الأبِ أوْلى؛ لأنَّه ابنُ المُلاعِنَةِ. وهذا غلطٌ بَيِّنٌ؛ لأنَّ العصباتِ إنَّما يُعْتَبَرُ أقْرَبُهم من المَيِّتِ، لا مِن آبائِه. وإن خَلَّف ثلاثَ جَدَّاتٍ مُتَحاذِياتٍ، فالسُّدْسُ بينَهنَّ والباقي يُرَدُّ عليهنَّ في إحْدى الرِّوايَتَين. وهو قولُ عليٍّ. وفي الثّانيةِ لأُمِّ أبي أبيه. وهو قولُ ابنِ مسعودٍ. وإن خَلَّف أمَّه وجَدَّتَه وجدَّةَ أبيه، فلأمِّه الثُّلُثُ ولا شيءَ لجدَّتِه. وفي الباقي روايتان؛ إحداهما، يُرَدُّ على الأُمِّ. والثانيةُ، لجدَّةِ أبيه. وإن خَلَّف خاله وخال أبيه وخال جَدِّه، فالمالُ لخالِ جَدِّه، فإن لم يكنْ فلخالِه، ولا شيءَ لخالِ أبيه.
فأمّا ولَدُ بِنْتِ المُلاعِنَةِ، فليستِ المُلاعِنَةُ عَصَبَة لهم في قولِ الجميعِ؛ لأنَّ لهم نَسَبًا معروفًا مِن جهةِ أبيهم، وهو زوجُ بِنْتِ المُلاعِنَةِ. ولو أعْتَقَتْ بِنْتُ المُلاعِنَةِ عبدًا ثم ماتَت ثم مات المَوْلَى وخلَّفَت أمَّ مَوْلاتِه، وَرِثَت مال الموْلَى؛ لأنَّها عَصَبَةٌ لبنتِها، والبِنْتُ عَصَبَةٌ لمولاها، في أحدِ الوجهين، وقَدْ ذَكَرْناهما في ابنِ المُلاعِنَةِ.
فصل: والحكمُ في ميراثِ ولدِ الزنى في جميعِ ما ذكرْنا كالحكمِ في ولدِ المُلاعِنَةِ، على ما ذكرنا مِنَ الأقوالِ والاختلافِ، إلَّا أنَّ الحسنَ بنَ
стр. 8684
فصل: وَلِلْجَدَّاتِ السُّدْسُ -وَاحِدَةً كَانَتْ أوْ أكْثَرَ- إِذَا تَحَاذَينَ.
ــ
صالحٍ قال: عَصَبَةُ ولدِ الزنى سائرُ المسلمين؛ لأنَّ أُمَّه ليستْ فِراشًا بخلافِ ولدِ المُلاعِنَةِ. والجمهورُ على التّسْويَةِ بينهما؛ لانْقِطاعِ نَسَب كلِّ واحدٍ منهما مِن أبيه، إلَّا أنَّ ولدَ المُلاعِنَةِ يَلْحَقُ المُلاعِنَ إذا اسْتَلْحَقَه، وولدُ الزِّنى لا يَلْحَقُ الزَّانِيَ في قولِ الجمهورِ. وقال الحسنُ، وابنُ سيرينَ: يَلْحَقُ الواطِئَ إذا أُقيم عليه الحدُّ ويَرِثُه. وقال إبراهيمُ: يَلْحقُه إذا جُلِد الْحَدَّ أو مَلَك المَوْطوءَةَ. وقال إسحاقُ: يَلْحَقُه. وذُكِر عن عُرْوَةَ وسليمانَ بنِ يَسارٍ نحوُه. وروَى عليُّ بنُ عاصِم عن أبي حنيفةَ، أنّه قال: لا أرَى بأسًا إذا زَنى الرّجلُ بالمرأةِ فحَمَلت منه، أن يتزوّجَها مع حَمْلها ويستُرَ عليها، والولدُ ولدٌ له. وأجْمَعُوا على أنَّه إذا وُلِد على فِراشِ رَجُل فادَّعاه آخرُ (١)، أنَّه لا يَلْحَقُه، وإنَّما الخِلافُ فيما إذا وُلِد على غيرِ فراش. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، ولِلْعَاهِرِ الحَجَرُ» (٢). ولأنَّه لا يَلْحَقُ به إذا لم يَسْتَلْحِقْه، فلم يَلْحَقْ به بحالٍ، كما لو كانتْ أمُّه فِرَاشًا، أو كما لو لم يُجْلَدِ الحَدَّ (٣) عندَ مَن اعْتَبَره. والله أعلمُ.
فصل: قال، ﵀: (وللجَدَّاتِ السُّدْسُ -وَاحِدَةً كانت أوْ
стр. 8685
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أكْثَرَ- إذا تَحَاذَينَ) قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَع أهلُ العلمِ على أنَّ للجَدَّةِ السُّدْسَ إذا لم تكنْ أمٌّ للمَيِّتِ. وحَكى غيرُه روايةً شاذَّةً [عن ابن عباسٍ] (١)، أنَّها بمنزلَةِ الأمِّ؛ لأنَّها تُدْلِي بها، فقامَت مَقامَها عند عَدَمِها، كالجَدِّ يَقُومُ مَقامَ الأبِ. ولَنا، ما روَى قَبِيصَةُ بنُ ذُؤَيبٍ، قال: جاءَتِ الجَدَّةُ إلى أبي بكرٍ تَطْلُبُ مِيرَاثَها، فقال: مَا لَكِ في كِتابِ اللهِ شيءٌ، وَما أعْلمُ لكِ في سُنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ شيئًا، ولكنِ ارْجِعي حتى أسْألَ الناسَ. فقال المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ: حَضَرْتُ رسولَ اللهِ ﷺ أعْطَاهَا السُّدْسَ. فقال: هل معكَ غَيرُك؟ فشَهِد له محمدُ بنُ مَسْلَمَةَ، فأمْضاه لها أبو بكرٍ، ﵁، فلَمّا كان عمرُ، ﵁، جاءَتِ الْجَدَّةُ الأُخرَى، فقال: ما لكِ في كتابِ اللهِ شيءٌ، وما كان القَضَاءُ الذي قُضِيَ به إلَّا في غَيرِكِ، وما أنا بزائِدٍ في الفرائضِ شيئًا، ولكنْ هو ذاك السُّدْسُ، فإنِ اجْتَمَعْتُما فهو لكما، وأيُّكُما خَلَت به فهو لها (٢). رَواه مالكٌ في «المُوَطَّأَ»، [وأبو داودَ] (٣)، والتِّرْمِذِيُّ، وقال: حديثٌ حسن صحيحٌ. وأمّا الجَدُّ فلا يَقُومُ مَقامَ الأبِ في جميعِ أحْوالِه على ما ذكرْناه. وأَجمَع أهلُ العلمِ على أنَّ الأمَّ تَحْجُبُ الجَدَّاتِ مِن جميعِ الجهاتِ. وعن بُرَيدَةَ، أنَّ النبيَّ